← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.

стр. 7561

ومنها (١): ما أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت السورة التي ذكرت فيها الأنعام من الذكر الأول، وأعطيت سورة طه والطواسين من ألواح موسى، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصل نافلةً" وفيه مقال. والنافلة: الزيادة. ومنها: ما أخرجه ابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: "كل قرآن يوضع عن أهل الجنة، فلا يقرؤون منه شيئًا، إلا سورة طه ويس، فإنهم يقرؤون بهما في الجنة". وفيه مقال. ومنها: ما أخرجه الدارقطني في "سننه"، عن أنس بن مالك، فذكر قصة عمر بن الخطاب مع أخته وخباب وقراءتهما طه، وكان ذلك بسبب إسلام عمر، والقصة مشهورة في كتب السير. الناسخ والمنسوخ من هذه السورة: قال أبو (٢) عبد الله محمد بن حزم: جملة المنسوخ من هذه السورة ثلاث آيات: أولاهن: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ (١١٤) الآية. نسخ معناها لا لفظها بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ الأعلى. والآية الثانية: قوله: تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ (١٣٠) الآية. نسخ الصبر منها بآية السيف. والآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ (١٣٥)، جميع هذه الآية منسوخ بآية السيف. والله أعلم * * *

стр. 7562

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾. المناسبة مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها (١): أنه تعالى، لما ذكر تبشير القرآن

стр. 7563

بلسان الرسول ﷺ ؛ أي: بلغته، وكان فيما علل به قوله: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ .. أكد ذلك بقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ والتذكرة: هي البشارة والنذارة، وأن ما ادعاه المشركون من إنزاله للشقاء ليس كذلك، بل إنما نزل تذكرةً. قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن (١) الله سبحانه لما عظَّم كتابه والرسول الذي أنزل عليه بما كلفه به من التبليغ والإنذار والتبشير .. أتبع ذلك بما يقوي قلبه من قصص الأنبياء، وما فعلته أممهم معهم، وكيف كانت العاقبة لهم، والنصر حليفهم، ففي هذا سلوى له، وتأس بهم فيما قاموا به من الذود عن الحق، مهما أصابهم من العنت والأذى، من جراء الدعوة إليه، كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾. وبدأ بقصص موسى؛ لأن محنته كانت أشد، فقد تحمل من المكاره ما تنوء به راسيات الجبال، وقابل ذلك بعزم لا يفتر، وبقوة تفل الحديد. وعبارة أبي حيان هنا (٢): قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر تعظيم كتابه، وتضمن تعظيم رسوله .. أتبعه بقصة موسى ليتأسى به في تحمل أعباء النبوة، وتكاليف الرسالة، والصبر على مقاساة الشدائد، كما قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ فقال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾. قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (٣) مناجاته لموسى، حين رأى النار التي في الشجرة، واختياره نبيًا، وإيحاءه إليه أن لا إله إلا هو، وأمره بإقامة الصلاة، لما فيها من ذكره، وتخصيصه بالعبادة دون سواه، ثم إخباره بأن الساعة آتية لا

стр. 7564

محالة، ليجزي المحسن بإحسانه، والمسيء بما دسى به نفسه جزاءً وفاقًا .. قفى على ذلك بذكر البرهانات التي آتاها موسى دلالةً على نبوته، وتصديقًا له على رسالته، فبدأ بذكر العصا التي انقلبت حيةً تسعى حين ألقاها من يده، وكان قد سأله عنها استجماعًا لقلبه، وتهدئةً لروعه في هذا المقام الرهيب، وإعلامًا بما سيكون لها بعد من عظيم الشأن، وجليل المنافع والمزايا، التي لم تكن تدور بخلده ﵇. قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه لما ذكر المعجزة الأولى، الدالة على نبوة موسى ﵇ وعلى صدق رسالته، وهي العصا وما صدر منها من الأفاعيل حين ألقاها من يده، ثم عودتها سيرتها الأولى حين أخذها من الأرض .. قفى على ذلك بذكر المعجزة الثانية التي آتاه إياها، وهي معجزة اليد، فإنه كان إذا وضع يده اليمنى إلى جنبه الأيسر تحت العضد، ثم أخرجها .. أضاءت كشعاع الشمس، تغشي البصر، ثم بذكر أمره له بالذهاب إلى فرعون لتبليغ رسالة ربه، ثم دعائه ربه أن يشرح له صدره، ويسهل له أمره، وأن يجعل له أخاه هارون نبيًا، كى يشد أزره، ويقوى على تبليغ الرسالة ويتعاونا على ذكر الله وعبادته. قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أمر (٢) موسى ﵇ بالذهاب إلى فرعون .. عرف أنه كلف أمرًا عظيمًا يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو جأش رابط، وصدر فسيح، فسأل ربه، ورغب في أن يشرح صدره، ليحتمل ما يرد عليه من الشدائد التي يضيق لها الصدر، وأن يسهل عليه أمره الذي هو خلافة الله في أرضه، وما يصحبها من مزاولة جلائل الخطوب، وقد علم ما عليه فرعون من الجبروت والتمرد والتسلط. قوله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما

стр. 7565

قبلها: أن موسى ﵇ لما سأل ربه أمورًا ثمانية، وكان قيامه بما كلف به لا يتم على الطريق المرضي إلا إذا أجابه إليها .. لا جرم أجابه الله تعالى إلى ما طلب، ليكون أقدر على الإبلاغ على الوجه الذي كلف به، ثم ذكره بنعمه السالفة حين كانت أمه ترضعه، وتحذر عليه من فرعون وملئه أن يقتلوه، فألهمها أن تصنع تابوتًا، وتضعه فيه وتلقيه في النيل، ففعلت فألقاه النيل في الساحل، فالتقطه آل فرعون وربوه في منزلهم، وألقى الله محبةً في قلوبهم له، وصار كأنه ابنهم، ثم ذكره بنجاته من القصاص حين قتل المصري وهرب إلى مدين. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ سبب نزوله (١): ما أخرجه عبد الله بن حميد في "تفسيره"، عن الربيع بن أنس قال: كان النبي ﷺ يراوح بين قدميه ليقوم على كل رجل حتى نزلت آية: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان أول ما أنزل عليه الوحي، يقوم على صدور قدميه إذا صلى فأنزل الله ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ وروى مقاتل (٢): أن أبا جهل، والوليد بن المغيرة، ومطعم بن عدي، والنضر بن الحارث قالوا لرسول الله ﷺ : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال ﵇: "بل بعثت رحمةً للعالمين" قالوا: بل أنت تشقى، فأنزل الله الآية ردًا عليهم، وتعريفًا لمحمد ﷺ بأن دين الإِسلام هو السبيل إلى نيل كل فوز، وسبب إدراك كل سعادة، وما فيه المشركون هو الشقاء بعينه.

стр. 7566

التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿طه (١)﴾ اختلفوا فيه (١) أكثر مما اختلف في غيره من المقطعات، فقال بعضهم: هو اسم القرآن، أو اسم السورة، أو اسم الله، أو مفتاح الإسم الطاهر والهادي، وقال بعضهم: هو اسم من أسماء الرسول ﷺ مثل أحمد ويس، وغير ذلك، كما قال ﵇: "أنا محمد، وأنا أحمد، والفاتح، والقاسم، والحاشر، والعاقب، والماحي، وطه، ويس". ويؤيد هذا القول الخطاب في ﴿عَلَيْكَ﴾ فيكون حرف النداء محذوفاً؛ أي: يا طه، والطاء والهاء إشارة إلى أنه ﵇ طالب الشفاعة للناس، وهادي البشر، أو أنه طاهر من الذنوب، وهاد إلى معرفة علَّام الغيوب، وقيل: إنه من المتشابه الذي لا يفهم المراد به، بناءً على أنه من الحروف المقطعة التي استأثر الله بعلمها، فعليه يكون الوقف عليها تاماً، وهي آية مستقلة لا محل لها من الإعراب، وقيل (٢): إنه بمعنى: يا رجل في لغة عكل، وفي لغة عك، قال الكلبي: لو قلت لرجلٍ من عك: يا رجل .. لم يجب، حتى تقول: طه، وأنشد ابن جرير: دَعَوْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُوْنَ مُوَاثِلاً ويُروى مزاولًا، وقيل: إنها في لغة عكٍ بمعنى: يا حبيبي، وقال قطرب: هي كذلك في لغة طي؛ أي: بمعنى: يا رجل، وكذلك قال الحسن وعكرمة، وقيل: هي كذلك في اللغة السريانية، حكاه المهدي، وقيل: إن معناه طوبى لمن اهتدى، وقيل: معناه: طاء الأرض يا محمد، قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي ﷺ كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم، ويحتاج إلى التروح، فقيل له: طاء الأرض؛ أي: لا تتعب حتى تحتاج إلى التروح، وحكى القاضي عياض في "الشفاء" عن الربيع بن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله ﴿طه (١)﴾ يعني: طاء الأرض يا محمد، وحكي عن الحسن البصري أنه قرأ طه على وزن دع: أمر بالوطء، والأصل طأ

стр. 7567

فقلبت الهمزة هاءً. وقد تقدم القول أن (١) أصح الآراء في الحروف المقطعة التي في أوائل السور أنها حروف تنبيهٍ كـ (ألا) و (يا)، ونحوهما، مما يُذكر في أوائل الجمل لقصد تنبيه المخاطب إلى ما يُلقى بعدها لأهميته، وإرادة إصغائه إليه، نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦ ٢)﴾ ويُنطق باسمائها عند قراءتها فيقال: طاها. وقيل (٢): (طا) فعل أمر، وأصله: طأ فخففت الهمزة بإبدالها ألفًا، و (ها) مفعول به، وهو ضمير الأرض؛ أي: طاء الأرض بقدميك، ولا تراوح إذ كان يراوح حتى تورمت قدماه، وقرأت فرقة، منهم الحسن، وعكرمة، وأبو حنيفة، وورش، في اختياره: طه، قيل: أصله طأ، فحذفت الهمزة، وأُدخلت هاء السكت، وأُجري الوصل مجرى الوقف، أو أصله: طأ وأبدلت همزته هاء، فقيل: طه، وقرأ الضحاك وعمرو بن فائد: ﴿طاوى﴾. وقال ابن الجوزي (٣): وفي طه قراءات: قرأ ابن كثير وابن عامر ﴿طه (١)﴾ بفتح الطاء والهاء، وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: ﴿طه﴾ بكسر الطاء والهاء، وقرأ نافع: ﴿طه﴾ بين الفتح والكسر، وهو إلى الفتح أقرب، كذلك قال خلف عن المسيبي، وقرأ أبو عمرو: ﴿طه﴾ بفتح الطاء وكسر الهاء، وروى عنه عباس مثل حمزة، وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين العقيلي، وسعيد بن المسيب، وأبو العالية: ﴿طه﴾ بكسر الطاء وفتح الهاء، وقرأ الحسن: ﴿طه﴾ بفتح الطاء وسكون الهاء، وقرأ الضحاك، ومورق: ﴿طه﴾ بكسر الطاء وسكون الهاء. انتهى. ٢ - وجملة: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾: مستأنفة (٤) مسوقة لتسلية رسول الله ﷺ عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب، والشقاء: يجيء في

стр. 7568

معنى التعب، قال ابن كيسان: وأصل الشقاء في اللغة: العناء والتعب، ومنه قول الشاعر: ذُوْ الْعَقْلِ يَشْقَى فِيْ النَّعِيْمِ بِعَقْلِهِ ... وَأَخُوْ الْجَهَالَةِ فِيْ الشَّقَاوَةِ يَنْعُمُ والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن لا يؤمنوا، فهو كقوله سبحانه: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾؛ أي (١): ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب وتغلو في مكابدة الشدائد، حين تحاور أولئك القوم الطغاة، وتقاول أولئك العتاة، وتفرط في الأسى على كفرهم، وتتحسر على عدم إيمانهم، بل أنزلناه عليك لتبلِّغ وتذكر، وقد فعلت، فلا عليك إن لم يؤمنوا بعد هذا. وقصارى ذلك: أنا أنزلناه عليك لتذكر به، فمن آمن وأصلح .. فلنفسه، ومن كفر .. فلا يحزنك كفره، إن عليك إلا البلاغ، ولست عليهم بمسيطر. وقرأ طلحة (٢): ﴿ما نزِّل عليك﴾ بنون مضمومة وزاي مكسورة مشددة، مبنيًا للمفعول ﴿القرآن﴾ بالرفع وقرأ الجمهور. ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ ٣ - وقوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ نصب على أنه مفعول له لـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ معطوف على ﴿تشقى﴾ بحسب المعنى بعد نفيه بطريق الاستدراك المستفاد من الاستثناء المنقطع، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين إلا من حيث البدلية، أو العطف، كأنه قيل: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب في تبليغه، ولكن أنزلناه تذكيرًا وموعظةً لمن يخشى الله تعالى، ويتأثر بالإنذار لرقة قلبه، وحسن استعداده؛ أي: تذكيرًا وموعظةً لمن يعلم الله منه أن يخشى بالتذكرة والتخويف، أو لمن يؤول أمره إلى الخشية، والخشية باعثة على الإيمان والطاعة، وقد كان ﵇ يعظهم به بتلاوته، وتفسير ما جاء به من مقاصد وأغراض ومصالح لهم في دنياهم وآخرتهم، وقد جرَّد (٣) التذكرة عن اللام، لكونها فعلًا لفاعل الفعل المعلل.

стр. 7569

وخص الخاشعين بالذكر، مع أن القرآن تذكرة للناس كلهم، لقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ لأنهم المنتفعون بها، فكأن غيرهم لا وجود له، لعدم انتفاعه به. وخلاصة ذلك: حسبك ما حُمِّلْته من متاعب التبليغ والتبشير والإنذار، ولا تنهك بدنك بحملهم على قبول الدعوة والاستجابة لأمرك، فإن ذلك من شأننا لا من شأنك، وبيدنا لا بيدك، قال في "الكبير" ويدخل تحت قوله: ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ الرسول؛ لأنه في الخشية والتذكرة فوق الكل. ٤ - وقوله: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ منصوب على المصدرية، بفعل محذوف تقديره: نُزَّل هذا القرآن عليك تنزيلًا من ربك، الذي خلق الأرض والسموات؛ أي: أوجدهما من العدم إلى الوجود، وتخصيص (١) خلق الأرض والسموات، لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته ، ولأنهما قوام العالم وأصوله، وتقديم (٢) الأرض لكونها أقرب إلى الحس، وأظهر عنده من السموات. ووصف السموات بالعلى (٣)؛ أي: المرافعة، وهو جمع العليا مؤنث الأعلى، مثل الكبرى والأكبر والكبر، للدلالة على عظم قدرة خالقها بعلوها، وعطف السموات على الأرض، من عطف الجنس على الجنس؛ لأن التعريف مصروف إلى الجنس، لا من عطف الجمع على المفرد، حتى يلزم ترك الأولى من رعاية التطابق بين المعطوف والمعطوف عليه، والمراد بهما: ما في جهة السفل والعلو، ويستتبع ذلك كل ما يتعلق بهما، وقرأ ابن (٤) أبي عبلة ﴿تنزل﴾ رفعًا على إضمار هو، وهذه القراءة تدل على عدم تعلق ﴿يخشى﴾ بتنزيل، وأنه منقطع مما قبله فنصبه على إضمار نزل، كما ذكرناه آنفًا، والظاهر في ﴿مَن﴾ أنها متعلقة بتنزيل، ويجوز أن يكون في موضع الصفة، فيتعلق بمحذوف وفي قوله

стр. 7570

﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ تعظيم وتفخيم لشأن القرآن، إذ هو منسوب تنزيله إلى من هذه أفعاله وصفاته، وتحقير لمعبوداتهم، وتعريض للنفوس على الفكر والنظر، وكأن في قوله: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ التفاتًا، إذ فيها الخروج من ضمير التكلم، وهو في ما أنزلناه إلى الغيبة، وفيه عادة التفنن في الكلام، وهو مما يحسن الكلام، إذ لا يبقى على نظام واحد، وجريان هذه الصفات على لفظ الغيبة والتفخيم، بإسناد الإنزال إلى ضمير الواحد المعظم نفسه، ثم إسناده إلى من اختص بصفات العظمة التي لم يشركه فيها أحد، فحصل التعظيم من الوجهين، ذكره أبو حيان في "البحر". ٥ - وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ رفع (١) على المدح على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو سبحانه الرحمن الذي على عرشه استوى وارتفع وعلا، استواءً يليق به، نعتقده ونثبته، ولا نمثله ولا نكيفه ولا نعطله، وقد تقدم هذا في سورة الأعراف ببسط وإطناب، أو مبتدأ، واللام فيه للعهد مشاراً به إلى ﴿من خلق﴾ خبره ما بعده. وروى جناح بن حبيش عن بعضهم: أنه قرأ: ﴿الرحمن﴾ بالكسر، والأحسن أن يكون ﴿الرحمن﴾ حينئذ بدلًا من ﴿من﴾ الموصولة في قوله: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾ وعلى قراءة الجر يكون التقدير: هو على العرش استوى ٦ - ﴿لَهُ﴾ لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ سواء كان ما فيهما جزءًا منهما، أو حالًا فيهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: ما بين السموات والأرض من الموجودات الكائنة في الجو دائمًا، كالهواء والسحاب، أو أكثريًا كالطير؛ أي: له جميع ذلك ملكًا وخلقًا وتدبيرًا وتصرفاً ﴿و﴾ له ﴿مَا تَحْتَ الثَّرَى﴾؛ أي: وله ما واراه التراب، وأخفاه من المعادن وغيرها، والثرى في اللغة: التراب الندي، قال الواحدي: والمفسرون يقولون: إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه. والمعنى عليه: وله سبحانه (٢) الذي تحت الأرض السابعة السفلى؛ لأن

стр. 7571

الأرضين على ظهر الحوت، والحوت على الماء، والماء على صخرٍ خضراء، فخضرة السماء منها، والصخرة على قرني ثور، والثور على الثرى وهو: التراب الندي، ولا يعلم ما تحته إلا الله سبحانه. والمعنى (١): أنه تعالى مالك لهذه الأقسام الأربعة، تصرفًا وإيجادًا وإعدامًا وإحياءً وإماتةً، ٧ - وجواب الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ محذوف تقديره: وإن تجهر وترفع صوتك بذكر الله تعالى ودعائه .. فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك وإعلانك ﴿فَإِنَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ما هو و ﴿أخفى﴾ من السر، فالفاء فيه تعليلية للجواب المحذوف، وهذا (٢) إما نهي عن الجهر، كقوله سبحانه ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾، وإما إرشاد (٣) للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه، بل لغرض آخر من تصور النفس بالذكر، ورسوخه فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار، وإيقاظ الغير، ونشر البركات، إلى مدى صوته، وتكثير إشهاد، ونحو ذلك، والجهر بالقول: هو رفع الصوت به، والسر ما حدَّث به الإنسان نفسه، وأسره إليه، والأخفى من السرة هو ما حدث به الإنسان نفسه، وأخطره بباله. والمعنى: أي (٤) وإن تجهر بدعاء الله وذكره .. فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك؛ لأنه يعلم ما أسررته إلى غيرك، ولم ترفع به صوتك، وأخفى منه مما تخطره ببالك دون أن تتفوه به. والدعاء والذكر باللسان، إنما شرعا ليتصور الداعي والذاكر المعنى في نفسه، لا ليسمع صوته، ولا فضل للنطق والجهر به إلا في منع الشواغل الشاغلة عن حضور المعاني في القلوب، كما قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ ٨ - ثم ذكر سبحانه أن الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو الله سبحانه، المنزه عن الشريك، المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال: ﴿اللهُ﴾ هو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي:

стр. 7572

ذلك الموصوف بما ذكر من الأوصاف الكمالية، هو الله؛ أي: المعبود بحق لا عيره، وجملة قوله: ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود في الأرض ولا في السماء موجود ﴿إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: إلا ذلك الغائب عن الحواس، الموجود في الأزل قبل وجود الكائنات، مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه؛ أي: لا إله في الوجود إلا هو سبحانه، ودل قوله (١) ﴿إِلَّا هُوَ﴾: على الهوية، فإن هو كناية عن غائب موجود، والغائب عن الحواس الموجود في الأزل هو الله تعالى، وفيه معنى حسن، وهو: التعالي عن درك الحواس، حتى استحق اسم الكناية عن الغائب من غير غيبة، كما في "بحر العلوم" وكذا جملة قوله: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ مستأنفة مبينة لاستحقاقه تعالى للأسماء الحسنى، وهي التسعة والتسعون التي ورد بها الحديث الصحيح، ومبينة لكون ما ذكر من الخالقية والرحمانية، والمالكية، والعالمية، أسماءه وصفاته من غير تعدد في ذاته تعالى، فإنه رُوي أن المشركين حين سمعوا النبي ﷺ يقول: يا اللَّه، يا رحمن، قالوا: ينهانا أن نعبد إلهين، وقد يدعو إلهًا آخر، و ﴿الْحُسْنَى﴾ تأنيث الأحسن، يوصف به الواحدة المؤنثة، والجمع من المذكر والمؤنث، كـ ﴿مآرب أخرى﴾ و ﴿آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾، وفضل أسماء الله تعالى في الحسن على سائر الأسماء، لدلالتها على معاني التقديس، والتمجيد، والتعظيم، والربوبية، والأفعال التي هي النهاية في الفضل والحسن. والمعنى (٢): أي إن ما ذكر من صفات الكمال التي تقدمت، ليس بأهل لها إلا ذلك المعبود الحق، الذي لا رب غيره، ولا إله سواه، وله الصفات الحسنى، الدالة على التقديس والتمجيد، والأفعال التي هي الغاية في الحكمة والسداد. ٩ - ثم قرر سبحانه أمر التوحيد، بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة الباهرة، والخبر الغريب، فقال: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ يا محمد وبلغك ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ بن

стр. 7573

عمران ﵇؛ أي: وهل بلغك كيف كان ابتداء الوحي إلى موسى، وتكليم الله سبحانه إياه، والاستفهام (١) فيه للتقرير، ومعناه: أليس قد أتاك حديث موسى، وقيل معناه: قد أتاك حديث موسى، وقال الكلبي: لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك. ومن سنن العربية (٢): أنه إذا أريد تثبيت الخبر، وتقرير الجواب في نفس المخاطب، أن يلقى إليه بطريق الاستفهام، فيقول المرء لصاحبه: هل بلغك كذا وكذا، فيتطلع السامع إلى معرفة الخبر، ويُصغي إليه أتم الإصغاء. وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي ﷺ لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة، وتحمل أثقالها، ومقاساة خطوبها، وأن ذلك شأن الأنبياء قبله، والمراد بالحديث: القصة الواقعة لموسى، رُوي أن موسى ﵇ استأذن شعيباً في الرجوع إلى والدته، فأذن له بعد أن قضى الأجل الذي كان بينه وبين صهره في رعاية الغنم، فخرج وسار قاصدًا مصر بعد أن طالت غيبته عنها، فقد زادت على عشر سنين، ومعه زوجه فوُلد له ابنٌ في الطريق في ليلة شاتية، ذات ثلج وبردٍ وسحابٍ وضبابٍ وظلامٍ، وكانت ليلة جمعة، ونزل منزلًا بين شعاب وجبال، وجعل يقدس بزندٍ كان معه ليوري نارًا، فلم تور المقدحة شيئًا، وبينا هو يزاول ذلك ويعالجه ١٠ - ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ من بُعدٍ عن يسار الطريق ﴿فَقَالَ﴾ موسى ﴿لِأَهْلِهِ﴾؛ أي: لامرأته وولدها وخادمها، فإن الأهل يفسر بالأزواج والأولاد والعبيد والإماء والأقارب وبالأصحاب وبالمجموع، كما في "شرح المشارق" لابن ملك. مبشرًا لهم ﴿امْكُثُوا﴾؛ أي: أقيموا مكانكم ولا تتبعونى ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ وأبصرت ﴿نَارًا﴾ وسأذهب إليها ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾؛ أي: لعلي أجيئكم منها بشعلة مقتبسة على رأس عود أو نحوه ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى﴾ تلك ﴿النَّارِ هُدًى﴾؛ أي: هاديًا يدلني على الطريق؛ لأن النار قلَّما تخلو من أهل لها، وناس عندها، على أنه مصدر سمي به الفاعل مبالغةً، أو حُذف منه المضاف؛ أي: ذا هداية وكلمة،

стр. 7574

أو لمنع الخلو دون منع الجمع، ومعنى الاستيلاء في على: أن أهل النار يكتنفونها عند الاصطلاء قيامًا وقعودًا، فيشرفون عليها. وجاء في سورة القصص ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾. وقصارى ذلك (١): أنه قال لأهله: أقيموا مكانكم، وإني قد رأيت نارًا، فإما أن آتيكم منها بقبس تشعلون منه نارًا تصطلون بها، وإما أن أجد دليلًا يرشدني إلى الطريق المسلوك، وكان قد ضل عنه. ومعنى أمكثوا: أقيموا مكانكم، وعبَّر بالمكث دون الإقامة؛ لأن الإقامة تقتضي الدوام، والمكث ليس كذلك، وقرأ (٢) الأعمش وطلحة وحمزة ونافع في رواية: ﴿لأهله امكثوا﴾ بضم الهاء وكذا في القصص، وقرأ الجمهور بكسرها قوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾؛ أي: بشعلة نار؛ أي: بشيء فيه لهب مقتبس من معظم النار، وهى المرادة بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس في سورة "النمل", يقال: قبست منه نارًا في رأس عود، أو فتيلة أو غيرهما. ولم يقطع موسى بأن يقول إني آتيكم، لئلا يعد ما لم يتيقن الوفاء به، انظر كيف احترز موسى عن شائبة الكذب قبل نبوته، فإنه حينئذٍ لم يكن مبعوثاً، قال أكثر المفسرين: إن الذي رآه موسى لم يكن نارًا، بل كان نور الرب سبحانه، ذكر بلفظ النار لأن موسى حسبه نارًا، وقال الإِمام: الصحيح أنه رأى نارًا ليكون صادقًا في خبره، إذ الكذب لا يجوز على الأنبياء. انتهى. ١١ - ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾؛ أي: فلما أتى موسى النار التي آنسها .. ﴿نُودِيَ﴾ موسى من الشجرة، كما هو مصرّح بذلك في سورة القصص؛ أي: من جهتها وناحيتها؛ أي: فلما انتهى إلى النار التي آنسها .. رأى شجرة خضراء من أعلاها إلى أسفلها، أحاطت بها نار بيضاء، تتقد كأضواء ما يكون، ولم ير هناك أحدًا، فوقف متعجبًا من شدة ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة، فلا النار تغير

стр. 7575

خضرتها, ولا كثرة ماء الشجرة تغير ضوء النار، قيل: كانت الشجرة سمرةً خضراء، وقيل: عوسجةً، وقيل: عليقًا، وقيل: شجرة العناب وهي شجرة لا نار فيها، بخلاف غيرها من الأشجار، قالوا (١): النار أربعة أصناف: صنف يأكل ولا يشرب، وهي نار الدنيا، وصنف يشرب ولا يأكل وهي نار الشجر الأخضر، وصنف يأكل ويشرب وهي نار جهنم، وصنف لا يأكل ولا يشرب وهي نار موسى، وقالوا أيضًا: هي أربعة أنواع: نوع له إحراق بلا نور، وهي نار الجحيم، ونوع له نور بلا إحراق، وهي نار موسى، ونوع له إحراق ونور، وهي نار الدنيا، ونوع ليس له إحراق ولا نور، وهي نار الأشجار، قيل: إن موسى أخذ شيئًا من الحشيش اليابس وقصد الشجرة، فكان كلما دنا .. نأت عنه، وإذا نأى .. دنت منه، فوقف متحيراً، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورًا عظيمًا تكل عنه الأبصار، فوضع يديه على عينيه وخاف وبهت، فألقيت عليه السكينة والطمأنينة، فعند ذلك نودي، فقيل: ﴿يَا مُوسَى﴾ فأجاب سريعاً فقال: لبيك، من المتكلم إني أسمع صوتك ولا أرى شخصك، فأين أنت؟ ١٢ - فقال تعالى: ﴿إِنِّي أَنَا﴾ للتوكيد والتحقيق ﴿رَبُّكَ﴾ ومالك أمرك يا موسى، وأنا فوقك ومعك وأمامك وخلفك، وأقرب إليك منك، فعلم أن ذلك لا ينبغي ولا يكون إلا من الله تعالى، فأيقن به وسمع الكلام بكل أجزائه، حتى إن كل جارحة منه كانت أذنًا، وسمعه من جميع الجهات. وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِنِّي﴾ بكسر الهمزة على إضمار القول عند البصريين، وعلى معاملة النداء معاملة القول، لا أنه ضربٌ منه على مذهب الكوفيين، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو جعفر وابن محيصن وحميد واليزيدي: ﴿أني﴾ بفتح الهمزة، والظاهر أن التقدير: بأني أنا ربك، وقال ابن عطية: لأجل أني أنا ربك، فاخلع نعليك، وأنا مبتدأ أو فصل أو توكيد لضمير النصب، وفي هذه الأعاريب حصل التركيب لتحقيق المعرفة، وإماطة الشبهة.

стр. 7576

ثم أمره أن يخلع نعليه احتراماً للبقعة المقدسة فقال: ﴿فَاخْلَعْ﴾ وانزع ﴿نَعْلَيْكَ﴾ يا موسى عن قدميك؛ لأن الحفوة أقرب إلى التواضع، وحسن الأدب معه تعالى، وإلى التشريف والتكريم لتلك المقدسة، وقيل: إنهما كانا من جلد حمار غير مدبوغ. وفي "الترمذي"، عن النبي ﷺ قال: "كان على موسى يومَ كلَّمه ربه كساء صوف، وجبة صوف، وكمة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت" قال: هذا حديث غريب. والكمة: القلنسوة الصغيرة، وكونهما من جلد حمار ميت غير مدبوغ قول عكرمة وقتادة والسدي ومقاتل والكلبي والضحاك، وقيل: كانتا من جلد بقرة ذكي، لكن أمر بخلعهما لبيان بركة الوادي المقدس، حتى وتمس قدماه تربته، ومن ثم طاف السلف الصالح بالكعبة حافين، وروي: أنه خلع نعليه وألقاهما من وراء الوادي. ثم بين سبب الأمر بذلك بقوله: ﴿إِنَّكَ﴾ يا موسى ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾؛ أي (١): المطهر والمستبعد من السوء ﴿طُوًى﴾: اسم الوادي، بدل أو عطف بيان منه, أي: لأنك بالوادي المطهر المسمى بطوى، فاخلعهما ليحصل للقدمين بركته، والمقدس: المطهر، والقدس: الطهارة، والأرض المقدسة: المطهرة، سميت بذلك لأن الله أخرج منها الكافرين، وعمرها بالمؤمنين. وقرأ الحسن (٢) والأعمش وأبو حيوة وابن أبي إسحاق وأبو السُّمال وابن محيصن: بكسر الطاء منونًا، وقرأ الكوفيون وابن عامر: بضمها منونًا، وقرأ الحرميان نافع وابن كثير وأبو عمرو: بضمها غير منون، وقرأ أبو زيد عن أبي عمرو: بكسرها غير منون، وقرأ عيسى بن عمرو والضحاك ﴿طاوى﴾ فمن نوَّن فعلى تأويل المكان، ومن لم ينون وضم الطاء، فيحتمل أن يكون معدولًا عن فعل، نحو زفر وقثم، أو أعجميًا أو على معنى البقعة، ومن كسر ولم ينون فمنع

стр. 7577

الصرف باعتبار البقعة. ١٣ - ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ واصطفيتك من قومك للنبوة والرسالة ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ , أي: للذي يوحى إليك منى من الأمر والنهي، واللام: متعلقة بالسمع، مزيدة في المفعول كما في ردف لكم، والفاء: لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وقرأ (١) الجمهور، أبو عمرو وابن عامر وعاصم والكسائي وأهل مكة وأهل المدينة: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُك﴾ بالإفراد، وقرأ حمزة وطلحة والأعمش وابن أبي ليلى وخلف في اختياره: ﴿وأنا اخترناك﴾ بفتح الهمزة وشد النون ﴿اخترناك﴾ بنون العظمة، وقرأ السلمي وابن هرمز والأعمش في رواية: ﴿وإنا﴾ بكسر الهمزة ﴿اخترناك﴾ بنون العظمة عطفًا على ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ لأنهم كسروا ذلك أيضًا، وقرأ أُبيُّ ﴿وأني﴾ بفتح الهمزة وياء المتكلم ﴿اخْتَرْتُكَ﴾ بالتاء عطفًا على ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾. وقصارى ذلك (٢): لقد جاءك أمر عظيم، فتأهب له، واجعل كل خاطرك إليه، وقد قالوا: إن من أدب الاستماع سكون الجوارح والأعضاء، وغض البصر، والإصغاء بالسمع، وحضور القلب، والعزم، ١٤ - وقد بيَّن سبحانه أهم ما يوحى إليه بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ وهو بدل من ﴿ما﴾ في ﴿لِمَا يُوحَى﴾ دال على تقدم علم الأصول على علم الفروع، فإن التوحيد من مسائل الأصول، والعبادة الآتية من الفروع ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾؛ أي: إن أول الواجب على المكلف أن يعلم أنه لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ثم أمره سبحانه بالعبادة فقال: ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ و (الفاء): فيه أيضًا لترتيب ما بعدها على ما قبلها؛ لأن اختصاص الإلهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة؛ أي: فخصني بالعبادة والتوحيد، ولا تشرك بعبادتي أحدا؛ أي: وإذ كنت أنا الإله حقًا، ولا معبود سواي، فخصني بالعبادة والتذلل والانقياد في جميع ما كلفتك به ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ من عطف الخاص على العام؛ أي: وأد الصلاة على الوجه الذي أمرتك به، مقومة الأركان، مستوفاة الشروط ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: لتذكرني فيها، وتدعوني دعاءً خالصًا، لا يشوبه

стр. 7578

إشراك ولا توجه إلى سواي، فهو من إضافة المصدر إلى مفعوله، ويحتمل كونه من إضافة المصدر إلى فاعله؛ أي: لأذكرك بالإثابة. وخص (١) الصلاة بالذكر مع كونها داخلةً تحت الأمر بالعبادة، لكونها أشرف طاعة، وأفضل عبادة، وعلل الأمر بإقامة الصلاة بقوله: ﴿لِذِكْرِي﴾؛ أي: لتذكري، فإن الذكر الكامل لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، أو المعنى: لتذكرني فيهما لاشتمالهما على الأذكار، أو المعنى أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، وقيل: المعنى لأذكرك بالمدح في عليين. وقرأ السلمي والنخعي وأبو رجاء (٢): ﴿للذكرى﴾ بلام التعريف وألف التأنيث، فالذكرى: بمعنى التذكرة؛ أي: لتذكيري إياك، إذا ذكرتك بعد نسيانك، فأقمها، وقرأت فرقة: ﴿لذكرى﴾ بألف التأنيث بغير لام التعريف، وقرأت فرقة: ﴿للذكر﴾. ١٥ - ثم بيَّن السبب في وجوب العبادة، وإقامة الصلاة فقال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ والقيامة ﴿آتِيَةٌ﴾؛ أي: كائنة حاصلة واقعة لا محالة، والساعة (٣): اسم لوقت تقوم فيه القيامة، سمي بها لأنها ساعة حقيقةً، يحدث فيها أمر عظيم، وإنما عبَّر عن ذلك بالإتيان تحقيقاً لحصولها بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾؛ أي: أريد (٤) إخفاء وقتها فـ ﴿أَكَادُ﴾ بمعنى أريد، أو أقرب أن أخفيها، فلا أقول إنها آتية، ولولا ما في الإخبار بإتيانها من اللطف وقطع الأعذار .. لما أخبرت به، أو أكاد أظهرها، فالإخفاء بمعنى الإظهار، من أخفى الشيء إذا أظهره، وسلب خفاءه، ويؤيده قراءة فتح الهمزة، من خفاه إذا أظهره، ذكره البيضاوي، وقيل: ﴿أَكَادُ﴾ (٥) زائدة، والمعنى: إن الساعة آتية أسترها عن الخلق، للتهويل والتعظيم، وقال ابن الأنباري: في الآية تفسير آخر (٦)

стр. 7579

وهو: أن الكلام ينقطع على ﴿أَكَادُ﴾ وبعده مضمر؛ أي: أكاد آتي بها، ووقع الابتداء بـ ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ واختاره النحاس. وقال الواحدي: قال أكثر المفسرين: ﴿أُخْفِيهَا﴾ من نفسي، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة، وقال المبرد وقطرب: هذا على عادة مخاطبة العرب، يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء .. كتمته حتى من نفسي؛ أي: لم أطّلع عليه، ومعنى الآية على هذا القول؛ أي (١): إن الساعة آتية لا محالة، وإني أكاد أخفيها من نفسي، فكيف يعلمها غيري من الخلق، وقد جاء هذا على سنن العرب في تخاطبهم، يقول أحدهم: إذا بالغ في كتمان السر: كتمت سري من نفسي، يريد: أنه أخفاه غاية الإخفاء، وقرأ أبو الدرداء وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير وأبو رجاء العطاردي والحسن ومجاهد وحميد بن قيس، ﴿أخفيها﴾ بفتح الهمزة ورويت عن ابن كثير وعاصم، قال الزجاج: ومعناه: أكاد أظهرها، من خفيت الشيء بمعنى: أظهرته. وفائدة إخفائها: التهويل والتخويف، فإنهم إن لم يعلموا متى تقوم الساعة .. يكونوا منها على حذر، ولمثل تلك الفائدة أخفى الله وقت الموت، لأن المرء إذا علم وقت موته، وانقضاء أجله .. اشتغل بالمعاصي إلى أن يقرب ذلك الحين، فيتوب ويصلح عمله، وقد وعد الله بقبول توبته، وهذا يكون كالإغراء على المعصية، لكنه إن لم يعلم حين منيته .. كان منها على حذر، ولا يزال على قدم الخوف والوجل، فيترك المعاصي، ويتوب منها في كل حين خوف معاجلة الموت. واللام في قوله: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ متعلق بـ ﴿آتية﴾ وما بينهما اعتراض أو بـ ﴿أُخْفِيهَا﴾ و ﴿ما﴾ مصدرية؛ أي: إن الساعة آتية لتجزي كل نفس بسعيها وعملها، خيرًا كان أو شرًا، وتخصيص (٢) السعي بالذكر للإيذان بأن المراد بالذات من إتيانها هو الإثابة بالعبادة، وأما العقاب بتركها فمن مقتضيات

стр. 7580

سوء اختيار العصاة، أو يقال: والسعي وإن كان ظاهرًا في الأفعال فهو هنا يعم الأفعال والتروك للقطع بأن تارك ما يجب عليه معاقب بتركه، مأخوذ به ١٦ - ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾؛ أي: فلا يصرفنك يا موسى ﴿عَنْهَا﴾؛ أي: عن الإيمان بالساعة، والتصديق بها، أو عن ذكرها ومراقبتها؛ أي: لا يمنعنك عن ذكر الساعة ومراقبتها ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ﴾ ولا يصدق ولا يقر ﴿بِهَا﴾؛ أي: بإتيان الساعة وقيامها من الكفرة، وهذا النهي (١) وإن كان بحسب الظاهر نهيًا للكافر عن صد موسى عن الإيمان بالساعة، فهو في الحقيقة نهيٌ لموسى عن الانصداد عنها على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه المؤدية إليه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني، وإبطال للسببية من أصلها، أو نهي (٢) له عن إظهار اللبن للكافرين، فهو من باب لا أرينك هاهنا، كما هو معروف، وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ معطوف على ما قبله؛ أي: من لا يؤمن، ومن اتبع هواه؛ أي: اتبع هوى نفسه وشهواتها بالانهماك في اللذات الحسية الفانية ﴿فَتَرْدَى﴾؛ أي: فتهلك هلاكًا أبديًا؛ لأن انصدادك عنها بصد الكافرين لك مستلزم للهلاك ومستتبع له، لما في ذلك الانصداد من الإغفال عنها وعن تحصيل ما ينجي من أهوالها لا محالة، والمراد، بهذا النهي: الأمر بالاستقامة في الدين، وهو خطاب له، والمراد: غيره وقرأ يحيى: ﴿فتردى﴾ بكسر التاء، والمعنى؛ أي (٣): فلا يردنك يا موسى عن التأهب للساعة من لا يقر بقيامها, ولا يصدق بالبعث، ولا يرجو ثوابًا، ولا يخاف عقابًا، بل يتبع هواه، ويخالف أمر ربه ونهيه، فإنك إن فعلت ذلك وقعت في هاوية الخذلان والعصيان، وهذا الخطاب من وادي قولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة، فالمراد بمثل هذا الخطاب جميع المكلفين، كما تقدم غير مرة. وخلاصة ذلك: لا تتبعوا سبل من كذب بالساعة، وأقبل على لذاته في دنياه، وعصى أمر ربه، واتبع هواه، فإن من سلك سبيلهم .. خاب وخسر، كما

стр. 7581

قال: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾. واعلم (١): أن هذه الآيات والآتية بعدها دلت على أن الله تعالى كلم موسى ﵇ وأنه سمع كلام الله تعالى، فإن قيل: بأي شيء علم موسى أنه كلام الله؟ قيل: لم ينقطع بالنفس مع الحق، كما ينقطع به مع المخلوق، بل كلَّمه تعالى بمدد وحداني غير منقطع، وبأنه سمع الكلام من الجهات الست، وبجميع الأجزاء، فصار الوجود كله سمعاً، وكذا المؤمن في الآخرة. ١٧ - والاستفهام في قوله: ﴿وَمَا تِلْكَ﴾، للتقرير ﴿وَمَا﴾: مبتدأ و ﴿تِلْكَ﴾: خبره وهي بمعنى: هذه ﴿بِيَمِينِكَ﴾ حال والعامل فيها ﴿مَا﴾ في اسم الإشارة، من معنى الفعل، كقوله: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾؛ أي: أي شيء هذه الخشبة حالة كونها مأخوذةً بيمينك ﴿يَا مُوسَى﴾ ويصح أن تكون ﴿مَا﴾ خبرًا مقدمًا لـ ﴿تِلْكَ﴾ وهو أوفق بالجواب من عكسه. وقال الزمخشري (٢): ويجوز أن يكون ﴿تِلْكَ﴾ اسماً موصولًا، صلته بـ ﴿بِيَمِينِكَ﴾ ولم يذكر ابن عطية غيره، وليس ذلك مذهباً للبصريين، وإنما ذهب إليه الكوفيون، قالوا: يجوز أن يكون اسم الإشارة موصولًا، حيث يتقدر بالموصول، كأنه قيل: وما التي بيمينك، وعلى هذا فيكون العامل في المجرور محذوفًا، كأنه قيل: وما التي استقرت بيمينك، وفي هذا السؤال وما قبله من خطابه تعالى لموسى ﵇ استئناس عظيم، وتشريف كريم. سأله سبحانه عما في يده وهو العليم به (٣)، ليبين له أنه سيجعل لتلك الخشبة التي ليس لها خطر كبير، ولا منفعة عظيمة، جليل المزايا والفوائد التي لم تكن تخطر له على بال، كانقلابها حيةً تسعى، وضرب البحر بها حتى ينفلق، وضرب الحجر حتى يتفجر منه الماء، ولينبهه بهذا الطريق إلى كمال قدرته، وبالغ عظمته، إذ أظهر لأحقر الأشياء هذه المنافع العظيمة، على سنن الناس في

стр. 7582

تخاطبهم، إذا أراد أحدهم أن يظهر من الشيء الحقير شيئًا شريفًا، أن يأخذه ويعرضه على النظارة، ويقول لهم: ما هذا؟ فيقولون: هو كذا، فيفيض في شرح ماله من فائق المزايا، وجليل المنافع التي لم تكن تدور بخلدهم، ولم تخطر ببالهم. ١٨ - فأجابه موسى معددًا ما لها من فوائد ومزايا، بحسب ما وصلت إليه معرفة البشر فـ ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿هِيَ﴾؛ أي: هذه الخشبة التي بيميني هي ﴿عَصَايَ﴾ يا إلهي، نسبها إلى نفسه تحقيقًا لوجه كونها بيمينه، وتمهيداً لما يعقبه من الأفاعيل المنسوبة إليه ﵇ وكانت هذه العصا لآدم، ورثها شعيب من آدم، وأمر شعيب ابنته بعدما زوجها له أن تعطى لموسى، يدفع بها السباع عن غنمه، وكان عصا الأنبياء عنده، فوقع في يدها عصا آدم من آس الجنة، فأخذها موسى بعلم شعيبٍ. وقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري (١): ﴿عصيَّ﴾ بقلب الألف ياءً وإدغامها في ياء المتكلم، وقرأ الحسن ﴿عصاي﴾ بكسر الياء، وهي مروية عن ابن أبي إسحاق أيضًا، وأبي عمرو معًا وهذه الكسرة لالتقاء الساكنين، وعن أبي إسحاق، والجحدري ﴿عصاي﴾ بسكون الياء. وبقوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ تم (٢) الجواب، ولكن ذكر موسى ما لها من فوائد، إذ أحب مكالمة ربه، فجعل ذلك كالوسيلة لهذا الغرض، فبين لها فائدتين على سبيل التفصيل، وواحدةً على سبيل الإجمال فقال: ١ - ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾؛ أي: أعتمد عليها إذا مشيت، أو تعبت، أو وقفت على رأس القطيع من الغنم في المرعى. ٢ - ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾؛ أي: وأخبط ورق الشجر بها ليسقط على غنمي، فتأكله، وقرأت فرقة: ﴿غنمي﴾ بسكون النون وفرقة: ﴿على غنمي﴾ بإيقاع الفعل على الغنم، وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَأَهُشُّ﴾ بضم الهاء والشين

стр. 7583

المعجمة، والنخعي: بكسرها، وهي بمعنى المضمومة الهاء، والمفعول محذوف, أي: الورق، وقرأ الحسن، وعكرمة، ﴿وأهس﴾ بضم الهاء والسين غير معجمة، والهس: السوق، ونقل ابن خالويه عن النخعي: أنه قرأ ﴿وأهش﴾ بضم الهمزة، من أهش الرباعي، وذكر صاحب "اللوامح" عن عكرمة، ومجاهد: ﴿وأهش﴾ بضم الهاء وتخفيف الشين، قال ولا أعرف له وجهاً، إلا أن يكون مخفف القراءة العامة؛ لأن الشين فيه تفش، فاستثقل الجمع بين التضعيف والتفشي، فيكون كتخفيف ظلت ونحوه. ٣ - ﴿وَلِيَ فِيهَا﴾؛ أي: في عصاي ﴿مَآرِبُ﴾ وحوائج ومصالح ومنافع ﴿أُخْرَى﴾ غير ذلك المذكور، كحمل الزاد، والسقي، وطرد السباع عن الغنم، وإذا شئت .. ألقيتها على عاتقي، فعلقت بها قوسي، وكنانتي، ومخلاتي، وثوبي، وإذا وردت ماءً قصر عنه رشائي .. وصلته بها. وقد أجمل ﵇ في المآرب، رجاء أن يسأله ربه عنها، فيسمع كلامه مرةً أخرى، ويطول الحديث بهذا، وقرأ الزهري (١)، وشيبة: ﴿مارب﴾ بغير همز، كذا قال الأهوازي في "كتاب الإقناع" في القراءات. وقد تعرض (٢) قوم لتعداد منافع العصا، فذكروا من ذلك أشياء: منها: قول بعض العرب: عصاي أركزها لصلاتي، وأعدها لعداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوى بها على سفرها، وأعتمد بها في مشيتي، ليتسع خَطْوي، وأثب بها النهر، وتؤمنني العثر، وأُلقي عليها كسائي، فتقيني الحر، وتدفيني من القر، وتدني إلى ما بعد مني، وهي تحمل سفرتي، وعلاقة أدواتي، أعصي بها عند الضراب، وأقرع بها الأبواب، وأقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بنيَّ. انتهى. وقد جمع الله سبحانه لموسى في عصاه من البراهين العظام، والآيات

стр. 7584

الجسام ما أمن به من كيد السحرة، ومعرة المعاندين، واتخذها سليمان لخطبته وموعظته، وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصا النبي ﷺ وعنزته، وكان يخطب بالقضيب، وكذلك الخلفاء من بعده، وكانت عادة العرب العرباء أخذ العصا، والاعتماد عليها عند الكلام، وفي المحافل والخطب. فإن قلت (١): ما الفائدة في سؤال الله تعالى له بقوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ وهو يعلم؟. فعنه جوابان: أحدهما: أن لفظه لفظ الاستفهام، ومجراه مجرى السؤال ليجيب المخاطب، لا إقرار به، فتثبت عليه الحجة باعترافه، فلا يمكنه الجحد، ومثله في الكلام أن تقول لمن تخاطبه وعنده ماء: ما هذا؟ فيقول: ماء، فتضع عليه شيئًا من الصبغ، فإن قال: لم يزل هكذا .. قلت له: ألست قد اعترفت بأنه ماء، فتثبت عليه الحجة، هذا قول الزجاج، فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرر موسى أنها عصا، لما أراد أن يريه من قدرته في انقلابها حيةً، فوقع المعجز بها بعد التثبت في أمرها. والثاني: أنه لما اطلع الله تعالى على ما في قلب موسى، من الهيبة والإجلال، حين التكليم .. أراد أن يؤانسه، ويخفف عنه ثقل ما كان فيه من الخوف، فأجرى هذا الكلام للاستئناس، حكاه أبو سليمان الدمشقي. فإن قيل: قد كان يكفي في الجواب أن يقول: ﴿هِيَ عَصَاي﴾، فما الفائدة في قوله: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ إلى آخر الكلام، وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدهما: أنه أجاب بقوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ فقيل له: ما تصنع بها، فذكر باقي الكلام جوابًا عن سؤال ثان. قاله ابن عباس، ووهب.

стр. 7585

والثاني: أنه إنما أظهر فوائدها، وبين حاجته إليها خوفاً من أن يأمره بإلقائها، كالنعلين. قاله سعيد بن جبير. الثالث: أنه بيَّن منافعها, لئلا يكون عابثاً بحملها، قاله الماوردي. فإن قيل: فلِمَ اقتصر على ذكر بعض منافعها, ولم يطل الشرح؟ فعنه ثلاثة أجوبةٍ: أحدها: أنه كره أن يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها. والثاني: استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد. والثالث: أنه اقتصر على اللازم دون العارض، وقيل: كانت تضيء له بالليل، وتدفع عنه الهوام، وتثمر له إذا اشتهى الثمار، وفي جنسها قولان: أحدهما: أنها كانت من آس الجنة، قاله ابن عباس. والثاني: أنها كانت من عوسج. فإن قيل: المآرب جمع، فكيف قال ﴿أخرى﴾، ولم يقل أخر؟ فالجواب: أن المآرب في معنى جماعة، فكأنه قال: جماعة من الحاجات أخرى، قاله الزجاج اهـ. "زاد المسير" ١٩ - ﴿قَالَ﴾ الله ، استئناف (١) بياني واقع في جواب سؤال مقدر، أمره سبحانه بإلقائها, ليريه ما جعل له فيها من المعجزة الظاهرة ﴿أَلْقِهَا﴾؛ أي: ألق هذه العصا وأطرحها ﴿يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا﴾ ٢٠ - موسى على الأرض، والإلقاء والنبذ والطرح، بمعنىً واحدٍ ﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: تلك العصا المطروحة، وإذا هنا للمفاجاة ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾؛ أي: ثعبان عظيم ينتقل من مكان إلى آخر مسرعاً، وذلك بقلب الله سبحانه لأوصافها وأعراضها، حتى صارت حية تسعى؛ أي: تمشي بسرعةٍ وخفةٍ، قيل: كانت عصا ذات شعبتين، فصار الشعبتان فمًا، وباقيها جسم حيةٍ، تنتقل من مكان إلى مكان، وتلتقم الحجارة مع عظم جرمها، وفظاعة منظرها، فلما رآها كذلك .. خاف وفزع وولى

стр. 7586

مدبرًا ولم يعقب، وجاء تشبيهها بالجان، وهو: الصغير من الحيات، في قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لما ظهر لها من سرعة الحركة والقوة، لا لصغرها، وقال في آية أخرى ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ والحية: تطلق على الصغيرة والكبيرة، والذكر والأنثى، والجان: الرقيق من الحيات، والثعبان: العظيم منها, ولا تنافي بين تشبيهها بالجان، وبين كونها ثعبانًا؛ لأن تشبيهها بالجان هو في أول حالها، ثم زيدت حتى صارت ثعبانًا، أو شبهت بالجان وهي ثعبان في سرعة حركتها واهتزازها، مع عظم خلقها، قيل: كان لها عرف كعرف الفرس، وصارت شعبتا العصا لها فمًا، وبين لحييها أربعون ذراعًا، أو ثمانون، وعن ابن عباس: انقلبت ثعبانًا تبتلع الصخر والشجر، وعيناها تتقدان، فلما رأى هذا الأمر العجيب الهائل .. لحقه ما يلحق البشر عند رؤية الأهوال والمخاوف، لا سيما هذا الأمر الذي يذهل العقول. وحكمة انقلابها وقت مناجاته: تأسيسه بهذا المعجز الهائل، حتى يلقيها لفرعون فلا يلحقه ذعر منها في ذلك الوقت، وقد جرت له بذلك عادة وتدريب في تلقي تكاليف النبوة، ومشاق الرسالة، ٢١ - ثم أمره تعالى بالإقدام على أخذها، ونهاه عن أن يخاف منها حيث ﴿قَالَ﴾ سبحانه: استئناف بياني ﴿خُذْهَا﴾؛ أي: خذ هذه الحية بيمينك ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ منها فإنه لما رآها حية تسرع، وتبتلع الحجر والشجر .. خاف وهرب منها، وهذا الخوف مما تقتضيه الطبيعة البشرية حين مشاهدة الأمر الجلل الذي لا يعرف له نظير، ولا يدرك له سبب، ولا ينقص ذلك من جلالة قدره ﵇ قيل: لما قال له ربه لا تخف .. بلغ من طمأنينة نفسه وذهاب الخوف عنه أن أدخل يده في فمها، وأخذ بليحييها ﴿سَنُعِيدُهَا﴾؛ أي: سنعيد هذه الحية بعد أخذها ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾؛ أي: إلى هيئتها وحالها الأولى، التي هي الهيئة العصوية، فانتصابه بنزع الخافض، فوضع يده في فم الحية، فصارت عصاً كما كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي يضعها فيه إذا توكأ، وأراه هذه الآية كيلا يخاف عند فرعون إذا انقلبت حية ٢٢ - ﴿وَاضْمُمْ﴾؛

стр. 7587

أي: أدخل وضم ﴿يَدَكَ﴾ اليمنى ﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾؛ أي: إلى جنبك الأيسر، تحت العضد؛ أي: أدخل كفك اليمنى في إبطك الأيسر، وأخرجها ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾؛ أي: مشرقةً مثل البرق، أو مشرقة تضيء كشعاع الشمس، تغطي البصر عن الإدراك، فهو حال من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾ ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ حال من الضمير في ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ أي: كائنةً من غير عيب وقبح، كنى به عن البرص، كما كنى بالسوءة عن العورة، لما أن الطباع تعافه وتنفر عنه، روي أن موسى ﵇ كان أسمر اللون، فإذا أدخل يده اليمنى تحت إبطه الأيسر وأخرجها .. كان عليها شعاع كشعاع الشمس، يغشي البصر، ويسد الأفق، ثم إذا ردها إلى جنبه .. صارت إلى لونها الأول، بلا نور وبريقٍ، حالة كون تلك اليد البيضاء ﴿آيَةً أُخْرَى﴾؛ أي: معجزةً أخرى غير العصا، وانتصابها على الحالية من الضمير في بيضاء، ٢٣ - وقوله: ﴿لِنُرِيَكَ﴾ متعلق بمحذوف تقديره؛ أي: فعلنا ما فعلنا من قلب العصا حيةً، وجعل اليد بيضاء، لنريك بهاتين الآيتين ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾؛ أي: بعض آياتنا العظمى، فكل من العصا واليد، من الآيات الكبرى, والدلائل العظام، وهي تسع كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وقد سبق بيانها، ومن المعلوم: أن الكبرى اسم تفضيل؛ أي: التي هي أكبر من غيرها، حتى من العصا، وذلك لأن المراد الكبرى في الإعجاز، واليد كذلك فإنها أكبر آيات موسى، كما نقله الخازن عن ابن عباس؛ لأنها لم تعارض أصلًا، وأما العصا فقد عارضها السحرة كما سيأتي. ٢٤ - ثم صرح سبحانه بالغرض المقصود من هذه المعجزات فقال: ﴿اذْهَبْ﴾ يا موسى ﴿إِلَى فِرْعَوْن﴾ بما رأيته من الآيتين العظيمتين، وادعه إلى عبادتي، وحذره من نقمتي، وخصه بالذكر؛ لأن قومه تبع له، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: عصى، وتكبر، وكفر، وتجبر، وجاوز الحد، حتى تجاسر على دعوى الربوبية، وقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. قال وهب بن منبه (١): قال الله لموسى: (اسمع كلامي، واحفظ وصيتي،

стр. 7588

وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإن معك يدي ونصري، وإني ألبستك جبةً من سلطاني، تستكمل بها القوة في أمرك، أبعثك إلى خلقٍ ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا، حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، أقسم بعزتي، لولا الحجة التي وضعت بيني وبين خلقي .. بطشت به بطشة جبار، ولكن هان علي، وسقط من عيني، فبلغه رسالتي، وادعه إلى عبادتي، وحذره نقمتي، وقيل له قولًا لينًا، لا يغتر بلباس الدنيا، فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي)، قال: فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم، حتى جاءه ملك فقال: أجب ربك فيما أمرك، فحينئذ ٢٥ - ﴿قَالَ﴾ موسى ﵇ مستعينًا بالله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾: جملة مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر: كأنه قيل: فماذا قال؟ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾؛ أي: رب وسع لى صدري وقلبي، لأعي عنك ما تودعه فيه من وحيك، وأجترىء به على خطاب فرعون، فإنك كلفتني أمرًا عظيمًا، لا يحتمله إلا ذو جأش رابط، وصدر فسيح، فقد بعثتني إلى أعظم ملك على وجه الأرض، وأجبرهم وأشدهم كفرًا، وأكثرهم جندًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم وأبلغهم تمردًا، وقد بلغ من تمرده: أنه لا يعلم إلهًا غيره، والمراد (١) بالصدر هنا: القلب، لا العضو، الذي فيه القلب؛ أي: وسع قلبي حتى لا يضيق بسفاهة المعاندين ولجاجهم، ولا يخاف من شوكتهم وكثرتهم. وخلاصة ذلك: أنه خاف فرعون لشدة شوكته، وكثرة جنوده، فسأل الله تعالى: أن يوسع قلبه، ليكون حمولاً لما يستقبل من الشدائد والمكاره بجميل الصبر، وحسن الثبات، فقال: اجعلني رابط الجأش، حتى لا أخاف سواك، ولا أرهب غيرك، حين تبليغ رسالتك، وكن عوني ونصيري، وإلا فلا طاقة لي بذلك ٢٦ - ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾؛ أي: سهل وهون علي تبليغ الرسالة إلى فرعون، بإحداث الأسباب، ورفع الموانع. والمعنى: هوِّن (٢) وسهل علي القيام بما كلفتني به من تبليغ الرسالة،

стр. 7589

وحملتني من الطاعة، وأفض علي من القوة ما يفي بالعمل على نشر الدين, وإصلاح الخلق ٢٧ - ﴿وَاحْلُلْ﴾؛ أي: فك وافتح ﴿عُقْدَةً﴾؛ أي: ربطةً ورقةً؛ أي: حبسةً ﴿مِنْ لِسَانِي﴾: متعلق بـ ﴿أحلل﴾ وتنكير ﴿عُقْدَةً﴾: يدل على قلتها في نفسها، قالوا: ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مرسلة، أو صورة ممثلة، والمرء بأصغريه: قلبه ولسانه؛ أي: أطلق عن لساني المعجمة، واللكنة، والحبسة، بالنطق التي كانت فيه من الجمرة التي ألقاها في فيه وهو طفل، وذلك أن فرعون حمله يومًا، فأخذ لحيته ونتفها لما كانت مرصعةً بالجواهر، فغضب وقال: إن هذا عدوي المطلوب، وأمر بقلته، فقالت زوجته آسية: أيها الملك، إنه صبي لا يفرق بين الجمر والتمر، فأحضرا بين يدي موسى، بأن جعل الجمر في طست والتمر في آخر، فقصد إلى أخذ التمر، فأمال جبريل يده إلى الجمر، فرفعه إلى فيه فاحترق لسانه، فكانت منه لكنة وعجمة، قيل (١): أذهب الله سبحانه تلك العقدة جميعها، بدليل قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ وقيل: لم تذهب كلها؛ لأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل سأل حل عقدة تمنع الإفهام، بدليل قوله: ﴿مِنْ لِسَانِي﴾؛ أي: كائنةً من عقد لساني، ويؤيد ذلك قوله: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ وقوله حكايةً عن فرعون ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ ٢٨ - وجواب الأمر قوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ أي: إن حللت عقدتي .. يفهم فرعون وقومه قولي وكلامي عند تبليغ الرسالة، فإنما يحسن التبليغ من البليغ. ٢٩ - ولما كان التعاون على نشر الدين، مع خلوص الود قربةً عظيمةً لله .. طلب موسى المعاونة على ذلك فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾؛ أي: موازرًا يعاونني في تحمل أعباء ما كلفتني به، ﴿مِنْ أَهْلِي﴾؛ أي: من خواصي وأقربائي، فوزيرًا: مفعول ثان لـ ﴿اجعل﴾ لأنه نكرة ٣٠ - و ﴿هَارُونَ﴾ مفعول أول لأنه معرفة، وقدم (٢) الثاني عليه اعتناءً بشأن الوزارة؛ لأن مقصوده الأهم طلب الوزير، وكان أكبر من موسى بأربعة أعوام، كما مر ﴿أَخِي﴾ بدل من هارون، و (لي) متعلق بمحذوف، على أنه حال من ﴿وَزِيرًا﴾ و ﴿مِنْ أَهْلِي﴾: متعلق بـ ﴿اجعل﴾ والمعنى: واجعل من أهلي

стр. 7590

هارون أخي متحملًا معي أعباء ما كلفتني به، ومعينًا على أمري، يقوي أمري وأثق برأيه. والخلاصة (١): أي واجعل لي عوناً من أهل بيتي، هارون أخي، ليحمل معي أعباء الرسالة، ويكون ظهيرًا لى عند الشدائد، وحلول المكاره، ولمثل هذا قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ قال النبي ﷺ : "إن لي في السماء وزيرين، وفي الأرض وزيرين، فاللذان في السماء: جبريل وميكائيل، واللذان في الأرض: أبو بكر وعمر" وروي أن النبي ﷺ قال: "إذا أراد الله بملك خيرًا .. قيَّض له وزيرًا صالحًا، إن نسي .. ذكره، وان نوى خيرًا .. أعانه، وإن أراد شرًا .. كفه" ٣١ - ثم طلب موسى من ربه أن يشد به أزره فقال: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾؛ أي: قوِّ يا رب بهارون ظهري، وأعني به ٣٢ - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾؛ أي: اجعله يا رب شريكي في أمر الرسالة، حتى نتعاون على أدائها كما ينبغي، فإن قيل: كيف (٢) سأل لأخيه النبوة؟ فإنما هي باختيار الله تعالى كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. قلت: إن في إجابة الله دليلًا على أن سؤاله كان بإذن الله، دليلًا وإلهامًا منه، ولما كان التعاون في الدين درجةً عظيمة، طلب أن لا يحصل إلا لأخيه. وفيه إشارة (٣) إلى أن صحبة الأخيار وموازرتهم مرغوب للأنبياء، فضلًا عن غيرهم، ولا ينبغي أن يكون المرء مستبدًا برأيه، مغرورًا بقوته وشوكته، وينبغي أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه. ولا تقدح وزارة هارون في نبوته، وقد كان أكثر أنبياء بني إسرائيل كذلك؛ أي: كان أحدهم موازرًا ومعينًا للآخر في تبليغ الرسالة، وكان هارون بمصر، حين بعث موسى نبيًا بالشام، وقرأ الجمهور (٤): ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ على معنى الدعاء في شد الأزر، وتشريك هارون في النبوة، بهمزة وصل في: ﴿أشدد﴾ وهمزة قطع في ﴿أشركه﴾ وقرأ الحسن، وزيد بن علي

стр. 7591

وابن عامر ﴿أشدد﴾ بفتح الهمزة ﴿وأشركه﴾ بضمها فعلًا مضارعًا مجزومًا في جواب الطلب، وعطف عليه ﴿وأشركه﴾ وقال صاحب "اللوامح" عن الحسن أنه: ﴿أشدد به﴾ مضارع شدد للتكثير والتكرير؛ أي: كلما حزنني أمر .. شددت به أزري، وفي مصحف عبد الله ﴿أخي وأشدد﴾ وقرأ (١): بفتح الماء من ﴿أخي﴾ ابن كثير، وأبو عمرو، ثم حكى سبحانه: ما لأجله دعا موسى بالأدعية الثلاثة الأخيرة؛ أي: دعوتك يا رب بهذه الأدعية ٣٣ - ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ تسبيحاً ﴿كَثِيرًا﴾؛ أي: ننزهك عما لا يليق بك من الأفعال والصفات، التي من جملتها ما يدعيه فرعون الطاغية، ويقبله منه جماعته الباغية، من ادعاء الشركة في الألوهية ٣٤ - ﴿و﴾ كي ﴿نذكرك﴾ ذكراً ﴿كَثِيرًا﴾؛ أي: على كل حال، ونفسك بما يليق بك من صفات الكمال، ونعوت الجمال، والجلال، زمانًا كثيرًا، ومن جملته زمانُ دعوة فرعون، وأوان المحاجة معه، فإن التعاون يهيج الرعيات، ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده، وانتصاب ﴿كَثِيرًا﴾ في الموضعين: على أنه نعت مصدر محذوف، أو لزمان محذوف، وفيه (٢) إشارة إلى أن للجليس الصالح، والصديق الصدّيق أثرًا عظيمًا في المعاونة على كثرة الطاعات، والمرافقة في اقتحام عقبات السلوك، وقطع مفاوزه. ٣٥ - ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ الباء: متعلقة بـ ﴿بَصِيرًا﴾ قدمت عليه لرعاية الفواصل؛ أي: إنك كنت عليمًا بأحوالنا، وأن ما طلبناه مما يفيدنا في تحقيق ما كلفتنا به، من إقامة مراسم الرسالة على أتم الوجوه وأكملها، فإن هارون نعم العون على أداء ما أمرت به، من نشر معالم الدين، وكبح جماح المضلين، وإرشادهم إلى حق اليقين، فإنه أكبر منى سنًا، وأفصح لسانًا، وكان أكبر من موسى بأربع سنين، أو بسنةٍ، على اختلاف الروايات. ولما سأل موسى ربه سبحانه أن يشرح صدره، وييسر له أمره، ويحلل عقدةً من لسانه، ويجعل له وزيرًا من أهله .. أخبره الله سبحانه، بأنه قد أجاب ذلك

стр. 7592

الدعاء ٣٦ - فـ ﴿قَالَ﴾ : ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾ وأعطيت ﴿سُؤْلَكَ﴾؛ أي: مسؤولك ومطلوبك ﴿يَا مُوسَى﴾ فهو فعل بمعنى مفعول، كالخبز بمعنى المخبوز، والإيتاء عبارة عن تعلق إرادته تعالى بوقوع تلك المطالب، وحصولها له؛ أي: قال الله سبحانه لموسى: قد أعطيتك جميع ما سألتني، من شرح صدرك، وتيسير أمرك، وحل عقدة لسانك، وجعل أخيك هارون وزيرًا لك، وشد أزرك به، وإشراكه في الرسالة معك ٣٧ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أنعمنا عليك يا موسى، وأكرمناك بكرامات ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾؛ أي: في وقتٍ غير هذا الوقت، من غير أن تسألنا، فلأن ننعم عليك بمثل تلك النعم التامة، وأنت طالب له، أولى, أي (١): ولقد تفضلنا عليك من قبل بنعم كثيرة، ومن راعى مصلحتك قبل سؤلك، وأعطاك ما ترجوه، أفيمنع عنك ما تريد بعد سؤالك، ومن رقى بك إلى مراتب الكمال، وصعد بك في أوج المعالي، وسما بك إلى درجات الرفعة، ووكل إليك ذلك المنصب الخطير، أفيليق به وهو الجواد الكريم أن يحجز عنك ما تُؤَمِّل، مما أنت في شدة الحاجة إليه لتبليغ رسالته، وفي التعبير عن تلك النعم بالمنن, إيماء إلى أنها إنما وصلت إليه لمحض التفضل والإحسان. وقد عد سبحانه من تلك النعم ثماني، فقال: ١ - ٣٨ ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾: ظرف لـ ﴿مَنَنَّا﴾ والمراد (٢): من هذا الوحي: وحي إلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ بأن أوقع في قلبها عزيمةً جازمةً على ما فعلته من اتخاذ التابوت، والقذف، وليس المراد هنا: الوحي الواصل إلى الأنبياء؛ لأن أم موسى ما كانت من الأنبياء، فإن المرأة لا تصلح للإمارة والقضاء، فكيف تصلح للنبوة، ﴿مَا يُوحَى﴾ المراد به: ما سيأتي من الأمر بقذفه في التابوت والبحر، أبهم أولًا تهويلًا له، وتفخيمًا لشأنه ﵇؛ أي: ولقد مننا عليك مرة أخرى، حين (٣) ألهمنا أمك الذي يلهَم، أو أريناها في

стр. 7593

منامها ما يُرى، لما ولدتك وخافت أن يقتلك فرعون ٣٩ - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ ﴿أَنِ﴾ مفسرةً بمعنى: أي؛ لأن الوحي من باب القول، ومعنى القذف هنا: الوضع، وفي قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ بمعنى الإلقاء، وليس المراد: القذف بلا تابوتٍ، واليم نيل مصر في قول جميع المفسرين؛ أي: ولقد مننا عليك حين قلنا لها ضعي الصبي المولود في الصندوق، فألقى الصندوق في بحر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾؛ أي: فليطرح البحر الصندوق ﴿بِالسَّاحِلِ﴾؛ أي: بطرقه، ولما (١) كان إلقاء البحر إياه بالساحل أمرًا واجب الوقوع، لتعلق الإرادة الربانية به .. جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع، أمر بذلك، والساحل (٢): هو شط البحر، سمي ساحلًا لأن الماء سحله، قاله ابن دريد، والمراد هنا: ما يلي الساحل من البحر، لا نفس الساحل، قيل: والأولى في هذه الضمائر كلها عودها لموسى، لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه، لكن المقصود هو موسى، مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له. والمعنى (٣): ولقد مننا عليك يا موسى مرة أخرى قبل هذا، حين ألهمنا أمك، وأوقعنا في قلبها عزيمةً صادقةً، أن أمثل الطرق لخلاصك من فرعون وجبروته، أن تضعك في تابوت "صندوقٍ"، ثم تطرح هذا التابوت في نهر النيل، ففعلت، فألقاك النهر في الساحل، فأخذك فرعون - عدو الله - ورباك في بيته، وسيصير عدوًا لك بعد ذلك، كما هو عدو لى، روي: أنها جعلت في التابوت قطنًا محلوبًا، ووضعته فيه، وطلت ظاهره بالجص والقار، ثم ألقته في اليم، وكان يشرع منه - يتفرع - نهر كبير إلى بستان فرعون، فبينا هو جالس إلى رأس بركةٍ مع زوجته آسية، إذ بتابوت يجري به الماء، فأمر فرعون غلمانه وجواريه بإخراجه، ففعلوا وفتحوا رأسه، فإذا صبي من أصبح الناس وجهًا، فأحبه فرعون حبًا شديدًا، لم يتمالك أن يصبر عنه، وجملة قوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾: جواب الأمر بالإلقاء، وتكرير (٤) ﴿عَدُوٌّ﴾ للمبالغة وهو فرعون، فالأول: باعتبار الواقع لكفره وعتوه، والثاني: باعتبار ما يؤول إليه، وما لو ظهر لفرعون حال

стр. 7594

موسى لقتله، ولما وجده في اليم عند الشجر سماه موسى، و (مو): هو الماء عند القبطية و (سا): هو الشجر، وأحبه حبًا شديدًا، لا يكاد يتمالك الصبر عنه، وذلك قوله تعالى: ٢ - ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾ عظيمةً كائنةً ﴿مِنِّي﴾ قد ركزتها في القلوب، وزرعتها فيها، بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك، ولذا أحبك عدو الله فرعون وزوجته، حتى قالت: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ روي أنه كان على وجهه مسحة جمال، وفي عينيه ملاحة، لا يكاد يصبر عنه من رآه. ٣ - ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾؛ أي: ولتربَّى حالة كونك ﴿عَلَى عَيْنِي﴾؛ أي: متلبسًا بحفظي ورعايتي، معطوف على علة مقدرة، متعلقة بـ ﴿ألقيت﴾ والتقدير: وألقيت عليك المحبة، ليعطف عليك، ولتربى بالشفقة والحنو، حالة كونك متلبسًا بحفظي ورعايتي، وأنا مراقبك ومراعيك وحافظك، كما يراعي الرجل الشيء بعينه إذا اعتنى به، من قولهم صنع إليه معروفًا، إذا أحسن إليه، و ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ حال من الضمير المستتر في ﴿لتصنع﴾ لا صلة له، جعل العين مجازًا مرسلًا عن الرعاية والحراسة، بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ بكسر لام كي وضم التاء، ونصب الفعل؛ في: ولتربى ويحسن إليك، وأنا مراعيك وراقبك، كما يراعي الرجل الشيء بعينيه إذا اعتنى به، وقرأ الحسن، وأبو نهيك: بفتح التاء، قال ثعلب معناه: لتكون حركتك وتصرفك على عين منى. وقرأ شيبة، وأبو جعفر في روايةٍ: بإسكان اللام والعين وضم التاء، فعل أمر، وعن أبي جعفر: كذلك إلا أنه كسر اللام. ٤ - ٤٠ ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ مريم وهي شقيقة له، وهي غير أم عيسى، ظرف

стр. 7595

لـ ﴿ألقيت﴾ أو لـ ﴿تصنع﴾؛ أي: وألقيت عليك محبةً منى، حين تمشي أختك تتبعك متعرفةً، حتى وجدتك وصادفتهم يطلبون لك مرضعاً تقبل ثديها، حتى اضطروا إلى تتبع النساء ﴿فَتَقُولُ﴾ لفرعون وآسية؛ أي: فلما رأت منهم ذلك .. جاءت إليهم متنكرةً وقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ وصيغة (١) المضارع في الفعلين لحكاية الحال الماضية، كما سيأتي في مبحث البلاغة، أي: قالت ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾؛ أي: يضمه إلى نفسه ويرضعه ويربيه، و (الفاء) في قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾: عاطفة على محذوف، تقديره: فقالوا دلينا عليه، فجاءت بأمك، فقبلت ثديها، فرجعناك إليها؛ أي: رددناك إليها بما لطف الله لك من التدبير ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ وتبرد ﴿عَيْنُهَا﴾ فتطيب نفسها بلقائك ورؤيتك ووصولك إليها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بوصول لبن غيرها إلى باطنك، وفي "الإرشاد" أي لا يطرأ عليها الحزن بفراقك بعد ذلك، وإلا فزوال الحزن مقدم على السرور المعبر عنه بقرة العين، فإن التخلية متقدمة على التحلية. انتهى. أو المعنى: كي لا تحزن أنت بفراقك، وكانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر أو أربعة قبل إلقائه في اليم. وحاصل قصة رضاعه (٢): أن آسية عرضته للرضاع، فلم يقبل امرأةً، فجعلت تنادي عليه في المدينة، ويطاف به ويعرض للمراضع فيأبى، وبقيت أمه بعد قذفه في اليم مغمومةً، فأمرت أخته بالتفتيش في المدينة، لعلها تقع على خبره، فبصرت به في طوافها، فقالت: أنا أدلكم على من يكفله لكم، وهم له ناصحون، فتعلقوا بها وقالوا: أنت تعرفين هذا الصبي؟ فقالت: لا, ولكن أعلم من أهل هذا البيت الحرص على التقرب إلى الملكة، والجد في خدمتها ورضاها، فتركوها وسألوها الدلالة، فجاءت بأم موسى، فلما قربته .. شرب ثديها، فسرت آسية وقالت لها: كوني معي في القصر، فقالت: ما كنت لأدع بيتي وولدي، ولكنه يكون عندي، قالت: نعم، فأحسنت إلى أهل ذلك البيت غاية "الإحسان" واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع والنسب من الملكة، ولما كمل رضاعه .. أرسلت آسية إليها أن جيئيني بولدي ليوم كذا، وأمرت خدمها ومن لها

стр. 7596

أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس، فوصل إليها إلى ذلك، وهو بخير حال، وأجمل شباب، فسرَّت به، ودخلت به على فرعون ليراه، وليهبه، فأعجبه وقرَّبه، فأخذ موسى لحية فرعون، وتقدم ما جرى له عند ذكر العقدة. وقرأ الجمهور (١): ﴿كَيْ تَقَرّ﴾ بفتح التاء والقاف، وقرأت فرقة: بكسر القاف، وتقدم أنهما لغتان في قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ وقرأ جناح بن حبيش: بضم التاء وفتح القات، مبنيًا للمفعول. ٥ - ﴿وَقَتَلْتَ﴾ بعد كبرك ﴿نَفْسًا﴾؛ أي: قبطيًا وكزته حين استغاث بك الإسرائيلي، كما يأتي في سورة القصص، وكان طباخًا لفرعون اسمه قاب قان، وكان عمر موسى إذ ذاك ثلاثين سنةً ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ الذي نزل بك بسبب قتل القبطي من وجهين: أولًا - عقاب الدنيا باقتصاص فرعون، كما جاء في الآية ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. ثانيًا - عقابنا إذ قتلته بغير أمر منا، فغفرنا لك ذنبك حين قلت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ وكان قتله للكافر خطأ، ووفقناك للهجرة إلى مدين. والغم (٢): ما يغم على القلب، بسبب خوف أو فوات مقصود، والغم بلغة قريش: القتل، وقيل: من غم التابوت، وقيل: من غم البحر، والظاهر: أنه من غم القتل، حين ذهبنا بك من مصر إلى مدين. ٦ - ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ والفتنة (٣): تكون بمعنى المحنة، وبمعنى: الأمر الشاق، وكل ما يبتلى به الإنسان، والفتون: يجوز أن يكون مصدرًا كالثبور، والشكور، والكفور؛ أي: ابتليناك ابتلاءً، واختبرناك اختبارًا، وامتحناك امتحانًا، ويجوز أن يكون جمع فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجورٍ في حجرة، ويدور في

стр. 7597

بدرة؛ أي: وأوقعناك في محنة بعد محنة، وفتنة بعد فتنة، وتفضلنا عليك بالخلاص منها، فمن ذلك: (أ): أن أمك حملت بك في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأبناء، فنجاك الله من الذبح. (ب): أن أمك ألقتك في البحر بعد وضعك في التابوت، فالتقطك آل فرعون وعنوا بتربيتك ورعايتك. (ج): أنك امتنعتَ عن الرضاع إلا من ثدي أمك، وكان ذلك وسيلةً إلى إرجاعك إليها. (د): أنك أخذت لحية فرعون فغضب من ذلك، وأراد قتلك، لولا أن قالت له زوجته إنه صغير، لا يفرق بين الجمرة والتمرة، وأُتي لك بهما فأخذت الجمرة. (هـ): قتلك القبطي، وخروجك إلى مدين هارباً، ومهاجرتك من الوطن، ومفارقتك الأحباب، والمشي راجلًا، وفقد الزاد، ونحو ذلك مما وقع قبل وصوله إلى مدين. ٧ - ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾؛ أي: مكثت عشر سنين ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ عند شعيب لرعي الأغنام؛ لأن شعيبًا أنكحه بنته صفوراء، على أن يخدمه ثماني سنين، فخدمه عشرًا قضاءً لأكثر الأجلين، كما يأتي في سورة القصص، فقاسمت أثناءها من المحن ما قاسيت، فتحملت بسبب الفقر والغربة آلامًا كثيرة، حتى احتجت إلى أن تؤاجر نفسك لشعيب، وترعى غنمه. وذكر الليث دون الوصول إليهم (١): إشارة إلى مقاساة شدائد أخرى في تلك السنين، كإيجار نفسه ونحوه مما كان من قبيل الفتون، قال الفراء: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾: معطوف على محذوف تقديره: وفتناك فتونًا، فخرجت إلى أهل مدين،

стр. 7598

فوصلت إليهم، فلبثت فيهم سنين، و (الفاء): في ﴿فَلَبِثْتَ﴾ تدل على أن المراد بالفتن المذكورة هى ما كان قبل لبثه في أهل مدين، ومدين: كانت على ثماني مراحل من مصر ﴿ثُمَّ﴾ بعدما لبثت عشر سنين في أهل مدين، توجهت إلى مصر لزيارة أمك وأخيك و ﴿جِئْتَ﴾؛ أي: وصلت في مسيرك هذا إلى المكان الذي ناجيتك فيه، وكلمتك واستنبأتك فيه، وهو الوادي المقدس ﴿عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾؛ أي: في وقتٍ معين قدرته لمناجاتك، لم تتقدمه ولم تتأخر عنه، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة، قال الشاعر: نال الخلافة إذ جاءت على قدرٍ ... كما أتى ربَّه موسى على قدرِ وكرر قوله (١): ﴿يَا مُوسَى﴾ تشريفًا له ﵇ وتنبيهًا على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى، التي وقعت قبل المرة المحكية. والمعنى: أي جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، وكان على رأس أريعين سنة، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، هذا قول الأكثرين، وقال الفراء؛ أي: على ما أراد الله به من تكليمه. ٨ - ٤١ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾؛ أي: اخترتك من بين الناس ﴿لِنَفْسِي﴾؛ أي: لأداء أوامري، وإقامة حججي، وتبليغ رسالتي، فحركاتك وسكناتك لي، لا لنفسك، ولا لأحد غيرك، والاصطناع: افتعال من الصنع بالضم، وهو مصدر قولك: صنع إليه معروفًا، واصطناع فلان: اتخاذه صنيعًا محسنًا إليه، بتقريبه وتخصيصه بالتكريم والإجلال؛ أي: اصطفيتك واختصصتك باصطناعى وإحساني إليك بالمعروف. وخلاصة ذلك (٢): أني جعلتك من خواصي، واصطفيتك برسالاتي وبكلامي، فصرت بما آتيتك من كرامة النبوة، وجليل النعمة بالمكالمة أشبه بمن يراه الملك أهلًا لكرامته، فيقربه إليه، ويجعله من خواصه وندمائه، ويصطنعه بالإحسان إليه في الحين بعد الحين، والفينة بعد الفينة.

стр. 7599

الإعراب ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾. ﴿طه (١)﴾: إن قلنا إن الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمها، فلا محل لها من الإعراب، أي: لا توصف بإعرابٍ ولا بناءٍ؛ لأن الحكم بالإعراب والبناء، على الكلمة، فرع عن إدراك معناها، وإن قلنا إنها اسم للسورة، فهو إما: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي هذه سورة طه، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: سورة طه هذا محله، والجملة الاسمية: مستأنفة استئنافًا نحويًا، وقيل: إن ﴿طه (١)﴾ اسم محمد، حذف منه حرف النداء. ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ﴿الْقُرْآنَ﴾: مفعول به ﴿لِتَشْقَى﴾ (اللام): حرف جر وتعليل ﴿تشقى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لشقائك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء منقطع ﴿تَذْكِرَةً﴾: مفعول لأجله لفعل محذوف، دل عليه المذكور تقديره: ما أنزلناه ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون مفعولًا لأجله ﴿لأنزلنا﴾ المذكور؛ لأنها قد تعدت إلى مفعول له، وهو ﴿لِتَشْقَى﴾ فلا تتعدى لآخر من جنسه، ولا يصح أن يعمل فيها ﴿لِتَشْقَى﴾ لفساد المعنى، وقيل: ﴿تَذْكِرَةً﴾: مصدر في موضع الحال، واختار الزمخشري أن تكون تذكرةً: مفعولًا لأجله، قال: وكل واحد من ﴿لِتَشْقَى﴾ و ﴿تَذْكِرَةً﴾: علة للفعل، إلا أن الأول: وجب مجيئه مع اللام؛ لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل، ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، والثاني: جاز قطع اللام عنه، ونصبه لاستجماع الشرائط، وعلى هذا جرى معظم المعربين والمفسرين، وقال الكرخي: إن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾: منقطع وإن ﴿تَذْكِرَةً﴾: مفعول من أجله، والعامل أنزلناه المقدر لا المذكور، وكل واحد من ﴿لِتَشْقَى﴾ و ﴿تَذْكِرَةً﴾: علة لقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ وتعدى في ﴿لِتَشْقَى﴾ بـ (اللام) لاختلاف العامل؛ لأن ضمير ﴿أَنْزَلْنَا﴾ لله وضمير ﴿لِتَشْقَى﴾ للنبي، فلم يتحد الفاعل، واتحد في ﴿تَذْكِرَةً﴾ لأن المذكر هو الله تعالى، وهو المنزل فنصب بغير لام. ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ ﴿لِمَنْ﴾: جار

стр. 7600

ومجرور متعلق بـ ﴿تَذْكِرَةً﴾ ﴿يَخْشَى﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿من﴾ والجملة: صلة الموصول. ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾. ﴿تَنْزِيلًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: نزلناه ﴿تَنْزِيلًا﴾ فحذف وجوبًا على حد قول ابن مالك. والحذف حتم مع آيات بدلًا ... من فعله كندلاً اللذ كأندلا والجملة المحذوفة: مستأنفة ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَنْزِيلًا﴾ ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول ﴿وَالسَّمَاوَاتِ﴾: معطوف على ﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿الْعُلَى﴾: صفة لـ ﴿لسماوات﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الرحمن، أو مبتدأ ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَوَى﴾ وجملة: ﴿اسْتَوَى﴾: خبر ثان لـ هو المقدرة، أو خبر ﴿الرَّحْمَنُ﴾ والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أيضًا ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿تَحْتَ الثَّرَى﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تَجْهَرْ﴾: فعل مضارع مجزوم، وفاعله: ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب ﴿بِالْقَوْلِ﴾: متعلق به ﴿فَإِنَّهُ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا ﴿إنه﴾: ناصب واسمه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة: ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على
следующие страницы →