← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8051–8090 · переход к 8056.

стр. 8051

في الأفعال الثلاثة، وقرأ يحيى بن وثاب ﴿ما نشاء﴾ بكسر النون. ﴿ثُمَّ﴾ بعد إقراركم فيها ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ من بطون أمهاتكم عند تمام الأجل المسمى حال كونكم ﴿طِفْلًا﴾؛ أي: أطفالًا صغارًا بحيث لا تقومون بمصالح أموركم من غاية الضعف، وإنما وحد الطفل، اعتبارًا بكل واحد منهم، أو لإرادة الجنس المنتظم للواحد والمتعدد، والطفل الولد ما دام ناعماً، كما في "المفردات". وقال المولى الفنادي في تفسير الفاتحة: حد الطفل من أول ما يولد حين يستهل صارخًا إلى انقضاء ستة أعوام، انتهى. وقيل: يطلق الطفل على الصغير، من وقت انفصاله إلى البلوغ، ﴿ثُمَّ﴾ بعد إخراجكم طفلًا نُسَهِّلُ في تربيتكم أمورًا ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ ولتصلوا ﴿أَشُدَّكُمْ﴾؛ أي: غاية كمالكم في القوة والعقل والتمييز، فهو علة لمحذوف، وقيل: هو (١) علة لنخرجكم، معطوفة على علة أخرى، مناسبة لها، كأنه قيل: ثم نخرجكم طفلًا لتكبروا شيئًا فشيئًا، ثم لتبلغوا كمالكم في القوة والعقل والتمييز، وهو فيما بين الثلاثين والأربعين. وفي "القاموس" ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين. مفرد جاء على بناء الجمع كـ: آنُكٍ، ولا نظير لهما، انتهى. وقيل (٢): إن ﴿ثُمَّ﴾ هنا، زائدة، والتقدير: ثم نخرجكم طفلًا لتبلغوا، إلخ، وقيل: إنه معطوف على نبين، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قبل بلوغ الكبر؛ أي: يقبض روحه ويموت بعد بلوغ الأشد أو قبله، والتوفي عبارة عن الموت، يقال توفاه الله إذا قبض روحه. وقرىء ﴿يُتَوَفَّى﴾ بفتح الياء مبنيًا للفاعل؛ أي: يستوفي أجله، والجمهور بالضم مبنيًا للمفعول؛ أي: بعد الأشد وقبل الهرم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ﴾ ويرجع ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾؛ أي: يبقى ويعمر إلى بلوغه أرذل العمر، وأخس الحياة وأدناها وأردأها، وهو الهرم والخرف والرذل والرذال المرغوب عنه لردائته، والعمر مدة عمارة البدن بالحياة، فيصير (٣) إلى حالة الطفولية ضعيف البنية سخيف

стр. 8052

العقل، ولا زمان لذلك محدود، بل ذلك بحسب ما يقع في الناس، وقد نرى من علت سنه وقارب المئة أو بلغها في غاية جودة الذهن والإدراك مع قوة ونشاط، وترى من هو في سن الاكتهال وقد ضعفت بنيته، أوضح تعالى أنه قادر على إنهائه إلى حالة الخرف، كما أنه كان قادرًا على تدريجه إلى حالة التمام، فكذلك هو قادر على إعادة الأجساد التي درجها في هذه المناقل، وإنشائها النشأة الثانية. وقوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾؛ أي: لكيلا ﴿يَعْلَمَ﴾ ويعقل ذلك المردود إلى أرذل العمر ﴿من بعد علمه﴾ وفهمه وعقله الأشياء، أو من بعد علمه الكثير ﴿شَيْئًا﴾ من الأشياء، أو شيئًا من العلم، والمعنى (١): أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء، وفهم لها، لا علم له ولا فهم، وهو مبالغة في انتقاص علمه وانتكاس حاله، وإلا فهو يعلم بعض الأشياء كالطفل، فهذا الرد خاص، بغير قارىء القرآن والعلماء، أما قارىء القرآن والعلماء، فلا يردون في آخر عمرهم إلى الأرذل، بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم، اهـ شيخنا؛ أي: ليعود إلى ما كان عليه أوان الطفولية من ضعف البنية، وسخافة العقل وقلة الفهم، فينسى ما عمله، وينكر ما عرفه، ويعجز عما قدر عليه. وقال الزمخشري؛ أي: ليصير نسّاء، بحيث إذا كسب علمًا في شيء، لم ينشب أن ينساه ويزلَّ عنه علمه، حتى يسأل عنه من ساعته، يقول لك من هذا، فتقول فلان، فما يلبث لحظة إلا سألك عنه، اهـ. وروي عن أبي عمرو ونافع تسكين ميم العمر. والمعنى: أي (٢) ومنكم من يتوفى على كمال قوته وكمال عقله، ومنكم من يبقى حتى يبلغ الهرم والخرف، فيصير كما كان في أول طفولته، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الفهم. وخلاصة ذلك: أنه إما أن يميتكم أو يردكم إلى أرذل العمر، الذي يسلب فيه العلم والقدرة على العمل. وفي "التأويلات النجمية": في الآية (٣) إشارة إلى

стр. 8053

أن أطفال المكونات كانوا في أرحام أمهات العدم، متقررين بتقرير الحق إياهم فيها، ولكل خارج منها أجل مسمى، بالإرادة القديمة والحكمة الأزلية، فلا يخرج طفل مكون من رحم العدم، إلا بمشيئة الله تعالى، وأوان أجله. وفي هذا رد على الفلاسفة القائلين بقدم العالم. ثم ذكر الاستدلال على إمكان البعث، بحال خلق النبات أيضًا، فقال: ﴿وَتَرَى﴾ أيها المجادل أو يا من شأنه الرؤية، وهو حجة أخرى على البعث، ﴿الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ أي: ميتة يابسة لا تنبت شيئًا، يقال: همدت النار إذا صارت رمادًا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا﴾؛ أي: على الأرض الهامدة، ﴿الْمَاءَ﴾؛ أي: ماء المطر والعيون والأنهار، ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت بالنبات، والاهتزاز الحركة الواقعة على البهجة والسرور، فلا يكاد يقال اهتزّ فلان لكيت وكيت إلا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع؛ أي: تحركت في رأي العين بسبب حركة النبات وظهوره. ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: انتفخت وازدادت للنبات. من ربا يربو ربا، إذا زاد ونما، وربا الفرس ربواً، إذا انتفخ من عدو وفزع، كما في "القاموس". ﴿وَأَنْبَتَتْ﴾ أي: وأخرجت بالماء، ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: من كل نوع من أنواع النبات، ﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسن يسر ناظره، وإسناد الإنبات إلى الأرض مجاز، كما سيأتي؛ لأن المنبت هو الله . وقرأ أبو جعفر (١) وعبد الله بن جعفر وخالد بن إلياس وأبو عمرو في رواية ﴿وَرَبَأَتْ﴾ بالهمز هنا، وفي فُصِّلَتْ؛ أي: ارتفعت وأشرفت، يقال: فلان يربأ بنفسه عن كذا؛ أي: يترفع بها عنه. والمعنى: أي (٢) وترى الأرض يابسة دارسة الآثار، من النبات والزرع، فإذا نحن أنزلنا عليها الماء، تحركت بالنبات، وازدادت وانتفخت، لما يتداخلها من الماء والنبات، ثم أنبتت أنواعًا يسرّ الناظرين ببديع منظرها، وجميل شكلها واختلاف طعومها، وروائحها ومقاديرها ومنافعها. ٦ - وبعد أن قرّر سبحانه، هذين

стр. 8054

البرهانين، رتب عليهما النتيجة الحتمية لذلك، وذكر أمورًا خمسة: ١ - ﴿ذَلِكَ﴾ الصنع البديع، وهو خلق الإنسان على أطوار مختلفة، وتصريفه في أطوار متباينة، وإحياء الأرض بعد موتها حاصل بسبب، ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ، ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: الثابت بنفسه الذي به يتحقق الأشياء، أو المعنى (١): ذكرنا ذلك، لتعلموا بأن الله هو الحق، الثابت الموجود، إلخ. والحق هو الموجود، الذي لا يتغير ولا يزول، وقيل ذو الحق على عباده، وقيل الحق أفعاله. والمعنى: أي (٢) هذا الذي ذكرت لكم من بدئنا خلقم في بطون أمهاتكم، ووصفنا أحوالكم قبل الميلاد وبعده طفلًا وكهلًا وشيوخًا في حال الهرم، وتنبيهنا إياكم إلى فعلنا بالأرض الهامدة بما ينزل عليها من الغيث لتصدّقوا بأن الذي فعل ذلك هو الله الحق، الذي لا شك فيه، وأن ما تعبدون من الأوثان والأصنام فهو باطل؛ لأنها لا تقدر على فعل شيء من ذلك. ٢ - ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾؛ أي: شأنه وفعله إحياء الموتى. وحاصله (٣): أنه تعالى قادر على إحيائها بدأً وإعادة، وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة مرارًا بعد مرار، والمعنى؛ أي: ولتعلموا أن الذي قدر على هذه الأشياء البديعة لا يتعذر عليه أن يحيي الموتى بعد فنائها ودروسها في التراب. ٣ - ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ أي: مبالغ في القدرة، وإلّا لما أوجد هذه الموجودات؛ أي (٤) ولتعلموا أن فاعل ذلك قادر على كل شيء، ولا يمتنع عليه شيء أراده، فهو قادر على إيجاد جميع الممكنات، ومن ذلك إعادة الأجسام بعد موتها. ٤ - ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾؛ أي: القيامة ﴿آتِيَةٌ﴾ فيما سيأتي، لمجازاة المحسن

стр. 8055

والمسيء، ﴿لَا رَيْبَ﴾ ولا شك ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في إتيانها، إذ قد وضح دليلها وظهر أمرها، وهو خبر ثان لـ ﴿أن﴾؛ أي: ولتعلموا أن الساعة التي وعدكم أن يبعث فيها الموتى من قبورهم آتية لا ريب ولا محالة فيها، ولا شك في حدوثها، وليس لأحد أن يرتاب فيها. ٧ - وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ﴾ إلى آخره توكيد (١) لقوله: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾، والظاهر أن قوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ ليس داخلًا في سبب ما تقدم ذكره، فليس معطوفًا على ﴿أَنَّهُ﴾ الذي يليه، فيكون على تقدير: والأمر أن الساعة إلخ. ٥ - ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿يَبْعَثُ﴾ ويجمع بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ من الموتى للمجازاة، جمع قبر وهو مقر الميت، "والبعث": هو أن ينشر الله الموتى من القبور، بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها، وأنكره الفلاسفة، بناء على امتناع إعادة المعدوم. أي: ولتوقنوا بأن الله حينئذٍ، يبعث من في القبور أحياء إلى مواقف الحساب. وخلاصة ذلك: أنكم إذا تأملتم في خلق الحيوان، والنبات، أمكنكم أن تستدلوا بذلك على وجود الخالق، وقدرته على إحياء الموتى وعلى غيرها من الممكنات، وأن الساعة آتية لا شك فيها، وأنه يبعث من في القبور للحساب والجزاء، ولولا ذلك، ما أوجد هذا العالم؛ لأن أفعاله تعالى مبنية على الحكم الباهرة، والغايات السامية. وعبارة أبي السعود: أي هذه الآثار من آثار الألوهية، وأحكام شؤونه الذاتية والوصفية والفعلية، وإن إتيان الساعة وإتيان البعث اللذين ينكرون وجودهما، من أسباب تلك الآثار العجيبة، التي يشاهدونها في الأنفس والآفاق؛ أي: ذلك الصنيع البديع حاصل بسبب أنه تعالى، هو الحق وحده، في ذاته وصفاته وأفعاله، المحقق والموجد لما سواه من الأشياء، فهذه الآثار الخاصة،

стр. 8056

من فروع القدرة العامة، التامة ومسبباتها، ومن جملة فروعها ومتعلقاتها إحياء الموتى، وتخصيصه بالذكر، مع كونه من جملة الأشياء المقدور عليها، تصريحٌ بمحل النزاع، وتقديمه للاعتناء به، اهـ. بتصرف. ٨ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ﴾ هو أبو جهل أو النضر بن الحارث ﴿يُجَادِلُ﴾ ويخاصم وينازع ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في شأنه ودينه وكتابه ونبيّه، حالة كون ذلك المجادل ملابسًا ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ضروري أو بديهي فطري، وهذا تكرير (١) لما تقدم للتأكيد، ولما نيط به من الدلالة بقوله: ﴿وَلَا هُدًى﴾؛ أي: ولا استدلال ونظر صحيح هاد إلى المعرفة ﴿وَلَا كِتَابٍ﴾ من الله ﴿مُنِيرٍ﴾؛ أي: له نور، ولا وحي مظهر للحق. والمعنى: ومن الناس (٢) من يخاصم في توحيد الله، والإقرار بالألوهية بغير علم منه بما يخاصم به، ولا برهان معه على ما يقول، ولا وحي من الله أتاه ينير حجته، بل يقول ما يقول من الجهل، ظنًا منه وتخرصاً. وخلاصة ذلك: أنه يجادل بلا عقل صحيح، ولا نقل صويح، بل يجادل اتباعًا للرّأى والهوى. وقيل: الآية عامة (٣) لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم، وعلى كل حال، فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ، وإن كان السبب خاصّاً، ومعنى اللفظ: ﴿ومن الناس﴾ فريق يجادل في الله، فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله، أو صفاته أو شرائعه الواضحة، حالة كونه بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير. والمراد بالعلم هو العلم الضروري، وبالهدى هو العلم النظري الاستدلالي، والأولى حمل العلم على العموم، وحمل الهدى على معناه اللغويِّ، وهو الإرشاد. والمراد بالكتاب المنير هو القرآن. والمنير: النيّر البيّن الحجة الواضح. وهو وإن دخل تحت قوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر بعد الملائكة، وذلك لكونه الفرد الكامل، الفائق على غيره من أفراد العلم.

стр. 8057

قيل: والمراد بهذا المجادل في هذه الآية، هو المجادل في الآية الأولى، أعني قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وبذلك قال كثير من المفسرين: والتكرير للمبالغة في الذم، كما تقول للرجل تذمه وتوبخه: أنت فعلت هذا، أنت فعلت هذا. ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصَفَه في كُلِّ آية، بزيادة على ما صوفه في الآية الأخرى، فكأنه قال: ومن الناس من يجادل في الله، ويتبع كل شيطان مريد بغير علم ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ ليضل عن سبيل الله. وفي "الفتوحات" وليست هذه الآية مكررة مع السابقة؛ لأن الأولى واردة في المقلدين بكسر اللام لتقلدهم واتباعهم للشيطان، وهذه واردة في المقلدين بفتح اللام لقوله: ﴿ليضل ...﴾ إلخ قال في الكشاف: وهو أوفق وأظهر بالمقام. اهـ شيخنا. وأصله في "الرازي". ٩ - وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ حال ثانية: من فاعل يجادل؛ أي: حالة كونه معرضًا بجانبه عن الحق متكبرا عنه، من ثنى العود إذا حناه. وعطفه لأنه ضم أحد طرفيه إلى الآخر. وعطف الإنسان بكسر العين، جانبه من رأسه إلى وركه أو قدمه. وفي "الجلالين": لاَوَى عنقه تكبراً. وفي "الإرشاد": عاطفاً بجانبه، وطاوياً كشحه معرضا متكبرًا: تقول العرب: جاءني فلان ثاني عطفه، إذا جاء متبختراً متكبرًا. فالمراد (١): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ﴾ وهو لاوٍ عنقه معرض عما يدعى إليه من الحق، متكبر عن قبوله. وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يُجَادِلُ﴾، فإنه غرضه الإضلال عنه، وإن لم يعترف بأنه إضلال؛ أي: ليخرج المؤمنين عن الهدى إلى الضلال، أو ليثبت الكفرة عليه. وقرأ الحسن (٢): ﴿ثاني عطفه﴾ بفتح العين؛ أي: تعطفه وترحّمه. وقرأ مجاهد وأهل مكة وأبو عمرو في رواية: ﴿ليَضل﴾ بفتح الياء؛ أي: ليضل في نفسه. والجمهور بضمها؛ أي: ليُضل غيره، وهو يترتب على إضلاله كثرة

стр. 8058

العذاب، إذ عليه وِزْر مَنْ عمل به؛ أي: ليصد المؤمنين بالله عن دينهم، الذي هداهم الله إليه، ويستنزلهم عنه. وبعد أن ذكر فعله وثمرته، ذكر ما أعد له عليه في الدنيا والآخرة فقال: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ جملة مستأنفة (١) مبنية لما يحصل له بسبب جداله من العذاب المعّجل وسوء الذكر على ألسن الناس؛ وقيل: الخزي الدنيوي هو القتل، كما وقع في يوم بدر، والأسر والهزيمة، وقد أسر النضر؛ أي: لذلك المجادل في الدنيا إهانة، وذلك كفاء استكباره عن آيات الله، كما حدث من القتل والأسر بأيدي المؤمنين يوم بدر. ﴿وَنُذِيقُهُ﴾؛ أي: ونذيق ذلك المجادل ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: في الآخرة ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: العذاب المحرق، وهو النار، والحريق قيل طبقة من طباق جهنم، وقد يكون من إضافة الموصوف إلى صفته؛ أي: العذاب الحريق؛ أي: المحرق، كالسميع بمعنى المسمع. وقرأ زيد بن علي ﴿فَأُذِيقُهُ﴾ بهمزة المتكلم؛ أي: وسيصلى في الآخرة عذاب النار، ويحرق بلهبها، ١٠ - ثم بين سبحانه، سبب هذا الخزي المعجل والعذاب المؤجل فقال ﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الدنيوي والأخروي ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾؛ أي: بسبب ما عملته من الكفر والمعاصي؛ أي: يقال له يوم القيامة: ذلك الخزي في الدنيا، وعذاب الآخرة كائن بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي: وإسناده (٢) إلى يديه لما أن الاكتساب عادة بالأيدي. ويجوز أن يكون الكلام من باب الالتفات، لتأكيد الوعيد وتشديد التهديد، فكأنه قال: ذلك بما قدمت يداه. ومحل (أن) ومعموليها في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: والأمر والشأن أن الله ليس بمعذب لعبيده بغير ذنب من قبلهم. وقيل: علة لمحذوف تقديره وقد فعلنا (٣) ذلك لأن الله لا يظلم عباده، فيعاقب بعض عبيده على جرم، ويعفو عن مثله عن آخر غيره،

стр. 8059

وقصارى ذلك أنهم استحقوا هذا العذاب لما اجترحوه من الآثام والذنوب، والله لا يظلم أحدًا بغير جرم قد فعله، ومآل ذلك توبيخهم وتبكيتهم، بأنهم هم سبب هذا العذاب. فإن قلت: الظاهر أن يقال: ليس (١) بظالم للعبيد، ليفيد نفي أصل الظلم، ونفي كونه مبالغًا مفرطًا في الظلم لا يفيد نفي أصله. قلت: المراد نفي أصل الظلم. وذكر لفظ المبالغة مبني على كثرة العبيد، فالظالم لهم، يكون كثير الظلم، لإصابة كل منهم ظلمًا؛ لأن العبيد دال على الاستغراق، فيكون ليس بظالم لهذا ولا ذلك إلى ما لا يحصى. وأيضًا أن من عدله تعالى، أن يعذب المسيء من العبيد، ويحسن إلى المحسن، ولا يزيد في العقاب، ولا ينقص من الأجر، لكن بناء على وعده المحتوم، فلو عذب من لا يستحق العذاب، لكان قليلُ الظلم منه، كثيرًا لاستغنائه عن فعله، وتنزيهه عن قبحه. وهذا كما يقال: زَلَّةُ العالم كبيرةٌ. وعن أبي ذر الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ ، فيما يرويه عن ربه ، أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" الحديث. أخرجه مسلم، ويقال من كثر ظلمه، واعتداؤه قرب هلاكه وفناؤه، وشر الناس من ينصر الظلوم ويخذل المظلوم. وفي الآية إشارة؛ إلى أن العبيد ظلّامون لأنفسهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بأن يضعوا العبادة، والطلب والاستغاثة في غير موضعها. فصل في مبحث الجدال واعلم: أن جدال المنافق، والمرائي وأهل الأهواء والبدع والخرافات مذموم. وأما من يجادل في معرفة الله، ودفع الشبه، وبيان الطريق إلى الله تعالى، بالعلم، وهدي نبيّه ﷺ ، وشاهد نصّ كتابٍ منيرٍ، يظهر بنوره الحق من الباطل .. فجداله

стр. 8060

محمود. قال بعضهم: البحث والتفتيش عما جاءت به السنة، بعدما وضح سنده، وصحّ، يجر الباحث إلى التّعمّق والتوغل في الدين، فإنه مفتاح الضلال لكثير من الأمة، يعني الذين لم يرزقوا بأذهان وقَّادة وقرائح نقادة، وما هلكت الأمم الماضية إلا بطول الجدال، وكثرة القيل والقال، فالواجب أن يعض بأضراسه على ما ثبت من السنة. ويعمل بها، ويدعو إليها، ويحكم بها، ولا يصغي إلى كلام أهل البدعة، ولا يميل إليهم ولا إلى سماع كلامهم، فإنَّ كل ذلك منهي عنه شرعًا. وقد ورد فيه وعيد شديد، وقالوا: الطبع جذاب، والمقارنة مؤثرة، والأمراض سارية. وقال المولى الجامي - رحمه الله تعالى -: كلام أهل البدعة والأهواء، والخرافات كخوار العجل، فكما أن السامري ضل بذلك الخوار، وأضل كثيرًا من بني إسرائيل، فكذا كل من كان في حكمه، فإنه يغتر بأوهامه وخيالاته، ظنًّا أنها علوم صحيحة، فيدعو أهل الأوهام إليها فيضلهم، بخلاف من له علم صحيح وكشف صريح، فإنه لا يلتفت إلى كلمات الجهال، ولا يميل إلى خوازق العادات، التي تظهر على أيدي أهل البدع والخرافات، استدراجًا لهم التي يسمونها كرامة لهم، ألا ترى من ثبت على دين موسى ﵇، لم يصخ إلى الخوار، وعرف أنه ابتلاء من الله، تعالى للعباد، فويل للمجادل المبطل، وويل للسامع إلى كلامه، وقد ذمَّ هذا المجادل بالكبر، وهو من الصفات العائقة عن قبول الحق، ولا شيء فوقه من المذمة. وعن أرسطو (١): من تكبر على الناس أحب الناس ذلته، وعنه بإصابة المنطق يعظم القدر، وبالتواضع تكثر المحبة، وبالحلم تكثر الأنصار، وبالرفق يستخدم القلوب، وبالوفاء يدوم الإخاء، وبالصدق يتم الفضل. نسأل الله سبحانه، التخلي عن الصفات القبيحة الرذيلة، والتحلي بالملكات الحسنة الجميلة. ١١ - ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ﴾؛ أي: وبعض الناس يعبد الله، ،

стр. 8061

حالة كونه ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ وطرف من الدين، لا في وسطه وقلبه، وشك وضعف يقين، فلا ثبات له فيه، كالذي ينحرف على طرف الجيش، فإن أحس بظفر قرّ، وإلّا فرَّ. فالحرف الطرف والناحية. وصف الدين بما هو من صفات الأجسام، على سبيل الاستعارة التمثيلية، كما سيأتي. قال أكثر المفسرين (١): الحرف الشك وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه، مثل حرف الجبل والحائط، فإن القائم عليه غير مستقر، والذي يعبد الله على حرف، قلق في دينه، على غير ثبات وطمأنينة، كالذي هو على حرف الجبل، ونحوه يضطرب اضطرابًا ويضعف قيامه. فقيل للشاك في دينه: إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه على غير يقين من وعده ووعيده، بخلاف المؤمن؛ لأنه يعبده على يقين وبصيرة. فلم يكن على حرف. وقيل: الحرف الشرط؛ أي: من الناس من يعبد الله على شرط، والشرط هو قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ﴾ وناله ﴿خَيْرٌ﴾؛ أي: دنيوي من الصحة والخصب والسعة ﴿اطْمَأَنَّ﴾ وثبت ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك الخير في الدين، ولا يتزلزل عنه، ويرضى به. ومعنى اطمأن به ثبت على دينه، واستمر على عبادته أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه؛ أي (٢): ثبت على ما كان عليه ظاهرًا لا باطناً، إذ ليس له اطمئنان المؤمنين الراسخين، والاطمئنان: السكون بعد الانزعاج. ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾؛ أي: شيء يفتتن به، من مكروه يصيبه في نفسه أو أهله أو ماله، فالمراد بالفتنة: ما يستكرهه الطبع، ويثقل على النفس، كالجدري والمرض وسائر المحن، وإلا لما صح أن يجعل مقابلاً للخير؛ لأنه؛ أي: الخير أيضًا فتنة وامتحان، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ ولذلك قال بعضهم: وإنما لم يقل: وإن أصابه شرّ، مع أنه المقابل للخير؛ لأن ما ينفر عنه الطبع ليس شرًّا في نفسه، بل هو سبب القربة، ورفع الدرجة، بشرط التسليم والرضا بالقضاء ﴿انْقَلَبَ﴾ وانكبّ ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾؛ أي: ارتدّ ورجع إلى جهته وحالته وطريقته التي كان عليها أولًا، من الكفر. والانقلاب الانصراف والرجوع. والوجه بمعنى الجهة والطريقة، وقال في "بحر العلوم": انقلب على وجهه؛ أي: تحوّل عن

стр. 8062

الجهة التي أقبل إليها وهي الإسلام، فأنكب ورجع إلى ما كان عليه أوّلًا من الكفر، فـ ﴿على﴾ على هذا بمعنى عن؛ أي: والمعنى فإن أصابه (١) رخاء وسعة في العيش، سكن واستبشر بهذا الخير والدين، فعبد الله، وإن أصابه شرّ وبلاء في جسمه، أو ضيق في معيشته .. ارتدّ ورجع إلى الكفر. والثبات في الدين إنما يكون إذا كان الغرض منه إصابة الحق، وطاعة الرب، والخوف من عقابه، أما إذا كان المقصد منه الخير المعجّل، فإنه يظهر في السراء، ويختفى لدى الضراء، وهذا هو النفاق بعينه، كما يرشد إلى ذلك. قوله: في المنافقين ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾. وخلاصة ذلك: أن من الناس من ليس له ثبات في أمر دينه، بل هو مرجحٌ مضطربٌ، مذبذبٌ، يعبد الله على وجه التجربة، انتظاراً للنعمة، فإن أصابه خير بقي مؤمنًا، وإن أصابه شر من سقم أو ضياع مال، أو فقد ولد .. ترك دينه وارتد كافرًا. ثم بيَّن سبحانه، حاله بعد انقلابه علي وجهه، وسوء عاقبة عمله، فقال: ﴿خَسِرَ﴾ وحرم ذلك المنقلب ﴿الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ أي: خيري الدنيا والآخرة؛ أي: ضيعهما وفقدهما، فلا حظَّ له في الدنيا، من الغنيمة والثناء الحسن، ولا في الآخرة من الأجر، وما أعده الله للصالحين من عباده؛ أي (٢): ضيعهما بذهاب عصمته وحبوط عمله بالإرتداد والأظهر أن خسران الدنيا ذهاب أهله، حيث أصابته فتنة، وخسران الآخرة الحرمان من الثواب، حيث ذهب الدين ودخل النار مع الداخلين. وقال بعضهم: "الخسران في الدنيا ترك الطاعات ولزوم المخالفات، والخسران في الآخرة كثرة الخصوم والتبعات". وقرأ مجاهد وحميد والأعرج وابن محيصن من طريق الزعفراني وقعنب والجحدري وبن مقسم ﴿خاسر الدنيا والآخرة﴾ اسم فاعل نصبًا على الحال.

стр. 8063

وقرىء ﴿خاسر الدنيا﴾ اسم فاعل مرفوعًا على تقدير هو خاسر الدنيا. وقرأ الجمهور: ﴿خَسِرَ﴾ فعلًا ماضيًا، وهو استئناف إخبار. ويجوز أن يكون في موضع الحال، ولا يحتاج إلى إضمار قد؛ لأنه كثر وقوع الماضي حالًا، في لسان العرب بغير قد، فساغ القياس عليه. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى خسران الدنيا والآخرة، وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله لمن تدبر فيه وتفكَّر، ١٢ - ثم أكد عظم ذلك الخسران بقوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ استئناف مبين لعظم الخسران، فيكون الضمير راجعًا إلى المرتد المشرك المنقلب على وجهه؛ أي: هذا المرتد الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر يدعو من دون الله؛ أي: يعبد متجاوزًا عبادة الله إلى عبادة الأصنام. ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾؛ أي: معبودًا لا يضره إن ترك عبادته. ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إن عبده لكون ذلك المعبود جمادًا، لا يقدر على ضرّ ولا نفع؛ أي: يعبد جمادًا ليس من شأنه الضرّ والنفع، كما يلوح به تكرير كلمة ما. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الدعاء المفهوم من الفعل وهو يدعو، وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾؛ أي: ذلك الدعاء هو الضلال البعيد عن الحق والهدى، والخطأ البعيد عن الصواب والرشاد، مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضالًا عن الطريق، فطالت وبعدت مسافة ضلاله، فإن القرب والبعد من عوارض المسافة الحسية. والمعنى (١): أي ذلك الارتداد وعبادة تلك الآلهة دون الله، هو السير على غير استقامة، والذهاب على غير هدى، فما مثله إلا مثل من أبعد في التيه ضالًا وبعدت مسافته في ضلاله، فلم يهتد إلى الصراط المستقيم السوي، ولم ينل ما يبتغي، وبلغت به الحيرة كل مبلغ. ١٣ - ثم زاد ما سلف توكيدًا وبين مآل دعائه، وعبادته غير الله تعالى، فقال: ﴿يَدْعُو﴾ وينادي ذلك الكافر، المنقلب يوم القيامة برفع صوت ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ

стр. 8064

مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿الْمَوْلَى﴾ والناصر لي ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾؛ أي: الصاحب والعشير والمخالط لي، والدعاء (١) بمعنى القول. واللام داخلة على الجملة الواقعة مقولًا له. و ﴿مَنْ﴾ مبتدأ. خبره جملة القسم الآتية. ﴿ضَرُّهُ﴾ مبتدأ ﴿أقرب﴾ خبره، والجملة صلة من الموصولة. وقوله ﴿لَبِئْسَ﴾ إلخ جواب لقسم محذوف، وهو وجوابه خبر لـ ﴿من﴾ الموصولة. والمعنى: يقول ذلك الكافر يوم القيامة بنداء بناء ورفع صوت وصراخ، حين يرى تضرره بمعبوده، ودخوله النار بسببه، ولا يرى منه أثر النفع أصلًا لمن ضره أقرب من نفعه: والله، لبئس الناصر ولبئس الصاحب والمعاشر؛ أي: يقول في ذمه وبيان قبحه لمعبودي، الذي تضرري بعبادته أقرب من انتفاعي بها، أقسم في ذمه وبيان قبحه بقولي: والله، لبئس المولى والناصر هو؛ أي؛ معبودي، ولبئس العشير والصاحب هو؛ أي: معبودي. وخلاصة ذلك: أيُّ عشير هذا، وأيُّ ناصر ذاك، الذي لا ينفع ولا ينصر من يعاشره، والله لبئس العشير، ولبس النصير. فالآية استئناف، مسوق لبيان مآل دعائه المذكور، وتقرير كونه ضلالًا بعيدًا، وإيراد صيغة التفضيل، مع خلوه عن النفع، بالكلية، للمبالغة في تقبيح حاله، والإمعان في ذمه. والظاهر أن اللام زائدة. و ﴿من﴾ مفعول ﴿يدعو﴾، و ﴿ضره﴾ مبتدأ و ﴿أقرب﴾ خبره، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، ويؤيده القراءة بغير اللام؛ أي: يعبد من ضره بكونه معبوداً؛ لأنه يوجب القتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة - أقرب من نفعه، الذي يتوقع بعبادته في زعمهم، وهو الشفاعة والتوسل إلى الله. فإيراد كلمة (من) وصيغة التفضيل تهكم به، والجملة القسمية حينئذٍ مستأنفة، ويؤيِّد هذا الوجه قراءة عبد الله ﴿يدعو من ضره﴾ بإسقاط اللام. وقيل: إن يدعو بمعنى: يسمي، ومفعوله الثاني محذوف، واللام زائدة، تقديره: أي: يدعو ويسمي من ضره أقرب من نفعه إلهًا، وجملة القسم حيئنذٍ مستأنفة. فإن قلت: نفى (٢) سبحانه الضر والنفع عن الأصنام،

стр. 8065

في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ وأثبتهما لها في قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فحصل التعارض والتناقض بين الآيتين. قلت: أجيب عنه بأنها، لا تضر ولا تنفع بأنفسها، فنفاهما عنها، ولكن يحصل الضرر بسبب عبادتها، فنسب الضرر إليها، كما في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾، حيث أضاف الإضلال إليها، من حيث إنها كانت سبب الضلال اهـ، شيخنا. وفي "البيضاوي": لا يضر بنفسه ولا ينفع، اهـ. وأشار بذكر نفسه إلى الجمع، بين نفي الضرر والنفع بمعبودهم هنا، وإثباتهما له، في قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾. وحاصله: أنه لا ضرر له ولا نفع له بنفسه، وله ذلك بسبب معبوديته، كما أشار له بقوله: "بكونه معبودًا"، أما الضرر فظاهر، وأما النفع فبزعمهم اهـ. زكريا. وقال الشهاب: دفع التنافي، بأن النفي باعتبار ما في نفس الأمر، والإثبات باعتبار زعمهم الباطل اهـ. وقال أبو حيان: نفى الله سبحانه النفع والضر، في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ وأثبتهما في قوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، لاختلاف المتعلق. وذلك أن قوله: ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ هو الأصنام والأوثان، ولذلك أتى التعبير عنها، بـ ﴿ما﴾ التي لا تكون لآحاد من يعقل، وقوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ هو من عبد باقتضاء، وطلب من عابديه من المدعين الإلهية، كفرعون وغيره، من ملوك بني عبيد، الذين كانوا بالمغرب، ثم ملكوا مصر، فإنهم كانوا يدعون الإلهية، ويطاف بقصرهم في مصر، وينادون بما ينادي به رب العالمين، من التسبيح والتقديس، فهؤلاء وإن كان منهم نفع ما، لعابديهم في دار الدنيا، فضررهم أعظم وأقرب من نفعهم، إذ هم في الدنيا مملوكون للكفار، وعابدون لغير الله، وفي الآخرة معذبون العذاب الدائم، ولهذا كان التعبير هنا. بـ ﴿مَن﴾ التي هي لمن يعقل، وعلى هذا، فتكون الجملتان من إخبار الله تعالى، عمن يدعو إلهًا غير الله تعالى اهـ. ١٤ - ولمَّا فرغ من ذكر حال المشركين، ومن يعبد الله على حرف، ذكر حال

стр. 8066

المؤمنين في الآخرة، وأنه يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَمِلُوا﴾ الأعمال ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ بامتثال المأمورت، واجتناب المنهيات ﴿جَنَّاتٍ﴾ أي: بساتين ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؛ أي: من تحت أشجارها وقصورها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة الجارية فيها. وهذا (١) بيانٌ لكمال حسن حال المؤمنين العابدين له تعالى، إثر بيان سوء حال الكفرة. والجنة الأرض المشتملة على الأشجار المتكاثفة، الساترة لما تحتها. والنهر مجرى الماء الفائض، فإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد الحكمي، كقولهم: سال الميزاب، إذ الجريان من أوصاف الماء، لا من أوصاف النهر. ووصف الجنات به، دلالة على أنها من جنس ما هو أبهى الأماكن، التي يعرفونها لتميل إليها طباعهم. واعلم أنه وإن أريد بالجنات الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض، فلا بد من تقدير مضاف؛ أي: من تحت أشجارها. والمعنى أن الله سبحانه، يتفضل على المؤمنين، الذين عملوا صالح الأعمال، ويكافئهم لقاء إحسانهم بدخول الجنات، التي تجري من تحت أشجارها الأنهار، جزاءً وفاقًا على ما قاموا به من جليل الأعمال، وما زكوا به أنفسهم من جميل الخصال. ولمَّا بين سبحانه، حال الفريقين، ذكر أنه قادر على أن يفعل بهما ما يشاء، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من إكرام من يطيعه، وإهانة من يعصيه، لا راد لحكمه، ولا مانع لقضائه، فهو يعطي المتقين ضروبًا من الفضل والإحسان، زيادة على أجورهم، كما قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ويدخل الكافرين نارًا وقودها الناس والحجارة، لما دَسُّوا به أنفسهم من أنواع الرجس والفسوق، وهذه الجملة تعليل لما قبلها؛ أي: يفعل ما يريده من الأفعال، لا يسأل عما يفعل، فيثيب من يشاء، ويعذب من يشاء. ١٥ - ﴿مَن﴾ شرطية ﴿كَانَ يَظُنُّ﴾ ويحسب ويتوهم من أعدائه وحاسديه، ﷺ ﴿أَنْ

стр. 8067

لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾؛ أي: أنَّ الله سبحانه، لا ينصر محمدًا ﷺ ، ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ بإعلاء كلمته، وإظهار دينه، وقهر أعدائه ﴿و﴾ في ﴿الآخرة﴾ بإعلاء درجته، والانتقام من مكذِّبيه، وأراد أن يقطع عنه النصر، الذي أوتيه من ربه ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ويبسط ﴿بِسَبَبٍ﴾ وحبل واصل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ يصل به إلى ما فوقها؛ أي؛ فليطلب حيلةً، يصل بها إلى السماء ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ النصر الذي يأتيه من ربه، إن أمكن له ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ وليفكر بعد احتياله، وكيده في قطع نصره، أنه إن فعل ذلك ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾؛ واحتياله في ذلك ﴿مَا يَغِيظُ﴾ ويكره ذلك الحاسد من نصره ﷺ . قال النحاس: هذا من أحسن ما قيل في تفسيره هذه الآية، أو الضمير في ﴿يَغِيظُ﴾ يعود على ﴿مَا﴾، أي: ما يغضبه. وقيل المعنى: من كان يظن، ويحسب أن لن ينصر الله، محمدًا ﷺ ، حتى يظهره على الدين كله، فليمدد بسبب إلى جهة السماء والعلو؛ أي: فليشدد حبلًا في سقف بيته، ثم ليربط طرفه الأسفل في عنقه ثم ليقطع؛ أي: ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً به. ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾؛ أي: صنيعه وحيلته ﴿مَا يَغِيظُ﴾؛ أي: غيظه. و ﴿مَا﴾ مصدرية. والمعنى فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله ناصره، ومظهره، ولا ينفعه غيظه. وقيل: إن الضمير في ينصره، يعود إلى ﴿مَن﴾ والمعنى من كان يظن، أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، وبه قال أبو عبيدة. وقيل: إن الضمير إلى الدين؛ أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه إلخ. والمعنى: أي (١) من كان يحسب، أن الله لن ينصر محمدًا، ﷺ ، في الدنيا والآخرة .. فليمدد بحبل إلى سماء بيته، ثم ليختنق به، ثم ليصور في نفسه النظر، هل يذهبن ذلك الكيد الذي كاده، والفعل الذي فعله ما يغيظه من النصرة؟ كلَّا يعني أنه لا يقدر على دفع النصرة، وإن مات غيظًا. وخلاصة المعنى: من كان يظن أن الله ليس بناصر محمدًا ولا كتابه ولا دينه، فليذهب وليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه، فإن الله ناصره لا محالة، كما

стр. 8068

قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وسيعلي كلمته في الدنيا، ويظهر دينه، ويرفع في الآخرة درجته، ويدخل من صدقه، جنات تجري من تحتها الأنهار، وينتقم ممن كذّبه، ويذيقه عذاب الحريق، فمن كان من أعاديه، يغيظه ذلك، فليبالغ في كيده إلى أقصى مجهوده، فقصارى أمره خيبة مسعاه، ودوام غيظه، دون أن يصل إلى غاية، أو يبلغ أمنيته. وتلخيص هذا (١): أيها الكاره لمحمد ﷺ ، الذي أرسل لانقاذك، إنَّ نعم الله على عباده كثيرة، ولا سيما بعثة الأنبياء، فإذا كرهت ما أنعم الله به عليك، ببعثة محمد ﷺ ... فكأنك تختنق؛ لأنك تكره النعم لنفسك، فتستبيح خنقها من حيث لا تشعر. وقرأ أبو عمرو وابن عامر (٢): ﴿ليقطع﴾ ﴿ثم ليقضوا﴾ بكسر اللام، زاد ابن عامر ﴿وليوفوا﴾ ﴿وَلِيَطَّوَّفُوْا﴾ بكسر اللام أيضًا. وكسر ابن كثير لام ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ فحسب. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بسكون هذه اللامات، وكذلك في كل القرآن، إذا كان قبلها واو، أو فاء، أو ثم. قال الفرّاء: من سكن فقد خفّف. وكل لام أمر وصلت بواو أو فاء فأكثر، كلام العرب تسكينها، وقد كسرها بعضهم. قال أبو علي: الأصل الكسر، لأنك إذا ابتدأت قلت: ليقم زيد. ١٦ - ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: ومثل إنزالنا ما تقدم من الآيات، من أول السورة إلى هنا ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: أنزلنا القرآن كله؛ أي: ومثل ذلك الإنزال البديع، المنطوي على الحكم البالغة، أنزلناه؛ أي: أنزلنا القرآن الكريم كله حال كونه ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على معانيها اللطيفة، والأسرار العجيبة. والمعنى: أي وكما بينت لكم حججي، على من جحد قدرتي على إحياء من مات من الخلق بعد فنائه، وأوضحتها غاية الإيضاح، أنزلنا القرآن كله آيات واضحات الدلالة على معانيها.

стр. 8069

ومحل جملة قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ ويضل من يريد الرفع (١) على أنه خبر؛ أي: والأمر أن الله ، يهدي بالقرآن ابتداء، أو يثبت به على الهدى، أو يزيد فيه بسببه من يريد هدايته، أو تثبيته، أو زيادته. أو الجملة علة لمحذوف معطوف على ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾؛ أي: وكذلك أنزله ليوفق به سبيل الحق من أراد هدايته، وإرشاده إلى سبل السلام. أو الجملة معطوفة على هاء ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والمعنى: وأنزلنا أن الله يهدي من يريد؛ أي: أنزلنا هداية الله لمن يريد هدايته. فـ ﴿أَن﴾ وصلتها في محل نصب. وفي الحديث: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين"؛ أي: يرفع بالقرآن درجة أقوام، وهم من آمن به وعمل بمقتضاه، ويحط به أقوامًا آخرين، وهم من أعرض عنه، ولم يحفظ وصاياه، وكان نظر الصحابة ﵃ وشغلهم في الأحوال والأعمال، ولذا كانوا يتعلمون عشر آيات، لا يجاوزونها إلى غيرها، حتى يعملوا بما فيها. قال في "الإحياء": مات النبي ﷺ ، عن عشرين ألفا من الصحابة، ولم يحفظ القرآن منهم إلا ستة، اختلف منهم في اثنين، فكان أكثرهم يحفظ السورة أو السورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم، فالاشتغال بالقرآن والعمل بمقتضاه من علامات الهداية، ولا بد من الاجتهاد آناء الليل وأطراف النهار، إلى أن يحصل المقصود، فإن من أراد أن يصل إلى ماء الحياة، يقطع الظلمات بلا فتور وجمود، والملال من العلم، واستماعه سبب الانقطاع عن طريق التحقيق، وأثر الحرمان من العناية والتوفيق انتهى. تنبيه: ثم اعلم (٢) أن كون القرآن مشتملًا على متشابهات وغوامض، لا ينافي كون آياته بينات؛ لأنه ليس فيه ما لا يعلم معناه، لكن العلماء يتفاوتون في طبقات المعرفة، هدانا الله وإياكم، إلى ما هدى الله العلماء الراسخين إليه، وشرّفنا في كل غامض بالإطلاع عليه آمين. ١٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وبكل ما يجب أن يؤمن به، أو بما ذكر من

стр. 8070

الآيات البينات ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾؛ أي: دخلوا في اليهودية، وهم المنتسبون إلى ملة موسى، ﵇. قال الراغب: الهود: الرجوع برفق، وصار في التعارف التوبة، قال تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾؛ أي: تبنا إليك، قال بعضهم: اليهود في الأصل: هو من قولهم: "هدنا إليك"، وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شرعتهم لازمًا لهم، وإن لم يكن فيه معنى المدح، كما أن النصارى في الأصل من قوله: ﴿من أنصاري إلى الله﴾، ثم صار لازمًا لهم بعد نسخ شريعتهم. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾؛ أي: الذين صبؤوا عن الأديان كلها؛ أي: خرجوا واختاروا عبادة الملائكة والكواكب. من صبأ الرجل عن دينه، إذا خرج عنه إلى دين آخر. قال الراغب: الصابؤون: قوم كانوا على دين نوح. وقيل: لكل خارج من الدين إلى دين آخر صابىء، من قولهم: صبأ، ناب البعير إذا طلع. وقيل: وهم من جنس النصارى وليس بصحيح، بل هم فرقة معروفة، لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء، والصحيح المقرر في الفروع الصابؤون: فرقة من النصارى اهـ، شيخنا. والنصارى: هم المنتسبون إلى ملة عيسى، ﵇. وقدم النصارى على الصابئين في سورة البقرة (١)، وأخرهم عنهم هنا، قيل: وجه تقديم النصارى هناك أنهم أهل كتاب دون الصابئين، فلهم شرف عليهم، ووجه تقديم الصابئين هنا أن زمنهم متقدم على زمن النصارى. ﴿وَالْمَجُوسَ﴾ هم قوم يعبدون النار، ويقولون إن للعالم أصلين، النور، والظلمة. وقيل: هم قوم يعبدون الشمس والقمر. وقيل: قوم يستعملون النجاسات. وقيل: هم قوم من النصارى، اعتزلوهم ولبسوا المسوح. وقيل: إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض دين النصارى، وليسوا (٢) من أهل الكتاب، ولذا لا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل دبائحهم، وإنما أخذت الجزية منهم؛ لأنهم من العجم، لا لأنهم من أهل الكتاب. ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ بالله سبحانه، وعبدوا الأوثان والأصنام وغيرها. وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَفْصِلُ﴾ ويقضي ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي:

стр. 8071

بين هؤلاء الستة ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فيدخل المؤمنين الجنة، والكافرين النار. والظاهر تعميم الكلام لعبدة الأوثان، ولعباد الشمس والقمر والنجوم اهـ. كرخي في محل الرفع، خبر لـ ﴿إن﴾ الأولى. وفي "السمين" (١): هذه الآية فيها وجهان: أحدهما: أن ﴿إن﴾ الثانية واسمها وخبرها في محل رفع خبر لـ ﴿أن﴾ الأولى. قال الزمخشري: أدخلت ﴿إن﴾ على كل واحد من جزأي الجملة، لزيادة التأكيد وحسن دخول ﴿إن﴾ في الخبر، طول الفصل بينهما بالمعاطيف. والثاني: أن ﴿إن﴾ الثانية تكرير للأولى على سبيل التوكيد. أي: يقضي بين (٢) المؤمنين وبين الفرق الخمسة، المتفقة في الكفر، بإظهار المحق من المبطل، بإثابة الأول وعقاب الثاني، بحسب الاستحقاق. يعني أن الله تعالى، يعامل كل صنف منهم يوم القيامة، على حسب استحقاقه، إما بالنعيم وإما بالجحيم. وعلم من الآية، أن الأديان ستة، واحد للرحمن، وهو دين المؤمنين الذي هو الإسلام، كما قال تعال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وخمسة للشيطان، وهي ما عدا الإسلام؛ لأنها مما دعا إليها الشيطان، وزينها في أعين الكفرة. وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ (٣) تعليل لما قبلها؛ أي: أنه على كل شيء من أفعال خلقه، وأقوالهم شهيد، لا يعزب عنه شيء منها. والمعنى؛ أي (٤): أن الله سبحانه، يقضي بين هذه الفرق، ويجازي كلاً بما يفعل، ويضعه في الموضع اللائق به، إذ ليس شيء من أحوالهم بغائب عنه، بل هو عليم بأقوالهم، مراقب لأفعالهم. وخلاصة ذلك: أنه تعالى يحكم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة، ويلقي من كفر به في جهنم، وبئس القرار. وهو الشهيد على أعمالهم، الحفيظ لأفعالهم، العليم بسرائرهم، وما تكنّه ضمائرهم.

стр. 8072

١٨ - والرؤية في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ هي العلمية لا البصرية؛ لأن رؤية سجود هذه الأمور لله، إنما جاءنا من طريق العقل؛ لأنا لا نراه بأبصارنا اهـ. شيخنا. والخطاب لكل من يصلح له، وهو من تتأتي الرؤية منه. والمراد بالسجود هنا: المعنى اللغوي، وهو الإنقياد الكامل والتذلل البالغ، لا السجود الشرعي، الذي هو وضع الجبهة، الخاص بالعقلاء، سواء جعلت كلمة (من) خاصة بالعقلاء، أو عامة لهم ولغيرهم. وإنما حملنا السجود على المعنى اللغوي، الذي هو التسخير والتذلل؛ لأنه ليس في كفرة الإنس ومردة الجن والشياطين، وسائر الحيوانات والجمادت، سجود طاعة وعبادة، الذي هو وضع الجبهة على الأرض، خصوصًا لله تعالى، ولهذا عطف ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ على ﴿مَن﴾ فإن ذلك يفيد أن السجود هو الأنقياد الكامل، لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنما أفرد هذه الأمور بالذكر، مع كونها داخلة تحت ﴿مَن﴾ على تقدير جعلها عامة، لكون قيام السجود بها في العادة، وجملة ما ذكره هنا ثمانية. والمعنى: ألم تعلم أيها المخاطب، أن الله ، ينقاد لتدبيره ومشيئته، من في السموات، من الملائكة، ومن في الأرض من الجن والإنس، مطيعًا كان أو عاصيًا، والشمس والقمر والنجوم بالسير والطلوع والغروب، لمنافع العباد، والجبال بإجراء الينابيع، وإنبات المعادن والشجر بالظل وحمل الثمار ونحوها، والدواب بعجائب التركيب ونحوها، فكل شيء ينقاد له سبحانه، على ما خلقه وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحَّه وعلى ما أسقمه، فالبر والفاجر والمؤمن والكافر في هذا سواء. وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ مرفوع بفعل محذوف، يدل عليه المذكور؛ أي: ويسجد له سبحانه كثير من الناس، سجود طاعة وعبادة. وقيل: مرفوع على الابتداء، وخبره محذوف، تقديره: وكثير من الناس يستحق الثواب، والأول أظهر، وإنما لم يرتفع (١) بالعطف على ﴿مَن﴾ لأنّ سجود هؤلاء الكثير من

стр. 8073

الناس، هو سجود الطاعة، الخاص بالعقلاء، والمراد بالسجود المتقدم، هو الانقياد، فلو ارتفع بالعطف على ﴿مَن﴾ لكان في ذلك جمع بين معنين مختلفين في لفظ واحد، وأنت خبير، بأنه لا ملجأ إلى هذا بعد حمل السجود على الانقياد، ولا شك أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس، هو انقيادهم، لا نفس السجود الخاص، فارتفاعه بالعطف لا بأس به، وإن أبى ذلك صاحب "الكشاف" ومتابعوه. قال في "التأويلات النجمية": أهل العرفان، يسجدون سجود عبادة، بالإرادة، والجماد وما لا يعقل، ومن لا يدين، يسجدون سجود خضوع للحاجة. وخلاصة معنى الآية: ألم تعلم (١) أيها المخاطب بهذا أن هذه الخلائق مسخرة لقدرة بارئها، وجبروت منشئها، منقادة لإرادته طوعًا أو كرهًا، فهي مفتقرة في وجودها، وبقائها إليه، فهو الذي أنشأها ورتبها، وأكمل وجودها على النحو الذي أراده، والحكمة التي قدّرها لها في البقاء. وأفرد الشمس وما بعدها بالذكر؛ لأنها قد عبدت من دون الله تعالى، فعبدت الشمس حِمير، والقمر كنانة، والشعرى لخم، والثريا طيءُ، والمصريون عبدوا العجل أبيس وعبدت العرَّى شجرة غطفان. وأما قوله: ﴿وَكَثِيرٌ﴾ من الناس ﴿حَقَّ﴾ وثبت ﴿عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بسبب كفره وامتناعه من السجود، وهو من لا يوحد الله تعالى، فقال الكسائي والفراء: إنه مرفوع بالابتداء وخبره ما بعده، وقيل: هو معطوف على ﴿كثير﴾ الأول، ويكون المعنى: وكثير من الناس يسجد وكثير منهم يأبى ذلك، وقيل المعنى: وكثير من الناس في الجنة، وكثير منهم حق عليهم العذاب، هكذا حكاه ابن الأنباري. ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ ؛ أي: ومن أهانه الله سبحانه، وأذله، فكتب عليه الشقاء لسوء استعداده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يسعده ومعز يعزه، فيصير

стр. 8074

سعيداً عزيزًا. وحكى الأخفش والكسائي والفرّاء أنَّ المعنى: ومن يهن الله، فما له من مكرم؛ أي: إكرام؛ لأن الأمور كلها بيده تعالى، يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء لتدسيته نفسه، واجتراحه للسيئات وارتكابه للآثام والمعاصي. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الأشياء التي من جملتها ما تقدم ذكره، من الشقاوة والسعادة والإكرام والإهانة؛ أي: أن الله سبحانه يفعل في خلقه ما يشاء، من إهانة من أراد إهانته، وإكرام من أراد إكرامه، فهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. تنبيه: هذه السجدة (١) من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند تلاوتها أو سماع تلاوتها. وقرأ جناح بن حبيش (٢): ﴿وكبير حق﴾ بالباء الموحدة، وقرىء ﴿وكثير حقا﴾؛ أي: حق عليهم العذاب حقًا. وقرىء ﴿حُق﴾ بضم الحاء ومن مفعول مقدم بـ (يهن). وقرأ الجمهور (٣): ﴿من مكرم﴾ بصيغة اسم الفاعل. وقرأ ابن أبي عبلة بفتح الراء على المصدر، أي: من إكرام. قال الإمام النيسابوري - رحمه الله تعالى - في "كشف الأسرار" (٤): جعل الله الكفار أكثر من المؤمنين، ليريهم أنه مستغن عن طاعتهم، كما قال: "خلَقْتُ الخَلْق ليربحوا عليَّ لا لأربح عليهم" وقيل: ليظهر عز المؤمنين فيما بين ذلك؛ لأن الأشياء تعرف بأضدادها، والشيء إذا قل وجوده عزَّ، ألا ترى أن المعدن، لعزته صار مظهراً للاسم العزيز. وقيل: ليرى الحبيب قدرته، بحفظه بين أعدائه الكثيرة، كما حفظ رسول الله ﷺ ، وهو واحد، وأهل الأرض أعداء كلهم، ليتبين أن النصر من عند الله تعالى، والقليل يغلب الكثير بعونه وعنايته ومن أكرمه بالغلبة، لا يهان بالخذلان ألبتة. فإن قيل: إن رحمته سبقت، وغلبت غضبه، فيقتضي الأمر، أن يكون أهل الرحمة أكثر من أهل الغضب، وأهل الغضب، تسع وتسعون من كل ألف، واحد

стр. 8075

يؤخذ للجنة، كما ورد في "الصحيح"، وورد "أهل الرحمة كشعرة بيضاء في جلد الثور الأسود". قلنا: هذه الكثرة بالنسبة إلى بني آدم، وأما أهل الرحمة بالنسبة إليهم وإلى الملائكة والحور والغلمان، فأكثر من أهل الغضب. مشكلةٌ: فإن قلت: إن قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يسجد مفهومه أن قليلًا منهم أبوا من السجود، فيناقض كثيرًا الثاني، وأن قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ مفهومه أن قليلًا منهم يسجد، فيناقض كثيرًا الأول، فبين الكثيرين تناقض. قلت: إن المراد بالكثير، الأول: كثرته في ذاته، فلا ينافي قلته بالنسبة إلى الكثير الثاني، وقد أشكلني هذا التناقض زمانًا، فبحثت عن جوابه في كتب التفاسير، فلم أجده، فظهر لي هذا الجواب بفضله، فلله الحمد، ثم رأيت ما يوافقه في تفسير "روح البيان"، ونص عبارته، يقول الفقير: الكثير الأول كثير في نفسه، قليل بالنسبة إلى الكثير الثاني، إذ أهل الجمال أقل من أهل الجلال، وهو الواحد من الألف، وعن ابن مسعود ﵁: إن الواحد على الحق، هو السواد الأعظم. وعن بعضهم: قليل إذا عدوا، كثير إذا شدوا؛ أي: أظهروا الشدة انتهت. الإعراب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء ﴿أيّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾ حرف تنبيه زائد، زيدت تعويضاً عما فات؛ أي: من الإضافة. ﴿النَّاسُ﴾ صفة لـ ﴿أي﴾، أو بدل منها، وجملة النداء مستأنفة. ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مبني على حذف النون، والجملة الفعلية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب، ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿شَيْءٌ﴾: خبره: ﴿عَظِيمٌ﴾: صفة ﴿شَيْءٌ﴾ والإضافة في ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله، فعلى الأول كأنها هي التي تزلزل الأشياء على المجاز الحكمي، وعلى الثاني على طريقة الاتساع في الظرف، وإجراءه مجرى المفعول به، كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل

стр. 8076

ما قبلها، لا محل لها من الإعراب. ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾. ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بـ ﴿تَذْهَلُ﴾ الآتي، ولم يذكر الزمخشري غيره، الثاني: أنه منصوب بـ ﴿عَظِيمٌ﴾، الثالث أنه منصوب بإضمار أذكر، وقيل غير ذلك. ﴿تَرَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به؛ لأن رأى هنا بصرية، والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة مستأنفة، ﴿عَمَّا﴾ جار ومجرور، متعلق بـ ﴿تَذْهَلُ﴾ و ﴿ما﴾ موصولة أو مصدرية ﴿أَرْضَعَتْ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الـ ﴿مُرْضِعَةٍ﴾، والجملة صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة والعائد محذوف، تقديره عن الذي أرضعته، أو صلة ﴿ما﴾ المصدرية؛ أي: عن إرضاعها. ﴿وَتَضَعُ كُلُّ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿تَذْهَلُ﴾، ﴿كُلُّ﴾ مضاف ﴿ذَاتِ﴾ مضاف إليه ﴿ذَاتِ﴾: مضاف ﴿حَمْلٍ﴾ مضاف إليه ﴿حَمْلَهَا﴾: مفعول به، ﴿وَتَرَى﴾: الواو عاطفة ﴿ترى﴾ فعل مضارع بصرية، معطوف على ﴿تَرَوْنَهَا﴾ وفاعله ضمير، يعود على أيِّ مخاطب، وإنما جمع الضمير في ﴿تَرَوْنَهَا﴾، وأفرد هنا لأن الرؤية الأولى علقت بالزلزلة أو الساعة، وكل الناس يرونها، أما الثانية فهي متعلقة يكون الناس ﴿سُكَارَى﴾ فلا بد من جعل كل أحد رائياً للباقي، بقطع النظر عن اتصافه بالسُّكر ﴿النَّاسَ﴾ مفعول به ﴿سُكَارَى﴾: حال من الناس ﴿وَمَا﴾ الواو حالية ﴿ما﴾ حجازية ﴿هُمْ﴾: في محل الرفع اسمها ﴿بِسُكَارَى﴾ الباء: زائدة ﴿سُكَارَى﴾: خبرها منصوب، بفتحة مقدرة، منع من ظهورها اشتغال المحل بالكسرة المجلوبة لحرف جر زائد، الممنوعة للتعذر، وجملة ﴿ما﴾ الحجازية في محل النصب، حال ثانية من ﴿النَّاسَ﴾ ﴿وَلَكِنَّ﴾: الواو عاطفة ﴿لكن﴾: حرف نصب واستدراك، ﴿عَذَابَ اللَّهِ﴾: اسمها ﴿شَدِيدٌ﴾: خبرها، والجملة استدراكية، معطوفة على محذوف، مخالف لما بعد ﴿لكن﴾ وهذا حكم مطرد فيها، والتقدير كما في "البحر" لأبي حيان، فهذه الأحوال وهي الذهول والوضع ورؤية الناس، شبه السكارى هينة لينة، ولكن

стр. 8077

عذاب الله شديد؛ أي: ليس لينًا وسهلًا فيما بعد، لكن مخالف لما قبلها. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: نكرة موصوفة حتمًا أو موصولة في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية مستأنفة، مسوقة لبيان من غفل عن الجزاء في ذلك اليوم، ﴿يُجَادِلُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صفة ﴿مَنْ﴾، تقدير ومن الناس فريق مجادل في الله، أو صلة لها؛ أي: ومن الناس الفريق الذي يجادل في الله لا تنفعهم العظات، ﴿فِي اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُجَادِلُ﴾. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حال من الفاعل في ﴿يُجَادِلُ﴾ موضحة لما تشعر به المجادلة من الجهل؛ أي: ملتبسًا بغير علم، ﴿وَيَتَّبِعُ﴾: فعل مضارع معطوف على ﴿يُجَادِلُ﴾ وفاعله ضمير، يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ﴾: مفعول به، ومضاف إليه ﴿مَرِيدٍ﴾ صفة. ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾. ﴿كُتِبَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به ﴿أَنَّهُ﴾: ناصب واسمه ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو اسم موصول مبتدأ ﴿تَوَلَّاهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة في محل الجزم فعل شرط لـ ﴿مَنْ﴾، إن قلنا شرطية، أو صلة لها، إن قلنا موصولة. ﴿فَأَنَّهُ﴾: الفاء، رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية إن كانت شرطية، أو واقعة في خبر ﴿مَنْ﴾ الموصولة، إن كانت موصولة لـ ﴿ما﴾ في الموصول من رائحة الشرط، ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر، والهاء: في محل النصب اسمها ﴿يُضِلُّهُ﴾: فعل ومفعول، وفاعله ضمير يعود على الـ ﴿شَيْطَانٍ﴾ ﴿وَيَهْدِيهِ﴾: فعل ومفعول معطوف على يضله ﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يهديه﴾، وجملة ﴿يُضِلُّهُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، مرفوع على كونه خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فهو مُضِلَّهُ وهاديه إلى عذاب السعير، والجملة الاسمية في محل الجزم، جواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية أو خبر ﴿مَنْ﴾ الموصولة، وجملة الشرط، أو الموصول في محل

стр. 8078

الرفع خبر ﴿أَنَّهُ﴾، وجملة ﴿أَنَّهُ﴾ في تأويل مصدر مرفوع، على كونه نائب فاعل لـ ﴿كُتِبَ﴾، تقديره: كتب عليه إضلاله وهدايته، من تولاه إلى عذاب السعير، وجملة ﴿كُتِبَ﴾ من الفعل ونائب فاعله، في محل الجر صفة ثانية لـ ﴿شَيْطَانٍ﴾ ولكنها سببية. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾: يا: حرف نداء ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة، ﴿والهاء﴾: حرف تنبيه ﴿النَّاسُ﴾: صفة لـ ﴿أيّ﴾ أو بدل منها، وجملة النداء مستأنفة ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾: جازم وفعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿فِي رَيْبٍ﴾ خبر ﴿كان﴾ ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾: متعلق بـ ﴿رَيْبٍ﴾ أو صفة له، ﴿فَإِنَّا﴾ الفاء: رابطة للجواب ﴿إنا﴾: ناصب واسمه ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِن﴾، وجملة ﴿إِن﴾ في محل الجزم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونها جوابا لها، ولكنه على تأويل: فَمُزِيلُ رَيْبكم، إن تنظروا في بدء خلقكم، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: جار ومجرور معطوف على قوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾: وعطف فيه وفيما بعده بـ ﴿ثُمَّ﴾ للدلالة على وجود تراخ في تطور الخلق، وتدرجه من حال إلى حال ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ معطوف على ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾. ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ معطوف على ﴿مِنْ عَلَقَةٍ﴾، ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ صفة لـ ﴿مُضْغَةٍ﴾ ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ معطوف على ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾، والمراد تفصيل حال المضغة، وكونها أولًا قطعة، لم يظهر فيها شيء من الأعضاء، ثم ظهرت بعد ذلك شيئًا فشيئًا، ﴿لِنُبَيِّنَ﴾ اللام: حرف جر وتعليل، ﴿نبين﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازًا. بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور باللام، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿خلقنا﴾، ومفعول التبيين محذوف

стр. 8079

للتفخيم، والتقدير: فإنا خلقناكم على هذه الأطوار، لتبيين دلائل قدرتنا لكم، ﴿وَنُقِرُّ﴾ الواو: استئنافية ﴿نقر﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله ﴿فِي الْأَرْحَامِ﴾ متعلق به، والجملة مستأنفة؛ لأنه ليس المعنى خلقناكم لنقر ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿نَشَاءُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾ والعائد محذوف تقديره: ما نشاء إقراره ﴿إِلَى أَجَلٍ﴾ متعلق بـ ﴿نقر﴾، أو حال من ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿مُسَمًّى﴾ صفة ﴿أَجَلٍ﴾ ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وتراخ ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ فعل ومفعول وفاعل مستتر، يعود على الله معطوف على ﴿نقر﴾، ﴿طِفْلًا﴾ حال من مفعول نخرجكم؛ أي: صغارًا، وإنما وحد: لأنه في الأصل مصدر، كالرضا والعدل، فيلزم الإفراد والتذكير، قاله المبرد. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿لِتَبْلُغُوا﴾: فعل وفاعل، منصوب بأن مضمرة بعد لام كي ﴿أَشُدَّكُمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية، مع أن المضمرة، في تأويل مصدر، مجرور باللام، تقديره: لبلوغكم أشدكم، الجار والمجرور متعلق بمحذوف، معطوف على نخرجكم، تقديره: ثم نخرجكم طفلًا، ثم نربيكم لبلوغكم أشدكم، وقيل: إنّ ﴿ثُمَّ﴾ زائدة، والجار والمجرور متعلق بـ ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ ﴿وَمِنْكُمْ﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، ﴿يُتَوَفَّى﴾ فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾: والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، والتقدير: ومن يتوفي بعد بلوغ الأشد، وقبل الهرم كائن منكم، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ﴿وَمِنْكُمْ﴾: خبر مقدم، ﴿مَنْ يُرَدُّ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها، ﴿لِكَيْلَا﴾: اللام؛ حرف جر وتعليل، ﴿كي﴾ حرف نصب ومصدر ﴿لا﴾ نافية ﴿يَعْلَمَ﴾: فعل مضارع

стр. 8080

منصوب بـ ﴿كي﴾ وفاعله ضمير يعود على المردود ﴿مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ جار ومجرور حال من ﴿شَيْئًا﴾ و ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به؛ لأن علم هنا بمعنى عرف، والجملة الفعلية مع ﴿كي﴾ المصدرية في تأويل مصدر. مجرور باللام، تقديره: لعدم علمه شيئًا، الجار والمجررو متعلق بـ ﴿يُرَدُّ﴾، ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر، يعود على أيِّ مخاطب ومفعول به؛ لأن ترى بصرية ﴿هَامِدَةً﴾ حال من الأرض، والجملة مستأنفة، ﴿فَإِذَا﴾: الفاء: عاطفة ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿عَلَيْهَا﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلْنَا﴾، ﴿الْمَاءَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه، على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب الآتي، ﴿اهْتَزَّتْ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿الْأَرْضَ﴾، والجملة جواب ﴿إذا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿ترى﴾، ﴿وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ﴾ معطوفان على اهتزت ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه صفة لمفعول محذوف، تقديره: وأنبتت أصنافًا كائنة من كل صنف بهيج، و ﴿بَهِيجٍ﴾ صفة لـ ﴿زَوْجٍ﴾. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، تقديره: ذلك كائن بسبب أن الله إلخ. والجملة مستأنفة ﴿أن الله﴾ ناصب واسمه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل، ﴿الْحَقُّ﴾: خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، مجرور بالباء، تقديره: ذلك كائن بسبب كون الله هو الحق، ﴿وَأَنَّهُ﴾: ناصب واسمه وجملة ﴿يُحْيِ الْمَوْتَى﴾: خبره والجملة في محل الجر، معطوفة على جملة ﴿أن﴾ الأولى، ﴿وَأَنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ و ﴿قَدِيرٌ﴾ خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ الأولى أيضًا، والتقدير: ذلك كائن، بسبب كون الله هو الحق، وإحيائه الموتى وقدرته على كل شيء. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾. ﴿وَأَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو استئنافية ﴿أن الساعة آتية﴾: ناصب واسمه

стр. 8081

وخبره، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، مرفوع على كونه خبر، لمبتدأ محذوف، تقديره: والأمر إتيان الساعة حالة كونها ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أو مستأنفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿رَيْبَ﴾: في محل النصب اسمها ﴿فِيهَا﴾ خبرها، والجملة في محل النصب، حال من الضمير المستكن في خبر ﴿أن﴾ أو خبر ثان لـ ﴿أن﴾ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ الواو عاطفة أو استئنافية ﴿أن الله﴾ ناصب واسمه وجملة ﴿يَبْعَثُ﴾ خبرها ﴿مَنْ﴾ مفعول به ﴿فِي الْقُبُورِ﴾ متعلقان بمحذوف صلة ﴿مَنْ﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: أولًا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾. ﴿يُجَادِلُ﴾: فعل وفاعل مستتر ﴿فِي اللَّهِ﴾ متعلق به ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال. من فاعل ﴿يُجَادِلُ﴾ والجملة الفعلية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب ﴿وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ﴾: معطوفان على علم ﴿مُنِيرٍ﴾ صفة كتاب ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾: حال من فاعل ﴿يُجَادِلُ﴾، وجاز نصبه على الحال، مع إضافته؛ لأن إضافته لفظية لا تفيد التعريف؛ لأنها في نية الانفصال، كما هو مقرر في محله ﴿لِيُضِلَّ﴾ اللام حرف جر وتعليل ﴿يضل﴾ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على المجادل ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يضل﴾ والجملة الفعلية، مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لإضلاله الناس عن سبيل الله، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُجَادِلُ﴾، ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿فِي الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿خِزْيٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها ﴿خِزْيٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿يضل﴾ أو مستأنفة ﴿وَنُذِيقُهُ﴾: فعل ومفعول أول، وفاعل مستتر يعود على الله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق به ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.

стр. 8082

﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. ﴿ذَلِكَ﴾: مبتدأ ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل النصب، مقول لقول محذوف، تقديره: ونقول له ذلك بما قدمت يداك. ﴿قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾. فعل وفاعل صلة الموصول والعائد محذوف، تقديره: قدمته يداك ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. واسمه ضمير يعود على الله ﴿بِظَلَّامٍ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾ والباء: زائدة ﴿لِلْعَبِيدِ﴾. متعلق بـ ﴿بِظَلَّامٍ﴾ وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أن﴾ وجملة ﴿أن﴾ في محل الجر، معطوفة على ﴿ما﴾ الموصولة، تقديره: ذلك حاصل بسبب ما قدمته يداك، وبسبب عدم كون الله ظلاماً للعبيد. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم ﴿مَن﴾ اسم موصول، في محل الرفع مبتدأ، مؤخر، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان حال المرتابين، أو معطوفة على جملة قوله ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ ﴿يَعْبُدُ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول به، وفاعله ضمير يعود على من ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ حال من فاعل ﴿يَعْبُدُ﴾ أي: حالة كونه مضطرباً مترجرجاً، والجملة الفعلية صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة أو الموصوفة. ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾. ﴿فَإِنْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل، ﴿إن﴾ حرف شرط. ﴿أَصَابَهُ﴾ فعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها ﴿خَيْرٌ﴾ فاعل ﴿اطْمَأَنَّ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ على كونه جوابًا لها، وفاعله ضمير يعود على ذلك العابد، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية، معطوفة على جملة ﴿يَعْبُدُ﴾ على كونها صلة الموصول، ﴿به﴾ متعلقان به ﴿وَإِنْ﴾: الواو: عاطفة ﴿إن﴾ حرف شرط ﴿أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل في محل الجزم بـ ﴿أن﴾ على كونه جوابًا لها وفاعله ضمير يعود على العابد ﴿انْقَلَبَ﴾ فعل ماض مبني على الفتح وفاعله يعود على العابد والجملة جواب الشرط. ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ متعلق بـ ﴿انْقَلَبَ﴾، أو حال من فاعل ﴿انْقَلَبَ﴾ وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة

стр. 8083

﴿إن﴾ الأولى. ﴿خَسِرَ﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على العابد والجملة الفعلية مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿انْقَلَبَ﴾، ولا حاجة إلى تقدير، قد على الصحيح، أو بدل من قوله: ﴿انْقَلَبَ﴾ كما أبدل المضارع من مثله في قوله تعالي: ﴿يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾. ﴿الدُّنْيَا﴾ مفعول ﴿خَسِرَ﴾. ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ معطوف على ﴿الدُّنْيَا﴾. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ﴾: ضمير فصل. ﴿الْخُسْرَانُ﴾ خبر. ﴿الْمُبِينُ﴾ صفة لـ ﴿الْخُسْرَانُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾. ﴿يَدْعُو﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على العابد، والجملة مستأنفة، أو حال من فاعل ﴿يَعْبُدُ﴾ في قوله: ﴿مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. جار ومجرور، حال من فاعل ﴿يَدْعُو﴾ أي: حالة كونه، متجاوزًا الله، بعبادته إلى غيره. ﴿مَا﴾ موصولة أو موصوفة في محل النصب. مفعول به لـ ﴿يَدْعُو﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَضُرُّهُ﴾: فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود على ﴿مِنْ﴾، والجملة صلة لـ ﴿مَا﴾، أو صفة لها. ﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾: معطوف على ما لا يضره ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ. ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل. ﴿الضَّلَالُ﴾ خبر ﴿الْبَعِيدُ﴾ صفة له، والجملة مستأنفة. ﴿يَدْعُو﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على العابد، و ﴿يَدْعُو﴾ هنا بمعنى يقول. ﴿لَمَنْ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿من﴾ اسم موصول، في محل الرفع مبتدأ. ﴿ضَرُّهُ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿أَقْرَبُ﴾: خبر للمبتدأ الذي هو ﴿ضَرُّهُ﴾،. ﴿مِنْ نَفْعِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَقْرَبُ﴾، والجملة من هذا المبتدأ الأخير وخبره، صلة لـ ﴿مِنْ﴾ الموصولة. ﴿لَبِئْسَ﴾: اللام: موطئة للقسم ﴿بئس﴾: فعل ماض لإنشاء الذم. ﴿الْمَوْلَى﴾: فاعل والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هو؛ أي: ذلك المعبود، وهو مبتدأ، خبره جملة ﴿بئس﴾، أو خبر لمحذوف، تقديره: والمخصوص بالذم هو، وجملة ﴿بئس﴾ جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه في محل الرفع خبر لـ ﴿من﴾ الموصولة؛ أي: يقول ذلك العابد: لمن ضره أقرب من نفعه، لأقسم فيه، بقولي: بئس المولى هو. ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾: هو،

стр. 8084

وجملة ﴿يَدْعُو﴾ بمعنى يقول مستأنفة. أو خبر من الموصولة محذوف، تقديره: يقول ذلك العابد، لمن ضره أقرب من نفعه. إله أو إلهي، وموضع الجملة نصب بالقول، وجملة لبئس مستأنفة؛ لأنها لا يصح دخولها في الحكاية؛ لأن الكفار لا يقولون عن أصنامهم: لبئس المولى ولبئس العشير. وهناك وجه آخر مقبول، وهو أن تكون اللام زائدة في المفعول به لـ ﴿يَدْعُو﴾، ويؤيد هذا الوجه، قراءة عبد الله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فـ ﴿من﴾ مفعول ﴿يَدْعُو﴾ و ﴿يَدْعُو﴾ على معناه، ﴿ضَرُّهُ﴾ مبتدأ ﴿أَقْرَبُ﴾ خبره، والجملة صلة ﴿من﴾ الموصولة، وجملة القسم مستأنفة. وقد اختار الجلال السيوطي هذا الوجه، ودعمه شارحوه. قال الزمخشري: وهناك أوجه تربو على سبعةٍ، قد سلكها المفسرون، أكثرها غير مقبولة لما فيها من الغرابة والشذوذ، وإنما أوردناها مع كونها آراء غير مقبولة، لنخلص إلى القول، أن هذه الآية من المشكلات، التي شغلت علماء النحو والتفسير، ولم يأتوا فيها بما ينقع الغليل ويشفي العليل، وكلام الله المعجز اسمى من أن تطاله القواعد، التي وضعها الإنسان. انتهى بتصرف. ﴿وَلَبِئْسَ﴾ الواو عاطفة. واللام، موطئة للقسم. ﴿بئس﴾ فعل ماض جامد، لإنشاء الذم ﴿الْعَشِيرُ﴾ فاعل والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: هو، وجملة هذا القسم، معطوفة على جملة القسم في قوله: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ﴾ فعل ومفعول. وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصولة. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾ ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به ثان على السعة، أو نصب بنزع الخافض، وجملة ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يَفْعَلُ مَا﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على الله، وجملة ﴿يُرِيدُ﴾ صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة والعائد محذوف، تقديره: يريده، وجملة

стр. 8085

﴿يفعل﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة، مسوقة لتعليل ما تقدم. ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع مبتدأ، أو الخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما، كما مر مرارًا، أو موصولة في محل الرفع مبتدأ. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية، على كونه فعل شرط لها، واسمه ضمير مستتر يعود على ﴿مَن﴾. ﴿يَظُنُّ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر، يعود على ﴿مَنْ﴾، وجملة ﴿يَظُنُّ﴾ في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿أَن﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: أنه. ﴿لَنْ﴾ حرف نصب ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ فعل مضارع ومفعول وفاعل منصوب بـ ﴿لَنْ﴾. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ متعلق بـ ﴿يَنْصُرَهُ﴾. ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ معطوف على الدنيا، وجملة ﴿يَنْصُرَهُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾ المخففة، وجملة ﴿لَنْ﴾ المخففة في تأويل مصدر، ساد مسد مفعولي ﴿ظن﴾، تقديره: من كان يظن عدم نصر الله تعالى، محمدًا، ﷺ ، في الدنيا والآخرة. ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾: الفاء، رابطة لجواب ﴿مَن﴾ الشرطية، وجوبًا، لكون الجواب جملة طلبية، أو واقعة في خبر ﴿مَن﴾ الموصولة، لشبهها بالشرط في العموم. واللام: لام الأمر. ﴿يمدد﴾ فعل مضارع مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير مستتر يعود على من ﴿بِسَبَبٍ﴾ متعلق بـ ﴿يمدد﴾ ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾: صفة لسبب؛ أي: بسبب واصل إلى السماء. والمراد بالسماء، سقف البيت، أو على حقيقتها على سبيل التقدير. وجملة ﴿يمدد﴾ في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، أو خبر ﴿من﴾ الموصولة، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية، أو الموصولة مستأنفة. ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿لْيَقْطَعْ﴾: اللام: لام الأمر ﴿يقطع﴾: فعل مضارع، مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾، والجملة في محل الجزم،

стр. 8086

معطوفة على جملة قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾. على كونها جواب ﴿مَن﴾ الشرطية. ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ الفاء: عاطفة، واللام: لام الأمر. ﴿ينظر﴾ فعل مضارع، مجزوم بلام الأمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَن﴾ والجملة في محل الجزم، معطوفة على جملة قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾. ﴿هَلْ﴾ حرف استفهام. ﴿يُذْهِبَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿كَيْدُهُ﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿مَا﴾: موصولة في محل النصب مفعول به. ﴿يَغِيظُ﴾ فعل مضارع، وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَا﴾. ومفعول محذوف، تقديره ما يغيظه، فالضمير المرفوع في ﴿يغيظه﴾: عائد علي ﴿مَا﴾ الموصولة، والمنصوب عائد على ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ﴾، وجملة ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ في محل نَصْب بـ ﴿ينظر﴾؛ لأنها معلقة عنها بحرف الاستفهام، وفي "السمين": ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾: الجملة الاستفهامية، في محل نصب على إسقاط الخافض؛ لأن النظر تعلق بالاستفهام، وإذا كان بمعنى الفكر. تعدى بفي. ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كذلك﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به. ﴿آيَاتٍ﴾ حال من مفعول ﴿أنزلنا﴾. ﴿بَيِّنَاتٍ﴾: صفة لـ ﴿آيَاتٍ﴾: والتقدير، وأنزلنا القرآن كله، حالة كونه آيات بينات. إنزالًا مثل الآيات السابقة، من أول السورة إلى هنا، والجملة مستأنفة. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ الواو عاطفة، أو حالية. ﴿أن الله﴾ ناصب واسمه بـ ﴿يَهْدِي﴾. فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به. ﴿يُرِيدُ﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة صلة لـ ﴿مَن﴾ الموصولة، والعائد محذوف تقديره: من يريد هدايته، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ في محل الرفِع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾ في تأويل مصدر، معطوف على مفعول ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، والتقدير: وكذلك أنزلنا عليه القرآن كله. وهداية الله من يريد هدايته، أو في تأويل مصدر مرفوع، على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف، والتقدير: والأمر هداية الله من يريد، والجملة الاسمية في محل النصب، حال من فاعل ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾.

стр. 8087

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿آمَنُوا﴾: صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾. معطوف على الموصول الأول. وجملة ﴿هَادُوا﴾: صلته. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول. وكذلك قوله: ﴿وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ﴾: معطوفات على الموصول الأول. وجملة ﴿أَشْرَكُوا﴾: صلة الموصول الأخير. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يَفْصِلُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿يَفْصِلُ﴾، وكذلك يتعلق به الظرف في قوله: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾ الثانية، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الثانية، في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ الأولى. أعني قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ الأولى مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور، ومضاف إليه متعلق بـ ﴿شَهِيدٌ﴾ و ﴿شهيد﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾. وكأن قائلًا قال: أهذا الفصل عن علم، أو لا، فقيل: إن الله على كل شيء شهيد؛ أي: عالم، اهـ شيخنا. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: الهمزة: للاستفهام التقريري ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لم﴾ وفاعله ضمير، يعود على كل من يصلح للخطاب، وترى هنا علمية، كما مر في مبحث التفسير. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَسْجُدُ﴾ فعل مضارع ﴿لَهُ﴾ متعلق به ﴿مَن﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل، وجملة ﴿يَسْجُدُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر، سادّ مسدّ مفعولي ﴿تَرَ﴾، تقديره: ألم تر سجود من السموات ومن في الأرض، ومن بعدهما. لله . وجملة ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ جملة إنشائية مستأنفة. ﴿فِي

стр. 8088

السَّمَاوَاتِ﴾ جار ومجرور صلة ﴿مَن﴾ الموصولة ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وكذا قوله: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ﴾ معطوفات على ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ جار ومجرور صفة لـ ﴿وَكَثِيرٌ﴾. ﴿وَكَثِيرٌ﴾ ليس معطوفًا على ما قبله، بل هو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: مطيعون أو مجزيون أو مثابون، أو نحو ذلك، لدلالة ما قبله عليه، وسوغ الابتداء بالنكرة، وقوعه في معرض التقسيم، ووصفه بما بعده، والجملة من المبتدأ والخبر حينئذٍ، معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾ في كونها سادة مسد مفعولي ﴿تَرَ﴾، وقيل هو مرفوع، بفعل محذوف، تقديره: ويسجد له كثير من الناس. ﴿وَكَثِيرٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التقسيم. ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾ متعلق به. ﴿الْعَذَابُ﴾ فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: استئنافية (من) اسم شرط جازم، في محل النصب مفعول به مقدم ﴿يُهِنِ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿فَمَا﴾ الفاء: رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية وجوبًا، لاقترانه بـ ﴿مَا﴾ النافية ما نافية ﴿لَهُ﴾ خبر مقدم ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿مُكْرِمٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية في محل الجزم ﴿مَن﴾ على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿مَن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿يَفْعَلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿مَا﴾ موصولة في محل النصب مفعول به، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾: صلة ﴿مَا﴾ الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: يشاؤه، وجملة ﴿يَفْعَلُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. التصريف ومفردات اللغة ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ التقوى: التباعد عن كل ما يكسب الإثم، من فعل أو ترك. ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: الحركة الشديدة، بحيث تزيل الأشياء من أماكنها، وقيل: الزلزلة: التحريك الشديد بطريق التكرير، كما يدل عليه تكرير الحروف؛ لأن زلزل مضاعف زل، ويحتمل في هذه الإضافة، أن تكون من إضافة

стр. 8089

المصدر إلى فاعله؛ إن كان من زلزل اللازم، الذي بمعنى: تزلزل. والتقدير: إن تزلزل الساعة، أو من زلزل المتعدى ويكون المفعول محذوفًا، والتقدير: إن زلزال الساعة الناس، كذا قدره أبو البقاء، وأحسن من هذا، أن يقدر إن زلزال الساعة الأرض، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١)﴾ ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ والذهول، الدهش الناشىء عن الهم والغم الكثير. والمرضعة: الأنثى الملابسة للإرضاع، والمرضع: ما من شأنها أن ترضع، وإن لم تلابس به نظير حائض وحائضةٍ. ﴿حَمْلَهَا﴾ والحمل بفتح الحاء: ما كان في البطن أو على رأس الشجر، وبالكسر: ما كان على الظهر، اهـ "سمين". ﴿سُكَارَى﴾: جمع سكران، والسكر، حالة تعرض بين المرء وعقله، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب. ﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمقاتلة، وأصله من جدلت الحبل؛ أي: أحكمت فتله، كأن المتجادلين يقتل كل واحد الآخر عن رأيه. ﴿مَرِيدٍ﴾ عات متجرد للفساد: يقال: مرد الشيء، إذا جاوز حدَّ مثله، وأصله العري يقال: غلام أمرد إذا عرى من الشعر والورق. قال: الزجاج المريد والمارد المرتفع الأملس، وقال في "القاموس" وشرحه: المارد العاتي المرتفع، يقال: بناء مارد؛ أي: مرتفع، وهو مجاز. وجمعه مردة وماردون ومراد، والمريد الشديد المرادة والخبيث الشرير، وجمعه مرد ومؤنثه مرداء، يقال: مرد على جرد؛ أي: شبان مرد على خيول جرد. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ الريب: الشك. والبعث: الإخراج من الأرض، والتسيير إلى الموقف. ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾ وأصل النطفة الماء العذب، ويراد بها هنا ماء الرجل. ﴿عَلَقَةٍ﴾ والعلقة: القطعة الجامدة من الدم. ﴿مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة: القطعة من اللحم بقدر ما يمضغ. ﴿أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والأجل المسمى: حين الوضع. ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال ابن زيد: المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين. وغير المخلقة التي لم يخلق فيها شيء. ﴿طِفْلًا﴾ والطفل: يطلق على الولد من حين الإنفصال إلى البلوغ، ويطلق

стр. 8090

على الواحد والجمع، وأما الطفل بفتح الطاء وسكون الفاء، فهو الناعم، والمرأة طفلة، وأما الطفل بفتح الطاء والفاء، فوقت ما بعد العصر من قولهم: طفلت الشمس إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة؛ أي: ذات طفل. ﴿أَشُدَّكُمْ﴾ والأشد: القوة، وهو في الأصل جمع شدة، كأنعم جمع نعمة، اهـ "بيضاوي". وهو من ألفاظ الجمع، التي لم يستعمل لها واحد، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين. ﴿أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أدنؤه وأردؤه، وهو الخرف، والخرف: فساد العقل من الكبر و ﴿الْعُمُرِ﴾: مدة عمارة البدن بالحياة، كما مر. ﴿هَامِدَةً﴾؛ أي: ميتة يابسة، من همدت الأرض، إذا يبست ودرست، وهمد الثوب إذا بلى، والهمود السكون والخشوع ﴿اهْتَزَّتْ﴾؛ أي: تحركت، وتجوز به هنا، عن إنبات الأرض نباتها بالماء؛ أي: اهتز نباتها وتحرك. ﴿وَرَبَتْ﴾؛ أي: ازدادت وانفتخت لما يتداخلها من الماء والنبات ﴿زَوْجٍ﴾ أي: صنف. ﴿بَهِيجٍ﴾؛ أي: حسن، سار للناظرين من البهجة، وهو حسن اللون وظهور السرور فيه، وابتهج بكذا سرورًا، بأن أثره في وجهه. ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ والحق: هو الثابت الوجود، الذي يحق ثبوته، ويجب وجوده. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ والهدى: الاستدلال والنظر الصحيح، الموصل إلى المعرفة، والكتاب المنير: هو الوحي المظهر للحق. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ الثني، اللي، وفي "القاموس" ثنى الشيء يثني، عطفه وطواه، ورد بعضه على بعض وكفه. والعطف بكسر العين الجانب، يعطفه الإنسان ويلويه ويميله عن الإعراض عن الشيء، وهو عبارة عن التكبر، والعطف، بفتح العين: التعطف والرحمة والشفقة، والمعنى هنا، لاويًا جانبه: متكبرًا مختالًا ونحوه تصغير الخد. وليُّ الجيد. ﴿خِزْيٌ﴾ والخزي: الهوان والذل والفضيحة. ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾؛ أي: عذاب النار التي تحرق داخليها، فيحتمل أن يكون من إضافة المسبَّب إلى سببه، على أن يكون الحريق عبارة عن النار، وأن يكون من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل العذاب الحريق؛ أي: المحرق وهو النار. ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾؛ أي؛ على طرف وشك في الدين. ﴿خَيْرٌ﴾ كل ما يستلذه
следующие страницы →