← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7596–7635 · переход к 7601.

стр. 7596

أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس، فوصل إليها إلى ذلك، وهو بخير حال، وأجمل شباب، فسرَّت به، ودخلت به على فرعون ليراه، وليهبه، فأعجبه وقرَّبه، فأخذ موسى لحية فرعون، وتقدم ما جرى له عند ذكر العقدة. وقرأ الجمهور (١): ﴿كَيْ تَقَرّ﴾ بفتح التاء والقاف، وقرأت فرقة: بكسر القاف، وتقدم أنهما لغتان في قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ وقرأ جناح بن حبيش: بضم التاء وفتح القات، مبنيًا للمفعول. ٥ - ﴿وَقَتَلْتَ﴾ بعد كبرك ﴿نَفْسًا﴾؛ أي: قبطيًا وكزته حين استغاث بك الإسرائيلي، كما يأتي في سورة القصص، وكان طباخًا لفرعون اسمه قاب قان، وكان عمر موسى إذ ذاك ثلاثين سنةً ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ الذي نزل بك بسبب قتل القبطي من وجهين: أولًا - عقاب الدنيا باقتصاص فرعون، كما جاء في الآية ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. ثانيًا - عقابنا إذ قتلته بغير أمر منا، فغفرنا لك ذنبك حين قلت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ وكان قتله للكافر خطأ، ووفقناك للهجرة إلى مدين. والغم (٢): ما يغم على القلب، بسبب خوف أو فوات مقصود، والغم بلغة قريش: القتل، وقيل: من غم التابوت، وقيل: من غم البحر، والظاهر: أنه من غم القتل، حين ذهبنا بك من مصر إلى مدين. ٦ - ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ والفتنة (٣): تكون بمعنى المحنة، وبمعنى: الأمر الشاق، وكل ما يبتلى به الإنسان، والفتون: يجوز أن يكون مصدرًا كالثبور، والشكور، والكفور؛ أي: ابتليناك ابتلاءً، واختبرناك اختبارًا، وامتحناك امتحانًا، ويجوز أن يكون جمع فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجورٍ في حجرة، ويدور في

стр. 7597

بدرة؛ أي: وأوقعناك في محنة بعد محنة، وفتنة بعد فتنة، وتفضلنا عليك بالخلاص منها، فمن ذلك: (أ): أن أمك حملت بك في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأبناء، فنجاك الله من الذبح. (ب): أن أمك ألقتك في البحر بعد وضعك في التابوت، فالتقطك آل فرعون وعنوا بتربيتك ورعايتك. (ج): أنك امتنعتَ عن الرضاع إلا من ثدي أمك، وكان ذلك وسيلةً إلى إرجاعك إليها. (د): أنك أخذت لحية فرعون فغضب من ذلك، وأراد قتلك، لولا أن قالت له زوجته إنه صغير، لا يفرق بين الجمرة والتمرة، وأُتي لك بهما فأخذت الجمرة. (هـ): قتلك القبطي، وخروجك إلى مدين هارباً، ومهاجرتك من الوطن، ومفارقتك الأحباب، والمشي راجلًا، وفقد الزاد، ونحو ذلك مما وقع قبل وصوله إلى مدين. ٧ - ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾؛ أي: مكثت عشر سنين ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ عند شعيب لرعي الأغنام؛ لأن شعيبًا أنكحه بنته صفوراء، على أن يخدمه ثماني سنين، فخدمه عشرًا قضاءً لأكثر الأجلين، كما يأتي في سورة القصص، فقاسمت أثناءها من المحن ما قاسيت، فتحملت بسبب الفقر والغربة آلامًا كثيرة، حتى احتجت إلى أن تؤاجر نفسك لشعيب، وترعى غنمه. وذكر الليث دون الوصول إليهم (١): إشارة إلى مقاساة شدائد أخرى في تلك السنين، كإيجار نفسه ونحوه مما كان من قبيل الفتون، قال الفراء: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾: معطوف على محذوف تقديره: وفتناك فتونًا، فخرجت إلى أهل مدين،

стр. 7598

فوصلت إليهم، فلبثت فيهم سنين، و (الفاء): في ﴿فَلَبِثْتَ﴾ تدل على أن المراد بالفتن المذكورة هى ما كان قبل لبثه في أهل مدين، ومدين: كانت على ثماني مراحل من مصر ﴿ثُمَّ﴾ بعدما لبثت عشر سنين في أهل مدين، توجهت إلى مصر لزيارة أمك وأخيك و ﴿جِئْتَ﴾؛ أي: وصلت في مسيرك هذا إلى المكان الذي ناجيتك فيه، وكلمتك واستنبأتك فيه، وهو الوادي المقدس ﴿عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾؛ أي: في وقتٍ معين قدرته لمناجاتك، لم تتقدمه ولم تتأخر عنه، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء، وهو رأس أربعين سنة، قال الشاعر: نال الخلافة إذ جاءت على قدرٍ ... كما أتى ربَّه موسى على قدرِ وكرر قوله (١): ﴿يَا مُوسَى﴾ تشريفًا له ﵇ وتنبيهًا على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى، التي وقعت قبل المرة المحكية. والمعنى: أي جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك، وكان على رأس أريعين سنة، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء، هذا قول الأكثرين، وقال الفراء؛ أي: على ما أراد الله به من تكليمه. ٨ - ٤١ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾؛ أي: اخترتك من بين الناس ﴿لِنَفْسِي﴾؛ أي: لأداء أوامري، وإقامة حججي، وتبليغ رسالتي، فحركاتك وسكناتك لي، لا لنفسك، ولا لأحد غيرك، والاصطناع: افتعال من الصنع بالضم، وهو مصدر قولك: صنع إليه معروفًا، واصطناع فلان: اتخاذه صنيعًا محسنًا إليه، بتقريبه وتخصيصه بالتكريم والإجلال؛ أي: اصطفيتك واختصصتك باصطناعى وإحساني إليك بالمعروف. وخلاصة ذلك (٢): أني جعلتك من خواصي، واصطفيتك برسالاتي وبكلامي، فصرت بما آتيتك من كرامة النبوة، وجليل النعمة بالمكالمة أشبه بمن يراه الملك أهلًا لكرامته، فيقربه إليه، ويجعله من خواصه وندمائه، ويصطنعه بالإحسان إليه في الحين بعد الحين، والفينة بعد الفينة.

стр. 7599

الإعراب ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾. ﴿طه (١)﴾: إن قلنا إن الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمها، فلا محل لها من الإعراب، أي: لا توصف بإعرابٍ ولا بناءٍ؛ لأن الحكم بالإعراب والبناء، على الكلمة، فرع عن إدراك معناها، وإن قلنا إنها اسم للسورة، فهو إما: خبر لمبتدأ محذوف؛ أي هذه سورة طه، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: سورة طه هذا محله، والجملة الاسمية: مستأنفة استئنافًا نحويًا، وقيل: إن ﴿طه (١)﴾ اسم محمد، حذف منه حرف النداء. ﴿مَا﴾: نافية ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ﴿الْقُرْآنَ﴾: مفعول به ﴿لِتَشْقَى﴾ (اللام): حرف جر وتعليل ﴿تشقى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة الفعلية مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لشقائك، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء منقطع ﴿تَذْكِرَةً﴾: مفعول لأجله لفعل محذوف، دل عليه المذكور تقديره: ما أنزلناه ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ قال أبو البقاء: ولا يجوز أن يكون مفعولًا لأجله ﴿لأنزلنا﴾ المذكور؛ لأنها قد تعدت إلى مفعول له، وهو ﴿لِتَشْقَى﴾ فلا تتعدى لآخر من جنسه، ولا يصح أن يعمل فيها ﴿لِتَشْقَى﴾ لفساد المعنى، وقيل: ﴿تَذْكِرَةً﴾: مصدر في موضع الحال، واختار الزمخشري أن تكون تذكرةً: مفعولًا لأجله، قال: وكل واحد من ﴿لِتَشْقَى﴾ و ﴿تَذْكِرَةً﴾: علة للفعل، إلا أن الأول: وجب مجيئه مع اللام؛ لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل، ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية، والثاني: جاز قطع اللام عنه، ونصبه لاستجماع الشرائط، وعلى هذا جرى معظم المعربين والمفسرين، وقال الكرخي: إن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾: منقطع وإن ﴿تَذْكِرَةً﴾: مفعول من أجله، والعامل أنزلناه المقدر لا المذكور، وكل واحد من ﴿لِتَشْقَى﴾ و ﴿تَذْكِرَةً﴾: علة لقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ وتعدى في ﴿لِتَشْقَى﴾ بـ (اللام) لاختلاف العامل؛ لأن ضمير ﴿أَنْزَلْنَا﴾ لله وضمير ﴿لِتَشْقَى﴾ للنبي، فلم يتحد الفاعل، واتحد في ﴿تَذْكِرَةً﴾ لأن المذكر هو الله تعالى، وهو المنزل فنصب بغير لام. ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ ﴿لِمَنْ﴾: جار

стр. 7600

ومجرور متعلق بـ ﴿تَذْكِرَةً﴾ ﴿يَخْشَى﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿من﴾ والجملة: صلة الموصول. ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾. ﴿تَنْزِيلًا﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: نزلناه ﴿تَنْزِيلًا﴾ فحذف وجوبًا على حد قول ابن مالك. والحذف حتم مع آيات بدلًا ... من فعله كندلاً اللذ كأندلا والجملة المحذوفة: مستأنفة ﴿مِمَّنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَنْزِيلًا﴾ ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: صلة الموصول ﴿وَالسَّمَاوَاتِ﴾: معطوف على ﴿الْأَرْضَ﴾. ﴿الْعُلَى﴾: صفة لـ ﴿لسماوات﴾ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو الرحمن، أو مبتدأ ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَوَى﴾ وجملة: ﴿اسْتَوَى﴾: خبر ثان لـ هو المقدرة، أو خبر ﴿الرَّحْمَنُ﴾ والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾. ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم ﴿مَا﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة: مستأنفة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أيضًا ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿تَحْتَ الثَّرَى﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف صلة لـ ﴿مَا﴾. ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾. ﴿وَإِنْ﴾ الواو: استئنافية ﴿إِنْ﴾: حرف شرط ﴿تَجْهَرْ﴾: فعل مضارع مجزوم، وفاعله: ضمير يعود على محمد، أو على أي مخاطب ﴿بِالْقَوْلِ﴾: متعلق به ﴿فَإِنَّهُ﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا ﴿إنه﴾: ناصب واسمه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة: ﴿إن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على

стр. 7601

كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية: مستأنفة. ﴿وَأَخْفَى﴾: معطوف على ﴿السِّرَّ﴾؛ أي: ﴿أخفى﴾ منه، وتنكيره للمبالغة في الخفاء، فهو: اسم تفضيل من خفي بمعنى: استتر وغاب، وأجاز بعضهم: أن يكون فعلًا ماضيًا؛ أي: وأخفى الله عن عباده غيبه، وعندنا أن ذلك غير جائز؛ لأنه من جهة اللفظ يلزم منه عطف الفعلية على الاسمية، إن كان المعطوف عليه الجملة الكبرى, أو عطف الماضي على المضارع، إن كان المعطوف عليه الجملة الصغرى، وكلاهما دون الأحسن، ومن جهة المعنى، واضح أن المقصود: الحض على ترك الجهر بإسقاط فائدته، من حيث: إن الله يعلم السر وما هو أخفى منه، فكيف يبقى للجهر فائدة، وكلاهما على هذا التأويل مناسبة لترك الجهر، وأما إذا جُعل فعلًا فيخرج عن مقصود السياق، واعلم: أنهم قد يحذفون (من) من أفعل، إذا أريد به التفضيل، ومعنى الفعل، وهم يريدونها فتكون كالمنطوق بها، نحو زيد أكرم وأفضل. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ﴿لَا﴾: نافية ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، مبني على الفتح، وخبر ﴿لَا﴾: محذوف جوازًا، تقديره: موجود ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزّه عن المذكورة والأنوثة والغيبة، في محل الرفع بدل من الضمير المستتر فيخبر ﴿لَا﴾ وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع خبر أول للمبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور، خبر مقدم ﴿الْأَسْمَاءُ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿الْحُسْنَى﴾: صفة لـ ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ ومعلوم أن جمع التكسير في غير العقلاء، يعامل معاملة المفردة المؤنثة، والجملة الاسمية: في محل الرفع خبر ثان للمبتدأ. ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾. ﴿وَهَلْ﴾ الواو: استئنافية ﴿وَهَلْ﴾: حرف للاستفهام التقريري، ومعناه: أليس قد أتاك حديث موسى، وقيل: معناه: قد أتاك ﴿أَتَاكَ﴾: فعل ومفعول به ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة: مستأنفة مسوقة لتقرير أمر التوحيد، الذي انتهى إليه مساق الحديث، وبيان أنه أمر مستمر فيما بين الأنبياء، كابرًا عن

стр. 7602

كابرٍ، وقد خوطب به موسى ﵇ حيث قيل له: إنني أنا الله لا إله إلا أنا، وبه ختم موسى ﵇ مقالته، قال إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو. اهـ "أبو السعود". ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿حَدِيثُ﴾ ﴿رَأَى﴾: فعل ماض وهي بصرية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿نَارًا﴾: مفعول به ﴿فَقَالَ﴾ الفاء: حرف عطف وتعقيب، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿رَأَى﴾. ﴿لِأَهْلِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿امْكُثُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾: مسوقة لتعليل ما قبلها ﴿لَعَلِّي﴾: ناصب واسمه ﴿آتِيكُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿مِنْهَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿قبس﴾ لأنه صفة نكرة، قدمت عليها ﴿بِقَبَسٍ﴾: متعلق بـ ﴿أتيكم﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر لـ ﴿لعل﴾ وجملة ﴿لعل﴾: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطفٍ وتنويعٍ ﴿أَجِدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿عَلَى النَّارِ﴾: متعلق بـ ﴿أَجِدُ﴾. ﴿هُدًى﴾: مفعول به ﴿لأجد﴾ فهو يتعدى لمفعولٍ واحدٍ؛ لأنه من وجد الضالة، وجملة: ﴿أَجِدُ﴾: في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿آتِيكُمْ﴾: على كونها خبر ﴿لعل﴾. ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١)﴾. ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: فيمم شطر النار، فلما أتاها ﴿لما﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بجوابه ﴿أَتَاهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: فعل شرط لـ ﴿لما﴾ في محل الجر بإضافة ﴿لما﴾ إليها ﴿نُودِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿موسى﴾ والجملة: جواب ﴿لما﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لما﴾: معطوفة على الجملة المحذوفة المذكورة آنفًا ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء: في محل الرفع نائب فاعل لقول محذوف، تقديره: ﴿نُودِيَ﴾ وقيل له ﴿يَا مُوسَى﴾.

стр. 7603

﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه ﴿أَنَا﴾: تأكيد للضمير، أو مبتدأ ﴿رَبُّكَ﴾: خبر ﴿إن﴾ أو خبر ﴿أَنَا﴾ والجملة: خبر ﴿إن﴾ والأول أولى، وجملة ﴿إن﴾: في محل الرفع نائب فاعل للقول المحذوف، على كونها جواب النداء ﴿فَاخْلَعْ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أني أنا ربك، وأردت بيان الأدب لك .. فأقول لك: ﴿اخلع﴾. ﴿اخلع﴾: فعل أمر وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿نَعْلَيْكَ﴾: مفعول به منصوب بالياء، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل الرفع نائب فاعل للقول المحذوف، ويصح كون الفاء: تفريعية ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿بِالْوَادِ﴾ الباء: حرف جر ﴿الواد﴾: مجرور بالباء، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين لفظًا، المحذوفة خطاً أيضًا، تبعًا للفظ، على قاعدة رسم المصحف العثماني، الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿إن﴾ أي: إنك كائن ﴿بِالْوَادِ﴾. ﴿الْمُقَدَّسِ﴾: صفة للوادي ﴿طُوًى﴾: بدل من الوادي، أو عطف بيان عنه، ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، على إرادة البقعة، أو مصروف على إرادة معنى الموضع، وجملة ﴿إن﴾ في محل الرفع نائب فاعل للقول المحذوف على أنها معللة لما قبلها، ﴿وَأَنَا﴾ الواو: عاطفة ﴿أَنَا﴾: مبتدأ ﴿اخْتَرْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾. ﴿فَاسْتَمِعْ﴾ الفاء: عاطفة تفريعية ﴿استمع﴾ فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿اخْتَرْتُكَ﴾ ﴿لِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿استمع﴾ ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿ما﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾. ﴿إِنَّنِي﴾: ناصب واسمه ونون وقاية ﴿أَنَا﴾: تأكيد للضمير المنصوب، أو

стр. 7604

مبتدأ ﴿اللَّهُ﴾: خبر ﴿إن﴾ أو خبر ﴿أَنَا﴾ والجملة: خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: في محل الجر بدل من ﴿ما﴾ في قوله: ﴿لِمَا يُوحَى﴾ ﴿لَا﴾: نافية ﴿إِلَهَ﴾ في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾: محذوف تقديره: موجود ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿أَنَا﴾: بدل من الضمير المستتر في خبر ﴿لَا﴾ وجملة ﴿لَا﴾: في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إن﴾ ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ (الفاء) فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنني أنا الله، لا إله إلا أنا، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك ﴿فَاعْبُدْنِي﴾. ﴿اعبدني﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، ونون وقاية، ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: نائب فاعل للقول المحذوف، المذكور سابقًا ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول معطوف على ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ ﴿لِذِكْرِي﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أقم﴾ وهو مصدر مضاف للمفعول؛ أي: لتذكرني فيها، أو مضاف للفاعل, أي: لذكري إياك. ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾. ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾: ناصب واسمه وخبره، والجملة: مستأنفة ﴿أَكَادُ﴾: فعل مضارع ناقص، من أفعال المقاربة، واسمها: ضمير مستتر فيها يعود على الله ﴿أُخْفِيهَا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب خبر ﴿أَكَادُ﴾ وجملة: ﴿أَكَادُ﴾: في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿إن﴾. ﴿لِتُجْزَى﴾ (اللام) حرف جر وتعليل ﴿تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام تقديره: لجزاء كل نفس ﴿بِمَا تَسْعَى﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أُخْفِيهَا﴾ أو بـ ﴿أتية﴾ و ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: جملة اعتراض بينهما، لا نعت لـ ﴿أتية﴾ حتى يلزم إعمال اسم الفاعل الموصوف، فإن عمل ثم وصف جاز. اهـ "كرخي" ﴿بِمَا تَسْعَى﴾ (الباء) حرف جر ﴿ما﴾ مصدرية أو موصولة اسمية ﴿تَسْعَى﴾: فعل مضارع، وفاعله: ضمير يعود على النفس،

стр. 7605

والجملة الاسمية: صلة لـ ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: بسعيها أو لـ ﴿ما﴾ الموصولة, أي: بما سعته، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: بعقاب سعيها، أو بعقاب ما سعته. ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك ﴿لا يصدنك﴾ ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿يصدن﴾ فعل مضارع في محل الجزم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، و (الكاف): مفعول به ﴿عَنْهَا﴾: متعلق به ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة ﴿لَا﴾ نافية ﴿يُؤْمِنُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يجود على ﴿مَنْ﴾. ﴿بِهَا﴾: متعلق به، والجملة: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿لَا يُؤْمِنُ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿فَتَرْدَى﴾ (الفاء): عاطفة سببية ﴿تردى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية، الواقعة في جواب النهي، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ أو على أيّ مخاطب، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك، لإصلاح المعنى، تقديره: فلا يكن صد من لا يؤمن بها إياك عنها فرداك. ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾. ﴿وَمَا﴾ الواو: استئنافية ﴿مَا﴾ استفهامية للاستفهام التقريري، في محل الرفع مبتدأ ﴿تِلْكَ﴾: اسم إشارة في محل الرفع خبر، والجملة: مستأنفة ﴿بِيَمِينِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من اسم الإشارة، والعامل في الحال المقدرة: ما في الإشارة من معنى الفعل ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿هِيَ عَصَايَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَتَوَكَّأُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَتَوَكَّأُ﴾ والجملة: في محل النصب حال من ﴿عَصَايَ﴾ أو من ياء المتكلم. ﴿وَأَهُشُّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ﴿بِهَا﴾:

стр. 7606

متعلق به، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَتَوَكَّأُ﴾. ﴿عَلَى غَنَمِي﴾: متعلق بـ ﴿أهش﴾ أيضًا ﴿وَلِيَ﴾ الواو: عاطفة ﴿لِيَ﴾ جار ومجرور، خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾ حال من ﴿مَآرِبُ﴾. ﴿مَآرِبُ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿أُخْرَى﴾: صفة لـ ﴿مَآرِبُ﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَتَوَكَّأُ﴾. ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: مستأنفة ﴿أَلْقِهَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ (الفاء): حرف عطف وتفريع ﴿ألقاها﴾ فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: معطوفة مفرعة على جملة ﴿قَالَ﴾ ﴿فَإِذَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿إذا﴾: فجائية ﴿هِيَ حَيَّةٌ﴾: مبتدأ وخبر، وجملة ﴿تَسْعَى﴾: يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا، وأن تكون حالًا كما ذكره أبو البقاء، والجملة الاسمية: معطوفة على جملة ﴿فَأَلْقَاهَا﴾، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: مستأنفة ﴿خُذْهَا﴾: فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَا﴾ (الواو): عاطفة ﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تَخَفْ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿خُذْهَا﴾. ﴿سَنُعِيدُهَا﴾: فعل ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على الله ﴿سِيرَتَهَا﴾ منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى ﴿سِيرَتَهَا﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿الْأُولَى﴾: صفة للسيرة. ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾. ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: في محل النصب معطوفة على ﴿أَلْقَاهَا﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِلَى﴾

стр. 7607

﴿جَنَاحِكَ﴾: متعلق بـ ﴿اضمم﴾. ﴿تَخْرُجْ﴾: فعل مضارع مجزوم بالطلب السابق، وفاعله: ضمير يعود على اليد ﴿بَيْضَاءَ﴾: حال من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾ ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾: متعلق بـ ﴿بَيْضَاءَ﴾ لما فيها من معنى الفعل، أو متعلق بـ ﴿تخرج﴾. ﴿آيَةً﴾: حال ثانية من فاعل ﴿تَخْرُجْ﴾ أيضًا ﴿أُخْرَى﴾: صفة ﴿آيَةً﴾ ﴿لِنُرِيَكَ﴾ (اللام): حرف جر وتعليل ﴿نريك﴾ فعل ومفعول أول منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله: ضمير يعود على الله ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾: حال من ﴿الْكُبْرَى﴾. ﴿الْكُبْرَى﴾: صفة للمفعول الثاني المحذوف، تقديره: لنريك الآية الكبرى حالة كونها من آياتنا، وجملة ﴿نريك﴾ مع أن المضمرة: في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإراءتنا إياك الآية الكبرى من آياتنا، الجار والمجرور متعلق بمحذوف، تقديره: أمرناك بما ذكرنا لإرائتنا إياك، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿اذْهَبْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، يعود على ﴿موسى﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ متعلق بـ ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه وجملة: ﴿طَغَى﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة: ﴿إن﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها على أنها مقول قال. ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾ والجملة: مستأنفة ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، حذف منه حرف النداء، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿اشْرَحْ﴾ فعل دعاء، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿لِي﴾ متعلق بـ ﴿اشْرَحْ﴾ ﴿صَدْرِي﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿وَيَسِّرْ﴾: فعل دعاء معطوف على ﴿اشْرَحْ﴾ وفاعله: ضمير يعود على الله ﴿لِي﴾ متعلق به ﴿أَمْرِي﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿وَاحْلُلْ﴾: فعل دعاء معطوف على ﴿اشْرَحْ﴾. ﴿عُقْدَةً﴾: مفعول به ﴿مِنْ لِسَانِي﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿عُقْدَةً﴾. ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف النون ﴿وَاجْعَلْ﴾ فعل دعاء، وفاعل مستتر معطوف على ﴿اشْرَحْ﴾ ﴿لِي﴾: متعلق به على كونه مفعولًا ثانيًا له ﴿وَزِيرًا﴾: مفعول

стр. 7608

أول ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ صفة لـ ﴿وَزِيرًا﴾ ﴿هَارُونَ﴾: بدل من ﴿وَزِيرًا﴾ ﴿أَخِي﴾ بدل من ﴿هَارُونَ﴾ ويجوز أن يكون ﴿وَزِيرًا﴾ مفعولًا ثانيًا و ﴿هَارُونَ﴾ مفعولًا أول، وقدم الثاني عليه اعتناءً بأمر الوزارة ﴿لِي﴾ متعلق بمحذوف حال من ﴿وَزِيرًا﴾ أو متعلق بنفس ﴿اجعل﴾ و ﴿مِنْ أَهْلِي﴾: صفة ﴿وَزِيرًا﴾ ويجوز أن يكون ﴿وَزِيرًا﴾ هو المفعول الأول و ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ هو الثاني، وجميع هذه الأوجه متساوية الرجحان. ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾. ﴿اشْدُدْ﴾: فعل دعاء وفاعله ضمير مستتر يعود على الله تقديره: أنت ﴿بِهِ﴾ متعلق به ﴿أَزْرِي﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على ﴿اشْرَحْ﴾ بعاطف مقدر ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾: فعل دعاء وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿اشْرَحْ﴾. ﴿فِي أَمْرِي﴾: متعلق بـ ﴿أشركه﴾ وقرىء ﴿اشْدُدْ﴾ ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾: مضارعين مجزومين بالطلب السابق، ﴿كَيْ﴾: حرف نصب ومصدر ﴿نُسَبِّحَكَ﴾: فعل ومفعول منصوب بـ ﴿كَيْ﴾: وفاعله ضمير مستتر فيه يعود على ﴿مُوسَى﴾ و ﴿هَارُونَ﴾ تقديره: نحن ﴿كَثِيرًا﴾: صفة لمصدر محذوف تقديره: تسبيحًا كثيرًا. أو صفة لزمان محذوف تقديره: زمانا كثيرا فهو مفعول مطلق، أو مفعول فيه، والجملة الفعلية: صلة ﴿كَيْ﴾ المصدرية ﴿كَيْ﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل، علل بها لكل من الأفعال الثلاثة الأخيرة ﴿وَاجْعَلْ﴾ و ﴿اشْدُدْ﴾ و ﴿أشرك﴾ تقديره: اجعله وزيرًا لي ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)﴾ لتسبيحنا إياك تسبيحاً كثيرًا أو زمانًا كثيرًا ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر معطوف على ﴿نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾: صفة مصدر محذوف؛ أي: ذكراً كثيرًا أو زمانًا كثيرا ﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه ﴿كُنْتَ﴾: فعل ناقص واسمه ﴿بِنَا﴾: متعلق بـ ﴿بَصِيرًا﴾ ﴿بَصِيرًا﴾ خبر ﴿كان﴾ وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾.

стр. 7609

﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على الله، والجملة: مستأنفة ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَا رَبَّنَا﴾ مقول محكي، وإن شئت قلت: قد حرف تحقيق ﴿أُوتِيتَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ﴿سُؤْلَكَ﴾ مفعول ثان لـ ﴿أُوتِيتَ﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم مبني بضم مقدر، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ (الواو) استئنافية و (اللام) موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿مَنَنَّا﴾: فعل وفاعل ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به ﴿مَرَّةً﴾: ظرف أو مفعول مطلق ﴿أُخْرَى﴾ صفة لـ ﴿مَرَّةً﴾ والجملة: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: مستأنفة على كونها مقولًا لـ ﴿قَالَ﴾ مسوقة لتقرير ما قبلها, ولزيادة توطين نفس موسى بإجابة مسؤوله ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان مفيد للتعليل متعلق بـ ﴿مَنَنَّا﴾. ﴿أَوْحَيْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَى أُمِّكَ﴾: متعلق به والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿مَآ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أَوْحَيْنَا﴾. ﴿يُوحَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعل مستتر صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة وهي تفيد الإبهام، ويصح كون ﴿مَا﴾ مصدرية ﴿أَنِ﴾: مفسرة بمعنى، أي: ﴿اقْذِفِيهِ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به ﴿فِي التَّابُوتِ﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿اقْذِفِيهِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اقْذِفِيهِ﴾ ﴿فِي الْيَمِّ﴾: متعلق بـ ﴿اقذفيه﴾ ولم تختلف الضمائر؛ لأن المقذوف هو موسى ﵇. ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ الفاء: عاطفة و ﴿اللام﴾ لام الأمر ﴿يلق﴾: فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، و ﴿الهاء﴾: مفعول به. ﴿الْيَمُّ﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿فَاقْذِفِيهِ﴾ وهذا أمر معناه الخبر، ولكونه أمرًا لفظًا جزم جوابه في قوله: ﴿يَأْخُذْهُ﴾. ﴿بِالسَّاحِلِ﴾: متعلق بـ ﴿يلقه﴾. ﴿يَأْخُذْهُ﴾: فعل ومفعول به مجزوم بالطلب السابق ﴿عَدُوٌّ﴾ فاعل ﴿لِي﴾ صفة له ﴿لَهُ﴾ ﴿وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ معطوف على ﴿عَدُوٌّ لِي﴾. ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾. ﴿وَأَلْقَيْتُ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿مَنَنَّا﴾. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به

стр. 7610

﴿مَحَبَّةً﴾: مفعول به ﴿مِنِّي﴾ صفة لـ ﴿مَحَبَّةً﴾؛ أي: محبةً عظيمةً كائنةً منى ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ (الواو): عاطفة (اللام): حرف جر وتعليل ﴿تصنع﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، منصوب بأن مضمرة بعد (اللام): ونائب فاعله: ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾؛ أي: ولتربَّى ﴿عَلَى عَيْنِي﴾: جار ومجرور حال من الضمير المستتر في ﴿تصنع﴾ والجملة الفعلية: معطوفة على علة مقدرة قبلها، وتلك العلة المقدرة متعلقة بـ ﴿ألقيت﴾؛ أي: وألقيت عليك محبة منى ليعطف عليك ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿ألقيت﴾ أو بـ ﴿تصنع﴾ أو بمحذوف تقديره: أذكر ﴿تَمْشِي أُخْتُكَ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل الجر مضاف إليه، لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿فَتَقُولُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿تَمْشِي﴾: وفاعله ضمير يعود على الأخت ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الاستخباري ﴿أَدُلُّكُمْ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله: ضمير يعود على الأخت. والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿تَقُولُ﴾. ﴿عَلَى مَنْ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَدُلُّكُمْ﴾. ﴿يَكْفُلُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾. ﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾ الفاء: عاطفة على محذوف تقديره: فقالوا دلينا عليه فجاءت بأمِّكَ، فَقَبلْتَ ثديها ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ﴾. ﴿رجعناك﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿إِلَى أُمِّكَ﴾: متعلق به والجملة: معطوفة، على تلك المحذوفة ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ ناصب وفعل وفاعل، والجملة: في تأويل مصدر مجرور بلام التعليل المقدرة، تقديره: لقرة عينها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ معطوف على ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾. ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَوْحَيْنَا﴾ ﴿فَنَجَّيْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿قَتَلْتَ﴾ ﴿مِنَ الْغَمِّ﴾ متعلق بـ ﴿نجيناك﴾. ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿أَوْحَيْنَا﴾. ﴿فُتُونًا﴾: مفعول مطلق إذا كان مصدرًا، وهو الأرجح، كالقعود والجلوس، أو منصوب بنزع الخافض، إذا كان جمع فتنة, أي: بضروب من الفتن والمعنى: ابتليناك وامتحناك بأنواع من الشدائد ﴿فَلَبِثْتَ﴾:

стр. 7611

فعل وفاعل معطوف على ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ ﴿سِنِينَ﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿لبثت﴾. ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿لبثت﴾. ﴿مَدْيَنَ﴾ مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف ﴿جِئْتَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿لبثت﴾. ﴿عَلَى قَدَرٍ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿جِئْتَ﴾ أي: حالة كونك موافقاً لما قدر لك، أو مستقرًا على قدر معين ﴿يَا مُوسَى﴾: منادى مفرد العلم ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿لِنَفْسِي﴾ متعلق به، والجملة: مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿لِتَشْقَى﴾؛ أي: لتتعب نفسك، من شقي يشقى من باب رضي ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾؛ أي: تذكيرًا وعظةً، مصدر: ذكر يذكر، من باب فعل المضعف تذكيرًا وتذكرة، ولكن الأول قياسي، والثاني سماعي، إلا في المعتل، كزكى تزكيةً ﴿يَخْشَى﴾؛ أي: يخاف الله؛ أي: لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف منه ﴿الْعُلَى﴾: جمع العليا، مؤنث الأعلى، كالكبرى مؤنث الأكبر، يجمع على كبر، ويجوز كتابتها بالياء والألف؛ لأن الفعل علا يعلو، وعلى يعلى، وهي المرتبة والرفعة، وقال السيوطي، وأبو البقاء: هي جمع عليا ككبرى وكبر، فكتبت بالياء ﴿الثَّرَى﴾ في "المصباح" الثرى وزان الحصى، ندى الأرض وأثرت الأرض بالألف كثر ثراها، والثرى: أيضًا التراب الندي، فإن لم يكن نديًا فهو تراب، ولا يقال له حينئذٍ: ثرى. اهـ. وفي "اللسان": وثرى المطر التراب يثريه، وهو مثوى، وثري التراب: فهو ثر، وثريت التراب: نديته، وثريت السويق: كذلك ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ قال ابن عباس: السر: ما حدث به الإنسان غيره في خفاء، وأخفى منه ما أضمره في نفسه، مما لم يحدث به غيره ﴿الْحُسْنَى﴾ مؤنث الأحسن، فهي اسم تفضيل يوصف به الواحد من المؤنث، والجمع من المذكر. اهـ "أبو السعود" وفي "السمين": والحسنى تأنيث الأحسن، وقد تقدم غير مرة أن جمع التكسير في غير العقلاء، يعامل معاملة المؤنثة الواحدة.

стр. 7612

﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾: الحديث: كل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع، أو الوحي في يقظته أو في منامه ﴿لِأَهْلِهِ﴾؛ أي: لامرأته، وهي بنت شعيب، واسمها صفوراء، وقيل: صفورياء، وقيل: صفورة، واسم أختها ليل، وقيل شرفا، وقيل عبدا ﴿امْكُثُوا﴾ المكث: الإقامة ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾؛ أي: أبصرت إبصارًا بينًا، لا شبهة فيه. اهـ "أبو السعود" والإيناس: الإبصار البين، ومنه إنسان العين، لأنه يبصر به الأشياء، والإنس لظهورهم، كما قيل: الجن لاستتارهم، وقيل: هو الوجدان، وقيل: الإحساس، فهو أعم من الإبصار اهـ "سمين" ﴿بِقَبَسٍ﴾: عبارة "السمين": القبس: الجذوة من النار، وهي الشعلة في رأس عود، أو قصبة ونحوهما، وهو فَعَل بمعنى مفعول، كالقبض والنفض، بمعنى المقبوض والمنفوض، ويقال: أقبست الرجل علمًا وقبسته نارًا، ففرقوا بينهما، هذا قول المبرد، وقال الكسائي: إن فعل وأفعل يقالان في المعنيين، فيقال: قبسته نارًا وعلمًا، وأقبسته أيضًا نارًا وعلمًا ﴿عَلَى النَّارِ هُدًى﴾؛ أي: هاديًا يدلني على الطريق، فهو: مصدر بمعنى اسم الفاعل. ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ قال في "القاموس": الوادي: مفرج بين جبال أو تلال أو آكام ﴿طُوًى﴾: اسم علم للوادي، ويقرأ بغير تنوين، على أنه معرفة: علم مؤنث للبقعة، وقيل: هو معدول، وإن لم يعرف لفظ المعدول عنه، فكأنه أصله: طاوي، فهو في ذلك كجمع وكتع، وقال في "القاموس"، وطوى: بالضم والكسر وينون: واد بالشام، وقال علماء النحو: وأما طوى فمن منع صرفه، فالمعتبر فيه التأنيث، باعتبار البقعة لا العدل عن طاو؛ لأنه؛ أي: العدل قد أمكن غيره، وهو: التأنيث فلا وجه لتكلف العدل ﴿فَتَرْدَى﴾ وفي "المختار": ردى من باب صدي؛ أي: هلك وأرداه غيره، وردي في البئر. يردي بالكسر: من باب رمى، وتردى: إذا سقط فيها، أو تهور من جبل. اهـ. ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾؛ أي: أعتمد عليها في المشي، وحين الوقوف على رأس القطيع في المرعى، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ يقال: هش الورق يهشه ويهشه: خبطه بعصا ليتحات؛ أي: ضربه ضربًا شديدًا ليسقط، والمعنى: أخبط بها الورق على رأس غنمي لتأكله، وفي "المصباح": هش الرجل هشًا: من باب رد صال

стр. 7613

بعصاه، وفي التنزيل ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ وهش الشجرة هشًا أيضًا: ضربها ليتساقط ورقها، وهش الشيء يَهَش، من باب تعب هشاشةً: إذا لان واسترخى، فهو هش، وهش العود يهش أيضًا هشوشًا: صار هشًا؛ أي: سريع الكسر، وهش الرجل هشاشةً: إذا تبسم وارتاح، من بابي تعب وضرب اهـ. ﴿مَآرِبُ﴾: جمع مأربةٍ، مثلثة الراء، وهي الحاجة ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾: الحية تطلق على الصغير والكبير، والذكر والأنثى من هذا النوع، والثعبان: العظيم من الحياة، والجان: الصغير منها ﴿سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾؛ أي: حالتها الأولى، وهي كونها عصا، يقال لكل من كان على أمر فتركه، وتحول عنه ثم راجعه، عاد فلان سيرته الأولى ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾: اسم تفضيل مؤنث الأكبر؛ أي: التي هي أكبر من غيرها، حتى من العصا، وذلك لأن المراد الكبرى في الإعجاز، واليد كذلك، فإنها أكبر آيات موسى، كما نقله الخازن عن ابن عباس. ﴿وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ والوزير: قيل: مشتق من الوزر وهو: الثقل، وسمي بذلك لأنه يتحمل أعباء الملك ومؤنه، فهو معين على أمو الملك، وقائم بأموه، وقيل: بل هو من الوزر، وهو: الملجأ، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ وقيل: من الموازرة وهي: المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي، قال: وكان القياس أزيراً يعني: بالهمزة؛ لأن المادة كذلك اهـ "سمين" وفي "القاموس": الأزر: الإحاطة والقوة، والضعف: ضد التقوية والظهر. اهـ يقال: آزره إذا قواه وأعانه. ﴿سُؤْلَكَ﴾؛ أي: مسؤولك، ففُعل بمعنى المفعول، كالخبز والأكل، بمعنى المخبوز والمأكول. ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾؛ أي: في وقت ذي مر وذهاب؛ أي: وقتًا غير هذا الوقت، فإن أخرى: تأنيث آخر، بمعنى غير، والمرة في الأصل: اسم للمر الواحد، الذي هو مصدر. مر يمر مرًا ومرورًا؛ أي: ذهب، ثم أطلق على فعلة واحدة من الفعلات، متعديةً كانت أو لازمة، ثم شاع في كل فرد واحد من أفراد ماله أفراد متحدة، فصار علمًا في ذلك، حتى جُعِل معيارًا لما في معناه من سائر الأشياء، فقيل: هذا بناء المرة، ويقرب منها الكرة والتارة والدفعة، والمراد به هاهنا: الوقت الممتد، الذي وقع فيه ما سيأتي ذكره، من المنن العظيمة الكثيرة. اهـ "روح البيان" ﴿بِالسَّاحِلِ﴾ والساحل: فاعل بمعنى مفعول، من

стр. 7614

السحل؛ لأنه يسحل الماء؛ أي: يقشره ويسلخه، وينزع عنه ما هو بمنزلة القشر على ظاهره، يقال: قشرت العود نزعت عنه قشره. ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾؛ أي: اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، من الاصطناع، وهو: افتعال من الصنع بالضم، وهو مصدر قولك: صنع إليه معروفًا كما مر، وعن القفال: اصطنعتك أصله من قولهم: اصطنع فلان فلانًا، إذا أحسن إليه، حتى يضاف إليه، فيقال: هذا صنع فلان، كما يقال: هذا جريح فلان، وفي "القاموس" ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)﴾: إخترتك لخاصة أمرٍ أستكفيكه. انتهى. ﴿فُتُونًا﴾، فيه وجهان: أحدهما: أنه مصدر على فعول كالقعود والجلوس، إلا أن فعولًا قليل في المتعدي، ومنه الشكور والكفور والثبور واللزوم، قال تعالى: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾. والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة، على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور، في حجزة وبدرة؛ أي: فتناك ضروبًا من الفتن. اهـ "سمين". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: التشويق والحث على الإصغاء في قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾. ومنها: فن الإبهام في قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ وهو فن رفيع ينطوي على الكثير من جلائل المعاني ودقائقها، وهو ضد الإيجاز، وضد الإطناب، وحدُّه، أن يأتي المتكلم إلى المعنى الواحد الذي يمكنه الدلالة عليه باللفظ القليل، فيدل عليه باللفظ الكثير، لا لقصد إفهام البليد، وسماع البعيد، ولا للتقرير والتوكيد، بل للإتيان بمعنى يتشعب إلى عدة أمور، كل واحد منها مستقل المفهومية، فقد قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ ولم يبت في الأمر،

стр. 7615

لئلا يعد ما ليس بمستيقن من الوفاء به، وما أجملها حكمةً تكون درسًا، لمن يكيلون الوعود جزافًا ولا يفكرون في الوفاء بها. ومنها: المبالغة في قوله: ﴿هُدًى﴾ حيث أطلق المصدر، وأراد اسم الفاعل؛ أي: هاديًا. ومنها: التهويل والتعظيم في قوله: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. ومنها: التأكيد بدلالة إنّ، واسمية الجملة فقط في قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ هنا وفي سورة الحج بحذف لام التأكيد، وأثبتها في سورة غافر حيث قال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ لأنها إنما تزاد لتأكيد الخبر، وتأكيده: إنما يحتاج إليه إذا كان المخبر به شاكًا في الخبر، والمخاطبون في غافرهم: الكفار، فأكدها باللام بخلاف تينك. ومنها: الإطناب في قوله: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ وكان يكفي أن يقول: هي عصاي، ولكنه توسع في الجواب تلذذاً بالخطاب. ومنها: الإجمال في قوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ بعد التفصيل. ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ أصل الجناح: للطائر، ثم استُعير لجنب الإنسان؛ لأن كل جنب للإنسان في موضع الجناح للطائر، فسميت الجهتان جناحين بطريق الاستعارة. ومنها: الاحتراس في قوله: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ وهو عند علماء البيان: أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد، وذلك أن البياض قد يراد به البرص والبهق، فلو اقتصر على قوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ لأوهم أن ذلك من برص أو بهق، ولذلك احترس بقوله: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ فالعين هنا: بمعنى الرعاية، مجازًا مرسلًا، من إطلاق السبب وهو العين؛ أي: نظرها على المسبب، وهو الحفظ والرعاية، وفيه أيضًا الاستعارة التمثيلية: شبه شدة الرعاية

стр. 7616

وفرط الحفظ والكلأة، بمن يصنع بمرأى من الناظر؛ لأن الحافظ للشيء في الغالب يديم النظر إليه، فمثل لذلك بمن يصنع على عين الآخر. ومنها: زيادة ﴿لِي﴾ في قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦)﴾ لإفادة أن منفعة شرح الصدر، وتيسير الأمر، راجعة إليه، وعائدة عليه، فإن الله لا ينتفع بإرساله، ولا يستعين بشرح صدره - تعالى وتقدس -. ومنها: التنكير في قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ دلالةً على أنه لم يسأله حل جميع عقد لسانه، بل حل بعضها الذي يمنع الإفهام، بدليل قوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾. ومنها: التفسير بعد الإبهام في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ فأبهم الكلام وأتى به مجملًا، ليتعلق الذهن، ويتطلع ما عسى أن يكون السؤل، وما هي المنة الأخرى. ومنها: الإبهام المجرد في قوله: ﴿مَا يُوحَى﴾. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ حيث أسند الإلقاء إلى اليم، وهو لا يعقل، من إسناد الشيء إلى السبب. ومنها: التنكير في قوله: ﴿مَحَبَّةً مِنِّي﴾ للتفخيم والتعظيم. ومنها: حكاية الحال الماضية في قوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ حيث عبر في الفعلين بالمضارع، والأصل: إذ مشت أختك فقالت. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية، حيث استعير القر بمعنى البرد، للسرور. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7617

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما عدد (١) المنن الثمانية بإزاء ما طلبه موسى من المطالب

стр. 7618

الثمان .. شرع يذكر الأوامر والنواهي التي طلب إليه أن يقوم بتنفيذها وأداءها على النهج الذي أمره به. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر سؤال فرعون عن رب موسى .. قفى على ذلك ببيان أنه بصره بالآيات الدالة على توحيد الله، كقوله: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ والدالة على نبوته، كإلقاء العصا وصيرورتها ثعبانًا، ونزع يده من تحت جناحه فتخرج بيضاء من غير سوء، فعلم كل هذا، وكذب به كفرًا وعنادًا، كما قال: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أن الله سبحانه لما ذكر أن موسى وفرعون، اتفقا على موعد يجتمعان فيه، وهو يوم عيد لهم .. أردف ذلك بذكر ما دبره فرعون بعد انصرافه عن المجلس، من أمر السحرة، وآلات السحر، وأتى بجميع ذلك، ثم ذكر أن موسى أوعدهم وحذرهم من عذاب لا قبل لهم به إن أقدموا على ما هم عازمون عليه، ثم بين أن السحرة حين سمعوا كلام موسى، تنازعوا أمرهم وتشاوروا ماذا يفعلون، بالغوا في إخفاء ما يريدون، وقالوا: ما موسى وهارون إلا ساحران، يريدان أن يغلباكم ويخرجاكم من دياركم، ويرجوان أن تتركوا دينكم، وهو أمثل الأديان وأفضلها, لتعتنقوا دينهما، فحذار أن تفعلوا ذلك، ولا يتخلفن أحد منكم، وائتوا صفًا واحدًا، وقد فاز بالمطلوب من غلب. قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥) ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما ذكر الموعد، وهو يوم الزينة، وذكر أنهم قالوا: ائتوا صفًا .. ذكر هنا أنهم بعد أن أتوا خيروه بين أن يبدأ بإلقاء ما معه، وأن يبدؤوا هم، فاختار الثانية، وحين بدؤوا فألقوا حبالهم

стр. 7619

وعصيهم، خاف موسى عاقبة أمره، فأوحى إليه ربه: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ فسيكون لك الفلج والظفر عليهم، وقد تحقق ما وعد الله به، وكتب له النصر، وآمن به السحرة، فلجأ فرعون إلى العناد والاستكبار. التفسير وأوجه القراءة ٤٢ - ﴿اذْهَبْ أَنْتَ﴾ يا موسى، وهذا كلام (١) مستأنف مسوق لبيان ما هو المقصود من الإصطناع ﴿و﴾ ليذهب ﴿أَخُوكَ﴾ هارون حسبما (٢) استدعيت، عطف عليه لأنه كان غائبًا عن موسى وقتئذٍ، والذهاب: المضي، يقال: ذهب بالشيء وأذهبه، ويستعمل ذلك في الأعيان والمعاني، قال تعالى: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾. والأخوة: المشاركة في الولادة من الطرفين أو من أحدهما، أو من الرضاع، ويُستعار الأخ لكل مشارك لغيره في القبلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودة، أو في غير ذلك من المناسبات؛ أي: اذهب أنت وأخوك إلى فرعون وقومه وبني إسرائيل، حالة كونكما متلبسين ﴿بِآيَاتِي﴾؛ أي: بمعجزاتي (٣)، متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة، وإكمال أمر الدعوة، لا مجرد إذهابهما وإيصالهما إليه، قال ابن عباس ﵄: يريد الآيات التسع التي أنزلت إليه، وإن كان وقوع بعضها بالفعل مترقبًا بعده، ويحتمل أن يكون الجمع للتعظيم، والمراد: العصا واليد، ففي كل منهما آيات شتى، فانقلاب العصا حيوانًا آية، وكونها ثعبانًا عظيمًا آية أخرى، وسرعة حركته مع عظم جرمه آية أخرى، ثم أخرى، ثم إنه ﵇ يدخل يده في فيه فلا يضره آية أخرى، ثم انقلابه عصا آية أخرى، وكذلك اليد فإن بياضها آية، وشعاعها آية أخرى، ثم رجوعها إلى حالتها الأولى آية أخرى، أو لأن أقل الجمع عند الخليل إثنان، يعني: أن إطلاق الآيات على الآيتين وارد على الأدنى

стр. 7620

﴿وَلَا تَنِيَا﴾؛ أي: لا تضعفا, ولا تفترا, ولا تقصرا ﴿فِي ذِكْرِي﴾؛ أي: في مداومة ذكري لسانًا وجَناناً، فإنه آلة لتحصيل كل المقاصد، فإن أمرًا من الأمور لا يتمشى لأحدٍ إلا بذكري، فالفتور في الأمور بسبب الفتور في ذكر الله، وهو تذكير بقوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤)﴾. قال بعضهم: الحكمة في هذا التكليف: أن من ذكر جلال الله تعالى وعظمته .. استخف غيره، فلا يخاف أحدًا غيره، فتقوى روحه بذلك الذكر، فلا يضعف في مقصوده. أو المعنى: فلا تنيا ولا تضعفا عن تبليغ رسالتي، فإن الذكر يطلق على كل عبادة، والتبليغ من أعظم العبادات. والمعنى: أي (١) اذهب أنت وأخوك إلى فرعون وقومه وبني إسرائيل، وإني ممدكما بحججي وبرهاناتي الدالة على صدق نبوتكما، ومظهر على أيديكما من الآيات ما تزاح العلل والمعاذير به، ولا تفترا في دعوتهم، وتبليغ الرسالة إليهم، فبينا لهم أن الله أرسلكما إليهم، مبشرين بثوابه، ومنذربن بعقابه. وقرأ ابن وثاب (٢): ﴿ولا تنيا﴾: بكسر التاء اتباعًا لحركة النون، وفي مصحف عبد الله ﴿ولا تهنا﴾؛ أي: ولا تلنا، في قولهم: هين لين ٤٣ - ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هذا أمر وخطاب لهما جميعًا بالذهاب، موسى حاضر وهارون غائب، إما بطريق التغليب لموسى لأنه الأصل في أداء الرسالة، أو بعد ملاقاة أحدهما الآخر، وتكرير الأمر بالذهاب (٣): لترتيب ما بعده عليه، وفرعون: اسم أعجمي، لقب الوليد بن مصعب صاحب موسى، وقد اعتبر غوايته، فقيل: تفرعن فلان، إذا تعاطى فعل فرعون، وتخلق بخلقه، كما يقال: أبلس وتَبَلَّس، ومنه قيل للطغاة الفراعنة والأبالسة، وعلل الأمر بالذهاب بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن فرعون ﴿طَغَى﴾؛ أي: تجاوز حد العبودية بدعوى الربوبية؛ أي: جاوز الحد في الكفر والتمرد.

стр. 7621

وخص (١) موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم، وجمعهما هنا تشريفًا لموسى بإفراده، وتأكيداً للأمر بالذهاب بالتكرير، وقيل: إن في هذا دليلًا على أنه لا يكفي ذهاب أحدهما، وقيل: الأول: أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس، والثاني: أمر لهما بالذهاب إلى فرعون. والمعنى (٢): أي اذهبا معًا إلى فرعون، وناضلاه الحجة بالحجة، وقارعاه البرهان بالبرهان؛ لأنه طغى وتجبر وتمرد، حتى ادعى الربوبية فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وتخصيص فرعون بالدعوة آخرًا، بعد أن كانت الدعوة عامة أولًا، من قبل أنه إذا صادفت الدعوة من فرعون أذنًا صاغيةً، واستجاب لدعوتهما، وآمن بهما .. تبعه المصريون قاطبةً، كما قيل: الناس على دين ملوكهم. قال في "العرائس": أمر الله موسى وهارون ﵉ بالذهاب إلى فرعون، لقطع حجته، وإظهار كذبه في دعواه، وهذا تهديد لكل مدع لا يكون معه بينة من الله في دعواه، والحكمة في إرسال الأنبياء إلى الأعداء: ليعرفوا عجزهم عن هداية الخلق إلى الله، ومن يعجز عن هداية غيره. . فأيضًا يعجز عن هداية نفسه، كالطبيب العاجز عن معالجة الغير، فإنه عاجز عن معالجة نفسه أيضًا، وليعلموا أن الاختصاص لا يكون بالأسباب، ويشكروا بما أنعم الله عليهم بلطفه، وربما يصطادون من بين الكفرة من يكون له استعداد بنظر الغيب، مثل: حبيب النجار، والرجل من آل فرعون، وامرأة فرعون، والسحرة. انتهى. ٤٤ - ثم أمرهما سبحانه بإلانة القول له، لما في ذلك من التأثير في الإجابة، فإن التخشين بادىء بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر فقال: ﴿فَقُولَا﴾ أنتما، يا موسى وهارون ﴿لَهُ﴾؛ أي: لفرعون ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أي: سهلًا, أي (٣): كلماه باللين والرفق، من غير خشونة ولا تعنيف، ويسرا, ولا تعسرا، فإنه ما دخل الرفق في شيء إلا وقد زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا وقد

стр. 7622

شانه، وكان في موسى حدة وصلابة وخشونة، بحيث إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا، فعالج حدته وخشونته باللين ليكون حليمًا، وهو معنى قول من قال: طبع الحبيب كان على اللين والرحمة، فلذا أمر بالغلظة كما قال تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ تحققًا بكمال الجلال، وطبع الكليم على الشدة والحدة والصلابة، فلذا أمر بالقول اللين، تحققًا بكمال الجمال. وقيل (١): أمر الله موسى باللين مع الكافر، مراعاةً لحق التربية؛ لأنه كان رباه، فنبه به على نهاية تعظيم حق الوالدين، وقيل: أمر موسى باللين ليكون حجة على فرعون، لئلا يقول: أغلظ علي القول في دعوته، وفي "الإحياء": سئل الحسن عن الولد، كيف يحتسب على والده؟ فقال: يعظه ما لم يغضب، فإذا غضب سكت. فعلم منه أنه ليس للولد الحسبة على الوالد بالتعنيف والضرب، وليس كذلك التلميذ مع الأستاذ، إذ لا حرمة لعالم غير عامل، وقرأ رجل عند يحيى بن معاذ ﵀ هذه الآية، فبكى وقال: إلهي هذا رفقك بمن يقول أنا الإله، فكيف بمن يقول أنت الإله. والمعنى: أي فكلماه بكلام رقيق لين، ليكون أوقع في نفسه، وأنجع في استجابته للدعوة، فبرقيق القول تلين قلوب العصاة، وتنكسر سورة الطغاة، ومن ثم جاء الأمر به لنبيه محمد ﷺ في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ومن هذا ما حكى عن موسى في قوله لفرعون: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾. ثم علل الأمر بإلانة القول بقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾؛ أي: لعل فرعون يتذكر بما بلَّغُتماه من ذكري، ويرغب فيما رغَّبتُماه فيه ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ عقابي، وكلمة ﴿أَوْ﴾ لمنع الخلو دون الجمع. انتهى من "الإرشاد"؛ أي: باشرا (٢) مباشرة من يرجو ويطمع تذكره أو خشيته، فالرجاء والطمع راجع إليهما؛ أي: قولا له ذلك راجين

стр. 7623

أن يترك الإصرار على إنكار الحق وتكذيبه، وإما بأن يتذكر ويتعظ ويقبل الحق قلبًا وقالبًا، أو بأن يتوهم أنه حق فيخشى بذلك، من أن يصر على الإنكار، ويبقى مترددًا ومتوقفًا بين الأمرين، وذلك خير بالنسبة إلى الإنكار والإصرار عليه، لأنه من أسباب القول، ولقد تذكر فرعون وخشي حين لم ينفعاه، وذلك حين ألجمه الغرق، ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وقيل (١): ﴿لعل﴾ هاهنا بمعنى الاستفهام، والمعنى: فانظرا هل يتذكر أو يخشى، وقيل: بمعنى كي، والتذكر: النظر فيما بلَّغاه من الذكر، وهو إمعان الفكر فيه، حتى يكون ذلك سببًا في الإجابة، والخشية: هي خشية عقاب الله الموعود به على لسانهما. والظاهر: أن ﴿لعل﴾ في مثل هذا لتوقع حصول ما بعدها؛ أي: أديا (٢) الرسالة، وقوما بتنفيذ ما دعوتكما إليه، واسعيا إلى إنجازه، سعي من يرجو ويطمع أن يثمر عمله، ولا يخيب سعيه، فهو يجتهد قدر استطاعته، ويحتشد بأقصى وسعه، آملًا أن تكلل أعماله بالنجاح والفوز والفلاح. وقصارى ذلك: اصدعا بالأمر وأنتما طامعان أن أعمالكما ستثمر، وأنكما ستهديانه إلى سواء السبيل، وقد جرت العادة أن من رجا شيئًا .. طلبه، ومن يئس .. انقطع عمل، والمقصد من ذلك إلزامه الحجة، وقطع المعذرة، وإن لم يفد هدايته. ٤٥ - ﴿قَالَا﴾؛ أي: قال موسى وهارون ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ﴾ فرعون إن نحن دعوناه إلى ما أمرتنا أن ندعوه إليه ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾؛ أي: أن يعجل علينا بالعقوبة، ولا يصبر إلى تمام الدعوة، وإظهار المعجزة، فيتعطل المطلوب من الإرسال إليه ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾؛ أي: أن يزداد طغيانًا، فيقول في شأنك ما لا ينبغي، لعظيم جرأته، وقساوة قلبه، وفجوره، وشديد عصيانه، ولما كان طغيانه في حق الله أعظم من

стр. 7624

إفراطه في حقهما .. ختم الكلام به. فالخوف (١): توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع: توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة، ويضاد الخوف الأمن ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية، قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ والخوف من الله لا يراد به ما يخطر بالبال من الرعب، كاستشعار الخوف من الأسد، بل إنما يراد به الكف من المعاصي واختيار الطاعات، فإن قلت: كيف هذا الخوف وقد علما أنهما رسولا رب العزة إليه؟ قلت: جريا على الخوف الذي هو مركوز في جبلة الإنسان، حتى أنه لو بلغ مرتبة النبوة والرسالة، فإنه لا يخرج الخوف من جبلته، كما قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ يعني نخاف أن يقتلنا, ولكن الخوف ليس بجهة القتل، وإنما نخاف فوات عبوديتك بالقيام لأداء الرسالة والتبليغ كما أمرتنا، أو يتمرد بجهله ولا ينقاد لأوامرك، ويسبك. وقرأ يحيى، وأبو نوفل، وابن محيصن في روايته (٢): ﴿أن يفرط﴾ مبنيًا للمفعول؛ أي: يسبق في العقوبة، ويسرع بها، من فرط إذا تقدم بالقصد، ومنه الفارط إلى الماء؛ أي: المتقدم لإصلاح الدلو، ويجوز أن يكون من الإفراط ومجاوزة الحد في العقوبة، خافا أن يحمله حامل على المعاجلة بالعذاب، من شيطان، أو من جبروته واستكباره وادعائه الربوبية، أو من حبه الرياسة، أو من قومه القبط المتمردين. وقرأت فرقة، والزعفراني عن ابن محيصن: ﴿يفرط﴾ بضم الياء وكسر الراء، من الإفراط في الأذية. ٤٦ - ﴿قَالَ﴾: استئناف (٣) بياني، كأنه قيل: فماذا قال لهما ربهما عند تضرعهما إليه؟ فقيل: قال الله سبحانه لهما ﴿لَا تَخَافَا﴾ مما عرض في قلبكما من إذاية فرعون لكما، ومن ازدياد كفره، قال بعضهم: ليس المراد منه النهي عن الخوف،

стр. 7625

لأنه من حيث كونه أمرًا طبيعيًا لا مدخل للاختيار فيه، لا يدخل تحت التكليف ثبوتًا وانتفاءً، بل المراد به التسلي بوعد الحفظ والنصرة، كما يدل عليه قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ بكمال الحفظ والنصرة، فإن الله تعالى منزه عن المعية المكانية ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾؛ أي: ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأفعل في كل حال ما يليق بها، من دفع ضرر وشر، وجلب نفع وخير، فمن كان الله معه .. يحفظه من كل جبار عنيد؛ أي (١): إنني معينكما وعالم بما يليق من حالكما معه، أسمع كلامه معكما، فأسخره للاستماع منكما، وأرى أفعاله، فلا أتركه يفعل بكما ما تكرهانه. والخلاصة: لست بغافل عنكما، واني سأفعل ما يؤدي إلى حفظكما، ونصركما عليه، فلا تهتما بأمره، ٤٧ - ﴿فَأْتِيَاهُ﴾؛ أي: فقابلا فرعون ﴿فَقُولَا﴾ له ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ قد أرسلنا إليك، فالإتيان هنا: عبارة عن الوصول إليه، بعد أمرهما بالذهاب إليه، فلا تكرار، وفي التعبير بقولهما: ﴿رَبِّكَ﴾: إيماء (٢) إلى أن ما ادعيته من الربوبية لنفسك، مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، ولا أن يُنظر إليه نظرة الاعتبار والصدق: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا﴾؛ أي: أطلق معنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: من الأسر، نذهب بهم إلى أرضهم؛ أي: فأطلقهم وخلهم يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهم، وفلسطين بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين المهملة: هي البلاد التي بين الشام وأرض مصر، منها الرملة، وغزة، وعسقلان، وغيرها طهرها الله من دنس اليهود الغاصبين ورجسهم. اهـ "بحر العلوم". وفي ذلك إدخال النقص على ملكه؛ لأنه كان محتاجًا إليهم فيما يريده من الأعمال، من بناء أو غيره ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بتسخيرهم إياهم في شاق الأعمال، كالحفر والبناء، ونقل الأحجار، وقد كان المصريون يستخدمونهم هم ونساؤهم في تلك الأعمال، ويذبحون أبناءهم عامًا دون عام، ويستحيون نساءهم بأمر فرعون، وإنما بدأ بهذا الطلب دون دعوة هذا الطاغية وقومه إلى الإيمان؛ لأنه

стр. 7626

أخف وأسهل من ذلك، لما فيه من تبديل الاعتقاد، وهو عسر شاق على النفس، وقال في "الإرشاد": والمراد بالإرسال: إطلاقهم من الأسر والقسر، وإخراجهم من تحت اليد العادية، لا تكليفه أن يذهبوا معهما إلى الشام، كما ينبىء عنه قوله سبحانه: ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ أي: بإبقائهم على ما كانوا عليه من العذاب، فإنهم كانوا تحت مملكة القبط، يستخدمونهم في الأعمال الصعبة القادحة، من الحفر، ونقل الأحجار، وغيرهما من الأمور الشاقة، ويقتلون ذكور أولادهم، عامًا دون عام، ويستخدومونهم، كما مر آنفًا. وتوسيط (١) حكم الإرسال بين بيان رسالتهما، وبين ذكر المجيء بآيةٍ دالة على صحتها, لإظهار الاعتناء به؛ لأن تخليص المؤمنين من أيدي الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإيمان, كما قيل، ثم ذكرا ما يوجب امتثال أمرهما، ويؤكد دعوى رسالتهما بقولهما: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ﴾ وأتيناك ﴿بِآيَةٍ﴾؛ أي: بمعجزةٍ باهرةٍ كائنةٍ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وخالقك يا فرعون؛ أي: قد (٢) جئناك بالحجة البالغة، والبرهان الساطع، على أنه أرسلنا إليك، وإن لم تصدقنا فيما نقول .. أريناكها ﴿وَالسَّلَامُ﴾؛ أي: والسلامة والأمن من العذاب، في الدنيا والآخرة ﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾؛ أي: على من اتبع رسل ربه، واهتدى بآياته التي ترشد إلى الحق، وتنيل البغية وتبعد عن الغي والضلال، قال الزجاج؛ أي: من اتبع الهدى .. سلم من سخط الله وعذابه، وليس بتحية، والدليل على ذلك: أنه ليس بابتداء لقاءٍ ولا خطاب. اهـ. وهذا (٣) من جملة قوله تعالى، الذي أمرهما أن يقولاه لفرعون؛ أي: وقولا له: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ وفي هذا ترغيب في التصديق على أتم وجوهه، وتنفير من مخالفته، وقد عنها على أقصى غاية، كما لا يخفى، ٤٨ - ثم ذكرا علة لما سبق لهما من النصح والإرشاد بقولهما ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا﴾؛ أي: إنا قد أخبرنا

стр. 7627

الله فيما أوحاه إلينا ﴿أَنَّ الْعَذَابَ﴾؛ أي: أن عذابه الذي لا نفاد له، ولا انقطاع في الدنيا والآخرة ﴿عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ بما ندعوا إليه من توحيده وطاعته، وإجابة رسله ﴿وَتَوَلَّى﴾؛ أي: وأدبر معرضًا عما جئناه به من الحق. وجاء بمعنى الآية قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾ وقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾ وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾. وأصل الوحي (١): الإشارة السريعة، وذلك قد يكون بالكلام الخفي على لسان جبريل، وقد يكون بالإلهام، والمنام، والوحي إلى موسى بوساطة جبريل، وإلى هارون بوساطته ووساطة موسى، والمراد (٢) بالعذاب: الهلاك والدمار في الدنيا، والخلود في النار، والمراد بالتكذيب: التكذيب بآيات الله وبرسله، والتولي: الإعراض عن قبولها والإيمان بها. فإن قلت: إن قوله: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يقتضي قصر العذاب على المكذبين، مع أن غيرهم قد يعذبون على عصيانهم. قلتُ: إن المراد بالعذاب هنا: العذاب الدائم، الذي لا ينقطع؛ لأن العذاب المتناهي كلا عذاب ٤٩ - ﴿قَالَ﴾ فرعون، بعدما أتياه وبلغا ما أمرا به: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾؛ أي: فمن إلهكما الذي أرسلكما، لم يقل فمن ربي مع قولهما: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ لغاية عتوه، ونهاية طغيانه، و (الفاء) في قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كنتما رسولي ربكما .. فأخبرا من ربكما الذي أرسلكما إليَّ، و ﴿من﴾: للاستفهام التعجبي. قال الإِمام: أثبت نفسه ربًا في قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ فذكر ذلك على سبيل التعجب، كأنه قال: أنا ربك، فلم تدعو ربا آخر يا موسى، وإنما خص موسى بالنداء، مع توجيه الخطاب إليهما، لما ظهر له أنه هو الأصل، وهارون وزيره، فأجاب موسى عن سؤاله.

стр. 7628

٥٠ - ﴿قَالَ﴾ موسى مجيبًا لفرعون ﴿رَبُّنَا﴾ مبتدأ خبره ﴿الَّذِي﴾ من محض فضله ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات ﴿خَلْقَهُ﴾؛ أي: صورته (١) وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، فأعطى العين الشكل الذي يطابق ما يراد بها من الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع، وهكذا الأنف، واليد، والرجل، وجميع أعضاء الجسم، شكل كل منها مطابق للمنفعة المنوطة بها، ومن هذا يفهم: أن ضمير الجمع في ﴿رَبُّنَا﴾ عام لموسى وهارون وغيرهم، ولم (٢) يقل ربنا الله، بل وصفه بأفعاله، ليستدل بالفعل على الفاعل، أو المعنى: أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه، ويرتفقون به، وقدم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه، وقيل: المعنى: أعطى كل شيء من أعضاء الجسم خلقه , منفعته التي خلق لأجله، فخلق اليد للبطش، والرجل للمشي، واللسان للنطق، والعين للنظر، والأذن للسمع، وقيل: المعنى: أعطى كل حيوان خلقه؛ أي: نظيره وشكله، زوجًا، فجعل زوجة الرجل المرأة، والبعير الناقة، والفرس الرمكة، وهي الحجرة، والحمار الأتان، وقيل: المعنى: أعطى كل ما خلق خلقته، وصورته الخاصة به على ما يناسبه من الإتقان، لم يجعل خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وقال الشاعر: وَلَهُ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ خِلْقَةٌ ... وَكَذَلِكَ اللهُ مَا شَاءَ فَعَلْ وقال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه، وهداه لما يصلحه، وقرأ (٣) عبد الله، وأناس من أصحاب رسول الله ﷺ وأبو نهيك، وابن أبي إسحاق، والأعمش، والحسن، ونصير عن الكسائي، وابن نوح عن قتيبة، وسلَّام: ﴿خَلَقَه﴾ بفتح اللام، فعلًا ماضيًا في موضع الصفة لكل شيء، أو لشيء، ومفعول ﴿أَعْطَى﴾ الثاني حذف اقتصارًا؛ أي: أعطى كل شيء خلقه عطاءه وإنعامه، وقَدَّره ابن عطية: كماله أو مصلحته.

стр. 7629

﴿ثُمَّ هَدَى﴾؛ أي: ثم أرشده كيف ينتفع بما أعطاه، ويرتفق به، وكيف يصل بذلك إلى بقائه وكماله، إما اختيارًا كما في الحيوان، وإما طبعًا كما في النبات والجماد، أو ألهمه كيف يأتي الذكر والأنثى. وخلاصة هذا (١): ربنا الذى خلق كل شيء على الوجه الذي يليق بما قدر له من المنافع والخواص، وأرشده كيف ينتفع بما خلق له، وجعل ذلك دليلًا على وجوده، وعظيم جوده، وكأنه يقول له: إن ذلك الخالق والهادي هو الله. ٥١ - ولما كان (٢) الخلق الذي هو عبارة عن تركيب الأجزاء، وتسوية الأجسام، متقدمًا على الهداية، التي هى عبارة عن إيداع القوى المحركة المدركة في تلك الأجسام، وسَّط بينهما كلمة التراخي، وبعد أن أخبر موسى فرعون بأن ربه الذي أرسله هو الذى خلق ورزق وقدر، شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى، الذين لم يعبدوا هذا الإله، وهذا ما أشعار إليه بقوله: ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾؛ أي: فما حال القرون الماضية؟ وما خبر الأمم الخالية؟ مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة؟ وما للاستفهام الاستخباري، والبال: الحال التي يُكترث بها, ولذا يقال: ما باليت بكذا؛ أي: ما اكترثت به، ويعبر به عن الحال الذي ينطوي عليه الإنسان، فيقال: ما خطر ببالي كذا، والقرون: القوم المقترنون في زمن واحد، والأولى: تأنيث الأول، وواحد الأول، كالكبرى والأكبر، والكبر؛ أي: فما حال الأمم الماضية، الذين لم يعبدوا الله، بل عبدوا غيره، فإنها كانت تعبد الأصنام، وتنكر البعث، إنما قال (٣) فرعون ذلك لموسى حين خوَّفهم مصارع الأمم الخالية، فحينئذ قال فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ أو ما حالهم عندك، كيف هلكوا، وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصله؟ أي: فلما ذكر (٤) موسى ﵇ برهانًا نيرًا على هذا المطلوب .. خاف فرعون أن يزيد موسى في تصوير تلك الحجة، فيظهر للناس صدقه ﵇ وحقيقة مقالاته، ويتبين عندهم بطلان خرافات

стр. 7630

نفسه، فأراد فرعون أن يصرف موسى ﵇ عن ذلك الكلام الذي يتعلق بالرسالة، إلى الحكايات، فعسى يظهر منه نوع غفلة، فيرتقي فرعون إلى أن يدعي قدام قومه نوع معرفة، فقال: ما حال القرون الخالية؟ لكن موسى كان أحرص من أن يهتم بمثل هذا، ومن ثم أوجز في رده، ووكل أمر ذلك إلى ربه. ٥٢ - ﴿قَالَ﴾ موسى مجيبًا له، ﴿عِلْمُهَا﴾؛ أي: علم أحوال تلك القرون كائن ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾؛ أي: من (١) الغيوب التي لا يعلمها إلا الله، ولا ملابسة للعلم بأحوالهم بمنصب الرسالة، فلا أعلم منها إلا ما علمنيه من الأمور المتعلقة بما أرسلت ﴿فِي كِتَابٍ﴾؛ أي: مثبت في اللوح المحفوظ بتفاصيله ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾؛ أي: لا يخطىء ابتداءً، بل يعلم كل المعلومات، ولا يخفى عليه شيء منها ﴿وَلَا يَنْسَى﴾؛ أي: ولا يسهو عن شيء منها بقاءً ودوامًا، بل هو ثابت عنده أبدًا، وهو لبيان أن إثباته في اللوح المحفوظ، ليس لحاجته تعالى إليه في العلم به ابتداءً وبقاءً، وإنما كتب أحكام الكائنات في كتاب ليظهرها للملائكة، فيزيد استدلالهم بها على تنزه علمه تعالى عن السهو والغفلة. والضلال: أن تخطىء الشيء في مكانه، فلم تهتد إليه، والنسيان: أن تغفل عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، وقال (٢) مجاهد: معنى الجملتين واحد، وهو إشارة إلى أنه لا يعرض في علمه ما يغيره، وقال ابن جرير: لا يخطىء في التدبير، فيعتقد في غير الصواب صوابًا، وإذا عرفه لا ينساه. ومعنى الآية: أي إن (٣) ذلك من علوم الغيب، التي لا يعلمها إلا الله، فهو الذي ضبط أعمالهم، وأحصاها في كتاب لا يشذ عنه شيء، ولا يفوته شيء، لا كبير ولا صغير، ولا ينسى شيئًا، وسيجزيهم بما عملوا جزاءً وفاقًا. وقصارى ذلك: أن علمه تعالى محيط بكل شيء، وأنه لا ينسى شيئًا - تبارك

стр. 7631

وتعالى - فعلمه ليس كعلم المخلوقين، الذي يعتريه النقص من وجهين: عدم الإحاطة بالأشياء، ونسيانها بعد علمها. وقرأ الحسن (١)، وقتادة، والجحدري، وحماد بن سلمة، وابن محيصن، وعيسى الثقفي: ﴿لا يضل﴾ بضم الياء؛ أي: لا يضل الله ذلك الكتاب، فيضيع، ولا ينسى ما أثبته فيه، وقرأ السلمي: ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ مبنيتين للمفعول، والظاهر: أن الجملتين استئناف وإخبار عنه تعالى، بانتفاء هاتين الصفتين عنه، وإجمال سؤاله، أنه إذا كان الأمر كما ذكرت .. ففصل لنا حال الماضين من سعادةٍ وشقاءٍ, فرد ﵇ عليه: بأن علم ذلك إلى الله تعالى، ٥٣ - ثم عاد إلى تتميم كلامه الأول، بإبراز الدلائل على الوحدانية فقال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾؛ أي: ربي الذي لا يضل ولا ينسى هو الذي جعل لكم الأرض كالمهاد والفراش، تتمهدونها وتستقرون عليها، فتقومون، وتنامون، وتسافرون على ظهرها، وقرأ (٢) الأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿مَهْدًا﴾ بفتح الميم وإسكان الهاء، وباقي السبعة: ﴿مهادًا﴾ وكذا في الزخرف، وقال المفضل: هما مصدران، يقال: مهد مهدًا ومهادًا، وقال أبو عبيد: مهادًا: اسم، ومهدًا: مصدر، ومعنى ذلك: أنه تعالى جعلها لهم، يتصرفون عليها في جميع أحوالهم ومنافعهم؛ أي: جعل كل موضع منها مهدًا وفراشًا لكل واحد منكم. ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾؛ أي: وهو الذي جعل لأجلكم لا لغيركم في الأرض سبلًا وطرقًا كثيرةً، بين الجبال والأودية والبراري، تمشون في مناكبها، وتسلكونها من قطر إلى قطر، لتقضوا منها مآربكم، وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يقال: سلكت الشيء في الشيء: أدخلته، والسبل (٣): جمع سبيل، وهو من الطرق ما هو معتاد السلوك.

стр. 7632

﴿وَأَنْزَلَ﴾ النزول: هو الانحطاط من علو، يقال: نزل عن دابته، ونزل في مكان كذا: حط رحله فيه، وأنزل غيره ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من الفلك أو من السحاب، فإن كل ما علا سماء ﴿مَاءً﴾ وهو: جسم سيال، قد أحاط حول الأرض، والمراد، هنا: المطر، وهو الأجزاء المائية إذا التأم بعضها مع بعض، ونكره قصدًا إلى معنى البعضية؛ أي: أنزل من السماء بعض الماء. وهذا (١) تمام كلام موسى ﵇ ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه، تتميمًا لكلام موسى، لخطاب أهل مكة فقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾؛ أي: بذلك الماء ﴿أَزْوَاجًا﴾؛ أي: أصنافاً ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾؛ أي: مختلفةٍ في الطعم والرائحة والشكل والنفع، بعضها صالح للناس، وبعضها للبهائم، على اختلاف وجوه الصلاح، والأظهر: أن ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ صفتان لـ ﴿أَزْوَاجًا﴾ وأخر شتى رعايةً للفواصل، وقيل: هذا من تمام كلام موسى ﵇ وكأنه يقول: ربي الذي جعل لكم كذا وكذا، فأخرجنا نحن معشر عباده بذلك الماء بالحراثة ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ وقال صاحب "الكشاف": إن كلام موسى ﵇ تم عند قوله: ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ثم ابتدأ كلام الله من قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ فهو خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ ويكون الانتقال من الغيبة إلى التكلم التفاتًا، للدلالة على كمال القدرة، والحكمة، وللإعلام بأن ذلك لا يتأتى إلا من قادر مطاع، عظيم الشأن. وجملة قوله: ﴿كُلُوا﴾: حال من ضمير ﴿فأخرجنا﴾، على إرادة القول, أي: فأخرجنا به أصناف النباتات، قائلين لكم ﴿كُلُوا﴾ منها؛ أي: من الثمار والحبوب ونحوهما ﴿وَارْعَوْا﴾؛ أي: أسيموا واسرحوا فيها ﴿أَنْعَامَكُمْ﴾؛ أي: مواشيكم، الإبل، والبقر، والضأن، والمعز؛ أي (٢): اقصدوا الانتفاع بها بالذات وبالواسطة، آذنين في الانتفاع بها، مبيحين بأن تأكلوا بعضها، وتعلفوا بعضها. قال في "التأويلات النجمية" يشير إلى أن السماء، والماء، والنبات،

стр. 7633

والأنعام، كلها مخلوقة لكم، ولولا احتياجكم للتعيش بهذه الأشياء، بل بجميع المخلوقات، ما خلقتها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من الشؤون والأفعال الإلهية، من جعل الأرض مهدًا، وسلك السبل فيها، وإنزال الماء، وإخراج أصناف النبات ﴿لَآيَاتٍ﴾ كثيرةً جليلةً واضحة الدلالة على الصانع ووحدته، وعظيم قدرته، وباهر حكمته ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾؛ أي: لأصحاب العقول الكاملة، الناهية عن الأباطيل التي من جملتها ما تدعيه الطاغية، وتقبله من الفئة الباغية، وتخصيص أولي النهى مع أنها آيات للعالميق باعتبار أنهم المنتفعون بها. وحاصل معنى الآية: أي (١) وأنزل من السماء مطرًا، فأخرج به مختلف أنواع النبات، من زروع، وثمار حامضة وحلوة، وهي أيضًا مختلفة النفع، واللون، والرائحة، والشكلى، بعضها يصلح للإنسان، وبعضها يصلح للحيوان، وفي هذا بيان لنعمه على خلقه، بما يحدث لهم من الغيث، الذي يولد تلك المنافع ٥٤ - ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾؛ أي: فأخرجنا أصناف النبات، قائلين لكم: كلوا وارعوا أنعامكم .. الخ، فشيء منها أعد لطعامكم وفاكهتكم، وشيء لأنعامكم قوتاً لها، أخضر ويابساً ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن فيما وصفت لكم من قدرة ربكم، وعظيم سلطانه، لأدلة على وحدانيته، وأنه لا إله غيره، إذا كنتم من ذوى العقول الراجحة، والأفكار الثاقبة. ٥٥ - ولما ذكر سبحانه منافع الأرض والسماء .. بيَّن أنها غير مقصودة لذاتها، بل هي وسائل إلى منافع الآخرة، فقال: ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من الأرض ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ بوساطة خلق أبيكم آدم منها، وإلا فمَن عدا آدم وحواء مخلوق من النطفة، وأصل الخلق: التقدير المستقيم، ويُستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاءٍ، قال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ويُستعمل في إيجاد الشيء من الشيء، كما في هذا المقام، وقيل في سبب خلقهم من الأرض: أنه إذا وقعت النطفة في الرحم .. انطلق الملك الموكل بالرحم، فيأخذ من تراب المكان الذي يُدفن فيه فيذره على النطفة، فيخلق الله الولد من النطفة، ومن ذلك التراب، وأيضًا إن تولد الإنسان، إنما هو من النطفة ودم الطمث، وهما يتولدان من

стр. 7634

الأغذية، وهي تنتهي إلى النبات، وهي إنما تحدث من امتزاج الماء والتراب. والمعنى: أي ومن الأرض خلقنا النطفة المتولدة من الأغذية، التي تكونت منها بوسائط، إذ الغذاء إما حيواني، وإما نباتي، والحيواني: ينتهي إلى نباتي، والنبات إنما يحدث من امتزاج الماء التراب ﴿وَفِيهَا﴾؛ أي: وفي الأرض ﴿نُعِيدُكُمْ﴾ بعد مماتكم، فتصيرون ترابًا كما كنتم قبل نشأتكم، أو بالدفن (١) في الموضع الذي أُخذ ترابكم منه، وإيثار كلمة (في) دون (إلى): للدلالة على الاستقرار، والعود: الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، إما انصراف بالذات، أو بالقول والعزيمة، وإعادة الشيء كالحديث وغيره تكريره. ﴿وَمِنْهَا﴾؛ أي: ومن الأرض ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ بعد مماتكم بالبعث والنشور، وتاليف أجزائكم المتفِّتة، المختلطة بالتراب، على الهيئة السابقة قبل الموت، ورد أرواحكم إليها ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾؛ أي: مرةً أخرى، وكون (٢) هذا الإخراج ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ باعتبار أن خلقهم من الأرض: إخراج لهم منها، وإن لم يكن على نهج التارة الثانية، والتارة في الأصل: اسم للتور الواحد، وهو: الجريان، ثم أُطلق على كل فعلة واحدة من الفعلات المتجددة، كما مر في المَرَّة. ٥٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ أي: وعزتي وجلالي، لقد بصَّرنا فرعون وعرفناه ﴿آيَاتِنَا﴾ ودلائل قدرتنا، الدالة على وحدانيتنا، وعلى صدق موسى، على يدي موسى من العصا، واليد، وغيرهما، والمراد بالآيات: هي الآيات التسع المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ على أن الإضافة فيه عهدية، وقيل (٣): المراد جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وأن موسى قد كان عرَّفه جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء، والأوَّل أولى ﴿كُلَّهَا﴾؛ أي: كل الآيات تأكيد لشمول الأنواع ﴿فَكَذَّبَ﴾ بالآيات كلها من فرط عناده، من غير تردد وتأخير، وزعم أنها سحر ﴿وَأَبَى﴾ عن قبولها لعتوه، والإباء: شدة الامتناع، فكل إباء امتناع، وليس كل امتناع إباء، وهذا يدل على أن كفر فرعون كفر عناد؛ لأنه رأى

стр. 7635

الآيات وكذب بها، كما في قوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. ٥٧ - وجملة قوله: ﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى خوفاً من أن يتبعه الناس: مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال فرعون بعد هذا؟ والهمزة في قوله: ﴿أَجِئْتَنَا﴾ للإنكار لما جاء به موسى من الآيات، والمجيء (١) إما على حقيقته، أو بمعنى الإقبال على الأمر، والتصدي له؛ أي: أجئتنا يا موسى من مكانك الذي كنت فيه بعدما غبت عنا، أو أقبلت علينا ﴿لِتُخْرِجَنَا﴾ معشر القبطيين ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾؛ أي: من أرض مصر بالغلبة والاستيلاء، ﴿بـ﴾ ما أظهرته من ﴿سِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ من العصا واليد، فإن ذلك مما لا يصدر عن العاقل، لكونه من باب محاولة المحال، والسحر: خداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذون، من صرف الأبصار عما تفعله بخفة، وما يفعله النمام بقول حرف عائق للأسماع. وإنما ذكر (٢) الملعونُ الإخراجَ من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى، فإنه إذا وقع في أذهانهم، وتقرر في أفهامهم، أن عاقبة إجابتهم لموسى الخروج من ديارهم وأوطانهم .. كانوا غير قابلين لكلامه، ولا ناظرين في معجزاته، ولا ملتفتين إلى ما يدعو إليه من الخير ٥٨ - و (الفاء) في قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ وفاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا كان الأمر كذلك .. فأقول لك، والله ﴿لنأتينك﴾ ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾؛ أي: بسحر مثل سحرك، فلا تغلب علينا, أي: والله لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر يقدر على مثله الساحر ﴿فَاجْعَلْ﴾؛ أي: صيِّر ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ﴾ لإظهار السحر ﴿مَوْعِدًا﴾ هو مصدر؛ أي: وعدًا لقوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾؛ أي: لا نخلف ذلك الوعد ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ يا موسى، وقيل: المراد بالموعد (٣): اسم زمان، وقيل: اسم مكان؛ أي: اجعل لنا يومًا معلومًا، أو مكانًا معلومًا، لا نخلفه، قال القشيري: والأظهر أنه مصدر، ولهذا قال: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ والإخلاف: أن تعد شيئًا
следующие страницы →