← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7806–7845 · переход к 7811.

стр. 7806

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الثامن عشر»

стр. 7807

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 7808

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٨]

стр. 7809

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7810

شعرٌ بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِيْ ... وَمَنْ طَلَبَ الْعُلاَ سَهِرَ اللَّيَالِيْ تَرُوْمُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً ... يغُوْصُ الْبَحْرَ مَنْ طَلَبَ الَّلألِيْ عُلُوُّ الْكَعْبِ بِالْهِمَمِ الْعَوَالِيْ ... وَعِزُّ الْمَرْءِ فِيْ سَهَرِ اللَّيَالِيْ وَمَنْ رَامَ الْعُلاَ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ ... أَضَاعَ الْعُمْرَ فِيْ طَلَبِ الْمُحَالِ تَرَكْتُ النَّوْمَ رَبِّيْ فِيْ اللَّيَالِيْ ... لأَجْلِ رِضَاكَ يَا مَوْلَى الْمَوَالِيْ فَوَفِّقْنِيْ إِلَى تَحْصِيْلِ عِلْمٍ ... وَبَلِّغْنِيْ إِلَى أَقْصَى الْمَعَالِيْ

стр. 7811

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمدك يا إلهنا حمد من أقر بربوبيتك؛ واعترف بوحدانيتك، وصدق بكتابك، واقتدى بمحكمه، وآمن بمتشابهه، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله، سيّدُ الأولين والآخرين، من أنزلت عليه الكتاب المستبين، والقرآن المبين، وصلّ وسلّم عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأتباعهم إلى يوم الدين. أما بعد: فإني لما فرغت من تفسير الجزء السادس عشر من القرآن الكريم .. أخذت - بعون الله - في تفسير الجزء السابع عشر منه، راجيًا من الله التوفيق، والهداية فيما نحن بصدده إلى أقوم الطريق، فقلت: سورة الأنبياء مكية، قال القرطبي: عند جميع المفسرين. وعدد (١) آياتها مئة واثنتا عشرة آية، أو إحدى عشرة. وعدد كلماتها ألف كلمةً، ومئة وثمان وستون كلمة. وعدد حروفها أربعة آلاف حرف، وثمان مئة وتسعون حرفًا. فضلها: ومما ورد في فضلها (٢): ما أخرجه البخاري، وغيره عن ابن مسعود ﵁ قال: "بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، والأنبياء، من من العتاق الأول، وهن من تلادي". وأخرج ابن مردويه، وأبو نعيم، في "الحلية"، عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله ﷺ ، فجاءه الرجل، فقال: إني استقطعت رسول الله ﷺ واديًا ما في العرب، وادٍ أفضل منه، وقد

стр. 7812

أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك، ولعقبك من بعدك. فقال عامر: لا حاجة لى في قطعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. وعن النبي ﷺ (١): "من قرأ ﴿اقترب﴾ حاسبه الله حساباً يسيرًا، وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن" ولكن لا أصل له. وسميت بذلك لذكر قصص الأنبياء فيها. الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم: في سورة الأنبياء آيتان منسوختان: أولاهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية (٩٨). وثانيتهما: الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٩٩). وهاتان الآيتان نسختا كلتاهما بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية (١٠١) من سورة الأنبياء، انتهى. المناسبة: ومناسبتها لما قبلها (٢): أن السورة السالفة ختمت بأن الناس قد شغلتهم زهرة الدنيا التي جعلها الله لهم فتنةً، وأن الله نهى رسوله أن يتطلع إليها، وأمره بالصلاة والصبر عليها، وأن العاقبة للمتقين، وبُدئت هذه السورة بمثل ما حنتمت به السالفة، فذكر فيها أن الناس غافلون عن الساعة والحساب، وأنهم إذا سمعوا القرآن استمعوه وهم لاعبون، وقلوبهم لاهية عنه. والله أعلم * * *

стр. 7813

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠) وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾.

стр. 7814

المناسبة مناسبة أول هذه السورة لآخر السابقة قد مرّ بيانها آنفًا. وقال أبو حيَّان (١): مناسبة هذه السورة لما قبلها: أنه لما ذكر في آخر السورة السَّالفة ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾ قال مشركو قريش: محمد يهدّدنا بالمعاد، والجزاء على الأعمال، وليس بصحيح، وإن صحَّ ففيه بعد، فأنزل الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، انتهى. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر فيما سلف إنكارهم لأن يكون الرسول بشرًا بقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أجاب عن هذه الشبهة بأن هذه سنة الله في الرسل قبل محمد ﷺ ، فهو ليس ببدع بينهم، وإن كنتم في ريب من ذلك، فاسألوا أهل الكتاب من قبلكم، ثم ذكر أنَّ الرسل كسائر البشر في سنن الطبيعة البشرية، يأكلون الطعام، ولا يخلدون في الأرض، بل يموتون كما يموت سائر الناس، وقد صدقهم الله وعده فينجيهم، ومن آمن بهم، ويهلك المكذبين لهم، وأعقب ذلك بأن في القرآن عظةً لهم لو كانوا يعقلون ما في تضاعيفه من مواعظ، وزواجر، وأجر ووعد ووعيد. قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنَّ الله لما ذكر (٢) إهلاكه للمسرفين في كفرهم بالله، والعاصين لأوامره، ونواهيه .. بيَّن هنا طريق إهلاكهم، وكثرة ما حدث من ذلك في كثير من الأمم، ثم بيّن أنه أنشأ بعد الهالكين قومًا آخرين، وأنهم حينما أحسوا بأس الله، فرّوا هاربين، فقيل لهم على ضرب من التهكم والسخرية: فلترجعوا إلى ما كنتم فيه من الترف والنعيم، وإلى تلك المساكن المشيّدة، والفرش المنجَّدة، فلعلكم تسألون عما جرى عليكم، ونزل بأموالكم ومنازلكم، فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، ثم بعد أن يئسوا من الخلاص، وأيقنوا

стр. 7815

بالعذاب قالوا: هلاكًا لنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا، مستوجبين العذاب بما قدّمناه، وما زالوا يكرّرون هذه الكلمة، ويردّدونها، وجعلوها هجيراهم، حتى صاروا كالنبات المحصود، والنار الخامدة. قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمّا ذكر (١) مطاعنهم في نبوة محمد ﷺ بتلك المقالات التى سلف ذكرها قفى على ذلك بذكر فساد تلك المطاعن، وبيان أن من أنكر نبوته فقد جعل تلك المعجزات التي ظهرت على يديه من باب العبث واللعب، تنزّه ربنا عن ذلك، فإنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما إلَّا لعبادته، ومعرفته، ومجازاة من قام بهما بالثواب والنعيم، ومن لم يقم بذلك بالعقاب الأليم، ولن يتم علم هذا إلَّا بإنزال الكتب وإرسال الرسل، صلوات الله عليهم، فمنكر الرسالة جاعل خلق السماء والأرض لهوًا ولعبًا، تعالى خالقهما علوًا كبيرًا، ثم أردف هذا بالرد على من ادَّعى أنَّ المسيح ابن الله، وعزير ابن الله، بأنه لو اتخذ ولدًا لاتّخذه من الملائكة، وعقّب على هذا بأن الغلبة للحق دائمًا، مهما طال أمد الباطل، وأن جميع من في السموات والأرض كلهم عبيده، لا يستكبرون عن عبادته، ولا يملّون. قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لمّا (٢) بين في سابق الآيات، أن كثيرًا من الأمم المكذّبة لرسلها قد أبيدت، وأنشىء بعدها أقوام آخرون، وأنهم حين أحسّوا بالبأس، ارعووا وندموا حيث لا ينفع الندم، ثم أردف ذلك ذكر أن من في السموات والأرض عبيده، وأن الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، ولا يكلّون ولا يملون منها .. ذكر هنا أنه كان يجب عليهم أن يبادروا إلى التوحيد، لكنهم لم يفعلوا ذلك بل فعلوا ضدّه، فكانوا جديرين بالتوبيخ، والتعنيف، ثم أقام البرهان على وحدانيته، وأنه لو كان في السموات والأرض إلهان لهلك من فيهما،

стр. 7816

تنزَّه ربنا عما يقول هؤلاء المشركون، وقد كذب من اتخذ آلهة لا دليل عليها، وأن جميع الأديان جاءت بإخلاص التوحيد، كما كذب من جعل له ولدًا، فقال: الملائكة بنات الله. والملائكة خلق مطيعون لربهم، لا يفعلون إلّا ما يؤمرون به، ولا يشفعون إلّا لمن ارتضى، وهم من خوفه حذرون، ومن يقل منهم: إنه إله .. فلا جزاء له إلا جهنم، وهي جزاء كل ظالم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جريج قال: نعي إلى النبي ﷺ نفسه، فقال: "يا رب فمن لأمتي" فنزلت ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿اقْتَرَبَ﴾؛ أي: قرب ودنا ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي للمشركين ﴿حِسَابُهُمْ﴾؛ أي (٢): وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم يوم القيامة، نزلت في منكري البعث؛ أي: قرب (٣) بالنسبة إلى ما مضى، أو عند الله تعالى لقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾، أو لأن كل ما هو آت قريب، وإنما البعيد ما انقرض ومضى، قال الشاعر: فَمَا زَالَ مَنْ يَهْوَاهُ أَقْرَبُ مِنْ غَدِ ... وَمَا زَالَ مَنْ يَخْشَاهُ أَبْعَدُ مِنْ أَمْسِ واللام صلة لـ ﴿اقترب﴾، أو تأكيد للإضافة، وأصله: اقترب حساب الناس، ثم صار اقترب للناس الحساب، ثم صار اقترب للناس حسابهم، وقال في "العيون": اللام بمعنى من، متعلقة بالفعل، وتقديمها على الفاعل للمسارعة

стр. 7817

إلى إدخال الروعة، فإن نسبة الاقتراب إليهم من أول الأمر مما يسوؤهم ويورثهم رهبةً وانزعاجًا من المقترب. وإنما ذكر (١) الله سبحانه هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين، فيكونون أقرب إلى التأهّب له، والمراد بـ ﴿الناس﴾، المحاسبون، وهم المكلَّفون دون غيرهم. وقيل: هم المشركون لتقييدهم بقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وعلى هذا فهو من باب إطلاق اسم الجنس على بعض أفراده. والحساب بمعنى المحاسبة (٢)، وهو إظهار ما للبعيد وما عليه ليجازى على ذلك، والمراد باقتراب حسابهم: اقترابه في ضمن اقتراب الساعة، وسمي يوم القيامة بيوم الحساب، تسمية للزمان بأعظم ما وقع فيه، وأشدّه وقعاً في القلوب، فإن الحساب هو الكاشف عن حال المرء، ومعنى اقترابه لهم تقاربه، ودنوّه منهم بعد بعده عنهم، فإنه في كل ساعة من ساعات الزمان أقرب إليهم من الساعة السابقة، ما أن ما مضى أكثر مما بقي، وفي الحديث: "أمّا بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس" وإنما لم يعيّن الوقت؛ لأن كتمانه أصلح كوقت الموت. والمعنى (٣): دنا من مشركي قريش وقت محاسبة الله إياهم على أعمالهم السيئة، الموجبة للعقاب يوم القيامة، ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾؛ أي: والحال أنهم في غفلة تامة من الحساب على النقير والقطمير، والتأهّب له، ساهون عنه بالكلية، لا أنهم غير مبالين مع اعترافهم بإتيانه، بل منكرون له، كافرون به مع اقتضاء عقولهم له؛ لأن الأعمال لا بد لها من الجزاء، وإلّا لزم التسوية بين المطيع، والعاصي وهي بعيدة عن مقتضى الحكمة والعدالة ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن الإيمان والآيات، والنذر المنبّهة لهم من سنة الغفلة. وهما خبران للضمير، وحيث كانت الغفلة أمرًا جبليًا لهم، جعل الخبر الأول ظرفا منبئًا عن الاستقرار بخلاف الأعراض. والجملة حال من ﴿الناس﴾،

стр. 7818

ويجوز أن يكون الظرف حالًا من المستكن في ﴿مُعْرِضُونَ﴾. وعبارة الشوكاني هنا: وهم في غفلة بالدنيا، معرضون عن الآخرة، غير متأهبين بما يجب عليهم من الإيمان بالله، والقيام بفرائضه، والانزجار عن مناهيه، انتهت. وحاصل المعنى: أي (١) دنا حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم، وعلى النِّعَم التي أنعمها عليهم ربهم في أجسامهم، وعقولهم، ومطاعمهم ومشاربهم، ماذا عملوا فيها؟ هل أطاعوه فيها، فانتهوا إلى أمره ونهيه، أو عصوه فخالفوا أمره فيها، وهم في هذه الحياة في غفلة عما يفعل الله بهم يوم القيامة، ومن ثمّ تركوا الفكر والاستعداد لهذا اليوم، والتأهُّب له جهلًا منهم بما هم لاقوه حينئذٍ من عظيم البلاء، وشديد الأهوال، وآثر بيان اقتراب هذا اليوم مع أن الكلام مع المشركين المنكرين للبعث للإشارة إلى أن البعث لا ريب فيه، وأن الذي يرجى بيانه ذكر ما يستتبعه من الأحوال والأهوال كالحساب الموجب للاضطراب على وجه أكيد، ونهج سديد. وخلاصة ذلك: أنه قد دنا وقت الساعة، وهم غافلون عن حسابهم، ساهون، لا يتفكرون في عاقبتهم، مع أن قضية العقل تقضي بجزاء المحسن والمسيء، وإذا هم نبهوا من غفلتهم بما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا، وسدوا أسماعهم عن سماعه، ٢ - ثم ذكر ما يدل على غفلتهم، وإعراضهم بقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾؛ أي: ما يأتي هؤلاء المشركين ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ ينبّههم عن سِنة الغفلة والضلالة، أي: (٢) طائفة نازلة من القرآن تذكرهم الحساب أكمل تذكير، وتنّبههم عن الغفلة أتم تنبيه، كأنها نفس الذكر والعظة ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ﴿من﴾ لابتداء الغاية، متعلقة بـ ﴿يَأْتِيهِمْ﴾، أو صفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾ وفيه دلالة على فضله وشرفه، وكمال شناعة ما فعلوا به ﴿مُحْدَثٍ﴾ بالجر صفة لـ ﴿ذِكْرٍ﴾؛ أي: متجدد تنزيله بحسب اقتضاء الحكمة، ليكرر على أسماعهم التنبيه، كي يتعظوا، فالمحدث (٣) هو تنزيله في كل وقت على حسب المصالح، وقدر الحاجة، لا الكلام الذي هو صفة

стр. 7819

قديمة أزلية، وأيضًا الموصوف بالإتيان وبأنه ذكر هو المركب من الحروف والأصوات، وحدوثه مما لا نزاع فيه. قلت: والأسلم الإمساك عن القول بحدوث القرآن وقدمه، وتفويض علم ذلك إلى الله سبحانه، فإنه لم يسمع من النبي ﷺ ، ولا من السلف الصالح من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم شيء من الكلام في ذلك. قالوا: القرآن اسم مشترك يطلق على الكلام الأزلي الذي هو صفة الله، وهو الكلام النفسي القديم، من قال بحدوثه كفر. ويطلق أيضًا على ما يدل عليه وهو النظم المتلو الحادث، من قال بقدمه سجّل على كمال جهله. وقيل: الذكر المحدث ما قاله النبي ﷺ ، وبيّنه من السنن والمواعظ سوى ما في القرآن وأضافه إليه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ قاله في "الخازن". وقرأ الجمهور (١): ﴿مُحْدَثٍ﴾ بالجر صفة لـ ﴿ذكر﴾ على اللفظ. وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع، صفة لـ ﴿ذكر﴾ على المحل. وقرأ زيد بن علي بالنصب، على الحال من ذكر، إذ قد وصف بقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾. ﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ﴾ من النبي ﵇ أو غيره ممن يتلوه. استثناء مفرغ محله النصب على أنه حال من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ بإضمار قد. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: يستهزئون به، ويستسخرون منه لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب. وجملة ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ في محل نصب على الحال أيضًا من فاعل ﴿اسْتَمَعُوهُ﴾. يقال: لعب إذا كان فعل فعلًا غير قاصد به مقصدًا صحيحًا. ٣ - ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حال أخرى؛ أي ساهيةً معرضةً غافلةً قلوبهم عن ذكر الله تعالى. يقال: لها عنه إذا ذهل وغفل. قال الراغب: اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه، يقال: لهوت بكذا, ولهيت بكذا، اشتغلت عنه، يلهو وألهاه عن كذا شغله عما هو أهم. وقرأ ابن أبي عبلة، وعيسى ﴿لَاهِيَةً﴾ بالرفع على

стр. 7820

أنه خبر لقوله: ﴿وهم﴾ والمعنى (١): ما يأتيهم ذكر من ربهم، مُحْدَثٍ في حال من الأحوال إلا حال استماعهم إياه، لاعبينَ مستهزئينَ به لاهين متشاغلينَ عن التأمل فيه، لتناهي غفلتهم، وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور، والتفكر في العواقب. قدم اللعب على اللهو تنبيهًا على أنهم إنما أقدموا على اللعب، لذهولهم عن الحق، فاللعب الذي هو السخرية والاستهزاء نتيجة اللهو، الذي هو الغفلة عن الحق، والذهول عن التفكر. قال بعضهم: القلب اللاهي: هو المشغول بأحوال الدنيا، والغافل عن أحوال العقبى. قال الواسطي: لاَهِيةً عن المصادر والموارد، والمبدأ والمنتهى. وقصارى ذلك: أنه (٢) ما ينزل الله من قرآن ويذكرهم به إلَّا استمعوه وهم لاهون لاعبون مستهزئون. والخلاصة: أنه ما جدد لهم الذكر وقتًا فوقتا، وكررَّ على أسماعهم التنبيه، والموعظة لعلهم يتعظون، إلا زادَهم ذلك سخرية واستهزاء، وفي هذا ذم لأولئك الكفار، وزَجْر لغيرهم عن مثله، فالانتفاع بما يُسْمَعُ لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر، وإلا حصل مجرد إلاستماع الذي تشارك البهيمة فيه الإنسان. وبعد أن ذكر ما يُظْهِرَونَه حين الاستماع من اللهو واللعب، ذَكَرَ ما يخفونه بقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أي: وأمر هؤلاء الذين اقْتَرَبَتِ الساعة منهم، وهم في غفلتهم معرضون التناجي بينهم، وأخفوه عن سواهم. والنجوى في الأصل: مصدر، ثم جُعِلَ اسمًا من التناجي بمعنى القول الواقع بطريق المسارة؛ أي: السر بين اثنين فصاعدًا. يقال: تناجى القوم إذا تساروا، وتكالموا سرًا عن غيرهم. ومعنى (٣) إسرارها مع أنها لا تكون إلا سرًا أنهم بالغوا في إخفائها. وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على أنفسهم بالشرك، والمعصية. بدل (٤) واو ﴿أسروا﴾ للإيماء بأنهم ظلموا فيما أسروا به. أو فاعل له والواو علامة الجمع، أو مبتدأ، والجملة المتقدمة خبره، وأصله: وهؤلاء الغافلون أسروا النجوى، فوضع

стр. 7821

الموصول موضعه تسجيلًا على فعلهم بأنه ظُلْمٌ. أو منصوب على الذم. ثم بَيَّن ما تَنَاجَوا بِهِ فقال: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ والاستفهام فيه إنكاري، بمعنى النفي، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأنه قيل: فماذا قالوا في نجواهم؟ فقيل: قالوا: ﴿هَلْ هَذَا﴾؛ أي: ما هذا الرجل محمد ﴿إِلَّا بَشَرٌ﴾؛ أي (١): دم ولحم مساوٍ لكم في المأكل والمشرب وكل ما يحتاج إليه البشر، والمود مقصور على البشرية، ليس له وصف الرسالة التي يدعيها، والبَشْرُ ظاهرُ الجلد، والأدمة باطنه، عبر عن الإنسان بالبشر اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف، والشعر والوبر. واستوى في لفظ البشر الواحدُ والجمعُ. وخص في القرآن كل موضع عبر عن الإنسان جثته، وظاهره بلفظ البشر. والمعنى (٢): أي قالوا في تناجيهم متعجبين من دعواه النبوة: هل هذا الذي أتاكم بهذا الذكر إلا بشر مثلكم، في خلقه وأخلاقه، يأكل كما تأكلون، ويشرب كما تشربون، ويموت كما تموتون، فكيف يختص دونكم بالرسالة؟ والهمزة في قوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْر﴾ للاستفهام الإنكاري الابتعادي، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف. وجملة ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ حال من فاعل ﴿تأتون﴾، مقرّرة للإنكار، ومؤكدة الابتعاد؛ أي (٣) ما هذا الرجل الذي يدّعي النبوة إلّا من جنسكم، وما أتى به - يعنون القرآن - سحر، أتعلمون ذلك فتأتونه، وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول، وأنتم تبصرون، وتعاينون أنه سحر، قالوا ذلك لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلّا ملكًا، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحرِ؛ أي: الخداع والتخيلات التي لا حقيقة لها. وخلاصة ذلك: أنهم طعنوا في نبوته بأمرين: ١ - أن الرسول لا يكون إلّا ملكًا. ٢ - أنَّ الذي يظهر على يديه من قبيل السحر. وذلك فاسد إذ حجة النبوة تعرف من المعجزة، لا من الصورة، ولو بعث الملك إليهم .. لم يعلموا نبوته

стр. 7822

بصورته، بل بالمعجزة، فإذا ظهر على يد بشر وجب قبوله. وإنما أسرّوا ذلك لأنه كالتشاور بينهم والتحاور لطلب الطريق الموصل إلى هدم دينه، وإطفاء نور النبوة، وقد جرت عادة المتشاورين في خطب عظيم أن لا يشركوا أعداءهم في مشورتهم، بل يجتهدون في طيّ سرّهم عنهم مَّا استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، كما جاء في أمثالهم: (استعينوا في قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود) ٤ - فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على ما تناجوا به، وأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم، فقال: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ سرًّا كان أو جهرًا حال كون ذلك القول ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فضلًا عما أسرّوا به، وإذا علم القول علم الفعل؛ أي: قل لهم أيها الرسول: إنكم، وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فيَّ فإن ربكم عليم بذلك، وإنه معاقبكم عليه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لجميع المسموعات ﴿الْعَلِيمُ﴾ بجميع المعلومات؛ أي: المبالغ في العلم بالمسموعات، والمعلومات التي من جملتها ما أسرّوه من النجوى، فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم. وفي هذا من التهديد، والوعيد، ما لا يخفى، وإنما آثر كلمة ﴿الْقَوْلَ﴾ التي تعمّ السرّ والجهر دون كلمة (السرّ) التي تقدمت في الكلام للإيذان بأن علمه تعالى بالأمرين على وتيرة واحدة، لا تفاوت فيه بالجلاء والخفاء كما في علوم العباد. وخلاصة ذلك (١): أنه يعلم هذا الضرب من الكلام، وأعلى منه، وأدنى منه، وفي هذا مبالغة في علمه تعالى بكل ما يمكن أن يسمع أو يعلم. وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، وأيوب، وخلف، وابن سعدان، وابن جبير الأنطاكي، وابن جرير (٢): ﴿قَالَ رَبِّي﴾ على معنى الخبر عن نبيّه ﷺ ، وكذا في مصاحف الكوفيين. وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: ﴿قل ربي﴾ على الأمر لنبيّه ﷺ . ٥ - ولمّا ذكر عنهم أنهم قالوا: إنَّ ما أتى به سحر، ذكر

стр. 7823

اضطرابهم في مقالاتهم، فذكر أنهم أضربوا عن نسبة السحر إليه بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾؛ أي: ما أتى به أباطيل منامات لا يصحّ تأويلها لاختلاطها. والأضغاث (١): جمع ضغث بالكسر، والضغث قبضة من حشيش مختلطة الرطب باليابس. وأضغاث أحلام: رؤيا لا يصح تأويلها, لاختلاطها كما في "القاموس". والأحلام جمع حلم، والحلم بضم الحاء وسكون اللام الرؤيا. وضم اللام أيضًا لغة فيه، فالأحلام بمعنى المنامات، سواء كانت باطلة أو حقةً. وأضيفت الأضغاث بمعنى الأباطيل إليها، على طريق إضافة الخاص إلى العام إضافة بمعنى من، وقد تخص الرؤيا بالمنام الحق، والحلم بالمنام الباطل كما في قوله ﷺ : "الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان". ثم إن هذا إضرابٌ من جهته تعالى، وانتقال من حكاية قول إلى آخر؛ أي: لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه ﵇: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، وفي حق ما ظهر على يده من القرآن إنه سحر، بل قالوا: تخاليط أحلام؛ أي: أخلاط أحلام كاذبة، رآها في المنام ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾؛ أي: بل قالوا: افتراه، واختلقه من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل أو شبهة أصل. ثم حكى سبحانه عنهم أنهم أضربوا عن هذا، وقالوا: ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ وما أتى به شعر يخيّل إلى السامع معاني لا حقيقة لها. أي: بل قال بعضهم: أخلاط أحلام قد رآها في النوم. وقال آخرون: بل اختلقه من تلقاء نفسه، ونسبه إلى الله تعالى. وقال قوم: بل هو شاعر، وما أتى به شعر. وخلاصة ذلك (٢)؛ أنهم ما صدقوا بحكمة هذا القرآن، ولا أقروا أنه من عند الله، ولا أنه وحي أوحاه الله إليه، بل قالوا هذه المقالات. وفي هذا الاضطراب منهم (٣)، والتلوّن والتردد، أعظم دليل على أنهم

стр. 7824

جاهلون بحقيقة ما جاء به، لا يدرون ما هو، ولا يعرفون كنهه، أو كانوا قد علموا أنه حق، وأنه من عند الله، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر، ويرموه بكل حجر ومدر، وهذا شأن من غلبته الحجة، وقهره البرهان. وقد ذكرت (١) هذه المقالات على هذا الوضع إشارة إلى ترقيها في الفساد، فإن كونها سحرًا أقرب من كونها أضغاث أحلام، قد يقال: "إن من البيان لسحرا" بخلاف تخاليط الكلام التي لا تضبط، ولا شبه لها بهذا النظم البديع، وادعاء كونها مفترياتٍ أبعد وأبعد؛ لأنه ﵊ قد شهر بالأمانة والصدق، إلى أنهم أعرف الناس بالفرق بين المنظوم والمنثور, وبين ما يساق له الشعر وما سيق له هذا الكلام، إلى أنهم يعلمون من مخالطته مدى أربعين سنة أنه لا يسهل له الشعر وإن أراده. وفي "روح البيان": قوله تعالى حكاية عن الكفار: ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ كثير من المفسرين (٢) حملوه على أنهم رموه بكونه آتيًا بشعر منظوم مقفى، حتى تأوّلوا عليه ما جاء في القرآن من كل لفظةٍ تشبه الموزون من نحو قوله: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، وقال بعض المحققين: لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به، وذلك أنه ظاهر من هذا الكلام أنه ليس على أساليب الشعر، ولا يخفى ذلك على الأغنام من العجم، فضلًا عن بلغاء العرب، وإنما رموه بالكذب، فإن الشعر يعبّر به عن الكذب، والشاعر الكاذب حتى سمّوا الأدلة الكاذبة بالشعر، ولكون الشعر مقرُّ الكذب قيل: أحسن الشعر أكذبه. فالمراد بقولهم: إنه شاعر: القدرة على إنشاء الكلام الموزون، وليس من مقتضاها التكلم. ثم بعدما قدحوا في القرآن، طلبوا آيةً أخرى غيره فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ﴾ وهذا جواب شرط مقدر يدل عليه السياق، تقديره: إن لم يكن كما قلنا، بل كان

стр. 7825

رسولًا من الله، فليأتنا بآية جليلة ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ أي مثل الآية التي أرسل بها الأولون، كاليد، والعصا، وإحياء الموتى، والناقة، ونظائرها حتى نؤمن به، فـ ﴿ما﴾ موصولة، وعائدها محذوف، ومحل الكاف الجرّ على أنها صفة لآية. ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف؛ أي: إتيانًا مثل إرسال الأولين. والمعنى: أي (١) إن كان صادقًا في أن الله تعالى بعثه رسولًا إلينا، وأن الذي يتلوه وحي أوحاه الله إليه .. فليأتنا بحجة تدل على ما يقول ويدعي كما جاء به الرسل الأولون من قبله، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، والأبرص، وناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل، وفي التعبير بقولهم: ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ بيان كونها آيات مسلَّمات تثبت الرسالة بمثلها، ويترتب عليها المقصود، وليس لأحد أن ينازع فيها. ٦ - ثم كذبهم سبحانه فيما تضمنته خاتمة مقالهم من الوعد بالإيمان حين إتيان الآية المقترحة، وبين أن في ترك إجابتهم عما طلبوا إبقاء عليه، فإنهم لو أوتوها، ولم يؤمنوا بها لاستؤصلوا بالعذاب كما هي سنة الله في الأمم السالفة إذا كذبت رسلها بعد إتيانهم بما اقترحوا, ولكن قد سبقت كلمة الله أن مشركي هذه الأمة لا يعذبون بعذاب الاستئصال فقال: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل مشركي مكة ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: أهل قرية اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس، وهو في محل الرفع على الفاعلية. و ﴿من﴾ مزيدة لتأكيد العموم ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾؛ أي: بإهلاك أهلها لعدم إيمانهم بعد مجيء ما اقترحوه من الآيات. صفة قرية. والهمزة في قوله: ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري (٢)، لإنكار الوقوع داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: إنه لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات أفهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سئلوا، وأعطوا ما اقترحوا، مع كونهم أعتى منهم وأطغى، كما

стр. 7826

قال تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ يعني أن كفاركم مثل أولئك الكفار المعدودين قوم نوح، وهود، وصالح، ولوط، وآل فرعون، فهم في اقتراح تلك الآيات كالباحث عن حتفه بظلفه، قال حسّان بن ثابت ﵁: وَلاَ تَكُ كَالشَّاةِ الَّتِيْ كَانَ حَتْفُهَا ... بِحَفْرِ ذِرَاعَيْهَا فَلَمْ تَرْضَ مَحْفَرا وأصله: أن رجلًا وجد شاة، وأراد ذبحها فلم يظفر بسكين، وكانت مربوطةً، فلم تزل تبحث برجليها حتى أبرزت سكينًا كانت مدفونة، فذبحها بها، يضرب في مادة تودي صاحبها إلى التلف، وما يورط الرجل فيه نفسه. وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للترحم بهم، إذ لو أتي به لم يؤمنوا، واستوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم، وقد سلف وعده تعالى في حق هذه الأمة أن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة. ومعنى الآية؛ أي: إنَّ هؤلاء أشد عتوًا من الذين اقترحوا على أنبيائهم الآيات، ووعدوا أنهم يؤمنون حين مجيئها، فلما جاءتهم نكثوا العهد، وخالفوا، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلو أعطوا ما اقترحوا ... لكانوا أشد نكثاً، فينزل بهم عذاب الاستئصال، وقد سبقت كلمة ربك أنه يؤخر عذابهم إلى اليوم المعلوم. قال قتادة: قال أهل مكة للنبي ﷺ : إذا كان ما تقوله حقًا، ويسرُّك أن نؤمن فحول لنا الصفا ذهبًا، فأتاه جبريل فقال: إن شئت .. كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا، وإن شئت استأنيت بقومك؟ قال: "بل أستأني بقومي" فأنزل الله ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ الآية كما سبق في مبحث الأسباب. ٧ - ثم أجاب سبحانه عن قولهم: هل هذا إلّا بشر مثلكم بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ أيها الرسول رسولًا إلى أمة من الأمم التي خلت من قبلك ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ أمثالهم ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ما نريد من أمرنا ونهينا، لا ملكا نوحي إليهم بوساطة الناموس ما نوحي من الشرائع والأحكام، والقصص والأخبار، فما بالهم لا يفهمون أنك لست بدعًا من الرسل.

стр. 7827

والمعنى: أي (١) وما أرسلنا إلى الأمم قبل إرسالك إلى أمتك إلَّا رجالًا مخصوصين من أفراد الجنس مستأهلين للاصطفاء والإرسال، نوحي إليهم بواسطة الملك ما نوحي من الشرائع والأحكام، وغيرهما من القصص والأخبار، كما نوحي إليك من غير فرق بينهما في حقيقة الوحي، وحقيقة مدلوله، كما لا فرق بينه وبينهم في البشرية، فما لهم لا يفهمون أنك لست بدعًا من الرسل، وأن ما أوحي إليك ليس مخالفًا لما أوحي إليهم، فيقولون ما يقولون. وجاء بمعنى الآية قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾، وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾، وقوله: حكاية عمن تقدم من الأمم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾. وقرأ حفص، وحمزة، والكسائي ﴿نُوحِي﴾ بالنون وكسر الحاء. وقرأ الجمهور ﴿يوحى﴾ بالياء التحتية مبنيًا للمفعول. ثم أمرهم سبحانه أن يسألوا في ذلك أهل الكتاب من اليهود والنصارى تبكيتاً لهم، وإزالةً لما علق بأذهانهم من الاستبعاد، بعد أن بيَّن لهم وجه الحق فقال: ﴿فَاسْأَلُوا﴾ أيها الكفرة الجهلة ﴿أَهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أي: أهل الكتاب ممن يؤمن بالتورة، والإنجيل، الواقفين على أحوال الرسل السالفة لتزول شبهتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الحق؛ أي: أن الرسل بشر، ولا يتبيّن لكم الصواب، يخبروكم عن ذلك، أمروا بذلك؛ لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم، لا سيما وهم كانوا يشايعون المشركين في عدواته ﷺ ، ويشاورونهم في أمره، وكانوا لا ينكرون كون الرسل بشرًا، وإن أنكروا نبوته ﷺ . روي أنه قيل للإمام الغزالي ﵀: بماذا حصل لكم الإحاطة بالأصول والفروع؟ فتلا هذه الآية، وأشار إلى أن السؤال من أسباب العلم وطرائقه. ٨ - وبعد أن بيّن أنه ﷺ على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلًا، بيّن أنه على سنتهم في سائر الأوصاف التي حكم بها على البشر في معيشتهم وموتهم

стр. 7828

فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلناهم من قبلك إلى الأمم الماضية قبل أمتك ﴿جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾؛ أي: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، بل جعلناهم أجسادا مثلك، يأكلون الطعام، وتعرض لهم أطوار البشر جميعًا من صحة ومرض وسرور وحزن، ونوم ويقظة، والجسد جسم الإنسان والجن والملائكة، وسيأتي الفرق بينه وبين الجسم في مباحث مفردات اللغة. وجملة ﴿لا يأكلون الطعام﴾ صفة لـ ﴿جَسَدًا﴾. والطعام البرّ، وما يؤكل. والطعم تناول الغذاء؛ أي: (١) وما جعلناهم جسدا مستغنياً عن الأكل والشرب، بل محتاجًا إلى ذلك لتحصيل بدل ما يتحلل منه ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾؛ أي: مخلدين لا يموتون، ولا يفنون، ولكنهم غبروا حينًا من الدهر وهم أحياء، ثم طواهم الثرى، وضمّتهم القبور؛ لأن مآل التحلّل هو الفناء لا محالة. وخلاصة ذلك (٢): أنا جعلنا الرسل أجسامًا تتغذى حين الحياة، ثم يصير أمرها إلى الفناء بعد استيفاء آجالها, ولم نجعلهم ملائكة لا يتغذون، وما كانوا مخلدين بأجسادهم، بل يموتون كما مات الناس قبلهم وبعدهم، وإنما امتازوا عن غيرهم من سائر الناس بما يأتيهم عن الله من الوحي والزلفى عنده. والخلود (٣) تبرّىء الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، والمراد إمّا المكث المديد كما هو شأن الملائكة، أو الأبدي وهم معتقدون أنهم لا يموتون. والمعنى: جعلناهم أجسادًا متغذية حائرة بالموت إلى الآخرة على حسب آجالهم لا ملائكة، ولا أجسادًا مستغنيةً عن الأغذية مصونةٌ عن التحلل كالملائكة. ٩ - وجملة قوله: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ معطوفة على جملة محذوفة، يدل عليها

стр. 7829

السياق، والتقدير: إنا أرسلنا رسلاً من البشر، وأوحينا إليهم ما أوحينا، ثم صدقنا وعدنا إياهم؛ أي: أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم، وإهلاك من كذبهم، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ من عبادنا المؤمنين؛ أي: فنصرناهم على المكذبين، وأنجيناهم، هم ومن آمن معهم من العذاب الدنيوي ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾؛ أي: المجاوزين للحد في الكفر والمعاصي، وهم المشركون بالعذاب الدنيوي. ١٠ - وبعد أن حقق رسالته ﷺ ببيان أنه كسائر الرسل الكرام شرع يحقق فضل القرآن الكريم، ويبين نفعه للناس، بعد أن ذكر في صدر السورة إعراض الناس عما يأتيهم من آياته، واضطرابهم في شأنه فقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا معشر قريش، أي: وعزتي وجلالي لقد أنزلنا إلى رسولكم محمد ﷺ ﴿كِتَابًا﴾ عظيم الشأن نبر البرهان، وهو القرآن ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ صفة لـ ﴿كِتَابًا﴾، أي: فيه شرفكم لكونه بلسانكم، أو فيه موعظتكم بذكر الوعد والوعيد لترغبوا، وتحذورا، أو فيه ذكر أمر دينكم بما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق، وفاضل الآداب، وسديد الشرائع، والأحكام مما فيه سعادة البشر في حياتهم الدنيوية والأخروية، وليس بسحر، ولا شعر، ولا أضغاث أحلام، ولا مفترىً كما تدّعون. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي التقريعي. والفاء عاطفة على محذوف، والتقدير: ألا تتفكرون فتعقلوا أن الأمر كذلك، أي: أفلا تتفكرون فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ، وقوارع الزواجر، فتحذروا الوقوع فيما يخالف أمره ونهيه، ولا يخفى ما في هذا من الحثّ على التدبر؛ لأن الخوف من لوازم العقل، فمن لم يتدبَّرْ فكأنه لا عقل له. وروي عن ابن مسعود ﵁ (١): لمّا دنا فراق رسول الله ﷺ جمعنا في بيت أمِّنا عائشة ﵂ ثم نظر إلينا فدمعت عيناه، وقال: "مرحبا بكم، حيّاكم الله، رحمكم الله تعالى، أوصيكم بتقوى الله تعالى وطاعته،

стр. 7830

قد دنا الفراق، وحان المنقلب إلى الله، وإلى سدرة المنتهى، وإلى جنة المأوى، يغسلني رجال أهل بيتي، ويكفنونني في ثيابي هذه إن شاؤوا، أو في حلة يمانية، فإذا غسلوني، وكفّنوني، ضعوني على سريري في بيتي هذا على شفير لحدي، ثم اخرجوا عني ساعةً، فأول من يصلي عليّ حبيبي جبرائيل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم ملك الموت، مع جنودهم، ثم ادخلوا على فوجاً فوجاً، وصلّوا عليّ" فلما سمعوا فراقه صاحوا وبكوا وقالوا: يا رسول الله أنت نور ربنا، وشمع جمعنا، وسلطان أمرنا، إذا ذهبت عنا إلى من نرجع في أمورنا؟ قال: "تركتكم على المحجّة البيضاء - أي الطريق الواسع الواضح - ليلها كنهارها - في الوضوح - وتركت لكم واعظين، ناطقًا وصامتًا: فالناطق القرآن، والصامت الموت، فإذا أشكل عليكم أمر فارجعوا إلى القرآن والسنة، وإذا قست قلوبكم فلينوها بالاعتبار في أحوال الموت". وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "من تعلم القرآن في صغره اختلط القرآن بلحمه ودمه، ومن تعلمه في كبره فهو يتفلت منه، ولا يتركه، فله أجره مرتين" وجه الأول أنه في الصغر خال عن الشواغل، وما صادف قلبًا خاليًا يتمكن فيه، قال الشاعر: أَتَانِيْ هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى ... فَصَادَفَ قَلْبَاً خَالِيَاً فَتَمَكَّنَا ويدخل في الثاني من له حصر، أو عيّ؛ لأن من قرأ القرآن وهو عليه سياق، فله أجران: أجر لقراءته، وأجر لمشقته. كذا في "شرح المصابيح". ١١ - ثم حذّرهم وأوعدهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كم خبرية للتكثير، محلها النصب على أنها مفعول به لـ ﴿قَصَمْنَا﴾ ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ تمييز لها. القصم كسر الشيء ودقه من الإبانة، وإزالة تأليفه بالكلية، وفي التعبير به من الدلالة على الغضب وشدة السخط ما لا يخفى. والمعنى هنا: الإهلاك والعذاب ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ صفة ﴿قَرْيَةٍ﴾ على تقدير مضاف، والظلم في الأصل وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر

стр. 7831

موضع الإيمان؛ أي (١): وكثيرًا كسرنا وأهلكنا من أهل قرية كانوا ظالمين آيات الله، كافرين بها كدأبكم يا معشر قريش ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾؛ أي: أوجدنا، وأحدثنا ﴿بَعْدَهَا﴾؛ أي بعد إهلاك أهلها ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾؛ أي ليسوا منهم نسبًا، ولا دينًا. ونحو الآية قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾. ١٢ - ثم بيَّن حالهم حين حلول البأس، فقال: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾؛ أي: فلما أحس أهل تلك القرية الظالمة، وأدركوا ﴿بَأْسَنَا﴾؛ أي: عذابنا الشديد إداركًا تامًا، كأنه إدراك المشاهد المحسوس، ورأوه ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾؛ أي: من القرية. ويحتمل أن يعود على ﴿بَأْسَنَا﴾؛ لأنه في معنى الشدة، فأنّث على المعنى. ذكره في "البحر". و ﴿إِذَا﴾ للمفاجاة. و ﴿هُمْ﴾ مبتدأ خبره قوله: ﴿يَرْكُضُونَ﴾؛ أي: يهربون مسرعين راكضين مثل دوابّهم، أو مشبّهين بهم من إفراط الإسراع. أي (٢): فلمّا أيقنوا أن العذاب واقع بهم لا محالة كما أوعدهم أنبياؤهم، إذا هم يهربون سراعًا عجلين يعدون منهزمين. والخلاصة: أنهم لمَّا علموا شدة بأسنا وبطشنا علم حس ومشاهدة ركضوا في ديارهم هاربين من قراهم، بعد أن كانوا قد تجبروا على رسلهم، وقالوا لهم: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾. ١٣ - ثم ذكر أنهم في ذلك الحين ينهون عن الهرب، ويقال لهم بلسان الحال، أو بلسان المقال من الملك، أو ممن هنالك من المؤمنين على طريق الاستهزاء والتهكم: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾، أي: لا تهربوا من مساكنكم ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾؛ أي (٣) إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم. والمترف: المنعم. يقال: أترف فلانٌ؛ أي: وسع عليه في معاشه، وأترفته النعمة أطغته. وأترف فلان أصر على البغي، أي: ارجعوا إلى ما أعطيتموه من العيش الواسع، والحال الطيبة،

стр. 7832

حتى بطرتم به، فكفرتم وأعرضتم عن المعطي وشكره ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ التي كنتم تسكنونها وتفتخوون بها ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾؛ أي: تقصدون من جهة الناس للسؤال، والتشاور، والتدبير في المهمات، والنوازل، كما هو عادة الناس مع عظمائهم في كل قرية، لا يزالون يقطعون أمرًا دونهم، أو تسألون عما نزل بكم وبأموالكم ومساكنكم من العذاب، فتجيبوا السائلين عما تشاهدون. والمعنى: أي يقال لهم على طريق الاستهزاء والسخرية: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة، والسرور، والمساكن الطيبة، والفرش المنجّدة الوثيرة، لعلكم تقصدون للسؤال عما جرى علكيم ونزل بأموالكم ومساكنكم، فتجيبوا السائلين عما تشاهدون وتعلمون. ١٤ - ثم حكى عنهم ما أجابوا به القائلين لهم: لا تركضوا وارجعوا، فقال: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أهل تلك القرية الظالمة لمَّا يئسوا من الخلاص بالهرب، وأيقنوا بنزول العذاب ﴿يَا وَيْلَنَا﴾؛ أي: يا هلاكنا تعال فهذا أوانك ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ لأنفسنا مستوجبين للعذاب بما قدّمنا، وهو اعتراف منهم بالظلم، وباستتباعه للعذاب، وندمهم عليه حين لا ينفعهم ذلك. والمعنى: أي قالوا حين يئسوا من الخلاق إذ نزل بهم بأس الله بظلمهم اْنفسمهم: يا قومنا هلاكًا لنا لكفرنا بربنا، وهذا منهم اعتراف بكفرهم، وندم عليه حين لا ينفع الندم. نَدِمَ الْبُغَاةُ وَلاَتَ كسَاعَةُ مَنْدَمِ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيْهِ وَخِيْمُ قال المفسرون وأهل الأخبار (١): إن المراد بهذه القرية أهل حضور - بوزن شكور - قرية من قرى اليمن. وقيل: كانت بأرض الحجاز من ناحية الشام، وكان الله سبحانه قد بعث إليهم نبيًا اسمه شعيب بن مهدم، وقبر شعيب هذا في اليمن بجبل يقال له "ضِيْن". قال في "القاموس": ضين بالكسر جبل عظيم بصنعاء، اهـ وليس هو شعيبًا صاحب مدين، فقتلوا نبيهم فسلط الله عليهم بُخْتَنَصَّر، وقتل

стр. 7833

أصحاب الرس في ذلك التاريخ نبيًا لهم اسمه حنظلة بن صفوان، فسلط الله عليهم أيضًا بختنصر، فخرب بلادهم. ١٥ - ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾ الكلمة؛ أي كلمة ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، وهي اسم "زال"، وخبره قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ﴾؛ أي: دعاؤهم ونداؤهم. والدعوى مصدر دعا دعوى ودعوة كقوله: وآخر دعواهم لأن الويل كانه يدعو الويل. أي: رددوها وكرروها مرة بعد مرة ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: حتى صيرنا أهل تلك القرية ﴿حَصِيدًا﴾؛ أي: محصودين بالعذاب كما يحصد الزرع بالمنجل؛ أي: مثل الحصيد، وهو المحصود من الزرع والنبت، ولذلك لم يجمع؛ لأن الفعيل بمعنى المفعول، يستوي فيه المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، حالة كونهم ﴿خَامِدِينَ﴾؛ أي: ميِّتين. حال من المنصوب في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾. من خمدت النار إذا أطفىء لهبها، وخمدت الحمى إذا سكنت حرارتها. والمعنى: أي (١) فما زالوا يردّدون هذه المقالة، ويجعلونها هجيراهم حتى حصدوا حصداً، وخمدت حركاتهم، وهدأت أصواتهم، ولم ينبسوا ببنت شفة. وخلاصة هذا: أنهم صاروا يكرّرون الاعتراف بظلمهم أنفسهم، ولكن لم ينفعهم ذلك كما قال: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ حتى لم يبق لهم حس، ولا حركة، وأبيدوا كما يباد الحصيد، وخمدوا كما تخمد النار. وفي الحديث: "خمس في خمس: ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلَّا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا منع عنهم القطر". ١٦ - ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ﴾؛ أي (٢): وما أبدعنا السماء التي هي كالقبة المضروبة، والخيمة المطنبة ﴿وَالْأَرْضَ﴾ التي هي كالفراش والبساط ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من أنواع الخلائق، وأصناف العجائب، حالة كوننا ﴿لَاعِبِينَ﴾؛ أي: عابثين. بل لحكم

стр. 7834

ومصالح، وهي أن تكون مبدأ لوجود الإنسان، وسببًا لمعاشه، ودليلاً يقوده إلى تحصيل معرفتنا التي هي الغاية القصوى، وكل شيء فهو إمّا مظهر لطفه تعالى، أو قهره، وفي كل ذرّة سرّ عجيب. قال الكرماني: "اللعب: فعلٌ يدعو إليه الجهل، يروق أوله، ولا ثبات له، وإنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء، وليستدل بهما على وحدانيته، والقدرة" انتهى. أي (١): لم نخلقما عبثًا، ولا باطلًا، بل للتنبيه على أن لهما خالقاً قادرًا يجب امتثال أمره. وفيه إشارة إجمالية إلى تكوين العالم. والمراد بـ ﴿ما بينهما﴾ سائر المخلوقات الكائنة بين السماء والأرض، على اختلاف أنواعها، وتباين أجناسها من الهواء والسحاب والرياح. والمعنى؛ أي: وما خلقنا هذا السقف المرفوع، وهذا المهاد الموضوع، وما بينهما من أصناف المخلوقات البديعة للهو واللعب، بل خلقناهما لفوائد دينية، وحكم ربّانية، كأن تكون دليلًا على معرفة الخالق لها، ووسيلة للعظة والاعتبار، إلى ما فيها من منافع أخرى لا حصر لها. وخلاصة ذلك (٢): أن إيجاد العالم كله، ولا سيما النوع الإنساني، واستخلافه في الأرض، مبني على بديع الحكم، مستتبع لغايات جليلة لا تخفى على ذوي الألباب، وقد علم بعضها من أمعنوا النظر في الكون وعجائبه، وأوتوا حظًّا من صادق المعرفة، فعرفوا بعض أسراره، وانتفعوا ببعض ما أودع في باطن الأرض، وما على ظاهر سطحها مما كان سببًا في رقيّ الإنسان، ولا يزال العلم يؤكد لنا كل يوم عجيبًا، ويظهر لنا من كنوزها غريبًا ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ ١٧ - ثم أكّد نفي اللعب بقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ أي (٣) ما يتلهّى ويلعب به

стр. 7835

على أنه مصدر بمعنى المفعول. وقال الراغب: "اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمّه، ويعئر به عن كل ما به استمتاع باللهو قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾، وقول من قال: أراد باللهو المرأة والولد فتخصيص ببعض ما هو من زينة الحياة الدنيا" انتهى. ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ﴾؛ أي: لاتخذنا اللهو. جواب لو ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾؛ أي: من عندنا، ومن جهة قدرتنا عليه، لا من عندكم لتعلقها بكل شيء من المقدورات، أو مما نصطفيه ونختاره مما نشاء من خلقنا من الحور العين، أو من غيرها. قال الواحدي: "معنى ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا بحيث لا يظهر لكم، ولا تطلعون عليه، ولا يجري لأحد فيه تصرف؛ لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره". وفي (١) هذا: ردّ على من قال بإضافة الصاحبة، والولد إلى الله، - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا -. وقيل: أراد الرَّدَّ على من قال: الأصنام أو الملائكة بنات الله. وقال ابن قتيبة: الآية ردّ على النصارى ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ذلك الاتخاذ لاتخذناه، لكن (٢) تستحيل إرادتنا ذلك لمنافاته الحكمة، لا لعدم القدرة على اتخاذه ولا لغيره، فيستحيل اتخاذنا له قطعًا. و ﴿إِنْ﴾ للشرط على سبيل الفرض والتقدير، وجواب "إنْ" محذوف لدلالة جواب المتقدم عليه؛ أي: إن كنا فاعلين لاتخذناه، ويجوز أن تكون ﴿إن﴾ نافية؛ أي: ما كنا فاعلين اتخاذ اللهو لعدم إرادتنا به. أي: (٣) لو أردنا أن نتخذ لهوًا كما يتخذ العباد لاتخذناه من عندنا من العوالم المجردة من المادة كالملائكة، لكنَّا لا نتنَّزل لملابسة ما هو من شأنكم المادي كالزوج والولد، إذ لا يجمل بنا؛ لأنه خارج عن سنن حكمتنا، وقوانين نظامنا، ورفعة قدرنا، فنحن لا نلهو بالصور الجسمية، ولا بالنفوس الروحية. وخلاصة هذا: أنا خلقناكم لحكمة، وصوّرناكم لغاية، وجعلنا لكم السمع والأبصار لمنافع قدرناها لكم، لا للهونا ولعبنا، ومن ثمّ لا نترككم سدًى، بل نحاسبكم ونؤاخذكم، والجد مطلبنا، واللهو واللعب من شأن العبيد المخلوقين،

стр. 7836

لا من شأن رب العالمين، ونحو الآية قوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾. ١٨ - وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ اضراب (١) عن اتخاذ الولد وإرادته، كأنه قيل: لكتا لا نريد اتخاذ اللهو والولد، بل شأننا أن نقذف بالحق الذي من جملته الجدّ والإيمان, والقرآن ونحوها، ونرميه، ونغلبه على الباطل الذي من جملته اللهو، والكفر، والأباطيل الأخر ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾؛ أي: يصيب دماغه فيهلكه ويعدمه ويذهبه بالكلية، كما فعلنا بأهل القرى المحكية ﴿فَإِذَا﴾ فجائية ﴿هُوَ﴾؛ أي: الباطل ﴿زَاهِقٌ﴾؛ أي: ذاهب بالكلية. والزهوق ذهاب الروح. يقال: زهقت نفسه خرجت من الأسف. وفي "إذا" المفاجاة، والجملة الاسمية من الدلالة على كمال المسارعة في الذهاب والبطلان ما لا يخفى، فكأنه زاهق من الأصل، فجملة قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ انتقال من إرادة اتخاذ اللهو إلى تنزيه ذاته تعالى، كأنه تعالى قال: سبحاننا أن نريد اتخاذ اللهو، بل شأننا بمقتضى حكمتنا أن نغلب اللعب بالجد، وندحض الباطل بالحق. والمقصود من هذه الآية: تقرير نبوة محمد ﷺ ، والردّ على منكريها؛ لأنه تعالى أظهر المعجزة عليه ﷺ ، فإن كان محمد كاذبًا .. كان إظهار المعجزة عليه من باب اللعب، وذلك منفي عنه تعالى، وإن كان صادقًا .. فهو المطلوب، وحينئذٍ يفسد كل ما ذكروه من المطاعن ﴿وَلَكُمُ﴾ يا كفار مكة ﴿الْوَيْلُ﴾؛ أي: شدة العذاب ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ "من" تعليلية متعلقة بالاستقرار الذي تعلق به الخبر؛ أي: استقرَّ لكم الويل والهلاك أيها المشركون من أجل وصفكم له سبحانه بما لا يليق بشأنه الجليل من اتخاذ الصاحبة والولد، ووصف كلامه بأنه سحر، وأضغاث أحلام، ونحو ذلك من الأباطيل. وقرأ عيسى بن عمر (٢): ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ بنصب الغين. وقال الزمخشري: وهو في ضعف كقوله:

стр. 7837

سَأَتْرُكُ مَنْزِلِيْ لِبَنِيْ تَمِيْمٍ ... وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأسْتَرِيْحَا وقرىء ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ بضم الميم، انتهى. وحاصل معنى الآية: أي أنَّ من شأننا أن نرمي الحق الذي من جملته الجدّ على الباطل الذي منه اللعب، فيكسر دماغه بحيث يشق غشاءه، فيؤدي ذلك إلى زهوق روحه فيهلك، وقد شبّه الباطل بإنسان كسر دماغه فهلك، وإذا كان هذا من شأننا فكيف نترككم بلا إنذار، كأننا خلقناكم لنلهو بكم ولكم العذاب الشديد من وصفكم ربكم بغير صفته، وقولكم: إنه اتخذ ولدًا وزوجة، وافتراؤكم ذلك عليه. ١٩ - ولمَّا حكى كلام الطاعنين في النبوات (١)، وأجاب عنها، وبيَّن أن غرضهم من تلك المطاعن إنما هو التمرّد، والعناد .. بيَّن في هذه الآية أنه غني عن طاعتهم؛ لأنه هو المالك لجميع المخلوقات، والملائكة على جلالة قدرهم مطيعون له، خائفون منه، فأجدر بالبشر على ضعفهم أن يطيعوه، وما أخلقهم أن يعبدوه، فقال: ﴿وَلَهُ﴾ لا لغيره ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع المخلوقات فيهما خلقًا، وملكًا، وتدبيرًا، وتصرفًا، وإحياءً وإماتة وتعذيبًا، وإثابةً دون أن يكون لأحد في ذلك سلطان، لا استقلالًا، ولا استتباعًا. وقوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ معطوف على (من) الأولى، من عطف الخاص على العام؛ أي: وله (٢) سبحانه الملائكة المكرمون عنده، المنزَّلون لكرامتهم عليه منزلة المقرّبين عند الملوك على طريقة التمثيل والبيان لشرفهم وفضلهم على أكثر خلقه، لا على الجميع كما زعم أبو بكر الباقلاني، وجميع المعتزلة، فالمراد بالعندية: عندية الشرف، لا عندية المكان والجهة، و"عند" وإن كان من الظروف المكانية إلَّا أنه شبَّه قرب المكانة والمنزلة بقرب المكان والمسافة، فعبَّر عن المشبّه بلفظ المشبّه به. وجملة قوله: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ حال من (من) الثانية؛ أي: وله

стр. 7838

سبحانه مَن عنده حالة كونهم لا يَتَكَبَّرُون ولا يَتَعَظَّمُون ولا يأنفون عن عبادة الله والتذلل له. وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ معطوف على ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أي: وحالة كونهم لا يكلّون ولا يعيون ولا يسأمون عن عبادته، فالبشر مع نهاية ضفهم أولى أن يطيعوه. ويجعل أبو السعود ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أو المعنى عليه، أي: والملائكة الذين شرفت منزلتهم عند ربهم لا يستعظمون عن عبادته، ولا يكون ولا يتعبون. وتخصيص الملائكة بالذكر للدلالة على رفعة شأنهم. كما خص جبريل من بين الملائكة في قوله ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾. ٢٠ - ثم بيّن سبحانه كيف يعبدون ربهم، فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ جملة مستأنفة لبيان عبادتهم، كانه قيل: كيف يعبدون؟ فقيل: يسبّحون الليل والنهار؛ أي: ينزّهونه في جميع الأوقات عن وصمة الحدوث، وعن الأنداد، ويعظمونه ويمجّدونه دائمًا حالة كونهم ﴿لَا يَفْتُرُونَ﴾ ولا يسكنون عن نشاطهم في العبادة؛ أي: لا يتخلل تسبيحهم فترة وانقطاع وسكون طرفة عين بفراغ منه، أو بشغل آخر؛ لأنهم يعيشون بالتسبيح، كما يعيش الإنسان بالنفس، والحوت بالماء، يعني (١): أن التسبيح بالنسبة إلى الملائكة كالتنفس بالنسبة إلينا، فكما أن قيامنا وقعودنا وتكلُّمنا، وغير ذلك من أفعالنا، لا يشغلنا عن التنفس، فكذلك الملائكة لا يشغلهم عن التسبيح شيء من أفعالهم، كما قال عبد الله بن الحارث لكعب: أليس أنهم يؤدون الرسالة، ويلعنون من لعنه الله، كما قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ وقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾؟ فقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا، فلا يمنعهم عن عمل. فإن قلت: التسبيح، واللعن من جنس الكلام، فكيف لا يمنع أحدهما الآخر؟ قلنا: لا يبعد أن يخلق الله لهم ألسنةً كثيرةً، ببعضها يسبحون، وببعضها يلعنون. أو المعنى: لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته، كما يقال: فلان

стр. 7839

مواظب على الجماعة، لا يفتر عنها، فإنه لا يراد به دوام الاشتغال بها، وإنما يراد العزم على أدائها في أوقاتها كما في الكبير. ٢١ - و ﴿أَمِ﴾ في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ منقطعة (١) مقدرة ببل، وبهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: إنكار وقوع النشر، لا إنكار الاتخاذ الواقع. والضمير للمشركين. والمراد بالآلهة: الأصنام ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ متعلق بـ ﴿اتخذوا﴾؛ أي: بل اتخذ وصنع ونحت المشركون آلهةً وأصناما ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ ويبعثون الموتى من القبور من بعض أجزاء الأرض، وحجارتها، وجواهرها، كالذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص. وجملة ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ صفة لآلهة، وهو الذي يدور عليه الإنكار والتجهيل، والتشنيع، لا نفس الاتخاذ، فإنه واقع لا محالة. والمعنى: بل اتخذوا آلهةً من الأرض هم خاصةً مع حقارتهم وجماديتهم، ينشرون الموتى، كلا فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك، وهم وإن لم يقولوا بذلك صريحًا، فإنهم لم يثبتوا النشر لله تعالى كما قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ فكيف يثبتونه للأصنام؛ لكنهم حيث ادَّعوا لها الإلهية، فكأنهم ادَّعوا لها النشر، والبعث للموتى ضرورة أنَّه من الخصائص الإلهية حتمًا. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يُنْشِرُونَ﴾ مضارع نشر الرباعي، ومعناه: يحيون. وقرأ الحسن، ومجاهد ﴿يَنْشرُون﴾ مضارع نشر. وهما لغتان، نشر وأنشر متعديان، ونشر يأتي لازمًا، يقال: أنشر الله الموتى فنشروا؛ أي فحيوا. ٢٢ - ثم أقام (٣) الدليل العقلي على التوحيد، ونفى أن يكون هناك إلهٌ غير الله تعالى، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾، أي: في السموات والأرض ﴿آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ أي: إله غير الله تعالى ﴿لَفَسَدَتَا﴾، أي: لفسدت السموات والأرض، وخرجتا عن هذا النظام المشاهد؛ لأن كل أمر بين اثنين لا يجري على نظام واحد، والرعية

стр. 7840

تفسد بتدبير الملِكين، وحيث انتفى التالي انتفى المقدم، ذاك (١) أنه لو كان فيهما إلهان، فإما أن يختلفا، أو يتفقا في التصرف في الكون، والأول ظاهر البطلان، لأنه إما أن ينفذ مرادهما معًا، فيريد أحدهما الإيجاد، والثاني لا يريده، فيثبت الوجود والعدم لشيء واحد اختلفا فيه، وإما أن ينفذ مراد أحدهما دون الثاني، فيكون هذا مغلول اليد عاجزاً، والإله لا يكون كذلك، والثاني باطل أيضًا؛ لأنهما إذا أوجداه معًا وجب توارد الخلق من خالقين على مخلوق واحد. والجمع في قوله: ﴿آلِهَةٌ﴾ ليس بقيد، وإنما عبّر به مشاكلةً لقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾، وهذه الجملة (٢) تنزيه من الله سبحانه لنفسه عن الشريك بالنظر العقلي، و ﴿إِلَّا﴾ بمعنى (غير) على أنها صفة آلهة؛ أي: لو كان في السموات والأرض آلهة غير الله كما هو اعتقادهم الباطل، سواء كان الله معهم أو لم يكن. قال في "الأسئلة المقحمة": كيف قال: لو كان فيهما، فجعل السموات ظرفًا، وهو تحديد؟ والجواب: لم يرد به معنى الظرف وإنما هو كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾. قال الكسائي وسيبويه (٣)، والأخفش، والزجاج، وجمهور النحاة: إن ﴿إِلَّا﴾ هنا ليست للاستثناء، بل بمعنى غير، صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها، وظهر فيه إعراب غير التي جاءت ﴿إِلَّا﴾ بمعناها، ومنه قول الشاعر: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوْهُ ... لَعَمْرُ أبِيْكَ إلَّا الْفَرْقَدَانِ وقال الفرّاء: إن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى سوى، والمعنى: لو كان فيهما آلهة سوى الله لَفَسدتا. ولمّا أثبت بالدليل أن المدبّر للسموات والأرض لا يكون إلَّا واحدًا، وأنَّ ذلك الواحد لا يكون إلّا الله قال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: فتنزيهًا لله ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾؛ أي: مالك العرش المحيط بهذا الكون، ومركز تدبير العالم ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾؛ أي:

стр. 7841

عما يقول هؤلاء المشركون من أن له ولدًا، وشريكًا وصاحبةً. والفاء في قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان، أي: إذا ثبتت الوحدانية بالبرهان، فنزّهوا الله تنزيهًا عما يقول الكفار من وجود آلهة غير الله تعالى، وفيه إرشاد للعباد أن ينزَّهوا الربَّ سبحانه عما لايليق به ٢٣ - ثم أكد هذا التنزيه بقوله: ﴿لَا يُسْأَل﴾ سبحانه ﴿عَمَّا يَفْعَلُ﴾؛ أي: عما يحكم في عباده من إعزاز، وإذلال، وهدى وإضلال، وإسعاد، وإشقاء لأنه المالك القاهر. فهذه الجملة مستأنفة مبيّنة أنه سبحانه لقوة سلطانه، وعظيم جلاله، لا يسأله أحدٌ من خلقه عن شيء من قضائه وقدره، وإنما لا يسأل سبحانه سؤال إنكار، ويجوز السؤال عنه على سبيل الاستكشاف والبيان كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، وعلى سبيل التضرّع والحاجة كقوله تعالى حكاية عن الكافر: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾. قال في "بحر العلوم" (١): إنما لا يسأل عما يفعل؛ لأنَّه ربّ مالك علّام، لا نهاية لعلمه، وكل من سواه مربوبٌ مملوك، جاهلٌ لا يعلم شيئًا إلَّا بتعليم، فليس للمملوك الجاهل أن يعترض على سيّده العليم بكل شيء فيما يفعل ويقول: لم فعلت؟ وهلّا فعلت؟ مثلًا. ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: العباد ﴿يُسْأَلُونَ﴾ عما يفعلون نقيرًا وقطميراً؛ لأنهم مملوكون مستعبدون خطاؤون فيقال لهم في كل شيء فعلوه: لم فعلتم؟. والسؤال استدعاء معرفة، أو ما يؤدي إلى المعرفة، وجوابه على اللسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة. فإن قيل: ما معنى السؤال بالنسبة إلى الله تعالى؟ قلنا: تعريف للقوم وتبكيتهم، لا تعريف لله تعالى فإنه علام الغيوب، فالسؤال كما يكون للاستعلام يكون للتبكيت. وقرأ الحسن ﴿لا يسل وهم يسلون﴾ بفتح السين، نقل حركة الهمزة إلى السين، وحذف الهمزة. وقيل: إن المعنى (٢)

стр. 7842

أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله، وهم يؤاخذون. قيل: والمراد بذلك أنه سبحانه بيَّن لعباده أن من يسأل عن أعماله، كالمسيح والملائكة، لا يصلح لأن يكون إلهًا. والمعنى؛ أي (١): هو الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يعترض عليه أحد لعظمته وجلاله وعلمه وحكمته وعدله ولطفه، وهو سائل خلقه عما يفعلون كما قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾، وقال: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾. ٢٤ - ثم أعاد وكرّر الإنكار مرَّةً أخرى، استفظاعًا لشأنهم، واستعظامًا لكفرهم، وإظهارًا لجهلهم، فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ فـ ﴿أَمِ﴾ هنا بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الإنكار كالسابقة؛ أي: للإضراب والانتقال من إظهار بطلان كون ما اتخذوه آلهةً لا يصلح للألوهية، لخلوها عن خصائصها إلى إظهار بطلان اتخاذهم تلك الآلهة، مع خلوها عن تلك الخصائص بالمرة. والهمزة لإنكار الاتخاذ المذكور، واستقباحه اهـ "أبو السعود"؛ أي: أبعد ظهور هذه الأدلة، يقولون: إن لله شركاء. و ﴿مِنْ﴾ متعلقة بـ ﴿اتَّخَذُوا﴾، والمعنى: بل اتخذوا متجاوزين إياه تعالى آلهةً مع ظهور خلوهم عم خواص الألوهية بالكلية. ثم أمرهم بإقامة الدليل على صحة ما يدَّعون، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد بطريق الإلزام وإلقام الحجر ﴿هَاتُوا﴾؛ أي: (٢) أعطوني ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: حجتكم على ما تدّعون من جهة العقل والنقل، فإنه لا صحة لقول لا دليل عليه في الأمور الدينية، لا سيما في مثل هذا الشأن الخطير. قال في "المفردات": البرهان أوكد الأدلة، وهو الذي يقتضي الصدق أبدًا. أي: قل لهم: هاتوا برهانكم على دعوى أنها آلهة، أو على جواز اتخاذ آلهةٍ سوى الله تعالى، ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك، لا من عقلٍ، ولا من نقلٍ؛ لأن دليل العقل قد مرَّ بيانه. وأمّا دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: ﴿هَذَا﴾ الوحي الوارد في شأن التوحيد المتضمّن للبرهان القاطع ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِي﴾؛ أي: عظةٌ من معي من أمتي، وتذكيرهم

стр. 7843

وحجتهم ﴿ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾؛ أي: عظة من سبق قبلي من الأمم السالفة وتذكيرهم وحجتهم، وقد أقمته عليكم، وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل: المعنى (١): هذا القرآن المنزّل عليَّ ذكر من معي من الأمة وتذكيرهم وحجتهم على التوحيد، فالقرآن ذكر وعظة لمن اتّبعه ﷺ إلى يوم القيامة، وهذه الكتب الموجودة بين أيديكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، ذكر من قبلي من الأمم الماضية، وحجتهم على التوحيد، فانظروا هل في واحد منها أنَّ الله أمر باتخاذ إلهٍ سواه. قال الزجاج: قل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولًا من الرسل أخبر أمته بأن لهم إلهًا غير الله، فهل في ذكر من معي وكتابهم وهو القرآن، وفي ذكر من قبلي وكتبهم، وهي التوراة والإنجيل والزبور إلا توحيد الله . وقيل: معنى الكلام الوعيد والتهديد؛ أي: افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وعبارة "أبي السعود" (٢): ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِي﴾؛ أي: عظتهم ومتمسكهم على التوحيد، فأقيموا أنتم برهانكم على التعدد، اهـ. و ﴿هذا﴾ اسم (٣) إشارة مبتدأ، أشار به للكتب السماوية، وقد أخبر عنه بخبرين، فبالنظر للخبر الأول يرادبه القرآن، وبالنظر للخبر الثاني يراد به ما عداه من الكتب السماوية. وقرأ الجمهور (٤): بإضافة ﴿ذكر﴾ إلى ﴿من﴾ فيهما على إضافة المصدر إلى المفعول كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾. وقرىء بتنوين ﴿ذكر﴾ فيهما، و ﴿من﴾ مفعول منصوب بالذكر كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾. وقرأ يحيى بن يعمر، وطلحة بتنوين ﴿ذِكْرُ﴾ فيهما، وكسر ميم ﴿من﴾ فيهما، ومعنى ﴿مَعِيَ﴾ هنا عندي، والمعنى: هذا ذكر من عندي، ومن قبلي؛ أي: أذكّركم بهذا القرآن الذي عندي، كما ذكّر الأنبياء من قبلي أممهم. ودخول ﴿مَنْ﴾ على ﴿مع﴾ نادر، ولكنه اسم يدل على الصحبة والاجتماع، أجري مجرى الظرف، فدخلت

стр. 7844

عليه ﴿مَنْ﴾ كما دخلت على (قبل) و (بعد) و (عند). وضعّف أبو حاتم هذه القراءة لدخول (من) على (مع)، ولم أَرَ لها وجهًا. وعن طلحة ﴿ذِكْرُ﴾ منوّنا ﴿معي﴾ دون ﴿من﴾ و ﴿ذِكْرُ﴾ منوّنا ﴿قبلي﴾ دون ﴿من﴾. وقرأ فرقة: و ﴿ذِكْرُ مَنْ﴾ بالإضافة و ﴿ذِكْرُ﴾ منوّنا ﴿مِن قبلي﴾ بكسر ميم ﴿من﴾. ثم لمّا توجهت الحجة عليهم، ذمّهم بالجهل بمواضع الحق فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ إضراب من جهته تعالى، غير داخل في الكلام الملقن؛ أي: إضراب من جهته سبحانه، وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا يؤثر فيهم إقامة البرهان، لكونهم جاهلين للحق، لا يميّزون بينه وبين الباطل، فلا تنجع فيهم المحاجّة بظهار حقيّة الحق وبطلان الحق. وفي "بحر العلوم": كأنه قيل: بل عندم ما هو أصل الفساد كله، وهو الجهل وعدم التمييز بين الحق والباطل، فمن ثمَّة جاء الإعراض، ومن هناك ورد الإنكار ﴿فَهُمْ﴾ لأجل ذلك ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، وأما أقلّهم العالمون فلا يقبلونه عنادًا أي: فهم (١) لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم أعرضوا عن قبول الحق، وعن النظر الموصول إليه، فلا يتأملون حجةً، ولا يتدبرون برهانًا، ولا يتفكرون في دليل. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الْحَقَّ﴾ بالنصب، والظاهر نصبه على المفعول به. وقرأ الحسن، وحميد، وابن محيصن ﴿الْحَقَّ﴾ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا القول هو الحق، والوقف على هذه القراءة على ﴿يَعْلَمُونَ﴾. ٢٥ - ولما ذكر انتفاء عِلْمِهِم الحق، وإعراضهم عنه أخبر أنه ما أرسل من رسول، إلَّا جاء مقرّرًا لتوحيد الله وإفراده بالإلهية، والأمر بالعبادة، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ مرسل إلى أمة من الأمم ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلَّا أوحينا إليه ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أن الشأن ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا معبود بحق في السموات والأرض ﴿إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ أنت وأمتك؛ أي: فأخلصوا لي

стр. 7845

العبادة، وأفردوا لى الألوهية، أي: وحّدوني ولا تشركوا بي. وفيه إشارة إلى أن الحكمة في بعثة جميع الأنبياء والرسل مقصودة على هاتين المصلحتين، وهما إثبات وحدانية الله تعالى، وتعبّده بالإخلاص؛ لتكون فائدة تينك المصلحتين راجعة إلى العباد، لا إلى الله تعالى، كما قال: "خلقت الخلق ليربحوا عليّ، لا لأربح عليهم". وخلاصة ذلك (١)؛ أنَّ الرسل جميعًا أرسلوا بالإخلاص، والتوحيد، لا يقبل منهم سواه، ونحو الآية قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ولما كان (٢) ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ عامًا لفظًا ومعنَى أفرد على اللفظ في قوله: ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ﴾، ثم جمع على المعنى في قوله: ﴿فَاعْبُدُونِ﴾، ولم يأت التركيب ﴿فاعبدني﴾. ويحتمل أن يكون الأمر له ولأمته، وهذه العقيدة من توحيد الله، لم تختلف فيها النبوات، وإنما وقع الاختلاف في أشياء من الأحكام. وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - والأعمش، وطلحة، وابن أبي ليلى، والقطعي، وابن غزوان، عن أيوب، وخلف، وابن سعدان، وابن عيسى، وابن جرير: ﴿نوحي﴾ بالنون وكسر الحاء، وباقي السبعة بالياء وفتح الحاء، واختلف عن عاصم. وقال بعضهم: التوحيد على ثلاث مراتب (٣): توحيد أهل البداية وهو: لا إله إلّا هو، وسير أهل هذا التوحيد في عالم الأجسام. وتوحيد أهل التوسط، وهو: لا إله إلَّا أنت، وسير أهل هذا التوحيد في عالم الأرواح. وتوحيد أهل النهاية، وهو: لا إله إلا أنا، وسير أهل هذا التوحيد في عالم الحقيقة، انتهى. ٢٦ - وبعد أن بيَّن سبحانه الدلائل الباهرة على أنه منزَّه عن الشريك والندّ ..
следующие страницы →