← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7876–7915 · переход к 7881.

стр. 7876

وسئل علي ﵁: أيُّ الخلق أشدُّ؟ قال: أشد الخلق الجبال الرواسي، والحديد أشد منها يحث به الجبل، والنار تغلب الحديد، والماء يطفىء النار، والسحاب يحمل الماء، والريح يحمل السحاب، والإنسان يغلب الريح بالثبات، والنوم يغلب الإنسان، والهم يغلب النوم، والموت يغلب كلها، انتهى. واعلم (١): أنه قد أثبت العلم حديثاً أن الأرض كانت نارًا ملتهبةً، ثم بردت قشرفها، وصارت صوانيةً صلبةً، وقدّروا زمن ذلك بنحو ثلاث مئة مليون سنةً. ومما يدل على صدق هذه النظرية ما نراه من حمم النيران التي تخرجها البراكين في جهات كثيرة من الأرض كما حدث في سنة (١٩٠٩) لبركان فيزوف بإيطاليا، وقد طغى على مدينة مسينا، وابتلعها في باطنه، ولم يبق منها شيئًا، فهذه البراكين أشبه بأفواهٍ تتنفس بها الأرض لتخرج من باطنها نيرانًا، ومواد ذائبة، مما يرشد إلى أنها كلها في أحقاب طويلة كانت كذلك. ولولا هذه القشرة الصلبة لتفجرت ينابيع النيران من سائر جهاتها، كما كانت بعدما انفصلت من الشمس كثيرة الثوران والفوران، وهذه القشوة الصوانية البعيدة الفور المغلقة للكرة النارية هي الحافظة لكرة النار التي تحتها، وهي التي تنبت منها الجبال التي نراها فوق أرضنا، وقد جعلت لحفظ الأرض من أن تميد، وما هي إلّا كأسنانٍ لها، طالت وامتدت فوق طبقات الأرض، فلو زالت هذه الجبال لبقي ما تحتها مفتوحًا، وإذ ذاك ربما تثور البراكين في جهات كثيرةٍ من الأرض، وتضطرب اضطرابًا شديدًا، وتزلزل زلزالًا كثيرًا. وخلاصة ذلك: أنه لو لم تكن هذه الجبال التي هي قطعةٌ من قشرة الأرض مرتفعةٌ لما وجد ما يحفظ النيران المشتعله في باطن الأرض من الظهور على سطحها، بالبراكين والزلازل، وإذ ذاك ربما تضطرب الأرض اضطرابًا شديدًا، وتخرج نيرانها الملتهبة من باطنها، وتطغى على سطحها، وتهلك الحرث والنسل. وهذه هي المعجزة الثالثة في الآية التي ترشد إلى أن القرآن وحي يوحى،

стр. 7877

فما محمد، ولا قومه، ولا الأمم المعاصرون لهم يعلمون شيئًا من هذه الآيات الكونية التي أيد صحتها تقدم العلوم، ففهم ظاهر الأرض وباطنها، وفي هذا مصداق لما أثر عن علي ﵁: "القرآن جديد لا تبلى جدته". والرابع: ما ذكره بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾؛ أي في الأرض، أو في الرواسي، وعليه اقتصر في الجلالين؛ لأنها المحتاجة إلى الطرق ﴿فِجَاجًا﴾، أي: طرقًا ﴿سُبُلًا﴾؛ أي مسلوكةً؛ لأن السبيل من الطرق ما هو معتاد السلوك، والفجُّ الشقُّ بين الجبلين. قال أبو عبيدة: الفجاج المسالك. وقال الزجاج: الفجاج جمع فجّ، وهو كل مخترق بين جبلين، و ﴿سُبُلًا﴾ تفسير للفجاج؛ لأنَّ الفج قد لا يكون طريقًا نافذًا مسلوكًا ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لكي يهتدوا إلى مصالحهم ومهماتهم التي جعلت لهم في البلاد البعيدة، أو إرادة أن يهتدوا إلى ذلك. وعبارة النسفي هنا: ﴿فِجَاجًا﴾ أي (١): طرقا واسعة: جمع فج، وهو الطريق الواسع، ونصب على الحال من ﴿سُبُلًا﴾ متقدمة، فإن قلت: أي فرق بين قوله تعالى: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ وبين هذه الآية؟ قلت: الأول للإعلام بأنه جعل فيها طرقا واسعة. والثاني لبيان أنه حين خلقها، خلقها على تلك الصفة فهو بيان لما أبهم ثَمَّ، انتهت. وعبارة البيضاوي: قوله: ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾؛ أي (٢): مسالك واسعة، وإنما قدّم ﴿فِجَاجًا﴾ وهو وصف له ليصير حالًا، فيدل على أنه حين خلقها خلقها كذلك، أو ليبدل منها سبلًا، فيدل ضمناً على أنه خلقها، ووسعها للسابلة مع ما يكون فيه من التوكيد انتهت. والمعنى: أي وجعلنا في الأرض طرقًا بين جبالها يسلكها الناس من قطر إلى

стр. 7878

قطر، ومن إقليم إلى آخر، ليهتدوا بذلك إلى مصالحهم، ومهام أمورهم المعيشية. ٣٢ - والخامس: ما ذكره بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ سميت سقفًا لأنها للأرض كالسقف ﴿مَحْفُوظًا﴾ من أن يقع ويسقط على الأرض كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾، وقال الفراء (١): ﴿مَحْفُوظًا﴾ من الشياطين بالشهب كقوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾، وقيل: محفوظاً لا يحتاج إلى عماد. وقيل: المراد بالمحفوظ هنا المرفوع. وقيل: مَحْفُوظاً من الشرك والمعاصي. وقيل: مَحْفُوظاً عن الهدم والنقض ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الكفار ﴿عَنْ آيَاتِهَا﴾؛ أي: عن الأدلة الواضحة التي خلقها الله تعالى فيها، وجعلها علاماتٍ نيّرةً على وجوده ووحدته وكمال صنعه، وعظيم قدرته، وباهر حكمته مثل الشمس والقمر والنجوم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ غير متفكرين، ولا متدبرين فيها فيؤمنون؛ أي (٢): معرضون عن أحوالها، وكيفية حركاتها في أفلاكها، ومطالعها ومغاربها، والترتيب العجيب الدال على الحكمة البالغة، والقدرة الباهرة، لا يتفكرون ولا يعتبرون بها. وقرأ الجمهور (٣): ﴿عَنْ آيَاتِهَا﴾ بالجمع، وقرأ مجاهد وحميد ﴿عَنْ أيَتِهَا﴾ بالإفراد. والمعنى (٤): أي أنه نظم السماء، وجعلها كالسقف المحفوظ من الاختلال وعدم النظام، فقد حفظت الشموس والكواكب في مداراتها، بحيث لا يختلط بعضها ببعض، ولا يتخبط بعضها في بعض، بل جعلت في أماكنها الخاصة بها بقوة الجاذبية، فالشمس والقمر والكواكب الأخرى متجاذبات حافظات لمداراتها لا تخرج عنها، وإلَّا اختل نظام هذا العالم، وبهذا الحفظ ونظام الدوران كان الليل والنهار، الحادثين من جري الأرض حول الشمس. ونحو الآية قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.

стр. 7879

﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: والمشركون معرضون عن التفكر في تلك الآيات الدالة على وحدانيتنا وعظيم قدرتنا وإحاطة علمنا. ٣٣ - السادس: ما ذكره بقوله: ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد لكم ﴿اللَّيْلَ﴾ الذي هو (١) ظل الأرض، لتسكنوا فيه ﴿وَالنَّهَارَ﴾ الذي هو ضوء الشمس، لتتصرفو في معايشكم ﴿و﴾ خلق ﴿الشمس﴾ الذي هو كوكب مضيء نهاري، وجعلها آية النهار ﴿وَالْقَمَرَ﴾ الذي هو كوكب مضيء ليلي، وجعله آية الليل؛ أي: خلقهما، لتعلموا عدد السنين والحساب، كما مرّ بيانه في سورة الإسراء؛ أي: فالله ، هو الذي أوجد هذه الأشياء، وأخرجها من العدم إلى الوجود دون غيره، فله القدرة الكاملة، والحكمة الباهرة ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كل واحد من الشمس والقمر والنجوم. والتَّنوين (٢) فيه عوض عن المضاف إليه؛ أي: كلهم، والضمير للشمس والقمر، والمراد بهما: جنس الطوالع. وجمع جمع العقلاء للوصف بفعلهم، وهو السباحة، وحسَّن ذلك. كونه جاء فاصلة رأس آية. وهو مبتدأ، وقوله: ﴿فِي فَلَك﴾ متعلق بـ ﴿يَسْبَحُونَ﴾ الواقع خبرًا عن المبتدأ؛ أي: كل من الشمس والقمر والنجوم يسبحون في ذلك على حدة؛ أي (٣): يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء، والفلك مدار النجوم الذي يضمها، وهو في كلام العرب، كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك. وقيل: الفلك طاحونة، كهيئة فلك المغزل، يريد: أن الذي تجري فيه النجوم، مستدير كاستدارة الرحى. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه ذلك الكوكب، فكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، قال الراغب: الفلك مجرى الكواكب، وتسميته بذلك، لكونه كالفلك. والمعنى (٤): أن الكواكب يجرون في سطح الفلك، كالسبح في الماء، فإن السبح المرور السريع في الماء، أو في الهواء، واستعير لمرور النجوم في الفلك، كما في "المفردات" ويفهم منه: أن الكواكب مرتكزة في الأفلاك، ارتكاز فض

стр. 7880

الخاتم في الخاتم، قال في "شرح التقويم": كل واحد من الكوكب مركوز في فلك مغرق فيه، كالكرة المنغمسة في الماء، لا كالسمك فيه. والأفلاك متحركة بالإرادة من المشرق إلى المغرب، والكواكب بالعرض. وقال بعضهم، أخذًا بظاهر الآية: إن الفلك موج مكفوف، من السيلان دون السماء، تجري فيه الشمس والقمر، كما تسبح السمكة في الماء. والحق، أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السموات؛ إلَّا بإخبار الصادق المصدوق، ولم يرد منه نص في بيان ذلك، والأسلم الإمساك عن البحث فيها، إلّا بما ورد النص فيه، فسبحان الخالق المدبّر لخلقه، بالحكمة البالغة، والقدرة الباهرة، غير المتناهية. والمعنى (١): أي والله خلق لكم الليل والنهار، نعمة منه عليكم، وحجة على عظيم سلطانه، فهما يختلفان عليكم، لصلاح معايشكم وأمور دنياكم وآخرتكم، وخلق الأرض والشمس والقمر، تجري في أفلاكها كما يجري السمك في الماء. وهذا هو الرأي الحديث، وأن هذه كلها تجري في عالم الأثير، المالىء لهذا الفضاء، فالشمس تجري، والأرض تجري، والقمر يجري، وبينها هذه المخلوقات الحية، فما مثل هذه العوالم، إلا كآلة الطباعة، والمخلوقات كلماتها وسطورها، أو كدار صناعة تخرج كل يوم منصوعات جديدة، بعد فناء القديمة وزوالها. ٣٤ - ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ والبقاء والدوام في الدنيا، لكونه مخالفًا للحكمة التكوينية والتشريعية، كما في "أبي السعود"؛ أي (٢): وما جعلنا لفرد من أفراد الإنسان من قبلك، يا محمد، دوام البقاء في الدنيا؛ أي: ليس من سنتنا أن نخلد آدميًا في الدنيا، ان كنا قادرين على تخليده، فلا أحد إلَّا وهو عرضة للموت. قال في "بحر العلوم": المراد بالخلود: المكث الطويل، سواء كان معه دوام أم لا, اهـ. فإذا كان الأمر كذلك ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ في الدنيا بقدرتنا، لا بل أنت وهم ميتون، كما هو من سنتنا، دليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ

стр. 7881

وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾، فالمراد بإنكار الخلود ونفيه إنكار الشماتة التي كان الخلود مداراً لها، وجودًا وعدمًا، قال الشاعر: فَقُلْ لِلشَّامِتِيْنَ بِنَا أَفِيقُوْا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُوْنَ كَمَا لَقِيْنَا والهمزة في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتّ﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والفاء في ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: رابطة الجواب بالشرط، والتقدير: أيبقى هؤلاء المشركون حتى يشمتوا بموتك، فإن متّ يا محمد بأجلك المحتوم .. فهم الخالدون في الدنيا بعدك؟ وقرىء ﴿مِتَّ﴾ بكسر الميم وضمها لغتان. والمعنى: أي (١) وما كتب لأحد من قبلك البقاء في الدنيا، حتى نبقيك فيها، بل قدّر لك أن تموت، كما مات رسلنا من قبلك، أفهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون بعدك، لا ليس الأمر كذلك، بل هم ميتون، عشت أو مت. أخرج البيهقي وغيره، عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي ﷺ ، وقد مات فقبَّله، وقال: وانبيَّاهُ، واخليلاه، واصفيَّاه، ثم تلا ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ...﴾ الآية. ٣٥ - ثم أكّد ما سلف، وبيّن أن أحدًا لا يبقى في هذه الدنيا، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: كل نفس منفوسة من خلقه، ذائقة مرارة الموت ومتجرعة كأسه، وشدة مفارقة الروح للبدن، وقد جاء في الحديث: "إن للموت لسكرات"، فلا يفرحنّ أحد لموت أحد، ولا يظهرن التشفي منه، كما لا ينبغي أن تبدوا عليه علامات الجزع والحسرة لموت أحد. وهذا برهان على ما أنكر من خلودهم (٢)، والمراد: النفس الناطقة، التي هي الروح الإنساني، وموتها عبارة عن مفارقتها جسدها؛ أي: ذائقة مرارة المفارقة، والذوق هذا لا يمكن إجراؤه على ظاهره؛ لأن الموت ليس من المطعوم حتى يذاق، بل الذوق إدارك خاص، فيجوز جعله مجازًا عن أصل الإدراك، والموت: صفة وجودية خلقت ضدًّا للحياة، أو هو عبارة عن زوال

стр. 7882

القوة الحيوانية، وإبانة النووي عن الجسد. وفي "التعريفات": النفس: هي الجوهر البخاري اللطيف، الحامل لقوة الحياة والحس والحركة الإرادية. وسماه الحكيم: الروح الحيواني، فهي جوهر مشرق للبدن، فعند الميت ينقطع ضوؤه عز ظاهر البدن وباطنه، والنوم والميت أو جنس واحد؛ لأن الميت هو الانقطاع الكلي، والنوم هو الانقطاع الناقص. والحاصل: أنه إن لم ينقطع ضوء جوهر النفس، عن ظاهر البدن وباطنه .. فهو اليقظة، وان انقطع عن ظاهره دون باطنه .. فهو النوم، أو بالكلية .. فهو الموت. وهذا (١) العموم مخصوص بقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ فإن الله حيّ دائم لا يموت، لا يجوز عليه الموت، كما أشرنا إلى هذا التخصيص أولًا بقولنا: منفوسة من خلقه. والذوق هنا: عبارة عن مقدمات الموت، وآلامه العظيمة قبل حلوله. ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾؛ أي (٢): ونختبركم أيها الناس، بالمضارّ الدنيوية، أو الفقر والآلام وسائر الشدائد، وبنعم الدنيا، أو الصحة واللذة والسرور والتمكين، من حصول ما تريدون لنرى أتصبرون في المحن، وتشكرون في المنح، فيزداد ثوابكم عند ربكم، إذا قمت بأداء ذلك، والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فالمنحة أعظم البلاءين، ومن ثم قال عمر ﵁: بُلينا بالضرّاء فصبرنا، وبلينا بالسرّاء فلم نصبر. وقال علي - كرّم الله وجهه -: مَن وسع عليه دنياه، فلم يعلم أنه قد مكر به .. فهو مخدوع عن عقله. وقوله: ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿نَبْلُوكُمْ﴾ أو غير لفظه؛ في: نبلوكم بلاءً واختبارًا. وخلاصة ذلك: أنَّا نعاملكم معاملة من يختبركم، ونفتنكم كما يفتن الذهب إذا أريد تصفيته بالنار عما يخالطه من الغش، لنرى أتصبرون في الشدائد، وتشكرون بين الرَّخاء ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ لا إلى غيرنا، لا استقلالًا، ولا اشتراكًا؛

стр. 7883

أي: إلى حكمنا ترجعون بعد الميت، فنجازيكم وفق ما يظهر من أعمالهم، ولا يخفى ما في هذا من الوعد والوعيد، وفيه إيماء (١) إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعرض للثواب والعقاب، واعلم أن المجازاة لا تسعها دار التكليف، فلا بد من دار أخرى، لا يصار إليها إلّا بالموت والنشور، فلا بد لكل نفس من أن تموت، ثم تبعث. قال بعضهم: فائدة حالة المفارقة رفع الخبائث التي حصلت للروح بصحبة الأجسام، وفائدة حالة الإعادة حصول التنعمات الأخروية، التي أعدت لعباد الله الصالحين، ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقرأ الجمهور (٢): ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بتاء الخطاب مبنيًا للمفعول. وقرأت فرقة: بضم الياء للغيبة. مبنيًا للمفعول، على سبيل الالتفات. وقرأت فرقة، منهم ابن عامر، بالتاء مفتوحة مبنيًا للفاعل. ٣٦ - ﴿وَإِذَا رَآكَ﴾ يا محمد هؤلاء ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأشركوا بالله تعالى، يعني المستهزئين منهم، كأبي جهل وأضرابه أو صناديد قريش ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلّا مهزوءًا بك. والهزء مزح في خفية؛ أي: لا يفعلون بك إلّا اتخاذك مهزوءًا بك. والمراد: قصر معاملتهم معه على اتخاذهم إياه هزؤاً، لا قصر اتخاذهم على كونه هزوًا كما هو المتبادر، حالة كونهم يقولون في حال الهزء ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويسبها. وإنما أطلقه (٣) لدلالة الحال عليه، فإن ذكر العدوّ لا يكون إلّا بسوء؛ أي: يقبل بعضهم لبعض فيما بينهم: أهذا الرجل هو الذي يسبُّ ويعيِّب آلهتكم وأصنامكم؛ أي: يبطل كونها معبودة، ويقبح عبادتها. يقال فلان يذكر الناس؛ أي: يغتابهم ويذكرهم بالعيوب، وفلان يذكر الله؛ أي: يصفه بالتعظيم ويثني عليه. وجملة قوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ حال (٤) من فاعل ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾، والضمير الأول

стр. 7884

مبتدأ، خبره ﴿كَافِرُونَ﴾. والثاني: تأكيد لفظي له. و ﴿بِذِكْرِ﴾ متعلق بالخبر، وهو من إضافة المصدر إلى مفعوله؛ أي: يعيبون أو يذكر النبي ﷺ آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم كافرون بأن يذكروا الرحمن المنعم عليهم بما يجب أو يذكر به، أو الوحدانية، فهم أحقاء بالعيب والإنكار، ومعنى الآية؛ أي (١): وإذا رآك المشركون لم يكن لهم عمل إلَّا أن يجعلوك موضع السخرية والهزوء، وقد كان من حقهم أن يفكروا ملياً فيما يشاهدون من أخلاقك وآدابك، وفيما ينزل عليك أو الوحي، الذي فيه عظة وذكرى لقوم يعقلون، لعل بصائرهم تستنير، وطباعهم ترقّ، وقلوبهم ترعوي عن غيها، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. ويقولون استنكارًا وتعجبًا: أهذا الذي يسبّ آلهتكم، ويسفّه أحلامكم، وكيف يعجبون من ذلك، وهم كافرون بالله، الذي خلقهم وأنعم عليهم، وبيده نفعهم وضرهم، وإليه مرجعهم. وخلاصة ذلك: كيف يعجبون من ذكر آلهتهم بالسوء، وهم قد كفروا بربهم الذي برأهم وصوّرهم، فأحسن صورهم، وإليه مرجعهم، فيحاسبهم على النقير والقطمير. وفي الآية (٢): إشارة إلى أن كل من كان محجوبًا عن الله بالكفر لا ينظر إلى خواص الحق إلّا بعين الإنكار والاستهزاء؛ لأن خواص الحق من الأنبياء والعلماء يقبحون في أعينهم ما اتخذوا لهم آلهةً أو شهوات الدنيا، من جاهها ومالها وغير ذلك مما اتخذوه آلهة، كما قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وكل محب يغار على محبوبه، ولذا يذكرونهم بعيب ونقصان، والحال أن العيب والنقصان فيهم، لا في أضدادهم، فعلى العاقل أن يصون لسانه عن ذكر العيوب، ويشتغل في جميع الأوقات بذكر علام الغيوب، وأفضل الذكر: "لا إله إلَّا الله"؛ لأنه إعراض عما سوى الله تعالى. وإقبال بالكلية على الله سبحانه. قيل:

стр. 7885

من سائر العبادات والأذكار تصل إلى الله تعالى بواسطة الملك، أما هذه الكلمة فتصل إلى الله بلا واسطة الملك، أو قالها مرة خالصًا غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر. ٣٧ - ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾؛ أي: جنسه ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾؛ أي (١): جعل لفرط استعجاله كأنه مخلوق من العجل، قال الفرّاء: كأنه يقول: بنيته وخلقته أو العجلة، وعلى العجلة. والعجلة (٢) طلب الشيء وتحرِّيه قبل أوانه، وهو من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة حتى قيل: العجلة من الشيطان، جعل الإنسان لفرط استعجاله، وقلة صبره، كأنه مخلوق منه، كما يقال: خلق زيد أو الكرم، تنزيلًا لما طبع عليه من الأخلاق منزلة ما طبع منه أو الأركان، إيذانًا بغاية لزومه وعدم انفكاكه عنه، ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجاله بالوعيد. قال النضر بن الحارث: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وقرأ مجاهد وحميد وابن مقسم (٣): ﴿خَلَقَ﴾ مبنيًا للفاعل. ﴿الْإِنْسَانَ﴾ بالنصب؛ أي: خلق الله الإنسان. وعن ابن عباس ﵄: أن المراد بالإنسان آدم، وأنه حين بلغت الروح صدره أراد أن يقوم؛ أي: استعجل بالقيام قبل أن يبلغ الروح أسفله، فسقط فقيل: خلق الإنسان من عجل. والمعنى؛ أي: إنه تعالى فطر هذا النوع على العجلة، وجعلها من سَجِيَّته وجِبِلَّتِه، فليس بعجيب من المشركين أن يستعجلوا عذاب الله، ونزول نقمته بهم، وقد كان من الحق عليهم أن يتريّثوا قليلًا، فإن الله تعالى سينزل بهم من سخطه مثل ما أنزل بالمكذبين قبلهم، ويحل بهم من العذاب ما لا قبل لهم بدفعه، وهذا ما أشار إليه بقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾؛ أي: نقماتي منكم بعذاب النار؛ أي: سأريكم عذابي ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ في طلبه؛ أي: فلا تستعجلوني في الإتيان به، بطريق إيذاء نبي، والاستهزاء به،

стр. 7886

فإنه نازل بكم لا محالة، والمعنى؛ أي: إن نقمتي ستصيبكم لا محالة، فلا تستعجلوا عذابي، واصبروا حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد، وقد نهى الإنسان عن العجلة مع أنها ركبت في طبيعته من قبل أنه أوتي المقدرة التي يستطيع بها تركها وكف النفس عنها، ٣٨ - ثم حكى عنهم ما يستعجلون فقال: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ بطريق الاستعجال والاستهزاء ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾؛ أي: وعد العذاب والساعة فليأتنا بسرعة ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في وعدكم بأنه يأتينا، والخطاب للنبي ﷺ والمؤمنين الذين يتلون الآيات المنبئة عن مجيء الوعد. أي: ويقولون للنبي ﷺ ولمن معه من المؤمنين، الذين يتلون الآيات المنبئة بقرب الساعة، ونزول العذاب بمن كفر بها استهزاءً: متى يجيئنا هذا العذاب الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في وعدكم. وهذا استبطاء منهم للموعود به، يراد به إنكار وقوعه، وأنه لن يكون ألبتة، وفي ذمِّ العجل قيل: لاَ تَعْجَلَنَّ لأمْرٍ أَنْتَ طَالِبُهُ ... فَقَلَّمَا يُدْرِكُ الْمَطْلُوْبَ ذُوْ الْعَجَلِ فَذُوْ التَّأَنِّي مُصِيِبٌ فِي مَقَاصِدِهِ ... وَذُوْ التَّعَجُّلِ لاَ يَخْلُوْ عَنِ الزَّلَلِ ٣٩ - ثُم بين شديد جهلهم بما يستعجلون وعظيم حماقتهم لهذا الطلب، فقال: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ إلخ، جملة مقررة لما قبلها، وجواب لو محذوف. وإيثار (١) صيغة المضارع في الشرط، وإن كان المعنى ماضيًا لإفادة استمرار عدم العلم و ﴿حِينَ﴾ مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أي: لو عرف الذين كفروا الوقت الذي ﴿لَا يَكُفُّونَ﴾ ولا يدفعون فيه ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ قيل: السياط ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: لا يمنعون أو العذاب لما أقاموا على كفرهم (٢)، ولما استعجلوا بالعذاب، ولما قالوا: متى هذا الوعد من كنتم صادقين؛ أي: لو علموه علم يقين لعلموا أو الساعة آتية، ولكن جهلهم به هو الذي هوَّنه عندهم.

стр. 7887

والمعنى (١): لو علموا الوقت الذي يستعجلونه بقولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، وهو حين تحيط بهم النار من كل جانب، بحيث لا يقدرون على دفعها، ولا يجدون ناصرًا يمنعها عنهم .. لما استعجلوا. وتخصيص الوجوه والظهور، يعني: القدام والخلف، لكونهما أشرف الجوانب، ولاستلزام الإحاطة بهما الإحاطة بالكل، بحيث لا يقدرون على دفعها أو جانب أو جوانبهم، ولأن مسّ العذاب لهما أعظم موقعًا. والخلاصة: أي (٢) لو يعلم هؤلاء الكفار المستعجلون، ماذا أعدّ لهم ربهم من البلاء، حين تلفح وجوههم النار، وهم فيها كالحون، فلا يستطيعون ردّها عن تلك الوجوه، ولا يدفعونها بأنفسهم عن الظهور، ولا يجدون ناصرًا ينصرهم وينقذهم من ذلك العذاب، لما أقاموا على كفرهم بربهم، ولسارعوا إلى التوبة منه، ولما استعجلوا لأنفسهم هذا النكال والوبال. ٤٠ - ولمّا بيّن شدة العذاب في ذلك اليوم، بيّن أن ثقته لا يكون معلومًا فقال: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ وهذا الكلام إضراب (٣) انتقالي، حكى الله عنهم أنهم يستعجلون العذاب الموعود بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾، وبين أن سبب ذلك الاستعجال هو عدم علمهم بهول وقت وقوعه، وما فيه من العذاب الشديد، ثم أضرب وانتقل من بيان السبب إلى بيان كيفية وقوع الموعود، فقال: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾؛ أي: بل تأتيهم العدة، أو النار، أو الساعة بغتة؛ أي؛ فجأة. والبغتة مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. وهو مصدر؛ لأن البغتة نوع من الإتيان، أو حال؛ أي: باغتة ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾؛ أي: تحيّرهم. والبهت الحيرة والدهشة. وقال الجوهري: بهته بهتًا أخذه بغتةً؛ أي: فتفجؤهم. قال الإمام: وإنما لم يُعلم الله وقت الموت والساعة؛ لأن المرء مع الكتمان أشدُّ حذرًا

стр. 7888

وأقرب إلى التدارك ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾؛ أي: ردّ النار وصرفها (١) عن وجوههم، ولا عن ظهورهم، فالضمير راجع إلى النار. وقيل: راجع إلى الوعد بتأويله بالعدة. وقيل: راجع إلى الحين بتأويله بالساعة ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾؛ أي: يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار، أو ليسترحوا طرفة عين. أو الإنظار بمعنى الإمهال، أو من النظر؛ أي: لا ينظر إليهم، ولا إلى تضرُّعهم. وفيه إشارة إلى أنه لو علم أهل الإنكار (٢) قبل أو يكافئهم الله تعالى على إنكارهم، نار القطيعة والحسرة والبعد والطرد، لما أقاموا على إنكارهم، ولتابوا ورجعوا إلى طلب الحق، وعلم منه أن أعظم المقاصد هو طلب الحق والوصول إليه. والمعنى: أي (٣) بل تأتيهم الساعة وهم لأمرها غير مستعدين، فتدعهم حائرين، لا يستطيعون حيلة في ردّها، ولا منصرفًا عما يأتيهم منها، ولا هم يمهلون لتوبة، ولا لتقديم معذرة، فقد فات ما فات، وأحاط بهم ما كانوا به يستهزئون. وقرأ الأعمش (٤): ﴿بل يأتيهم﴾ بالياء ﴿بَغْتَةً﴾ بفتح الغين ﴿فيبهتهم﴾ بالياء، والضمير عائد إلى الوعد، أو الحين، قاله الزمخشري. وقال أبو الفضل الرازي: لعله جعل النار بمعنى العذاب فذكَّر، ثم ردَّ ردّها إلى ظاهر اللفظ. ٤١ - ولما (٥) كان استعجالهم ذلك بطريق الاستهزاء، وكان ﵊ يتأذى من ذلك نزل قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فالجملة مسوقة لتسلية رسول الله ﷺ ، وتعزيته، كأنه قال: إن استهزأ بك هؤلاء، فقد فعل ذلك بمن قبلك من الرسل، على كثرة عددهم وخطر شأنهم؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد استهزيء برسل أولي شأن خطير، وذوي عدد كثير، كائنين في زمان قبل زمانك،

стр. 7889

كما استهزأ بك قومك فصبروا. ففيه حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه ﴿فَحَاقَ﴾؛ أي: أحاط ونزل ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: بالكفار الذين استهزؤوا من الرسل ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: العذاب الذي كانوا به يستعجلون ووضع ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ موضع ﴿يستعجلون﴾؛ لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء، وهو وَعْدٌ له، بأن ما يفعلون به يحيق بهم، كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا، يعني جزاؤه. والمعنى (١): أي والله لقد استهزىء برسل من رسلنا، الذين أرسلناهم قبلك إلى أممهم، فنزل بالذين استهزؤوا بهم، العذاب والبلاء، الذي كانت الرسل تخوِّفهم نزوله، ولن يعدوا أن يكون أمر هؤلاء المشركين كأمر أسلافهم من الأمم المكذبة لرسلها، فينزل بهم من عذاب الله وسخطه باستهزائهم، مثل ما نزل بمن قبلهم، فانتظر لهم عاقبةً وخيمةٌ كعاقبة أولئك، وسيكون لك النصر عليهم، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾. ٤٢ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المستهزئين على سبيل التقريع والتبكيت ﴿مَنْ﴾ للاستفهام التقريعي، المضمّن للإنكار ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾؛ أي: يحفظكم ويحرسكم. الكلاء الكلاءة، بكسر أولهما حفظ الشيء وتبقيته. والكالىء الذي يحفظ. وقرأ أبي جعفر والزهري وشيبة (٢): ﴿يَكْلُوكم﴾ بضمة خفيفة من غير همز. وحكى الكسائي والفرّاء ﴿يَكْلَوكم﴾ بفتح اللام وإسكان الواو. ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؛ أي: فيهما ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: من بأسه الذي يستحقون نزوله ليلًا أو نهارًا من أراد بكم؛ أي: لا يمنعكم من عذابه إلَّا هو. وفي (٣) ذكر ﴿الرَّحْمَنِ﴾ تنبيه على أنه لا كالىء غير رحمته العامة، وأنّ اندفاعه بمهلته وتقديم

стр. 7890

الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعًا، وأشدّ وقعًا؛ أي: قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ: من يحرسكم ويحفظكم بالليل والنهار، من بأس الرحمن وعذابه، الذي تستحقون حلوله بكم، ونزوله عليكم. والخلاصة: من يحفظكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا تصرّفتم في أمور معايشكم، من عذاب الرحمن إن نزل بكم، ومن بأسه إذا حل بساحتكم. ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾؛ أي: عن القرآن ومواعظه ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: لا يتأملون في شيء منها؛ أي: لا يخطرون ذكره تعالى ببالهم، فضلًا عن أن يخافوا الله، ويعدّوا ما كانوا عليه من الأمن والدعة، حفظًا وكلاءةً، حتى يسألوا عن الكالىء؛ أي: دعهم عن هذا السؤال؛ لأنهم لا يصلحون له لإعراضهم عز ذكر الله تعالى. والمعنى: أي إن هؤلاء القوم قد ألهتهم النعم عز المنعم، فلا يذكرون الله تعالى حتى يخافوا بأسه، فهم مع وجود الدلائل العقلية، والنقلية، الدالة على أنه تعالى هو الكالىء الحافظ، معرضون عنها، لا يتأملون فيها. وفي ذكر (١) "الرب" إيماء إلى أنهم خاضعون لسلطانه، وأنهم في ملكوته وتدبيره وجميل رعايته وتربيته، وهم على ذلك معرضون، فهم في الغاية القصوى من الضلال، وفي النهاية الكبرى من الجهل والغباء. والحاصل: أن الله سبحانه، لمّا بيّن (٢) أنهم سيصيبهم لا محالة مثل ما أصاب الأولين، بيّن أن عدم إصابة ذلك لهم عاجلًا إنما هو بحفظه، حيث أمهلهم مدة بمقتضى رحمته العامة، فأمره ﷺ بأن يسألهم عن الكالىء ليقروا وينتبهوا، لكونهم في قبضة قدرته، ليكفوا عن الاستهزاء، ثم أضرب عن ذلك الأمر بقوله: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: دعهم يا محمد عن هذا السؤال؛ لأنهم لا يصلحون له لإعراضهم عن ذكر الله، فلا يخطرونه ببالهم حتى يخوّفوا بالله، ثم إذا رزقوا الكلأة من عذابه عرفوا أن الحافظ هو الله،

стр. 7891

وصلحوا للسؤال عنه، ٤٣ - ثم أضرب إلى ما هو أهمّ، وهو الإنكار عليهم فيما زعموا أن لهم آلهة تنصرهم وتمنعهم من العذاب، فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ و ﴿أَمْ﴾ فيه منقطعة، بمعنى همزة الإنكار، و ﴿بَلْ﴾ التي للإضراب، والانتقال من الكلام السابق، المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم، إلى توبيخهم وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه، والدفع عنها؛ أي: بل ألهؤلاء المستعجلي عذابنا آلهة تمنعهم منا من نحو أنزلناه بهم، وتدفع عنهم بأسنا، إن حلّ بساحتهم. وقيل (١): فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أم لهم آلهة من دوننا، تمنعهم أو عذابنا، ومجمل ذلك أن آلهتهم لا تمنعهم بأسنا من أردنا؛ أي: ليس لهم. ثم وصف تلك الآلهة التي اتخذوها بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ استئناف مقرر لما قبله أو الإنكار، وموضح لبطلان اعتقادهم؛ أي: أن آلهتهم لا يقدرون أن ينصروا أنفسهم، وحمايتها أو الآفات، فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم ممن عبدهم ﴿وَلَا هُمْ﴾؛ أي: ولا آلهتهم ﴿مِنَّا﴾؛ أي: من عذابنا ﴿يُصْحَبُونَ﴾؛ أي: يمنعون، فكيف يمنعون غيرهم من العذاب. أو المعنى ولا يصحبون بالنصر من جهتنا (٢). قال الراغب: لا يكون لهم من جهتنا ما يصحبهم، أو سكينة وروح وترفق وغير ذلك، مما يصحب أولياءنا، فكيف يتوهم أو ينصروا غيرهم. والخلاصة: أنهم في غاية العجز، فكيف يتوهم فيهم ما يتوهمون أو القدرة والسلطان، ويدينون لهم بالخضوع والعبادة، ٤٤ - ثم بيّن سبحانه تفضله عليهم، مع سوء ما أتوا به من الأعمال، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا﴾ وأنعمنا ﴿هَؤُلَاءِ﴾ المشركين في الدنيا ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾ الكفار أو قبلهم وأمهلناهم ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾؛ أي: طال عليهم الرجل، وامتدّ بهم الزمان في التمتع، فاغترّوا وحسبوا أنهم ما زالوا على ذلك لا يغلبون. والعمر (٣): بضم الميم وسكونها، اسم لمدة عمارة البدن

стр. 7892

بالحياة. وهذه الجملة، إضراب (١) عما توهموا، من أن ما هم فيه من الحفظ من جهة أن لهم آلهة تمنعهم أو تطرق البأساء إليهم، كأنه قيل: دع ما زعموا أو كونهم محفوظين بكلاءة آلهتم، بل ما هم فيه أو الحفظ إنما هو منا، حفظناهم أو البأساء، ومتّعناهم بأنواع السرّاء، لكونهم من أهل الاستدراج والانهماك فيما يؤديهم إلى العذاب. والمعنى: أن الذي غرّهم وحملهم على ما هم فيه من الضلال، أنهم متِّعوا في الحياة الدنيا، ونعموا بها، وطال عليهم العمر، حتى اعتقدوا أنهم على شيء، وقصارى ذلك: أنهم طالت أعمارهم وهم في الغفلة، فنسوا عهدنا، وجهلوا مواقع نعمتنا فاغتروا بذلك، ولم يعرفوا مواضع الشكر. ثم بيّن لهم سوء مغبّتهم فقال: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا ينظر ولا يتدبر هؤلاء المشركون بالله، المستعجلون بالعذاب فلا يرون ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؛ أي: نأخذ أرض الكفرة، التي هي دار الحرب حالة كوننا ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ ونواحيها؛ أي: ننقصها من أرض الكفرة واحدة بعد واحدة، وبلدة بعد بلدة، بتسليط المؤمنين عليها من أطرافها، ونفتح البلاد والقرى مما حول مكة لمحمد ﷺ ، وأصحابه، ونميت رؤساء المشركين المتمتعين بالدنيا، وننقص من الشرك بإهلاك أهله، فكيف يتوهمون أنهم ناجون من بأسنا، والهمزة في قوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد نقصان أرضهم من أطرافها هم طامعون في النجاة من بأسنا، فهم الغالبون على محمد وأصحابه؛ أي: لا يطمعوا في ذلك فهم المغلوبون، والله ورسوله والمؤمنون هم الغالبون. وهذا تمثيل وتصوير لما يخرّبه الله أو ديارهم على أيدي المسلمين، ويضيفه إلى دار الإسلام، وذلك أن الله لا يأتي، بل العساكر تغزو أرض الكفرة، وتأتي غالبة عليها ناقصة أو نواحيها. والمعنى؛ أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون

стр. 7893

بالله، المستعجلون للعذاب، آثار قدرتنا في إتيان الأرض ناقصة أو جوانبها، ففتحناها للمؤمنين، وزدناها في ملكهم، واقتطعناها أو أيدى المشركين، فقد تم لهم فتح البلاد التي حوالي مكة، وقتل رؤسائها، ازالة دولة الشرك وأهله منها، ألا يتفكرون في هذا، فيكون لهم فيه مزدجر لو كانوا يعقلون. والخلاصة: ألا يعتبرون ويحذروا أن ينزل بهم بأسنا، كما أنزلناه بسواهم، ثم وبّخهم، وأنّبهم على غفلتهم عن الحق بعد وضوحه فقال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾؛ أي: أفهم الغالبون أم نحن؛ أي: فبعد ظهور ما ذكر، ورؤيتهم إياه يتوهمون غلبتهم. ٤٥ - وبعد أن بيّن هول ما يستعجلون، وحالهم السيئة حين نزوله بهم، ثم نعى عليهم جهلهم، وإعراضهم عن ذكر ربهم الذي يكلؤهم أو طوارق الليل وحوادث النهار، أمر رسوله أن يقول لهم: إن ما أخبركم به جاء به الوحي الصادق، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المستعجلين عذابنا ﴿إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ﴾ وأخوفكم وأحذركم ما تستعجلونه من الساعة وشديد أهوالها ﴿بِالْوَحْيِ﴾ الصادق والقرآن الناطق بحصوله، وفظاعة أهواله، وقد أمرني ربي بذلك، وها أنا ذا قد قمت بما أمرني به، فإن لم تجيبوا داعي الله، وتقبلوا ما دعوتكم إليه فعليكم النكال والوبال، لا عليّ. ثم أردف هذا ببيان أن الإنذار مع مثل هؤلاء لا يجدي فتيلاً، فما حالهم إلّا حال الصمّ الذين لا يسمعون دعوة الداعي، فقال: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ جمع الأصمّ. والصمم فقدان حاسة السمع ﴿الدُّعَاءَ﴾ إلى الإيمان ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾؛ أي: يخوفون من عذاب الله سبحانه. والمعنى: أن من أصمّ الله سمعه، وختم على قلبه، وجعل على بصره غشاوة لا يسمع الدعاء. شبّهوا بالصُمِّ (١)، وهم صحاح الحواس؛ لأنهم إذا سمعوا ما ينذرون به من آيات الله، لا تعيه آذانهم، وكان سماعهم كلا سماع، فكانت حالهم

стр. 7894

لانتفاء جدوى السماع، كحال الذين عدموا صحيح السماع، وينعق بهم، فلا يسمعون. وتقييد نفي السماع به، مع أن الصُمَّ لا يسمعون الكلام إنذارًا كان، أو تبشيرًا، لبيان كمال شدة الصمم، كما أنَّ إيثار الدعاء الذي هو عبارة عن الصوت والنداء على الكلام لذلك، فإن الإنذار عادةً يكون بأصوات عالية، مكررة مقارنة لهيئةٍ دالةٍ عليه، فإذا لم يسمعوها، يكون صممهم في غايةٍ من تتمة الكلام ورائها، وهذا من تتمة الكلام الملقن، ويجوز أن يكون أو جهته تعالى، كأنه قيل: قل لهم ذلك وأنت بمعزل من إسماعهم. والمعنى (١): أي فما مثلهم إذ لم ينتفعوا بما سمعوا أو الإنذار، على كثرته وتتابعه، إلَّا مثل الصم، الذين لا يسمعون شيئًا، إذ ليس الغرض من الإنذار السماع فحسب، بل العمل بما يسمع بالإقدام على فعل الواجب، والتحرّز من المحرم ومعرفة الحق، فإذا لم يحصل شيء من هذا، فلا جدوى في السمع، وكأن لم يكن. والخلاصة: أن الكافر بالله لا يوجِّه همَّه إلى العظة بما في كتابه، من المواعظ، حتى يقلع عما هو عليه مقيمٌ من الضلال، بل يعرض عن التفكر فيها فعل الأصم، الذي لا يسمع ما يقال له حتى يعمل به. وقرأ الجمهور (٢): ﴿يَسْمَعُ﴾ بفتح الياء والميم، الصُمُّ رفع به، والدعاء نصب. وقرأ ابن عامر وأحمد بن جبير عن أبي عمرو وابن الصلت عن حفص بالتاء أو فوق مضمومة، وكسر الميم، ﴿الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ بنصبهما، والفاعل ضمير المخاطب، وهو الرسول ﷺ . وكذا قرأه أبو حيوة ويحيى بن الحارث. وقرأ ابن يعمر والحسن كذلك إلّا أنه بالياء أو تحت؛ أي: ولا يسمع الرسول، وعنهما أيضًا. ولا يسمع مبنيًا للمفعول. الصم رفع به، ذكره ابن خالويه، وكذا قرأه أبو عبد الرحمن السلمي ومحمد بن السميقع. وقرأ أحمد بن جبير الأنطاكي عن اليزيدي عز أبي عمرو ﴿يُسْمِع﴾ بضم الياء وكسر الميم، ﴿الصمَّ﴾ نصبًا،

стр. 7895

﴿الدعاءُ﴾ رفعا بـ ﴿يُسْمِعُ﴾، أسند الفعل إلى الدعاء اتساعًا والمفعول الثاني محذوف، كأنه قيل: ولا يسمع النداء الصم شيئًا. ٤٦ - ثُمَّ بيَّن سرعة تأثرهم من العذاب حين مجيئه، إثر بيان عدم تأثرهم به حين مجيء خبره فقال: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن أصابتهم ﴿نَفْحَةٌ﴾؛ أي: قطع ودفعة، أو فوحة وشمةٌ، أو شيء قليل ﴿مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ﴾ من غاية الاضطراب وشدة الحيرة ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ ويا هلاكنا احضر إلينا، فهذا أوانك ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أنفسنا، بكفرنا بالله تعالى وتكذيبنا رسوله ﷺ ؛ أي: ليدعون على أنفسهم بالويل والهلاك، ويعترفون عليها بالظلم حين تصامّوا وأعرضوا عن الحق. والمعنى: أي (١) ولئن أصاب هؤلاء المستعجلين للعذاب، أدنى قسط من عقاب ربك بكفرهم به، وتكذيبهم برسوله .. ليقولون إنا كنا ظالمين لأنفسنا، بعبادتنا الآلهة والأنداد، وتركنا عبادة الذي برأنا وأنعم علينا، وجحودنا لما يجب علينا من الشكر له، بالإخلاص في عبادته. والخلاصة: أنهم يوم القيامة، حين يمسَّهم العذاب، يدعون على أنفسهم بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويقولون: هلاكًا لنا، إنا ظلمنا أنفسنا بكفرنا بمن خلقنا، وخضوعنا لمن لا يضرُّ ولا ينفع، ويندمون على ما فُرّط منهم، ولات ساعة مندم. ٤٧ - ثم بيَّن الأحداث، التي ستقع حين يأتي ما أنذروا به، فقال: ونضع الموازين العادلة التي توزن بها صحائف الأعمال، ونحضرها لأجل جزاء يوم القيمة، فاللام للتعليل. وقيل: بمعنى في؛ أي: في يوم القيامة، أو توزن الأعمال باعتبار التجوهر والتجسم. وهذا قتل أئمة السلف. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: المراد أو الوزن العدل بينهم، فلا يظلم عباده مثقال ذرة فمن أحاطت حسناته بسيئاته، ثقلت موازينه؛ أي: ذهبت حسناته بسيئاته، ومن أحاطت سيئاته

стр. 7896

بحسناته خفت موازينه؛ أي: ذهبت سيئاته بحسناته. وقرىء القسط بالصاد والطاء. والموازين (١): جمع ميزان، قال الراغب: والوزن معرفة قدر الشيء، وجمع الموازين باعتبار تعدد الأعمال، أو لأن لكل شخص ميزانًا. وأفرد القسط؛ لأنه مصدر وصف به مبالغة كرجل عدل. قال الإمام (٢): وصف الموازين بالقسط؛ لأنها قد لا تكون مستقيمة. وقال الراغب: وذكر الموازين في بعض المواضع بلفظ الواحد، اعتبارًا بالمحاسبة، وفي بعضها بلفظ الجمع اعتبارًا بالمحاسبين، انتهى. وفي "الفتوحات": وصف الموازين بذلك؛ لأن الميزان قد يكون مستقيمًا، وقد يكون غير مستقيم، فبيَّن الله تعالى أن تلك الموازبن تجري على حد العدل، ومعنى وضعها: إحضارها اهـ "خازن" ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾ من النفوس عاصيةً كانت أو مطيعةً ﴿شَيْئًا﴾ من الظلم، بل يوفى كل ذي حق حقه، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، على أن يكون مفعولا مطلقًا، فلا ينقص ثوابها الذي تستحقه، ولا يزاد عذابها الذي كان لها، على قدر ما دست به نفسها من سيء الأعمال، أو لا تنقص حقًا من حقوقها على أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿تظلم﴾، لأنه بمعنى تنقص، وتنقص يتعدى إلى مفعولين، يقال: نقصه حقه. ﴿وَإِنْ كَانَ﴾؛ أي: العمل المدلول عليه بوضع الموازين ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾؛ أي: وزن حبة كائنة ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ والمثقال ما يوزن به من الثقل؛ أي: مقدار حبة كائنة من خردل؛ أي: وإن كان في غاية القلة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر، والخردل حبُّ شجرٍ مسخن ملطف، جاذب قالع للبلغم، ملين هاضم، نافع طلاؤه للنقرس والنسا والبرص، ودخانه يطرد الحيات، وماؤه يسكن وجع الأسنان تقطيرًا، ومسحوقه على الضرس الوجع غاية "قاموس" ﴿أَتَيْنَا﴾ بقصر الهمزة أو الإتيان، والباء في قوله ﴿بِهَا﴾ للتعدية؛ أي: أحضرنا ذلك العمل المعبَّر عنه بمثقال حبة الخردل للوزن، والتأنيث لإضافته إلى الحبّة.

стр. 7897

أي (١): وإن كان العمل الذي فعلته النفس صغيرًا، مقدار حبة الخردل جازينا عليه جزاءً وفاقًا، سيئًا كان أو حسنًا ﴿وَكَفَى بِنَا﴾ حالة كوننا ﴿حَاسِبِينَ﴾؛ أي: محصين وعادّين لأعمال عبادنا. والحسب في الأصل، معناه: العدّ؛ لأنه من حسب المال إذا عدّه. وقيل: كفى بنا عالمين؛ لأنه من حسب شيئًا علمه وحفظه. وقيل: كفى بنا مجازين على ما قدّموه من خير أو شر، إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا. والباء زائدة، و ﴿نا﴾ فاعل، و ﴿حَاسِبِينَ﴾ حال منه. والمعنى أي: وحسب من شهدوا ذلك الموقف بنا حاسبين لأعمالهم، محصين لها؛ لأنه لا أحد أعلم بأعمالهم، وما سلف منهم في الدنيا، من صالح أو سيء منها. ولا يخفى ما في الآية من التحذير وشديد الوعيد للكافرين، على ما فرطوا في جنب الله، فإن المحاسب إذا كان عليمًا بكل شيء، ولا يعجز عن شيء .. كان جديرًا بالعاقل أن يكون في حذر وخوف منه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿مِثْقَالَ﴾ بالنصب، خبر ﴿كَانَ﴾. وقرأ زيد بن علي وأبو جعفر وشيبة ونافع: ﴿مثقالُ﴾ بالرفع إلى الفاعلية، و ﴿كَانَ﴾ تامة. وقرأ الجمهور: ﴿أَتَيْنَا﴾ بالقصر، من الإتيان؛ أي: جئنا بها. وقرأ أبي ﴿جِئْنا﴾ كأنه تفسيرٌ لـ ﴿أَتَيْنَا﴾. وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن جبير وابن أبي إسحاق والعلاء بن سَيابة وجعفر بن محمد وابن شريح الأصبهاني ﴿آتينا﴾ بمدة على وزن "فاعلنا" من المواتاة، وهي المجازاة والمكافأة، فمعناه: جازينا بها، ولذلك تعدى بحرف الجر، ولو كان على (أَفْعلنا) من الإيتاء بالمد، على ما توهمه بعضهم لتعدَّى مطلقًا دون جار، قاله أبو الفضل الرازي. ٤٨ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾؛ أي: وعزتي جلالي لقد أعطينا موسى وأخاه هارون الفرقان؛ أي: كتابًا (٣) جامعا بين كونه

стр. 7898

فرقانًا بين الحق والباطل، وكونه ضياءً ونورا يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وكونه ذكرًا، وعظةً، يتعظ بها من يتعظ، ويتذكر بها ما يجب لله من اعتقاد وعمل، وينبغي سلوكه من أدب وفضيلة، فالمراد بجمع هذه الصفات واحدٌ، وهو التوراة، وتخصيص المتقين بالذكر؛ لأنهم المستضيؤون. والخلاصة (١): لقد آتيناهما كتابًا جامعًا لأوصافٍ كلها مدحٌ وفخار، ٤٩ - ثم ذكر أوصاف المتقين، فقال: ١ - ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ مجرور المحل، على أنه صفة مادحة للمتقين؛ أي: الذين يخافون عذابه، وهو غائب عنهم، غير مرئي لهم ومشاهد، فيعملون له تعالى. ففيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه من العذاب، فقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ إما حال من المفعول؛ أي: حالة كونه غائبًا عنهم، أو من الفاعل؛ أي: يخشون عذاب ربهم، حال كونهم في الخلوات منفردين عن الناس، فخشيتهم من عقاب الله لازم لقلوبهم، لا أنَّ ذلك مما يظهرونه في الملأ. ٢ - ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾؛ أي: من عذاب يوم القيامة، وسائر أحوالها، من الحساب والميزان ﴿مُشْفِقُونَ﴾؛ أي: خائفون وجلون، فيعدلون بسبب ذلك الخوف عن معصية الله تعالى. والساعة (٢): اسم لوقتٍ تقوم فيه القيامة، سمّي بها لأنها ساعة خفية، يحدث فيها أمر عظيم، وسُمّيت الساعة ساعة، لسعيها إلى جانب الوقوع ومسافته الأنفاس، وقال الراغب: الساعة جزء من أجزاء الزمان، ويعبَّر بها عن القيامة، وسُمّيت القيامة بذلك لسرعة حسابها، وتخصيص إشفاقهم منها بالذكر بعد وصفهم بالخشية على الإطلاق، للإيذان بكونها معظم المخوفات، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.

стр. 7899

٥٠ - وبعد أن ذكر فرقان موسى، وكان العرب يشاهدون تمسك اليهود به، حثَّهم على التمسك بالكتاب الذي نزّله على رسوله ﷺ ، فقال: ﴿وَهَذَا﴾ القرآن الكريم الذي أنزلناه على محمد ﷺ ، أشار إليه بإشارة القريب إيذانًا بغاية وضوح أمره ﴿ذِكْرٌ﴾ يتذكر به من تذكر، وموعظة لمن اتعظ بها ﴿مُبَارَكٌ﴾؛ أي: كثير الخير والنفع لمن اتبع أوامره، وانتهى بنواهيه ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمد ﷺ ، صفة ثانية لذكر، أو خبر آخر. وبعد أن أبان صفة هذا الكتاب، وبَّخهم على إنكارهم له، فقال: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري، إنكار (١) لإنكارهم له، بعد ظهور كون إنزاله من الله كإيتاء التوراة، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد أن علمتم، أن شأنه كشأن التوراة، في الإيتاء والإيحاء، فأنتم منكرون لكونه منزلًا من عندنا، فإن ذلك بعد ملاحظة حال التوراة، مما لا مساغ له أصلًا. أي (٢): فبعد أن استبان لكم جليل خطره، وعظيم أمره تنكرون وتقولون: ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾. وقد يكون المعنى: كيف تنكرون كونه منزلًا من عند الله تعالى، وأنتم من أهل اللسان، تدركون مزايا الكلام ولطائفه، وتفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيركم، وفيه شرفكم وصيتكم. وخلاصة ذلك: أفبعد أن علمتم أن شأنه كشأن التوراة، تنكرون أنه منزل من عند الله، فهذا ما لا يستسيغه عقل راجح، ولا فكر رصين، فمثل هذا في غاية الوضوح والجلاء. الإعراب ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ

стр. 7900

الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿لم﴾ حرف نفي وجزم. ﴿يَرَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: ألم يتفكر الذين كفروا، ولم يروا أن السموات والأرض كانتا رتقًا. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ﴾: ناصب واسمه. ﴿وَالْأَرْضَ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿كَانَتَا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿رَتْقًا﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَتَا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سادّ مسدّ مفعولي ير. ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿كَانَتَا﴾. ﴿وَجَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾. ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿جعلنا﴾ إن كان ﴿جعل﴾ بمعنى خلق أو حال من ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾: مفعول به لـ ﴿جعل﴾ ويحتمل كونه بمعنى: صيّر، فيكون ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾: في محل المفعول الثاني، و ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مفعول أول. ﴿حَيٍّ﴾ صفة لـ ﴿شَيْءٍ﴾. ﴿أَفَلَا﴾: المرة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف (لا) نافية: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا يتدبرون هذه الأدلة، فلا يؤمنون بتوحيدي، والجملة المحذوفة، جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إما مفعول ثان. ﴿رَوَاسِيَ﴾ هو المفعول الأول، وإما متعلق بـ ﴿جعلنا﴾، أو بمحذوف حال، و ﴿رَوَاسِيَ﴾ مفعول به. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿تَمِيدَ﴾ فعل مضارع منصوب بـ ﴿أَن﴾، وفاعله ضمير يعود على ﴿الْأَرْضِ﴾. ﴿بِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تَمِيدَ﴾، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل

стр. 7901

مصدر، مجرور بإضافة المصدر، المقدّر المنصوب، على كونه مفعولًا لأجله، والتقدير: وجعلنا في الأرض رواسي، كراهية ميدها بهم. ﴿وَجَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل، معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾ الأول. ﴿فِيهَا﴾: هو المفعول الثاني، أو متعلق بـ ﴿جعلنا﴾. ﴿فِجَاجًا﴾ حال من ﴿سُبُلًا﴾؛ لأنه كان صفة لـ ﴿سُبُلًا﴾، فقدّم عليه. ﴿سُبُلًا﴾ مفعول أول، أو مفعول به. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ناصب واسمه، وجملة ﴿يَهْتَدُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لعل﴾: في محل الجرّ بلام التعليل، المقدرة، تقديره: لاهتدائهم إلى مصالحهم ومقاصدهم. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾. ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان. ﴿مَحْفُوظًا﴾ صفة ﴿سَقْفًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿جعلنا﴾ الأول. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿عَنْ آيَاتِهَا﴾ متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾، و ﴿مُعْرِضُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ﴿السَّمَاءَ﴾، ولكنها حالة سببية، والرابط ضمير ﴿آيَاتِهَا﴾، أو الجملة مستأنفة. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿خَلَقَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿اللَّيْلَ﴾ مفعول به. ﴿وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾: معطوفات على الليل. ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، وسوّغ الابتداء بالنكرة لما فيه من معنى العموم. ﴿فِي فَلَكٍ﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿يَسْبَحُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْبَحُونَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من الشمس والقمر والنجوم، المقدّرة لدلالة السياق عليها، وإنما جعل الضمير واو العقلاء لوصفه إياها بفعل العقلاء، الذي هو السباحة، وتقدم نظيره في قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾. فائدة: ذهب سيبويه والجمهور، إلى القول (١): بأن لفظي كل وبعض،

стр. 7902

معرفتان بنية الإضافة، ولذلك يأتي الحال منهما في نحو قولهم: مررت بكل قائمًا، وببعض جالسًا، وأصل صاحب الحال التعريف. وذهب الفارسي: إلى أنهما نكرتان، وألزم من قال بتعريفهما أن يقول: إن نصفًا وسدسًا وثلثًا وربعًا ونحوها، معارف؛ لأنها في المعنى مضافات، وهي نكرات بإجماع. وردّ بأن العرب، تحذف المضاف وتريده، وقد لا تريده، ودل مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته. بقي هنا سؤال واحد، وهو: لم أتى بصيغة الجمع في قوله: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ مع أن مرجع الضمير اثنان فقط، وهو الشمس والقمر؟ والجواب: أن الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار، وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضًا؛ لأن الليل ظل الأرض، وهو يدور على محيط كرة الأرض، على حسب دوران الأرض، وكذلك النهار يدور أيضًا؛ لأنه يخلف الليل في المحيط. ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية. ﴿جَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل. ﴿لِبَشَرٍ﴾ جار ومجرور في محل نصب، مفعول ثان. و ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ صفة ﴿لِبَشَرٍ﴾ ﴿الْخُلْدَ﴾: مفعول ﴿جَعَلْنَا﴾ الأول، والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لتقرير عدم خلود البشر. ﴿أَفَإِنْ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و (الفاء): عاطفة على ذلك المحذوف. ﴿إن﴾ حرف شرط جازم. ﴿مِتَّ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها. ﴿فَهُمُ﴾ (الفاء): رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا. ﴿هم الخالدون﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وهي على نية التقديم؛ لأن أصل الكلام: أفهم الخالدون إن متّ، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على الجملة المحذوفة، والتقدير: أيبقى هؤلاء المشركون حتى يشمتوا بموته، فإن مت يا محمد، فهم الخالدون في الدنيا بعدك، كما مر في مبحث التفسير، والجملة المحذوفة، جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿كُلُّ

стр. 7903

نَفْسٍ﴾ مبتدأ ومضاف إليه. ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، مسوقة للاستدلال على عدم الخلود، فلا مجال للشماتة فيه. ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ الواو: استئنافية ﴿نبلوكم﴾ فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿بِالشَّرِّ﴾ متعلق به، ﴿وَالْخَيْرِ﴾ معطوف على الشر؛ أي: نختبركم بما يجب فيه الصبر، وبما يجب فيه الشكر. ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿نبلوكم﴾ من غير لفظه، منصوب على المفعولية المطلقة؛ لأن الابتلاء فتنة، فكأنه قيل: نفتنكم فتنة، ويجوز أن يعرب مفعولًا من أجله، أو نصبًا على الحال، من فاعل ﴿نبلوكم﴾؛ أي: فاتنين لكم. ﴿وَإِلَيْنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾. ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿نبلوكم﴾، أو في محل النصب على الحال من مفعول ﴿نبلوكم﴾. ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿رَآكَ﴾ فعل ومفعول به لأن رأى بصرية. ﴿الَّذِينَ﴾ فاعل، وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول، وجملة ﴿رَآكَ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿إن﴾: نافية. ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، مرفوع بالنون. ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء مفرغ. ﴿هُزُوًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿اتخذ﴾، والجملة الفعلية جواب إذا، لا محل لها من الإعراب، وجملة إذا مستأنفة. فائدة في جواب إذا: تخالف إذا أدوات الشرط جميعًا، فإن أدوات الشرط، متى أجيبت بأن النافية، أو بما النافية .. وجب الإتيان بالفاء، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى أيضًا: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، انتهت. ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾. ﴿أَهَذَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام السخري التعجبي. ﴿هذا﴾ مبتدأ

стр. 7904

﴿الَّذِي﴾: خبر. ﴿يَذْكُرُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على الموصول، ﴿آلِهَتَكُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة الموصول، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: حالة كونهم قائلين: أهذا الذي يذكر آلهتكم. ﴿وَهُمْ﴾ مبتدأ. ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ جار ومجرور ومضاف متعلق بـ ﴿كَافِرُونَ﴾. ﴿هُمْ﴾ تأكيد لضمير المبتدأ. ﴿كَافِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب. حال من فاعل يتخذونك، أو من فاعل القول المقدر. ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يخلق﴾، أو حال من الإنسان. ﴿سَأُرِيكُمْ﴾: السين حرف استقبال. ﴿أريكم﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿آيَاتِي﴾ مفعول ثان؛ لأنه من رأى البصرية فتعدّى بالهمزة إلى مفعولين، والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لتأكيد العجلة، وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. ﴿فَلَا﴾: الفاء عاطفة. ﴿لا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بكسر نون الوقاية، رعاية للفاصلة، في محل النصب مفعول به، والجملة معطوفة على جملة أريكم. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: ﴿الواو﴾ استئنافية. ﴿يقولون﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة، لإيراد نمط من استعجالهم المذموم. ﴿مَتَى﴾ اسم استفهام، للاستفهام الاستخباري، في محل النصب على الظرفية الزمانية، متعلق بمحذوف خبر مقدم. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْوَعْدُ﴾ بدل منه، والتقدير: هذا الوعد كائن متى، أو بفعل محذوف يقع خبر المبتدأ، تقديره: هذا الوعد متى يجيء، أو في محل الرفع خبر مقدم، وهذا هو المشهور، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ليقولون. ﴿إِنْ﴾ حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾ فعل ناقص، واسمه في محل الجزم بأن الشرطية. ﴿صَادِقِينَ﴾ خبره. وجواب إن الشرطية معلوم مما قبله، تقديره: إن كنتم صادقين فمتى هو، وجملة إن الشرطية في محل النصب

стр. 7905

مقول القول. ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾. ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم. ﴿يَعْلَمُ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. وعلم هنا بمعنى: عرف، يتعدى لمفعول واحد، تقديره: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود، الذي سألوا عنه واستبطأوه ﴿حِينَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، متعلق بالمفعول المحذوف، الذي هو مجيء، أو مفعول به لـ ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَكُفُّونَ﴾ فعل وفاعل: ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَكُفُّونَ﴾. ﴿النَّارَ﴾ مفعول به. ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة، ﴿لَا﴾ زائدة، زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾: جار ومجرور، معطوف على الجار والمجرور في قوله: ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة. (لا) نافية ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل الجر، معطوفة على جملة ﴿لَا يَكُفُّونَ﴾ على كونها مضافًا إليه لـ ﴿حِينَ﴾، وجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية محذوف، تقديره: لو يعلم الذين كفروا مجيء العذاب الموعود لهم، حين لا يقدرون على كف النار ودفعها عن وجوههم، ولا عن ظهورهم، ولا يقدرون على نصر أنفسهم لمَّا استمروا على الكفر، واستعجلوا بالعذاب، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية مستأنفة ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وابتداء، ﴿تَأْتِيهِمْ﴾ فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على النار والجملة مستأنفة. ﴿بَغْتَةً﴾ حال من فاعل تأتيهم، ولكنه بتأويله بمتشق، أي: حالة كونها باغتة فاجئة، أو مفعول مطلق؛ لأن البغتة نوع من الإتيان. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ الفاء: عاطفة ﴿تبهتهم﴾ فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على النار، والجملة معطوفة على جملة تأتيهم. ﴿فَلَا﴾ الفاء عاطفة. ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿تبهتهم﴾. ﴿رَدَّهَا﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة. ﴿لا﴾ نافية. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْظَرُونَ﴾ خبره، والجملة

стр. 7906

الاسمية معطوفة على جملة ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾. ﴿وَلَقَدِ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و (اللام) موطئة للقسم و (قد): حرف تحقيق. ﴿اسْتُهْزِئَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿بِرُسُلٍ﴾ جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْتُهْزِئَ﴾، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿فَحَاقَ﴾ الفاء: عاطفة. (حاق) فعل ماض. ﴿بِالَّذِينَ﴾ متعلق به. ﴿سَخِرُوا﴾ فعل وفعل صلة الموصول. ﴿مِنْهُمْ﴾ حال من فاعل ﴿سَخِرُوا﴾، أو متعلق به. ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع فاعل حاق. ﴿كَانُوا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾، وجملة ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ خبر كانوا، وجملة ﴿كَانُوا﴾ صلة الموصول، وجملة (حاق) معطوفة على جملة ﴿اسْتُهْزِئَ﴾ على كونها جواب القسم. ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام للاستفهام الإنكاري في محل الرفع مبتدأ، وجملة ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ خبره، والجملة الاسمية في محل النصب مقول قل. ﴿بِاللَّيْلِ﴾ متعلق بـ ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾. ﴿وَالنَّهَارِ﴾ معطوف على الليل. ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ متعلق بـ ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيضًا. ﴿بَلْ﴾ حرف إضراب وابتداء. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿مُعْرِضُونَ﴾. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة، مسوقة للإضراب عما تضمنه الكلام من النفي، والتقدير: ليس لهم كالىء، ولا مانع غير الرحمن، مع أنهم لا يخطرونه في بالهم، فضلًا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري، والتقدير: بل ألهم آلهة. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم. ﴿آلِهَةٌ﴾

стр. 7907

مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعل مستتر، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿آلِهَةٌ﴾. ﴿مِنْ دُونِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه. صفة ثانية لـ ﴿آلِهَةٌ﴾. ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَلَا﴾ الواو: عاطفة. ﴿لَا﴾ نافية. ﴿هُمْ﴾ مبتدأ. ﴿مِنَّا﴾ متعلق بـ ﴿يُصْحَبُونَ﴾. ﴿يُصْحَبُونَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وابتداء. ﴿مَتَّعْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿هَؤُلَاءِ﴾ في محل النصب مفعول به. ﴿وَآبَاءَهُمْ﴾: معطوف على ﴿هَؤُلَاءِ﴾، والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿حَتَّى﴾ حرف جر وغاية. ﴿طَالَ﴾: فعل ماض في محل النصب بأن مضمرة. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ متعلق به. ﴿الْعُمُرُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية، في تأويل مصدر، مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى تقديره: إلى طول العمر. ﴿عَلَيْهِمُ﴾ الجار والمجرور، متعلق بمحذوف، تقديره: بل متعنا هؤلاء وآبائهم، وأمهلناهم إلى طول العمر بهم. ﴿أَفَلَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لا﴾ نافية. ﴿يَرَوْنَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: ألا يتدبر هؤلاء المشركون، المستعجلون بالعذاب فلا يرون. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿أَنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، وجملة ﴿أن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر، سادّ مسدّ مفعولي ﴿يَرَوْنَ﴾؛ لأن الرؤية هنا علمية، ويجوز أن تكون بصرية. ﴿نَنْقُصُهَا﴾ فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على الله تقديره: نحن. ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ متعلق بـ ﴿ننقص﴾ في محل النصب حال من فاعل ﴿نَأْتِي﴾، أو من مفعوله؛ أي: نفتحها أرضًا بعد أرض، بما ينقص من أطراف المشركين، ويزيد في أطراف المؤمنين.

стр. 7908

﴿أَفَهُمُ﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أبعد نقصان أرضهم من أطرافها، هم طامعون في النجاة من بأسنا، فهم الغالبون. ﴿هم الغالبون﴾ مبتدأ وخبر والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿أُنْذِرُكُمْ﴾ فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على محمد. ﴿بِالْوَحْيِ﴾ متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة. (لا) نافية. ﴿يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرّد عن معنى الشرط ﴿مَا﴾ زائدة ﴿يُنْذَرُونَ﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذَا﴾، والظرف متعلق بـ ﴿يَسْمَعُ﴾. ﴿وَلَئِنْ﴾ الواو: استئنافية، واللام موطئة للقسم. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿مَسَّتْهُمْ﴾: فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿نَفْحَةٌ﴾: فاعل. ﴿مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه صفة لـ ﴿نَفْحَةٌ﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف لدلالة جواب القسم عليه، والتقدير: وإن مستهم نفحة من عذاب ربك، يقولون: يا ويلنا إلخ، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: اللام، موطئة للقسم، مؤكدة للأولى. ﴿يقولن﴾ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة، لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين، فاعل، والنون للتوكيد والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة. ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ ﴿يا﴾ حرف نداء. ﴿ويلنا﴾ منادي مضاف. نادى الويل ليحضر فيتعجب منه؛ لأن الوقت أوانه. ويحتمل أن تكون الياء للتنبيه. ﴿ويلنا﴾: منصوب بفعل محذوف وجوبًا تقديره: ألزمنا الله ويلنا، وجملة النداء، أو الفعل المحذوف، في محل النصب مقول القول. والويل الهلاك، أو كلمة تقال لمن وقع في هلكة.

стр. 7909

﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿كُنَّا﴾ فعل ناقص واسمه. ﴿ظَالِمِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿نَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ فعل مضارع ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة مستأنفة. ﴿الْقِسْطَ﴾ صفة لـ ﴿الْمَوَازِينَ﴾، وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة. ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نضع﴾، واللام فيه بمعنى في ﴿فَلَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتقريع. ﴿لا﴾ نافية. ﴿تُظْلَمُ نَفْسٌ﴾: فعل مغير ونائب فاعل. ﴿شَيْئًا﴾: مفعول مطلق، أو مفعول به ثان لـ ﴿تُظْلَمُ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿نضع﴾ ﴿وَإِنْ﴾ الواو استئنافية. ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿كَانَ﴾ فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير مستتر تقديره: هو يعود على العمل. ﴿مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ خبر ﴿كَانَ﴾ ومضاف إليه. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ صفة لـ ﴿حَبَّةٍ﴾. ﴿أَتَيْنَا﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب شرط لها. ﴿بِهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَتَيْنَا﴾. وأنث ضمير المثقال؛ لأنه أضيف إلى الحبة، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَكَفَى﴾ الواو عاطفة. ﴿كفى﴾ فعل ماض. ﴿بِنَا﴾ فاعل، والباء: زائدة. ﴿حَاسِبِينَ﴾ تمييز لفاعل كفى، أو حال منه، والجملة معطوفة على جملة إن الشرطية. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى﴾ مفعول أول. ﴿وَهَارُونَ﴾ معطوف عليه. ﴿الْفُرْقَانَ﴾ معفول ثان لأن آتى بمعنى أعطى. ﴿وَضِيَاءً﴾: معطوف على ﴿الْفُرْقَانَ﴾. ﴿وَذِكْرًا﴾ معطوف على ضياء. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ متعلق بـ ﴿ضياء﴾. وعطف الصفات جائز عندهم، فهو من هذا الوادي. وفي "السمين": قوله: ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾: يجوز أن يكون من باب عطف

стр. 7910

الصفات، فالمراد به شيء واحد؛ أي: آتيناهما الكتاب الجامع بين هذه الأشياء. وقيل: الواو زائدة. قال أبو البقاء: ﴿وَضِيَاءً﴾ على هذا حال من الفرقان. ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الجر صفة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. ولك أن تعربه خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هم الذين. ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿بِالْغَيْبِ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَخْشَوْنَ﴾؛ أي: حال كونهم غائبين ومنفردين عن الناس، أو حال من المفعول. ﴿وَهُمْ﴾ الواو: عاطفة، أو حالية. ﴿هم﴾ مبتدأ. ﴿مِنَ السَّاعَةِ﴾ متعلق بمشفقون. و ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، أو حال من فاعل ﴿يَخْشَوْنَ﴾، وذكر الاشفاق من الساعة بعد الخشية، من ذكر الخاص بعد العام، لكونها أعظم المخلوقات، وللتنصيص على اتصافهم بضد ما اتصف به المستعجلون، وآثر الجملة الاسمية، للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه اهـ من "أبي السعود" ﴿وَهَذَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿هذا ذكر﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة مسوقة لخطاب أهل مكة، ومحاورتهم حول القرآن الكريم، الذي أنزل بلسانهم. ﴿مُبَارَكٌ﴾ صفة أولى لـ ﴿ذِكْرٌ﴾ ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة صفة ثانية لذكر. ﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ الهمزة: للاستفهام التوبيخي المضمّن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف ﴿أنتم﴾ مبتدأ. ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ ﴿مُنْكِرُونَ﴾. و ﴿مُنْكِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أأنتم عالمون، أن شأنه كشأن التوراة، فأنتم له منكرون، والجملة المحذوفة مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الرتق: الضم والإلتحام خلقة كان أو صنعة. والفتق: الفصل بين الشيئين الملتصقين وفي

стр. 7911

"المختار": الرتق: ضد الفتق، وقد رتقت الفتق، من باب نصر سددته فارتتق؛ أي: التأم، ومنه قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، والرتق بفتحتين مصدر قولك، امرأة رتقاء؛ أي: لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها، وفي الأساس: رتق الفتق حتى ارتتق. وقرىء: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ وعن ابن الكلبي: كانتا رتقاوين، ففتق الله السماء بالماء، وفتق الأرض بالنبات، وامرأة رتقاء بينة الرتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال. وفي "المختار" أيضًا: فتق الشيء شقه، وبابه نصر، وفتقه تفتيقًا مثله فانفتق اهـ. ﴿رَوَاسِيَ﴾ جمع راسية، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ. اهـ "أبو السعود". وفي "المختار": والرواسي من الجبال الرواسخ، واحدتها راسية. وفي "المصباح": وما الشيء يرسو رسوًا ورسوا، إذا ثبت فهو راسٍ، وجبالٌ راسيةٌ وراسياتٌ ورواسي. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾؛ أي: أن تتحرك وتضطرب. وفي "المصباح": ماد يميد ميدا من باب باع، وميدانا بفتح الياء إذا تحرك. وفي "الأساس": غصن مائد مائل وماد يميد ميداناً. ﴿فِجَاجًا﴾ وفي "المختار": الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين، والجمع فجاج بالكسر، مثل سهم وسهام. والفج بالكسر البطيخ الشامي، وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج، فهو فجّ بالكسر. وفي "القاموس" الفج وجمعه فجاج الطريق الواسع بين جبلين، والسبل جمع سبيل، وهو الطريق الواسع مطلقًا. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ والفلك: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، وعبارة الخازن: وقيل: الفلك: طاحونة مستديرة كهيئة ذلك المغزل بمعنى: أن الذي تجري فيه النجوم، مستدير كاستدارة الرحى. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه. وفي "تفسير الرازي": المسألة الثالثة: الفلك في كلام العرب، كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك.

стр. 7912

واختلف العقلاء فيه: فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم، وإنما هو استدارة هذه النجوم. وقال الأكثرون: الأفلاك؛ أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف،. تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقال الكلبي: ماء مكفوف تجري فيه الكواكب، واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. قلنا: لا نسلم ذلك، فإنه يقال في الفرس: الذي يمد يديه في الجري سابح. المسألة الرابعة: اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة. فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً، والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركًا، والكواكب تتحرك فيه أيضًا، إما مخالفة لجهة حركته، أو موافقة لجهتها، إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء، أو مخالفةً، وإما أن يكون الفلك متحركًا والكواكب ساكنة، والذي يدل عليه لفظ القرآن الأول، وهو أن تكون الأفلاك ساكنة، والكواكب جارية فيها، كما تسبح السمكة في الماء الراكد، اهـ "التفسير الكبير للرازي". ﴿الْخُلْدَ﴾ الخلود والبقاء ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: مخلوقةٍ، فلا يرد الباري تعالى ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: موارة مفارقة جسدها، اهـ شيخنا. وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم، اهـ "أبو السعود". والذوق هنا: الإدراك. والمراد من الموت، مقدماته من الآلام العظيمة، والمدرك لذلك هي النفس المفارقة، التي تدرك مفارقتها للبدن ﴿نبلوكم﴾ أي: نختبركم. والمراد: نعاملكم معاملة من يختبركم ﴿بالخير والشر﴾؛ أي: بالمحبوب والمكروه ﴿فِتْنَةً﴾ أي: بلاءً واختبارًا، فهو مصدر مؤكد لنبلوكم، من غير لفظه. وأصل الفتن، إدخال الذهب النار. لتظهر جودته من رداءته. وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يجرِّب أحدكم بالبلاء. كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار. فمنه من يخرج كالذهب، فذاك الذي افتتن". قال الراغب: يقال: بلى الثوب بلى؛ أي خلق، وبلوته اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وسمي الغم بلاءً، من حيث إنه يبلي الجسم ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلّا مهزوءًا به؛ أي: مسخورًا منه.

стр. 7913

﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ في "المختار": العجل والعجلة، ضد البطء، وقد عجل من باب طرب، اهـ. وقيل: هما طلب الشيء قبل أوانه، وهما من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة، والمراد بالإنسان هذا النوع، وقد جعل لفرط استعجاله وقلة صبره، كأنه مخلوق من العجل، مبالغةً، كما يقال للرجل الذكي: هو نار تشتعل. ويقال لمن يكثر منه الكرم: فلانٌ خلق من الكرم. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ في "المصباح": بهت وبهت، من بابي قرب وتعب. دهش وتحيَّر، ويعدَّى بالحركة، فيقال: بهته يبهته بفتحتين، اهـ ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ﴾ يقال: حاق به، يحيق حيقًا، أحاط به. وحاق بهم الأمر، لزمهم ووجب عليهم، وحاق نزل، ولا يكاد يستعمل إلّا في الشر. الحيق: ما يشمل الإنسان من مكروه، فعل ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ يحرسكم ويحفظكم ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: من بأسه وعقابه، الذي تستحقونه ﴿مِنْ دُونِنَا﴾؛ أي: من غيرنا. وفي "المصباح": كلأه الله يكلؤه، مهموزٌ بفتحتين من باب قطع، كلاءةً بالكسر والمد حفظه، ويجوز التخفيف، فيقال: كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة قريش، لكنهم قالوا: مكلو بالواو وأكثر من مكلي بالياء اهـ ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾؛ أي: يجارون من عذابنا. تقول العرب: أنا لك جار. وصاحب من فلان؛ أي: ومجير منه. واختاره الطبري. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا﴾ المتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، وأمتعه وتمتع به ﴿الْعُمُرُ﴾ بضم الميم وسكونها، اسم لمدة عمارة البدن بالحياة؛ أي: طال عليهم الأجل في التمتع فاغتروا. وحسبوا أنهم ما زالوا على ذلك لا يغلبون. ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ والأطراف: جمع طرف بالتحريك، وهو ناحية من النواحي، وطائفة من الشيء ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾؛ أي: قسط ونصيب ضئيل. والمس اللمس، ويقال في كل ما ينال الإنسان من أذى. والنفحة من الريح الدفعة، ومن العذاب القطعة. كما في "القاموس". قال في "بحر العلوم". من نفحته الدابة، إذا ضربته؛ أي: ضربة، أو من نفحت الريح إذا هبت؛ أي: هبة،

стр. 7914

أو من نفح الطيب، إذا فاح؛ أي: فوحة، كما يقال: شمة. وقال ابن جريج؛ أي: نصيب من نفحه فلان من ماله إذا أعطاه حظًا منه. فصل في مصادر المرة والنوع أو الهيئة مصدر المرة، هو ما يذكر لبيان عدد الفعل، ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة. بفتح الفاء وسكون العين، مثل وقفت وقفة ووقفتين ووقفات، فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء، مثل أكرمته إكرامة، وفرحته تفريحة، وتدحرج تدحرجة، إلا إن كان المصدر ملحقاً في الأصل، بالتاء، فيذكر بعده ما يدل على العدد، مثل رحمته رحمة واحدة، وأقمت إقامة واحدة، واستقمت استقامة واحدة. أما مصدر النوع أو الهيئة: فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل. وصفته، نحو وقفت وقفةً، ويبنى من الثلاثي المجرد، على وزن فعلة بكسر الفاء، مثل عاش عيشة حسنة، ومات ميتة سيئة، وفلان حسن الجلسة، وفلانة هادئة المشية، فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره، بالوصف مصدر نوع، مثل أكرمته إكرامًا عظيمًا. هذا، وهنا تنبيه هام. نبه عليه الشيخ أبو حيان، وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة، لا تدخل على كل مصدر، بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس، نحو قومة وضربةٍ وقعدة وأكلة. وأما مصادر الأفعال الباطنة، والخصال الجليلة الثابتة، نحو: الظرف والحسن والجبن والعلم، فلا يقال، من ذلك: علمته علمةً، ولا فهمته فهمةً، ولا صبرته صبرةً. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ الخردل: نبات له حب صغير جدًّا أسود مقرح، والواحدة خردلة، ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه، والخرادل: القطع من اللحم. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان، والجمع فيه للتعظيم، أو باعتبار أجزائه فإن الصحيح أنه ميزان واحد لجميع الأمم، ولجميع الأعمال، وهو جسم مخصوص،

стр. 7915

له لسان وكفتان وعمود، كل كفة، قدر ما بين المشرق والمغرب، ومكانه بين الجنة والنار، كفته اليمنى للحسنات عن يمين العرش، وكفته اليسرى للسيئات عن يساره. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستفهام التعجبي الإنكاري في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: الطباق بين الرتق والفتق في قوله: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. ومنها: التنكير للتعميم في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ﴾. ومنها: التذييل بقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾. وعرَّفوه بقولهم: بأنه تذييل الكلام بعد تمامه، وحسن السكوت عليه، بجملة تحقق ما قبلها من الكلام، وتزيده توكيدًا، وتخرجه مخرج المثل السائر، ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة، فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك، فلا يسمى تذييلا. أما في الآية التي نحن بصددها، فإن المعنى مستوفى في الإخبار، بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد، ثم ذيل ذلك الإخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف، وهو قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، ثم ذيلّ هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر. حيث قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بعد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾، وذلك لتأكيد الاعتناء بالنعم الجليلة، التي أنعم بها على العباد. ومنها: الطباق بين الشر والخير في قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾.
следующие страницы →