← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

إدريس، حدّثنا خلف، حدّثنا وكيع عن مسعر، عن قتادة أنّ أنس بن مالك: كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. وأخبرنا إدريس، حدّثنا خلف، حدّثنا جرير عن منصور، عن الحكم قال: كان مجاهد، وعبدة بن أبي لبابة، وقوم يعرضون المصاحف، فإذا أرادوا أن يختموا، وجّهوا إلينا أحضرونا، فإنّ الرحمة تنزل عند ختم القرآن: وأخبرنا إدريس، حدثنا خلف، حدثنا إبراهيم عن التّيمي، قال: من ختم القرآن أوّل النهار، صلّت عليه الملائكة حتى يمسي، ومن ختم أوّل الليل، صلّت عليه الملائكة حتى يصبح قال: فكانوا يستحبّون أن يختموا أوّل الليل، وأوّل النهار. ومن حرمته: أن لا يكتب التعاويذ منه، ثمّ يدخل به الخلاء، إلّا أن يكون في غلاف من أدم، أو فضّة، أو غيره، فيكون كأنّه في صدرك. ومن حرمته: إذا كتبه، وشربه سمّى الله على كل نفس، وعظّم النية فيه، فإنّ الله يؤتيه على قدر نيّته. روى ليث، عن مجاهد: لا بأس أن تكتب القرآن، ثمّ تسقيه المريض. وعن أبي جعفر قال: من وجد في قلبه قساوة، فليكتب يس في جام بزعفران، ثمّ يشربه. قلت: ومن حرمته: أن لا يقال سورة صغيرة، وكرهه أبو العالية أن يقال: سورة صغيرة، أو كبيرة، وقال لمن سمعه قالها: أنت أصغر منها، وأمّا القرآن فكلّه عظيم. ذكره مكيّ ﵀. قلت: وقد روى أبو داود ما يعارض هذا، من حديث عمرو بن

стр. 72

شعيب، عن أبيه، عن جدّه أنّه قال: (ما من المفصّل سورة صغيرة، ولا كبيرة، إلّا قد سمعت رسول الله ﷺ يؤم بها الناس في الصلاة). والله أعلم * * *

стр. 73

الفصل الحادي عشر في بيان الكتاب بالسّنّة واعلم: أنّ بيانه ﷺ ، الكتاب بالسّنة على ضربين: الأوّل: بيان ما أجمل في الكتاب، كبيانه للصلوات الخمس مواقيتها، وسجودها، وركوعها، وسائر أحكامها، وكبيانه لمقدار الزكاة، ووقتها، وما الذي تؤخذ منه من الأموال، وبيانه لمناسك الحج، وقد قال ﷺ إذ حجّ بالناس: «خذوا عنّي مناسككم» وقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» أخرجه البخاري. وروى ابن المبارك، عن عمران بن حصين أنّه قال لرجل: إنّك رجل أحمق، أتجد الظّهر في كتاب الله أربعا لا يجهر فيها بالقراءة؟ ثمّ عدّد عليه الصلاة، والزكاة، ونحو هذا، ثمّ قال: أتجد هذا في كتاب الله تعالى مفسّرا؟ إنّ كتاب الله تعالى أبهم هذا، وإنّ السّنّة فسّرته، وبيّنته. وروى الأوزاعيّ، عن حسّان بن عطية قال: كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ، ويحضره جبريل بالسّنة التي تفسّر ذلك. وروى سعيد بن منصور، حدّثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن مكحول قال: القرآن أحوج إلى السّنة من السّنة إلى القرآن. وبه عن الأوزاعي قال: قال يحيى بن أبي كثير: السّنة

стр. 74

قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاض على السّنة. قال الفضل بن زياد: سمعت أبا عبد الله يعني: أحمد بن حنبل، وسئل عن هذا الحديث الذي روي أنّ السّنة قاضية على الكتاب فقال: ما أجسر على هذا أن أقوله، ولكنّي أقول: إنّ السّنّة تفسّر الكتاب، وتبيّنه. والثاني: بيان الزيادة على حكم الكتاب، كتحريم نكاح المرأة على عمّتها، وخالتها، وتحريم الحمر الأهليّة، وكلّ ذي ناب من السباع، والقضاء باليمين مع الشاهد، وغير ذلك. وروى أبو داود، عن المقدام بن معد يكرب، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ألا وإنّي أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه، ألا لا يحلّ لكم الحمار الأهليّ، ولا كلّ ذي ناب من السباع، ولا لقطة معاهد، إلّا أن يستغني عنها صاحبها، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه، فإن لم يقروه فله أن يعقّبهم بمثل قراه) أي: له أنّ يعاقبهم ويغلبهم؛ بأن يأخذ من أموالهم بقدر قراه، ويعقّبهم يروى مشدّدا، ومخفّفا. والله أعلم * * *

стр. 75

الفصل الثاني عشر في بيان كيفية التعلّم، والفقه لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وما جاء أنّه يسهل على من تقدّم العمل به، دون حفظه ذكر أبو عمرو الدانيّ في كتاب «البيان» له بإسناده عن عثمان، وابن مسعود، وأبيّ - أنّ رسول الله ﷺ : كان يقرئهم العشر آيات فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى، حتى يتعلّموا ما فيها من العمل، فيعلّمنا القرآن، والعمل جميعا: وذكر عبد الرزّاق، عن معمر، عن عطاء بن السّائب، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ قال: كنّا إذا تعلّمنا عشر آيات من القرآن، لم نتعلّم العشر الّتي بعدها، حتى نعرف حلالها، وحرامها، وأمرها، ونهيها. وفي «الموطّأ» للإمام مالك: أنّه بلغه أنّ عبد الله بن عمر، مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلّمها. وذكر أبو بكر، أحمد بن علي بن ثابت الحافظ في كتابه المسمّى: «ذكر أسماء من روى عن مالك»؛ عن مرداس بن محمد بن بلال الأشعري، قال: حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، قال: (تعلّم عمر البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلمّا ختمها نحر جزورا). وذكر أبو بكر الأنباريّ: حدّثني محمد بن شهرباز، حدّثنا حسين بن الأسود، حدّثنا عبد الله بن موسى، عن زياد بن أبي مسلم أبي عمرو، عن زياد بن مخراق قال: قال عبد الله بن مسعود: (إنّا يصعب علينا

стр. 76

حفظ لفظ القرآن، ويسهل علينا العمل به، وإنّ من بعدنا يسهل عليهم حفظ ألفاظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به). حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا يوسف بن موسى، حدّثنا الفضل بن دكين، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: (كان الفاضل من أصحاب رسول الله ﷺ في صدر هذه الأمّة، لا يحفظ من القرآن إلّا السورة، أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإنّ آخر هذه الأمّة، يقرؤون القرآن منهم الصبيّ، والأعمى، ولا يرزقون العمل به). حدّثني حسن بن عبد الوهاب؛ أبو محمد بن أبي العنبريّ، حدّثنا أبو بكر بن حمّاد المقرىء قال: سمعت خلف بن هشام البزّاريّ يقول: ما أظنّ القرآن إلّا عاريّة في أيدينا، وذلك إنّا روينا: أنّ عمر بن الخطاب حفظ البقرة في بضع عشر سنة، فلمّا حفظها نحر جزورا؛ شكرا لله سبحانه، وإنّ الغلام في دهرنا هذا، يجلس بين يديّ، فيقرأ ثلث القرآن لا يسقط منه حرفا، فما أحسب القرآن، إلّا عارية في أيدينا. وقال أهل العلم بالحديث: لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه، دون معرفته، وفهمه، فيكون قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل، وليكن تحفّظه للحديث على التّدريج قليلا قليلا، مع اللّيالي، والأيّام، وممّن ورد عنه ذلك من حفّاظ الحديث: شعبة، وابن عليّة ومعمر، قال معمر: سمعت الزهريّ يقول: من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنّما يدرك العلم

стр. 77

حديثا وحديثين، والله أعلم. وقال معاذ بن جبل: (اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا). قال ابن عبد البرّ: وروي عن النبي ﷺ : مثل قول معاذ من رواية عباد بن عبد الصمد، وفيه زيادة: أنّ العلماء همّتهم الدراية: وأنّ السفهاء همّتهم الرواية، وروي موقوفا، وهو أولى من رواية من رواه مرفوعا، وعبّاد بن عبد الصمد: ليس ممّن يحتجّ به. ولقد أحسن القائل في نظمه في فضل العلم، وشرف الكتاب العزيز والسّنّة الغرّاء: إنّ العلوم وإن جلّت محاسنها ... فتاجها ما به الإيمان قد وجبا هو الكتاب العزيز الله يحفظه ... وبعد ذلك علم فرّج الكربا فذاك فاعلم حديث المصطفى فبه ... نور النّبوّة سنّ الشّرع والأدبا وبعد هذا علوم لا انتهاء لها ... فاختر لنفسك يا من آثر الطّلبا والعلم كنز تجده في معادنه ... يا أيها الطّالب ابحث وانظر الكتبا واتل بفهم كتاب الله فيه أتت ... كلّ العلوم تدبّره تر العجبا واقرأ هديت حديث المصطفى وسل ... مولاك ما تشتهي يقضي لك الأربا من ذاق طعما لعلم الدّين سرّ به ... إذا تزيّد منه قال واطربا والله أعلم * * *

стр. 78

الفصل الثالث عشر في معنى قول النبي ﷺ : «إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه» روى مسلم، عن أبيّ بن كعب: أنّ النبيّ ﷺ كان عند إضاة بني غفار، فأتاه جبريل ﵇. فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرىء أمّتك القرآن على حرف. فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمّتي لا تطيق ذلك». ثمّ أتاه الثانية. فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرىء أمّتك القرآن على حرفين. فقال: «أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمّتي لا تطيق ذلك. ثمّ جاءه الثالثة. فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرىء أمّتك القرآن على ثلاثة أحرف. فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته، وإنّ أمّتي لا تطيق ذلك» ثمّ جاءه الرابعة. فقال: إنّ الله يأمرك أن تقرىء أمّتك القرآن على سبعة أحرف، فأيّما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا. وروى الترمذيّ عنه قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل. فقال: «يا جبريل! إني بعثت إلى أمّة أميّة، منهم العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لا يقرأ كتابا قطّ، فقال لي: يا محمد! إنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف». وقال: هذا حديث حسن صحيح. وثبت في الأمّهات البخاري، ومسلم،

стр. 79

«والموطّأ»، وأبي داود، والنسائي، وغيرها من المصنّفات، والمسندات، قصّة عمر مع هشام بن حكيم، وسيأتي بكماله مفصلا إن شاء الله تعالى. وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا، ذكرها أبو حاتم، محمد بن حيّان البستيّ، نذكر منها هنا خمسة أقوال: الأوّل: وهو الذي عليه أكثر أهل العلم، كسفيان بن عيينة، وعبد الله بن وهب، والطبري، والطحاوي، وغيرهم، أنّ المراد بها: سبعة أوجه من المعاني المتقاربة، بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل، وتعال، وهلمّ. قال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، فقال: اقرأ على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقال: اقرأ على حرفين. فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ إلى سبعة أحرف. فقال: اقرأ فكلّ شاف كاف، إلّا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمة على نحو: هلمّ، وتعال، وأقبل، واذهب، وأسرع، وعجّل، وبادر. وروى ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب: أنّه كان يقرأ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا﴾ (للذين آمنوا أمهلونا) (للذين آمنوا أخّرونا)، وبهذا الإسناد عن أبيّ: كان يقرأ ﴿كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ (مرّوا فيه) (سعوا فيه). وفي البخاريّ، ومسلم قال الزهريّ: إنّما هذه الأحرف في

стр. 80

الأمر الواحد ليس يختلف في حلال، ولا حرام. قال الطحاويّ: إنّما كانت السبعة للناس في الحروف؛ لعجزهم عن أخذ القرآن على غير لغاتهم؛ لأنّهم كانوا أمّيّين لا يكتب إلّا القليل منهم، فلمّا كان يشقّ على كلّ ذي لغة أن يتحوّل إلى غيرها من اللّغات - ولو رام ذلك لم يتهيّأ له إلّا بمشقّة عظيمة - وسّع لهم في اختلاف الألفاظ، إذا كان المعنى متّفقا، فكانوا كذلك حتى كثر منهم من يكتب، وعادت لغاتهم إلى لسان رسول الله ﷺ ، فقدروا بذلك على تحفّظ ألفاظه، فلم يسعهم حينئذ أن يقرءوا بخلافها. قال ابن عبد البرّ: فبان بهذا أنّ تلك السبعة الأحرف، إنّما كان في وقت خاصّ لضرورة دعت إلى ذلك، ثمّ ارتفعت تلك الضرورة، فارتفع حكم هذه السبعة الأحرف، وعاد ما يقرأ به القرآن على حرف واحد. روى أبو داود، عن أبيّ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبيّ! إنّي أقرئت القرآن فقيل لي: على حرف أو حرفين، فقال الملك الذي معي: قل على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة، فقال الملك الذي معي: قل على ثلاثة، حتى بلغ سبعة أحرف»، ثمّ قال: ليس منها إلّا شاف كاف، إن قلت سميعا عليما، عزيزا حكيما، ما لم تخلط آية عذاب برحمة، أو آية رحمة بعذاب. وأسند ثابت بن قاسم نحو هذا الحديث، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . وذكر من كلام ابن مسعود نحوه. قال القاضي ابن الطيّب: وإذا ثبتت هذه الرواية - يريد حديث أبيّ - حمل على أنّ

стр. 81

هذا كان مطلقا، ثمّ نسخ، فلا يجوز للنّاس أن يبدّلوا اسما لله تعالى في موضع بغيره، ممّا يوافق معناه، أو يخالف. القول الثاني: قال قوم: هي سبع لغات في القرآن على لغات العرب كلها، يمنها ونزارها؛ لأنّ رسول الله ﷺ لم يجهل شيئا منها، وكان قد أوتي جوامع الكلم، وليس معناه: أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه، ولكن هذه اللّغات السبع متفرّقة في القرآن، فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن، وبعضه بلغة اليمن. قال الخطّابيّ: على أنّ في القرآن ما قد قرىء بسبعة أوجه وهو قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ وذكر وجوها، كأنّه يذهب إلى أنّ بعضه أنزل على سبعة أحرف لا كلّه. وإلى هذا القول: بأنّ القرآن أنزل على سبعة أحرف على سبع لغات، ذهب أبو عبيد، القاسم بن سلّام، واختاره ابن عطيّة، قال أبو عبيد، وبعض الأحياء أسعد بها، وأكثر حظا فيها من بعض، وذكر حديث ابن شهاب، عن أنس: أنّ عثمان قال لهم حين أمرهم أن يكتبوا المصاحف: «ما اختلفتم أنتم وزيد فاكتبوه بلغة قريش، فإنّه نزل بلغتهم». ذكره البخاريّ. وذكر حديث ابن عباس قال: (نزل القرآن بلغة الكعبين: كعب قريش، وكعب خزاعة، قيل: وكيف ذلك؟ قال: لأنّ الدّار واحدة). قال أبو عبيدة يعني: أنّ خزاعة جيران قريش، فأخذوا بلغتهم. قال القاضي ابن الطيّب - رحمه الله تعالى -: معنى قول

стр. 82

عثمان، فإنّه نزل بلغة قريش: يريد معظمه، وأكثره، ولم تقم دلالة قاطعة على أنّ القرآن بأسره منزّل بلغة قريش فقط، إذ فيه كلمات، وحروف هي خلاف لغة قريش، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ولم يقل قرشيّا، وهذا يدلّ على أنّه منّزل بجميع لغات العرب، وليس لأحد أن يقول إنّه أراد قريشا من العرب دون غيرها، كما أنّه ليس له أن يقول أراد لغة عدنان دون قحطان، أو ربيعة دون مضر؛ لأنّ اسم العرب يتناول جميع هذه القبائل تناولا واحدا. وقال ابن عبد البرّ: قول من قال: إنّ القرآن نزل بلغة قريش معناه عندي: في الأغلب، والله سبحانه أعلم؛ لأنّ غير لغة قريش موجود في صحيح القراءات، من تحقيق الهمزات، ونحوها، وقريش لا تهمز. وقال ابن عطيّة: معنى قول النبي ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف». أي: فيه عبارة سبع قبائل بلغة جملتها نزل القرآن، فيعبّر عن المعنى في مرّة بعبارة قريش، ومرّة بعبارة هذيل، ومرّة بغير ذلك بحسب الأفصح. الأوجز في اللفظ، ألا ترى أنّ (فطر) معناه عند غير قريش: ابتدأ، فجاءت في القرآن، فلم تتّجه لابن عباس، حتى اختصم إليه أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال ابن عباس: (ففهمت حينئذ موقع قوله تعالى): ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقال أيضا: (ما كنت أدري معنى قوله تعالى): ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ (حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك، أي: أحاكمك): وكذلك قال

стр. 83

عمر بن الخطاب. وكان لا يفهم معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ﴾ أي: على تنقّص لهم. وكذلك اتّفق لقطبة بن مالك، إذ سمع النبيّ ﷺ يقرأ في الصلاة: ﴿وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾. ذكره مسلم في باب القراءة في صلاة الفجر، إلى غير ذلك من الأمثلة. القول الثالث: إنّ هذه اللغات السبع إنّما تكون في مضر، قاله قوم، واحتجّوا بقول عثمان: نزل القرآن بلغة مضر، وقالوا: جائز أن يكون منها لقريش، ومنها لكنانة، ومنها لأسد، ومنها لهذيل، ومنها لتميم، ومنها لضبّة، ومنها لقيس، قالوا: فهذه قبائل مضر تستوعب سبع لغات على هذه المراتب، وقد كان ابن مسعود، يحبّ أن يكون الذين يكتبون المصاحف من مضر، وأنكر آخرون أن تكون كلّها في مضر، وقالوا: في مضر شواذّ لا يجوز أن يقرأ القرآن بها، مثل: كشكشة قيس، وتمتمة تميم فأمّا كشكشة قيس: فإنّهم يجعلون كاف المؤنث شينا، فيقولون في: ﴿جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ جعل ربّش تحتش سريّا، وأمّا تمتمة تميم، فيقولون في الناس: النّات، وفي أكياس: أكيات، قالوا: وهذه لغات يرغب عن القرآن بها، ولا يحفظ عن السلف فيها شيء. وقال آخرون: أمّا إبدال الهمزة عينا، وإبدال حروف الحلق بعضها من بعض، فمشهور عن الفصحاء، وقد قرأ بها الجلّة، واحتجّوا بقراءة ابن مسعود: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ ذكرها أبو داود. وبقول ذي الرمّة: فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولونك إلّا أنّها غير طائل

стр. 84

القول الرابع: ما حكاه صاحب «الدلائل» عن بعض العلماء، وحكى نحوه القاضي ابن الطيب قال: تدبّرت وجوه الاختلاف في القراءة فوجدتها سبعا: منها: ما تتغيّر حركته، ولا يزول معناه، ولا صورته، مثل: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ وأطهر ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ ويضيّق. ومنها: ما لا تتغيّر صورته، ويتغيّر معناه بالإعراب، مثل: ﴿رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ و ﴿باعِدْ﴾. ومنها: ما تبقى صورته ويتغيّر معناه باختلاف الحروف، مثل قوله: ﴿نُنْشِزُها﴾ و ﴿ننشرها﴾. ومنها: ما تتغيّر صورته ويبقى معناه ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ و (كالصّوف المنفوش). ومنها: ما تتغيّر صورته ومعناه، مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ و ﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. ومنها: التقديم والتأخير، كقوله: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ و (جاءت سكرة الحق بالموت). ومنها: الزيادة والنقصان، مثل قوله: (تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً أنثى) وقوله: (وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ كافرًا، وكان أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ)، وقوله: (فإنّ الله من بعد إكراههنّ لهنّ غفور رحيم). القول الخامس: إنّ المراد بالأحرف السبعة معاني كتاب الله تعالى، وهي أمر، ونهي، ووعد، ووعيد، وقصص، ومجادلة،

стр. 85

وأمثال. قال ابن عطيّة: وهذا ضعيف؛ لأنّ هذا لا يسمّى أحرفا. وأيضا: فالإجماع على أنّ التوسعة لم تقع في تحليل حلال، ولا في تغيير شيء من المعاني. وذكر القاضي ابن الطيب في هذا المعنى حديثا، عن النبي ﷺ ، ثمّ قال: ولكن ليست هذه هي الّتي أجاز لهم القراءة بها؛ وإنّما الحرف في هذه بمعنى الجهة، والطريقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ فكذلك معنى هذا الحديث على سبع طرائق من تحليل، وتحريم، وغير ذلك. وقد قيل: إنّ المراد بقوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» القراءات السبع التي قرأ بها القرّاء السبعة؛ لأنّها كلّها صحّت عن رسول الله ﷺ ، وهذا ليس بشيء؛ لظهور بطلانه على ما يأتي. تنبيهان: الأوّل: قال كثير من علمائنا كالدّاوديّ، وابن أبي صفرة، وغيرهما: هذه القراءات الّتي تنسب لهؤلاء القرّاء السبعة، ليست هي الأحرف السبعة التي اتّسعت الصحابة في القراءة بها؛ وإنّما هي راجعة إلى حرف واحد من تلك السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف. ذكره ابن النحّاس، وغيره. وهذه القراءات المشهورة هي اختيارات أولئك الأئمة القراء، وذلك أنّ كلّ واحد منهم اختار فيما روى، وعلم وجهه من القراءات ما هو الأحسن عنده، والأولى فالتزمه طريقة، ورواه، وأقرأ به، واشتهر عنه، وعرف به، ونسب إليه. فقيل: حرف نافع، وحرف ابن كثير، ولم يمنع واحد منهم اختيار الآخر، ولا أنكره، بل سوّغه،

стр. 86

وجوّزه، وكلّ واحد من هؤلاء السبعة روي عنه اختياران، أو أكثر، وكلّ صحيح، وقد أجمع المسلمون في هذه الأعصار، على الاعتماد على ما صحّ من هؤلاء الأئمّة ممّا رووه، ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنّفات، فاستمرّ الإجماع على الصواب. وحصل ما وعد الله به من حفظ الكتاب. وعلى هذه، الأئمة المتقدّمون، والفضلاء المحقّقون، كالقاضي أبي بكر بن الطيّب، والطبريّ، وغيرهما. قال ابن عطيّة: ومضت الأعصار، والأمصار على قراءة السبعة، وبها يصلّى؛ لأنّها ثبتت بالإجماع وأمّا شاذ القراءات فلا يصلّى به؛ لأنّه لم يجمع الناس عليه، أمّا إنّ المرويّ منه عن الصحابة ﵃، وعن علماء التابعين فلا نعتقد فيه، إلّا أنّهم رووه، وأمّا ما يؤثر عن أبي السّماك؛ ومن قارنه؛ فلأنّه لا يوثق به. وقال غيره: أمّا شاذّ القراءة عن المصاحف المتواترة، فليست بقرآن، ولا يعمل بها على أنّها منه، وأحسن محامله: أن تكون بيان تأويل مذهب من نسبت إليه، كقراءة ابن مسعود (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ متتابعات)، فأمّا لو صرّح الرّاوي بسماعها، عن رسول الله ﷺ ؛ فاختلف العلماء في العمل بذلك على قولين: النّفي، والإثبات. ووجه النفي: أنّ الراوي لم يرو في معرض الخبر، بل في معرض القرآن، ولم يثبت، فلا يثبت. والوجه الثّاني: أنّه وإن لم يثبت كونه قرآنا، فقد ثبت كونه

стр. 87

سنّة، وذلك يوجب العمل، كسائر أخبار الآحاد. والثاني: في ذكر معنى حديث عمر، وهشام، قال ابن عطيّة: أباح الله تعالى لنبيّه ﷺ هذه الحروف السبعة، وعارضه بها جبريل ﵇ في عرضاته على الوجه الذي فيه الإعجاز، وجودة الرّصف، ولم تقع الإباحة في قوله ﷺ : «فاقرءوا ما تيسّر منه»، بأن يكون كلّ واحد من الصحابة، إذا أراد أن يبدّل اللّفظة من بعض هذه اللّغات .. جعلها من تلقاء نفسه، ولو كان هذا لذهب إعجاز القرآن، وكان معرّضا أن يبدّل هذا وهذا، حتّى يكون غير الّذي نزل من عند الله تعالى؛ وإنّما وقعت الإباحة في الحروف السبعة، للنبي ﷺ ؛ ليوسّع بها على أمّته، فأقرأ مرّة لأبّيّ بما عارضه به جبريل، ومرّة لابن مسعود بما عارضه به أيضا. وعلى هذا تجيء قراءة عمر بن الخطاب لسورة الفرقان، وقراءة هشام بن حكيم لها، وإلّا فكيف يستقيم أن يقول النبيّ ﷺ في كلّ قراءة منهما، وقد اختلفتا: «هكذا أقرأني جبريل. هل ذلك إلّا أنّه أقرىء مرّة بهذه، ومرّة بهذه، وعلى هذا يحمل قول أنس حين قرأ: (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وأصوب قيلا) فقيل له: إنّما يقرأ: (وَأَقْوَمُ قِيلًا)، فقال أنس: (وأصوب قيلا) (وَأَقْوَمُ قِيلًا)، وأهيأ، واحد؛ فإنّما معنى هذا أنّها مرويّة عن النبي ﷺ ، وإلّا فلو كان هذا لأحد من الناس أن يضعه؛ لبطل معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. روى البخاريّ، ومسلم، وغيرهما، عن عمر بن الخطاب

стр. 88

قال: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها، وكان رسول الله ﷺ أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثمّ أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنّي سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها، فقال رسول الله ﷺ : «أرسله، إقرأ» فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله ﷺ : «هكذا أنزلت» ثمّ قال لي: اقرأ، فقرأت فقال: «هكذا أنزلت، إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسّر منه». قلت: وفي معنى حديث عمر هذا ما رواه مسلم، عن أبيّ بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلّي، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثمّ دخل آخر، فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فلمّا قضينا الصلاة دخلنا جميعا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إنّ هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر، فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما النبيّ ﷺ ، فقرآ، فحسّن النبيّ ﷺ شأنهما، فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهليّة، فلمّا رأى النبيّ ﷺ ما قد غشيني، ضرب في صدري، ففضت عرقا، وكأنّي أنظر إلى الله تعالى فرقا، فقال: «يا أبيّ! أرسل إليّ أن أقرأ على حرف، فرددت عليه: أن هوّن على أمّتي»، فردّ إليّ الثانية أن أقرأ على حرفين «فرددت إليه أن هوّن على أمّتي» فردّ إليّ الثالثة أن أقرأ على سبعة أحرف، ولك بكل ردّة رددتكها مسألة تسألنيها، فقلت: «اللهمّ اغفر لأمّتي، وأخّرت الثالثة ليوم يرغب إليّ فيه الخلق

стр. 89

كلّهم حتى إبراهيم ﵇». قوله: (فسقط في نفسي من التكذيب ولا إذ كنت في الجاهليّة). معناه: وسوس إليّ الشيطان تكذيبا للنبوّة أشدّ ما كنت عليه في الجاهليّة؛ لأنّه كان في الجاهلية غافلا، ومشكّكا، فوسوس إليه الشيطان الجزم بالتكذيب. وقيل معناه: إنّه اعترته حيرة، ودهشة، ونزع الشيطان في قلبه تكذيبا لم يعتقده، وهذه الخواطر إذا لم يستمرّ عليها الإنسان لا يؤاخذ بها. (وكأنّما أنظر إلى الله تعالى فرقا) الفرق بالتحريك: الخوف، والخشية. والمعنى: أنّه غشيه من الهيبة، والخوف، والعظمة حين ضربه، (ما أزال عنه ذلك الخاطر) يعني: أنّ النبي ﷺ : لمّا رأى ما أصابه من ذلك الخاطر، نبّهه بأن ضربه في صدره، فأعقب ذلك بأن انشرح صدره، وتنوّر باطنه حتى آل به الكشف، والشّرح إلى حالة المعاينة، ولمّا ظهر له قبح ذلك الخاطر، خاف من الله تعالى، وفاض بالعرق استحياء من الله تعالى، وكان هذا الخاطر من قبيل ما قال فيه النبيّ ﷺ حين سألوه: إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به. قال: «وقد وجدتموه» قالوا: نعم. قال: «ذلك صريح الإيمان». أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة. والله أعلم * * *

стр. 90

الفصل الرابع عشر في ذكر جمع القرآن، وسبب كتب عثمان المصاحف، وإحراقه ما سواه، وذكر من حفظ القرآن من الصحابة ﵃ في زمن النبي ﷺ كان القرآن في حياة النبي ﷺ متفرّقا في صدور الرجال، وقد كتب الناس منه في صحف، وفي جريد، وفي لخاف، وظرر، وفي خزف، وغير ذلك. قال الأصمعيّ: اللّخاف حجارة بيض رقاق، واحدتها لخفة. والظّرر: حجر له حدّ كحدّ السكّين، والجمع ظرار، مثل: رطب، ورطاب، وربع، ورباع، فلمّا استحرّ القتل بالقرّاء يوم اليمامة في زمن الصديق ﵁، - وقتل منهم في ذلك اليوم فيما قيل: سبعمائة. أشار عمر بن الخطاب على أبي بكر الصديق ﵄ بجمع القرآن مخافة أن يموت أشياخ القرّاء، كأبيّ، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، فندبا زيد بن ثابت إلى ذلك، فجمعه غير مرتّب السّور بعد تعب شديد ﵁. روى البخاري، عن زيد بن ثابت قال: (أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إنّ عمر أتاني فقال: إنّ القتال قد استحرّ يوم اليمامة بالنّاس، وإنّي أخشى أن

стр. 91

يستحرّ القتل بالقرّاء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلّا أن تجمعوه، وإنّي لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: فقلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر. قال زيد: وعنده عمر جالس لا يتكلّم، فقال لي أبو بكر: إنّك رجل شابّ عاقل، ولا نتّهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبّع القرآن، فاجمعه، فو الله، لو كلّفني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل عليّ ممّا أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه، حتى شرح الله صدري للّذي شرح له صدر أبي بكر، وعمر، فقمت فتتبّعت القرآن أجمعه من الرقاع، والأكتاف، والعسب، وصدور الرجال، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة بن أوس بن زيد الأنصاريّ، لم أجدهما مع غيره ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ...﴾ إلى آخرها. فكانت الصّحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفّاه الله، ثمّ عند عمر حتى توفّاه الله، ثمّ عند حفصة بنت عمر). وقال اللّيث: حدّثني عبد الرحمن بن غالب، عن ابن شهاب، وقال: مع أبي خزيمة الأنصاري. وقال أبو ثابت: حدّثنا إبراهيم، وقال: مع خزيمة، أو أبي خزيمة، وهو الصّواب. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾. وقال الترمذيّ في حديثه عنه: فوجدت آخر (سورة براءة) مع خزيمة بن ثابت. ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ

стр. 92

ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ وقال حديث حسن صحيح. وفي «البخاريّ»، عن زيد بن ثابت قال: (لمّا نسخنا الصّحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد، إلّا مع خزيمة بن ثابت الأنصاريّ، الّذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين) ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. وقال الترمذي عنه: فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، فالتمستها، فوجدتها عند خزيمة بن ثابت، أو أبي خزيمة، والأوّل هو الصّواب، فألحقتها في سورتها. قلت: فسقطت الآية الأولى من آخر (براءة) في الجمع الأوّل على ما قاله البخاري، والترمذي، وفي الجمع الثاني فقدت آية من سورة الأحزاب. وحكى الطبريّ: أنّ آية (براءة) سقطت في الجمع الأخير، والأوّل أصحّ، والله أعلم. فإن قيل: فما وجه جمع عثمان الناس على مصحفه، وقد سبقه أبو بكر إلى ذلك، وفرغ منه. قيل له: إنّ عثمان ﵁ لم يقصد بما صنع جمع الناس على تأليف المصحف، ألا ترى كيف أرسل إلى حفصة أن (أرسلي إلينا بالصّحف ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك) على ما يأتي، وإنّما فعل عثمان ذلك؛ لأنّ النّاس اختلفوا في القراءات؛ بسبب

стр. 93

تفرّق الصحابة في البلدان، واشتدّ الأمر في ذلك، وعظم اختلافهم، وتشبّههم، ووقع بين أهل الشام، والعراق، ما ذكره حذيفة ﵁ وذلك: أنّهم اجتمعوا في غزوة أرمينية، فقرأت كلّ طائفة بما روي لها، فاختلفوا، وتنازعوا، وأظهر بعضهم إكفار بعض، والبراءة منه، وتلاعنوا، فأشفق ممّا رأى منهم، فلمّا قدم حذيفة المدينة فيما ذكر البخاريّ، والترمذيّ، دخل إلى عثمان قبل أن يدخل إلى بيته فقال: (أدرك هذه الأمّة قبل أن تهلك قال: فيما ذا؟ قال: في كتاب الله. إنّي حضرت هذه الغزوة، وجمعت ناسا من العراق، والشّام، والحجاز، فوصف له ما تقدّم، وقال: إنّي أخشى عليهم، أن يختلفوا في كتابهم، كما اختلف اليهود والنصارى). قلت: وهذا أدلّ دليل على بطلان قول من قال: إنّ المراد بالأحرف السبعة قراءات القرّاء السبعة؛ لأنّ الحقّ لا يختلف فيه. وقد روى سويد بن غفلة، عن علي بن أبي طالب: أنّ عثمان قال: (ما ترون في المصاحف، فإنّ الناس قد اختلفوا في القراءة، حتى إنّ الرجل ليقول: إنّ قراءتي خير من قراءتك، وقراءتي أفضل من قراءتك، وهذا شبيه بالكفر). قلنا: ما الرّأي عندك؟ يا أمير المؤمنين قال: (الرّأي عندي: أن يجتمع الناس على قراءة، فإنّكم إذا اختلفتم اليوم، كان من بعدكم أشدّ اختلافا. قلنا: الرّأي رأيك يا أمير المؤمنين!) فأرسل عثمان إلى حفصة (أنّ أرسلي إلينا بالصّحف، ننسخها في المصاحف، ثمّ نردّها إليك) فأرسلت بها

стр. 94

إليه، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشييّن: (إذا اختلفتم أنتم، وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنّما نزل بلسانهم) ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصّحف في المصاحف، ردّ عثمان الصّحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أفق بمصحف ممّا نسخوا، وأمر بما سوى ذلك من القرآن في كلّ صحيفة، أو مصحف أن يحرّق، وكان هذا من عثمان ﵁ بعد أن جمع المهاجرين، والأنصار، وجلّة أهل الإسلام، وشاورهم في ذلك فاتّفقوا على جمعه بما صحّ، وثبت من القراءات المشهورة عن النبي ﷺ ، واطّراح ما سواها، واستصوبوا رأيه، وكان رأيا سديدا - رحمة الله عليه وعليهم أجمعين -. وقال الطبري فيما روى: أنّ عثمان قرن بزيد، أبان بن سعيد بن العاص وحده، وهذا ضعيف. وما ذكره البخاريّ، والترمذي، وغيرهما أصحّ. وقال الطبريّ أيضا: إنّ الصّحف التي كانت عند حفصة، جعلت إماما في هذا الجمع الأخير، وهذا صحيح. قال ابن شهاب: وأخبرني عبيد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن مسعود، كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: (يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ المصاحف، ويتولّاه رجل، والله لقد أسلمت، وإنّه لفي صلب رجل كافر - يريد زيد بن ثابت - ولذلك قال عبد الله بن مسعود: (يا أهل العراق: اكتموا المصاحف التي عندكم وغلّوها،

стр. 95

فإنّ الله يقول: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فالقوا الله بالمصاحف) أخرجه الترمذي. قال أبو بكر الأنباري: ولم يكن الاختيار لزيد من جهة أبي بكر، وعمر، وعثمان على عبد الله بن مسعود في جمع القرآن، وعبد الله بن مسعود أفضل من زيد، وأقدم في الإسلام، وأكثر سوابق، وأعظم فضائل؛ إلّا لأنّ زيدا كان أحفظ للقرآن من عبد الله، إذ وعاه كلّه، ورسول الله ﷺ حيّ، والذي حفظ منه عبد الله في حياة رسول الله ﷺ ، نيّف وسبعون سورة، ثمّ تعلّم الباقي بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فالذي ختم، وحفظه، ورسول الله ﷺ حيّ، أولى بجمع المصحف، وأحقّ بالإيثار، والاختيار، ولا ينبغي أن يظنّ جاهل، أنّ في هذا طعنا على عبد الله بن مسعود؛ لأنّ زيدا إذا كان أحفظ للقرآن منه، فليس ذلك موجبا لتقدمته عليه؛ لأنّ أبا بكر، وعمر ﵄ كان زيد أحفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرا منهما، ولا مساويا لهما في الفضائل، والمناقب. قال أبو بكر الأنباري: وما بدا من عبد الله بن مسعود من نكير ذلك؛ فشيء نتجه الغضب، ولا يعمل به، ولا يؤخذ به، ولا يشكّ في أنّه ﵁ قد عرف بعد زوال الغضب عنه، حسن اختيار عثمان، ومن معه من أصحاب رسول الله ﷺ ، وبقي على موافقتهم، وترك الخلاف لهم، فالشّائع، الذّائع المتعالم عند أهل الرواية، والنّقل، أنّ عبد الله بن مسعود تعلّم بقيّة القرآن بعد

стр. 96

وفاة رسول الله ﷺ . وقد قال بعض الأئمة: مات عبد الله بن مسعود قبل أن يختم القرآن. قال زيد بن هارون: المعوّذتان بمنزلة البقرة وآل عمران ومن زعم أنّهما ليستا من القرآن، فهو كافر بالله العظيم. فقيل له: فقول عبد الله بن مسعود فيهما، فقال: لا خلاف بين المسلمين، في أنّ عبد الله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القرآن كلّه. وقد قال بعض أهل العلم: مات عبد الله بن مسعود قبل أن يتعلّم المعوّذتين فلهذه العلّة لم توجدا في مصحفه. وقيل غير هذا على ما يأتي بيانه آخر الكتاب عند ذكر المعوّذتين إن شاء الله تعالى. وروى إسماعيل بن إسحاق، وغيره، قال حمّاد: أظنّه عن أنس بن مالك قال: (كانوا يختلفون في الآية فيقولون: أقرأها رسول الله ﷺ فلان بن فلان، فعسى أن يكون على ثلاث مراحل من المدينة، فيرسل إليه، فيجاء به، فيقال: كيف أقرأك رسول الله ﷺ آية، كذا وكذا؟ فيكتبون كما قال. قال ابن شهاب: واختلفوا يومئذ في التابوت، فقال زيد: التابوه، وقال ابن الزبير، وسعيد بن العاص: التابوت، فرفع اختلافهم إلى عثمان، فقال: (أكتبوه بالتاء، فإنّه نزل بلسان قريش). أخرجه البخاري، والترمذي. قال ابن عطية: قرأه زيد بالهاء، والقرشيّون بالتاء، فأثبتوه بالتاء، وكتبت المصاحف على ما هو عليه غابر الدّهر، ونسخ منها عثمان نسخا. قال غيره: قيل سبعة، وقيل: أربعة، وهو الأكثر، ووجّه بها إلى الآفاق؛ فوجّه للعراق، والشام، ومصر

стр. 97

بأمّهات، فاتخذها قرّاء الأمصار معتمد اختياراتهم، ولم يخالف أحد منهم مصحفه على النّحو الذي بلغه، وما وجد بين هؤلاء القرّاء السبعة من الاختلاف في حروف يزيدها بعضهم، وينقصها بعضهم، فذلك؛ لأنّ كلّا منهم على ما بلغه في مصحفه، ورواه، إذ قد كان عثمان كتب تلك المواضع في بعض المواضع، ولم يكتبها في بعض؛ إشعارا بأنّ كلّ ذلك صحيح، وأنّ القراءة بكل منها جائزة. قال ابن عطيّة: ثمّ إنّ عثمان أمر بما سواها من المصاحف أن تحرق، أو تخرق، (تروى بالحاء غير منقوطة، وتروى بالخاء على معنى)، ثمّ تدفن، ورواية الحاء منقوطة أحسن. وذكر أبو بكر الأنباريّ في كتاب «الردّ» عن سويد بن غفلة قال: سمعت عليّ بن أبي طالب - كرّم الله وجهه - يقول: (يا معشر الناس اتقوا الله وإيّاكم والغلوّ في عثمان، وقولكم حرّاق المصاحف، فو الله، ما حرّقها إلّا عن ملأ منّا أصحاب محمد ﷺ . وعن عمر بن سعيد قال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁: (لو كنت الوالي وقت عثمان؛ لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان) قال أبو الحسن بن بطّال: وفي أمر عثمان بتحريق المصاحف، والصّحف حين جمع القرآن، جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى، وأنّ ذلك إكرام لها، وصيانة عن الوطء بالأقدام، وطرحها في ضياع من الأرض. روى معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: أنّه كان يحرق

стр. 98

الصّحف، إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾. وحرّق عروة بن الزبير، كتب نفسه كانت عنده يوم الحرّة، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف، إذا كان فيها ذكر الله تعالى. وقول من حرقها أولى بالصّواب، وقد فعله عثمان. وقد قال القاضي أبو بكر: لسان الأمة: جائز للإمام تحريق الصّحف الّتي فيها القرآن، إذا أدّاه الاجتهاد إلى ذلك. والله أعلم * * *

стр. 99

الفصل الخامس عشر في ما جاء في ترتيب سور القرآن، وآياته واعلم أنّ الله تعالى، أنزل القرآن المجيد من اللوح المحفوظ جملة واحدة، إلى سماء الدنيا في مكان يقال له: بيت العزّة، في شهر رمضان، في ليلة القدر، ثمّ كان ينزّله مفرّقا على لسان جبريل ﵇، إلى النبي ﷺ مدّة رسالته نجوما عند الحاجة، وبحدوث ما يحدث على حسب ما شاء الله . وترتيب نزول القرآن، غير ترتيبه في التلاوة، والمصحف، وهو قسمان: إمّا مكيّ: وهو خمس وثمانون سورة. وإمّا مدنيّ: وهو: ثمان وعشرون سورة. فترتيب السور المكيّة في النزول هكذا، يعني: أوّل ما نزل بمكة من القرآن: (١) اقرأ (٢) ن (٣) المزّمل (٤) المدّثر (٥) تبّت (٦) الشمس (٧) الأعلى (٨) الليل (٩) الفجر (١٠) الضحى (١١) ألم نشرح (١٢) العصر (١٣) العاديات (١٤) الكوثر (١٥) التكاثر (١٦) الماعون (١٧) الكافرون (١٨) الفيل (١٩) الفلق (٢٠) الناس (٢١) الإخلاص (٢٢) النجم (٢٣) عبس (٢٤) القدر (٢٥) الضحى (٢٦) البروج (٢٧) التين (٢٨) قريش (٢٩) القارعة (٣٠)

стр. 100

القيامة (٣١) الهمزة (٣٢) المرسلات (٣٣) ق (٣٤) البلد (٣٥) الطارق (٣٦) الساعة (٣٧) ص (٣٨) الأعراف (٣٩) الجنّ (٤٠) يس (٤١) الفرقان (٤٢) الملائكة (فاطر) (٤٣) مريم (٤٤) طه (٤٥) الواقعة (٤٦) الشعراء (٤٧) النمل (٤٨) القصص (٤٩) بني إسرائيل (٥٠) يونس (٥١) هود (٥٢) يوسف (٥٣) الحجر (٥٤) الأنعام (٥٥) الصافات (٥٦) لقمان (٥٧) سبإ (٥٨) الزمر (٥٩) المؤمنون (٦٠) السجدة (٦١) الشورى (٦٢) الزخرف (٦٣) الدخان (٦٤) الجاثية (٦٥) الأحقاف (٦٦) الذاريات (٦٧) الغاشية (٦٨) الكهف (٦٩) النحل (٧٠) نوح (٧١) إبراهيم (٧٢) الأنبياء (٧٣) المؤمنون (٧٤) السجدة (٧٥) الطور (٧٦) تبارك (٧٧) الحاقة (٧٨) المعارج (٧٩) النبأ (٨٠) النازعات (٨١) الانفطار (٨٢) الانشقاق (٨٣) الروم (٨٤) العنكبوت (٨٥) المطفّفين. السور المدنية (٨٦) البقرة (٨٧) الأنفال (٨٨) آل عمران (٨٩) الأحزاب (٩٠) الممتحنة (٩١) النساء (٩٢) الزلزلة (٩٣) الحديد (٩٤) القتال (محمد ﷺ (٩٥) الرعد (٩٦) الرحمن (٩٧) الإنسان (٩٨) الطلاق (٩٩) البيّنة (١٠٠) الحشر (١٠١) النصر (١٠٢) النور (١٠٣) الحج (١٠٤) المنافقون (١٠٥) المجادلة (١٠٦) الحجرات (١٠٧) التحريم (١٠٨) الجمعة (١٠٩) التغابن (١١٠) الصف (١١١) الفتح (١١٢) المائدة (١١٣) براءة. وفي «الفتوحات»: بعد ما ذكر السور التي نزلت بمكة ما

стр. 101

نصه: واختلفوا في آخر ما نزل بمكة فقال ابن عباس: العنكبوت، وقال الضحّاك، وعطاء: (المؤمنون)، وقال مجاهد: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ فهذا ترتيب ما نزل بمكة، فذلك ثلاث وثمانون سورة على ما استقرت عليه روايات الثقات. وأما ما نزل بالمدينة، فأولها: البقرة ثم الأنفال ... إلخ، إلى أن قال، ثم التوبة ثم المائدة. ومنهم من يقدم المائدة على التوبة فهذا ترتيب ما نزل من القرآن بالمدينة. وأمّا الفاتحة: فقيل نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة، واختلفوا في سور قليلة، فقيل: نزلت بمكة، وقيل نزلت بالمدينة، وسنذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. اه. «خازن». أما ترتيب المصحف، فقال السيوطي: الإجماع، والنصوص على أنّ ترتيب الآيات توقيفيّ لا شبهة في ذلك، وذلك أن رسول الله ﷺ : كان يدل على مكان كل آية في سورتها، ويؤيد هذا الرأي، قول عثمان بن العاص: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ ، إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: «أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ...﴾ إلى آخرها. وقد التزم عثمان في تدوين المصحف، ما علم أنه رأي رسول الله ﷺ في ترتيب الآيات. وأمّا ترتيب السور: فهو متروك لاجتهاد المسلمين، ولكنا نثبت رواية عن ابن عباس. روى ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما

стр. 102

حملكم إلى أن عدتم الأنفال وهي من المثاني إلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾، ووضعتموها في السبع الطوال؟! فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد، فكان إذا أنزل عليه الشيء، دعا بعض من كان يكتب، فيقول: «ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ ووضعتها في السبع الطوال. اه. وفي «القرطبي»: وقال قوم من أهل العلم: إنّ تأليف سور القرآن على ما هو عليه الآن في مصحفنا، كان عن توقيف من النبي ﷺ ، وأمّا ما روي من اختلاف مصحف أبيّ، وعليّ، وعبد الله؛ فإنّما كان قبل العرض الأخير، وأنّ رسول الله ﷺ رتّب لهم تأليف السور، بعد أن لم يكن فعل ذلك. روى يونس، عن ابن وهب قال: سمعت مالكا يقول: (إنّما ألّف القرآن على ما كانوا يسمعونه من رسول الله ﷺ . وذكر أبو بكر الأنباري: في كتاب «الرد»: أن الله تعالى أنزل القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم فرّق على النبي ﷺ في عشرين سنة، وكانت السورة تنزل؛ في أمر يحدث، والآية؛ جوابا لمستخبر يسأل، ويوقف جبريل النبي صلّى الله عليه وسلم

стр. 103

على موضع السورة، والآية، فاتساق السور، كاتساق الآيات، والحروف، فكله كان من محمد ﷺ خاتم النبيين، عن رب العالمين. فمن أخّر سورة مقدّمة، أو قدّم أخرى مؤخّرة، فهو كمن أفسد نظم الآيات، وغيّر الحروف والكلمات، ولا حجة على أهل الحق في تقديم البقرة على الأنعام، والأنعام قد نزلت قبل البقرة؛ لأن رسول الله ﷺ أخذ عنه هذا الترتيب، وهو كان يقول: «ضعوا هذه السورة موضع كذا وكذا من القرآن»، وكان جبريل ﵇ يقفه على مكان الآيات. والحقّ: أن ترتيب السور، والآيات، والحروف على ما هو في المصحف الآن، كان من ربّ العالمين، بتعليم جبريل ﵇، لمحمد ﷺ . حدثنا حسن بن الحباب، حدثنا أبو هشام، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: (آخر ما نزل من القرآن): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾. وقال أبو بكر بن عياش: وأخطأ أبو إسحاق؛ لأنّ محمد بن السائب، حدثنا عن أبي السائب، عن ابن عباس قال: (آخر ما نزل من القرآن: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾، فقال جبريل للنبي ﷺ : يا محمد! ضعها في رأس ثمانين ومائتين من البقرة. قال أبو الحسن بن بطال: ومن قال بهذا القول، لا يقول: إن تلاوة القرآن في الصلاة، والدرس، يجب أن

стр. 104

تكون مرتبة على حسب الترتيب الموقف عليه في الصلاة، وفي قراءة القرآن، ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج قبل الكهف، ألا ترى قول عائشة ﵂ للذي سألها: (لا يضرك آية قرأت قبل، وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في ركعة أخرى بغير السورة التي تليها). وأمّا ما روي عن ابن مسعود، وابن عمر، أنّهما كرها أن يقرأ القرآن منكوسا، وقالا: ذلك منكوس القلب؛ فإنّما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة، ويبدأ من آخرها إلى أوّلها؛ لأنّ ذلك حرام محظور، ومن الناس من يتعاطى هذا في القرآن، والشعر، ليذلّل لسانه بذلك، ويقدر على الحفظ، وهذا حظره الله، ومنعه في القرآن؛ لأنّه إفساد لسوره، ومخالفة لما قصد بها من الإعجاز، ومما يدل على أنّه لا يجب إثباته في المصاحف على تاريخ نزوله؛ ما صح، وثبت: أن الآيات كانت تنزل بالمدينة، فتوضع في السورة المكية، ألا ترى قول عائشة ﵂ (وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده ﷺ . تعني: بالمدينة، وقد قدمتا في المصحف على ما نزل قبلها من القرآن بمكة، ولو ألّفوه على تاريخ النزول، لوجب أن ينتقض آيات السور، وقد قدمنا لك بيان جملة ما نزل بمكة، وجملة ما نزل بالمدينة. قال أبو بكر: فمن عمل على ترك الأثر، والإعراض عن الإجماع، ونظم السور على منازلها بمكة، والمدينة، لم يدر أين

стр. 105

تقع الفاتحة لاختلاف الناس في موضع نزولها، ويضطر إلى تأخير الآية التي في رأس خمس وثلاثين ومائتين من البقرة، إلى رأس الأربعين، ومن أفسد نظم القرآن، فقد كفر به، ورد على محمد ﷺ ما حكاه عن ربه . وقد قيل: إنّ علة تقديم المدني على المكي؛ هو أنّ الله تعالى، خاطب العرب بلغتها، وما يعرف من أفانين خطابها، ومحاورتها، فلما كان فنّ من كلامهم مبنيا على تقديم المؤخر، وتأخير المقدّم، خوطبوا بهذا المعنى في كتاب الله تعالى، الذي لو فقدوا من القرآن لقالوا: ما باله عرى من هذا الباب الموجود في كلامنا المستحلى من نظامنا. والله أعلم * * *

стр. 106

الفصل السادس عشر في عدد آي القرآن، وكلماته، وحروفه وأمّا عدد آي القرآن في المدني الأوّل: فقال محمد بن عيسى: جميع عدد آي القرآن في المدنيّ الأول: ستة آلاف. قال أبو عمرو: وهو العدد الذي رواه أهل الكوفة عن أهل المدينة، ولم يسمّوا في ذلك أحدا يسندونه إليه. وأمّا المدنيّ الأخير: فهو في قول إسماعيل بن جعفر: ستة آلاف آية، ومائتا آية، وأربع عشرة آية. وقال الفضل: عدد آي القرآن في قول المكيّين ستة آلاف آية، ومائتان وتسع عشرة آية. وقال محمد بن عيسى: وجميع عدد آي القرآن في قول الكوفيين: ستة آلاف آية ومئتا آية، وستّ وثلاثون آية. وهو العدد الذي رواه مسلم، والكسائي، عن حمزة، وأسنده الكسائي إلى عليّ ﵁. قال محمد: وجميع آي القرآن في عدد البصريين: ستّة آلاف ومائتا آية، وأربع آيات، وهو العدد الذي مضى عليه سلفهم حتى الآن. وأمّا عدد أهل الشام: فقال يحيى بن الحارث الذّمّاريّ: ستة آلاف، ومائتان، وست وعشرون آية، وفي رواية: ستة آلاف، ومائتان، وخمس وعشرون. نقص آية. قال ابن ذكوان: فظننت أن يحيى لم يعد: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ قال أبو عمرو: فهذه الأعداد التي يتداولها الناس تأليفا، ويعدون بها في سائر الآفاق قديما،

стр. 107

وحديثا. وأمّا كلماته: فقال الفضل بن شاذان: جميع كلمات القرآن في قول عطاء بن يسار: سبعة وسبعون ألفا، وأربعمائة، وثلاثون كلمة، وأمّا حروفه: فأربعمائة ألف، وثلاثة وعشرون ألفا، وخمسة عشر حرفا، وهذا يخالف ما ذكر عن الحمّاني فيما سيأتي، من أنّ جميع حروف القرآن: ثلاثمائة ألف حرف، وأربعون ألف حرف، وسبعمائة حرف، وأربعون حرفا. وقال عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: هذا ما أحصينا من القرآن وهو: ثلاثمائة ألف حرف، وأحد وعشرون ألف حرف، ومائة وثمانون حرفا، وهذا أيضا يخالف ما ذكر، عن الحماني في عدّ حروفه. والله أعلم * * *

стр. 108

الفصل السابع عشر في أجزائه، وأحزابه، وأرباعه، وأنصافه، وأثلاثه، وأسباعه روي: أنّ القرّاء، لما قسّموا القرآن في زمن الحجّاج إلى ثلاثين جزءا، قسموه أيضا إلى نصفين، فقال لهم الحجّاج: أخبروني إلى أيّ حرف ينتهي نصف القرآن؟ فإذا هو في الكهف ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ في الفاء. قال فأخبروني بأثلاثه؟ فإذا الثلث الأول: رأس مائة من براءة والثلث الثاني: رأس مائة وإحدى وعشرين من ﴿طسم (١)﴾ الشعراء، والثلث الثالث: ما بقي من القرآن. قال فأخبروني بأسباعه على الحروف؟ فإذا أول سبع: في النساء ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ﴾ في الدال، والسبع الثاني: في الأعراف ﴿فَأُولئِكَ حَبِطَتْ﴾ في التاء، والسبع الثالث في الرعد ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ في الألف من آخر أكلها، والسبع الرابع في الحج ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا﴾ في الألف، والسبع الخامس: في الأحزاب ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ في الهاء، والسبع السادس: في الفتح ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ في الواو، والسبع السابع: ما بقي من القرآن. قال سلام، أبو محمد الحماني: أمرني الحجاجّ بهذه التقسيمات، فعملناها في أربعة أشهر، وكان الحجاج يقرأ كل ليلة

стр. 109

ربعا؛ فأول ربعه: خاتمة الأنعام، والربع الثاني: في الكهف ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ والربع الثالث: خاتمة الزمر، والربع الرابع: ما بقي من القرآن، وفي هذه الجملة خلاف مذكور في كتاب «البيان» لأبي عمرو الداني، من أراد الوقوف عليه وجده هناك. وعن السلف الصالحين. من ختم القرآن على هذا الترتيب الذي نذكره، ثم دعا تقبل حاجته، وهو الترتيب الذي كان يفعله عثمان ﵁ يقرأ يوم الجمعة من أوله إلى سورة الأنعام، ويوم السبت من سورة الأنعام إلى سورة يونس، ويوم الأحد من سورة يونس إلى سورة طه، ويوم الاثنين من سورة طه إلى سورة العنكبوت، ويوم الثلاثاء من سورة العنكبوت إلى سورة الزمر، ويوم الأربعاء من سورة الزمر إلى سورة الواقعة، ويوم الخميس من سورة الواقعة إلى آخر القرآن. وقيل: أحزاب القرآن سبعة: الحزب الأوّل: ثلاث سور. والثاني: خمس سور. والثالث: سبع سور. والرابع: تسع سور. والخامس: إحدى عشرة سورة. والسادس: ثلاث عشرة سورة. والسابع: المفصّل من ق. وفي «فتح الرحمن»: وأحزاب

стр. 110

القرآن ستون حزبا. وعلى هذا الحزب نصف الجزء، وعلى هذا العمل الآن في المصاحف. والله أعلم * * *
следующие страницы →