← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.

стр. 8086

معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾. على كونها جواب ﴿مَن﴾ الشرطية. ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ الفاء: عاطفة، واللام: لام الأمر. ﴿ينظر﴾ فعل مضارع، مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة في محل الجزم، معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام. ﴿يُذْهِبَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿كَيْدُهُ﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول به. ﴿يَغِيظُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَا﴾. ومفعول محذوف، تقديره ما يغيظه، فالضمير المرفوع في ﴿يغيظه﴾: عائد علي ﴿مَا﴾ الموصولة، والمنصوب عائد على ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾، وجملة ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ في محل نَصْب بـ ﴿ينظر﴾؛ لأنها معلقة عنها بحرف الاستفهام، وفي "السمين": ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾: الجملة الاستفهامية، في محل نصب على إسقاط الخافض؛ لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر. تعدى بفي. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿آيَاتٍ﴾ حال من مفعول ﴿أنزلنا﴾. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: صفة لـ ﴿آيَاتٍ﴾: والتقدير، وأنزلنا القرآن كله، حالة كونه آيات بينات. إنزالًا مثل الآيات السابقة، من أول السورة إلى هنا، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ الواو عاطفة، أو حالية. ﴿أن الله﴾ ناصب واسمه بـ ﴿يَهْدِي﴾. فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يريد هدايته، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ في محل الرفِع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، معطوف على مفعول ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والتقدير: وكذلك أنزلنا عليه القرآن كله. وهداية الله من يريد هدايته، أو في تأويل مصدر مرفوع، على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: والأمر هداية الله من يريد، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.

стр. 8087

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾. معطوف على الموصول الأول. وجملة ﴿هَادُوا﴾: صلته. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. وكذلك قوله: ﴿وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ﴾: معطوفات على الموصول الأول. وجملة ﴿أَشْرَكُوا﴾: صلة الموصول الأخير. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يَفْصِلُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَفْصِلُ﴾، وكذلك يتعلق به الظرف في قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الثانية، في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ الأولى. أعني قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾ و ﴿شهيد﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾. وكأن قائلًا قال: أهذا الفصل عن علم، أو لا، فقيل: إن الله على كل شيء شهيد؛ أي: عالم، اهـ شيخنا. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وفاعله ضمير، يعود على كل من يصلح للخطاب، وترى هنا علمية، كما مر في مبحث التفسير. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَسْجُدُ﴾ فعل مضارع ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، وجملة ﴿يَسْجُدُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر، سادّ مسدّ مفعولي ﴿تَرَ﴾، تقديره: ألم تر سجود من السموات ومن في الأرض، ومن بعدهما. لله . وجملة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ جملة إنشائية مستأنفة. ﴿فِي

стр. 8088

السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور صلة ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وكذا قوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ﴾ معطوفات على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿وَكَثِيرٌ﴾. ﴿وَكَثِيرٌ﴾ ليس معطوفًا على ما قبله، بل هو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: مطيعون أو مجزيون أو مثابون، أو نحو ذلك، لدلالة ما قبله عليه، وسوغ الابتداء بالنكرة، وقوعه في معرض التقسيم، ووصفه بما بعده، والجملة من المبتدأ والخبر حينئذٍ، معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾ في كونها سادة مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾، وقيل هو مرفوع، بفعل محذوف، تقديره: ويسجد له كثير من الناس. ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التقسيم. ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به. ﴿الْعَذَابُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: استئنافية (من) اسم شرط جازم، في محل النصب مفعول به مقدم ﴿يُهِنِ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، لاقترانه بـ ﴿مَا﴾ النافية ما نافية ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿مُكْرِمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم ﴿مَن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَفْعَلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿مَا﴾ موصولة في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يشاؤه، وجملة ﴿يَفْعَلُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ التقوى: التباعد عن كل ما يكسب الإثم، من فعل أو ترك. ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: الحركة الشديدة، بحيث تزيل الأشياء من أماكنها، وقيل: الزلزلة: التحريك الشديد بطريق التكرير، كما يدل عليه تكرير الحروف؛ لأن زلزل مضاعف زل، ويحتمل في هذه الإضافة، أن تكون من إضافة

стр. 8089

المصدر إلى فاعله؛ إن كان من زلزل اللازم، الذي بمعنى: تزلزل. والتقدير: إن تزلزل الساعة، أو من زلزل المتعدى ويكون المفعول محذوفًا، والتقدير: إن زلزال الساعة الناس، كذا قدره أبو البقاء، وأحسن من هذا، أن يقدر إن زلزال الساعة الأرض، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ والذهول، الدهش الناشىء عن الهم والغم الكثير. والمرضعة: الأنثى الملابسة للإرضاع، والمرضع: ما من شأنها أن ترضع، وإن لم تلابس به نظير حائض وحائضةٍ. ﴿حَمْلَهَا﴾ والحمل بفتح الحاء: ما كان في البطن أو على رأس الشجر، وبالكسر: ما كان على الظهر، اهـ "سمين". ﴿سُكَارَى﴾: جمع سكران، والسكر، حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب. ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمقاتلة، وأصله من جدلت الحبل؛ أي: أحكمت فتله، كأن المتجادلين يقتل كل واحد الآخر عن رأيه. ﴿مَرِيدٍ﴾ عات متجرد للفساد: يقال: مرد الشيء، إذا جاوز حدَّ مثله، وأصله العري يقال: غلام أمرد إذا عرى من الشعر والورق. قال: الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس، وقال في "القاموس" وشرحه: المارد العاتي المرتفع، يقال: بناء مارد؛ أي: مرتفع، وهو مجاز. وجمعه مردة وماردون ومراد، والمريد الشديد المرادة والخبيث الشرير، وجمعه مرد ومؤنثه مرداء، يقال: مرد على جرد؛ أي: شبان مرد على خيول جرد. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الريب: الشك. والبعث: الإخراج من الأرض، والتسيير إلى الموقف. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وأصل النطفة الماء العذب، ويراد بها هنا ماء الرجل. ﴿عَلَقَةٍ﴾ والعلقة: القطعة الجامدة من الدم. ﴿مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة: القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ. ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والأجل المسمى: حين الوضع. ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين. وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء. ﴿طِفْلًا﴾ والطفل: يطلق على الولد من حين الإنفصال إلى البلوغ، ويطلق

стр. 8090

على الواحد والجمع، وأما الطفل بفتح الطاء وسكون الفاء، فهو الناعم، والمرأة طفلة، وأما الطفل بفتح الطاء والفاء، فوقت ما بعد العصر من قولهم: طفلت الشمس إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة؛ أي: ذات طفل. ﴿أَشُدَّكُمْ﴾ والأشد: القوة، وهو في الأصل جمع شدة، كأنعم جمع نعمة، اهـ "بيضاوي". وهو من ألفاظ الجمع، التي لم يستعمل لها واحد، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أدنؤه وأردؤه، وهو الخرف، والخرف: فساد العقل من الكبر و ﴿الْعُمُرِ﴾: مدة عمارة البدن بالحياة، كما مر. ﴿هَامِدَةً﴾؛ أي: ميتة يابسة، من همدت الأرض، إذا يبست ودرست، وهمد الثوب إذا بلى، والهمود السكون والخشوع ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت، وتجوز به هنا، عن إنبات الأرض نباتها بالماء؛ أي: اهتز نباتها وتحرك. ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: ازدادت وانفتخت لما يتداخلها من الماء والنبات ﴿زَوْجٍ﴾ أي: صنف. ﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسن، سار للناظرين من البهجة، وهو حسن اللون وظهور السرور فيه، وابتهج بكذا سرورًا، بأن أثره في وجهه. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ والحق: هو الثابت الوجود، الذي يحق ثبوته، ويجب وجوده. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ والهدى: الاستدلال والنظر الصحيح، الموصل إلى المعرفة، والكتاب المنير: هو الوحي المظهر للحق. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ الثني، اللي، وفي "القاموس" ثنى الشيء يثني، عطفه وطواه، ورد بعضه على بعض وكفه. والعطف بكسر العين الجانب، يعطفه الإنسان ويلويه ويميله عن الإعراض عن الشيء، وهو عبارة عن التكبر، والعطف، بفتح العين: التعطف والرحمة والشفقة، والمعنى هنا، لاويًا جانبه: متكبرًا مختالًا ونحوه تصغير الخد. وليُّ الجيد. ﴿خِزْيٌ﴾ والخزي: الهوان والذل والفضيحة. ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: عذاب النار التي تحرق داخليها، فيحتمل أن يكون من إضافة المسبَّب إلى سببه، على أن يكون الحريق عبارة عن النار، وأن يكون من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل العذاب الحريق؛ أي: المحرق وهو النار. ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾؛ أي؛ على طرف وشك في الدين. ﴿خَيْرٌ﴾ كل ما يستلذه

стр. 8091

الطبع وينشرح به القلب، كالصحة وكثرة المال والولد. ﴿فِتْنَةٌ﴾ والفتنة: كل ما يستكرهه الطبع، ويثقل على النفس كالجدب والمرض، كما مر. ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ الانقلاب: الانصراف والرجوع، والوجه بمعنى الجهة والطريقة. ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾؛ أي: ضيعهما إذ فاته فيهما ما يسره. ﴿يَدْعُو﴾ الأولى يراد به يعبد. و ﴿يَدْعُو﴾ الثانية يراد بها يقول. ﴿الْمَوْلَى﴾ الناصر. ﴿الْعَشِيرُ﴾ الصاحب والمعاشر. ﴿بِسَبَبٍ﴾ السبب: الحبل الذي تصعد به النخل؛ أي: ليربط بحبل إلى سقف بيته؛ لأن كل ما علاك فهو سماء. ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال في "القاموس": قطع فلان الحبل إذا اختنق به، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾؛ أي: ليخنق انتهى. وسمى الاختناق قطعًا؛ لأن المختنق يقطع نفسه، بحبس مجاريه ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ المراد: تقدير النظر، وتصوره؛ لأن الأمر بالنظر بعد الاختناق، غير معقول؛ أي: فليتصور في نفسه، وليقدر النظر إن فعل. ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾؛ أي: فعل ذلك بنفسه، وسماه كيدا: لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره، أو على وجه الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسود، وإنما كاد به نفسه ﴿مَا يَغِيظُ﴾ الغيظ أشد غضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من فوران دم قلبه؛ أي: ما يغيظه من النصرة لمحمد ﷺ . ﴿وَالنَّصَارَى﴾. جمع نصران ونصرانة، مثل: الندامى جمع ندمان وندمانة، ويستعمل بغير الياء فيقال: رجل نصران وامرأة نصرانة. ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ قال في "القاموس": مجوس كصبور، رجل صغير الأذنين وضع دينًا، ودعا إليه، معرب، منج كوش ورجل مجوسيٌّ، جمعه مجوس، كيهودي ويهود اهـ. والأصل: نجوس بالنون، فأبدلت ميما اهـ "سمين". ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تعلم، والسجود: لغة التطامن والتذلل، ثم أطلق على التذلل لله وعبادته، وهو ضربان: سجود بالاختيار: وهو خاص بالإنسان وبه يستحق الثواب، وسجود بالتسخير والانقياد لإرادته سبحانه: وهو دال على الذلة والافتقار إلى عظمته جلت قدرته. ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ جمع دابة، بتشديد الباء؛ لأنه مشتق من الدبيب، فأما من قرأ بتخفيف الباء، فقد حذفها كراهية التضعيف،

стр. 8092

والدابة: مؤنث الداب ما دب من الحيوان؛ أي: مشى على البطن كالحية، أو على اليدين والرجلين كالطفل، وغلبت الدابة على ما يركب ويحمل عليه، وتقع على المذكر والمؤنث، والتاء فيه للوحدة، وتصغير الدابة دويبة، والدباب الشديد الدبيب، والضعيف الذي يدب في المشي. قال الشاعر: زَعَمَتْنِىْ شَيْخَاً وَلَسْتُ بِشَيْخٍ ... إِنَّمَا الشَّيْخُ مَنَ يَدُبُّ دَبِيْبَا والدبابة، مؤنث الدباب، وسميت بها آلة كانت في الماضي، تتخذ في الحصار، وكانوا يدخلون في جوفها، ثم تدفع في أصل الحصين فينقبونه، وهم في أجوافها، ثم أطلقت في العصر الحديث على سيارة مصفحة، تهجم على صفوف الأعداء، وترمى منها القذائف. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الإسناد العقلي في قوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾؛ لأن إسناد الزلزلة إلى الساعة على سبيل المجاز العقلي؛ لأنها لما كانت من أشراطها أضيفت إليها. ومنها: التشبيه البليغ المؤكد في قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾؛ أي: تراهم كالسكارى من شدة الهول، حذفت أداة التشبيه، ووجه الشبه، فقد شبه حال الناس في ذلك اليوم العصيب بحالة السكارى، الذين فقدوا التمييز، وأضاعوا الرشد، فالآية الكريمة بعد أن أثبتت السكر المجازي، نفت الحقيقة، أبلغ نفي مؤكد بالباء، والسر في تأكيده، التنبيه على أن هذا السكر، الذي هو بهم في تلك الحالة، ليس من المعهود في شيء، وإنما هو أمر لم يعهدوا قبله مثله. ومنها: أن في عدوله عن مرضع إلى مرضعة سرًا. قلّ من يتفطن له، وهو

стр. 8093

أن المرضعة هي التي باشرت الإرضاع فعلًا؛ فنزعها الثدي من فم طفلها عند حدوث الهول ووقوع الإرتباك، أدل على الدهشة، وأكثر تجسدًا لمواطن الذهول، الذي استولى عليها. ومنها: الاستعارة التصريحية، في قوله: ﴿شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ حيث استعار لفظ الشيطان لكل طاغية، متمرد على أمر الله. ومنها: أسلوب التهكم، في قوله: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. ومنها: الطباق، في قوله: ﴿يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ﴾. ومنها: طباق السلب، في قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾. ومنها: الاستعارة اللطيفة، في قوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ شبه الأرض بنائم لا حركة له، ثم يتحرك وينتعش، وتدب فيه الحياة، بنزول المطر عليه، ففيها استعارة تبعية. ومنها: ائتلاف الطباق والتكافؤ في قوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ لمجيء أحد الضدين، أو أحد المتقابلين حقيقة، والآخر مجازًا، فهمود الأرض واهتزازها ضدان؛ لأن الهمود سكون فالاهتزاز هنا حركة خاصة، وهما مجازان، والربو والإنبات ضدان، وهما حقيقتان، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأرض تربو حالة نزول الماء عليها، وهي لا تنبت في تلك الحالة، فإذا انقطعت مادة السماء، وجفّفَ الهواء رطوبة الماء، خمد الربو، وعادت الأرض، إلى حالها، من الاستواء، وتشققت وأنبتت، فصدر الآية تكافؤ، وما قابله في عجزها طباقٌ. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ فقد أسند الإنبات إلى الأرض، وهو مجاز عقلي؛ لأن المنبت في الحقيقة، هو الله تعالى. ومنها: الكناية في قوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾؛ لأنه كناية عن الإعراض والتكبر والخيلاء.

стр. 8094

ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ علاقته السببية؛ لأن اليد هي التي تفعل الخير أو الشر. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ حيث شبه المنافقين، وما هم فيه، من قلق واضطراب في دينهم، بمن يقف على شفا الهاوية، يريد العبادة والصلاة. ويا له من تمثيل رائع. ومنها: المقابلة البديعة بين ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ و ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿يَضُرُّهُ﴾ و ﴿يَنْفَعُهُ﴾. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، في قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ لتأكيد الوعيد، وتشديد التهديد؛ لأن الأصل بما قدمت يداه. ومنها: الاستعارة المصرحة في قوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ حيث استعار ضلال من أبعد في التيه ضالًّا، عن الطريق، فطالت وبدت مسافة ضلاله لخطأ، من أخطأ عن الحق والهدى، وبعد عنه، فإن القرب، والبعد من عوارض المسافة الحسية. ومنها: إيراد صيغة المبالغة في قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مع خلوه عن النفع بالكلية، للمبالغة في تقبيح حاله، والإمعان في ذمه. ومنها: التهكم في قوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾؛ لأن تسميته مولى تهكم به. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فإسناد الجرى إلى الأنهار من الإسناد الحكمي، كقولهم: سال الميزاب إذ الجريان من أوصاف الماء، لا من أوصاف النهر، والنهر مجرى الماء الفائض. ومنها: التكرار في قوله: ﴿يَدْعُو﴾ وفي قوله: ﴿لَبِئْسَ﴾. ومنها: الإيجاز في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿مَا

стр. 8095

يَغِيظُ﴾؛ لأن معناه: من كان يظن من حاسدي محمد ﷺ ، ومبغضيه أن الله لن ينصره، وأنه يفعل شيئًا مغايرًا للنصر. ومن كان يغيظه أن محمدًا يظفر بمطلوبه، ويبلغ ما هدف إليه من المثل العليا، التي رسمناها له، فليستقص وسعه، وليستفرغ جهده، فلن يكون مثله إلا مثل من يأخذ حبلًا، يمده إلى سماء بيته، فيخنق نفسه به، ثم بعد ذلك كله، ليعد النظر، والتأمل مجددًا، ليرى هل ذهب نصر الله، الذي يغيظه، وهل ذهب عنه ما كان يساوره، من حرقة وارتماض. ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾؛ أي: ويضل من يريد. ومنها: تصدير الجملتين بـ ﴿إن﴾ زيادة في تأكيد الكلام في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾. ومنها: عطف الخاص على العام في قوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ ...﴾ إلخ بعد قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. ومنها: الطباق بين ﴿يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 8096

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾.

стр. 8097

المناسبة قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...﴾ الآيات مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه ، لما ذكر أهل السعادة وأهل الشقاوة، ذكر ما دار بينهم من الخصومة في دينه. وعبارة المراغي هنا: أن الله ، لما ذكر أرباب الفرق الست، فيما سلف وذكر، أن الله تعالى، يفصل بينهم يوم القيامة، وهو العليم بأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم .. قفى على ذلك، بذكر طرفي الخصومة، وتعيين موضع الخصومة، وتعيين موضع الخصومة، وبيان مآل كل من الفريقين، من الإهانة والكرامة والعذاب والنعيم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (٢) مآل كل فريق من الكفار، والمؤمنين .. أردف ذلك ببيان عظيم حرمة البيت، وأنكر على الكفار صدهم المؤمنين، عن شهوده وقضاء مناسكهم فيه، ودعواهم أنهم أولياؤه. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات: أنَّ الله ، لما ذكر أنَّ كثيرًا من مشركي قريش، صدوا عن دين الله، وعن دخول المسجد الحرام، أردف بتأنيبهم وتوبيخهم على ما يفعلون، فبيّن أنه ما كان ينبغي لهم ذلك، فإن أباهم إبراهيم الذي يفخرون به. وينتسبون إليه، هو الذي بناه وجعله مباءة للناس، وأمر بتطهيره من الشرك للطائفين والمصلين، وأن ينادي في الناس بالحج، ليأتوه من كل فج عميق، لما لهم في ذلك من منافع دينية ودنيوية، ويذكروا اسم الله في أيام النحر، على ما آتاهم من بهيمة الأنعام. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ...﴾

стр. 8098

الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر أنه أمر إبراهيم ببناء البيت، وتطهيره من عبادة الأوثان والأصنام، وأن ينادي الناس ليحجوا هذا البيت الحرام، مشاة وركباناً، من كل فج عميق، لما لهم في ذلك من منافع دنيوية ودينية، وأن ينحروا البدن الهدايا، ذاكرين اسم الله عليها، في أيام معلومات، وأن يأكلوا منها، ويطعموا البائس الفقير .. قفَّى على ذلك ببيان أن اجتناب المحرمات، حال الإحرام، خير عند الله مثوبة، وأعظم أجرًا، وأن ذبح الأنعام، وأكلها حلال، إلا ما حرم عليكم، وأنه يجب اجتناب عبادة الأوثان، وترك شهادة الزور، وأن من يشرك بالله فقد هلك، وأن تعظيم شعائر الله، علامة على أن القلوب مليئة بالتقوى والخوف من الله، وأن في هذه الهدايا منافع من الدر والصوف والنسل، إلى أجل مسمى، وهو أن تنحر، ثم تؤكل ويتصدق بلحومها. قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما ذكر (١) أن تعظيم الشعائر من أعظم دعائم التقوى، وأن محل نحرها هو البيت العتيق .. قفى على ذلك ببيان أن الذبح وإراقة الدماء على وجه التقرب إليه تعالى، ليس بخاص بهذه الأمة، بل لكل أمة مناسك، وذبائح تذكر باسم الله حين ذبحها، والشكر له على توفيقه لإقامة هذه الشعائر، فلإله واحد، والتكاليف تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والمصالح، وبعدئذٍ أمر رسوله أن يبشر المتواضعين، الخاشعين لله، الذين يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقناهم، بجنات تجري من تحتها الأنهار. قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله ، لما حث على التقرب بالأنعام كلها، وبين أن ذلك من تقوى القلوب .. خص من بينها الإبل؛ لأنها أعظمها خلقًا، وأكثرها نفعًا، وأنفسها قيمة.

стр. 8099

أسباب النزول قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات (١): ما أخرجه الشيخان وغيرهما، عن أبي ذر قال: نزلت هذه الآية ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ في ستة من قريش، علي، وحمزة، وعبيد بن الحارث وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وكان أبو ذر يقسم أن هذه الآيات نزلت في هؤلاء المتابرزين. وروى البخاري وغيره عن علي أنه قال: فينا نزلت هذه الآية، وأنا أول من يجثوا في الخصومة على ركبتيه، بين يدي الله يوم القيامة. وأخرج الحاكم عن علي قال: فينا نزلت هذه الآية، في مبارزتنا يوم بدر ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿الْحَرِيقِ﴾. وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس أنها نزلت في أهل الكتاب، قالوا للمؤمنين: نحن أولى بالله تعالى منكم، وأقدم كتابًا، ونبينا قبل نبيكم، فقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ ، وآمنا بنبيكم، وبما أنزل الله تعالى من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً، فنزلت الآية: وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة مثله. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما روي عن ابن عباس ﵄ أن الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه، حين صدوا رسول الله ﷺ ، وأصحابه عام الحديبية، عن المسجد الحرام، وقد كره، ﵊، أن يقاتلهم، وكان محرمًا بعمرة، ثم صالحوه على أن يعود في العام المقبل. وأخرج (٢) ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ قال: بعث النبي ﷺ عبد الله بن أنيس مع رجلين، أحدهما مهاجر، والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصارى، ثم ارتد عن

стр. 8100

الإسلام، وهرب إلى مكة فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ...﴾ الآية. قوله تعالى: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: "كانوا لا يركبون فأنزل الله ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فأمرهم بالزاد، ورخص لهم الركوب والمتجر. قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان أهل الجاهلية يضمخون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب النبي ﷺ : فنحن أحق أن نضمخ فأنزل الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ...﴾ الآية. التفسير وأوجه القراءة ١٩ - ﴿هَذَانِ﴾ الجمعان، جمع المؤمنين وجمع الكفرة المنقسمة إلى الفرق الخمس. ﴿خَصْمَانِ﴾؛ أي: فريقان مختصمان. ﴿اخْتَصَمُوا﴾ وجادلوا وتنازعوا. ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾؛ أي: شأنه أو في دينه، أو في ذاته وصفاته، أو في شريعته التي شرعها لعباده والكل من شؤونه، فإن اعتقاد كل من الفريقين بحقية ما هو عليه، وبطلان ما عليه صاحبه، وبناء أقواله وأفعاله عليه، خصومة للفريق الآخر، وإن لم يجر بينهما التحاور والخصام، وكان مقتضى السياق أن يقول: اختصما، بألف الإثنين، ولكن جمع الضمير نظرًا إلى معنى الفريقين. فالمراد بالخصمين فريق المؤمنين وفريق الكافرين، والظاهر (١) أن الاختصام هو في الآخرة، بدليل التقسيم بالفاء، الدالة على التعقيب في قوله: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولذلك قال علي ﵁: أنا أول من يجثو يوم القيامة للخصومة، بين يدي الله تعالى. وقيل: المراد بالخصمين (٢): الجنة والنار، قالت الجنة: خلقني لرحمته، وقالت النار: خلقني لعقوبته، وقيل المراد بالخصمين، هم الذين برزوا يوم بدر، فمن المؤمنين، حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين، عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة. وقد كان أبو ذر ﵁ يقسم أن هذه الآية، نزلت في

стр. 8101

هؤلاء المتبارزين، كما ثبت عنه في الصحيح. وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة، وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول. وقرأ (١) ابن عباس وابن جبير ومجاهد وعكرمة وابن كثير ﴿هاذان﴾ بتشديد النون. وقرأ ابن أبي عبلة (٢): ﴿اختصما﴾ راعى لفظ التثنية. ثم فصَّل سبحانه، ما أجمله في قوله: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بجميع مللهم. ﴿قُطِّعَتْ﴾ وقدرت ﴿لَهُمْ﴾: على مقادير جثتهم. ﴿ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾؛ أي: لباس من نيران هائلة، تحيط بهم إحاطة الثياب بلابسها، كما تقطع الثياب الملبوسة. قال الأزهري (٣): أي سوّيت وجعلت لبوسًا لهم، شبهت النار بالثياب؛ لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب. وعبر بالماضي عن المستقبل، تنبيهًا على تحقق وقوعه. وقيل إن هذه الثياب من نحاس، قد أذيب فصار كالنار، وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى. وقيل: المعنى: في الآية أحاطت بهم النار. وقرأ الزعفراني في "اختياره" (٤): ﴿قُطِّعَتْ﴾ بتخفيف الطاء. ومعنى الآية (٥): أي إن أهل الأديان الستة، التي سبق ذكرها فريقان، فريق المؤمنين، وفريق الكافرين أرباب الديانات الخمس المتقدمة، جادلوا في دين الله، فكل فريق يعتقد أن ما هو عليه هو الحق، وأن ما عليه خصمه هو الباطل، وبنى على ذلك كل أقواله وأفعاله، وهذا كاف في تحقيق الخصومة، وان لم يحصل بينهما تحاور بالفعل. ثم ذكر مآل كل فريق، وما يلقاه من الجزاء، بعد أن يفصل الله بينهما، وذكر من جزاء فريق الكافرين أمورًا ثلاثة: ١ - ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾؛ أي: فالكافرون أعدت لهم نيران تحيط بهم كأنها ثياب قدرت على قدر أجسامهم، ولا يخفى ما في هذا الأسلوب من التهكم بهم، واحتقار شأنهم، والتعبير بثياب للإشارة إلى تراكم

стр. 8102

طبقات النار المحيطة بهم، وكون بعضها فوق بعض. ونظير هذه الآية قوله ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾. ٢ - ﴿يُصَبُّ﴾ ويراق ﴿مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾؛ أي: الماء الحار الذي انتهت حرارته، لو قطرت قطرة منه على جبال الدنيا لأذابتها. ٢٠ - ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾؛ أي: يذاب بذلك الحميم من فرط الحرارة. ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من الأمعاء والأحشاء ﴿وَالْجُلُودُ﴾؛ أي: وتشوى جلودهم فتتساقط فهو معطوف على ﴿ما﴾؛ أي: يصهر به الجلود، وتأخيره عنه لمراعاة الفواصل؛ أي: إذا صب الحميم على رؤوسهم يؤثر، من فرط حرارته في باطنهم، نحو تأثيره في ظاهرهم، فيذاب به أحشاؤم، كما يذاب به جلودهم، ثم يعاد كما كان، فله أثر في الظاهر والباطن وقرأ الحسن وفرقة: ﴿يُصْهَرُ﴾ بفتح الصاد وتشديد الهاء، ذكره في "البحر". ٣ - ٢١ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: وللكفرة؛ أي: ولتعذيبهم وجلدهم ﴿مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾؛ أي: سياط من حديد، تضرب بها رؤوسهم ووجوههم. جمع مقمعة، وهي آلة القمع. وفي الحديث "لو وضعت مقمعة منها في الأرض، فاجتمع عليها الثقلان ما أقلوها منها"؛ أي: رفعوها. أي: يقمعون ويجلدون بها، ويردون إلى النار ردًّا عنيفًا إذا أرادوا الهرب منها، ٢٢ - وإلى هذا أشار بقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا﴾ وحاولوا ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ وأشرفوا على الخروج ﴿مِنْهَا﴾؛ أي: من النار ودنوا إلى الخروج. وقوله: ﴿مِنْ غَمٍّ﴾ بدل اشتمال من ضمير منها، أعيد معه الجار وحذف الرابط لفهم المعنى؛ أي: من غمها؛ أي: من غم شديد من غمومها. ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾، أي: في قعرها بأن ردوا من أعلاها إلى أسفلها، من غير أن يخرجوا منها. ﴿و﴾ قيل لهم ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: باشروا العذاب المحرق وذوقوا ألمه. والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا مجاز عن إدراك الألم. وروي "أنها تضربهم بلهبها فترفعهم، حتى إذا كانوا في أعلاها، ضربوا بالمقامع، فهووا فيها سبعين خريفًا". وهو من ذكر البعض وإرادة الكل، إذا الخريف آخر الفصول الأربعة.

стр. 8103

والمعنى: أي (١) إنهم كلما حاولوا الهرب من جهنم والخروج منها، حين يلحقهم عظيم عذابها، أعيدوا فيها، وضربوا بسياط من حديد، وقيل لهم ذوقوا عذاب هذه النار التي تحرق الأمعاء والأحشاء. ٢٣ - وبعد أن بين الله سبحانه، حال الكافرين .. أردف ذلك ببيان ما يناله المؤمنون، من الكرامة في المسكن والحلية والملبس وحسن القول والعمل. فقال: ١ - ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وبرسله وبجميع ما جاؤوا به ﴿وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: اتصفوا بها فعلًا أو تركًا، ﴿جَنَّاتٍ﴾؛ أي: بساتين وحدائق ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿من تحت﴾ أشجار ﴿ها﴾ وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة. الماء واللبن والخمر والعسل، كما بينه في سورة محمد؛ أي: إن الله سبحانه، يدخل من آمن به وبرسله وعمل صالح الأعمال، التي تزكي نفوسهم، وتقربهم إلى ربهم، جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الوارفة الظلال، الأنهار الواسعة، يستمتعوا بها كما شاؤوا، ثم بين سبحانه، بعض ما أعد لهم من النعيم، بعد دخولهم الجنة، فقال: ٢ - ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾؛ أي: يلبسون في الجنة في أيديهم ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾؛ أي: بعض أساور، وهي جمع أسورة جمع سوار، وهي ما يلبس في الساعد. ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ بيان للأساور ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ عطف على محل من أساور. وقرىء بالجر، عطفًا على ذهب، على أن الأساور مرصعة بالذهب واللؤلؤ، أو على أنهم يسوَّرون بالجنسين، إما على المعاقبة، وإما على الجمع، كما تجمع نساء الدنيا بن أنواع الحلى، وما أحسن المعصم إذا كان فيه سواران، سوار من ذهب وسوار من لؤلؤ أبيض. واللؤلؤ ما يستخرج من البحر من جوف الصدف. قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ. ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مُصمَّت، كما أن فيها أساور من ذهب؛ أي: تحليهم الملائكة بأمره تعالى

стр. 8104

وتزينهم بأساور من ذهب وبلؤلؤ؛ أي: يلبسون في أيديهم حلية من ذهب، وفي رؤوسهم تيجاناً من لؤلؤ. وقرأ الجمهور (١): ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ بضم الياء وفتح الحاء وتشديد اللام؛ أي: يزينون. وقرى بضم الياء والتخفيف، وهو بمعنى المشدد. وقرأ ابن عباس ﴿يَحْلَون﴾ بفتح الياء واللام وسكون الحاء من قولهم حلي الرجل وحلت المرأة، إذا صارت ذات حلي، أي: يلبسون حليهم. وقرأ ابن عباس ﴿مِنْ أَسْوِر﴾ بفتح الراء من غير ألف ولا هاء، وكان قياسه أن يصرفه؛ لأنه نقص بناؤه، فصار كجندل لكنه قدر المحذوف موجودًا فمنعه من الصرف. وقرأ عاصم ونافع والحسن والجحدري والأعرج وأبو جعفر وعيسى بن عمر وسلام ويعقوب: ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ هنا، وفي فاطر بالنصب، وحمله أبو الفتح، على إضمار فعل، وقدره الزمخشري ويؤتون لؤلؤاً، ومن جعل ﴿مِن﴾ في ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ زائدة جاز أن يعطف ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ على موضع ﴿أَسَاوِرَ﴾. وقيل: يعطف على ﴿من أساور﴾؛ لأنه يقدر ويحلون حليًا من أساور. وقرأ باقي السبعة (٢) والحسن أيضًا، وطلحة وابن وثاب والأعمش وأهل مكة ﴿ولؤلؤٍ﴾ بالخفض عطفًا على ﴿أَسَاوِرَ﴾. أو على ﴿ذَهَبٍ﴾. وقرأ الفياض ﴿ولوليا﴾ قلب الهمزتين واوًا، صارت الثانية واوًا قبلها ضمة، فقلبت الواو ياء والضمة كسرة. وقرأ ابن عباس ﴿وليليا﴾ أبدل الهمزتين واوين ثم قلبهما ياءين، أتبع الأولى للثانية. وقرأ طلحة: ﴿ولول﴾ مجروراً عطفًا، على ما عطف عليه المهموز. ٣ - ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في الجنة ﴿حَرِيرٌ﴾؛ أي: إن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فلا يمكن عراؤهم منه؛ أي: (٣) ويلبسون الحرير الذي حرم عليهم لبسه في الدنيا، وكان فيها عنوان العزة والكرامة، فأوتوه في الآخرة إجلالًا، وتعظيمهاً لهم، ففيها ما تشتهيه الأنفس، وكل منهم يعطى ما تشتهيه

стр. 8105

نفسه، وينال ما يريده، وغير الأسلوب، حيث لم يقل ويلبسون فيها حريرًا للمحافظة على الفواصل؛ لأنه لو قال ما ذكر لكان في آخر الفاصلة الألف في الكتابة، والوقف بخلاف البقية اهـ. شيخنا. ٤ - ٢٤ ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾؛ أي: وأرشدوا إلى القول الطيب، وهو قولهم حين دخول الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ وقيل: هو لا إله إلا الله. وقيل: الحمد لله. وقيل: القرآن. وقيل: هو ما يأتيهم من الله سبحانه، من البشارات، وقد ورد في القرآن، ما يدل على هذا القول. المجمل هنا. وهو قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾. ٥ - ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ وهو إما من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: أرشدوا إلى الصراط المحمود، وهو طريق الجنة، أو إلى موصوف محذوف، بقيت صفته؛ أي: إلى صراط الله الحميد، أي: المحمود ذاتًا وصفاتًا وأفعالًا، وهو دينه القويم، الذي هو الإسلام، والمعنى على الأول وأرشدوا إلى الطريق الحميد، الذي يجعل أقوالهم وأفعالهم مرضية عند ربهم محمودة لدى معاشريهم وإخوانهم، لما فيها مما يجمل في المعاشرة والاجتماع. وأخر (١) بيان الهداية لرعاية الفواصل. ٢٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَيَصُدُّونَ﴾؛ أي: ويمنعون الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن طاعة الله تعالى، والدخول في دينه عطف (٢) المضارع على الماضي؛ لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصد، ومثل هذا قوله سبحانه ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. والمراد بالصد هنا، الاستمرار، لا مجرد الاستقبال؛ أي: وصدوا عن سبيل الله، فصح بذلك عطفه على الماضي، ويجوز أن تكون الواو في ﴿ويصدون﴾ واو الحال؛ أي: كفروا والحال أنهم يصدون، وقيل: الواو زائدة والمضارع خبر ﴿أَن﴾. والأولى أن يقدر خبر ﴿إن﴾ بعد قوله: ﴿وَالْبَادِ﴾. ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عطف على سبيل الله، قيل:

стр. 8106

المراد (١) به المسجد نفسه، كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني، وقيل: الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله ﷺ وأصحابه، عنه يوم الحديبية، وقيل: المراد به مكة؛ أي: ويمنعون المؤمنين عن دخول المسجد الحرام؛ أي: المحترم من كل وجه، فلا يصاد صيده ولا يقطع شوكه ولا يسفك فيه الدماء. ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ﴾ صفة للمسجد؛ أي: صيرناه حال كونه معبدًا وقبلة ﴿لِلنَّاسِ﴾ كائنًا من كان، من غير فرق بين مكي وآفاقي. ﴿سَوَاءً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي: جعلناه مستويًا فيه، ﴿الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ الملازم له ﴿وَالْبَادِ﴾؛ أي: الواصل إليه من البادية. والمراد به الطارىء عليه، من غير فرق بين كونه من أهل البادية، أو من غيرهم. والعاكف مرتفع بسواء؛ لأنه بمعنى مستوٍ، وصف المسجد الحرام بذلك، لزيادة التشنيع والتقريع والتوبيخ للصادين عنه، وهذا على قراءة النصب، وبها قرأ حفص عن عاصم والأعمش. وقرأ الجمهور (٢): برفع ﴿سواء﴾ على أنه مبتدأ وخبر، والجملة في موضع المفعول الثاني، والأحسن أن يكون العاكف والبادي. هو المبتدأ و ﴿سواء﴾ الخبر، وقد أجيز العكس. وقرأ فرقة، منهم الأعمش في رواة القطعي ويعقوب بنصب ﴿سواءً﴾، وجر العاكف على أنه صفة للناس؛ أي: جعلناه للناس العاكف والبادي سواء. وأثبت الياء في البادي ابن كثير وصلا ووقفًا، وحذفها أبو عمرو في الوقف، وحذفها نافع في الوصل والوقف. واختلفوا في معنى الآية (٣)، فقيل: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في تعظيم حرمته وقضاء النسك به، وإليه ذهب مجاهد والحسن، وجماعة قالوا: والمراد منه نفس المسجد الحرام. ومعنى التسوية: هو التسوية في تعظيم الكعبة، وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. وعن جبير بن مطعم، أن النبي ﷺ قال: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا

стр. 8107

أحدًا طاف بهذا البيت، وصلى أية ساعة، شاء من ليل أو نهار". أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي. وقيل: المراد منه جميع الحرم. ومعنى التسوية أن المقيم والبادي سواء، في النزول به، ليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر، غير أنه لا يزعج أحدٌ أحدًا، إذا كان قد سبق إلى منزل. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد هما سواء في البيوت والمنازل. قال عبد الرحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة، لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم، وكانت دورهم بغير أبواب، حتى كثرت السرقة، فاتخذ رجل بابًا، فأنكر عليه عمر، وقال: أتغلق بابًا في وجه حاج بيت الله، فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب، فعلى هذا القول، لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها، قالوا: إن أرض مكة لا تملك؛ لأنها لو ملكت لم يسو العاكف فيها والبادي، فلما استوى ثبت أن سبيلها سبيل المساجد، وإليه ذهب أبو حنيفة، وبه قال الثوري. قالوا: والمراد بالمسجد الحرام، جميع الحرم. وعلى القول الأول، الأقرب إلى الصواب، أنه يجوز بيع دور مكة وإجارتها، وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وإليه ذهب الشافعي واحتج الشافعي في ذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أضاف الديار إلى مالكيها، وقال النبي ﷺ ، يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان، فهو آمن" فنسب الديار إليهم نسبة ملك، واشترى عمر بن الخطاب دار السجن بمكة، بأربعة آلاف درهم، فدلت هذه النصوص على جواز بيعها. والحاصل: أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: الأصل الأول: ما في هذه الآية هل المراد بالمسجد الحرام المسجد نفسه، أو جميع الحرم أو مكة على الخصوص، كما ذكرناه مفصلًا. والأصل الثاني: هل كان فتح مكة صلحًا أو عنوة، وعلى فرض أن فتحها كان عنوة، هل أقرها النبي ﷺ في يد أهلها على الخصوص، أو جعلها لمن نزلها على العموم. وخبر أن محذوف؛ أي: معذبون، كما يدل عليه آخر الآية.

стр. 8108

والمعنى: أي (١) إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذبوا رسوله، وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم، ويمنعون الناس أن يدخلوا في دين الله، ويصدون عن الدخول في المسجد الحرام الذي جعله للذين آمنوا به كافة، سواء منهم المقيم فيه والطارىء عليه، النازع إليه من غربته .. نذيقهم عذابًا مؤلمًا موجعًا لهم، ويدل على هذا قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ﴾؛ أي: في المسجد الحرام. والباء في قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ زائدة في المفعول، وفي قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ سببية متعلقة بإلحاد؛ أي: ومن يرد في المسجد الحرام إلحادًا وميلًا عن الحق بسبب ظلم. قال الكازروني (٢): وفائدة قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بعد قوله: ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ أن الإلحاد قد يكون بحق كونه في مقابلة الظلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، اهـ. شيخنا. وقيل (٣): المفعول محذوف، والجار والمجرور في الموضعين، حالان من فاعل يرد؛ أي: ومن يرد فيه مرادًا ما حال كونه مائلاً عن القصد والعدل ملتبسًا بظلم. وقرأت فرقة ﴿ومن يرد﴾ بفتح الياء من الورود، وحكاها الكسائي والفرَّاء، ومعناه: ومن أتى به بإلحاد ظالمًا ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب ﴿مَن﴾ الشرطية؛ أي: ومن يرد فيه أن يميل إلى الظلم في المسجد الحرام، فيعصي الله ويخالف أوامره .. يذقه يوم القيامة العذاب الموجع له. وخلاصة ذلك: أن الله توعد الكفار الذين يصدون عن الدين، ويمنعون الناس عن اعتناقه، ويحولون بين الناس ودخول مكة، بالعذاب المؤلم لهم يوم القيامة، كما توعد بذلك من يرتكب الذنوب والآثام في المسجد الحرام. وقد اختلف (٤) في هذا الظلم ماذا هو؟ فقيل: هو الشرك، وقيل: هو الشرك والقتل، وقيل: صيد حيواناته وقطع أشجاره. وقيل: هو الحلف فيه بالأيمان الفاجرة، وقيل: المراد المعاصي فيه على العموم، وقيل المراد بهذه

стр. 8109

الآية: أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان. وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم، حتى قالوا: لو هم الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن .. لعذبه الله. ٢٦ - ولما ذكر سبحانه (١) حال الكفار وصدهم عن المسجد الحرام، وتوعد فيه من أراد فيه بإلحاد .. ذكر حال أبيهم إبراهيم، وتوبيخهم على سلوكهم غير طريقه؛ من كفرهم باتخاذ الأصنام، وامتنانه عليهم بإيفاد العالم إليهم، فقال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يصدون عن سبيل الله وعن دخول المسجد الحرام، إذ بوأنا وبيَّنا لإبراهيم الخليل ﵇ مكان البيت؛ أي: أذكر لهم الوقت الذي بينا فيه لإبراهيم مكان البيت، وأريناه أصله وأساسه ليبنيه، وكان البيت (٢) قد درس بالطوفان، فلما جاءت مدة إبراهيم ﵇ .. أمره الله ببنائه، فجاء إلى موضعه، وجعل يطلب أثرًا، فبعث الله له ريحًا هفافةً، فكشفت عن أساس آدم، فرتب قواعده عليه. وقيل: بعث الله تعالى سحابة بقدر البيت، فقامت بحيال البيت، وفيها رأس يتكلم: يا إبراهيم! ابن على دوري فبنى عليه. اهـ. "خطيب". وكانت الأنبياء بعد رفعه يحجون مكانه، ولا يعلمونه حتى بوأه الله وبينه لإبراهيم، فبناه على أساس آدم، وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعًا بذراعهم، وأدخل الجحر في البيت، ولم يجعل له سقفًا، وجعل له بابًا، وحفر له بئرًا، يلقى فيها ما يهدى للبيت، وبناه قبله شيث، وقبل شيث آدم، وقبل آدم الملائكة، ثم بعد إبراهيم بنته قريش، وكان بناؤه هذه المرة قبل المبعث بخمس عشرة سنة، ثم بناه عبد الله بن الزبير ﵁ ثم بناه الحجاج، وهو البناء الموجود الآن. وقال المحدث الكازروني في "مناسكه": إنَّ هذا (٣) البيت خامس خمس

стр. 8110

عشرة، سبعة منها في السماء إلى العرش، وسبعة منها إلى تخوم الأرض السفلى، لكل بيت منها حرم، كحرم هذا البيت، لو سقط منها بيت .. لسقط بعضها على بعض، إلى تخوم الأرض السابعة، ولكل بيت من أهل السماء والأرض من يعمره، كما يعمر هذا البيت، وأفضل الكل الكعبة المكرمة. اهـ. والمراد بذكر الوقت (١): ذكر ما وقع فيه من حوادث جسام؛ ليتذكروا فيقلعوا عن غيهم، ويرعووا إلى رشدهم، ويستبين لهم عظيم ما ارتكبوا من خطأ، وكبير ما اجترحوا من جرم، بصدهم الناس عن بيت بناه أبوهم، وجعله الله قبلةً للناس في الصلاة، ومكانًا للطواف حين أداء شعيرة الحج: و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ زائدة، والجملة مقول لقول محذوف؛ أي: وقلنا له لا تشرك بي في بناء البيت شيئًا من الأغراض، ولا تجعل لي في العبادة شريكًا من خلقي من الأوثان وغيرها، أو المعنى: واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ ومرجعًا للعمَّارة وللعبادة؛ بأن يكون موحداً بقلبه لرب البيت عن الشريك، مشتغلًا بجسده بعمارة البيت وتنظيفه عن الأوثان، وذلك أن جرهمًا والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت. وقرأ عكرمة وأبو نهيك (٢): ﴿أن لا يشرك﴾ بالياء؛ أي: وأمرناه أن لا يشرك بي شيئًا ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾؛ أي: وقلنا له طهر بيتي من الكفر والأوثان والدماء وسائر النجاسات؛ أي: نزهه عن أن يعبد فيه صنم، وهذا أمر بإظهار التوحيد. وقرأ نافع وحفص وهشام ﴿بَيْتِيَ﴾ بفتح الياء. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ حوله ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾؛ أي: وللمصلين إليه، ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ جمع راكع وساجد؛ أي: وللمصلين الجامعين بين القيام والركوع والسجود. وصرح بهذه الثلاثة لكونها أعظم أركان الصلاة. والمراد بالقائمين هنا، هم المصلون، وذكر الركع السجود بعده لبيان أركان الصلاة، دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة؛ لأنهما لا يشرعان إلا في البيت، فالطواف عنده والصلاة إليه.

стр. 8111

وقيل (١): إن المراد بالقائمين المقيمون بالبيت، فيكون المراد بالطائفين: من يطوف به، وآفاقي غير مقيم هناك. ٢٧ - ﴿و﴾ قلنا له ﴿أذن﴾؛ أي: ناد ﴿فِي النَّاسِ﴾ بدعوة ﴿الحج﴾ والأمر به وقرأ الجمهور ﴿وَأَذِّنْ﴾ بالتشديد من أذن من باب فعل المضعف؛ أي: ناد. روي أنه صعد أبا قبيس، فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم. وقرأ الحسن وابن محيصن ﴿وَأَذِّنْ﴾ بمد الهمزة وتخفيف الذال من آذن، من باب أفعل كأكرم؛ أي: أعلم. وقرأ الجمهور ﴿بِالْحَجِّ﴾ بفتح الحاء، وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها. قال الواحدي (٢): قال جماعة من المفسرين: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت، جاءه جبريل فأمره أن يؤذن في الناس بالحج، فقال: يا رب من يبلغ صوتي؟ فقال الله سبحانه: أذن وعلي البلاغ، فعلا المقام فأشرف به، حتى صار كأعلى الجبال، فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يمينًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، وقال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت، فأجيبوا ربكم، فأجابه من كان في أصلاب الرجال، وأرحام النساء .. لبيك اللهم لبيك. وقال ابن عباس (٣): وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذٍ إلى يوم تقوم الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم ﵇ يومئذٍ. زاد غيره: فمن لبى مرة .. حج مرة، ومن لبى مرتين .. حج مرتين، ومن أكثر .. حج بقدر تلبيته. قال في "أسئلة الحكم": فأجابوه من ظهور الآباء، وبطون الأمهات في عالم الأرواح. وفي "الخصائص الصغرى": وافترض على هذه الأمة ما افترض على الأنبياء والرسل، وهو الوضوء والغسل من الجنابة والحج والجهاد. وما وجب في حق نبي .. وجب في حق أمته، إلا أن يقوم الدليل الصحيح على الخصوصية.

стр. 8112

﴿يَأْتُوكَ﴾ يا إبراهيم، جواب للأمر، والخطاب لإبراهيم. وقال: ﴿يأتوك﴾ وإن كانوا يأتون البيت؛ لأن من أتى الكعبة حاجًّا .. فكأنه قد أتى إبراهيم؛ لأنه مجيب ندائه، أو الكلام على حذف مضاف؛ أي: يأتوا بيتك، كما في "الكرخي"؛ أي: يأتوا البيت الذي بنيته حالة كونهم. ﴿رِجَالًا﴾؛ أي: مشاة على أرجلهم - جمع راجل - كقيام جمع قائم - وقدم الرجال على الركبان في الذكر؛ لزيادة تعبهم بالمشي. وعبارة "الفتوحات" هنا: وقدم الراجل لفضله، إذ للراكب بكل خطوة سبعون حسنة، وللراجل سبع مئة من حسنات الحرم، كل حسنة مئة ألف حسنة، وإبراهيم وإسماعيل حجا ماشيين، اهـ "كرخي". ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ معطوف على ﴿رِجَالًا﴾؛ أي: يأتونك حالة كونهم مشاة على أرجلهم، وركباناً على كل بعير ضامر؛ أي: مهزول أتعبه بُعدُ السفر. ﴿يَأْتِينَ﴾ تلك الضوامر، صفة لضامر باعتبار المعنى؛ لأن المعنى على ضوامر من جماعة الإبل يأتين. ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾؛ أي: طريق واسع ﴿عَمِيقٍ﴾؛ أي: بعيد. وقرأ الجمهور (١): ﴿رِجَالًا﴾ بكسر الراء مع التخفيف. وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿ورجالا﴾ بضم الراء وتخفيف الجيم، وروي كذلك عن عكرمة والحسن وأبي مجلز، وهو اسم جمع كـ: ظُؤار. وروي عنهم وعن ابن عباس ومجاهد وجعفر بن محمد بضم الراء وتشديد الجيم، ﴿رُجَّالا﴾ وعن عكرمة أيضًا ﴿رَجَالى﴾ على وزن النعامى بألف التأنيث المقصورة. وقرأ مجاهد ﴿رُجالى﴾ على وزن فعالى مثل كُسالى. وقرأ الجمهور: ﴿يأتين﴾ بضمير الإناث اعتبارًا بمعنى الضامر. وقرأ عبد الله وأصحابه والضحاك وابن أبي عبلة ﴿يأتون﴾ على أنه صفة لرجالًا. وقر ابن مسعود ﴿معيق﴾ وهو بمعنى (٢): بعيد يقال: بئر بعيدة العمق والمعق بمعنى. والمعنى: أي وقلنا له: ناد الناس داعيًا لهم إلى الحج، وزيارة هذا البيت،

стр. 8113

الذي أمرت ببنائه، يأتوك مشاة على أرجلهم، وركبانًا على ضوامر من الإبل، من كل طريق بعيد، ٢٨ - ثم بين السبب في هذه الزيارة فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتُوكَ﴾، وقيل: بقوله: وأذن الشهود هو الحضور؛ أي: ليحضروا ﴿مَنَافِعَ﴾ كائنة ﴿لَهُمْ﴾ من المنافع الدينية والدنيوية، وهي العفو والمغفرة والتجارة في أيام الحج، فتنكيرها؛ لأن المراد بها نوع من المنافع، مخصوص بهذه العبادة، لا يوجد في غيرها من العبادات. وقيل: المراد بها المناسك. وقيل: المغفرة. وقيل: التجارة كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وعن أبي حنيفة ﵀ أنه كان يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حج فضل الحج على العبادات كلها لما شاهد من تلك الخصائص. ﴿وَيَذْكُرُوا﴾ معطوف على يشهدوا؛ أي: وليذكروا عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾ تعالى، وفي جعله (١) غاية للإتيان، إيذان بأنه الغاية القصوى دون غيره. ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ هي أيام النحر، يوم العيد وأيام التشريق، كما يفيد ذلك قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾؛ أي: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام؛ أي: لأجل ما رزقهم وهي الإبل والبقر والغنم، وقيل: عشر ذي الحجة. و ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الأنعام، فالإضافة فيه. كالإضافة في مسجد الجامع. والأنعام جمع نعم، وهو مختص بالإبل، وتسميته بذلك لكون الإبل عندهم أعظم نعمة، لكن الأنعام يقال: للإبل والبقر والغنم، ولا يقال لها، أنعام حتى يكون في جملتها الإبل. والمراد بالذكر (٢): ما وقع عند الذبح، علق الفعل بالمرزوق، وبينه بالبهيمة تحريضًا على التقرب، وتنبيهًا على مقتضى الذكر، والبهيمة اسم لكل ذات أربع في البحر والبر، فبينت بالأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم؛ لأن الهدي والذبيحة لا يكونان من غيرها.

стр. 8114

والمعنى: أي (١) يأتونك ليحضروا منافع لهم في الدنيا، من تجارة رائجة وسلع نافقة، ومنافع في الآخرة، بما يعملون من عمل يرضي ربهم، وبما يحمدونه على النعم التي تترى عليهم، وما رزقهم من الهدايا والبدن التي أهدوها أيام النحر الثلاثة، يوم العيد ويومين بعده، والفاء في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ عاطفة على محذوف، تقديره: فاذكروا اسم الله على ضحاياكم، فكلوا من لحومها إذ كانت مستحبة، والأمر فيه للإباحة، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، ويصح أن تكون الفاء فصيحة. وفي "الخطيب": ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾؛ أي: من لحومها أمر إباحة، وذلك أن الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئًا، فأمر الله تعالى بمخالفتهم. واتفق العلماء، على أن الهدى، إذا كان تطوعًا يجوز للمهدي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع، واختلفوا في الهدى الواجب بالشرع، مثل دم التمتع والقران والدم الواجب بإفساد الحج، وفوته وجزاء الصيد، هل يجوز للمهدي أن يأكل منه شيئًا؟، قال: الشافعي ﵀: لا يأكل منه شيئًا، وكذلك ما أوجبه على نفسه بالنذر. وقال ابن عمر ﵁: لا يأكل من جزاء الصيد والنذر، ويأكل مما سوى ذلك، وبه قال: أحمد وإسحاق، وقال مالك: يأكل من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه، إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والنذر، وعن أصحاب أبي حنيفة، أنه يأكل من دم التمتع والقران، لكونها دم الشكر لا دم الجناية، ولا يأكل من واجب سواهما، اهـ. وكذا لا يأكل أولاده وأهله وعبيده وإماؤوه، وكذا الأغنياء إذ الصدقة الواجبة حقٌّ للفقراء. والأمر في قوله: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ للوجوب؛ أي: وأطعموا البائس الذي أصابه بؤس وشدة وزمانة، ﴿الْفَقِيرَ﴾؛ أي: المحتاج، فذكر الفقير بعده لمزيد الإيضاح. فالبائس الشديد الفقر، والفقير المحتاج الذي أضعفه الإعسار ليس له غنى، أو البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون

стр. 8115

كذلك، بأن تكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني. وفي "مختصر الكرخي" أوصى بثلث ماله للبائس الفقير والمسكين. قال: فهو يقسم إلى ثلاثة أجزاء، جزءٌ للبائس وهو الذي به الزمانة إذا كان به محتاجًا. والفقير المحتاج الذي لا يعرف بالأبواب، والمسكين الذي يسأل ويطوف، وعن أبي يوسف إلى جزئين، الفقير والمسكين واحد. ٢٩ - قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ عطف على يذكروا؛ أي: ثم بعد خروجهم من الإحرام، ليقطعوا أدرانهم، ويزيلوا أوساخهم، بحلق الرأس وقص الشارب والأظفار ونتف الإبط والاستحداد عند الإحلال؛ أي: الخروج من الإحرام. فالتفث الوسخ، يقال للرجل: ما أتفثك، وما أدرنك؛ أي: وما أوسخك، وكل ما يستقذر من الشعث، وطول الظفر ونحوهما تفث. ﴿وَلْيُوفُوا﴾؛ أي: وليؤدوا ﴿نُذُورَهُمْ﴾؛ أي: ما أوجبوه على أنفسهم من أعمال البر، في أيام الحج مما لا يقتضي الحج وجوبه من الضحايا وغيرها، والنذر أن توجب على نفسك ما ليس بواجب. وقرأ (١) أبو بكر وشعبة عن عاصم ﴿وَلْيُوفُّوا﴾ بفتح الواو وتشديد الفاء وتسكين اللام. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ طواف الركن الذي يتم به التحلل، فإنه قرينة قضاء التفث ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ أي: القديم، فإنه أول بيت وضع للناس، أو المعتق من تسلط الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فعصمه الله، وأما الحجاج الثقفي، فإنما قصد إخراج ابن الزبير ﵄ حين تحصن به، لا التسلط عليه، ولما قصد التسلط عليه أبرهة، فعل به ما فعل. فصل واعلم: أن طواف الحجاج ثلاثة: الأول: طواف القدوم: وهو أن من قدم مكة يطوف بالبيت سبعًا، يرمل

стр. 8116

ثلاثًا من الحجر الأسود إلى أن ينتهي إليه، ويمشي أربعًا وهذا الطواف سنة لا شيء بتركه. والثاني: طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق، ويسمى أيضًا طواف الزيارة، وهو ركن لا يحصل التحلل من الإحرام ما لم يأت به. والثالث: طواف الوداع، لا رخصة لمن أراد مفارقة مكة إلى مسافة القصر في أن يفارقها حتى يطوف بالبيت سبعًا، فمن تركه فعليه دم، إلا المرأة الحائضة، فإنه يجوز لها ترك طواف الوداع، ثم إن الرمل يختص بطواف القدوم، ولا رمل في طواف الإفاضة والوداع. والمعنى: أي ثم ليزيلوا ما علق بهم من الأوساخ، فيحلقوا الشعر ويقلموا الأظفار ويأخذوا من الشوارب والعارضين، وليوفوا ما نذروه من أعمال البر، وليطوفوا طواف الإفاضة أو الوداع بالبيت العتيق، إذ هو أقدم بيت للعبادة في حياة البشر. وفي قراءة (١) أبي عمرو تحريك اللامات الثلاثة بالكسر، وفي قراءة ابن ذكوان بكسر اللامين الأخيرين، وفي قراءة الباقين بإسكان الكل. ٣٠ - وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أي: الأمر والشأن ذلك الذي ذكر من قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا﴾ إلى قوله: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ فإن هذه الآية مشتملة على الأحكام المأمور بها، والمنهي عنها، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين، أو بين وجهي كلام واحد، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: ذلك الأمر المذكور لازمٌ لكم، أو مفعول لمحذوف، أي: احفظوا ذلك ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ أي: جميع تكاليف الله تعالى، من مناسك الحج وغيرها بالعمل بموجبه، جمع (٢) حرمة، وهي ما لا يحل هتكه، وهو خرق الستر عما وراءه؛ أي: يعظم أحكامه وفرائضه وسننه، وسائر ما لا يحل هتكه، كالكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام، بالعلم بوجوب مراعاتها والعمل بموجبه. ﴿فَهُوَ﴾؛ أي: التعظيم المفهوم من يعظم ﴿خَيْرٌ لَهُ﴾ ثوابًا ﴿عِنْدَ

стр. 8117

رَبِّهِ﴾؛ أي: في الآخرة من التهاون بشيء منها؛ أي: قربة وطاعة يثاب عليها عند الله تعالى. وقيل: إن صيغة التفضيل هنا (١) لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد أن ذلك التعظيم خير ينتفع به، فهي عدة بخير، أي: فالتعظيم خير له عند ربه، أي: قربة منه وزيادة في طاعته يثيبه عليها. وفي الآية، إشارة (٢) إلى أن تعظيم حرمات الله، هو نفس تعظيم الله تعالى، في ترك ما حرمه الله عليه، وفعل ما أمره به. يقال: بالطاعة يصل العبد إلى الجنة، وبالحرمة يصل إلى الله، ولهذا قال: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني تعظيم الحرمة، والتكاليف، خير للعبد، في التقرب إلى الله، من تقربه بالطاعة. ويقال: ترك الخدمة يوجب العقوبة. وترك الحرمة يوجب الفرقة. ويقال: كل شيء من المخالفات، فالعفو فيه مساغ وللأمل فيه طريق، وترك الحرمة على خطر أن لا يغفر ذلك، وذلك بأن يؤدي شؤمه لصاحبه إلى أن يختل دينه وتوحيده. والمعنى؛ أي: هذا الذي أمر به من قضاء التفث والوفاء بالنذور، والطواف بالبيت، هو الفرض الواجب عليكم أيها الناس في حجكم، ومن يجتنب ما أمر باجتنابه في حال إحرامه تعظيمًا منه لحدود الله، أن يواقعها، وحرمه أن يستحلها فهو خير له عند ربه في الآخرة، بما يناله من رضاه وجزيل ثوابه. ﴿وَأُحِلَّتْ﴾؛ أي: جعلت حلالاً وهو من حل العقدة، ﴿لَكُمُ﴾؛ أي: لمنافعكم ﴿الْأَنْعَامُ﴾ وهي الأزواج الثمانية على الإطلاق، من الضأن اثنين، أي: الذكر والأنثى، ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فالخيل والبغال والحمير خارجة من الأنعام. ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى﴾ ويقرأ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه في آية ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ في سورة المائدة. أي: وأحل لكم (٣) أيها الناس، أن تأكلوا الأنعام إذا ذكيتموها، فلم يحرم

стр. 8118

عليكم بحيرةً ولا سائبةً ولا وصيلةً ولا حاميًا، إلا ما يتلى عليكم تحريمه في كتاب الله تعالى، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، والمنحنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع وما ذبح على النصب، فإن كل ذلك رجس. أو المعنى: ورخصت لكم حال الإحرام ذبيحة الأنعام، وأكل لحومها، إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه، مما حرم منها لعارضٍ، كالميتة، وما أهل به لغير الله تعالى. والفاء في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ تفريعية (١) على قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ فلما حث على المحافظة على حدود الله، وترك الشرك تفرع عنه هذا، اهـ. "شهاب". أي: وابتعدوا عن الرجس الذي هو الأوثان واتركوا عبادتها، فإنها سبب الرجس الذي هو العذاب، أو هي الرجس الذي هو النجس؛ لأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات؛ أي: فاجتنبوا عبادة الرجس والنجس الذي هو الأوثان. والرجس الشيء القذر، يقال: رجل رجس ورجال أرجاس والرجس يكون على أربعة أوجه، إما من حيث الطبع، وإما من جهة العقل، وإما من جهة الشريعة، وإما من كل ذلك، كالميتة فإنها تعاف طبعًا وعقلًا وشرعًا. والرجس من جهة الشرع: الخمر والميسر والأوثان، وهي جمع وثن، وهو حجارة كانت تعبد، كما في "المفردات" وقال بعضهم (٢): الفرق بينه وبين الصنم: أن الصنم هو الذي يؤلف من شجر، أو ذهب، أو فضة في صورة الإنسان. والوثن هو الذي ليس كذلك، وأصله من وثن الشيء؛ أي: أقام في مقامه، وسمي الصليب وثنًا؛ لأنه ينصب ويركز في مقامه، فلا يبرح عنه. قال في "الإرشاد": قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا ...﴾ إلخ، مرتب على ما يفيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ من وجوب مراعاتها والاجتناب عن هتكها،

стр. 8119

ولما كان بيان حل الأنعام من دواعي التعاطي، لا من مبادي الاجتناب .. عقبه بما يجب الاجتناب عنه من المحرمات، ثم أمر بالاجتناب عما هو أقصى الحرمات، كأنه قيل: ومن يعظم حرمات الله، فهو خير له، والأنعام ليست من الحرمات، فإنها محللة لكم، إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه، فإنه مما يجب الاجتناب عنه، فاجتنبوا ما هو معظم الأمور، التي يجب الاجتناب عنها. ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾؛ أي: الكذب والبهتان. وهذا تعميم (١) بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، والمشرك يزعم أن الوثن يحق له العبادة، كأنه قيل: فاجتنبوا عبادة الأوثان، التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا شيئًا منه، وكأنه لما حث على تعظيم الحرمات، أتبع ذلك ردًّا لما كانت الكفرة عليه، من تحريم السوائب والبحائر ونحوهما. والافتراء على الله تعالى، بأنه حكم بذلك. وقيل: المراد به شهادة الزور، والأولى أن يحمل على العموم، كما قلنا أولًا. وأعظمه الشرك بالله بأي لفظ كان، وسمي زورًا لأنه مائل عن الحق. ومنه قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾. ٣١ - ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ حال من واو فاجتنبوا؛ أي؛ حال كونكم مائلين عن كل دين، زائغ إلى الدين الحق مخلصين له ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ شيئًا من الأشياء، كما يفيده الحذف من العموم، فيدخل في ذلك الأوثان دخولًا أوليًا، وهو حال أخرى من الواو، لكن الأولى مؤسسة، والثانية مؤكدة، فدل ذلك، على أن المكلف ينوي بما يأتيه من العبادة، الإخلاص لله بها لا غيره. والمعنى: أي (٢): فابتعدوا عن عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، فإن ذلك رجس، واتقوا قول الكذب والفرية على الله، كقولكم في الآلهة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقولكم: الملائكة بنات الله، ونحو هذا من القول، فإن ذلك كذب وزور، وشرك بالله، وقوله: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾؛ أي: تمسكوا بهذه الأمور على وجه العبادة لله وحده، دون إشراك أحد سواه معه. ولما أمر باجتناب عبادة الأوثان، وقول الزور .. ضرب مثلًا للمشرك فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ سبحانه غيره تعالى، قولًا

стр. 8120

أو فعلًا ﴿فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ وسقط ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرض ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾؛ أي: تسلبه وتختلسه، وتأخذه الطير بسرعة وتقطع لحمه ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾؛ أي: ترمي به الريح وتسقطه ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾؛ أي: بعيد، غرضه بهذا، ضرب مثل لمن يشرك بالله، اهـ شيخنا. ومعنى الآية: أن (١) من أشرك مع الله غيره، فقد أهلك نفسه هلاكًا، ليس وراءه هلاك، وكانت حاله أشبه بحال من سقط من السماء، فتخطفه الطير، ففرقت أجزاءه في حواصلها إربًا إربًا، أو عصفت به الريح، فهوت به في المهاوي البعيدة، التي لا رجعة له منها. وقيل (٢): شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء؛ لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة؛ إما باستلاب الطير لحمه، أو بسقوطه في المكان السحيق. وقرأ نافع (٣): ﴿فَتَخَطَّفَه﴾ بفتح الخاء والطاء مشددة. وقرأ الجمهور: ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ بسكون الخاء وتخفيف الطاء. وقرأ الحسن وأبو رجاء والأعمش: بكسر التاء والخاء والطاء مشددة. وعن الحسن كذلك إلا أنه فتح الطاء مشددة. وقرأ الأعمش أيضًا: ﴿تَخْطَفُهُ﴾ بغير فاءٍ وإسكان الخاء وفتح الطاء مخففة. وقرأ أبو جعفر والحسن وأبو رجاء الرياح بالجمع. ٣٢ - وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، كما مر نظيره؛ أي: الأمر والشأن ذلك الذي ذكر، من أن تعظيم حرمات الله خير، وأن الاجتناب عن الشرك، وقول الزور أمر لازم، امتثلوا ذلك واحتفظوا عليه ولا تتهاونوا في الحرص عليه، والسير على نهجه. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ ومعالم دينه التي منها الهدايا المشعرة، فإنها من

стр. 8121

معالم الحج وشعائره، كما ينبىء عنه قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وهو الأوفق (١) لما بعده والشعائر جمع شعيرة، وهي العلامة من الإشعار، وهو الإعلام والشعور العلم. وسميت البدنة شعيرة، من حيث إنها تشعر بأن تطعن في سنامها من الجانب الأيمن والأيسر، حتى يسيل الدم فيعلم أنها هدي فلا يتعرض لها، فهي من جملة معالم الحج، بل من أظهرها وأشهرها علامةً، وتعظيمها: اعتقاد أن التقرب بها من أجل القربات، وأن يختارها حساناً سماناً غالية الأثمان. ﴿فَإِنَّهَا﴾؛ أي: فإن تعظيمها ناشىء ﴿مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وتخصيصها بالإضافة لأنها مركز التقوى، التي إذا ثبتت فيها وتمكنت، ظهر أثرها في سائر الأعضاء. والمعنى: أي (٢) ومن يعظم البدن التي يهديها للحرم، بأن يختارها عظيمة الأجسام سمينة غير هزيلة، غالية الثمن، ويترك المكاس حين شرائها .. فقد اتقى الله حقًا، فإن تعظيمها باب من أبواب التقوى، بل هو من أعظم أبوابها. وقرىء ﴿القلوبُ﴾ بالرفع على الفاعلية، بالمصدر الذي هو تقوى. روي أن النبي ﷺ أهدى مئة بدنة، فيها جمل لأبي جهل في أذنه برة (حِلَقٌ) من ذهب. وأنَّ عمر أهدى نجيبة (ناقة) طلبت منه بثلاث مئة دينار وقد سأل رسول الله ﷺ أن يبيعها، ويشتري بثمنها بهماً، فنهاه عن ذلك، وقال: بل أهداها. وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي - ثياب مصرية غالية الثمن - فيتصدق بلحومها وبجلالها. ٣٣ - ﴿لَكُمْ﴾ أيها السائقون للهدايا إلى الحرم ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الهدايا المشعرة ليعرف أنها هدى ﴿مَنَافِعُ﴾ في درها ونسلها وصوفها وظهرها، فإن للمهدي أن ينتفع بهديه إلى وقت النحر، إذا احتاج إليه. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ووقت معين معلوم هو وقت نحرها والتصدق بلحمها، والأكل منه. ﴿ثُمَّ﴾ بعد تلك المنافع المذكورة ﴿مَحِلُّهَا﴾؛ أي: مكان حل نحرها ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾؛ أي: عند البيت، فإلى بمعنى عند، كما في "الفتوحات"؛ أي: عند الحرم

стр. 8122

جميعه، إذ الحرم كله في حكم البيت الحرام. والمعنى (١): أي لكم في تلك الهدايا منافع، كركوبها حين الحاجة، وشرب ألبانها حين الضرورة إلى أن تنحر، ويؤكل منها، ويتصدق بلحومها، ثم مكان حل نحرها عند البيت العتيق؛ أي: عند الحرم جميعه، إذ الحرم كله في حكم البيت كما مر آنفًا. وقيل: المعنى: ثم بعد انتفاعكم بها محلها؛ أي: حلول تلك الهدايا، ونزولها ونهاية أمرها وحياتها إلى حرم البيت العتيق؛ لأنها تذبح في الحرم. والعتيق (٢) المتقدم في الزمان والمكان والرتبة. أخرج البخاري في "تاريخه"، والترمذي، وحسنه، والحاكم وصححه، وابن جرير والطبري وغيرهم عن ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما سماه الله البيت العتيق؛ لأنه أعتقه من الجبابرة فلم يظهر عليه جبار قط" وإلى هذا ذهب قتادة، وقد قصده تبع ليهدمه فأصابه الفالج، فأشير إليه أن يكف عنه، وقيل له: "إن له ربا يمنعه"، فتركه وكساه، وهو أول من كساه. وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه. ٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ من الأمم، لا لبعض منهم دون بعض، فالتقديم للتخصيص. ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾؛ أي: متعبدًا وقربانًا يتقربون به إلى الله تعالى، والمراد به إراقة الدماء لوجه الله تعالى. والمعنى: شرعنا لكل أمة مؤمنة أن ينسكوا له تعالى. يقال: نسك ينسك ونسوكاً ومنسكاً بفتح السين إذا ذبح القربان. وقرأ الجمهور (٣): ﴿منسَكا﴾ بفتح السين على القياس مطلقًا؛ لأنه من باب نصر، كما سيأتي في مبحث التصريف، وقرأ بكسرها على الشذوذ الأخوان حمزة والكسائي وابن سعدان وأبو حاتم عن أبي عمرو، ويونس ومحبوب وعبد الوارث إلا القصبي عنه، قال ابن عطية: والكسر في هذا من الشاذ، ولا يسوغ فيه القياس، ويشبه أن يكون الكسائي سمعه من بعض العرب اهـ. والأمة الجماعة المجتمعة على مذهب واحد. والمعنى: وجعلنا لكل أهل

стр. 8123

دين من الأديان ذبحًا يذبحونه ودما يريقونه، أو متعبدًا، أو طاعة، أو عيدًا، أو حجًا يحجونه، وليس ذلك خاصًا بقوم دون آخرين. ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ وحده دون غيره، ويجعلوا نسكهم خالصًا لوجهه الكريم، علَّل (١) الجعل به تنبيهًا على أن المقصود الأصلي من المناسك تذكر المعبود. ﴿عَلَى﴾ ذبح ﴿مَا رَزَقَهُمْ﴾ وإعطائهم ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾؛ أي: عند ذبحها. وفي تبيين (٢) البهيمة بإضافتها إلى الأنعام، تنبيه على أن القربان يجب أن يكون من الأنعام، وأما البهائم التي ليست من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، فلا يجوز ذبحها في القرابين، وإن جاز أكلها، وسماها بهيمة؛ لأنها لا تتكلم. والمعنى؛ أي: وإنما شرعنا لهم ذلك كي يذكروا الله حين ذبحها، ويشكروه على ما أنعم به عليهم، إذ هو المقصود الأعظم. وفي "الصحيحين": عن أنس أنه أُتي رسول الله ﷺ بكبشين أملحين فيهما بياض يخالطه سواد أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما. وروى أحمد عن زيد بن أرقم قال: قلت: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم". قالوا: ما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة". قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة". ثم أخبرهم سبحانه بتفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له. فقال ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ والفاء فيه لترتيب ما بعدها، على ما قبلها من الجعل المذكور، وتعليله. والخطاب للكل تغليباً للمخاطبين على غيرهم؛ أي: جعلنا لكل أمة منسكًا، فإن إلهكم إله منفرد يمتنع أن يشاركه شيء في ذاته وصفاته، وإلا لاختل النظام في العالم؛ أي (٣): فإن معبودكم واحد، وإن اختلفت العبادات بحسب الأزمنة والأمكنة، ونسخ بعضها بعضًا، فما المقصد منها جميعًا إلا عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ

стр. 8124

لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. ثم أمرهم بالإسلام له والانقياد لطاعته وعبادته فقال: ﴿فَلَهُ﴾ سبحانه لا لغيره؛ لأن تقديم الجار والمجرور على الفعل للقصر، والفاء فيه للأفصاح؛ أي: فإذا كان إلهكم إلهًا واحدًا فله ﴿أَسْلِمُوا﴾؛ أي: استسلموا لحكمه، وانقادوا له في جميع ما كفلكم به، وأخلصوا له العمل، واجعلوا التقرب أو الذكر خالصًا لوجهه الكريم، ولا تشوبوه بالإشراك. وفي "التأويلات النجمية": والإسلام يكون بمعنى الإخلاص، والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات. ثم تصفيه الأخلاق من الكدورات، ثم تصفية الأحوال من الإلتفاتات، ثم تصفية الأنفاس من الأغيار انتهى. ثم أمر رسوله ﷺ أن يبشر المخبتين، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾؛ أي: وبشر أيها الرسول الكريم، الخاضعين لله بالطاعة، المذعنين له بالعبودية، المنيبين إليه بالتوبة، بما أعد لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه. مأخوذٌ من الخبت، وهو المنخفض من الأرض. وقيل: إن المخبتين هم الذين لا يظلمون غيرهم، وإذا ظلمهم غيرهم لم ينتصروا، ولا يخفى حسن التعبير بالمخبتين هنا، من حيث إن نزول الخبت مناسب للحجاج، لما فيهم من صفات المتواضعين، كالتجرد عن اللباس، وكشف الرأس، والغربة عن الأوطان، ولذا وصفهم بالصبر، وذكر إقامة الصلاة؛ لأن السفر مظنة التقصير فيها. اهـ. "شهاب". ٣٥ - ثم وصف سبحانه هؤلاء المخبتين، وبين علاماتهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ ؛ أي: ذكروه أو ذكره غيرهم ﴿وَجِلَتْ﴾؛ أي: خافت منه تعالى. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ وحذرت مخالفته لإشراق أشعة جلاله عليها، وطلوع أنوار عظمته لها، وحصول الوجل منهم، عند الذكر له سبحانه، دليل على كمال يقينهم وقوة إيمانهم. ووصفهم أيضًا بالصبر، فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من المصائب والنوائب، ومن التكاليف والمحن في طاعة الله تعالى. قال في "بحر العلوم": الذين صبروا على البلايا والمصائب من مفارقة أوطانهم، وعشائرهم، ومن تجرع الغصص والأحزان، واحتمال المشاق والشدائد

стр. 8125

في نصر الله وطاعته، وازدياد الخير، ومعنى الصبر الحبس، يقال: صبرت نفسي على كذا؛ أي: حبستها. ثم وصفهم بإقامة الصلاة؛ أي: بالإتيان بها في أوقتها على وجه الكمال. فقال: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها. أصله والمقيمين الصلاة، والإضافة فيه لفظية؛ أي: والمؤدين حقه تعالى فيما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة في الأوقات التي حددها. ثم وصفهم بالإنفاق، فقال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخيرات، وقدم (١) المفعول إشعارًا بكونه أهم، كأنه قيل: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والمراد به إما الزكاة المفروضة لاقترانها بالصلاة المفروضة، أو مطلق ما ينفق في سبيل الله، لوروده مطلق اللفظ، من غير قرينة الخصوص. والمعنى: أي وينفقون بعض ما آتاهم الله، من طيب الرزق في وجوه البر، وعلى أهليهم وأقاربهم، وعلى الخلق كافة، ومن ذلك إهداء الهدايا التي يغالون في أثمانها. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ بالخفض على الإضافة، وحذفت النون لأجلها وقرأ ابن أبي إسحاق والحسن وأبو عمرو في رواية ﴿الصلاة﴾ بالنصب على توهم بقاء النون وحذفت النون لأجلها. وقرأ ابن مسعود والأعمش ﴿والمقيمين﴾ بالنون ﴿الصلاة﴾ بالنَّصْب. وقرأ الضحاك ﴿والمقيم الصلاة﴾. وناسب (٣) تبشير من اتصف بالإخبات هنا؛ لأن أفعال الحج من نزع الثياب والتجرد من المخيط وكشف الرأس والتردد في تلك المواضع الغبرة المحجرة، والتلبس بأفعال شاقةٍ، لا يعلم معناها إلا الله تعالى، مؤذن بالاستسلام المحض، والتواضع المفرط حيث يخرج الإنسان عن مألوفه إلى أفعال غريبة، ولذلك وصفهم بالإخبات والوجل إذا ذكر الله تعالى، والصبر على ما أصابهم من المشاق، وإقامة الصلوات في مواضع لا يقيمها إلا المؤمنون المصطفون،
следующие страницы →