← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7771–7810 · переход к 7776.

стр. 7771

ومآله بعضكم يا ذرية آدم عدو لبعض، أو المعنى (١): انزلا من الجنة إلى الأرض، أنتما عدو لإبليس وذريته، وإبليس عدوكما وعدو ذريتكما. وفي "التأويلات النجمية": يشير (٢) إلى أنه جعل فيما بينهم العداوة، لئلا يكون لهم حبيب إلا هو، كما قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾ ولما اختص آدم منهم بالاجتباء والاصطفاء، وأهبطه إلى الأرض معهم للابتلاء .. وعده بالاهتداء فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾؛ أي: فإن يأتكم يا ذرية آدم وحواء ﴿مِنِّي هُدًى﴾؛ أي: هادٍ من كتاب ورسول، والأصل: فإن يأتكم و ﴿ما﴾: مزيدة لتأكيد معنى الشرط و ﴿ما﴾ هذه مثل لام القسم في دخول النون المؤكدة معها، وإنما جيء بكلمة الشك، وهي ﴿إن﴾ الشرطية إيذانًا بأن إتيان الهدى بطريق الكتاب والرسول، ليس بقطعي الوقوع، وأنه تعالى إن شاء .. هدى وإن شاء .. ترك، لا يجب عليه شيء، ولك أن تقول: إتيان الكتاب والرسول لما لم يكن لازم التحقق والوقوع أبرز في معرض الشك، وأكد حرف الشرط والفعل بالنون، دلالةً على رجحان جهة الوقوع والتحقق. ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾؛ أي: فمن آمن بالكتاب، وصدق بالرسول ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ في الدنيا عن طريق الدين القويم ما دام حيًا ﴿وَلَا يَشْقَى﴾؛ أي: لا يذل في الآخرة بالعذاب الدائم ١٢٤ - ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: عن الكتاب الذاكر لي، والرسول الداعي إلى، والذكر يقع على القرآن وغيره من كتب الله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ في هذه الدنيا ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾؛ أي: معيشةً ضيقةً، لما يكون فيه من القلق والحرص على الدنيا، والتهالك على ازديادها، والخوف من انتقاصها، فترى الشح غالبًا عليه، والبخل راسخاً في أعراقه، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة، مع أنه قد يضيِّق الله عليه بشؤم الكفر، ويوسع بركة الإيمان, وقرىء ﴿ضنكى﴾ بضم الضاد على وزن فعلى، وقرأ الحسن ﴿ضنكى﴾ بألف التأنيث بلا تنوين، وبالإمالة على وزن فعلى كسكرى، وقرأ الجمهور ﴿ضَنْكًا﴾ بالتنوين وفتح الكاف فتحة إعراب.

стр. 7772

ومعنى الآية (١): أن الله ، جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه، أن يعيش في الدنيا عيشًا هنيئًا، غير مهموم ولا مغموم، ولا متعبٍ نفسه، كما قال سبحانه ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ وجعل لمن أَتبع هواه وأعرض عن دينه، أن يعيش عيشًا ضيقًا في تعب ونصب، مع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب، فهو في الآخرة أشد تعبًا، وأعظم ضيقًا، وأكثر نصبًا، وذلك معنى قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾؛ أي: المُعْرِض؛ أي: نبعثه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾؛ أي: فاقد البصر، وقيل: أعمى عن جهات الخير، لا يهتدى إلى شيء منها، أو جاهلًا بوجود الحق، كما كان جاهلًا في الدنيا؛ أي (٢): فإذا خرج هو من القبر .. خرج بصيرًا. فإذا سيق إلى المحشر .. عَمَى، فإذا دخل النار .. زال عماه، ليرى محله وحاله. وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ بالنون، وفرقة منهم أبان بن تغلب: بسكون الراء، فيجوز أن يكون تخفيفًا، ويجوز أن يكون جزمًا بالعطف على موضع ﴿فإن له معيشة ضنكا﴾ لأنه جواب الشرط، وقرأت فرقة ﴿ويحشره﴾ بالياء، وقرى ﴿ويحشره﴾ بسكون الهاء على لفظ الوقف. وقصارى ذلك (٤): أن الله سبحانه، جعل لمن اتبع هداه، وتمسك بدينه العيش الهنيء، الذي لا هم فيه ولا غم، وجعل لمن أعرض عن دينه التعب والنصب، وهو في الآخرة أشد تعبًا، وأعظم ضيقًا، وأكثر ألمًا ١٢٥ - ﴿قَالَ﴾ المعرض الذي حُشر أعمى، استئناف بياني ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي﴾ وبعثتني - استفهام استخباري - حالة كوني ﴿أَعْمَى﴾؛ أي: فاقد البصر ﴿و﴾ الحال أني ﴿قد كنت بصيرًا﴾، أي: ذا بصر في الدنيا؛ أي: ﴿قَالَ﴾ المعرض ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ عن حجتي وعن رؤية الأشياء على حقيقتها، ﴿وَقَدْ كُنْتُ﴾ في الدنيا ذا بصر بذلك كله، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾.

стр. 7773

١٢٦ - ﴿قَالَ﴾ ربه مجيبًا هذا السائل: ﴿كَذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: أمرنا ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ما فعلنا بك من حشرك أعمى، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي حشرناك أعمى حشراً مثل الذي فعلت في الدنيا، من إعراضك عن الحق، ثم فسره بقوله: ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾؛ أي: آيات الكتاب، أو دلائل القدرة، وعلامات الوحدة، واضحةً نيرةً، بحيث لا تخفى على أحد ﴿فَنَسِيتَهَا﴾؛ أي: أعرضت عنها وتركتها ترك المنسي الذي لا يذكر أصلًا، ولم تنظر فيها ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾؛ أي: تترك في العمى والعذاب، جزاءً وفاقًا، لكن لا أبدًا كما قيل: بل إلى ما شاء الله، ثم يزيله عنه، ليرى أهوال القيامة، ويشاهد مقعده من النار، ويكون ذلك له عذابًا فوق العذاب، وكذلك البكم والصم، يزيلهما الله عنهم ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾. والمعنى: أي فكما تركت آياتنا ترك المنسي الذي لا يذكر أصلًا، وأعرضت عنها اليوم ننساك فنتركك في النار. ١٢٧ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل ذلك الجزاء الموافق للجناية ﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَف﴾ وجاوز الحد في عصيانه، بالانهماك في الشهوات، والإسراف: مجاوزة الإنسان الحد في كل فعل يفعله، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾؛ أي: بالقرآن وسائر المعجزات، بل كذبها وأعرض عنها. والمعنى: أي وهكذا نعاقب من أسرف فعصى ربه، ولم يؤمن برسله وكتبه، فنجعل له معيشة ضنكًا، أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس أنه قال: في الآية يقول: كل مال أعطيته عبدًا من عبادي، قل أو كثر، لا يتقيني فيه .. فلا خير فيه، وهو الضنك في المعيشة. ولما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين (١): المعيشة الضنك في الدنيا، وحشره أعمى في العقبى .. ختم آيات الوعيد بقوله: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ على الإطلاق، أو عذاب النار ﴿أَشَدُّ﴾ وأوجع مما نعذبهم به في الدنيا، من ضنك

стр. 7774

العيش ونحوه ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم وأكثر بقاءً؛ لأنه لا أمد له ولا نهاية ولا انقطاع، فمن أراد أن ينجو من عذاب الله، وينال ثوابه .. فعليه أن يصبر على الشدائد في الدنيا في طاعة الله، ويجتنب المعاصي وشهوات الدنيا، فإن الجنة قد حُفّت بالمكاره، وحُفت النار بالشهوات، كما ورد في الحديث. ١٢٨ - وجملة قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ مستأنفة لتقرير ما قبلها، و (الهمزة) (١) فيها للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف، والهداية هنا: بمعنى التبين، من هدى بمعنى: اهتدى، فهو لازم، والفاعل: المصدر المأخوذ من ﴿أَهْلَكْنَا﴾ من غير سابك لإصلاح المعنى؛ لأن ذلك جائز كثير في كلامهم، وضمير ﴿لَهُمْ﴾ للمشركين المعاصرين لرسول الله ﷺ ، والقرون: جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمن واحد، والتقدير: أغفل هؤلاء المشركون فلم يتبين لهم إهلاكنا كثيرًا من القرون قبلهم، حين كذبوا رسلهم، كعاد، وثمود، وقوم لوط، فيعتبروا بهذا الإهلاك، فيرجعوا عن تكذيب الرسول محمد ﷺ . ويحتمل أن يكون الفاعل ضميرًا يعود على الله، ويؤيده القراءة بالنون، والهداية: من هدى المتعدي، فمفعوله محذوف، والتقدير: أجهل هؤلاء المشركون مآل أمرهم، فلم يبين الله سبحانه لهم خبر من ﴿أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ حال كون القرون ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ويتقلبون في ديارهم في أمن وراحة، أو حالة كون هؤلاء المشركين يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة، وطلب المعيشة، فيرون بلاد الأمم الماضية، والقرون الخالية، خاويةً خاربةً، من أصحاب الحجر، وثمود، وقرى قوم لوط، فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك، وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَهْدِ﴾ بالياء، وقرأت فرقة - منهم ابن عباس والسلمي -: ﴿أفلم نهد﴾ بالنون، والمعنى على هذه القراءة: واضح والتقدير: أفلم نبين لأهل مكة بيانًا يهتدون به، كثرة من

стр. 7775

أهلكنا من القرون الماضية، من أصحاب الحجر، وثمود، وقرى قوم لوط، وجملة (١) قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ تعليل للإنكار، وتقرير للهداية، والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى مضمون قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ إلى آخره. والنُّهى: جمع نهيةٍ، وهي العقل، والمعنى: إن في ذلك الإهلاك بالعذاب، لعبرًا كثيرةً، ودلالاتٍ واضحةً على الحق، لأصحاب العقول الكاملة الناهية عن القبائح. ١٢٩ - ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: ولولا الكلمة السابقة من ربك، والحكم الأزلي منه، بتأخير العذاب عن هذه الأمة؛ أي: أمة الدعوة، إلى الدار الآخرة، والمراد بتلك الكلمة (٢): العِدَةُ من الله بتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، لحكمة تقتضيه، يعني: أن الكلمة إخبار الله ملائكته، وكتبه في اللوح المحفوظ: أن أمة محمد ﷺ إن كذبوا فسيؤخرون، ولا يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال، لعلمه أن فيهم من يؤمن، ولو نزل بهم العذاب .. لعمهم الهلاك ﴿لَكَانَ﴾ عذاب ذنوبهم ﴿لِزَامًا﴾؛ أي: لازماً لهم، لا ينفك عنهم بحال، ولا يتأخر عنهم ساعةً، لزوم ما نزل بأولئك الغابرين عند تكذيبهم رسلهم، واللِّزَام: مصدر لازم الرباعي، من باب فاعل كقاتل، وُصف به للمبالغة، وقوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾ قاله الزجاج وغيره، والفصل (٣) للإشعار باستقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب، ولمراعاة فواصل الآي؛ أي: ولولا أجل مسمى لأعمارهم أو لعذابهم، وهو يوم القيامة، أو يوم بدر .. لكان عذاب جناياتهم لازماً لهم، ولما تأخر عنهم ساعةً. قيل (٤): ويجوز عطف ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ على الضمير المستتر في ﴿كان﴾ العائد إلى الأخذ العاجل المفهوم من السياق، تنزيلًا للفصل بالخبر منزلة التأكيد، والتقدير ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ﴾ الأخذ العاجل ﴿لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾

стр. 7776

لازمين لهم، كما كانا لازمين لعاد وثمود، قاله الزمخشري، وفيه تعسف ظاهر. ١٣٠ - ثم لما بين الله سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال .. أمره بالصبر فقال: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ من أنك ساحر كذاب، ونحو ذلك من مطاعنهم الباطلة و (الفاء) فيه: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت كون الأمر على ما ذكر، من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال، وأنه لازم لهم البتة، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ فيك من كلمات الكفر والنسبة لك إلى السحر والجنون، إلى أن يحكم الله فيهم، فإن علمه ﵊ بأنهم معذبون لا محالة، مما يسليه ويحمله على الصبر. والمعنى: لا تهتم بهم، فإن لعذابهم وقتًا مضروبًا، لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال، وفي "الشهاب" ما نصه؛ أي: إذا (١) لم نعذبهم عاجلًا .. فاصبر، فـ (الفاء): سببية، والمراد بالصبر: عدم الاضطراب لما صدر منهم من الأذية، لا ترك القتال، حتى تكون الآية منسوخةً، وفي "الكبير" هذا غير لازم. لجواز أن يقاتل ويصبر على ما يسمع منهم من الأذى، والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، كما سيأتي في مباحث الصرف ﴿وَسَبِّحْ﴾؛ أي: نزه ربك عما لا يليق به، حالة كونك متلبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وثنائه؛ أي: صل حامدًا لربك على هدايته وتوفيقه ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صلاةَ الفجر، فهو (٢) من إطلاق اسم الجزء على الكل، وفي الخبر "إن الذكر والتسبيح إلى طلوع الشمس أفضل من إعتاق ثمانين رقبة من ولد إسماعيل" وفيه مقال، خص إسماعيل بالذكر لشرفه، وكونه أبا العرب، وإنما أمره بالتسبيح لأن التسبيح وذكر الله تعالى يفيد السلوة والراحة، وينسي جميع ما أصاب من الغموم والأحزان ﴿و﴾ صلّ ﴿قَبْلَ غُرُوبِهَا﴾؛ أي: قبل غروب الشمس: صلاتي الظهر والعصر؛ لأنهما قبل غروبها وبعد زوالها ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: بعض ساعاته، جمع إنى بالكسر والقصر، كمِعى وأمعاء، وآناء بالفتح والمد؛ أي: وبعض ساعات الليل ﴿فَسَبِّحْ﴾؛ أي:

стр. 7777

فصل المغرب والعشاء (١)، وتقديم الوقت فيهما لاختصاصهما بمزيد الفضل، فإن القلب فيهما أجمع، والنفس إلى الاستراحة أميل، فتكون العبادة فيهما أشق ﴿و﴾ صل ﴿أَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة التطوع، أمر بالتطوع في أجزاء النهار وفي "عيون المعاني": هو بالنصب عطف على ما قبله من الظروف؛ أي: سبح في أطراف النهار، وهي صلاة المغرب، وصلاة الفجر على التكرار، لإرادة الاختصاص، كما في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ صلاة العصر عند بعض المفسرين. انتهى. وقال الطبري (٢): قبل غروبها وهي العصر، ومن آناء الليل هي العشاء الآخرة، وأطراف النهار الظهر والمغرب؛ لأن الظهر في آخر الطرف الأول من النهار وفي أول الطرف الثاني، فكأنها بين الطرفين، والمغرب في آخر الطرف الثاني فكانت أطرافاً، انتهى. وعبارة "المراح" هنا: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ معطوف (٣) على محل ﴿وَمِنْ آنَاءِ﴾ المنصوب بـ ﴿سبح﴾ المقرون بـ ﴿الفاء﴾ الزائدة، أو معطوفة على ﴿قَبْلَ﴾؛ أي: في طرف نصفيه؛ أي: في الوقت الذي يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال، فهو نهاية للنصف الأول وبداية للنصف الثاني؛ أي: اشتغل بتنزيه الله تعالى في هذه الأوقات عما ينسبونه إليه تعالى، مما لا يليق به، حامدًا له على ما ميزك بالهدى، أو المعنى: صل وأنت حامد لربك على كمال هدايته إياك صلاة الصبح، وصلاة العصر، وصلاة المغرب، وصلاة العشاء، وصلاة الظهر، والآية جامعة لذكر الصلوات الخمس. وقرأ الجمهور (٤): ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ بنصب الفاء، وهو معطوف على ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ وقيل: معطوف على ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ وقرأ الحسن، وعيسى بن عمر: ﴿وأطراف﴾ بخفض الفاء عطفًا على ﴿آناء﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾

стр. 7778

متعلق بـ ﴿سبح﴾؛ أي: سبح في هذه الأوقات، رجاء أن تنال عنده تعالى ما ترضى به نفسك من الثواب، ويسر به قلبك، وقرأ الجمهور ﴿تَرْضَى﴾ بفتح التاء بالبناء للفاعل، وقرأ أبو حيوة، وطلحة، والكسائي، وأبو بكر، وأبان، وعصمة، وأبو عمارة عن حفص، وأبو زيد عن المفضل، وأبو عبيد، ومحمد بن عيسى الأصبهاني: ﴿ترضى﴾ بضم التاء بالبناء للمفعول؛ أي: لعلك تُعطى ما يُرضيك. ١٣١ - ولما صبَّر رسوله على ما يقولون، وأمره بالتسبيح .. أتبع ذلك بنهيه عن مد عينيه إلى ما متعوا به من زينة الدنيا فقال: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾؛ أي: لا تُطل (١) نظرهما بطريق الرغبة والميل، استحسانًا للمنظور إليه، وإعجابًا به، وتمنيًا أن لك مثله ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾؛ أي: إلى ما أعطينا به عن خارف الدنيا ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أصنافًا من الكفرة، كالوثنيّ، والكتابيّ من اليهود والنصارى، بني قريظة والنضير، وهو مفعول ﴿مَتَّعْنَا﴾ حالة كون ما متعناهم به ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وزينتها وبهجتها ونضارتها وحسنها، قال الواسطي: هذه تسلية للفقراء، وتعزية لهم، حيث منع خير الخلق من النظر إلى الدنيا على وجه الاستحسان. وقرأ الجمهور (٢): ﴿زَهْرَةَ﴾ بسكون الهاء، وقرأ الحسن، وأبو البرهشيم، وأبو حيوة، وطلحة، وحُميد، وسلَّام، ويعقوب، وسهل، وعيسى، والزهري: بفتحها والزَّهرة والزُّهرة: بمعنى واحد، كالجَهرة والجُهرة، وأجاز الزمخشري في ﴿زَهْرَةَ﴾ المفتوح الهاء أن يكون جمع زاهر، نحو كافر وكفرة، وصفهم بأنهم زاهر. واللام في قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿متعنا﴾؛ أي: لا تلتفت بعينيك إلى ما متعنا لهم به لنفتنهم به؛ أي: لنجعل ذلك المتاع فتنةً وضلالة لهم، ابتلاءً منا لهم، أو (٣) لنعاملهم فيما أعطيناهم معاملة من نبتليهم حتى يستوجبوا العذاب، بأن يزيد لهم النعمة فيزيدوا كفرًا وطغيانًا، فلا بد من التنفير عنه، فإنه عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، أو لنعذبهم بسببه، وقرأ الأصمعي عن نافع

стр. 7779

﴿لنفتنهم﴾ بضم النون، من أفتنه: إذا جعل الفتنة واقعةً فيه. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾؛ أي: ثواب الله وما ادخره لصالحي عباده في الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ مما رزقهم في الدنيا؛ لأنه مع كونه أجلَّ ما يتنافس فيه المتنافسون مأمون الغائلة، بخلاف ما منحوه ﴿وَأَبْقَى﴾؛ أي: أدوم، فإنه لا يكاد ينقطع أبدًا وهذا ينقطع. ومعنى الآية: أي (١) ولا تُطل النظر استحسانًا ورغبةً فيما مُتع به هؤلاء المترفون من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، نختبرهم بها، ونعلم هل يؤدون شكرها أو تكون وبالًا عليهم، ونكالًا لهم، وقد آتاك ربك خيرًا مما آتاهم، فرضاه خيرٌ وأبقى كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ وخلاصة هذا: التنفير من الانهماك في التمتع بزهرة الدنيا: لسوء عاقبتها. ١٣٢ - وبعد أن أمر الله سبحانه نبيه ﷺ بالتسبيح في تلك الأوقات المذكورة، ونهاه عن مد بصره إلى ما متع به الكفار، أمره تعالى بأن يأمر أهله بالصلاة، التي هي بعد الشهادة آكد أركان الإِسلام، وأمره بالاصطبار على مداومتها ومشاقها، وأن لا يشتغل عنها، وأخبره تعالى أن لا يسأله أن يرزق نفسه، وأن لا يسعى في تحصيل الرزق، ويدأب في ذلك، بل أمره بتفريغ باله لأمر الآخرة، ويدخل في خطابه ﵇ أمته فقال: ﴿وَأْمُرْ﴾ أيها الرسول الكريم ﴿أَهْلَكَ﴾؛ أي: أهل بيتك، أو أهل دينك ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ المفروضة عليك وعليهم؛ أي: وأمرهم بالصلاة كما أمرناك بها بقولنا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ...﴾ الآية. فإن الفقير ينبغي أن يستعين بها على فقره، ولا يهتم بأمر المعيشة، ولا يلتفت إلى جانب أهل الثروة ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾؛ أي: وداوم أنت وهم عليها، غير مشتغل بأمر المعاش، فكان النبي ﷺ يذهب إلى فاطمة وعلي كل صباح ويقول: "الصلاة" كان يفعل ذلك أشهرًا. قال ابن عطاء: أشد أنواع الصبر الاصطبار، وهو السكون تحت موارد

стр. 7780

البلاء بالسر والقلب، والصبر بالنفس لا غير. انتهى. أي: واصبر على الصلاة، ولا تشتغل عنها بشيء من أمور الدنيا ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾؛ أي: لا نسألك أن ترزق نفسك ولا أهلك، وتشتغل بذلك عن الصلاة ﴿نَحْنُ نَرْزُقُك﴾ ونرزقهم ولا نكلفك ذلك، ففرغ بالك لأمر الآخرة، فإن من كان في عمل الله .. كان الله في عمله ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة وهي الجنة. ﴿لِلتَّقْوَى﴾؛ أي: لأهل التقوى، على حذف المضاف، كما قاله الأخفش، وفيه دليل على أن التقوى هي ملاك الأمر، وعليها تدور دوائر الخير، وقرأ الجمهور: ﴿نَرْزُقُكَ﴾ بضم القاف، وقرأت فرقة - منهم ابن وثاب -: بإدغام القاف في الكاف، وجاء ذلك عن يعقوب. والخلاصة (١): داوم على الصلاة لا نكلفك مالًا، بل نكلفك عملًا نؤتيك عليه أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، ونحن نعطيك المال، ونكسبك ولا نسألك، والعاقبة الصالحة لأهل الخشية والتقوى، لا لمن لا يخاف عقابًا، ولا يرجو ثوابًا كما قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. ١٣٣ - وأخرج مالك والبيهقي، عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصلي من الليل ما شاء الله تعالى أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل .. أيقظ أهله للصلاة، ويقول لهم الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية: ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال كفار قريش: ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا﴾؛ أي: هلا يأتينا محمد ﵊ فـ ﴿لولا﴾ تحضيضية بمعنى هلا؛ أي: هلا يأتينا ﴿بِآيَةٍ﴾ ومعجزة مما اقترحنا نحن ومن نعتد به، أو بآيةٍ كائنةٍ ﴿مِنْ﴾ آيات ﴿رَبِّهِ﴾ كما يأتي بها من كان قبله من الأنبياء، كموسى، وعيسى، لتكون علامةً على صدقه، وذلك كالناقة والعصى، بلغوا من العناد إلى حيث لم يعدوا ما شاهدوا من المعجزات من قبيل الآيات، حتى اجترؤوا على التفوه بهذه الكلمة العظيمة، فأجاب الله عليهم

стр. 7781

بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ و (الهمزة) فيه للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف معلوم من السياق، و (الواو): عاطفة على ذلك المحذوف (١)، والبينة: الدلالة الواضحة عقليةً كانت أو حسيةً، والمراد بها هنا: القرآن الذي فيه بيان للناس، و ﴿مَا﴾: عبارة عن العقائد الصحيحة وأصول الأحكام التي اجتمعت عليها كافة الرسل، والصحف: جمع صحيفة وهي التي يكتب فيها، وحروف التهجي صحيفة على حدة، مما أُنزل على آدم، والمراد بها: التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب السماوية، وفيها التصريح بنبوته والتبشير به، ولذلك فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها، وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوته، ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم، والتقدير: ألم ياتهم سائر الآيات، ولم يأتهم القرآن الذي هو بيان ما في الصحف الأولى، من العقائد المحقة، وأصول الأحكام؛ أي: قد أتاهم آية هي أم الآيات وأعظمها في باب الإعجاز وهو: القرآن. وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص: ﴿تأتهم﴾ بالتاء على لفظ بينة، وقرأ باقي السبعة، وأبو بحرية، وابن محيصن، وطلحة، وابن أبي ليلى، وابن مناذر، وخلف، وأبو عبيدة، وابن سعدان، وابن عيسى، وابن جبير الأنطاكي ﴿يأتهم﴾ بالياء لمجاز تأنيث الآية، والفصل، أو لأن البينة بمعنى البيان والبرهان، وقرأ الجمهور (٢): بإضافة ﴿بَيِّنَةُ﴾ إلى ﴿مَا﴾ وفرقة منهم أبو زيد عن أبي عمر بالتنوين و ﴿مَا﴾ بدل، وقرأت فرقة: بنصب ﴿بَيِّنَةُ﴾ والتنوين و ﴿مَا﴾ فاعل بـ ﴿تَأْتِهِمْ﴾ و ﴿بَيِّنَةُ﴾ نصب على الحال، فمن قرأ: ﴿يأتهم﴾ بالياء فعلى لفظ ﴿مَا﴾ ومن قرأ بالتاء راعى المعنى؛ لأنه أشياء مختلفة وعلوم من مضى، وما شاء الله، وقرأ الجمهور: ﴿فِي الصُّحُفِ﴾ بضم الحاء، وفرقة منهم ابن عباس بإسكانها. ١٣٤ - ثم بيَّن أنه لا عذر لهم في ترك الشرائع، وسلوك طرق الضلالة بوجه ما فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: أهلكنا كفار مكة في الدنيا، أو الكفرة ﴿بِعَذَابٍ﴾ مستأصل ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾؛ أي: من قبل محمد ﷺ أو من قبل

стр. 7782

إتيان البينة، أو من قبل إرسال الرسل ﴿لَقَالُوا﴾ يوم القيامة احتجاجًا واعتذارًا ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾؛ أي: هلا أرسلت إلينا رسولًا يأمرنا وينهانا في الدنيا مع كتاب ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ التي أتى بها الرسول ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾؛ أي: من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان في الدنيا بعذاب القتل والسبي، كما وقع يوم بدر، والذل الهوان ﴿وَنَخْزَى﴾ ونفتضح في الآخرة، بدخول النار. والمعنى (١): ولكن ألم نهلكهم قبل إتيانها، فانقطعت معذرتهم، فعند ذلك اعترفوا و ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾. قال في "الأسئلة المقحمة": هذا يدل (٢) على أنه يجب على الله أن يفعل ما هو الأصلح لعباده المكلفين، إذ لو لم يفعل .. لقامت لهم عليه الحجة، بأن قالوا: هلا فعلت بنا ذلك حتى نؤمن. والجواب: لو كان يجب عليه ما هو الأصلح لهم .. لما خلقهم، فليس في خلقه إياهم وإرسال الرسل إليهم رعاية الأصلح لهم، مع علمه بأنهم لا يؤمنون به، ولكنه أرسل الرسل وأكد الحجة، وسلب التوفيق، ولله تعالى أن يفعل ما يشاء بحق المالكية. انتهى. وقرأ الجمهور (٣): ﴿نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ مبني للفاعل، وقرأ ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، وزيد بن علي، والحسن في رواية عباد، والعمري، وداود، والفزاري، وأبو حاتم، ويعقوب: مبنيًا للمفعول. والمعنى: أي (٤) ولو أنا أهلكناهم في الدنيا بعذاب الاستئصال من قبل إتيان البينة، وهي القرآن .. لقالوا يوم القيامة: ربنا هلا أرسلت إلينا في الدنيا رسولًا معه الآيات الدالة على صدقه، فنتبع حججك وما تنزله عليه من أمرك ونهيك، من قبل أن نذل بتعذيبك، ونفتضح به.

стр. 7783

والخلاصة: أنا لو أهلكنا هؤلاء المكذبين قبل أن نرسل إليهم هذا الرسول الكريم، وننزل عليهم الكتاب العظيم .. لقالوا: ربنا هلا أرسلت إلينا رسولًا قبل أن تُهلكنا حتى نؤمن به ونتبعه، لكنا لم نهلكهم قبله، فانقطعت معذرتهم، ١٣٥ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأولئك الكفرة المتمردين ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل واحد منا ومنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ أي: منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم: قال في "الكبير" كل (١) منا ومنكم منتظر عاقبة أمره، إما قبل الموت بسبب الجهاد وظهور الدولة والقوة، أو بعد الموت بالثواب والعقاب، وبما يظهر على المحق من أنواع كرامة الله، وعلى المبطل من أنواع إهانته، وروي: أن المشركين قالوا: نتربص بمحمد حوادث الدهر، فإذا مات .. تخلصنا ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾؛ أي: فانتظروا أنتم عاقبة أمرنا، ونحن نتربص عاقبة أمركم ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ أيها الكفرة عن قريب، إذا جاء أمر الله ونصره ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾؛ أي: جواب من أصحاب الصراط المستقيم، والأصحاب جمع صاحب: بمعنى الملازم، والصراط: من السبيل ما لا التواء فيه؛ أي: لا إعوجاج فيه، بل يكون على سبيل القصد ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾؛ أي: وجواب. اهتدى من الضلال؛ أي: أنحن أم أنتم، كما قال بعضهم: سَوْفَ تَرَى إِذَا انْجَلَى الْغُبَارُ ... افَرَسٌ تَحْتَكَ أَمْ حِمَارُ وفيه تهديد شديد لهم. واعلم: أن الله سبحانه قطع المعذرة بالإمهال والإرشاد ذلك الحجة البالغة، وقرأ الجمهور (٢): ﴿السَّوِيِّ﴾: على وزن فعيل؛ أي: المستوي وقرأ أبو مجلز، وعمران بن حدير: ﴿السواء﴾؛ أي: الوسط، وقرأ الجحدري، وابن يعمر ﴿السوأى﴾ على وزن فعلى، أنث لتأنيث ﴿الصِّرَاطِ﴾ وهو مما يذكر ويؤنث تأنيث الأسوء، وقرىء ﴿السوي﴾ بضم السين وفتح الواو وشد الياء: تصغير السوء، قاله الزمخشري، وليس بجيّد، إذ لو كان تصغير سوءٍ .. لثبتت همزته في

стр. 7784

التصغير، فكنت تقول: سؤيي، والأجود أن يكون تصغير سواءٍ، كما قالوا في عطاءٍ عطي، ومن قرأ ﴿السوأى﴾ أو ﴿السوء﴾ كان في ذلك مقابلةً لقوله: ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ وعلى قراءة الجمهور لم تراع المقابلة في الاستفهام. والمعنى (١): قل أيها الرسول الكريم لهؤلاء المشركين بالله: كلنا منتظر لمن يكون الفلاح له، وإلام أمرنا وأمركم فتربصوا وارتقبوا، فستعلمون من أهل الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، إذا جاء أمر الله وقامت القيامة، أنحن أم أنتم، وستعلمون من المهتدي الذي هو على سنن الطريق المقاصد، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ ولا يخفى ما بين بداية السورة وخاتمتها من المناسبة، فإنها بُدئت ببيان أن القرآن قد أنزل لتحمل تعب الإبلاغ، وحيث قد بلغت فلا عليك، وختمت بطلب الإقبال على طاعة الله قدر الطاقة، وأمر أهله بالصلاة، وترك الذين لا يُنجح فيهم الإنذار، فإنه تذكره لمن يخشى، ويندم المخالف حيث لا ينفع الندم. الإعراب ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ الواو: استئنافية و (اللام): موطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿عَهِدْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَى آدَمَ﴾: متعلق به ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: جار ومجرور ومتعلق بـ ﴿عَهِدْنَا﴾ أيضًا، أو حال من ﴿آدَمَ﴾ والجملة الفعلية: جواب القسم، وجملة القسم: مستأنفة مسوقة لتقرير مساوىء النسيان، الذي هو صنو الجهل، وقرينه، ولذلك يجب التحوط عنه، والدعاء دائمًا، لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ﴿فَنَسِيَ﴾ (الفاء) عاطفة ﴿نسي﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿آدَمَ﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿عَهِدْنَا﴾ ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ (الواو): عاطفة ﴿لم نجد﴾: جازم ومجزوم، وفاعله: ضمير يعود على الله، تقديره: نحن ﴿لَهُ﴾: جار

стр. 7785

ومجرور في محل المفعول الثاني ﴿عَزْمًا﴾: مفعول أول لـ ﴿نَجِدْ﴾ إن (١) كان من الوجدان بمعنى العلم، فينصب مفعولين، ويحتمل كونه من الوجود ضد العدم، فينصب مفعولًا واحدًا وهو ﴿عَزْمًا﴾ و ﴿لَهُ﴾: حال منه، أو متعلق بـ ﴿نَجِدْ﴾ اهـ "بيضاوي". ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو: استئنافية ﴿إِذْ﴾ ظرف لما مضى من الزمان، متعلق بمحذوف تقديره: واذكر يا محمد قصة ﴿إذ قلنا للملائكة﴾ ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾: متعلق به، والجملة: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾ ﴿اسْجُدُوا﴾: فعل أمر وفاعل ﴿لِآدَمَ﴾: متعلق به، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾. ﴿فَسَجَدُوا﴾ الفاء: عاطفة ﴿سجدوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿قُلْنَا﴾. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿إِبْلِيسَ﴾: منصوب على الاستثناء، ولا تنس اختلاف العلماء في اتصال الاستثناء وانقطاعه ﴿أَبَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾ والجملة: في محل النصب حال من ﴿إِبْلِيسَ﴾ ﴿فَقُلْنَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿قُلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿اسْجُدُوا﴾. ﴿يَا آدَمُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾. ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ﴾: ناصب واسمه وخبره ﴿لَكَ﴾: متعلق بـ ﴿عَدُوٌّ﴾ أو صفة له ﴿وَلِزَوْجِكَ﴾: معطوف على ﴿لَكَ﴾ وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾ على كونه جواب النداء ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿لا﴾ ناهية جازمة ﴿يخرجن﴾ فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لا﴾ الناهية مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿إِبْلِيسَ﴾ و (الكاف): ضمير للمثنى المخاطب، في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّ﴾. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾: متعلق بـ ﴿يخرج﴾. ﴿فَتَشْقَى﴾ (الفاء):

стр. 7786

عاطفة سببية ﴿تشقى﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمر وجوبًا بعد (الفاء) السببية الواقعة في جواب النهي، وفاعله: ضمير يعود على ﴿آدَمُ﴾ والجملة الفعلية: صلة أن المضمرة الواقعة في جواب النهي، أن مع صلتها: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: لا يكن إخراجه إياكما فشقاؤكما، وأفرد الضمير في ﴿تشقى﴾ لأن آدم هو المخاطب من أول القصة، فهو المقصود، وإلا فمقتضى السياق أن يقال فتشقيا كما مر في مبحث التفسير. ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾. ﴿إِنَّ﴾ حرف نصب ﴿لَكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿أَلَّا﴾ ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾: نافية ﴿تَجُوعَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أن﴾ وفاعله: ضمير يعود على ﴿آدَمُ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿تجوع﴾. ﴿وَلَا تَعْرَى﴾: معطوف على ﴿تَجُوعَ﴾ وجملة ﴿تَجُوعَ﴾: صلة ﴿أنْ﴾ المصدرية ﴿أنْ﴾ مع صلتها: في تأويل مصدر منصوب على كونه اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخرًا، تقديره: إن عدم الجوع والعرى كائن لك، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْنَا﴾. ﴿وَأَنَّكَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿أنك﴾: ناصب واسمه ﴿لَا تَظْمَأُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَظْمَأُ﴾ ﴿وَلَا تَضْحَى﴾: معطوف على ﴿لَا تَظْمَأُ﴾ وجملة ﴿لَا تَظْمَأُ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ والتقدير: وأنك عادم الظمأ فيها، وعادم الضحو، وجملة ﴿أن﴾ المشددة: في تأويل مصدر معطوف على مصدر منسبك من ﴿أنْ﴾ المصدرية في قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾: عطف مفرد على مفرد، على كونه اسم ﴿إِنَّ﴾ المكسورة، والتقدير: إن لك عدم الجوع، وعدم العربي، وعدم الظمأ والضحو، وجاز أن تكون ﴿إِن﴾ بالفتح اسمًا، لـ ﴿إِنَّ﴾ بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يجز، حتى لو قلت: إن أن زيدًا قائم لم يجز، فلما فُصل بينهما جاز، فتقول إن عندي أن زيدًا قائم، فعندي: هو الخبر قدم على الاسم، وهو أن وما في حيزها ,لكونه ظرفًا، والآية من هذا القبيل، إذ التقدير: وإن لك أنك لا

стр. 7787

تظمأ اهـ من "السمين". ﴿فَوَسْوَسَ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿وسوس﴾: فعل ماض ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به ﴿الشَّيْطَانُ﴾: فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿قُلْنَا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾ والجملة بدل من جملة ﴿وسوس﴾ ﴿يَا آدَمُ﴾: منادى مفرد العلم، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿هل﴾ حرف للاستفهام الاستنصاحي ﴿أَدُلُّكَ﴾: فعل ومفعول، وفاعله: ضمير يعود على ﴿الشَّيْطَانُ﴾، ﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَدُلُّكَ﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمُلْكٍ﴾ معطوف على ﴿شَجَرَةِ﴾ وجملة ﴿لَا يَبْلَى﴾: صفة لـ ﴿ملك﴾. ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾. ﴿فَأَكَلَا﴾ الفاء: عاطفة ﴿أكلا﴾: فعل وفاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿وسوس﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿أكلا﴾. ﴿فَبَدَتْ﴾ (الفاء): عاطفة ﴿بدت﴾: فعل ماض ﴿لهما﴾ متعلق به ﴿سَوْآتُهُمَا﴾: فاعل ومضاف إليه والجملة: معطوفة على جملة ﴿أكلا﴾. ﴿وَطَفِقَا﴾: فعل ناقص واسمه؛ لأنه من أفعال الشروع، تعمل عمل كان وجملة ﴿يَخْصِفَانِ﴾: في محل النصب خبر ﴿طفقا﴾ وجملة ﴿طفقا﴾: معطوفة على جملة ﴿بدت﴾. ﴿عَلَيْهِمَا﴾ متعلق بـ ﴿يَخْصِفَانِ﴾؛ أي: لأجل ستر سوءتيهما فـ ﴿على﴾ تعليلية ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة لموصوف محذوف هو المفعول به؛ أي: ورقًا كائنًا ﴿مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾. ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا﴾ ﴿فَغَوَى﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿وَعَصَى﴾ ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿اجْتَبَاهُ﴾: فعل ومفعول به ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل، والجملة: معطوفة على جملة ﴿غوى﴾. ﴿فَتَابَ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الرب ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تاب﴾ والجملة: معطوفة على جملة ﴿اجْتَبَاهُ﴾. ﴿وَهَدَى﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿تَابَ﴾. ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ

стр. 7788

هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، والفاعل: مستتر يعود على الله، والجملة: مستأنفة ﴿اهْبِطَا﴾: فعل أمر وفاعل يعود على آدم وحواء، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿اهْبِطَا﴾. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من فاعل ﴿اهْبِطَا﴾ ﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ ﴿لِبَعْضٍ﴾: حال من ﴿عَدُوٌّ﴾ لأنه كان صفة له، أو متعلق به ﴿عَدُوٌّ﴾: خبر المبتدأ والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿اهْبِطَا﴾. ﴿فَإِمَّا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿إما﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم ﴿ما﴾ زائدة ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد ﴿مِنِّي﴾: متعلق به ﴿هُدًى﴾: فاعل ﴿فَمَن﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية ﴿مَنْ﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما ﴿اتَّبَعَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾. ﴿هَدَى﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿فَلَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿من﴾ الشرطية لاقترانه بـ ﴿لا﴾. ﴿لا﴾: نافية ﴿يَضِلُّ﴾: فعل مضارع، وفاعل، يعود على ﴿مَن﴾. ﴿وَلَا يَشْقَى﴾: معطوف عليه، وجملة ﴿يَضِلُّ﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾: الشرطية: جواب ﴿إن﴾ الشرطية وجملة ﴿إن﴾: الشرطية معطوفة على ﴿اهْبِطَا﴾: على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: عاطفة ﴿مَنْ﴾: اسم شرط في محل رفع مبتدأ، والخبر: جملة الشرط أو الجواب أو هما ﴿أَعْرَضَ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿أَعْرَضَ﴾. ﴿فَإِنَّ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾: الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة اسمية ﴿إن﴾ حرف نصب وتوكيد ﴿لَهُ﴾:

стр. 7789

جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿مَعِيشَةً﴾ اسمها مؤخر وجملة ﴿إن﴾: في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿مَن﴾ الأولى على كونها جوابًا لـ ﴿إنَّ﴾ الشرطية ﴿ضَنْكًا﴾ مصدر بمعنى ضيقةً صفة لـ ﴿مَعِيشَةً﴾ فلهذا لم يؤنث بأن يقال: ضنكةً، فهذا من قبيل القاعدة التي ذكرها ابن مالك بقوله في الخلاصة: وَنَعَتُوْا بِمَصْدَرٍ كَثِيْرَا ... فَالْتَزَمُوْا الإِفْرَادَ وَالتَّذْكِيْرَا ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على الله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق به ﴿أَعْمَى﴾ حال من ضمير المفعول في ﴿نحشره﴾؛ أي: فاقد البصر، والجملة الفعلية: في محل الجزم معطوفة على جملة ﴿إن﴾ على كونها جوابًا لـ ﴿من﴾ الشرطية وقد قرىء ﴿وَنَحْشُرُهُ﴾ بالجزم عطفًا على محل ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على المعرض، والجملة: مستأنفة ﴿لِمَ﴾ ﴿اللام﴾ حرف جر ﴿م﴾ اسم استفهام في محل الجر باللام، مبني بسكون على الألف المحذوفة فرقًا بينها وبين ما الموصولة، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿حَشَرْتَنِي﴾. ﴿حَشَرْتَنِي﴾: فعل وفاعل ومفعول ونون وقاية ﴿أَعْمَى﴾: حال من ياء المتكلم، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة: في محل النصب حال ثانية من ياء المتكلم، وعبارة القرطبي ﴿أَعْمَى﴾؛ أي: في حال بصيرًا؛ أي: في حال انتهى. ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف تقديره: حشرناك حشراً مثل ذلك الحشر، يعني: ﴿أَعْمَى﴾ أو فعلنا بك مثل ذلك، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر ﴿كَذَلِكَ﴾ والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ ﴿أَتَتْكَ﴾: فعل ومفعول ﴿آيَاتُنَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَنَسِيتَهَا﴾ (الفاء): عاطفة ﴿نسيتها﴾: فعل وفاعل ومفعول والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿أَتَتْكَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ (الواو): عاطفة ﴿كَذَلِكَ﴾:

стр. 7790

صفة لمصدر محذوف تقديره: ومثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا ﴿الْيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تُنْسَى﴾. ﴿تُنْسَى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله: ضمير يعود على المعرض، والتقدير: وتنسى اليوم نسياناً مثل نسيانك في الدنيا، والجملة الفعلية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿نسيتها﴾ على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ الواو: عاطفة ﴿كَذَلِكَ﴾ صفة لمحذوف ﴿نَجْزِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿نَجْزِي﴾. ﴿أَسْرَفَ﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة الفعلية: صفة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والتقدير: ونجزي من أسرف وجاوز الحد جزاءً مئل جزاء المعرض عن آياتنا في حشره أعمى، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾: على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ﴾ جازم ومجزوم وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يُؤْمِنْ﴾: وجملة ﴿يُؤْمِنْ﴾: معطوفة على جملة ﴿أَسْرَفَ﴾ على كونها صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿وَلَعَذَابُ﴾ (الواو): عاطفة و (اللام): حرف ابتداء ﴿عذاب الآخرة﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿أَشَدُّ﴾: خبر ﴿وَأَبْقَى﴾: معطوف عليه، والجملة: معطوفة على جملة ﴿نَجْزِي﴾ أو مستأنفة. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾. ﴿أَفَلَمْ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿يَهْدِ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به ﴿كَمْ﴾ خبرية بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾. ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿قَبْلَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: جار ومجرور صفة لتمييز ﴿كَمْ﴾ المحذوف تقديره: كم أهلكنا قبلهم قرنًا كائنًا من القرون، وجملة ﴿يَمْشُونَ﴾ في محل النصب حال من

стр. 7791

مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾ أو من الضمير في ﴿لَهُمْ﴾. ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْشُونَ﴾ والضمير يعود على المهلكين بفتح اللام، وجملة ﴿أَهْلَكْنَا﴾ من الفعل والفاعل: في تأويل مصدر من غير سابك لإصلاح المعنى، مرفوع على الفاعلية لـ ﴿يَهْدِ﴾ والتقدير: أغفل هؤلاء المشركون فلم يهد لهم إهلاكنا كثيرًا من القرون قبلهم، حالة كونهم ماشين في مساكن المهلكين، في أسفارهم إلى الشام، وجملة ﴿يَهْدِ﴾: من الفعل والفاعل معطوفة على تلك الجملة المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿لَآيَاتٍ﴾ (اللام): حرف ابتداء ﴿آيات﴾: اسم ﴿إنَّ﴾: مؤخر ﴿لأولي النهى﴾ جار ومجرور صفة ﴿لَآيَاتٍ﴾ والتقدير: إن آيات لأولى النهى لكائنة في ذلك، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾. ﴿وَلَوْلَا﴾ الواو: استئنافية ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود ﴿كَلِمَةٌ﴾: مبتدأ وجملة ﴿سَبَقَتْ﴾: صفة لـ ﴿كَلِمَةٌ﴾ ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾: متعلق بـ ﴿سَبَقَتْ﴾ وخبر المبتدأ محذوف وجوبًا تقديره: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ سابقة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ موجودة ﴿لَكَانَ﴾ (اللام) رابطة لجواب ﴿لَوْلَا﴾ كان: فعل ماض ناقص، واسمها: ضمير يعود على الإهلاك ﴿لِزَامًا﴾ خبر ﴿كان﴾ والتقدير: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب عنهم ﴿لَكَانَ﴾ الإهلاك العاجل لازما لهم ﴿وَأَجَلٌ﴾: معطوف على ﴿كَلِمَةٌ﴾. ﴿مُسَمًّى﴾: صفة له، والتقدير: ولولا أجل مسمى لإهلاكهم لكان الإهلاك العاجل لازمًا لهم. ويجوز كما قال الزمخشري، وأبو البقاء: أن يكون ﴿أجل﴾ معطوفًا على الضمير المستتر في ﴿كان﴾ وقام الفصل بخبرها مقام التأكيد بالضمير المنفصل، فيكون من قبيل قول ابن مالك: أو فاصلٍ ما؛ أي: لكان الإهلاك العاجل، وأجل مسمى لازمين لهم، كما كانا لازمين لعادٍ وثمودٍ. ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾. ﴿فَاصْبِرْ﴾ (الفاء) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر،

стр. 7792

تقديره: إذا كان الأمر على ما ذكر، من أن تأخير عذابهم ليس بإهمال بل إمهال، وهو واقع بهم، وآتٍ عليهم، وأردت ما هو اللازم لك .. فأقول لك ﴿اصبر﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على محمد ﴿عَلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق به، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾: صلة لـ ﴿ما﴾ والعائد محذوف، تقديره: على ما يقولونه، وجملة ﴿اصبر﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة: إذا المقدرة: مستأنفة ﴿وَسَبِّحْ﴾: فعل وفاعل مستتر معطوف على ﴿اصبر﴾ ﴿بِحَمْدِ رَبِّك﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿سبح﴾؛ أي: حالة كونك متلبسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّك﴾. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿سبح﴾. ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه معطوف على ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾: الواو عاطفة ﴿من آناء الليل﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿سبح﴾ المذكور بعده ﴿فَسَبِّحْ﴾ الفاء: زائدة ﴿سبح﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: معطوفة على جملة ﴿سبح﴾ الأول، وقال في "الشهاب" في هذه الفاء ثلاثة أوجه: إما عاطفة على مقدر، أو واقعة في جواب شرط مقدر، أو زائدة. انتهى. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: معطوف على محل ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ المنصوب بـ ﴿سبح﴾ المقرون بـ ﴿الفاء﴾ الزائدة؛ أي: صل في أطراف النهار، وعبارة "السمين": قوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾: العامة على نصبه، وفيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على محل ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾. والثاني: أنه عطف على ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾. انتهى. ﴿لَعَلَّكَ﴾ ﴿لعل﴾: حرف نصب وترج و (الكاف): اسمها وجملة ﴿تَرْضَى﴾: خبرها، ومتعلق ﴿تَرْضَى﴾: محذوف مفهوم من السياق؛ أي: بما تعطاه من الثواب، وجملة ﴿لعل﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿سبح﴾؛ أي: صلِّ حال كونك راجيًا في أن الله تعالى يرضيك بما يعطيه من الثواب. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾.

стр. 7793

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة ﴿لَا﴾: ناهية جازمة ﴿تَمُدَّنَّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير يعود على محمد ﴿عَيْنَيْكَ﴾ مفعول به ﴿إِلَى مَا﴾ متعلق بـ ﴿تَمُدَّنَّ﴾. ﴿مَتَّعْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿بِهِ﴾ متعلق به، وهو العائد على ﴿مَا﴾ الموصولة، والجملة: صلة لـ ﴿ما﴾ وجملة ﴿تَمُدَّنَّ﴾: معطوفة على جملة قوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾. ﴿أَزْوَاجًا﴾ مفعول ﴿مَتَّعْنَا﴾. ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة ﴿أَزْوَاجًا﴾ ويجوز أن يُنصب ﴿أَزْوَاجًا﴾ على الحال من الهاء في ﴿بِهِ﴾ راعى لفظ ﴿ما﴾ مرةً، ومعناها أخرى، فلذلك جمع. اهـ "سمين". فيكون منهم متعلقاٌ بـ ﴿مَتَّعْنَا﴾ ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في نصبه تسعة أوجه: الأول: أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿مَتَّعْنَا﴾ إذا أعربنا ﴿أَزْوَاجًا﴾ على أنه مفعول أول لأنه ضمَّن ﴿مَتَّعْنَا﴾ معنى: أعطينا فـ ﴿أَزْوَاجًا﴾ مفعول أول، و ﴿زَهْرَةَ﴾: مفعول ثان. الثاني: أن يكون بدلًا من ﴿أَزْوَاجًا﴾ وذلك إما على حذف مضاف؛ أي ذوي زهرة، وإما على المبالغة، كأنهم نفس الزهرة. الثالث: أن يكون منصوبًا لفعل مضمر، دل عليه ﴿مَتَّعْنَا﴾ تقديره: جعلنا لهم ﴿زَهْرَةَ﴾. الرابع: نصبه على الذم؛ أي: أذم ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. الخامس: أن يكون بدلًا من موضع الموصول. السادس: أن ينتصب بدلًا من محل ﴿بِهِ﴾. السابع: أن ينتصب حالًا من ﴿مَا﴾ الموصولة. الثامن: أنه حال من الهاء في ﴿بِهِ﴾ وهو ضمير الموصول، وهذا كالذي قبله في المعنى. التاسع: أنه تمييز لـ ﴿ما﴾ أو للهاء في ﴿بِهِ﴾ قاله الفراء. اهـ "سمين" ﴿زَهْرَةَ﴾: مضاف ﴿الْحَيَاةِ﴾: مضاف إليه ﴿الدُّنْيَا﴾ صفة لـ ﴿حياة﴾. ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾: اللام: للتعليل ﴿نفتن﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله:

стр. 7794

ضمير يعود على الله والهاء: مفعول به الجار والمجرور متعلق بـ ﴿مَتَّعْنَا﴾. ﴿فِيهِ﴾ متعلق بـ ﴿نفتنهم﴾. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر ﴿وَأَبْقَى﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾ والجملة الاسمية: في محل النصب حال من فاعل ﴿تَمُدَّنَّ﴾. ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾. ﴿وَأْمُرْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية أو عاطفة ﴿أمر أهلك﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ متعلق به، والجملة: مستأنفة أو معطوفة على جملة قوله: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾. ﴿وَاصْطَبِرْ﴾: فعل أمر، وفاعل: مستتر معطوف على ما قبله ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق به ﴿لَا﴾ نافية ﴿نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان، والجملة: مستأنفة ﴿نَحْنُ﴾: مبتدأ ﴿نَرْزُقُكَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ (الواو): استئنافية ﴿العاقبة﴾: مبتدأ ﴿لِلتَّقْوَى﴾: خبر المبتدأ، ولكنه على تقدير مضاف؛ أي: لأهل التقوى، والجملة: مستأنفة. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾. ﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلا ﴿يَأْتِينَا﴾: فعل ومفعول به وفاعله: ضمير يعود على محمد ﴿بِآيَةٍ﴾: متعلق به. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: صفة لـ ﴿آية﴾ والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾ ﴿أَوَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التقريري، داخلة على محذوف و (الواو): عاطفة على ذلك المحذوف ﴿لَمْ﴾: حرف جزم ﴿تَأْتِهِمْ﴾: فعل ومفعول ومجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿بَيِّنَةُ مَا﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿فِي الصُّحُفِ﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿الْأُولَى﴾ صفة لـ ﴿الصُّحُفِ﴾ والجملة الفعلية: معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: ألم يأتهم سائر الآيات ولم يأتهم بيان ﴿مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ والجملة الفعلية: معطوفة على تلك المحذوفة، والجمله المحذوفة: مستأنفة. ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ

стр. 7795

آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾. ﴿وَلَوْ أَنَّا﴾ الواو: استئنافية ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به ﴿بِعَذَابٍ﴾ متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿عذاب﴾ أو متعلق بـ ﴿أهلكنا﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مرفوع بفعل محذوف هو فعل شرط لـ ﴿لو﴾ تقديره: ولو ثبت إهلاكنا إياهم بعذاب من قبله ﴿لَقَالُوا﴾ (اللام): رابطة لجواب ﴿لو﴾ الشرطية ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل ﴿رَبَّنَا لَوْلَا﴾ إلى آخر الآية مقول محكي، والجملة الفعلية: جواب ﴿لو﴾: لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية: مستأنفة، وإن شئت قلت: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلا ﴿أَرْسَلْتَ﴾: فعل وفاعل ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿أَرْسَلْتَ﴾ ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة سببية ﴿نتبع﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿الفاء﴾ السببية الواقعة في جواب التحضيض، وفاعله: ضمير مستتر فيه وجوبًا تقديره: نحن يعود على الكفرة ﴿آيَاتِكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه ﴿مِنْ قَبْلِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿نتبع﴾ والجملة الفعلية: صلة أن المضمرة، أن مع صلتها: في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها من غير سابك لإصلاح المعنى، تقديره: هلا إرسالك إلينا رسولًا فاتباعنا آياتك ﴿أَنْ﴾: حرف مصدر ﴿نَذِلَّ﴾: فعل مضارع، وفاعل: مستتر منصوب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية ﴿وَنَخْزَى﴾ معطوف عليه، والجملة الفعلية: في تأويل مصدر مجرور بضافة الظرف إليه، تقديره: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ ذلنا وخزينا. ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله: ضمير يعود على محمد، والجملة: مستأنفة ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة قصد العموم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾: خبر والجملة في

стр. 7796

محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن كلاً منا ومنكم متربص، وأردتم بيان مقتضى ذلك .. فأقول لكم ﴿تربصوا﴾، ﴿تربصوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ (الفاء) استئنافية ﴿ستعلمون﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ ﴿أَصْحَابُ الصِّرَاطِ﴾: خبر ومضاف إليه والجملة الاستفهامية في محل النصب سادة مسد مفعولي علم، والكلام: على حذف مضاف؛ أي: فستعلمون جواب من أصحاب الصراط السوي؛ أي: فستعلمون جواب هذا السؤال وهو أنه هم المؤمنون ﴿السَّوِيِّ﴾ مضاف إليه ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ الواو: عاطفة ﴿مَنِ﴾ اسم استفهام مبتدأ ﴿اهْتَدَى﴾: فعل ماض، وفاعله: ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾ والجملة الفعلية: في محل الرفع خبر المبتدأ؛ أي: ومن المهتدي؛ أي: وجواب من المهتدي منا ومنكم، والجملة الاستفهامية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ﴾ على كونها سادة مسد مفعولي علم. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ والعهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، كما مر، والوصية: يقال عهد إليه الملك بكذا، وتقدم إليه بكذا: إذا أمره وأوصاه. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل وجود هؤلاء المخالفين. ﴿عَزْمًا﴾ والعزم على الشيء: تصميم الرأي، والثبات عليه. ﴿وَلَا تَضْحَى﴾ يقال: ضحى كسعى، وضحي كرضي: إذا أصابته الشمس بحرها اللافح، وفي "القاموس": وضحا يضحو، كغزا يغزو، ضحوًا: إذا برز للشمس، وكسعى ورضي، ضحوًا وضحيًا: أصابته الشمس. انتهى. ﴿شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾؛ أي: الشجرة التي إذا أكل منها الإنسان .. خلد ولم يمت.

стр. 7797

﴿فَوَسْوَسَ﴾ يقال: وسوس إليه؛ أي: أنهى إليه الوسوسة، وأما وسوس له، فمعناه: وسوس لأجله، وقال أبو البقاء: عُدي وسوس بـ ﴿إلى﴾؛ لأنه بمعنى أسَرَّ، وعُدِّي في موضع آخر باللام، لكونه بمعنى ذكر له، ويكون بمعنى لأجله. اهـ "سمين" وسوسة الشيطان: كولولة الثكلى، ووعوعة الذئب في أنها حكايات للأصوات، وسنتحدث عن أسماء الأصوات وحكايتها في فصل مستقل، في آخر مباحث الصرف إن شاء الله تعالى. وفي "القاموس" وسوس الشيطان له، وإليه وسواسًا ووسوسةً: إذا حدَّثه بشر أو بما لا نفع فيه ولا خير، ووسوس الرجل: أصيب في عقله، وتكلم بغير نظام، وأصابته الوساوس: فهو موسوس، وتكلم بكلام خفي، والوسواس: صوت الحلي كما مر، ووُسْوِس الرجل كلامًا خفيًا، ووسوس به، بالبناء للمجهول: اختلط كلامه ودهش، والوسواس الاسم من وسوس، والوسواس الشيطان، والوسواس مرض يحدث من غلبة السوداء، ويختلط معه الذهن، ويقال، لما يخطر بالقلب من شر أو لما لا خير فيه: وسواس وجمعه: وساوس. ﴿يَخْصِفَانِ﴾ في "القاموس": خصف النعل يخصفها: خرزها، والورق على بدنه: ألزقها وأطبقها عليه ورقةً ورقةً، ويقال: خصف ورق الشجرة بعضه ببعض، حتى يصير عريضًا صالحًا للاستتار. ﴿وَعَصَى آدَمُ﴾ يقال: عصى عصياناً: إذا خرج عن الطاعة، وأصله: أن يمتنع بعصاه. ﴿فَغَوَى﴾؛ أي: ضل عن الرشد، حيث اغتر بقول عدوه. و ﴿اجْتَبَاهُ﴾؛ أي: اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة، والتوفيق لها، من جبى إلى كذا فاجتبيته، مثل جليت على العروس فاجتليتها، وأصل الكلمة: الجمع. اهـ "بيضاوي". فالمجتبى: كأنه في الأصل مَنْ جُمِعَتْ فيه المحاسن، حتى اختاره غيره. انتهى "شهاب". ﴿اهْبِطَا مِنْهَا﴾ يقال: هبط هبوطًا إلى نزل، قال الراغب:

стр. 7798

الهبوط الإنحدار على سبيل القهر، كهبوط الحجر، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وإذا استعمل في الإنسان الهبوط، فعلى سبيل الاستخفاف، بخلاف الإنزال، فإن الإنزال ذكره الله في الأشياء التي نبه على شرفها، كإنزال القرآن، والملائكة، والمطر، وغير ذلك، والهبوط: ذكره حيث نبه على البعض، نحو ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾. ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾؛ أي: عن الهداية بكتبي السماوية. ﴿ضَنْكًا﴾ والضَّنْك: الضيق الشديد في كل شيء، يقال للذكر والأنثى: ضَنُكَ ككرم ضنكًا وضناكةً وضنوكة: إذا ضاق. اهـ "قاموس" وفي "السمين": قوله ﴿ضَنْكًا﴾: صفة لمعيشة، وأصله المصدر، ولذلك لم يؤنث كما مر، ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد، وقرىء: ﴿ضنكى﴾ بألف كسكرى، وفي هذه الألف احتمالان: أحدهما: أنها بدل من التنوين، وإنما أُجري الوصل مجرى الوقف. والثاني: أن تكون ألف التأنيث، بُنِي المصدر على فعلى نحو دعوى، والضَّنْك: الضيق والشدة، يقال منه: ضَنُك عيشه، يَضْنُك ضناكةً وضنكًا، وامرأة ضَنَّاك كثيرة لحم البدن، كأنهم تخيلوا ضيق جلدها به. اهـ "سمين". ﴿أَعْمَى﴾؛ أي: عن النظر في الحجج والبراهين الإلهية. ﴿أَسْرَفَ﴾؛ أي: انهمك في الشهوات، واسترسل فيها. ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾؛ أي: لم يهتد لهم، فهو لازم فمعناه يتبين. ﴿الْقُرُونِ﴾: جمع قرن، وهو: القوم المقترنون في زمن واحد كما مر. ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ قال الراغب: المشي: الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة، والسكون: ثبوت الشيء بعد تحرك، ويستعمل في الاستيطان، نحو سكن فلان مكان كذا؛ أي: استوطنه، واسم المكان: مسكن، والجمع: مساكن. ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾؛ أي: لأصحاب العقول الراجحة، جمع نهية، وهو: العقل.

стр. 7799

﴿لِزَامًا﴾؛ أي: لازمًا لهم، لا يتأخر عنهم، وهو في الأصل: مصدر لازم، بوزن فاعل، وإن كان هنا بمعنى اسم الفاعل. ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ قال الراغب: الصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه، فالصبر: لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة .. يسمى صبرًا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربةٍ .. سمي: شجاعةً، ويضاده الجبن، لان كان في نائبةٍ .. سمي: رحب الصدر، ويضاده الضمير، وإن كان في إمساك الكلام .. سمي كتمانًا، ويضاده البذل، وقد سمي الله تعالى كل ذلك، ونبه عليه بقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ وسمى الصوم: صبرًا لكونه كالنوع منه. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أي: اشتغل بتنزيه الله وتعظيمه. ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾؛ أي: في ساعات الليل. و ﴿مِنْ﴾ بمعنى في، والآناء جمع إنىً بكسر الهمزة وبالقصر، كمعًى بكسر الميم جمعه: أمعاء، وهو محذوف اللام، فوزنه فِعَى بكسر الفاء. ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ المراد بالجمع: ما فوق الواحد؛ لأن المراد بالأطراف الزمن، الذي هو آخر النصف الأول، وأول النصف الثاني فهما طرفان؛ أي: آخر الأول، وأول الثاني طرفان للنهار؛ أي: طرفان لنصفيه، كل واحد منهما طرف لنصف، وإن كانا متصلين. اهـ شيخنا. ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أصل المد: الجر، ومنه المدة للوقت الممتد، وأكثر ما جاء الإمداد في المحبوب، والمد في المكروه، ونحو ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ﴾ وقوله: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ والعين: الجارحة بخلاف البصر. ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: لذَّذْنَا به؛ أي: فالإمتاع والتمتع معناه: الإيقاع في اللذة. اهـ شيخنا. وفي "الكبير": ألذذنا به، والإمتاع الإلذاذ بما يدرك من المناظر الحسنة، ويُسمع من الأصوات المطربة، ويشم من الريح الطيبة، وغير ذلك من الملابس والمناكح.

стр. 7800

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ قال الراغب: الدل: ما كان من قهر، والذَّل: ما كان بعد تصعب وشماس من غير قهر، وقال الراغب أيضًا، خزي الرجل: لحقه انكسار، إما من نفسه، وإما من غيره، فالذي يلحقه من نفسه، هو: الحياء المفرط، ومصدره: الخزاية، والذي يلحقه من غيره، يقال: هو ضرب من الاستحقاق، ومصدره: الخزي. فصل في أسماء الأصوات وعدناك ببحث أسماء الأصوات، ونرى أن نتوسع فيها قليلًا؛ لأن كتب النحو قلما تهتم لها، فهي تجري مجرى أسماء الأفعال؛ لأنها متواخية معها، وهي مبنية، وتنقسم إلى قسمين: الأول: منهما: ما خوطب به ما لا يعقل، مما يشبه اسم الفعل في الاكتفاء به، ولكن اسم الفعل مركب، واسم الصوت مفرد، لعدم تحمله الضمير، كقولهم في دعاء الإبل لتشرب: جىء جىء بكسر الجيم فيهما، مكررين مهموزين، وفي "المحكم": أنهما أمر للإبل بورود الماء، يقال: جأجأت الإبل: إذا دعوتها لتشرب الماء، فقلت: جىء جىء، نقله الجوهري عن الأموي، وكقولهم في دعاء الضأن: حاحا، وفي دعاء المعز: عاعا غير مهموزين، والفعل منهما: حاحيت وعاعيت، قال سيبويه: وأبدلوا الألف من الياء لشبهها بها؛ لأن قولك: حاحيت، إنما هو صوت بنيت منه فعلًا، وليست فاعلت، وكقولهم في زجر البغل: عَدَسْ مَا لِعَبَّادٍ عَلَيْكِ إِمَارَةٌ ... نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلِيْنَ طَلِيْقُ فعدس: يزجر به البغل، وقد سمي البغل به، والتقدير: على التسمية به: يا عدس، فحذف حرف النداء، وإمارة بكسر الهمزة؛ أي: حكم. والثاني: منهما: ما حكي به صوت مسموع، والمحكي صوته قسمان: حيوان، وغيره. والأول: كغاق بالغين المعجمة، والقاف لصوت الغراب.

стр. 7801

والثاني: نحو طاق، حكايةً لصوت الضرب، وطق بفتح الطاء، حكايةً لصوت وقع الحجارة بعضها على بعضٍ هذا. نبذة في تعداد أسماء الأصوات الصرير: صوت القلم والسرير والباب والطست والنعل، والنشيش: صوت غليان القدر بالشراب، الرنين: صوت الثكلى والقوس، القصيف: صوت الرعد والبحر وهدير الفحل، النقيق: صوت الدجاج والضفدع، القعقعة: صوت السلاح والجلد اليابس والقرطاس، الغرغرة: صوت غليان القدر وتردد النفس في صدر المحتضر، العجيج: صوت الرعد والنساء والشاء، الزفير: صوت النار والحمار، والمكروب إذا امتلأ صدره غمًا، فزفر به، الخشخشة، والشحشحة: صوت حركة القرطاس والثوب الجديد والدرع، الجلجلة: صوت السبع وحركة الجلاجل، الحفيف: صوت حركة الأغصان وجناح الطائر وحركة الحية، الصليل، والصلصلة: صوت الحديد واللجام والسيف والدراهم والمسامير، الطنين: صوت البعوض والذباب والطنبور، والأطيط: صوت الناقة والمحمل والرحل - إذا أثقله ما عليه - الصرصرة: صوت البازي والبط، الدوي: صوت النحل والأذن والمطر والرعد، الأنقاض: صوت الدجاجة والفروخ، التغريد: صوت المغني والحادي والطائر، وكل صائت طرب الصوت فهو كرد، الزمزمة، والزهزمة: صوت الرعد ولهب النار وحكاية صوت المجوسي إذا تكلم الكلام وهو مطبق فمه. انتهى من "إعراب القرآن". البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾. ومنها: إضافة السبب إلى المسبب في قوله: ﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾. ومنها: الاستخدام في قوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾؛ أي: من ثمرتها، وهو ذكر

стр. 7802

الشيء بمعنى، وإعادة الضمير عليه بمعنى آخر. ومنها: المقابلة بين قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾. ومنها: الطباق بين ﴿أَعْمَى﴾ و ﴿بَصِيرًا﴾. ومنها: التشبيه المجمل المرسل في قوله: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا﴾. ومنها: التكرار في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ﴾. ومنها: الاستفهام الإنكاري التوبخي في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾. ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك﴾ من إطلاق الجزء، وإرادة الكل؛ لأنه بمعنى صل. ومنا: الطباق في قوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وبين الليل والنهار في قوله: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾. ومنها: التشبيه التمثيلي في قوله: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مثل لنعم الدنيا بالزهر، وهو: النور؛ لأن الزهر له منظر حسن، ثم يذبل ويضمحل، وكذلك نعيم الدنيا. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾. ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أَرْسَلْتَ﴾. ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾، وفي قوله: ﴿كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾. ومنها: الوعيد والتهديد في قوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7803

خلاصة ما تضمنته هذه السورة ١ - أن القرآن أُنزل على نبيه ﷺ تذكرةً لمن يخشى، أنزله من خلق الأرض والسموات العلى. ٢ - قصص موسى ﵇ وتكليمه ربه في الطور، وحديث العصا واليد البيضاء من غير سوء، وطلبه من ربه أن يجعل له أخاه هارون وزيرًا، وإجابة سؤاله في ذلك، وامتنانه عليه بما حدث له حين وضع في التابوت، وألقي في اليم، وقص أخته ورجوعه إلى أمه، ثم طلب ربه منه أن يُبلغ فرعون دعوته، وينصح له في قبول دينه، وإقامة شعائره، وإجابة فرعون له بأنه ساحر كذاب، وأنه سيجمع له السحرة، فتوعدهم فرعون بالعذاب، فلم يأبهوا له، واستمر فرعون في غيّه حتى أوحى الله إلى موسى أن يخرج من مصر، فأتبعه هو وجنوده فأُغرقوا. ٣ - حديث السامري، وإضلاله بني إسرائيل، باتخاذه عجلًا جسدًا له خوار، حين كان موسى بالطور، وحين رجع ورأى ذلك هاله الأمر، وغضب من أخيه هارون، وأخذ يجره من رأسه، ثم إغلاظه القول للسامري، ودعوته عليه بأنه يعيش طريدًا في الحياة، وسيعذبه الله في الآخرة أشد العذاب، ثم نسف إلهه وإلقاؤه في اليم. ٤ - بيان أن من أعرض عن القرآن .. فإنه سيلقى الجزاء والوبال يوم القيامة. ٥ - ذكر أوصاف المجرمين حينئذٍ، وأنهم يختلفون في مدة لبثهم في الدنيا. ٦ - سؤال المشركين عن حال الجبال يوم القيامة، وأن الأصوات حينئذٍ تخشع للرحمن، فلا تسمع إلا همسًا، وأن الوجوه تخضع لربها القائم بأمرها. ٧ - وصف القرآن الكريم بأنه عربي مبين، أنزل تذكرة للناس، وأن الله سيعصم رسوله من نسيانه، فلا ينبغي أن يعجل بتلاوته قبل أن يتم تبليغ جبريل له.

стр. 7804

٨ - قصص آدم ﵇ مع إبليس وترك آدم للعهد الذي وصاه به ربه، وقبول نصيحة إبليس، مما كان سببًا في إخراجه من الجنة. ٩ - بيان أن من أعرض عن ذكر ربه .. عاش في الدنيا عيشةً ضنكًا، وعمي في الآخرة عن الحجة التي تنقذه من العذاب؛ لأنه قد كان في الدنيا أعمى عنها، تاركًا لها فتركه ربه من إنعامه. ١٠ - بيان أن في المثلات التى سلفت للأمم قبلهم، ممن يقرون على ديارهم مصبحين، وبالليل، كعادٍ وثمود، ما ينبغي أن يكون رادعًا لهم، وزاجرًا لو تدبروا وعقلوا. ١١ - إن كلمة الله قد سبقت بأنه سيؤخر عذاب المشركين إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة. ١٢ - طلبه من رسوله تنزيهه، والثناء عليه آناء الليل وأطراف النهار، رجاء أن يعطيه ما يرضيه. ١٣ - أمر رسوله أن يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر هو عليها، وهي لا تكون شاغلًا لهم عن الرزق. ١٤ - طلب المشركين من الرسول أن ياتيهم بآية من نوع ما أوتي الرسل الأولون. ١٥ - إن إنزال القرآن على رسوله، ليزيح العلة، ويمنع المعذرة، يوم القيامة، فلا يقولون: لولا أرسلت إلينا رسولًا، وأتينا بكتاب نتبعه. ١٦ - وعيد المشركين بأنهم يتربصون، وسيعلمون يوم القيامة لمن يكون له حسن العاقبة. * * *

стр. 7805

ربنا إنك رؤوف بعبادك، رحيم بهم، ربنا اجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه (١). والله أعلم * * *

стр. 7806

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن عبد الله الأرمي العلوي الهرري الشافعي المدرس بدار الحديث الخيرية في مكة المكرمة إشراف ومراجعة الدكتور هاشم محمد علي بن حسين مهدي خبير الدراسات برابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة «المجلد الثامن عشر»

стр. 7807

حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م دار طوق النجاة بيروت - لبنان

стр. 7808

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن [١٨]

стр. 7809

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 7810

شعرٌ بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِيْ ... وَمَنْ طَلَبَ الْعُلاَ سَهِرَ اللَّيَالِيْ تَرُوْمُ الْعِزَّ ثُمَّ تَنَامُ لَيْلاً ... يغُوْصُ الْبَحْرَ مَنْ طَلَبَ الَّلألِيْ عُلُوُّ الْكَعْبِ بِالْهِمَمِ الْعَوَالِيْ ... وَعِزُّ الْمَرْءِ فِيْ سَهَرِ اللَّيَالِيْ وَمَنْ رَامَ الْعُلاَ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ ... أَضَاعَ الْعُمْرَ فِيْ طَلَبِ الْمُحَالِ تَرَكْتُ النَّوْمَ رَبِّيْ فِيْ اللَّيَالِيْ ... لأَجْلِ رِضَاكَ يَا مَوْلَى الْمَوَالِيْ فَوَفِّقْنِيْ إِلَى تَحْصِيْلِ عِلْمٍ ... وَبَلِّغْنِيْ إِلَى أَقْصَى الْمَعَالِيْ
следующие страницы →