← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

٣٨ - وقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ صيغة تعجبٍ لفظه لفظ الأمر، ومعناه الماضي، فعجب الله نبيه ﷺ منهم؛ أي (١): ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة حين لا ينفعهم السمع والبصر، أخبر - سبحانه - أنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا أو يبصروا في الدنيا، وقيل: معناه التهديد بما يسمعون ويبصرون مما يسوءهم ويصدّع قلوبهم. وعبارة النسفي هنا: الجمهور على أن لفظه أمر ومعناه التعجب، والله تعالى لا يوصف بالتعجب، ولكن المراد أن أسماعهم وأبصارهم جدير بأن يُتعجب منهما بعدما كانوا صمًّا وعميًّا في الدنيا، قال قتادة: إن عموا وصموا عن الحق في الدنيا .. فما أسمعهم وما أبصرهم بالهدى يوم لا ينفعهم و ﴿بِهِمْ﴾ مرفوع المحل على الفاعلية كأكرم يزيد، فمعناه كرم زيد جدًّا ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾ أقيم الظاهر مقام المضمر؛ أي: لكنهم اليوم في الدنيا بظلمهم أنفسهم حيث تركوا الاستماع والنظر حين يُجدي عليهم، ووضعوا العبادة في غير موضعها ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ وخطأٍ عن الحق ﴿مُبِينٍ﴾؛ أي: ظاهر وهو اعتقادهم عيسى إلهًا معبوداً مع ظهور آثار الحدوث فيه، إشعارًا بأن لا ظلم أشدّ من ظلمهم. والمعنى: أي (٢) لئن كان هؤلاء الكفار الذين جعلوا لله أندادًا، وزعموا أن له ولدًا عميًا في الدنيا عن إبصار الحق، والنظر إلى حجج الله التي أودعها في الكون دالةً على وحدانيته، وعظيم قدرته، وبديع حكمته، صماً عن سماع آي كتبه، وما دعتهم إليه الرسل مما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم .. فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة، وما أبصرهم حينئذ حيث لا يُجدي السماع والإبصار شيئًا، ويعضون على أناملهم حسرةً وأسفًا ويتمنون على الله الأمانيّ، فيودّون الرجوعَ إلى الدنيا، ليتداركوا ما فاتهم من صالح العمل، ولكن هيهات هيهات، فقد فات الأوان. صَاحِ هَلْ رَأَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعِ ... رَدَّ في الضَّرْعِ مَا قَرَى فِيْ الْحِلاَبِ

стр. 7457

ومن ثم لا يجاب لهم طلب، بل يقال لكل أفاك أثيم ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾. ٣٩ - ثم أمر - سبحانه - نبيه ﷺ أن ينذر قومه المشركين جميعًا، فقال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: وخوّف يا محمد كفار مكة والناس جميعًا ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾؛ أي: أهوال يوم السيرة والندامة، ليتوبوا عما هم عليه من الكفر والعصيان، وهو يوم القيامة سمي بذلك؛ لأن المسيء يتحسر هلا أحسن العمل والمحسن هلا زاد في الإحسان, وقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: بدل من لوم الحسرة، أي: إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها, ولأهل الجنة بالخلود فيها، بذبح الموت، وذبحه تصوير لأن كلاً من الفريقين يفهم فهماً لا لبس فيه، أنه لا موت بعد ذلك، وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عن ذلك اليوم وأهواله في الدنيا وكذا قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: لا يصدقون بالقيامة والبعث والمجازاة: جملتان (١) حاليتان من مفعول أنذرهم؛ أي: وأنذرهم وهم على هاتين الحالتين، أو حالان من الضمير المستتر في قوله: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: استقروا ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهم على هاتين الحالتين السيئتين، وعلى هذا يكون قوله ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ اعتراضًا. والمعنى: أي (٢) وأنذر يا محمد الناس جميعًا، يوم يتحسر الظالمون على ما فرّطوا في جنب الله، حين فرغ من الحساب، وذهب أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ونودي كلٌّ من الفريقين: لا خروج من هذا بعد اليوم، ولا موت بعد اليوم، وهم في الدنيا غافلون عن ذلك اليوم غير مصدقين به. روى الشيخيان، والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح يخالط بياضه سواد، فينادِي مناد: يا أهل الجنة، فيشرئبون فيشرفون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار

стр. 7458

فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؛ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلّهم قد رآه، فيذبح بين الجنة والنار، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت" ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾، زاد الترمذي: "ولو أنّ أحدًا مات فرحًا .. لمات أهل النار". ولو أن أحدًا مات حزنًا .. لمات أهل النار". ٤٠ - ثم سلَّى رسوله وتوعد المشركين فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ﴾. تأكيد للضمير في ﴿إِنَّا﴾ لأنه بمعناه، فإن قيل: ما الفائدة في ﴿نَحْنُ﴾ وقد كفت عنها ﴿إِنَّا﴾ .. فالجواب: أنه لما جاز في قول المعظم ﴿إِنَّا﴾ نفعل أن يوهم أن أتباعه فعلوا .. أبانت (نحن) بأنّ الفعل مضاف إليه حقيقةً، ذكر الجواب عنه ابن الأنباري، ذكره ابن الجوزي ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾؛ أي: نميت سكان الأرض جميعًا، فلا يبقى بها أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض ومن عليها حيث أماتهم جميعًا، فإن قيل: فلم قال ﴿وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ وهو يرث الآدميين وغيرهم .. فالجواب أن ﴿مَنْ﴾ تختص أهل التمييز، وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض، ويجرون مجراها، ذكر الجواب عن هذا السؤال لابن الأنباري أيضًا. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾؛ أي: يردون إلينا يوم القيامة، لا إلى غيرنا، فنجازي كلاً بعمله. والمعنى: أي لا يحزنك أيها الرسول تكذيب المشركين لك فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير الخلق أجمعين، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس بعد فنائهم، ثم نجازي كلّ نفسٍ بما عملت حينئذٍ، فنجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقرأ الجمهور (١): ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء من تحت مبنيًا للمفعول، والأعرج: بالتاء من فوق، وقرأ السلميّ، وابن أبي إسحاق، وعيسى: بالياء من تحت مبنيًا للفاعل، وحكى الدانيّ عنهم بالتاء.

стр. 7459

٤١ - قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾؛ أي: واتل يا محمد على قومك في القرآن، أو في هذه السورة ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: قصة إبراهيم الخليل ﵇ ونبأه وبلغها إياهم، كقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ وذلك (١) أن أهل الملل كانوا يعترفون بفضله، ومشركو العرب يفتخرون بكونهم من أبنائه، فأمر الله تعالى حبيبه ﵇ أن يخبرهم بتوحيده الذي هو ملة إبراهيم، ليقلعوا عن الشرك، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح، وجملة قوله ﴿إِنَّهُ كَانَ﴾؛ أي: إن إبراهيم كان ﴿صِدِّيقًا﴾؛ أي: ملازمًا للصدق في كل ما يأتي وما يذر، مبالغًا فيه قائمًا به في جميع الأوقات ﴿نَبِيًّا﴾؛ أي: رفيع القدر عند الله، وعند الناس، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطةً بينه وبين عباده، تعليل (٢) لما تقدم من الأمر لرسول الله ﷺ بأن يذكره، وهي معترضة بين البدل الآتي والمبدل منه، وقرأ أبو البرهشيم ﴿إنه كان صادقًا﴾ وقوله: ﴿نَبِيًّا﴾ خبر آخر لكان مقيد (٣) للأول، مخصص له أي: كان جامعًا بين الصديقية والنبوة، وذلك أن الصديقية تلو النبوة، ومن شرطها أن لا يكون نبيًا إلا وهو صديق، وليس من شرط الصديق أن يكون نبيًا، ولأرباب الصدق مراتب: صادق، وصدوق، وصديق، فالصادق من صدق في قيامه مع الله بالله وفي الله، وهو الفاني عن نفسه، والباقي بربه، والفرق بين الرسول والنبي: أن الرسول من بعث لتبليغ الأحكام ملكًا كان أو إنسانًا، بخلاف النبي فإنه مختص بالإنسان. فائدة (٤): عاش إبراهيم ﵇ من العمر مئةً وخمسًا وسبعين سنةً، وبينه وبين آدم ألفا سنةٍ، وبينه وبين نوح ألف سنة، كما ذكره السيوطي في "التحبير". ٤٢ - وقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ بدل اشتمالِ من إبراهيم؛ أي: من خبره المقدر، والمبدل منه محذوف، والبدل باعتبار ما أضيف إليه الظرف، وهو قوله: ﴿قَالَ﴾

стр. 7460

لِأَبِيهِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إذ قال إبراهيم ﵇ لأبيه آزر متلطفاً في الدعوة، مسهلًا له ﴿يَا أَبَتِ﴾؛ أي: يا أبي فإن التاء عوض عن ياء الإضافة، ولذلك لا يجتمعان في أفصح اللغات، فلا يقال: يا أبتي لامتناع الجمع بين العوض والمعوض عنه، ولا يقال أيضًا: يا أبتا في أفصح اللغات، لكون الألف بدلًا من الياء، كما بسطنا البحث عن ذلك في رسالتنا "هدية أولي العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف" وقرأ ابن عامر، والأعرج، وأبو جعفر. ﴿يا أبت﴾ بفتح التاء، وقد لحن هارون هذه القراءة، وفي مصحف عبد الله ﴿واأبت﴾ بواوٍ بدل ياءٍ، ذكره في "البحر". والاستفهام في قوله: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ للإنكار والتوبيخ، واللام فيه حرف جر دخلت على ما الاستفهامية، كما يدخل عليها غيرها من حروف الجر في قولك: بم، وعلام، وفيم، وإلام، ومم، وعم، وحذفت ألفها فرقًا بينها وبين ما الموصولة، إذا دخل عليها حرف الجر وقيل استعمال الأصل فيها، و (ما) في قوله: ﴿مَا لَا يَسْمَعُ﴾ عبارةُ (١) عن الصور والتماثيل؛ أي: يا أبي لم تعبد الأصنام والتماثيل التي لا تسمع ثناءَك وتضرعك لها عند عبادتك لها، مريدًا بها الثواب ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ خضوعك وخشوعك بين يديه، وما تفعله من عبادته مريدًا بها الثواب، ويجوز (٢) أن يُحمل نفي السمع والإبصار على ما هو أعم من ذلك؛ أي: لا يسمع شيئًا من المسموعات، ولا يُبصر شيئًا من المبصرات ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾؛ أي: ولا ينفعك شيئًا من الأشياء، فلا يجلب لك نفعًا، ولا يدفع عنك ضررًا، أو ولا يدفع عنك شيئًا من عذاب الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فـ ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، أو ولا يغنيك شيئًا من الإغناء، وهو القليل منه، فـ ﴿شَيْئًا﴾ مصدر؛ أي: ولأي شيء، ولأي سببٍ تعبدها، مع أن فيها ما يقتضي عدم عبادتها، وهو عدم سمعها وبصرها اهـ. شيخنا.

стр. 7461

ومعنى الآية: أي (١) واتل أيها الرسول على قومك الذين يعبدون الأصنام، ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته، ويدعون أنهم على ملته وهو الصديق النبي حين نهى قومه عن عبادتها، وقال لأبيه: ما الذي حبب إليك أن تعبد ما لا يسمع ثناءك على حين عبادتك له، ولا يبصر خشوعك وخضوعك بين يديه، ولا ينفعك فيدفع عنك ضرًا إذا استنصرت به. وقد سلك ﵇ في دعوته أجمل الآداب في الحجاج، واحتج بأروع البرهانات، ليرده عن غيه، ويقفه على طريق الهدى والرشاد، فاستهجن منه أن يعبد ما يستخف به كل ذي لب، ويأبى الركون إليه كل ذي عقل، فالعبادة هي القصوى في التعظيم، فلا يستحقها إلا الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب، لا الأصنام التي لا تسمع الأصوات، ولا تنظر الأشياء، وتعجز عن جلب المنافع ودفع المضار. وقصارى ما قال: أن الإنسان السميع البصير، يأنف أن يعبد نظيره، فكيف تعبد ما خرج عن الألوهية بفقره وضعفه واحتياجه إلى من يصنعه، وعن الإنسانية بفقد العقل، وعن الحيوانية بفقد الحواس، أما كان لك عبرة في حاجته وفقده السمع والبصر. واعلم: أن إبراهيم ﵇ أورد على أبيه الدلائل والنصائح، وصدر كلاً منها بالنداء المضمن للرفق واللين، استمالةً لقلبه، وامتثالًا لأمر ربه، ٤٣ - ثم كرر دعوته إلى الحق فقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي﴾؛ أي: قد وصل إلى بطريق الوحي ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ باللهِ ومعرفته ﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾؛ أي: نصيب لم يصل إليك، وأنه قد تجدد لي حصول ما أتوصل به منه إلى الحق، وأقتدر به على إرشاد الضالّ ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ على ديني من الإيمان والتوحيد، ولا تستنكف عن التعلم مني ﴿أَهْدِكَ﴾ وأدلك ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾؛ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى أسنى المطالب منجيًا من الضلال والمعاطب (٢)، ولم يشافهه بالجهل المفرط، وإن كان في أقصاه، ولم

стр. 7462

يصف نفسه بالعلم الفائق، وإن كان كذلك، بل جعل نفسه في صورة رفيق له في مسير يكون أعرف، وذلك من باب البِرِّ والرفق واللطف. والمعنى: أي (١) يا أبي إني وإن كنت من صلبك، وتراني أصغر منك، لأني ولدك، فاعلم أني قد اطلعت من العلم ما لم تعلمه أنت، ولا اطلعت عليه، فاتبعني أهدك طريقًا مستقيمًا لا زيغ فيه، يوصلك إلى نيل المطلوب، وينجيك من كلّ مرهوب. وفي قوله: ﴿قَدْ جَاءَنِي﴾ إيماء إلى أن هذه المحاورة كانت بعد أن نبىء، ولم يعين ما جاءه ليشمل كل ما يوصله إلى الجنة ونعيمها، ويبعد به عن النار وعذابها. ٤٤ - ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ فإن عبادتك للأصنام عبادة له، إذ هو الذي يزينها لك، ويغريك عليها، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾؛ أي: عاصيًا له، مخالفًا لأمره، حين ترك ما أمره به من السجود لآدم، ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه .. فهو عاص لله، ومعلوم أن طاعة العاصي تورث النقم، وتسلب النعم والتعرض (٢) لعنوان الرحمانية لإظهار كمال شناعة عصيانه، قال الكسائي: العصي والعاص بمعنى واحد، ٤٥ - ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ﴾ إن مت على ما أنت عليه من متابعة الشيطان، وعصيان الرحمن ﴿أَنْ يَمَسَّكَ﴾ ويصيبك ﴿عَذَابٌ﴾ كائن ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ﴾ يا أبي ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾؛ أي: مقارنًا له في اللعن المخلد، والعذاب المؤبد، أو قريبًا منه في النار، تليه ويليك من الولي وهو القرب، قال الفراء (٣): معنى ﴿أخاف﴾ هنا: أعلم، وقال الأكثرون، إن الخوف هنا محمول على ظاهره؛ لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازمًا بذلك لم يشتغل بنصحه، ومعنى الخوف على الغير هو: أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير.

стр. 7463

والمعنى: يا أبي إني أخاف لمحبتي لك، وغيرتي عليك، أن يصيبك عذاب من الرحمن على شركك وعصيانك ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾؛ أي: قرينًا وتابعًا له في النار. وقصارى ذلك: إني أخاف أن تكون تابعًا للشيطان في الدنيا، فيمسك عذابٌ من الرحمن في العقبى. ٤٦ - ولما دعا إبراهيم أباه إلى التوحيد، وذكر الدلائل على فساد عبادة الأوثان، وأردف ذلك بالوعظ واللطف .. قابله أبوه بجواب هو على الضد من ذلك، حيث قابله بالغلظة والفظاظة والقسوة ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ استئنافٌ بيانيٌ كأنه قيل: فماذا قال أبوه عندما سمع منه هذه النصائح الواجبة القبول؟ فقيل: قال أبوه آزر مصرًا على عناده، ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ أي: أمعرض أنت عن عبادة آلهتي، وأصنامي، ومنصرف إلى غيرها يا إبراهيم؛ أي (١): أتاركها أنت، وتارك عبادتها، والاستفهام فيه للتقريع والتوبيخ والتعجيب، وَجْهُ الإنكار (٢) إلى نفسه الرغبةُ مع ضرب من التعجب، كأن الرغبة عنها مما لا يصدر عن العاقل، فضلًا عن ترغيب الغير عنها، قدم الخبر على المبتدأ للاهتمام به، والأولى كونه مبتدأ، وأنت فاعله سد مسد الخبر، لئلا يلزم الفصل بين الصفة وما يتعلق بها، وهو (عن). والخلاصة: أتكره آلهتي ولا ترغب في عبادتها يا إبراهيم، ثم توعده فقال: والله ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ وتنزجر يا إبراهيم، وترجع عما أنت فيه من النهي عن عبادتها والدعوة إلى ما دعوتني إليه .. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ بالحجارة، وأرمينك بها حتى تموت، أو تبعد عني، وقيل (٣) باللسان فيكون معناه لأشتمنك، وقيل: معناه لأضربنك، وقيل: لأظهرن أمرك، وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾: معطوف على ما دل عليه، لأرجمنك؛ أي: فاحذرني واتركني ﴿مَلِيًّا﴾؛ أي: زمانًا طويلًا سالمًا مني، ولا تكلمني؛ أي: فاحذرني وأبعد عني بالمفارقة من الدار والبلد دهرًا طويلًا، من الملاوة وهو الدهر، ومنه قول مهلهل:

стр. 7464

فَتَصَدَّعَتْ صُمُّ الْجِبَالِ لِمَوْتِهِ ... وَبَكَتْ عَلَيْهِ الْمُرْمِلاَتُ مَلِيَّا وقيل معناه: اعتزلني سالم العرض، لا تصيبك مني معرة، واختار هذا ابن جرير، فـ ﴿مَلِيًّا﴾ على هذا: منتصب على الحال من إبراهيم، وعلى القول الأول منتصب على الظرفية. وقد قابل (١) الأب رفق الابن بالعنف، فلم يقل: يا بني، كما قاله الابن ﴿يَا أَبَتِ﴾ وقابل وعظه بالسفاهة إذ هدده بالشتم أو بالضرب بالحجارة بقوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ وفي ذلك تسليةٌ للنبي ﷺ وتأسية له بإبراهيم فيما كان يلقى من الأذى من قومه، ويقاسيه منهم، ومن عمه أبي لهب من العنت والمكروه. ٤٧ - فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد .. ﴿قَالَ﴾ إبراهيم استئناف بياني ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾؛ أي: سلام توديع مني، وتحية مفارقة لك، ومشاركةٍ لك على ما أنت عليه، كائن عليك، لا سلام لطفٍ وإحسان لأنه ليس بدعاءٍ له كقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ على طريقة مقابلة السيئة بالحسنة، ودل على جواز مشاركة المنصوح له إذا أظهر اللجاج. والمعنى: سلمت مني لا أصيبك بمكروه بعد، ولا أشافهك بما يؤذيك ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ والسين فيه للاستقبال، أو لمجرد التأكيد؛ أي: أدعو لك ربي أن يهديك إلى الإيمان, فإن حقيقة الاستغفار للكافر: طلب التوفيق للإيمان المؤدي إلى المغفرة، كما يلوح به تعليل قوله ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ والاستغفار (٢) بهذا المعنى للكافر قبل تبيين أنه يموت على الكفر مما لا ريب في جوازه، وإنما المحظور استدعاؤه له مع بقائه على الكفر، فإنه مما لا مساغ له عقلًا ولا نقلًا، وأما الاستغفار له بعد موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل، وإنما الذي يمنعه السمع، ألا ترى إلى أنه ﵇ قال لعمه أبي طالب: "لا أزال أستغفر لك ما لم أُنْه عنه" فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية. ولا اشتباه في أن هذا الوعد من

стр. 7465

إبراهيم، وكذا قوله ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ وما ترتب عليهما من قوله: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي﴾ إنما كان قبل انقطاع رجاءه عن إيمانه، لعدم تبيّن أمره، كما قال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾. والمعنى: سأطلب لك من ربي الغفران، بأن يوفقك للهداية، أو ينير بصيرتك لقبول الحق، ويرشدك إلى ما فيه الخير، وجملة قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ أي: بليغًا في البر والإلطاف تعليل لما قبلها، والمعنى: سأطلب لك المغفرة من الله فإنه كان بي كثير البر واللطف. وقال الفراء: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾؛ أي: عالمًا لطيفًا، يجيبني إذا دعوته. والمعنى (١)؛ أنه سبحانه للطفه بي، وإنعامه علي، عودني الإجابة، فإذا أنا استغفرت لك .. أغاثك بجوده وكرمه وغفر لك ذنوبك إن تبت إليه وأنبت، ٤٨ - ثم بيّن ما بيَّت النية عليه، وعزم على إنفاذه فقال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾؛ أي: أتباعد عنك، وعن قومك، بالمهاجرة بديني، حيث لم يؤثر فيكم نصائحي ﴿و﴾ أتباعد عـ ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ وتعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأوثان والأصنام، وأمر بديني وأتشاغل بعبادة ربي الذي ينفعني ويضرني، وقد روي أنه ﵇ هاجر إلى بلاد الشام، وفي هجرته هذه تزوج سارة، ولقي الجبار الذي أخدم سارة هاجر ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾؛ أي: وأعبد ربي سبحانه وحده، وأجتنب عبادة غيره من المعبودات ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ﴾؛ أي: أترجّى أن لا أكون ﴿بِدُعَاءِ رَبِّي﴾ المنعم علي ﴿شَقِيًّا﴾؛ أي: خائبًا؛ أي: أترجى عدم كوني خائبًا محرومًا بسبب دعائي وعبادتي إياه، كما خبتم أنتم وشقيتم بعبادة تلك الأوثان، التي لا تجيب دعاءَكم ولا تنفعكم ولا تضركم، وفيه تعريض (٢) لشقائهم في عبادتهم آلهتهم، وفي تصدير الكلام بـ ﴿عسى﴾: إظهار التواضع، ومراعاة حسن الأدب، والمراد بالدعاء هنا العبادة؛ لأن "الدعاء منع العبادة" قيل أراد بهذا الدعاء هو أن يهب الله له ولدًا وأهلًا يستأنس بهم في اعتزاله، ويطمئن إليهم عند وحشته، وقيل: أراد دعاءَه

стр. 7466

لأبيه بالهداية، ٤٩ - وقد حقق ما عزم عليه، فحقق الله سبحانه رجاءه، وأجاب دعاءه فقال: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ﴾؛ أي: فلما اعتزل إبراهيم أباه وقومه ﴿و﴾ اعتزل ﴿مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بالمهاجرة إلى الشام، فارتحل من كوثي إلى الأرض المقدسة ﴿وَهَبْنَا لَهُ﴾ بعد الهجرة ﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ ولده، أي: آنسنا وحشته من فراقهم بأولادٍ أكرم على الله من أبيه وقومه الكفرة؛ لأنه عاش حتى رأى يعقوب، لا عقيب المجاوزة والمهاجرة، فإن المشهور، أن الموهوب حينئذٍ إسماعيل، لقوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ إثر دعائه بقوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ ولعل (١) تخصيصهما بالذكر أنهما شجرة الأنبياء، أو لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضل على انفراده؛ أي: اعتزل أباه وقومه الكفرة، وأصنامهم بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة، ولم يضره فراقهم لا في دين ولا في دنيا، بل نفعه ذلك إذ أبدله (٢) بهم من هم خير منهم، ووهبه بنين وحفدة هم آباء الأنبياء من بني إسرائيل، ولهم الشأن الخطير والقدر العظيم، فقد وهبه إسحاق وولد وإسحاق يعقوب، وقاما مقامه بعد موته وورثا منه النبوة، أما إسماعيل .. فتولى الله سبحانه تربيته بعد نقله رضيعًا إلى المسجد الحرام، فأحيا تلك المشاعر العظام، ومن ثم أفرده بالذكر بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ...﴾ الآية. ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: وكل (٣) واحد من إسحاق ويعقوب، وقال مقاتل: ﴿وَكُلًّا﴾: يعني: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب؛ أي: وكل واحد منهم ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ بنبئهم (٤) الله بعلوم المعارف، وهم ينبئون الخلق بتوحيد الله، وبالإِسلام، وانتصاب (٥) ﴿وَكُلًّا﴾ على أنه المفعول الأول لـ ﴿جعلنا﴾ , قدم عليه للتخصيص، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم؛ أي: كل واحد منهم ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ لا بعضهم دون بعض ٥٠ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء الثلاثة ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: كل خير ديني ودنيوي، مما لم يوهب لأحد من العالمين من المال

стр. 7467

والجاه والأتباع والذرية الطيبة؛ أي: وآتيناهم من فضلنا المديني والدنيوي ما لم نؤته أحدًا من العالمين، فآتيناهم النسل الطاهر، والذرية المباركة، وإجابة الدعاء، واللطف في القضاء، والبركة في المال والأولاد، إلى نحو أولئك من خيري الدنيا والآخرة ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ﴾؛ أي: لهؤلاء المذكورين ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾؛ أي: ثناءً صادقًا ﴿عَلِيًّا﴾؛ أي: رفيعًا مشهورًا دائمًا إلى يوم القيامة، يفتخر بهم الناس، ويثنون عليهم، وتذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة، بما لهم من الخصال المرضية، وتقول هذه الأمة في الصلوات الخمس: "كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم" إلى قيام الساعة، إجابةً لدعوته بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾. والمراد بلسان الصدق (١): الثناء الحسن، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به، كما عُبِّر باليد عن العطية، وإضافته إلى الصدق، ووصفه بالعلوا, للدلالة على أنهم أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن العباد، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار، وتحول الدول، وتبدل الملل. وهذا (٢): توبيخ لكفار مكة، إذ كان مقتضى ترضيهم وثنائهم على المذكورين، أن يتبعوهم في الدين، مع أنهم لم يفعلوا اهـ. شيخنا. الإعراب ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾. ﴿فَأَتَتْ﴾ الفاء: استئنافية ﴿أَتَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَرْيَمَ﴾ ﴿بِهِ﴾ متعلق بمحذوف حال من ضمير الفاعل المستتر في ﴿أَتَتْ﴾؛ أي: حالة كونها مصحوبةً به، كما قاله أبو البقاء، وهو حسن ولا نرى مانعًا من تعلقه بـ ﴿أَتَتْ﴾ و ﴿قَوْمَهَا﴾: مفعول به والجملة، مستأنفة ﴿تَحْمِلُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول والجملة. في محل النصب حال ثانية من فاعل ﴿أَتَتْ﴾ ﴿قَالُوا﴾: فعل

стр. 7468

وفاعل والجملة، مستأنفة ﴿يَا مَرْيَمُ﴾: منادى مفرد العلم، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَال﴾ ﴿لَقَدْ﴾ اللام موطئة للقسم ﴿لَقَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿جِئْتِ﴾: فعل وفاعل ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به ﴿فَرِيًّا﴾ صفة لـ ﴿شَيْئًا﴾ ويجوز إعراب ﴿شَيْئًا﴾ على المصدرية، أي: نوعًا من المجيء غريبًا، والجملة الفعلية: جواب القسم المحذوف وجملة القسم: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء. ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾. ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾: منادى مضاف وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿مَا﴾ نافية ﴿كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿ما﴾: نافية ﴿كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة، معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿فَأَشَارَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية ﴿أشارت﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿مَرْيَمَ﴾ ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به والجملة معطوفة مفرعة على ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل والجملة: مستأنفة ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الحال ﴿نُكَلِّمُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على المتكلمين ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿كَانَ﴾: فعل ناقص، واسمها ضمير يعود على ﴿مَن﴾. ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: جار ومجرور حال من اسم ﴿كَانَ﴾. ﴿صَبِيًّا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة ﴿كَانَ﴾: صلة الموصول. ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على عيسى والجملة: مستأنفة ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾: فعل ماض ونون وقاية ومفعولان وفاعله ضمير يعود على الله،

стр. 7469

والجملة الفعلية، في محل النصب حال من اسم ﴿إن﴾. ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾: فعل ونون وقاية وفاعل مستتر يعود على الله ومفعولان والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ وكذا جملة قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. ﴿أَيْنَ مَا﴾ اسم شرط جازم في محل النصب على الظرفية المكانية مبني على الفتح، والظرف متعلق بفعل الشرط أو بالجواب المحذوف، و ﴿كُنْتُ﴾: تامة والتاء فاعلها وهو في محل الجزم بـ ﴿أَيْنَ﴾ على كونه فعل شرط لها، ويجوز أن تكون ناقصة، والتاء اسمها و ﴿أَيْنَ مَا﴾: متعلق بمحذوف خبرها المقدم، وجواب الشرط: محذوف دل عليه ما قبله تقديره: أينما كنت جعلني مباركاً أو جوابه هو نفس المتقدم عند من يرى ذلك، وجملة الشرط في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ولا يجوز أن تكون استفهامية؛ لأنه يلزم أن يعمل فيها ما قبلها، وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام، فتعين أن تكون شرطية لأنها منحصرة في هذين المعنيين اهـ. "كرخي" ﴿وَأَوْصَانِي﴾: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية معطوفة على ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾. ﴿بِالصَّلَاةِ﴾: متعلق به ﴿وَالزَّكَاةِ﴾: معطوف على ﴿الصلاةِ﴾. ﴿مَا﴾ مصدرية ظرفية ﴿دُمْتُ حَيًّا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره وجملة ﴿دام﴾: صلة ﴿مَا﴾ المصدرية ما مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بإضافة الظرف المقدر إليه والظرف المقدر متعلق بـ ﴿أَوْصَانِي﴾ والتقدير، ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ مدة دوامي ﴿حَيًّا﴾. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾. ﴿بَرًّا﴾ معطوف على ﴿مُبَارَكًا﴾؛ أي: وجعلني بارا ﴿بِوَالِدَتِي﴾: متعلق بـ ﴿بَرًّا﴾. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ جازم وفعل مجزوم وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعولان معطوف على ﴿وَجَعَلَنِي﴾. ﴿شَقِيًّا﴾ صفة لـ ﴿جَبَّارًا﴾. ﴿وَالسَّلَامُ﴾ مبتدأ ﴿عَلَيَّ﴾ خبره والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية ﴿وُلِدْتُ﴾: فعل ونائب فاعل والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾ والظرف: متعلق بالاستقرار الذي

стр. 7470

تعلق به الخبر أعني ﴿عَلَيَّ﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾: معطوفان على ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾. ﴿حَيًّا﴾: حال من فاعل ﴿أُبْعَثُ﴾. ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾. ﴿ذَلِكَ عِيسَى﴾ مبتدأ وخبر والجملة: مستأنفة ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صفة أولى لـ ﴿عِيسَى﴾ ﴿قَوْلَ﴾: صفة ثانية له ﴿الْحَقِّ﴾: بمعنى الله مضاف إليه؛ أي: كلمة الله ﴿الْحَقِّ﴾ كما مر في مبحث التفسير ﴿الَّذِي﴾ صفة ثالثة لـ ﴿عِيسَى﴾. ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْتَرُونَ﴾ وجملة ﴿يَمْتَرُونَ﴾: صلة الموصول هذا على قراءة الرفع، وأما على قراءة النصب فـ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾: منصوب بفعل محذوف تقديره. قال: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾، ﴿الْحَقِّ﴾ بمعنى الصدق ﴿الَّذِي﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ وجملة ﴿يَمْتَرُونَ﴾: صفة له ﴿مَا﴾: نافية ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿كَانَ﴾ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ﴿يَتَّخِذَ﴾: فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ وفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾. ﴿مِنْ﴾ زائدة ﴿وَلَدٍ﴾: مفعول به لـ ﴿يَتَّخِذَ﴾ وجملة ﴿يَتَّخِذَ﴾: مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم ﴿كَانَ﴾ مؤخرًا تقديره ما كان اتخاذ ولد لائقًا بالله وجملة ﴿كَانَ﴾: مستأنفة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره سبح ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان ﴿قَضَى أَمْرًا﴾: فعل ومفعول مفاعله ضمير يعود على ﴿اللهِ﴾ والجملة الفعلية: في محل الجر بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها على كونها فعل شرط لها ﴿فَإِنَّمَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إِذَا﴾ جوازًا ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر ﴿يَقُولُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَهُ﴾: متعلق بيقول وجملة ﴿يَقُولُ﴾: جواب إذا لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة ﴿كُنْ﴾: فعل أمر تام بمعنى أحدث، وفاعله: ضمير يعود على ذلك الأمر وجملة ﴿كُنْ﴾ في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَيَكُونُ﴾: بالرفع الفاء: استئنافية ﴿يَكُونُ﴾: فعل مضارع تام وفاعله ضمير يعود على ذلك الأمر والجملة: في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره (فـ) هو ﴿يَكُونُ﴾ والجملة: مستأنفة وبالنصب هو منصوب بأن

стр. 7471

مضمرة وجوبًا بعد (الفاء) السببية الواقعة في جواب الأمر والجملة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر مقيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى تقديره ليكن تكوينه فكونه. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾. ﴿وَإِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي﴾ ناصب واسمه وخبره ﴿وَرَبُّكُمْ﴾ معطوف على ﴿رَبِّي﴾ والجملة: مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ كما مر في محبث التفسير، هذا على قراءة كسر همزة ﴿إن﴾ وأما على فتحها فعلى تقديره حرف جر متعلق بما بعده، تقديره: و ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره إذا عرفتم أن الله ربي وربكم وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: ﴿اعبدوه﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة ﴿هَذَا صِرَاطٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾: صفة ﴿صِرَاطٌ﴾ والجملة الاسمية: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾. ﴿فَاخْتَلَفَ﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿اخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾: فعل وفاعل والجملة: مستأنفة ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْأَحْزَابُ﴾ تقديره: حالة كون المختلفين بعضهم ﴿فَوَيْلٌ﴾ الفاء: عاطفة ﴿ويل﴾ مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد الدعاء عليهم ﴿لِلَّذِينَ﴾؛ جار ومجرور خبر المبتدأ والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة الفعلية قبلها أعني قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ عطف اسمية على فعلية ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿مِنْ مَشْهَدِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ويل﴾ ﴿يَوْمٍ﴾: مضاف إليه ﴿عَظِيمٍ﴾: صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾ ﴿أَسْمِعْ﴾ فعل تعجب لفظه لفظ الأمر، ومعناه المضي مبني على السكون نظرًا للفظ أو بفتح مقدر على الآخر الساكن نظرًا لمعناه ﴿بِهِمْ﴾ الباء: زائدة زيدت وجوبًا لرفع قبح رفع ما لفظه

стр. 7472

أمر للضمير البارز والهاء: ضمير الغائبين في محل الرفع فاعل والجملة الفعلية: جملة تعجبية لا محل لها من الإعراب ﴿وَأَبْصِرْ﴾: معطوف على ﴿أَسْمِعْ﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿أَسْمِعْ﴾ أو بـ ﴿أَبْصِرْ﴾: على سبيل التنازع ﴿يَأْتُونَنَا﴾ فعل وفاعل ومفعول والجملة: في محل الجر مضاف إليه ليوم ﴿لَكِنِ﴾ حرف استدراك ﴿الظَّالِمُونَ﴾: مبتدأ ﴿الْيَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر ﴿فِي ضَلَالٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ ﴿مُبِينٍ﴾: صفة ﴿ضَلَالٍ﴾ والجملة، الاستدراكية: مستأنفة. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾: فعل أمر ومفعول به وفاعله ضمير يعود على محمد والجملة. مستأنفة ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق بأنذرهم ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان بدل من ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾. ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ﴾: فعل أمر ونائب فاعل والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ والجملة، في محل النصب حال من مفعول ﴿أنذرهم﴾ أو من الضمير المستتر ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ كما مر في مبحث التفسير ﴿وَهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿نَحْنُ﴾ تأكيد لاسم ﴿إِنَّ﴾ الذي هو بمعنى ﴿نَحْنُ﴾ لأنه بمعناه ﴿نَرِثُ الْأَرْضَ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله ﴿وَمَنْ﴾ اسم موصول معطوف على الأرض ﴿عَلَيْهَا﴾: جار ومجرور صلة الموصول والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَإِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ ﴿يُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿مَنْ﴾ الموصولة أو في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿نَرِثُ﴾. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾. ﴿وَاذْكُرْ﴾ الواو: استئنافية ﴿اذْكُرْ﴾: فعل أمر وفاعله ضمير يعود على

стр. 7473

محمد، والجملة: مستأنفة ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ متعلق به ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: مفعول به ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ ﴿صِدِّيقًا﴾: خبر أول لـ ﴿كَانَ﴾. ﴿نَبِيًّا﴾: خبر ثان لها وجملة ﴿كَانَ﴾ أى محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة: ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى أو الزمان، بدل اشتمال أو المضاف المقدر أى ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، والتقدير: واذكر قصة إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿لِأَبِيهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾ والجملة: أى محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ﴾: مقول محكي لـ ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أبت﴾: منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المعوضة عنها تاء التأنيث للتفخيم، منع من ظهورها اشتغال المحل بالفتحة المجلوبة لمناسبة التاء؛ لأن التاء لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا ﴿أب﴾: مضاف وياء المتكلم المعوضة عنها تاء التأنيث أى محل الجر مضاف إليه، مبنية على السكون لشبهها بالحرف شبهًا وضعيًا، وتاء التأنيث المعوضة عن الياء المحذوفة حرف لا محل لها من الإعراب مبنية على الكسر، وإنما حركت لكونها على حرف واحد، وكانت الحركة كسرةً قصدًا لتعويض كسرها عن الكسر الذي كان يستحقه ما قبل الياء أى الأصل، وجملة النداء أى محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿لِمَ﴾ اللام: حرف ﴿مَ﴾ اسم استفهام أى محل الجر باللام مبني على السكون الظاهر على الألف المحذوفة، فرقا بينها وبين ما الموصولة الجار والمجرور متعلق بـ ﴿تَعْبُدُ﴾. ﴿تَعْبُدُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على أبي إبراهيم، والجملة: أى محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَا﴾: موصولة، أو موصوفة أى محل النصب مفعول ﴿تَعْبُدُ﴾. ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَسْمَعُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿مَا﴾ والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة، لها ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ معطوف على قوله ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ وكذا جملة قوله ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ معطوفة عليه ﴿عَنْكَ﴾ متعلق بـ ﴿يُغْنِي﴾. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول به منصوب على المصدرية أى شيئًا أو الإغناء. ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣) يَا أَبَتِ

стр. 7474

لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾. ﴿يَا أَبَتِ﴾: منادى مضاف والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق ﴿جَاءَنِي﴾: فعل ماض ونون وقايه ومفعول به ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾: متعلق بـ ﴿جَاءَنِي﴾. ﴿مَا﴾: موصولة أو موصوفة في الرفع فاعل ﴿جاء﴾، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿يَأْتِكَ﴾: فعل ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وجزمه حذف حرف العلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَا﴾: والجملة: صلة لـ ﴿مَا﴾ أو صفة لها، وجملة ﴿جَاءَنِي﴾: في محل الرفع خبر إنَّ، وجملة من في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: على كونها جواب النداء. ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾: ﴿الفاء﴾: قال الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه قد جاءني أو العلم، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿اتبعني﴾. ﴿اتبعني﴾: فعل أمر ونون وقاية وياء المفعول وفاعله ضمير يعود على أبي إبراهيم، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة إذا المقدرة، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَهْدِكَ﴾: فعل مضارع ومفعول أول مجزوم بالطلب السابق وجزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان ﴿سَوِيًّا﴾: صفة ﴿صِرَاطًا﴾. ﴿يَا أَبَتِ﴾: منادى مضاف ﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ فعل ومفعول مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية وفاعلة ضمير يعود على أبي إِبراهيم، والجملة: في محل النصب مقول قال على كونها جواب النداء. ﴿إِنَّ الشَّيْطَان﴾: ناصب واسمه. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانَ﴾. ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: متعلق بـ ﴿عَصِيًّا﴾. ﴿عَصِيًّا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾: وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ ﴿يَا أَبَتِ﴾: منادى مضاف ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ وجملة ﴿أَخَافُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَنْ يَمَسَّكَ﴾: ناصب يفعل

стр. 7475

مضارع ومفعول به ﴿عَذَابٌ﴾: مفعول به ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾ وجملة ﴿يَمَسَّكَ﴾: في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿أَخَافُ﴾ تقديره: إني أخاف مس عذاب الرحمن إياك ﴿فَتَكُونَ﴾ الفاء: عاطفة ﴿تكون﴾: فعل مضارع ناقص معطوف على ﴿يَمَسَّكَ﴾: واسمها ضمير يعود على أبي إبراهيم ﴿لِلشَّيْطَانِ﴾: متعلق بـ ﴿أَخَافُ﴾. ﴿وَلِيًّا﴾: خبر ﴿تكون﴾. ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على أبي إبراهيم، والجملة: مستأنفة ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ إلى قوله، ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿أَرَاغِبٌ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري ﴿راغب﴾: مبتدأ وسوَّغ الابتداء بالنكرة اعتماده على همزة الإستفهام ﴿أَنْتَ﴾: فاعل سد مسد الخبر ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ متعلق بـ ﴿راغب﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾: منادى مفرد العلم ﴿لَئِنْ لَم﴾ اللام: موطئة للقسم ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿لَمْ﴾ حرف نفي وجزم ﴿تَنْتَهِ﴾؛ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾ وجزمه حذف حرف العلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، والجملة: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾: اللام: موطئة للقسم مؤكدة للأولى. ﴿أرجمن﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف: مفعول به وفاعله ضمير يعود على أبي إبراهيم، والجملة الفعلية، جواب القسم لا محل لها وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ وجواب ﴿إن﴾ الشرطية، محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: إن لم تنته أرجمك وجملة ﴿إن﴾: الشرطية معترضة بين القسم وجوابه لا محل لها من الإعراب ﴿وَاهْجُرْنِي﴾: فعل أمر ونون وقاية وياء مفعول، وفاعله، ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ والجلمة الفعلية، معطوفة على جملة محذوفة، تقديرها: فاحذرني واهجرني عند من يمنع عطف الإنشائية على الخبرية على أن سيبويه يجيز عطف الجملة الخبرية على الإنشائية، فليس هذا التقدير بلازم، فيجوز عطفها على ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾. ﴿مَلِيًّا﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿اهجرني﴾ وقيل: هو حال من فاعل ﴿اهجرني﴾ ومعناه: سالمًا سويًا لا

стр. 7476

يصيبك منى معرة. ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾ ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، والجملة: مستأنفة ﴿سَلَامٌ﴾: مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة، ما فيه من معنى الدعاء ﴿عَلَيْكَ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية. في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿سَأَسْتَغْفِرُ﴾ (السين) حرف تنفيس للاستقبال القريب ﴿أستغفر﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿أستغفر﴾. ﴿رَبِّي﴾: مفعول به والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿كَانَ﴾ فعل ماض واسمه ضمير يعود على الله ﴿بِي﴾: متعلق بـ ﴿حَفِيًّا﴾. ﴿حَفِيًّا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة كان في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، على كونها معللةً لما قبلها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به وفاعله: ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أستغفر﴾ ﴿وَمَا﴾: موصولة أو موصوفة، في محل النصب معطوفة على كاف المخاطبين ﴿تَدْعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها والعائد أو الرابط، محذوف تقديره: ما تدعونه. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه حال من فاعل ﴿تَدْعُونَ﴾: أي: حالة كونكم مجاوزين الله ﴿وَأَدْعُو﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾. ﴿رَبِّي﴾: مفعول به والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أستغفر لك﴾. ﴿عَسَى﴾: فعل ماض ناقص من أفعال الرجاء واسمها ضمير مستتر فيه جوازًا تقديره: هو يعود على الشأن ﴿أَلَّا﴾ ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر ﴿لَّا﴾ نافية ﴿أَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص منصوب بـ ﴿أن﴾ واسمه ضمير يعود على المتكلم ﴿بِدُعَاءِ رَبِّي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَقِيًّا﴾، ﴿شَقِيًّا﴾: خبر ﴿أَكُونَ﴾، وجملة ﴿أَكُونَ﴾: في تأويل مصدر منصوب على كونه خبر ﴿عَسَى﴾؛ تقديره عسى هو - أي: الشأن - عدم كوني ﴿شَقِيًّا﴾ بدعاء ربي، وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.

стр. 7477

﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿لما﴾: ظرفية شرطية غير جازمة متعلقة بجوابها ﴿اعْتَزَلَهُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ والجملة: فعل شرط لـ ﴿لما﴾ ﴿وَمَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب معطوف على ضمير المفعول ﴿يَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول أو صفة الموصوفة والعائد أو الرابط محذوف تقديره: وما يعبدونه ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم مجاوزين الله ﴿وَهَبْنَا﴾ فعل وفاعل جواب ﴿لما﴾ وجملة ﴿لما﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها مستأنفة ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿إِسْحَاقَ﴾ مفعول به ﴿وَيَعْقُوبَ﴾: معطوف عليه ﴿وَكُلًّا﴾: مفعول أوله لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿نَبِيًّا﴾: مفعول ثان له، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَهَبْنَا﴾ على كونه جواب ﴿لما﴾. ﴿وَوَهَبْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَهَبْنَا﴾، الأول ﴿لَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ متعلق به أيضًا ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿وَهَبْنَا﴾. ﴿لَهُمْ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ هو المفعول الأول لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿عَلِيًّا﴾ صفة لـ ﴿لِسَانَ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿فَرِيًّا﴾؛ أي: شيئًا عظيمًا خارقًا للعادة، وهي الولادة بلا أب، والفري: البديع من فرى الجلد، والفري: العظيم من الأمر، يقال: أى الخير والشر، وقيل: الفرى: العجيب، وقيل: المفتعل، ومن الأول الحديث أى وصف عمر بن الخطاب "فلم أر عبقريًا يفري فريه" والفرى: قطع الجلد للخرز والإصلاح، وفي "المختار" فرى الشيء قطعه لإصلاحه، وبابه رمى، وفرى كذبًا خلقه وافتراه واختلقه، والاسم الفرية وقوله: ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾؛ أي: مصنوعًا مختلقًا، وقيل عظيمًا، وأفرى الأوداج: قطعها، وأفرى الشيء: شقّه فانفرى وتفرى، أي: انشق، وقال الكسائي: أفرى الأديم: قطعه على جهة الإفساد وفراه قطعه على

стр. 7478

جهة الإصلاح. ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: والمهد: الموضع يهيأ للصبي، ويوطأ له، والجمع: مهود ومهده كمنعه بسطه، وككتاب الفراش، والأرض كالمهاد والجمع: أمهدة ومهد اهـ. "قاموس" ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾؛ أي: نفاعًا للناس حيثما توجه؛ لأنه كان يحيى الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ويرشد ويهدي ﴿جَبَّارًا﴾، الجبار، المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقًا ﴿شَقِيًّا﴾: والشقي: العاصي لربه ﴿الْأَحْزَابُ﴾: جمع حزبٍ وهم الجماعة و ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: مشهد مفعل، إما من الشهادة وإما من الشهود، وهو: الحضور ومشهد يجوز أن يراد به الزمان أو المكان أو المصدر، فإذا كان من الشهادة كان المراد به الزمان، فتقديره: من وقت شهادة يوم، وأن أريد به المكان فتقديره من كان شهادة يوم، وإن أريد به المصدر فتقديره: من شهادة ذلك اليوم، وأن تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم والملائكة والأنبياء، وإذا كان من الشهود وهو الحضور فتقديره: من شهود الحساب والجزاء يوم القيامة أو من مكان الشهود فيه، وهو الموقف أو من وقت الشهود، وإذا كان مصدرًا بحالتيه المتقدمتين فتكون إضافته إلى الظرف من باب الاتساع، كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ ويجوز أن يكون المصدر مضافًا لفاعله على من يجعل اليوم شاهداً بينهم، إما حقيقةً وإما مجازاً اهـ "سمين". ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ﴾؛ أي: في الدنيا ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾؛ أي: يوم الندامة، هو يوم القيامة حين يندم الناس على ما فرّطوا فى جنب الله ﴿صِدِّيقًا﴾؛ أي: مبالغًا في الصدق لم يكذب قط في أقواله وأفعاله وأحواله، وفي تصديق غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله، والصديق: من أبنية المبالغة، ونظيره الضحيك والنطيق، والمراد: أنه بليغ الصدق في أقواله ﴿صِرَاطًا سَوِيًّا﴾؛ أي: طريقًا مستقيمًا موصلًا إلى نيل السعادة ﴿وَلِيًّا﴾ تليه ويليك في العذاب ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾؛ أي: كاره لها ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾؛ أي: لأشتمنك باللسان، أو لأرجمنك بالحجارة، من رجم يرجم من باب نصر ﴿مَلِيًّا﴾؛ أي: زمنًا طويلًا، ﴿بِي حَفِيًّا﴾؛ أي: مبالغًا فى بري

стр. 7479

وإكرامي من حفي بكذا حفاوةً، إذا اعتنى به وبالغ فى إكرامه اهـ. شيخنا. وفي "المختار" حفي به بالكسر حفاوةً بفتح الحاء فهو حفي، أي: بالغ في إكرامه وإلطافه والعناية بأمره، والحفي أيضًا المستقصى فى السؤال، ومن الأول قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ ومن الثاني قوله تعالى: ﴿كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ اهـ. ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾؛ أي: أترككم بالارتحال من بلادكم، وقد فعل وارتحل من بابل إلى الأرض المقدسة، وفي "القاموس" وبابل كصاحب: موضع بالعراق، وفيه أيضًا وكوثى بالضم بلدة بالعراق اهـ. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التشبيه أى قوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أي: شبيهة هارون في صلاحها وعبادتها. ومنها: الاستفهام التعجبي في قوله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْد﴾. ومنها: التعبير بالماضي عما في المستقبل في قوله: ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾؛ إشارةً إلى تحقق وقوعه. ومنها: التعريض في قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ إن قلنا إن الألف واللام فيه للجنس؛ لأن فيه تعريضاً باللعنة على متَّهمي مريم وأعدائها من اليهود؛ لأن المعنى حينئذ وجنس السلام عليَّ خاصةً فقد عرَّض بأن ضده عليكم ونظيره قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ اهـ "سمين" وقيل: التعريف فيه للعهد لأنه قد تقدم لفظه في قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ كما مر في مبحث التفسير. ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إيذانًا بكفرهم جميعًا، وإشعارًا بعلة الحكم، كما في "أبي السعود" لأن حق المقام أن يقال فويل لهم؛ أي: للأحزاب المختلفين فيه. ومنها: التعجب في قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾.

стр. 7480

ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾؛ أي: أهوال يوم الحسرة. ومنها: التعبير بالماضي عما في المستقبل في قوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إشعارًا بتحقق وقوعه. ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري في قوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ وقوله: ﴿بِدُعَاءِ رَبِّي﴾. ومنها: التهديد والتقريع في قوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِين﴾ والمراد جهنم فأطلق الحال وأريد المحل؛ لأن الضلال لا يحل فيه وإنما يحل في مكانه والعلاقة الحالية، وكذلك قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ والغفلة: لا يحل فيها أيضًا، وإنما يحل أصحابها في أسبابها من الكفر والمعاصي. ومنها: المجاز المرسل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ من إطلاق اسم الآلة وهي: اللسان لأنها آلة الكلام وإرادة ما ينشأ عنها، فعبر باللسان عما يوجد باللسان، كما عبر باليد عما يُفعل باليد وهو العطاء، فهو مجاز علاقته السببية. ومنها: التأكيد في قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ فإن لفظ نحن تأكيد للضمير في ﴿إِنَّا﴾ لأنه بمعناه. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7481

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ...﴾ قدم (١) الكلام في موسى على الكلام في إسماعيل ليكون الحديث عن يعقوب وبنيه في نسقٍ واحد دون فاصل بينهما، وإسماعيل هو إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن ﵉ وقد أثنى عليه ربه بما هو أهله ووصفه بصفاتٍ هي مفخرة البشر ومنتهى السمو والفضل في هذه الدنيا.

стр. 7482

قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما أفرد كل رسول من رسله العشرة الذين سبق ذكرهم بالثناء عليه بما هو جدير به .. أردفه بذكر بعض ما جازاهم به من النعم، فقد هداهم إلى سبل الخير واصطفاهم من سائر خلقه. قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ....﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر حزب السعداء وهم الأنبياء، ومن تبعهم بإحسان ممن قاموا بحدود الدين، فاتبعوا أوامره وأدوا فرائضه، وتركوا نواهيه .. أردف هذا بذكر من خلفهم ممن أضاعوا واجباته، وأقبلوا على شهوات الدنيا ولذاتها، وأعقب هذا بذكر ما ينالهم من النكال والوبال في الآخرة، إلا من تاب وأناب فإن الله يقبل توبته، ويحسن عاقبته، ويجعله من ورثة جنة النعيم، ولا ينقصه شيئًا من جزاء أعماله. قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ ....﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها؛ لما ذكر سبحانه أنه يدخل التائبين الجنة .. وصف هذه الجنة بجملة أوصافٍ كلها غاية في تعظييم أمرها، وشريف قدرها، وجليل خطرها. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لما ذكر قصص الأنبياء ﵈ تثبيتًا له ﷺ وأعقبه بذكر ما أحدثه الخلف بعدهم، وذكر جزاء الفريقين .. أعقب ذلك بقصص تأخر نزول جبريل على النبي ﷺ إذ زعم المشركون أن الله ودَّعه وقلاه، وقد رد عليهم زعمم وأبان لهم أن الأمر على غير ما زعموا. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) أمر بالعبادة، والمصابرة عليها، على ما فيها من مشاق وشدائد .. أبان فائدة ذلك وهي أنها تنجيهم يوم الحشر ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾

стр. 7483

وهو يوم لا ريب فيه، ولا وجه لإنكاره، فإن إعادة الإنسان أهون من بدئه، ثم ذكر ما يلقاه الكافرون يومئذٍ من الذل والهوان، ثم أردف ذلك ببيان أن جميع الخلائق ترد على النار، ولا ينجو منها إلا من اتقى ربه وأخلص عمله. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا" فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: أبطأ جبريل في النزول أربعين يومًا، فذكر نحوه. وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: سأل النبي ﷺ جبريل: "أي البقاع أحب إلى الله، وأي البقاع أبغض إلى الله فقال: ما أدري حتى أسال، فنزل جبريل وكان قد أبطأ عليه، فقال: "لقد أبطأت على حتى ظننتُ أن بربي عليَّ موجدةً، فقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ....﴾ الآية. وأخرج ابن أبي إسحاق عن ابن عباس أن قريشاً سألوا رسول الله ﷺ عن قصة أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، ولم يدر كيف يجيب، فحزن واشتد عليه ذلك، وقال المشركون: إن ربه ودَّعه وقلاه، ومكث خمس عشرة ليلة لا يحدث الله له في ذلك وحيًّا، فنزل جبريل فقال له: "يا جبريل احتبست عني حتى ساء ظني واشتقت إليك" فقال: إني إليك لأشوق ولكني عبد مأمور، إذا بعثت .. نزلت، وإذا حبست .. احتبست، فأنزل الله هذه الآية. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ ...﴾ الآية، روى الكلبي (٢): أنها نزلت في أبيّ بن خلف، أخذ عظمًا باليًا، فجعل يفته بيده، ويذريه في الريح، ويقول: زعم فلان أنّا نبعث بعد أن نموت، ونكون مثل هذا! إن هذا لن يكون أبدًا!! التفسير وأوجه القراءة ٥١ - ولما فرغ سبحانه عن قصة إبراهيم .. أردفه بقصة موسى لأنه يتلوه في

стр. 7484

الشرف والفضل وقدم موسى على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾؛ أي: واتل يا محمد على قومك، وعلى سائر الناس في القرآن، أو في هذه السورة قصة موسى بن عمران ﵇ ﴿إِنَّهُ﴾ أي: موسى ﵇ ﴿كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ أهل الكوفة: عاصم، وحمزة، والكسائي، وكذا أبو رزين، ويحيى، وقتادة: بفتح اللام؛ أي: مصطفًى مختارًا، اختاره الله تعالى (١) ثم استخلصه واصطفاه على عالمي زمانه لرسالة رب العالمين، وكلامه، وقرأ الباقون: بكسر اللام؛ أي: مخلصًا في طاعته وعبادته لله تعالى، ولم يراء ولم يشرك، أو أخلص نفسه وأسلم وجهه لله. والمعنى (٢): واتل أيها الرسول على قومك ما اتصف به موسى ﵇ من صفات الجلال والكمال، التى سأقصها عليك، ليستبين لك علو قدره، وعظيم شأنه، وتلك الأوصاف: أولها: ما ذكره بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾؛ أي: إن الله تعالى أخلصه واصطفاه، وأبعد عنه الرجس وطهره من الذنوب والآثام، كما جاء في الآية الأخرى ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾. وثانيها وثالثها: ما ذكره بقوله: ﴿كَانَ﴾ موسى ﵇ ﴿رَسُولًا﴾ أرسله الله سبحانه إلى الخلق داعيًا ومبشرًا ونذيرًا، والرسول: هو من أرسله الله إلى الناس، ومعه كتاب فيه شريعته التي أرسله بها، كموسى وعيسى ومحمد - عليهم الصلاة والسلام - وقيل: الرسول إنسان أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه إلى الخلق، كهؤلاء المذكورين، وارتضى هذا القول بعضهم، وكان موسى ﵇ ﴿نَبِيًّا﴾ فأنبأهم عن الله، ولذلك قدم ﴿رَسُولًا﴾ مع كونه أخص وأعلى، وقال بعضهم: تأخير ﴿نَبِيًّا﴾ لأجل رعاية الفواصل، والشعبي هو الذي ينبىء عن الله، ويخبر قومه عنه، وليس معه كتاب كيوشع ﵇ وقيل: النبي: إنسان أوحي إليه بشرع يعمل به في حق نفسه، ولم يؤمر بتبليغه، كالخضر - عليه

стр. 7485

السلام - لأنه نبي على ما رجحه أكثر العلماء، كما مر في مبحثه، فبين الرسول والنبي عموم وخصوص، وجهي، فكل رسول نبي ولا عكس، وقال النيسابوري (١): الرسول الذي معه كتاب من الأنبياء، والنبي: الذي ينبىء عن الله وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص، إلا أن رعاية الفاصلة اقتضت عكس ذلك، كقوله في طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ انتهى ورابعها: ٥٢ - ما ذكره بقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾؛ أي: نادينا موسى ودعوناه وكلمناه ليلة الجمعة، بقولنا: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾؛ أي: من ناحية جبل الطور اليمنى فالأيمن صفة للجانب، أي: ناديناه من ناحيته اليمنى، وهي التي تلي يمين موسى حين أقبل من مدين إلى مصر، إذ لا يمين ولا شمال للجبل، والمراد بالطور (٢): الجبل الذي عند بيت المقدس، لا الطور الذي عند السويس؛ لأنه يكون على يسار المتوجه من مدين إلى مصر، كما هو محسوس مشاهد، أو المعنى: ناديناه من جانبه الميمون؛ أي: المبارك لموسى، من اليمن بمعنى البركة؛ لأنه سمع عنده كلام الله تعالى؛ أي: وكلمناه من الجانب الأيمن للطور؛ أي: الذي عن يمين موسى حين أقبل من مدين متوجهًا إلى مصر، وأنبأناه بأنه رسولنا، ثم واعدناه إليه؛ أي: عنده بعد إغراق آل فرعون، ورحمنا بني إسرائيل بإنزال الكتاب عليهم. وخامسها: ما ذكره بقوله: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾؛ أي: وقربنا موسى إلينا تقريب تشريفٍ وإجلالٍ وإكرام، حالة كونه نجيًا؛ أي: مناجيًا معنا تلك الليلة؛ أي: مستمعًا كلامنا، فهو حال من أحد الضميرين في ﴿كهيعص (١)﴾: فقد شبه حاله ﵇ مع ربه بحال من قَرَّبَهُ الملك لمناجاته، واصطفاه لمصاحبته، ورفع الوسائط، وقيل معناه (٣): ورفعناه مكانًا عاليًا فوق السموات، حتى سمع صرير القلم، حيث كتبت التوراة في الألواح، وفي "القاموس": ناجاه مناجاةً، إذا سارّه ونجيّ: فعيل من المناجاة، بمعنى: مناجٍ، كالجليس، وهو: المنفرد

стр. 7486

بالمناجاة، وهي المسارة بالقول. وقصارى ذلك (١): أنه تجاوز العالم المادي، وانغمس في العالم الروحي، فقرب من ربه، وارتقت نفسمه، حتى بلغت أقصى مناها، واستعدت للاطلاع على عالم الملكوت، ورؤية ما غاب عن عالم المادة. وسادسها: ٥٣ - ما ذكره بقوله: ﴿وَوَهَبْنَا﴾؛ أي: لموسى ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: من أجل رحمتنا ورأفتنا ﴿أَخَاهُ هَارُونَ﴾ أخاه مفعول ﴿وَهَبْنَا﴾ و ﴿هَارُونَ﴾: عطف بيان لـ ﴿أَخَاهُ﴾، حالة كون هارون ﴿نَبِيًّا﴾ من الأنبياء، ليكون معه وزيرًا كما سأل ذلك ربه فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ فالهبة على ظاهرها، كما في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ فإن هارون كان أسنَّ من موسى، فوجب الحمل على المعاضدة والموازرة. والمعنى: أي (٢) وجعلنا أخاه هارون نبيًا من أجل رأفتنا به، ليكون وزيرًا له ومعينًا له في تبليغ الرسالة، وهذا إشارة إلى أن النبوة ليست كسبية، بل هي من مواهب الله تعالى، يهب لمن يشاء النبوة والرسالة، لإشارة إلى أن لموسى إختصاصًا بالقربة والقبول عند الله تعالى، حتى يهب أخاه هارون النبوة والرسالة بشفاعته، كما يهب الأنبياء والرسل بشفاعة سيدنا محمد ﷺ لقوله ﷺ : "الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيمَ الخليل ﵇". قال بعض السلف (٣): ما شفع أحد في أحد في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في هارون أن يكون نبيًا، قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى بأربع سنين. ٥٤ - ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾؛ أي: واتل يا محمد في القرآن قصة جدك إسماعيل بن إبراهيم ﵉ على قومك، وبلغها إليهم، فصل ذكره عن ذكر أبيه وأخيه لإبراز كمال الإعتناء بأمره، بإيراده مستقلًا، ولم يخالف أحد في أنه إسماعيل بن إبراهيم، إلا من لا يعتد به، فقال: هو إسماعيل بن حزقيل، بعثه الله إلى

стр. 7487

قومه، فسلخوا جلدة رأسه، فخيَّره الله فيما شاء من عذابهم، فاستعفاه ورضي بثوابه ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن إسماعيل ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾؛ أي: وافيه فيما بينه وبين الله، وكذا فيما بينه وبين الناس، ووصف الله إسماعيل بصدق الوعد، مع كون جميع الأنبياء كذلك؛ لأنه كان مشهورًا بذلك، مبالغًا فيه، وناهيك بأنه وعد الصبر من نفسه على الذبح، فوفى بذلك حيث قال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ قيل (١) إنه لم يعد شيئًا إلا وفي به. قيل: إنه وعد رجلًا أن يقوم مكانه حتى يرجع الرجل، فوقف إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى رجع إليه الرجل، وقيل: إنه وعد نفسه الصبر على الذبح فوفى به، فوصفه الله بهذا الخلق الحسن الشريف، سئل الشعبي عن الرجل يعد الرجل ميعاداً إلى أي وقت ينتظر، فقال: إن وعده نهارًا .. فكل النهار، وإن وعده ليلًا .. فكل الليل، وسئل بعضهم عن مثل ذلك فقال: إن وعده في وقت صلاة ينتظر إلى وقت صلاة أخرى. والوعد (٢): عبارة عن الإخبار بإيصال المنفعة قبل وقوعها، والوعيد الإخبار بإيصال الضرر قبل وقوعه، والعرب لا تعد عيبًا ولا خلفًا، إن يعد أحد شرًا .. لا يفعله، بل ترى ذلك كرمًا وفضلًا، كما قيل. وَإِنِّيْ إِذَا أَوْعَدْتُهُ أوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفٌ إِيْعَادِيْ وَمُنْجِزٌ وَعْدِيْ وقيل: إِذَا وَعَدَ السَّرَّاءَ نَجَّزَ وَعْدَهُ ... وَإِنْ أَوْعَدَ الضَّرَّاءَ فَالْعَقْلُ مَانِعُهْ وفي الحديث: "من وعد لأحد على عمله ثوابًا .. فهو منجز له، ومن أوعده على عمله عقابًا .. فهو بالخيار". وفي الآية حث على صدق الوعد والوفاء به، والأصل فيه: نيته؛ لقوله ﵇: "إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف ولم يجيء للميعاد .. فلا إثم عليه". ومعنى الآية: واتل (٣) أيها الرسول على قومك صفات أبيهم إسماعيل،

стр. 7488

علهم يهتدون بهديه، ويحتذون حذوه، ويتخلقون بمثل ما له من مناقب وفضائل منها: ١ - ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾؛ أي: وافي الوعد، فما وعد عدةً إلا وفي بها، حتى وعد أباه بالصبر على الذبح فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فصدق في ذلك ووفى بما قال، وامتثل حتى جاءه الفداء، وصدق الوعد (١) من الصفات التي حث عليها الدين وشدد فيها، أيَّما تشديد، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ وقال رسول الله ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث .. كذب، وإذا وعد .. أخلف، وإذا أؤتمن .. خان" وقد فقدت هذه الصفة من كثير من المسلمين، فلا تجد عالمًا ولا جاهلًا إلا وهو بمنأىً عنها, ولا سيما التجار والصناع والعمال. ٢ - ﴿وَكَانَ﴾ إسماعيل ﵇ ﴿رَسُولًا﴾ إلى جرهم، الذين حلوا بمكة معه ومع أمه، وإلى العماليق، وإلى قبائل اليمن، بتبليغ شريعة إبراهيم، زمن أبيه إبراهيم ﵉ قال في "القاموس" جرهم كقنفذ حيٌّ من اليمن، تزوج فيهم إسماعيل اهـ. وقد استدل (٢) بقوله تعالى في إسماعيل ﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ على أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته، وقيل إنه وصفه بالرسالة، لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم، وكان إسماعيل ﴿نَبِيًّا﴾ يخبر عن الله تعالى، وكان على شريعة أبيه إبراهيم، فنبأ بها قومه، وأنذرهم وخوفهم، ولم يكن له كتابٌ أُنزل إليه بإجماع العلماء، وكذا لوط وإسحاق، ويعقوب، ومن هذا يعلم أن الرسول لا يجب أن ينزل عليه كتاب مستقل. ٣ - ٥٥ وكان إسماعيل ﴿يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ الخاص (٣): وهو من اتصل به بجهة الزوجية والولادة، والعام: وهو من اتصل به بجهة الدعوة، وهم قومه، ويجوز أن يرجح الأول؛ لأن الأهم أن يقبل الرجل بالتكميل على نفسه، وعلى من هو

стр. 7489

أقرب الناس إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ وقال ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ وقال: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فإنهم إذا صلحوا .. صلح الكل، وتزيَّا بزيهم بالخير والصلاح ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ التي هي أشرف العبادات البدنية ﴿وَالزَّكَاةِ﴾ التي هي أفضل العبادات المالية، وفيه إشارة إلى أن من حق الصالح أن ينصح للأقارب والأجانب، ويحظيهم بالفوائد الدينية. ٤ - ﴿وَكَانَ﴾ إسماعيل ﴿عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ في الأقوال والأفعال والأحوال؛ أي: مرضيًا عمله عند ربه، محمودًا فيما كلّفه به، غير مقصرٍ في طاعته، فائزًا في كل طاعاته بأعلى الدرجات، فاقتد أيها الوصول به لأنه من أجل أبائك، وعن (١) بعض الصالحين، أنه قال: نزل عندي أضياف، وعلمت أنهم أبدال من عباد الله الصالحين، فقلت لهم: أوصوني بوصية بالغة، حتى أخاف الله، قالوا: نوصيك بستة أشياء: أولها: من كثر نومه .. فلا يطمع في رقة قلبه. وثانيها: من كثر أكله .. فلا يطمع في قيام الليل. وثالثها: من اختار صحبة ظالم .. فلا يطمع في استقامة دينه. ورابعها: من كان الكذب والغيبة عادته .. فلا يطمع في أن يخرج من الدنيا مع الإيمان. وخامسها: من كثر اختلاطه بالناس .. فلا يطمع في حلاوة العبادة. وسادسها: من طلب رضي الناس .. فلا يطمع في رضي الله تعالى. وقرأ الجمهور (٢): ﴿مَرْضِيًّا﴾ وهو اسم مفعل أصله مرضوو فأُعِلّ بقلب واوه ياءً، كما سيأتي في مبحث التصريف، وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿مرضوا﴾ مصححًا، وقالت العرب أرض مسنية ومسنوَّة، وهي التي تسقى بالسواني. ٥٦ - ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾؛ أي: في القرآن ﴿إِدْرِيسَ﴾؛ أي: قصته؛

стр. 7490

أي: واتل يا محمد في القرآن قصة إدريس ﵇ على قومك بالثناء، والنسابون يقولون: إنه (١) جد أبي نوح، فإن نوحًا بن لمك، بن مشوشلخ، بن أخنوخ وهو إدريس النبي ﵇ بن يرد، بن مهلاييل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم ﵇ ولد إدريس وآدم حي قبل أن يموت بمئة سنة، كذا في "روضة الخطيب" ويقولون: إنه أول من وضع الميزان والمكيال، وأول من اتخذ السلاح، وجاهد في سبيل الله، وسبق واسترق بني قابيل، وأول من خط بالقلم، ونظر في علم الحساب والنجوم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وكانوا قبله يلبسون الجلود، وأول من لبس ثوب القطن، واشتقاقه من الدرس، فلُقِّب به لكثرة دراسته، إذ رُوي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفةً، وجعل الله ذلك من معجزاته، وإن تقادم العهد، وطول الزمن، وعدم وجود السند الصحيح الذي يعوَّل عليه في الرواية يجعلنا في شكٍ من كل هذا، فعلينا أن نكتفي بما جاء به الكتاب الكريم في شأنه، وقد وصفه الله بجملة صفاتٍ كلها مفاخر، ومناقب إعظام وإجلالٍ: ١ - ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن إدريس ﵇ ﴿كَانَ صِدِّيقًا﴾؛ أي: ملازمًا للصدق في أحواله. ٢ - ﴿نَبِيًّا﴾ ينبىء عن الله تعالى - خبر آخر لـ ﴿كان﴾ مخصص للأول - إذ ليس كل صديق نبيًا، قال عباس بن عطاءٍ: أدنى منازل المرسلين أعلى مراتب النبيين، وأدنى مراتب النبيين أعلى مراتب الصديقين، وأدنى مراتب الصديقين أعلى مراتب المؤمنين ٥٧ - ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾؛ أي (٢): أعلينا قدره، ورفعنا ذكره في الملأ، ونحو هذا قوله لنبيه محمد ﷺ ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ وقيل: إن معنى رفعه ما أعطي من شرف النبوة، وقيل: إنه رفع إلى الجنة، وقيل: معنى قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾؛ أي: رفعناه إلى السماء الرابعة، وهذا القول أصح. ويدل عليه ما روى أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة، عن النبي ﷺ "أنه

стр. 7491

رأى إدريس في السماء الرابعة، ليلة المعراج" متفق عليه. وكان سبب رفعه إليها (١): أنه سار ذات يوم في حاجة، فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إني قد مشيت فيها يومًا فأصابني منها ما أصابني، فكيف من يحملها مسيرة خمس مئة في يوم واحد؟ اللهم خفف عنها من ثقلها وحرها، فلما أصبح الملك .. وجد من خفة الشمس وحرها ما لا يعرف، فقال: يا رب خففت عني حر الشمس، فما الذي قضيت فيه، قال: إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها، فاجبته، قال: يا رب اجعل بيني وبينه خلةً، فأذن الله تعالى له حتى أتى إدريس ورفعه إلى السماء. واختلف القائلون بأنه في السماء (٢)، أهو حيٌّ فيها أم ميت، فالجمهور: على أنه حيٌّ وهو الصحيح، وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء: اثنان في الأرض وهما الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى، كما في "بحر العلوم". ٥٨ - ﴿أُولَئِكَ﴾ العشرة المذكورون في هذه السورة من زكريا إلى إدريس - عليهم الصلاة والسلام - هم ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بأنواع النعم الدينية والدنيوية، حال كونهم ﴿مِنَ النَّبِيِّين﴾ والمرسلين بيان للوصول حالة كون بعضهم ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ بدل من النبيين، بإعادة الجار، ويجوز (٣) أن تكون ﴿مِنْ﴾ فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء، وأخص من الذرية؛ يعني به إدريس ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾؛ أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في سفينته؛ يريد: إبراهيم؛ لأنه من ذرية سام بن نوح ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ يعني: إسحاق وإسماعيل ويعقوب ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ عطف على إبراهيم؛ أي: ومن ذرية إسرائيل؛ أي: يعقوب وكان منهم موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية؛ لأن عيسى من مريم، وهي من نسل يعقوب ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾؛

стр. 7492

أي: وحالة كونهم من جملة من هديناهم، وأرشدناهم إلى الحق ﴿و﴾ من جملة من ﴿اجتبينا﴾ هم واصطفيناهم للنبوة والكرامة، قالوا: ﴿من﴾ فيه للتبيين، إن عطف على ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ وللتبعيض إن عطف على و ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ ﴿إِذَا تُتْلَى﴾ وتقرأ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: على هؤلاء الأنبياء ﴿آيَاتُ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: آيات الترغيب والترهيب في كتبهم المنزلة عليهم ﴿خَرُّوا﴾؛ أي: سقطوا على الأرض حال كونهم ﴿سُجَّدًا﴾؛ أي: ساجدين جمع ساجد ﴿وَبُكِيًّا﴾؛ أي: باكين جمع باكٍ، وأصله بكويًا؛ يعني (١): إن الأنبياء قبلكم مع مالهم من علو المرتبة في شرف النسب، وكمال النفس، والزلفى من الله تعالى، كانوا يسجدون ويبكون لسماع آيات الله تعالى، فكونوا مثلهم وفي الحديث: "اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا" وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان .. فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا فإن لم تبك عين أحدكم .. فليبك قلبه. قال صالح المريّ: قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام، فقال: يا صالح هذه القراءة فأين البكاء اهـ. وقد استدل بهذه الآية على مشروعية سجود التلاوة. والمعنى: أي (٢) إذا تتلى على هؤلاء الأنبياء الذين أنعم الله عليهم أدلة الله وحججه التي أنزلها عليهم في كتبه .. خروا لله سجدًا استكانةً له وتذللًا وخضوعاً لأمره، وانقيادًا له وهم باكون خشيةً منه، وحذرًا من عقابه، وقصارى ذلك إنه سبحانه أبان علو أمرهم في الدين والنسب والقرب منه. ويقول في سجود التلاوة: سبحان ربي الأعلى ثلاثًا. ذكره النسفي في "تفسيره" في هذا الموضع. فصل وسجدة سورة مريم من عزائم سجود القرآن (٣)، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند تلاوة هذه السجدة، وقيل: يستحب لمن قرأ آية سجدة فسجد أن يدعو بما يناسب تلك السجدة، فإن قرأ سجدةَ سبحان .. قال: اللهم اجعلني من

стр. 7493

الباكين إليك والخاشعين لك، وإن قرأ سجدة مريم .. قال: اللهم اجعلني من عبادك المنعم عليهم، الساجدين لك، الباكين عند تلاوة آياتك، وإن سجد سجدة ﴿الم﴾ السجدة ... قال: اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك، المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المتكبرين عن أمرك. وقرأ الجمهور (١): ﴿تُتْلَى﴾ بتاء التأنيث، وقرأ عبد الله، وأبو جعفر، وشيبة، وشبل بن عباد، وأبو حيوة، وعبد الله بن أحمد العجلي، عن حمزة، وقتيبة في رواية, وورش في رواية النحاس، وابن ذكران في رواية الثعلبي: بالياء، وقرأ الجمهور ﴿بكيا﴾ بضم الباء، وعبد الله، ويحيى، والأعمش، وحمزة، والكسائي: بكسرها اتباعًا لحركة الكاف، كعسيّ ودليّ، والظاهر أنه جمع لمناسبة الجمع قبله، وقال ابن عطية: ﴿وبكياً﴾ بكسر الباء هو مصدر لا يحتمل غير ذلك. انتهى. ٥٩ - ولما مدح سبحانه هؤلاء الأنبياء بهذه الأوصاف ترغيبًا لغيرهم في الاقتداء بهم، وسلوك طريقتهم .. ذكر أضدادهم تنفيرًا للناس عن طريقتهم، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: جاء ووجد من بعد هؤلاء الأنبياء المذكورين وعقب عنهم ﴿خلف﴾؛ أي: عقب سوءٍ من أولادهم، وفي "الجلالين": بقي من بعد هؤلاء قوم سوء يعني اليهود والنصارى والمجوس. انتهى. قال أهل اللغة: يقال لعقب الخير: خلف بفتح اللام ولعقب الشر خلف بسكون اللام، واختلفوا (٢) فيمن نزلت هذه الآية فيه، فقيل: في اليهود، وقيل: في النصارى، وقيل في قوم من أمة محمد ﷺ يأتون في آخر الزمان؛ أي: جاء من بعد هؤلاء المذكورين قوم سوء ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾؛ أي: تركوا أو أخروها عن وقتها، أو ضيّعوا ثوابها بعد الأداء، بالنميمة والغيبة والكذب ونحوها، أو شرعوا فيها بلا نيةٍ، وقاموا لها بلا خضوع ولا خشوع، وقيل: كفروا بها وجحدوا وجوبها، وقيل: لم يأتوا بها على الوجه المشروع، وقيل: إقامتها في غير الجماعات، وقيل: تعطيل المساجد

стр. 7494

والاشتغال بالصنائع والأسباب، والظاهر: أن من أخر الصلاة عن وقتها، أو ترك فرضًا من فروضها، أو شرطًا من شروطها، أو ركنًا من أركانها، فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها المرة أو حجدها دخولًا أوليًا. وقرأ عبد الله، والحسن، وأبو رزين العقيلي، والضحاك، وابن مقسم ﴿الصلوات﴾ جمعًا ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾؛ أي: ارتكبوا شهوات أنفسهم، وآثروها على طاعة الله تعالى؛ أي: فعلوا ما تشتهيه أنفسهم، وترغب إليه من المحرمات، كشرب الخمر، والدخان، والحشيش، وفعل الزنا، واللواط، وإدمان النظر إلى الأجنبيات، والاختلاط بهن، وإضاعة الوقت في استماع الملاهي والنظر إليها، كالتلفزيون والفيديو، والاشتغال بما لا يغني، من إكثار قيل وقال، والولع بقراءة الجرائد والأخبار عن تلاوة كتاب الله تعالى وقراءة الحديث، إلى نحو أولئك من الشهوات التي انهمك فيها أهل الزمان، حتى يظنونها من الأمور الدينية، لجهلهم أو لعدم مبالاتهم بدينهم، وبالجملة فالشهوات عام في كل مشتهى يشغل عن الصلاة، وذكر الله تعالى، كاللعب بالكريات مما لا ينفع في الحرب. والمعنى: أي (١) فجاء من بعد الأنبياء الذين ذكروا، خلف سوءٍ خلفوهم في الأرض، كاليهود والنصارى، ومن على شاكلتهم من أهل الضلال، إذ تركوا الصلوات المفروضة عليهم، وآثروا شهواتهم على طاعة الله تعالى، فانكبوا على شرب الخمور، وشهادة الزور، ولعب الميسر، وإتيان الفاحشة خفيةً وعلانيةً. وأخرج أحمد، وابن حبان، والحاكم، في جماعة آخرين، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ وتلا هذه الآية قال: "يكون خلف من بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غيًّا، ثم يكون خلف يقرؤون القرآن، لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن، ومنافق، وفاجر". وأخرج أحمد، والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر، قال: سمعت

стр. 7495

رسول الله ﷺ قال: "سيهلك من أمتي أهل الكتاب، وأهل اللبن" قلت: يا رسول الله، ما أهل الكتاب؟ قال: "قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا" قلت: وما أهل اللبن؟ قال: "قوم يتبعون الشهوات، ويضيعون الصلوات" ثم ذكر عاقبة أعمالهم وسوء مآلهم فقال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ﴾ في الآخرة ﴿غَيًّا﴾؛ أي: شرًا وخسرانًا لإهمالهم أداء واجبات الدين، وانهماكهم في المعاصي والآثام، فإن كلّ (١) شر عند العرب غي، فكل خير رشاد، وعن الضحاك: أي جزاءَ غي، كقوله تعالى: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾،؛ أي: جزاءَ أثام وقيل ﴿غَيًّا﴾؛ أي: واديًا في جهنم، يستعيذ من حرّه أوديتها، أعد للزاني، وشارب الخمر، وآكل الربا، وشاهد الزور، ولأهل العقوق، وتارك الصلاة، وقيل: الغيّ الضلال، وقيل: الخيبة، وقرىء فيما حكى الأخفش: ﴿يَلْقَوْنَ﴾ بضم الياء وفتح اللام وشد القاف ٦٠ - ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ منهم ورجع مما فرط منه من تضييع الصلوات، واتباع الشهوات، إلى طاعة الله تعالى ﴿وَآمَنَ﴾ بالله من الكفر ﴿وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ بعد التوبة والندم، وفي هذا (٢) الاستثناء دليل على أن الآية في الكفرة، لا في المسلمين ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالتوبة، والإيمان والعمل الصالح ﴿يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ بموجب الوعد المحتوم، قرأ أبو جعفر، وشيبة، وابن كثير، وابن محيصن، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر ﴿يَدْخُلُونَ﴾ بضم الياء وفتح الخاء، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الخاء وقرأ ابن غزوان عن طلح: ﴿سيدخلون﴾ بسين إلاستقبال مبنيًا للفاعل. ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أي: لا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان قليلًا، فإن الله يوفي إليهم أجورهم، وانتصاب ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ على البدل من الجنة بدل البعض لكون جنات عدن بعضًا من الجنة، ويكون قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ اعتراضًا، أو حالًا كما في "البحر" قال الزجاج: ويجوز ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بالرفع وقرىء كذلك؛ يعني: على الابتداء، والخبر ﴿الَّتِي﴾، وقرأ الجمهور (٣)
следующие страницы →