← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

"المختار": الرتق: ضد الفتق، وقد رتقت الفتق، من باب نصر سددته فارتتق؛ أي: التأم، ومنه قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾، والرتق بفتحتين مصدر قولك، امرأة رتقاء؛ أي: لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها، وفي الأساس: رتق الفتق حتى ارتتق. وقرىء: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ وعن ابن الكلبي: كانتا رتقاوين، ففتق الله السماء بالماء، وفتق الأرض بالنبات، وامرأة رتقاء بينة الرتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال. وفي "المختار" أيضًا: فتق الشيء شقه، وبابه نصر، وفتقه تفتيقًا مثله فانفتق اهـ. ﴿رَوَاسِيَ﴾ جمع راسية، من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ. اهـ "أبو السعود". وفي "المختار": والرواسي من الجبال الرواسخ، واحدتها راسية. وفي "المصباح": وما الشيء يرسو رسوًا ورسوا، إذا ثبت فهو راسٍ، وجبالٌ راسيةٌ وراسياتٌ ورواسي. ﴿أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾؛ أي: أن تتحرك وتضطرب. وفي "المصباح": ماد يميد ميدا من باب باع، وميدانا بفتح الياء إذا تحرك. وفي "الأساس": غصن مائد مائل وماد يميد ميداناً. ﴿فِجَاجًا﴾ وفي "المختار": الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين، والجمع فجاج بالكسر، مثل سهم وسهام. والفج بالكسر البطيخ الشامي، وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج، فهو فجّ بالكسر. وفي "القاموس" الفج وجمعه فجاج الطريق الواسع بين جبلين، والسبل جمع سبيل، وهو الطريق الواسع مطلقًا. ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾ والفلك: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، وعبارة الخازن: وقيل: الفلك: طاحونة مستديرة كهيئة ذلك المغزل بمعنى: أن الذي تجري فيه النجوم، مستدير كاستدارة الرحى. وقيل: الفلك: السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه. وفي "تفسير الرازي": المسألة الثالثة: الفلك في كلام العرب، كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك.

стр. 7912

واختلف العقلاء فيه: فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم، وإنما هو استدارة هذه النجوم. وقال الأكثرون: الأفلاك؛ أجسام تدور النجوم عليها، وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، ثم اختلفوا في كيفيته فقال بعضهم: الفلك موج مكفوف،. تجري الشمس والقمر والنجوم فيه. وقال الكلبي: ماء مكفوف تجري فيه الكواكب، واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. قلنا: لا نسلم ذلك، فإنه يقال في الفرس: الذي يمد يديه في الجري سابح. المسألة الرابعة: اختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة فيها ثلاثة. فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً، والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركًا، والكواكب تتحرك فيه أيضًا، إما مخالفة لجهة حركته، أو موافقة لجهتها، إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء، أو مخالفةً، وإما أن يكون الفلك متحركًا والكواكب ساكنة، والذي يدل عليه لفظ القرآن الأول، وهو أن تكون الأفلاك ساكنة، والكواكب جارية فيها، كما تسبح السمكة في الماء الراكد، اهـ "التفسير الكبير للرازي". ﴿الْخُلْدَ﴾ الخلود والبقاء ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أي: مخلوقةٍ، فلا يرد الباري تعالى ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: موارة مفارقة جسدها، اهـ شيخنا. وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم، اهـ "أبو السعود". والذوق هنا: الإدراك. والمراد من الموت، مقدماته من الآلام العظيمة، والمدرك لذلك هي النفس المفارقة، التي تدرك مفارقتها للبدن ﴿نبلوكم﴾ أي: نختبركم. والمراد: نعاملكم معاملة من يختبركم ﴿بالخير والشر﴾؛ أي: بالمحبوب والمكروه ﴿فِتْنَةً﴾ أي: بلاءً واختبارًا، فهو مصدر مؤكد لنبلوكم، من غير لفظه. وأصل الفتن، إدخال الذهب النار. لتظهر جودته من رداءته. وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يجرِّب أحدكم بالبلاء. كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار. فمنه من يخرج كالذهب، فذاك الذي افتتن". قال الراغب: يقال: بلى الثوب بلى؛ أي خلق، وبلوته اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له، وسمي الغم بلاءً، من حيث إنه يبلي الجسم ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: ما يتخذونك إلّا مهزوءًا به؛ أي: مسخورًا منه.

стр. 7913

﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ في "المختار": العجل والعجلة، ضد البطء، وقد عجل من باب طرب، اهـ. وقيل: هما طلب الشيء قبل أوانه، وهما من مقتضى الشهوة، فلذلك صارت مذمومة، والمراد بالإنسان هذا النوع، وقد جعل لفرط استعجاله وقلة صبره، كأنه مخلوق من العجل، مبالغةً، كما يقال للرجل الذكي: هو نار تشتعل. ويقال لمن يكثر منه الكرم: فلانٌ خلق من الكرم. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ في "المصباح": بهت وبهت، من بابي قرب وتعب. دهش وتحيَّر، ويعدَّى بالحركة، فيقال: بهته يبهته بفتحتين، اهـ ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ﴾ يقال: حاق به، يحيق حيقًا، أحاط به. وحاق بهم الأمر، لزمهم ووجب عليهم، وحاق نزل، ولا يكاد يستعمل إلّا في الشر. الحيق: ما يشمل الإنسان من مكروه، فعل ﴿يَكْلَؤُكُمْ﴾ يحرسكم ويحفظكم ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾؛ أي: من بأسه وعقابه، الذي تستحقونه ﴿مِنْ دُونِنَا﴾؛ أي: من غيرنا. وفي "المصباح": كلأه الله يكلؤه، مهموزٌ بفتحتين من باب قطع، كلاءةً بالكسر والمد حفظه، ويجوز التخفيف، فيقال: كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة قريش، لكنهم قالوا: مكلو بالواو وأكثر من مكلي بالياء اهـ ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾؛ أي: يجارون من عذابنا. تقول العرب: أنا لك جار. وصاحب من فلان؛ أي: ومجير منه. واختاره الطبري. ﴿بَلْ مَتَّعْنَا﴾ المتاع: انتفاع ممتد الوقت، يقال: متعه الله بكذا، وأمتعه وتمتع به ﴿الْعُمُرُ﴾ بضم الميم وسكونها، اسم لمدة عمارة البدن بالحياة؛ أي: طال عليهم الأجل في التمتع فاغتروا. وحسبوا أنهم ما زالوا على ذلك لا يغلبون. ﴿مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ والأطراف: جمع طرف بالتحريك، وهو ناحية من النواحي، وطائفة من الشيء ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾؛ أي: قسط ونصيب ضئيل. والمس اللمس، ويقال في كل ما ينال الإنسان من أذى. والنفحة من الريح الدفعة، ومن العذاب القطعة. كما في "القاموس". قال في "بحر العلوم". من نفحته الدابة، إذا ضربته؛ أي: ضربة، أو من نفحت الريح إذا هبت؛ أي: هبة،

стр. 7914

أو من نفح الطيب، إذا فاح؛ أي: فوحة، كما يقال: شمة. وقال ابن جريج؛ أي: نصيب من نفحه فلان من ماله إذا أعطاه حظًا منه. فصل في مصادر المرة والنوع أو الهيئة مصدر المرة، هو ما يذكر لبيان عدد الفعل، ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة. بفتح الفاء وسكون العين، مثل وقفت وقفة ووقفتين ووقفات، فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء، مثل أكرمته إكرامة، وفرحته تفريحة، وتدحرج تدحرجة، إلا إن كان المصدر ملحقاً في الأصل، بالتاء، فيذكر بعده ما يدل على العدد، مثل رحمته رحمة واحدة، وأقمت إقامة واحدة، واستقمت استقامة واحدة. أما مصدر النوع أو الهيئة: فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل. وصفته، نحو وقفت وقفةً، ويبنى من الثلاثي المجرد، على وزن فعلة بكسر الفاء، مثل عاش عيشة حسنة، ومات ميتة سيئة، وفلان حسن الجلسة، وفلانة هادئة المشية، فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره، بالوصف مصدر نوع، مثل أكرمته إكرامًا عظيمًا. هذا، وهنا تنبيه هام. نبه عليه الشيخ أبو حيان، وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة، لا تدخل على كل مصدر، بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس، نحو قومة وضربةٍ وقعدة وأكلة. وأما مصادر الأفعال الباطنة، والخصال الجليلة الثابتة، نحو: الظرف والحسن والجبن والعلم، فلا يقال، من ذلك: علمته علمةً، ولا فهمته فهمةً، ولا صبرته صبرةً. ﴿مِنْ خَرْدَلٍ﴾ الخردل: نبات له حب صغير جدًّا أسود مقرح، والواحدة خردلة، ويقال: خردل الطعام: أكل خياره، وخردل اللحم: قطع أعضاءه، والخرادل: القطع من اللحم. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان، والجمع فيه للتعظيم، أو باعتبار أجزائه فإن الصحيح أنه ميزان واحد لجميع الأمم، ولجميع الأعمال، وهو جسم مخصوص،

стр. 7915

له لسان وكفتان وعمود، كل كفة، قدر ما بين المشرق والمغرب، ومكانه بين الجنة والنار، كفته اليمنى للحسنات عن يمين العرش، وكفته اليسرى للسيئات عن يساره. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الاستفهام التعجبي الإنكاري في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. ومنها: الطباق بين الرتق والفتق في قوله: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾. ومنها: التنكير للتعميم في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ﴾. ومنها: التذييل بقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾. وعرَّفوه بقولهم: بأنه تذييل الكلام بعد تمامه، وحسن السكوت عليه، بجملة تحقق ما قبلها من الكلام، وتزيده توكيدًا، وتخرجه مخرج المثل السائر، ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة، فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك، فلا يسمى تذييلا. أما في الآية التي نحن بصددها، فإن المعنى مستوفى في الإخبار، بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد، ثم ذيل ذلك الإخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف، وهو قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾، ثم ذيلّ هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر. حيث قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بعد قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾، وذلك لتأكيد الاعتناء بالنعم الجليلة، التي أنعم بها على العباد. ومنها: الطباق بين الشر والخير في قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾.

стр. 7916

ومنها: الإيجاز بالحذف، في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: بكل سوء؛ لأنهم استفظعوا حكايته ما يقوله النبي ﷺ ، من القدح في آلهتهم، بأنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تنفع، ولا تضر. ومنها: الاستعارة المكنية، في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ فقد شبّه العجل الذي طبع عليه الشخص، وصار له كالجبلة بأصل مادته، وهي الطين، تشبيهًا مضمراً في النفس، ثم حذف المشبّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه، وهو قوله: خلق. وقيل: لا استعارة فيه، وإنما هو من باب القلب، والأصل خلق العجل من الإنسان، لشدة صدوره منه، وملازمته له، والقلب موجود في كلامهم كثيرًا، والأول أولى وأقعد بالبلاغة، ومن بدع التفاسير ما قالوه: من أن العجل هو الطين، بلغة حمير. ومنها: إيثار صيغة المضارع والشرط في قوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإن كان المعنى على المضي، لإفادة استمرار عدم العلم. ومنها: الكناية في قوله: ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾؛ لأنه كناية عن إحاطة النار بهم من كل جانب، ذكره أبو السعود. ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ لفائدة التسجيل عليهم، فقد كان مقتضى السياق أن يقول: ﴿ولا يسمعون﴾ ولكنه صرح بالصم، وتجاوز بالظاهر عن ضميره، للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم، إذا أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد، وغضب عظيم، وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي، وعدم إصاغتهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والضلال. ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ حيث استعار الصم للكفار؛ لأنهم كالبهائم التي لا تسمع الدعاء، ولا تفقه النداء. ومنها: إسناد الضمير إلى الله تعالى في قوله: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أسند سبحانه الضمير إلى نفسه. تعظيمًا للمسلمين، الذين

стр. 7917

أجرى على أيديهم الانتصار العظيم، وافتتاح البلاد والأمصار. تنويهاً بقدر المجاهدين، وتعظيمًا لما أتوا به من فضائل الأعمال. ومنها: ثلاث مبالغات في قوله: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا﴾. ١ - ذكر المس وهو أقل شيء، بل هو شيءٌ رفيقٌ جدًّا، فما بالك إذا انشال عليهم، أي: يكفي للدلالة على ذلهم، وهو أن أمرهم، ووهن عزيمتهم، أن أقل من يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم، والإقرار على أنفسهم. بأنهم تصافوا وأعرضوا. ٢ - وما في النفحة، من معنى القلة والنزارة، يقال: نفحته الدابة ونفحة بعطيَّة. ٣ - بناء المرة من النفح، فمصدر المرة، يأتي على فعلة؛ أي: نفحة واحدة لا ثاني لها، تكفي لتشتيت أمرهم، وتوهين كيانهم، وتصدع صفوفهم، فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾؛ لأن السبح حقيقة في المر السريع في الماء، أو في الهواء، فاستعير لمر الشمس والقمر والنجوم في الفلك. ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿سَقْفًا﴾؛ أي؛ كالسقف للأرض. ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿يَذْكُرُ﴾ و ﴿ذِكْر﴾ في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ وبين عجل ويستعجلون في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾. ومنها: الجناس المماثل بين ﴿استهزىء﴾ و ﴿يستهزئون﴾، في قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الآية، وبين ﴿إنما أنذركم﴾ و ﴿ينذرون﴾، في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ ...﴾ الآية.

стр. 7918

ومنها: نداء غير العاقل في قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ تنزيلًا له منزلة العاقل. ومنها: الكناية في قوله: ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾، لأنه كناية عن العمل، ولو كان في غاية القلة والحقارة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 7919

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾

стр. 7920

المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله لمّا قدّ الكلام في دلائل التوحيد (١)، والنبوة والمعاد، أتبع ذلك بثلاثة عشر نبيًا غير مراعٍ في ذكرهم الترتيب الزماني، وذكر بعض ما نال كثيرًا منهم من الابتلاء، كل ذلك تسليةً للرسول ﷺ ، وليتأسى بهم فيما جرى عليه من قومه. قوله تعالى: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الكفرة، لما أقروا (٢) على أنفسهم، بأن لا فائدة في آلهتهم، قامت لإبراهيم الحجة عليهم، فوبّخهم على عبادة ما لا يضر ولا ينفع، إذ هذا مما لا ينبغي لعاقل، أن يقدم عليه، وبعد أن دحضت حجتهم، وبان عجزهم، انقلبوا إلى العناد واستعمال القوة الحسية، إذ أعيتهم الحجة، فقالوا: حرّقوا إبراهيم بالنار، وانصروا آلهتكم التي جعلها جذاذًا، ولكن الله سلّمه من كيدهم، وجعل النار بردًا وسلامًا عليه. قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لمّا ذكر ما أكرم به إبراهيم، من نجاته من النار، قفّى على ذلك، ببيان أنه أخرجه من بين قومه مهاجرًا إلى بلاد الشام، وهي الأرض المباركة، ثم وهب له من الذرية إسحاق وابنه يعقوب ﵉، وكانا أهل صلاح وتقوى يقتدى بهما، ويؤتمر بأمرهما، ثم أردف ذلك، بذكر ما آتى لوطًا من العلم والنبوة، وجعله يعزف عن مفاسد تلك القرية، التي كان يقيم فيها بين ظهراني أهلها، وقد أهلكهم جميعًا وأنجاه هو وأهله، وأدخله في جنات النعيم، وقرّبه إلى حظيرة قدسه وساحة رحمته.

стр. 7921

قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله ؛ لما ذكر قصة إبراهيم، وهو أبو العرب، أردفها بقصة نوح، وهو الأب الثاني للبشر على المشهور، من أن جميع الباقين بعد الطوفان من ذريته ﵇. قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه ، لمّا ذكر ما أنعم به على نوح ﵇ من النعم الجليلة، قفّى على ذلك بذكر الإحسان العظيم، الذي آتاه داود وسليمان ﵉، وهو قسمان: أولًا: نعم مشتركة بينهما وبين غيرهما من النبيين، وهي العلم والفهم، وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. ثانيًا: نعم خاصة بواحد دون الآخر: ١ - فأنعم على داود بتسخير الجبال والطير للتسبيح معه، وتعليم صنعة الدروع، للوقاية من أذى الحرب. ٢ - وأنعم على سليمان بتسخير الريح العاصفة التي تجري بأمره، وبتسخير الشياطين تغوص في البحار، لتخرج اللؤلؤ والمرجان، وتعلم له أخرى غير ذلك. التفسير وأوجه القراءة ٥١ - ولما تكلم (١) الله ، في دلائل التوحيد، والنبوة، شرع في قصص الأنبياء ﵈: تسلية لرسوله ﷺ ، فيما يناله من أذى قومه، وتقويةً لقلبه على أداء الرسالة، والصبر على كل عارض، وذكر منها عشر قصص: الأولى: قصة موسى ﵇، المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى

стр. 7922

وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾. القصة الثانية: قصة إبراهيم ﵇ المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾. القصة الثالثة: قصة لوط ﵇، المذكورة في قوله: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. القصة الرابعة: قصة نوح ﵇، المذكورة في قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾. القصة الخامسة: قصة داود وسليمان ﵉، المذكورة في قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾. القصة السادسة: قصة أيوب ﵇، المذكورة في قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾. القصة السابعة: قصة إسماعيل وإدريس وذي الكفل، المذكورة في قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ﴾. القصة الثامنة: قصة يونس ﵇ المذكورة في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. القصة التاسعة: قصة زكريا ﵇ المذكورة في قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾. القصة العاشرة: قصة مريم وابنها ﵇، المذكورة في قوله: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الخ، اهـ من الخطيب. ثم شرع في ذكر قصة إبراهيم ﵇ فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي؛ وعزتي وجلالي لقد آتينا وأعطينا إبراهيم الخليل ﵇ ﴿رُشْدَهُ﴾؛ أي (١): ما فيه صلاحه وهداه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل موسى وهارون ووفقناه

стр. 7923

للحق، وأضأنا له سبيل الرشاد، وأنقذناه من بين قومه، من عباد الأصنام، وقال الفراء: أعطيناه هداه، من قبل النبوة والبلوغ، اهـ، أي: وفقناه للنظر والاستدلال. لمَّا جنّ عليه الليل، فرأى الشمس والقمر والنجم، وعلى هذا جرى كثير من المفسرين. والرشد (١): خلاف الغي، وهو الابتداء لمصالح الدين والدنيا، وكماله يكون بالنبوة؛ أي: بالله لقد آتينا بجلالنا وعظيم شأننا إبراهيم الخليل ﵇، الرشد اللائق به، وبأمثاله من الرسل الكبار، على ما أفادته الإضافة من قبل؛ أي؛ من قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، وتقديم زكريا إيتائها، لما بينه وبين إنزال القرآن من الشبه التام ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾؛ أي؛ وكنا عالمين، بأنه أهل لما آتيناه، من الرشد والنبوة، وتقديم الظرف، لمجرد الاهتمام، مع رعاية الفاصلة، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. وقرأ الجمهور: (٢) ﴿رشده﴾ بضم الراء وسكون الشين، وقرأ عيسى الثقفي: ﴿رشده﴾ بفتح الراء والشين، وأضاف الرشد إلى إبراهيم، بمعنى: رُشْدَ مِثْله، وهو رشد الأنبياء، وله شأن؛ أي: شأن. أو المعنى: وكنا عالمين بأنه ذو يقين، وإيمان بالله، وتوحيد له، لا يشرك به شيئًا، فهو جامع لأحاسن الفضائل، ومكارم الأخلاق، وجميل الصفات. ٥٢ - والظرف في قوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ متعلق بآتينا، على أنه وقت متسع، وقع فيه الإيتاء، وما ترتب عليه من أفعاله وأقواله. أو بمحذوف، تقديره: اذكر حين قال إبراهيم ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر، والظاهر، من عدم التعرض لأمه، كونها مؤمنةً، كما يدل عليه تبريه وامتناعه من أبيه دونها ﴿وَقَوْمِهِ﴾ نمرود ومن اتبعه. والمراد من قومه (٣): أهل بابل بالعراق، وهي بلاد معروفة، من عبادان إلى

стр. 7924

الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، سميت بها، لكونها على عراق دجلة والفرات؛ أي؛ شاطئهما. ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾؛ أي: آتيناه الرشد، حين قال لأبيه آزر ولقومه، وهم مجتمعون: ما هذه الأصنام التي تقيمون على عبادتها وتعظيمها، وقد أراد ﵇، بهذا السؤال، تنبيه أذهانهم، إلى التأمل في شأنها، وتحقير أمرها، متجاهلًا حقيقتها، وكأنه يومئ بذلك، إلى أنهم لو تأملوا قليلًا، لأدركوا أن مثل هذه الأحجار، والخشب، لا تغني عنهم قُلًّا، ولا كثرًا؛ أي (١) ما هذه الصور التي أنتم عابدون لها، وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنمًا، بعضها من ذهب، وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس، وبعضها من حجر، وبعضها من خشب، وكان كبيرها من ذهب مكلَّلا من جواهر، في عينيه ياقوتتان، تتقدان، تضيئان في الليل. والتماثيل (٢): جمع تمثال، وهو الشيء المصوَّر، المصنوع مشبهًا بخلق من خلائق الله، والممثل المصوّر على مثال غيره. من مثلث الشيء بالشيء، إذا شبّهته به. والعكوف الإقبال على الشيء، وملازمته على سبيل التعظيم، لغرض من الأغراض، ضمَّن معنى العبادة، كما يدل عليه الجواب الآتي، ولذا جيء باللام دون على؛ أي: ما هذه الأصنام التي أنتم لها عابدون لها، مقيمون عليها. وهذا السؤال، تجاهل منه، وإلّا فهو يعرف أن حقيقتها حجر، أو شجر، اتخذوها معبوداً، فالاستفهام فيه، استفهام متجاهل. ٥٣ - وقوله: ﴿قَالُوا﴾ كلام مستأنف، واقع في جواب سؤال مقدر، تقديره: قال إبراهيم لهم: أي شيءٍ حملكم على عبادتها؟ قالوا: ﴿وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ وأسلافنا ﴿لَهَا عَابِدِينَ﴾؛ أي: عابدين لها، فنحن نعبدها اقتداء بهم، وهو جواب العاجز عن الإتيان بالدليل.

стр. 7925

أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا (١) التي يتوكأ عليها كل عاجز، والحبل الذي يتشبث به كل غريق، وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء؛ أي: وجدنا آباءنا يعبدونها، فعبدناها، اقتداء بهم، ومشيا على طريقتهم، وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة، من أهل هذه الملة الإسلامية، وإن العالم بالكتاب والسنة؛ إذا أنكر عليهم العمل، بمحض الرأي، المدفوع بالدليل .. قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين، وبرأيه آخذين، ٥٤ - وجوابهم، هو ما أجاب به الخليل هاهنا بقوله: ﴿قَالَ﴾ لهم إبراهيم ﵇: والله ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ وأسلافكم الذين سنوا لكم هذه السنة الباطلة ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: في خطأ بيّن، بحيث لا يخفى على أحد من العقلاء ذلك، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام. التي لا تضر ولا تنفع، ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران. وقال آخر أيضًا: يَأْبَى الْفَتَى إِلَّا اتِّبَاعَ الْهَوَى ... وَمَنْهَجُ الحَقِّ لَهُ وَاضِحُ ٥٥ - ثم لمَّا سمع أولئك الكفرة مقالة الخليل ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا﴾ أنت فيما تقول لنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ والصدق والجد ﴿أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ والمازحين بنا، فتقول ما تقول على وجه المزاح واللعب، حسبوا أنهم، إنما أنكر عليهم دينهم القديم، مع كثرتهم وشوكتم على وجه المزاح واللعب. وفي (٢) إيراد الشق الثاني بالجملة الاسمية الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم، اهـ شيخنا. والاستفهام فيه استفهام تعجب واستبعاد؛ أي (٣): قالوا له حين سمعوا مقالته، مستبعدين أنهم في ضلال، ومتعجبين من تضليله إياهم: أجادُّ أنت فيما تقول، أم أنت لاعبٌ مازحٌ. فإنّا لم نسمع بمثله من قبل.

стр. 7926

وخلاصة هذا: أنهم لما سمعوا منه، ما يدل على تحقير آلهتهم وتضليله إياهم، وشاهدوا منه الجد في القول، والغلظة فيه، طلبوا منه الدليل على صدق ما يقول: إن كان جادًّا، ثم ارتقوا من هذا، إلى بيان أنه هازل لاعبٌ، كما هو دأبه وعادته من قبل، ولا يقصد بذلك إظهار حق ألبتة. وفيه إشارة لطيفة، وهي كما أن أهل الصدق والطلب يرون أهل الدنيا لاعبين، والدنيا لعبًا ولهوًا، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ كذلك أهل الدنيا، يرون أهل الدين لاعبين، والدين لعبًا ولهوًا. ٥٦ - فرد عليهم منتقلًا من تضليلهم في عبادة الأوثان، إلى بيان الحق، وذكر المستحق للعبادة مضربًا عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد فـ ﴿قَالَ﴾ إبراهيم لهم: ﴿بَلْ﴾ جئتكم بالحق، لا باللعب ﴿رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: إن ربكم ومالككم الذي يستحق منكم العبادة، مالك السموات والأرض ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾؛ أي: أنشأ السموات والأرض، وخلقهن ابتداء من غير مثال سابق يحتذى، فهو الخالق كما أنه المربي. فالضمير (١) للسموات والأرض، أو للتماثيل؛ أي: فكيف تعبدون من كان من جملة المخلوقات. وخلاصة هذا: أن الجدير بالعبادة، هو من ربّاكم تحت ظلال عطفه، وأنعم عليكم بجزيل برّه ولطفه، وأوجدكم، وأوجد السموات والأرض من العدم، لا من كان بمعزل عن كل ذلك. وفي هذا، إرشاد إلى أنه، ينبغي لهم أن يرعووا عن غيِّهم، ويعلموا من يستحق العبادة فيعبدونه، ويخضعون له وبذلك يهتدون إلى الطريق السوي. ثم ختم مقاله: بنفي اللعب والهزل عن نفسه فقال: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ الذي ذكرته لكم، من كون ربكم رب السموات والأرض فقط، دون ما عداه، كائنًا ما كان ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ أي: من العالمين به على الحقيقة المبرهنين عليه، وليس المراد حقيقة الشهادة؛ لأنه لا شهادة من المدعي، بل استعيرت الشهادة لتحقيق الدعوى بالحجة والبرهان؛ أي: لست من اللاعبين في الدعاوى، بل من المحتجين عليها بالبراهين القاطعة، بمنزلة الشاهد الذي تقطع به الدعاوي.

стр. 7927

أي (١): وأنا أستدل على ما أقول بالحجة، كما تصحَّح الدعوى بالشهادة، وأبرهن عليه، كما تبين القضايا بالبينات، فلست مثلكم أقول ما لا أقدر على إثباته، فإنكم لم تقدروا على الاحتجاج على مذهبكم، ولم تزيدوا على أن تقولوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون. وقصارى ما أقول (٢): لست من اللاعبين الهازلين، بل من العالمين بذلك بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة، كالشاهد الذي يكون قوله الفصل في إثبات الدعوى وإحقاق الحق. ٥٧ - وبعد أن أقام البرهان على إثبات الحق، أتبعه بالتهديد لهدم الباطل، ومحو آثاره، وأنه سينقل من المحاجة القولية إلى تغيير المنكر، ثقة بالله ومحاماة عن دينه، جمعا بين القول والفعل، فقال: ﴿وَتَاللَّهِ﴾ القوي العظيم، وقرأ الجمهور: ﴿وَتَاللَّهِ﴾ بالتاء الفوقية. وقرأ معاذ بن جبل وأحمد بن حنبل ﴿بِاللَّهِ﴾ بالباء الموحدة ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾؛ أي: لأمكرن وأجتهدن في كسر أصنامكم، وإلحاق الأذى بها، قال مجاهد وقتادة: قال إبراهيم ﵇ هذه المقالة سرًّا من قومه، ولم يسمع ذلك إلَّا رجل واحد منهم، فأفشاه عليه، وقال: إنا سمعنا فتى يذكرهم، يقال له إبراهيم. وفي التعبير بالكيد إيدان بصعوبة الوصول إلى كسرها، وتوقفه على استعمال الحيل، لا سيما زمن نمرود، على عتوّه واستكباره وقوة سلطانه، وتهالكه على نصرة دينه. فإن قيل (٣): لِمَ قال: ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ والكيد: هو الاحتيال على الغير في ضرر لا يشعر به، والأصنام جمادات لا تتضرر بالكسر ونحوه، وأيضًا ليست هي، مما يحتال في إيقاع الكسر عليها؛ لأن الاحتيال إنما يكون في حق من له شعور؟ أجيب: بأن ذلك من قبيل التوسع في الكلام، فإن القوم كانوا يزعمون أن الأصنام لهن شعور، ويجوز عليهن الضرر، فقال ذلك بناء على زعمهم. وقيل:

стр. 7928

المراد: لأكيدنكم في أصنامكم؛ لأنه بذلك الفعل، قد أنزل بهم الغم. والأصنام: جمع صنم، وهي جثة متخذة من فضة، أو نحاس أو خشب مثلًا كانوا يعبدونها، متقربين بها إلى الله تعالى، كما في "المفردات". ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا﴾ وترجعوا (١) من عبادتها. مضارع ولّى مشدداً ﴿مُدْبِرِينَ﴾ وذاهبين إلى عيدكم، وهو حال مؤكدة؛ لأن التولية والإدبار بمعنى، والإدبار نقيض الإقبال وهو الذهاب إلى خلف؛ أي بعد أن ترجعوا عن عبادتها حالة كونكم ذاهبين ومنطلقين إلى عيدكم. وقرأ الجمهور: ﴿تُولوا﴾ بضم التاء، مضارع ولّى الرباعي وقرأ عيسى بن عمر ﴿تولّوا﴾ بفتح التاء فحذف إحدى التاءين وهي الثانية على مذهب البصريين، والأولى على مذهب هشام، وهو مضارع تولى الخماسي، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾ ذكره في "البحر". وقال السدي: كان (٢) لهم في كل سنة مجمع عيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد، قال آزر: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا، أعجبك ديننا فخرج معهم، ولما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه، وقال: إني سقيم، أشتكي برجلي. فلمّا مضوا، نادى في آخرهم، وقد بقي فيهم ضعفاء الناس: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، وهي في بهو عظيم، وكان مستقبل هذا البهو، صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه، والأصنام بعضها إلى جنب بعض، يليه أصغر منه إلى باب البهو - والبهو: البيت الذي يقيمونه أمام البيوت، ويجتمون فيه للندوة - وإذا هم قد جعلوا طعامًا، فوضعوه بين يدي الآلهة، وقالوا: إذا رجعنا، وباركت الآلهة عليه أكلنا منه، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من الطعام، قال لهم، مستهزئًا: ألا تأكلون؟ فلما لم يجيبوه قال لهم: ما لكم لا تنطقون، وراغ عليهم ضربًا باليمين، وجعل يكسرهن بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلّا الصنم الأكبر، علّق الفأس في عنقه، ثم خرج فذلك

стр. 7929

٥٨ - قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ والفاء فيه فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قال إبراهيم لهم، وأردت بيان ما فعله بالأصنام .. فأقول لك: جعل إبراهيم الأصنام جذاذًا؛ أي: حطاماً رفاتاً فتاتاً قطاعاً مكسرة، إلّا كبيرا للأصنام لم يكسره، فهو (١) استثناء من مفعول قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾، و ﴿لَهُمْ﴾ صفة لـ ﴿كَبِيرًا﴾، والضمير للأصنام؛ أي: لم يكسر الكبير وتركه على حاله، وعلّق الفأس في عنقه. وكبره في التعظيم، أو في الجثة، أو فيهما. وهذا هو الكيد الذي وعدهم ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعل أولئك الضُلّال ﴿إِلَيْهِ﴾؛ أي: إلى الكبير. وتقديم الظرف للاختصاص، أو لمجرد الاهتمام مع رعاية الفاصلة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه عن كاسرها؛ أي (٢): لعل أولئك الطغاة، يرجعون إلى الكبير، كما يرجع إلى العالم، في حل المشكلات، فيقولون له: ما لهؤلاء الصغار مكسورة، ومالك صحيحًا، والفأس في عنقك، أو في يدك، وحينئذٍ يستبين لهم، أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، ويظهر لهم أنهم في عبادتهم على جهل عظيم، وقد كان هذا بناء على ظنه في أمرهم، لما جرَّب وذاق من مكابرتهم، واعتقادهم في آلهتهم، وتعظيمهم لها، فيستجهلهم ويبكتهم بذلك. وقيل: الضمير في ﴿إِلَيْهِ﴾ عائد إلى إبراهيم؛ أي: لعلهم إلى إبراهيم يرجعون، لاشتهاره بإنكار دينهم وسبّ آلهتهم وعداوتهم، فيحاججهم بقوله: بل فعله كبيرهم، فيحجهم ويبكتهم، كما في "الإرشاد" وغيره، أو لعلهم (٣) يرجعون إلى دين إبراهيم بوجوب الحجة عليهم، قاله الزجاج. وقرأ الجمهور (٤): ﴿جُذَاذًا﴾ بضم الجيم. وقرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود وأبو رزين وقتاد وابن محيصن والأعمش والكسائي: ﴿جِذاذًا﴾ بكسر الجيم. وقرأ أبو رجاء العطاردي وأيوب السختياني وعاصم الجحدري وابن عباس وأبو نهيك وأبو السماك ﴿جَذاذا﴾ بفتح الجيم. وقرأ الضحاك وابن يعمر ﴿جَذذا﴾

стр. 7930

بفتح الجيم من غير ألف. وقرأ معاذ القارىء وأبو حيوة وابن وثاب ﴿جُذذا﴾ بضم الجيم من غير ألف. قال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث اهـ. وقال أبو حاتم: أجودها الضم، كالحطام والرفات، وهي قراءة العامة، والظاهر أن المضموم اسم للشيء المكسور، كالحطام والرفات والفتات بمعنى: الشيء المحطم والمفتّت. وقال اليزيدي: المضموم جمع جُذاذة بالضم، نحو زجاج في زجاجة، والمكسور جمع جذيذ، نحو كرام في كريم. وقال بعضهم: المفتوح مصدر بمعنى المفعول. ٥٩ - فلما رجعوا من عيدهم إلى أصنامهم فوجدوها على تلك الحال ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال قوم إبراهيم على سبيل التوبيخ، والتأنيب حين رأوا آلهتهم قد صارت جذاذًا؛ إلّا الذي علق فيه إبراهيم الفأس ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا﴾ الكسر ﴿بِآلِهَتِنَا﴾؛ أي: من كسر هذه الآلهة وجعلها هكذا. والاستفهام فيه للإنكار والتوبيخ. ولم يقولوا ﴿بهؤلاء﴾ مع أنها كانت بين أيديهم حيث قالوا: ﴿بِآلِهَتِنَا﴾ مبالغة في اللوم، والتعنيف والتشنيع ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسهم بكسرها، حيث عرض نفسه للهلاك؛ أي: إنه لمن زمرة الذين ظلموا أنفسهم، وتجرؤوا على إهانة هذه الآلهة، وهي المستحقة بالإعظام والتكريم ٦٠ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بعض منهم ممن سمع قوله: تالله لأكيدن أصنامكم، للسائلين، فالآية تدل على أن القائلين جماعة منهم ﴿سَمِعْنَا فَتًى﴾ وهو الطري من الشبان ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ بسوء. صفة أولى لـ ﴿فَتًى﴾؛ أي: يعيب آلهتنا، ويستهزىء بهم، ولم نسمع أحدًا يقول ذلك غيره، وإنا لنظن أنه صنع ذلك بهم ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يطلق عليه هذا الاسم. صفة له ٦١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: السائلون. قال بعضهم: بلغ ذلك النمرود الجبار وأشراف قومه، فقالوا فيما بينهم؛ أي: قال أولئك القائلون: من فعل هذا بآلهتنا؟ إذا كان الأمر كما ذكرتم ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾؛ أي: بإبراهيم، والفاء فيه للإفصاح ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ حال (١) من ضمير ﴿بِهِ﴾؛ أي: إذا كان الأمر كما قلتم، فأتوا به، حالة

стр. 7931

كونه ظاهرًا على أعين الناس، مكشوفًا بمرأى منهم، ومنظر ومسمع منهم، بحيث تتمكن صورته في أعينهم، تمكّن الراكب على المركوب ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أنه الذي فعل ذلك، فتكون شهادتهم عليه حجة لنا؛ أي: لعل بعضًا منهم يشهدون بفعله، أو بقوله ذلك، لئلا نأخذه بلا بينة. وفيه إشارة إلى أن في بعض الكفار، من لا يحكم على أهل الجنايات إلّا بمشهد من العدول، فكل حاكم يحكم على متّهم بالجناية، من غير بيّنة، فهو أسوأ حالا منهم، ومن قوم نمرود كما في "التأويلات النجمية". ٦٢ - وجملة قوله: ﴿قَالُوا﴾ جواب شرط مقدر تقديره: فلما أتوا به وشهدوا عليه، قالوا منكرين عليه فعله، موبّخين له ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا﴾ الكسر ﴿بِآلِهَتِنَا﴾ وأصنامنا ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ﴾؛ أي (١): أأنت الذي كسر هذه الأصنام، وجعلهم جذاذًا، وقد طلبوا منه الاعتراف بذلك، ليقدموا على إيذائه، وهم مقتنعون بصحة هذه الجريمة في زعمهم، فما كان منه إلّا أن بادرهم بما أدهشهم، حتى تمنّوا الخلاص منه، ٦٣ - فـ ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾؛ أي: الذي كان الفأس على عنقه، مشيرًا إلى الذي لم يكسره، وهذا صفة لـ ﴿كبير﴾؛ أي: قال إبراهيم: بل الذي فعل هذا الكسر، هو الصنم الأكبر، الذي لم يكسر. أسند (٢) الفعل إليه باعتبار أنه الحامل عليه؛ لأنه لما رأى الأصنام مصطفة، مزينة يعظمها المشركون، ورأى على الكبير ما يدل على زيادة تعظيمهم له، وتخصيصهم إياه بمزيد التواضع، والخضوع غاظه، وكان غيظ كبيرها أكبر وأشد، وقال بعضهم: فعله كبيرهم هذا، غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها. وإيضاح هذا (٣): أن إبراهيم ﵇، لمّا رأى تعظيمهم لهذا الصنم، أشدّ من تعظيمهم لسائر ما معه من الأصنام، غضب أشد الغضب، وأسند إليه الفعل الصادر منه من قبل أنه هو الذي حمله على ذلك، وهو يومىء بذلك إلى

стр. 7932

مقصده، وهو إلزامهم الحجة على ألطف وجه، وأحسنه، مع حملهم على التأمل في شأن آلهتهم. ومجمل كلامه: أن شديد غضبي من تعظيمكم له، حملني على أن أفعل هذا، والفعل كما ينسب إلى المباشر له، ينسب إلى الباعث عليه، فهذا الصنم الأكبر، قد كان السبب في استهانتي بهم، وتحطيمي إياهم؛ أي: قال إبراهيم مقيمًا للحجة عليهم، مبكتاً لهم: بل فعله كبيرهم هذا، مشيرًا إلى الصنم الذي تركه، ولم يكسره ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾؛ أي: فاسألوهم؛ أي: فاسألوا هؤلاء الأصنام المكسورة، عن كاسرهم ليخبروكم به ﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾؛ أي (١): إن كانوا ممن يمكنه النطق، ويقدر على الكلام، ويفهم ما يقال له، فيجيب عنه بما يطابقه، أراد ﵇، أن يبيّن لهم، أن من لا يتكلم، ولا يعلم، ليس بمستحق للعبادة، ولا يصح في العقل، أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم، بما يوقعهم في الاعتراف، بأن الجمادات التي عبدوها، ليست بآلهة؛ لأنهم إذا قالوا: إنهم لا ينطقون، قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق، ويقصر عن أن يعلم، بما يقع عنده، في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام، من باب فرض الباطل مع الخصم، حتى تلزمه الحجة، ويعترف بالحق، فإن ذلك أقطع لشبهته، وأدفع لمكابرته. وفي الحديث المتفق عليه (٢): "لم يكذب إبراهيم النبي قط، إلّا ثلاث كذبات" سميت المعاريض كذبًا، لمَّا شابهت صورتها صورته، وإلّا فالكذب الصريح كبيرة، فالأنبياء معصومون منها. فإن قلت: إذا كانت هذه معاريض، لم جعلها سببًا في تقاعده عن الشفاعة، حين يأتي الناس إليه، يوم القيامة؟ قلت: الذي يليق بمرتبة النبوة والخلة، أن يصدع بالحق، ويصرح بالأمر، ولكنه قد تنزّل إلى الرخصة، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين. والتعريض: تورية الكلام عن الشيء بالشيء، وهو أن تشير بالكلام إلى

стр. 7933

شيء، والغرض منه شيء آخر، فالغرض من قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ الإعلام بأن من لم يستطع دفع المضرة عن نفسه .. كيف يستطيع دفع المضرة عن غيره، فكيف يصلح إلهًا؟! وقرأ ابن السميقع (١): ﴿بَلْ فَعَلَهُ﴾ بتشديد اللام على معنى بل، فلعل الكاسر والفاعل ذلك كبيرهم ٦٤ - ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته، المتفطن لصحة حجة خصمه، المراجع لعقله، وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقالة بينهم وبين إبراهيم، أن من لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه، ولا على الإضرار بمن فعل به، ما فعله إبراهيم بتلك الأصنام، يستحيل أن يكون مستحقاً للعبادة، ولهذا ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض: أنتم الظالمون لأنفسكم، بعبادة هذه الجمادات، وليس الظالم، من نسبتم الظلم إليه بقولكم ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وما هذا منكم إلّا غرور وجهل، بما ينبغي أن تكون عليه حال المعبود. ٦٥ - ثم أبان أنهم أركسوا بعدئذٍ (٢)، ورجعوا عن فكرة سليمة، لا غبار عليها، بوصفهم أنفسهم بالظلم إلى فكرة خاطئة، وهي الحكم بصحة عبادتها، مع اعترافهم بأن حالهم دون حال الحيوان، فلا ينبغي لعاقل أن يعبدها، فقال: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ وانكبوا ﴿عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ أي: رجعوا إلى جهلهم وعنادهم، شبه سبحانه، عودهم إلى الباطل، بصيرورة أسفل الشيء أعلاه. وقيل: المعنى أنهم طأطؤوا رؤوسهم خجلةً من إبراهيم؛ أي: انقلبوا عن الفكرة الصالحة إلى الحالة الأولى، فأخذوا في المجادلة بالباطل قائلين: والله ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا إبراهيم ﴿مَا هَؤُلَاءِ﴾ الأصنام ﴿يَنْطِقُونَ﴾؛ أي: لقد علمت أنه ليس من شأنهم النطق، فكيف تأمرنا بسؤالهم. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة وابن مقسم وابن الجارود والبكراوي (٣):

стр. 7934

كلاهما عن هشام ﴿نكّسوا﴾ بالتشديد. وقرىء ﴿نَكَسُوا﴾ بالبناء للفاعل مع التخفيف؛ أي: نكسوا أنفسهم على رؤوسهم، وهي قراءة رضوان بن عبد المعبود، أي: لقد بلغ الأمر بهم، إلى أن قالوا: إنما اتخذناهم آلهة، مع علمنا بأنهم لا ينطقون ولا يتكلمون، فكيف تأمرنا بسؤالهم، وإنما قال: ﴿يَنْطِقُونَ﴾، ولم يقل: يسمعون أو يعقلون مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضًا، من قبل أن نتيجة السؤال الجواب، وأن عدم نطقهم أبلغ في تبكيتهم ٦٦ - فـ ﴿قَالَ﴾ إبراهيم مبكتًا لهم وموبخًا ﴿أ﴾ تعلمون ذلك ﴿فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: حال كونكم متجاوزين عبادته تعالى، فالهمزة للاستفهام التوبيخي التبكيتي المضمّن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير أتعلمون عدم نطقها، فتعبدون من دون الله ﴿مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾؛ أي: فتعبدون من دون الله معبودات، لا تنفعكم شيئًا من النفع إن عبدتموها، فتعلقوا رجاءكم بها، ولا تضركم شيئًا من الضرر إن لم تعبدوها فتخافوها، فإن العلم بالحالة المنافية للألوهية، مما يوجب الاجتناب عن عبادتها قطعًا ٦٧ - ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾؛ أي؛ تبًا ونتنًا لكم ﴿وَ﴾ قبحًا ﴿لِمَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه، أي: لمعبوداتكم التي اتخذتموها من دون الله. واللام (١) لبيان المتضجر لأجله؛ أي: هذا التأفف لكم ولآلهتكم، لا لغيركم. وعائد الموصول محذوف كما قدَّرناه، وهذا تضجر منه ﵇، من إصرارهم على الباطل البيِّن. و ﴿أُفٍّ﴾ صوت التضجر، إذا صوت بها الإنسان علم أنه متضجّر، ومعناه: قبحًا ونتنًا. وفي كتب النحو، من أسماء الأفعال ﴿أُفٍّ﴾ بمعنى أتضجر. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء: عاطفة على ذلك، والتقدير: أجننتم، فلا تعقلون قبح صنيعكم؛ أي: أليس لكم عقل تعقلون به، أنَّ هذه الأصنام لا تستحق العبادة. والمعنى: أي (٢) أفلا تتدبرون ما أنتم فيه، من الضلال والكفر، الذي لا يروج إلا على جاهل فاجر، وأنتم الشيوخ الذين بلوا الزمان حلوه ومره، وحنَّكتهم

стр. 7935

تجارب الأيام، فمن حقكم أن تعاودوا الرأي وتقلبوه ظهراً لبطن، لعلكم ترشدون بعد الضلال، وتهتدون بعد الغيّ والعمى. قال ابن عطاء (١): دعا الله تعالى عباده إليه، وقطعهم عما دونه بقوله: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ ...﴾ إلخ كيف تعتمده وهو عاجز مثلك، ولا تعتمد من إليه المرجع، وبيده الضرُّ والنفع. قال حمدون القصَّار: استغاثة الخلق بالخلق، كاستغاثة المسجون بالمسجون. وقال بعض الكبار: طلبك من غيره لوجود بعدك عنه، إذ لو كنت حاضرًا بقلبك معه، ما صح منك توجه لغيره، وكل ما دون الله، خوض ولعب، فالتعلق به زور وكذب، فدع الكل جانبًا، وتعلق بمولاك حتمًا، تجده في كل مهم وغيره مغنيًا، وعند كل شيء حقًا يقينًا، جعلنا الله ممن تعلق به بلا علة، وعافانا من الذلة والزلة والقلة. ٦٨ - ولما بان عجزهم عن مجادلته، وحصحص الحق لجؤوا إلى الغلظة واستعمال القسوة فـ ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال بعضهم لبعض، والقائل ملكهم نمرود بن كنعان. وقيل: القائل، رجل من أكراد فارس، اسمه هينون، خسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ﴿حَرِّقُوهُ﴾؛ أي: حرّقوا إبراهيم بالنار، واتفقت كلمتهم على إحراقه لأنه أشدّ العقوبات ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ بالانتقام لها؛ أي: انتقموا منه لآلهتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ نصرها، ولا تريدون خذلانها وترك عبادتها. ذكر القصة في ذلك فلما (٢) اجتمع نمرود وقومه، لإحراق إبراهيم، حبسوه في بيت، وبنوا بنيانًا كالحظيرة بقرية يقال لها "كُوشْى" - بضم الكاف، قريةٌ بالعراق -: ثم جمعوا له أصلاب الحطب، وأصناف الخشب مدة شهر، حتى كان الرجل يمرض، فيقول: لئن عوفيت لأجمعن حطبًا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب: لئن أصابته، لتحطبن في نار إبراهيم، وكانت المرأة تغزل وتشتري الحطب بغزلها، احتسابًا في دينها، وكان الرجل يوصي بشراء الحطب من ماله لإبراهيم، فلما

стр. 7936

جمعوا ما أرادوا، وأشعلوا في كل ناحية من الحطب نارًا، فاشتعلت النار واشتدت، حتى أن الطير ليمر بها فيحترق، من شدة وهجها وحرها، فأوقدوا عليها سبعة أيام، فلما أرادوا أن يلقوا إبراهيم لم يعلموا كيف يلقونه، فقيل: إن إبليس جاء وعلمهم عمل المنجنيق، فعملوه، ثم عادوا إلى إبراهيم فقيدوه، ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدًا مغلولًا، فصاحت السماء والأرض ومن فيهما من الملائكة، وجميع الخلق: إلّا الثقلين صيحة واحدة: أي: ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار، وليس في أرضك أحد يعبدك غيره، فائذن لنا في نصرته، فقال الله تعالى: إنه خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بأحد منكم، أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به، وأنا وليه، فخلوا بيني وبينه، فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن المياه وقال: إن أردت، أخمدت النار، وأتاه خازن الهواء، وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، حسبي الله ونعم الوكيل. وروى عن أبي بن كعب (١): أن إبراهيم، قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد، ولك الملك، لا شريك لك، ثم رموا به في المنجنيق إلى النار، فاستقبله جبريل، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي. وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قال: قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ ، حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم أخرجه البخاري. قال كعب الأحبار: جعل كل شيء يطفىء عنه النار إلّا الوزغ، فإنه كان ينفخ في النار.

стр. 7937

وعن أم شريك أن رسول الله ﷺ ، أمر بقتل الأوزاغ. متفق عليه، زاد البخاري: وكان ينفخ على إبراهيم. ٦٩ - ثم أبان سبحانه، أنه أبطل كيدهم، ودفع عنه هلاكًا محققاً بمعونته وتأييده، فقال: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي﴾؛ أي: فأوقدوا له نارًا ليحرقوه، ثم ألقوه فيها، فقلنا للنار: يا نار كوني ﴿بَرْدًا﴾؛ أي: ذات برد من حرّك ﴿وَسَلَامًا﴾؛ أي: ذات سلامةٍ من ضرر بردك ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ خليلنا؛ أي: أبردي بردًا غير ضارٍ به، فزال ما فيها من الحرارة والإحراق، وبقي ما فيها من الإضاءة والإشراق. هذا (١) ما اختاره المحققون لدلالة الظاهر عليه، وهذا كما ترى، من أبدع المعجزات فإن انقلاب النار هواء طيبًا وإن لم يكن بدعًا من قدرة الله، لكن وقوع ذلك على هذه الهيئة، مما يخرق العادات. وقيل: كانت النار بحالها، إلّا أنه تعالى خلق في جسم إبراهيم كيفيةً مانعة من وصول أذى النار إليه، كخزنة جهنم في الآخرة، وكما أنه ركب بنية النعامة، بحيث لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة، وبدن السمندل، بحيث لا يضره المكث في النار، كما يشعر به ظاهر قوله على إبراهيم. ومكث إبراهيم في النار سبعة أيام (٢)، فما أحرقت منه إلا وثاقه، قاله كعب الأحبار ووهب بن منبه. وقال غيرهما: أربعين أو خمسين يومًا. وقال إبراهيم: ما كنت أطيب عيشًا زمانًا من الأيام، التي كنت فيها في النار، فنزل جبريل بقميص من الجنة، وطنفسة من الجنة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسة، وقعد معه يحدثه، وإن آزر أتى نمرود فقال: ائذن لي أن أخرج عظام إبراهيم فأدفنها، فانطلق نمرود ومعه الناس، فأمر بالحائط فنقب، فإذا إبراهيم في روضة تهتز وثيابه تندى، وعليه القميص، وتحته الطنفسة، والملك إلى جنبه، فناداه نمرود: يا إبراهيم إن إلهك الذي بلغت قدرته هذا لكبير هل تستطيع أن تخرج؟ قال: نعم، فقام إبراهيم يمشي حتى خرج، فقال: من الذي رأيت معك؟ قال: ملك أرسله إليّ ربي ليؤنسني، فقال نمرود: إني مقرب لإلهك قربانًا لما رأيت من

стр. 7938

قدرته، فقال: إذن لا يقبل الله منك، ما كنت على دينك، فقال: يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكي، ولكن سوف أذبح له، فذبح القربان، وكف عن إبراهيم. وكان وقت إلقائه فيها، ابن ست عشرة سنة، ذكره أبو السعود. وقيل: كان ابن ست وعشرين سنة، قاله الماوردي، والله أعلم. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ ، قال: "لمّا ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك". فائدة: فإن قلت: لم ابتلاه الله بالنار في نفسه؟ قلت: كل رسول يأتي بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان أهل ذلك الزمان، يعبدون النار والشمس والقمر والنجوم، معتقدين ألوهيتها وتاثيرها، فأراهم الله تعالى، أنها لا تأثير لها. ٧٠ - ﴿وَأَرَادُوا﴾؛ أي: وأراد نمرود وقومه ﴿بِهِ﴾؛ أي: بإبراهيم ﵇، ﴿كَيْدًا﴾ أي: مكراً عظيمًا في الإضرار به ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾؛ أي: من ذوي الخسران والوبال، فإنهم خسروا السعي والنفقة، فلم يحصلى لهم مرادهم، وهلكوا بإرسال الله عليهم البعوض، فأكلت لحومهم، وشربت دماؤهم، ودخلت في دماغ نمرود بعوضة فأهلكته. أو المعنى ﴿جعلناهم من الأخسرين﴾؛ أي: من الهالكين بتسليط البعوض عليهم، وقتله إياهم، وهو أضعف خلق الله تعالى، وما برح النمرود، حتى رأى أصحابه، قد أكلت البعوض لحومهم، وشربت دماءهم، ووقعت واحدة في منخره، فلم تزل تأكل، إلى أن وصلت إلى دماغه، وكان أكرم الناس عليه، الذي يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام بهذا، نحوًا من أربع مئة سنة. وقال هنا: ﴿من الأخسرين﴾، وفي الصافات: ﴿من الأسفلين﴾ لما تقدم على كل منهما، فتمت المناسبة في الموضعين. ٧١ - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾ أي: إبراهيم من الإحراق، ومن شر النمرود ﴿وَ﴾ نجينا معه ﴿لُوطًا﴾ ابن أخي إبراهيم هاران الأصغر من الخسف، وكان لهما أخ ثالث، اسمه: ناخور، والثلاثة أولاد آزر، وأما هاران الأكبر، فكان عمّا لإبراهيم، وكانت سارة بنت عم إبراهيم، الذي هو هاران الأكبر مهاجرين ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي

стр. 7939

بَارَكْنَا فِيهَا﴾؛ أي: أنزلنا البركة فيها للعالمين في الدين والدنيا؛ أي: أخرجناهما من العراق إلى أرض الشام المباركة، وقد (١) خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق، ومعه لوط وسارة يلتمس الفرار والأمان بدينه، والأمان على عبادة ربه، حتى نزل حرّان، فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج منها، وجاء إلى مصر، ثم رجع إلى الشام، ونزل بفلسطين، وترك لوطًا بالمؤتفكة، وهي منها مسيرة يوم وليلة، وبعثه الله نبيًا إلى أهلها. وقد كان الله تعالى، بارك في الأرض المقدسة، ببعث أكثر الأنبياء فيها، ونشر شرائعهم، التي هي البركات الحقيقية، الموصلة للعالمين، إلى الكمالات والسعادة الدينية والدنيوية، وبكثرة الماء. والشجر والثمر والحطب وطيب عيش الغني والفقير فيها. ٧٢ - ثم ذكر سبحانه ما أفاضه من النعم على إبراهيم فقال: ١ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: لإبراهيم بعد نزوله في الأرض المباركة، وطلب الولد منها ﴿إِسْحَاقَ﴾ ولدا لصلبه من سارة، معناه: بالعبرانية الضحّاك، كما أن معنى إسماعيل بها، مطيع الله ﴿وَيَعْقُوبَ﴾؛ أي: ووهبنا له يعقوب أيضًا، حال كونه ﴿نَافِلَةً﴾؛ أي: ولد ولد، فهو حال من المعطوف عليه، فقط لعدم اللبس، وسمّي يعقوب؛ لأنه خرج عقيب أخيه عيص أو متمسكاً بعقبه، وعاش إسحاق مئة وسبعاً وأربعين سنة، كذا في "التحبير". وقيل المعنى (٢): وهبناهما لإبراهيم نافلة؛ أي: عطية وفضلًا من غير أن يكونا جزاءاً مستحقاً. فنافلة منصوب على المصدر. وقيل (٣): النافلة الزيادة، وكان إبراهيم قد سأل الله سبحانه، أن يهب له ولدًا، فوهب له إسحاق، ثم وهب لإسحاق يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة؛ أي: زيادة. ٢ - ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: وكل واحد من هؤلاء الأربعة: إبراهيم ولوط وإسحاق

стр. 7940

ويعقوب، لا بعضهم دون بعض، جعلناه صالحًا عاملاً بطاعة ربه، تاركًا لمعاصيه. وقيل: المراد بالصلاح هنا النبوة. ٣ - ٧٣ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: وجعلنا هؤلاء الأربعة ﴿أَئِمَّةً﴾؛ أي: رؤساء يقتدى بهم، في الخيرات، وأعمال الطاعات ﴿يَهْدُونَ﴾؛ أي: يدعون الناس إلى دين الله تعالى، ﴿بِأَمْرِنَا﴾ لهم بذلك، وإذننا لهم فيه؛ أي: بما أنزلنا عليهم من الوحي، حتى صاروا مكملين. ٤ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ﴾؛ أي: إلى هؤلاء الأربعة، فيما أوحينا ﴿فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾؛ أي: أن افعلوا الطاعات، واتركوا المحرمات، حتى صاروا كاملين، بانضمام العمل إلى العلم، بناء على أن التكاليف، يشترك فيها الأنبياء والأمم. ٥ - ٦ ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ من (١) عطف الخاص على العام، دلالة على فضله، وحذفت تاء الإقامة المعوضة من إحدى الألفين، لقيام المضاف إليه مقامها، أي: وأوحينا إليهم أن أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وقد خصهما بالذكر من بين سائر العبادات؛ لأن الصلاة أشرف العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات المالية، والمال شقيق الروح، ومجموع العبادتين تعظيم الخالق والشفقة على المخلوق. وبعد أن بيّن صنوف نعمه عليهم، ذكر اشتغالهم بعبادته، فقال: ﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: وكان هؤلاء الأربعة ﴿لَنَا﴾ خاصة دون غيرنا ﴿عَابِدِينَ﴾؛ أي: مطيعين فاعلين لما نأمرهم به، تاركين ما ننهاهم عنه، لا يخطر ببالهم غير عبادتنا، والعبادة غاية التذلل. ٧٤ - وبعد أن ذكر ما أنعم به على إبراهيم، أتبعه بذكر ما أنعم به على لوط، فقال: ١ - ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بمضمر يفسره قوله: ﴿آتَيْنَاهُ﴾؛ أي: وآتينا لوطًا

стр. 7941

﴿حُكْمًا﴾؛ أي: فصلًا بين الخصوم في القضاء؛ أي: حسنه. ٢ - ﴿وَعِلْمًا﴾ بأمر دينه وما يجب عليه لله من واجب الطاعة والإخبات له؛ أي: علما نافعًا، يتعلق بأمور الدين، وقواعد الشرع والملة. ٣ - ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾؛ أي: ونجينا لوطا ﴿مِنَ الْقَرْيَةِ﴾؛ أي: من عذاب أهل قرية سدوم، أعظم القرى المؤتفكة؛ أي: المجعول عاليها سافلها، وهي سبع كما سبق ﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾؛ أي: التي كان أهلها يعملون الأعمال الخبائث، والرذائل الدنيئة (١): من اللواط ورمى المارّة بالبندق، واللعب بالطيور، والتضارط في أنديتهم، وغير ذلك؛ أي: ونجيناه من عذابنا الذي أحللناه بأهل تلك القرية التي كانت تعمل خبائث الأعمال التي من أشنعها إتيان البيوت من غير أبوابها. ثم بيّن السبب الذي دعاهم إلى ذلك فقال: ﴿إِنَّهُمْ﴾؛ أي: أهل تلك القرية ﴿كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾؛ أي: قومًا أصحاب عمل سيء ﴿فَاسِقِينَ﴾؛ أي: خارجين عن طاعتنا، منهمكين في الكفر والمعاصي، متوغلين في ذلك؛ أي: إن الذي حملهم على ذلك، وجرّأهم على ارتكابه، أنهم كانوا خارجين عن طاعة الله، منتهكين حرماته، قد دسوا أنفسهم بقبيح الأفعال والأقوال، فلا عجب إذا هم لجّوا في طغيانهم يعمهون. وفي (٢) الآية إشارة إلى أن النجاة من الجليس السوء من المواهب، والاقتران معه من الخذلان. ٤ - ٧٥ ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾؛ أي: أدخلنا لوطا ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾؛ أي: في أهل رحمتنا بإنجائه من القوم المذكورين، أو في أهل رحمتنا الخاصة، وهي النبوة، أو وجعلناه في جملة من يستحقون رحمتنا ولطفنا، بإدخاله جنتنا، كما جاء في الحديث الصحيح: "قال الله، للجنة: أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي". ثمَّ ذكر علة هذا بقوله: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن لوطًا كان ﴿من عبادنا الصالحين﴾ الذين سبقت لهم منا الحسنى، إذ كان ممن يعملون بطاعتنا، فيأتمرون بأمرنا وينتهون عن نهينا.

стр. 7942

٧٦ - ولمّا ذكر تعالى قصة إبراهيم، وهو أبو العرب، وتنجيته من أعدائه، ذكر قصة أبي العالم الأنسي كلهم، وهو الأب الثاني لآدم؛ لأنه ليس أحد إلّا من نسله، من سام وحام ويافث، فقال: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾؛ أي: واذكر أيها الرسول الكريم نوحًا؛ أي: قصة نوح إذ نادى ودعا ربه بالهلاك، على قومه حين كذبوه؛ أي: اذكر نبأه، الواقع حين دعائه على قومه بالهلاك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل هؤلاء المذكورين ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ دعاءه الذي هو قوله: "إني مغلوب فانتصر"؛ أي: أجبنا له دعاءه بإهلاك قومه ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ المؤمنين به ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي (١): من الغم العظيم، الذي كانوا فيه من أذى قومه، أو من الغرق بالطوفان. والمعنى (٢): أي واذكر أيها الرسول نبأ نوح، إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل هؤلاء المذكورين، فسألنا أن نهلك قومه، الذين كذبوا الله، فيما توعدهم به من وعيده، وكذبوه فيما آتاهم به، من الحق عند ربه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ وقال: ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهل الإيمان من أولاده وأزواجهم، ومن قومه مما حل بالمكذبين من الغرق. روى أنه بعث وهو ابن الأربعين، ومكث في قومه ألف سنة إلّا خمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين سنة، فذلك ألف وخمسون سنة. كذا في "التحبير". ٧٧ - ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾؛ أي: ونصرنا نوحًا نصرًا مستتبعًا للانتقام والانتصار، ولذلك عدي بمن حيث قال: ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾؛ أي: انتقمنا له من القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: بحججنا وأدلتنا كلها أولًا وآخرًا. وقيل: من بمعنى على؛ أي نصرناه على القوم الذين كذبوا بآياتنا، قاله أبو عبيدة. وقيل: معنى نصرناه؛ أي: حفظناه من أن يصلوا (٣) إليه بسوء مع طول مكثه فيهم.

стр. 7943

ثم علل سبحانه ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾؛ أي: أصحاب عمل سيء من الشرك والمعاصي ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ﴾ بالطوفان ﴿أَجْمَعِينَ﴾؛ أي: كلهم، فلم نترك منهم أحدا، بل أغرقنا كبيرهم وصغيرهم لإصرارهم على تكذيب الحق، ولانهماكهم في الشر والفساد، فإنه لم يجتمع الإصرار على التكذيب والانهماك في الشر والفساد في قوم .. إلّا أهلكهم الله تعالى. وهذا بيان للوجه الذي خلصه الله منهم به. والمعنى: أي لأنهم كانوا يسيئون الأعمال فيعصون الله، ويخالفون أوامره ويتصدون لأذى نبيهم، ويتواصون جيلاً بعد جيل، بمخالفة أمره، ورفع راية العصيان في وجهه. ٧٨ - ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾؛ أي: واذكر أيها الرسول نبأ داود وسليمان وقصتهما ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي﴾ شأن ﴿الْحَرْثِ﴾ والزرع. قيل: كان زرعاً. وقيل: كرمًا. واسم الحرث يطلق عليهما ﴿إِذْ نَفَشَتْ﴾ وانتشرت وتفرقت ورعت. ظرف للحكم ﴿فِيهِ﴾؛ أي: في ذلك الزرع ﴿غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ ليلا ترعى بلا راع، فرعته وأفسدته، فإن النفش أن ينتشر الغنم ليلًا بلا راع. والغنم محركة، الشاة، لا واحد لها من لفظها. الواحدة شاة، كما سيأتي في مبحث التصريف ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾؛ أي: لحكم (١) داود وسليمان، فذكرهما بلفظ الجمع؛ لأن الاثنين جمع، كذا قاله الفراء، وفيه دليل لمن يقول، بأن أقل الجمع اثنان. وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن أبي عبلة ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ﴾ على التثنية، أو المعنى لحكمهم؛ أي: لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما، قاله أبو سليمان الدمشقي ﴿شَاهِدِينَ﴾؛ أي: حاضرين غير غائبين؛ أي: كان ذلك بعلمنا ومرأى منا، لا يخفى علينا من أمرهم شيء. فإن قيل (٢): كيف يجوز أن يجعل الضمير لمجموع الحاكمين، والمتحاكمين، وهو يستلزم إضافة المصدر إلى فاعله ومفعوله دفعةً واحدةً، وهو

стр. 7944

إنما يضاف إلى أحدهما فقط؛ لأن إضافته إلى الفاعل على سبيل القيام به. وإضافته إلى المفعول على سبيل الوقوع عليه، فهما معمولان مختلفان، فلا يكون اللفظ الواحد مستعملاً فيهما معًا، وأيضًا أنه يستلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، لأن إضافته إلى الفاعل حقيقةٌ، وإلى المفعول مجاز؟ فالجواب: أن هذه الإضافة لمجرد الاختصاص، مع كون القطع عن كون المضاف إليه فاعلًا أو مفعولًا، على طريق عموم المجاز، كأنه قيل: وكنا للحكم المتعلق بهم ﴿شَاهِدِينَ﴾ حاضرين علمًا، وهو مفيد لمزيد الاعتناء بشأن الحكم. وجملة قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ اعتراضية (١). ٧٩ - وجملة قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ معطوفة على ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾؛ لأنه في حكم الماضي. وقرأ عكرمة: ﴿فَأفَهَّمْنَاهَا﴾ عُدي بالهمزة كما عدى في قراءة الجمهور بالتضعيف، فالضمير في ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ للحكومة أو الفتوى؛ أي: ففهمنا الحكومة ﴿سُلَيْمَانَ﴾ وهو ابن إحدى عشرة سنة. قال في "التأويلات النجمية". يشير إلى رفعة درجة بعض المجتهدين على بعض، وأن الاعتبار في الكبر والفضيلة بالعلم، وفهم الأحكام والمعاني والأسرار، لا بالسن، فإنه فهم بالأحق والأصوب، وهو ابن صغير، وداود نبي مرسل كبير. وفي القصص (٢): أن بني إسرائيل حسدوا سليمان على ما أوتي من العلم في صغر سنه، فأوحى الله تعالى إلى داود ﵇: يا داود إن الحكمة تسعون جزءًا، سبعون منها في سليمان، وعشرون في بقية الناس؛ أي: علّمناه وألهمناه حكم القضية ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: كل واحد من داود وسليمان ﴿آتَيْنَا﴾؛ أي: أعطيناه ﴿حُكْمًا﴾ أي: فيصلاً؛ أي: علم فصل بين الخصوم ﴿وَعِلْمًا﴾ كثيرًا نافعًا في الدين والدنيا، لا سليمان وحده، فحكم كليهما حكم شرعي. وعاش دادو مئة سنة، وابنه سليمان تسعًا وخمسين سنة. كذا في "التحبير". والمعنى: أي (٣) واذكر أيها الرسول الكريم نبأ داود وسليمان ﵉ حين حكما في الزرع الذي رعته غنمٌ لقوم آخرين غير صاحب الحرث، ليلًا

стр. 7945

فأفسدته، وكان ربك شاهدًا عليمًا، بما حكم به داود وسليمان بين القوم، الذين أفسدت غنمهم الحرث، وصاحب الحرث لا يخفى عليه شيء منه، ولا يغيب عنه علمه، ففهم الفتيا في ذلك لسليمان دون داود، وقد كان كل منهما فيصلًا في الحكم وفي الخصومات، ذا علم بالدين والتشريع. وقد روى الرواة في تفصيل هذه القصة: أن رجلين دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا الرجل أرسل غنمه في حرثي، فلم تبق منه شيئًا، فقال داود: اذهب فإن الغنم كلها لك. ومر صاحب الغنم بسليمان، فأخبره بالذي قضى به داود، فدخل سليمان على داود، فقال: يا نبي الله، إن القضاء سوى الذي قضيت، فقال: كيف؟ قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له منافعها من درّها وأولادها وأشعارها، والحرث إلى صاحب الغنم ليقوم عليه حتى يعود كما كان، ثم يترادَّان فيأخذ صاحب الحرث حرثه، وصاحب الغنم غنمه. فقال داود: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك. وجه الرأي لدى كل منهما (١)، أن داود قدر الضرر في الحرث، فكان مساويًا لقيمة الغنم، فسلم الغنم للمجني عليه، وأن سليمان قدر منافع الغنم بمنافع الحرث فحكم بها، وكان حكمهما بالاجتهاد دون الوحي، إذ لو كان به ما أمكن تغييره. فإن قلت: فما حكم (٢) هذه الحادثة التي حكم فيها داود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية؟ قلت: قد ثبت عن النبي ﷺ من حديث البراء، أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عينًا، أو قيمةً. وقد ذهب جمهور فيه العلماء، إلى العمل بما تضمنّه هذا الحديث. وقد ذهب أبو

стр. 7946

حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين، إلى أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعًا في ليل أو نهار، أنه لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبي ﷺ : "جرح العجماء جبار" قياسًا لجميع أفعالها على جرحها. ويجاب عنه، بأن هذا القياس فاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة النص، ومن أهل العلم، من ذهب إلى أنه، يضمن رب الماشية، ما أفسدته، من غير فرق بين الليل والنهار. ويجاب عنه بحديث البراء. ولما مدح داود وسليمان علي سبيل الاشتراك، ذكر ما يختص بكل واحد منهما، نبدأ بداود، فقال: ﴿وَسَخَّرْنَا﴾؛ أي: وذلّلنا ﴿دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ و ﴿مَعَ﴾ متعلقة بالتسخير، وهو تذليل الشيء وجعله طائعًا منقادًا، وقوله: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ حال من الجبال؛ أي (١): حالة كونهن يقدسن الله تعالى، بحيث يسمع الحاضرون تسبيحهن، فإنه هو الذي يليق بمقام الامتنان، لا انعكاس الصدى، فإنه عام. وكذا ما كان بلسان الحال فاعرف؛ أي: (٢) ينطق بالتسبيح، وكان داود يسبح وحده، فالله تعالى خلق فيها الكلام، كما سبّح الحصى في كف رسول الله ﷺ وسمع الناس ذلك. وقال أبو حيان (٣): قيل كان يمر بالجبال مسبّحًا وهي تجاوبه. وقيل: كانت تسير معه حيث سار. والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق، خلق الله فيها الكلام كما سبّح الحصى في كف رسول الله ﷺ ، وسمع الناس ذلك، وكان داود يسمعه، قاله يحيى بن سلام. وقيل: كل واحد. وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ بالنصب عطفًا على الجبال؛ أي: وسخرنا الطير معه حالة كونها تسبّح معه. وقدمت الجبال على الطير (٤) لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان،

стр. 7947

يعني إذا ذكر داود ﵇ ربه ذكرت الجبال والطير ربها معه ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾؛ أي: قادرين على أن نفعل هذا، وإن كان عجبًا عندكم، أو فاعلين هذه الأعاجيب، من تسخير الجبال وتسبيحهن والطير لمن نخصه بكرامتنا. روي أن داود كان إذا مرّ يسمعه تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه. وقرىء (١) ﴿وَالطَّيْرَ﴾ مرفوعًا على الابتداء، والخبر محذوف؛ أي: مسخر، لدلالة "سخرنا" عليه، أو على الضمير المرفوع في ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ على مذهب الكوفيين، وهو توجيه قراءة شاذة. ومعنى الآية: أي (٢) وسخرنا الجبال والطير لداود، تقدس الله معه، بحيث تتمثل له مسبحة، فيكون ذلك أملك لوجدانه وجميع مشاعره، فيستغرق في التسبيح، وكنا فاعلين لأمثاله، فليس ذلك ببدع منا، وإن كنتم تعجبون منه، فإن المستغرقين في التسبيح والتقديس يحصل لهم من الأنس بالله ما يجعل العالم كله في نظرهم مسبحًا، وكأن العوالم كلها تنطق لهم به، بلسان أفصح من لسان المقال، ولا يدرك هذا أحد إلا بوجدانه. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. ٨٠ - ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾؛ أي: وعلمنا داود ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾؛ أي: عمل الدروع وإصلاحها والصنع (٣) وهذا الصنعة إجادة الفعل، فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، والصناعة حرفة الصانع كالكتابة والحياكة، وعمل الصنعة. واللبوس في الأصل: اللباس درعًا كان أو غيرها، وكانت الدروع قبل داود صفائح؛ أي: قطع حديد عراضا، فحلقها وسردها ﴿لَكُمْ﴾ أي: لأجل نفعكم يا أهل مكة فإن الله تعالى ألان الحديد لداود، فكان يعمل منه بغير نار، كأنه طين، فهو متعلق بـ "علمنا"، أو بمحذوف هو صفة ﴿لبوس﴾. والمعجزة فيه أنه فعل ذلك من غير استعانة بأداة وآلةٍ، من نحو الكير والنار

стр. 7948

والسندان والمطرقة، وكان لقمان يجلس مع داود، ويرى ما يصنع ويهم أن يسأل عنها؛ لأنه لم يرها قبل ذلك، فيسكت، فلما فرغ داود من الدرع قام وأفرغه على نفسه، وقال: نعم الرداء هذا للحرب. فقال لقمان عندها: إن من الصمت لحكمة، قالت الحكماء: وإن كان الكلام فضة فالصمت من ذهب ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾؛ أي: لتحرزكم وتحفظكم تلك اللبوس والدروع، وهو بدل اشتمال من ﴿لَكُمْ﴾ بإعادة الجار؛ لأن ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ في تأويل لإحصانكم، وبين الإحصان وضمير لكم ملابسة الاشتمال، مبين لكيفية الاختصاص، والمنفعة المستفادة من لكم ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾؛ أي: من حرب عدوكم. والبأس هنا بمعنى الحرب، وإن وقع على السوء كله، وفي الآية دلالة على أن جميع الصنائع بخلق الله تعالى وتعليمه. وفي الحديث: "إن الله خلق كل صانع وصنعه". والمعنى: أي (١) وعلمناه صنعة الدروع، وقد كانت صفائح، فجعلها حلقا فتمنع عنكم إذا لبستموها ولقيتم أعداءكم أذى الحرب، من قتل وجرح ونحوهما ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم. والاستفهام هنا في معنى الأمر؛ أي: فاشكروا الله تعالى على ما يسره لكم من هذه الصنعة، التي تمنع عنكم غوائل الحروب، وتقيكم ضررها وعظيم أذاها. والخطاب (٢) فيه لهذه الأمة، من أهل مكة ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أخبر الله تعالى، أن أول من عمل الدروع داود، ثم تعلم الناس، فعمّت النعمة بها كل محارب، من الخلق، إلى آخر الدهر، فلزمهم شكر الله تعالى على هذه النعمة. وقال بعضهم: الخطاب لداود وأهل بيته، بتقدير القول؛ أي: فقلنا لهم بعدما أنعمنا عليهم بهذه النعم، فهل أنتم شاكرون، على ما أعطى لكم من النعم، التي ذكرت، من تسخير الجبال له، والطير، وإلانة الحديد، وعلم صنعة اللبوس. وقرىء (٣): ﴿لُبوس﴾ بضم اللام، والجمهور بفتحها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي (٤): ﴿ليحصنكم﴾ بالياء. وقرأ ابن عامر وحفص عن

стр. 7949

خفيفة. وقرأ أبو الدرداء وأبو عمران الجوني وأبو حيوة: ﴿لتحصّنكم﴾ بتاء مضمومة وفتح الحاء وتشديد الصاد. وقرأ ابن مسعود وأبو الجوزاء وحميد بن قيس: ﴿لتحصّنكم﴾ بتاء مفتوحة مع فتح الحاء وتشديد الصاد مع ضمها. وقرأ أبو رزين العقيلي وأبو المتوكل ومجاهد: ﴿لنحصّنكم﴾ بنون مضمومة وحاء مفتوحة وصاد مكسورة مع تشديدها. وقرأ معاذ القارىء وعكرمة وابن يعمر وعاصم الجحدري وابن السميقع: ﴿ليحصّنكم﴾ بياء مضمومة وحاء ساكنة وصاد مكسورة ونون مشددة. فمن قرأ بالياء ففيه أربعة أوجه: قال أبو علي الفارسي: أن يكون الفاعل اسم الله لتقدم معناه، ويجوز أن يكون اللباس؛ لأن اللبوس بمعنى اللباس، من حيث إنه كان ضربًا منه، ويجوز أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم. وقد دل عليه ﴿علمناه﴾. ومن قرأ بالتاء حمله على المعنى؛ لأنه الدرع. ومن قرأ بالنون فلتقدم قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، ومعنى لتحصنكم: لتحرزكم وتمنعكم من بأسكم؛ أي: من حربكم كما مرّ. ٨١ - ﴿و﴾ سخّرنا ﴿لسليمان الريح﴾ عبّر هنا باللام الدالة على التمليك، وفي حق داود بـ ﴿مع﴾ الدالة على الاصطحاب؛ لأن الجبال والطير لما اشتركا معه في التسبيح، ناسب فيه ذكر (مع) الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان، أتى بلام الملك؛ لأنها في طاعته وتحت أمره، اهـ من "البحر". والريح (١) جسم لطيف متحرك، ممتنع بلطفه، من القبض عليه، يظهر للحس بحركته، ويخفى عن البصر بلطفه. وقرأ الجمهور (٢): ﴿الريح﴾ مفردًا بالنصب. وقرأ ابن هرمز وأبو بكر في رواية بالرفع مفردًا. وقرأ الحسن وأبو رجاء ﴿الرياح﴾ بالجمع والنصب. وقرأ بالجمع والرفع أبو حيوة. فالنصب على إضمار سخرنا، والرفع على الابتداء.

стр. 7950

وقوله: ﴿عَاصِفَةً﴾ حال من الريح؛ أي: (١) حالة كونها شديدة الهبوب، من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة من الزمان، وكانت ليِّنة في نفسها، طيبة كالنسيم، فكان جمعها بين الرخاوة في نفسها، وعصفها في عملها، مع طاعتها لسليمان، وهبوبها حسبما يريد، ويحتكم معجزة مع معجزة. وعبارة "الخازن" هنا: فإن قلت: قد وصف الله سبحانه، هنا الريح بالعصف، وفي آية أخرى بالرخاء، وهي الريح الليّنة، فبين الوصفين معارضة؟ قلتُ: لا منافاة بينهما؛ لأن الريح كانت تحت أمره، إن أراد أن تشتدّ، اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، انتهت. وحالة كونها ﴿تَجْرِي﴾؛ أي: الريح ﴿بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بأمر سليمان وإذنه ومشيئته ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ الشامية ﴿الَّتِي بَارَكْنَا﴾؛ أي: أنزلنا البركة ﴿فِيهَا﴾ للعالمين بكثرة المياه والأنهار والأشجار، وكانت الريح تذهب به، غدوة من الشام إلى ناحية من نواحي الأرض، وبينها وبين الشام مسيرة شهر، إلى وقت الزوال، ثم ترجع به منها بعد الزوال إلى الشام عند الغروب، كما قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ والمعنى؛ أي (٢): وسخرنا لسليمان الريح عاصفة، شديدة الهبوب تارةً، ورخاء لينة تارة أخرى، وفي كل حال منهما تجري بأمره إلى أي بقعة من الأرض المقدسة، فيخرج هو وأصحابه حين الغداة إلى حيث شاؤوا، ثم يرجعون في يومهم إلى منزله بالشام. قال مقاتل: عملت الشياطين لسليمان بساطًا فرسخًا في فرسخ من ذهب في إبريسم، وكان يوضع له منبر من ذهب في وسطه، فيقعد عليه، وحوله كراسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجن والشياطين، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تطلع عليه الشمس، وترفع الريح الصبا، البساط مسيرة شهر من الصباح إلى الرواح، ومن الرواح إلى الغروب، وكان ﵇ امرأ، قلّما يقعد عن الغزو،
следующие страницы →