← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

تعالى، أمرًا كان، أو نهيًا أو غيرهما من الأمانات. ﴿كَفُورٍ﴾؛ أي: كثير الكفران لنعمته، مقررة (١) معللة لمضمون الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين، مشعرة أتم إشعار بأنهم مبغضون إلى الله، غير محبوبين له، فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم. أي: وإنما (٢) دفعهم وقهرهم؛ لأنهم خانوا أمانة الله، وهي أوامره ونواهيه، وكفروا أنعمه التي يسديها إليهم بكرةً وعشيًا، وعبدوا غيره مما لا يضر ولا ينفع، وفي هذا إيماء إلى أن المؤمنين هم أحباء الله. قال الزجاج: من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحة، فهو خوان كفور، وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع، لا لإخراج من خان دون خيانتهم، أو كفر دون كفرهم. واعلم (٣) أن الكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا وأن الخيانة والنفاق واحد؛ لأن الخيانة تقال اعتبارًا بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتبارًا بالدين، ثم يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر، ونقيض الأمانة ومن الخيانة الكفر، فإنه إهلاك للنفس التي هي أمانة الله عند الإنسان. وتجري الخيانة في الأعضاء كلها. قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ وتجري في الصلاة والصوم ونحوهما، وإما بتركها، أو بترك شرط من شرائطها الظاهرة والباطنة، فأكل السحور مع غلبة الظن بطلوع الفجر، أو الإفطار مع الشك بالغروب خيانة للصوم، ومن أكل السحور فنام عن صلاة الصبح، حتى طلعت الشمس، فقد كفر بنعمة الله التي هي السحور، وخانه بالصلاة أيضًا، فترك الفرض لأجل السنة تجارة خاسرة. ثم إن المؤمن الكامل، منصور على كل حال، فلا يضره كيد الخائنين، فإن الله لا يحب الخائنين، فإذا لم يحبهم لم ينصرهم، ويحب المؤمن فينصره.

стр. 8157

٣٩ - ولما هاجر المؤمنون إلى المدينة، أذن الله لهم في القتال، كما قال ﴿أُذِنَ﴾؛ أي: رخص في القتال ﴿لِلَّذِينَ﴾؛ أي: للمؤمنين الذين ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء على صيغة المجهول؛ أي: يقاتلهم المشركون ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ أي: بسبب أنهم ظلموا، وهم أصحاب النبي ﷺ ، كان المشركون يؤذونهم، وكانوا يأتونه ﷺ بين مضروب ومشجوج، ويتظلمون إليه، فيقول لهم ﵇: "اصبروا، فإني لم أومر بالقتال"، حتى هاجروا، فنزلت، وهي أول آية نزلت في القتال، بعدما نهي عنه في نيفٍ وسبعين آية. كما رواه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس. وهذه الجملة مقررة أيضًا لمضمون قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ﴾ فإن إباحة القتال لهم، هي من جملة دفع الله عنهم. والباء في ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ للسببية؛ أي: رُخّص للمؤمنين، وأبيح لهم أن يقاتلوا المشركين، بسبب أنهم ظلموا، بما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب، وطرد. وقرأ (١) نافع وعاصم وأبو عمرو بضم همزة ﴿أُذِنَ﴾ مبنيًا للمفعول، وفتح باقي السبعة مبنيًا للفاعل. وقرأ نافع وابن عامر وحفص ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بفتح التاء مبنيًا للمفعول والباقون بكسرها مبنيًا للفاعل. والمأذون فيه محذوف؛ أي: في القتال، كما مر، لدلالة يقاتلون عليه. وعلى كلا القراءتين فالإذن من الله تعالى لعباده المؤمنين، بأنهم إذا صلحوا للقتال، أو قاتلهم المشركون قاتلوهم. ثم وعدهم الله سبحانه بالنصر، والغلبة على المشركين، بعدما وعدهم بدفع أذاهم وتخليصهم من أيديهم، فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿عَلَى نَصْرِهِمْ﴾؛ أي: نصر المؤمنين الذين يقاتلون في سبيله ﴿لَقَدِيرٌ﴾؛ أي: لقادر وقد فعل، فأعزهم، ورفعهم، وأهلك عدوهم، وأذلهم بأيديهم. وفي هذا الأسلوب مبالغة عظيمة، زيادة في توطين عزائم المؤمنين وتثبيتهم على الجهاد في سبيله. والقدير (٢): هو الفاعل لما يشاء على قدر ما تقتضي الحكمة، لا زائدًا عليه، ولا ناقصًا عنه. ولذلك لا يصح أن يوصف به غير الله تعالى.

стр. 8158

وإنما شرع (١) الجهاد بعد الهجرة إلى المدينة؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر من المؤمنين عددًا، حتى أخرجوا النبي ﷺ من بين أظهرهم وهموا بقتله، وشردوا أصحابه، فذهبت طائفة منهم إلى الحبشة، وذهب آخرون إلى المدينة فلما استقروا بالمدينة، وأتاهم رسول الله ﷺ ، واجتمعوا إليه، وقاموا بنصره، وصارت المدينة لهم دار إسلام، ومعقلاً يلجؤون إليه، شرع الجهاد ونزلت هذه الآية مرخصة فيه. ٤٠ - ثم وصف سبحانه هؤلاء المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: أولئك المظلومون هم الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وبلدهم مكة إلى المدينة ظلمًا. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير استحقاق خروج؛ أي: أخرجوا بغير موجب استحقوا الخروج به، وعذبوا بعضهم، وسبوا بعضًا آخر، وما كان لهم من إساءةٍ إليهم، ولا ذنب جنوه ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾؛ أي: إلا أنهم عبدوا الله وحده لا شريك له. قال سيبويه: الاستثناء منقطع؛ أي: لكن لقولهم ربنا الله؛ أي: أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم، لكن لقولهم ربنا الله. وقال الفراء والزجاج: هو استثناء متصل، والتقدير: الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق، إلا بأن يقولوا: ربنا الله، فيكون مثل قوله سبحانه: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا﴾ وقول النابغة: وَلاَ عَيْبَ فِيْهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوْفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُوْلٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ ونحو الآية قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقوله: في قصة أصحاب الأخدود ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ ولما كان المسلمون ينشدون حين بناء الخندق: لاَهُمَّ لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا فَأَنْزِلَنْ سَكِيْنَةً عَلَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوْا فِتْنَةً أَبَيْنَا كان رسول الله ﷺ يوافقهم ويقول معهم آخر كل قافية قالوا: إذا أرادوا فتنة

стр. 8159

أبينا، يقول: أبينا ويمد بها صوته. ثم حرض المؤمنين على القتال، وبيَّن أنه أجرى العادة به في الأمم الماضية، لينتظم أمر الجماعات وتقوم الشرائع، وتصان بيوت العبادة من الهدم فقال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ قرأ نافع: ﴿ولولا دفاع﴾ وقرأ الباقون ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ﴾ كما مر. ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾؛ أي: بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين في كل عصر وزمان. والمراد ببعضهم، الكافرون. وببعض، المؤمنون. والمراد بالدفع، أذن الله لأهل دينه في مجاهدة الكفار، فكأنه قال: ولولا دفع الله أهل الشرك، بالمؤمنين، بالإذن لهم في جهادهم، لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان، وعطلوا مواضع العبادة، والمراد بهذه المواضع، مواضع عبادات المؤمنين منهم. ﴿لَهُدِّمَتْ﴾؛ أي: لخربت باستيلاء المشركين عليها. ﴿صَوَامِعُ﴾ معبد الرهبان للنصارى. ﴿وَبِيَعٌ﴾ للنصارى، وذلك في زمان عيسى ﵇، والهدم إسقاط البناء. والتهديم للتكثير. ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾؛ أي: كنائس لليهود في زمن شريعة موسى ﵇. سميت بالصلوات؛ لأنها يصلى فيها. ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ للمسلمين في أيام شريعة محمد ﷺ . والمعنى (١): ولولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء. لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض، باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل. وقيل: المعنى: لولا هذا الدفع، لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد ﷺ المساجد. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وقيل: المعنى: ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة. وقيل: لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار. وقيل: غير ذلك. والصوامع جمع صومعة، وهي معبد الرهبان المتخذ في الصحراء، وهو بناء مرتفع خارج عن العمران. ثم استعمل في المواضع التي يؤذن عليها في الإسلام.

стр. 8160

والبيع جمع بيعة، وهي معابد النصارى المتخذة في البلد، وهما أعني الصوامع والبيع للنصارى. وقيل (١): الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى. والصلوات كنائس اليهود، ويسمونها بالعبرانية صلوتا. وقدم (٢) ما سوى المساجد عليها في الذكر لكونها أقدم في الوجود بالنسبة إليها، أو ليكون الانتقال فيها من شربف إلى أشرف، وفي "الأسئلة المقحمة" تقديم الشيء بالذكر لا يدل على شرفه، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾. وقرأ (٣) الحرميان وأيوب وقتادة وطلحة وزائدة عن الأعمش، والزعفراني ﴿لهدمت﴾ مخففًا. وباقي السبعة وجماعة مشددًا. لما كانت المواضع كثيرة ناسب مجيء التضعيف لكثرة المواضع، فتكرر الهدم لتكثيرها. وقرأ الجمهور ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ جمع صلاة. وقرأ جعفر بن محمد: ﴿وصُلُوات﴾ بضم الصاد واللام. وحكى عنه ابن خالويه: ﴿صِلْوات﴾ بسكون اللام وكسر الصاد. وحكيت عن الجحدري: ﴿صَلَوات﴾ بضم الصاد وفتح اللام. وحكيت عن الكلبي وأبو العالية بفتح الصاد وسكون اللام ﴿صلوات﴾. والحجاج بن يوسف والجحدري أيضًا: ﴿وصُلُوَتٌ﴾ بضمتين من غير ألف، ومجاهد كذلك، إلا أنه بفتح التاء وألف بعدها. والضحاك والكلبي: ﴿صلُوث﴾ بضمتين من غير ألف وبثاءٍ منقوطة بثلاث. وجاء كذلك عن أبي رجاء والجحدري وأبي العالية ومجاهد كذلك إلا أنه بعد الثاء ألف. وقرأ عكرمة ﴿وصِلْوِيْثَا﴾ بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث، بعدها ألف. والجحدري أيضًا: ﴿صُلْوَاثٌ﴾ بضم الصاد وسكون اللام وفتح الواو بعدها ألف بعدها ثاء مثلثة النقط. وحكى ابن مجاهد، أنه قرىء كذلك، إلا أنه بكسر الصاد. وحكى ابن خالويه وابن عطية عن الحجاج والجحدري ﴿صُلُوب﴾ بالباء الموحدة على وزن

стр. 8161

كعوب جمع صليب، كظريف وظروف، وهو جمع شاذ، أعني: جمع فعيل على فعول، فهذه ثلاث عشرة قراءة. وروى هارون عن أبي عمرو ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ كقراءة الجماعة، إلا أنه لا ينون التاء كأنه جعله اسم موضع كالمواضع التي قبله، وكأنه علم فمنعه من الصرف للعلمية والعجمية. وكملت القراءات بهذه أربع عشرة قراءة ذكره في "البحر المحيط". وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك المساجد ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾ سبحانه بالتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير وغيرها عند الصلاة. ﴿كَثِيرًا﴾؛ أي: ذكرا كثيرًا ووقتًا كثيرًا، صفة مادحة للمساجد خصت بها (١) دلالة على فضلها وفضل أهلها. ويجوز أن يكون صفة للأربع؛ لأن الذكر في الصوامع والبيع والصلوات كان معتبرًا قبل انتساخ شرائع أهلها. والمعنى: أي (٢) فليقاتل المؤمنون الكافرين، فلولا القتال، وتسليط المؤمنين على المشركين في كل عصر وزمان، لهدمت في شريعة كل نبي معابد أمته، فتهدم صوامع النصارى وبيعهم وصلوات اليهود ومساجد المسلمين، التي يذكرون فيها اسم الله كثيرًا. وفي هذا ترق، وانتقال من الأقل إلى الأكثر، حتى انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عمَّارًا، وأكثر عبادًا، وهم ذووا القصد الصحيح. والخلاصة: أنه لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، وإقامة حدود الأديان .. لاستولى أهل الشرك على مواضع العبادة، وهدموها، وقد يكون المراد لولا هذا الدفع، لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد ﷺ المساجد. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ واللام: فيه موطئة لقسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لينصرن الله سبحانه وليعينن من يقاتل في سبيله، لتكون كلمته العليا،

стр. 8162

وتكون كلمة عدو دينه السفلى، أو كلمة من ينصر أولياءه هي العليا. ولقد أنجز الله وعده حيث سلط المهاجرين والأنصار على صناديد قريش، وأكاسرة العجم وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿لَقَوِيٌّ﴾ على كل ما يريده ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يمانعه شيء ولا يدافعه. والقوي (١) القادر على الشيء. والعزيز الجليل الشريف. قاله الزجاج. وقيل: الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ولا يمانع. وفي (٢) "بحر العلوم" غني بقدرته وعزته في إهلاك أعداء دينه عنهم، وإنما كلفهم النصر باستعمال السيوف والرماح وسائر السلاح في مجاهدة الأعداء، وبذل الأرواح، والأموال لينتفعوا به، ويصلوا بامتثال الأمر فيها، إلى منافع دينية ودنيوية. فإن قلت (٣): فإذا كان الله قوياً عزيزًا غالبًا غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة وانفلات، فما وجه انهزام المسلمين في بعض المغازي وقد وعدهم الله تعالى النصر؟ قلت: إن النصرة والغلبة منصب شريف، فلا يليق بحال الكافر، لكن الله تعالى تارة يشدد المحنة على الكفار، وأخرى على المؤمنين؛ لأنه لو شدد المحنة على الكفار في جميع الأوقات وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات، لحصل العلم الاضطراري، بأن الإيمان حق، وما سواه باطل، ولو كان كذلك لبطل التكليف، والثواب، والعقاب. فلهذا المعنى تارة يسلط الله المحنة على أهل الإيمان، وأخرى على أهل الكفر، لتكون الشبهات باقية، والمكلف يدفعها بواسطة النظر في الدلائل في صحة الإسلام، فيعظم ثوابه عند الله، ولأن المؤمن قد يقدم على بعض المعاصي. فيكون تشديد المحنة عليه في الدنيا كفارة له في الدنيا، وأما تشديد المحنة على الكافر فإنه يكون غضبًا من الله، كالطاعون مثلًا. فإنه رحمة وطهرة للمؤمنين، ورجز - أي: عذاب - وغضب للكافرين. روي: أنَّ عامرًا مرَّ برجل قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين أضر بالمظلومين، فرأى في منامه كأن القيامة قد قامت، وكأنه دخل

стр. 8163

الجنة فرأى المصلوب فيها في أعلى عليين فإذا مناد ينادي حلمي على الظالمين أحل المظلومين في أعلى عليين. واعلم: أن الله تعالى يدفع في كل عمر مدبرًا بمقبل، ومبطلًا بمحق، وفرعونًا بموسى، ودجالًا بعيسى، وأبا جهل بمحمد، فلا تستبطىء ولا تتضجر. والخلاصة: أن الله سبحانه لقوي على نصر من جاهد في سبيله من أهل طاعته، منيع في سلطانه، لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب. ونحو الآية قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ ٤١ - والموصول (١) في قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في موضع نصب صفة لـ ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ قاله الزجاج، وقال غيره هو في موضع جر صفة لقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾. وقيل: المراد بهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. وقيل: أهل الصلوات الخمس. وقيل: ولاة العدل، وقيل غير ذلك. وفيه إيجاب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على من مكنه الله في الأرض، وأقدره على القيام بذلك. أي: ولينصرن الله الذين إن مكناهم في الأرض، وأعطيناهم زمام الأحكام. ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ لتعظيمي؛ أي: أدوها بحقوقها، وشرائطها. قال الراغب (٢): كل موضع مدح الله بفعل الصلاة، أو حث عليه ذكر بلفظ الإقامة، ولم يقل المصلين، إلا في المنافقين، نحو ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)﴾ وإنما (٣) خص لفظ الإقامة تنبيهًا على أن المقصود من فعلها، توفية حقوقها وشرائطها، لا الإتيان بهيأتها فقط، ولهذا روى أن المصلين كثير والمقيمين لها قليل. ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ لمساعدة عبادي؛ أي: أدوا وأعطوا زكاة أموالهم في مصارفهما. ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ أي: بكل ما عرف حسنه شرعًا، وعرفًا من التوحيد وأصناف الواجبات، والمندوبات. ﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ أي: عن كل ما استقبحه الشرع

стр. 8164

والعقل السليم من الإشراك وأصناف المحرمات والمكروهات. ﴿وَلِلَّهِ﴾ خاصة ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾؛ أي: آخر أمور الخلائق؛ أي: مرجعا، ومصيرها إلى حكمه وتقديره وتدبيره دون غيره، في الثواب عليها أو العقاب في الدار الآخرة. ونحو الآية قوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. والمعنى: أي (١) هؤلاء الذين أخرجوا من ديارهم. هم الذين إن مكنا لهم في البلاد، فقهروا المشركين وغلبوهم عليها أطاعوا الله، فأقاموا الصلاة على النحو الذي طلبه، وأعطوا زكاة أموالهم التي حباها لهم، ودعوا الناس إلى توحيده، والعمل بطاعته، وأمروا بما حثت عليه الشريعة، ونهوا عن الشرك واجتراح السيئات. وخلاصة ذلك: أنهم هم الذين كملوا أنفسهم باستحضار المعبود، والتوجه إليه في الصلاة على قدر الطاقة، وكانوا عونًا لأممهم بإعانة فقرائهم، وذوي الحاجة منهم، وكملوا غيرهم فأفاضوا عليهم من علومهم وآدابهم، ومنعوا المفاسد التي تعوق غيرهم عن الوصول إلى الرقي الخلقي، والأدب السامي. وعن ابن عباس (٢) ﵄ رفعه إلى النبي ﷺ "إن من أشراط الساعة، إماتة الصلوات واتباع الشهوات، والميل إلى الهوى، ويكون أمراء خونة، ووزراء فسقة" فوثب سلمان، فقال: بأبي وأمي إنَّ هذا لكائن؟ قال: "نعم يا سلمان، عندها يذوب قلب المؤمن، كما يذوب الملح في الماء، ولا يستطيع أن يغير" قال: أو يكون ذلك؟ قال: "نعم يا سلمان، إن أذل الناس يومئذٍ المؤمن، يمشي بين أظهرهم بالمخالفة، إن تكلم أكلوه، وإن سكت مات بغيظه". قال عمر ﵁ للنبي ﵇: أخبرني عن هذا السلطان الذي ذلت له الرقاب، وخضعت له الأجساد، ما هو؟ فقال: "ظل الله في الأرض، فإذا أحسن فله الأجر، وعليكم الشكر، وإذا أساء فعليه الإصر، وعليكم الصبر". وفي الحديث: "عدل ساعة خير من عبادة سبعين سنة".

стр. 8165

وعن إزد شير: لا سلطان إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل، وحسن سياسة. قيل: السياسة أساس الرياسة. ٤٢ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ يا محمد (١) وصيغة المضارع في الشرط مع تحقيق التكذيب، لما أن المقصود تسليته ﵇، عما يترتب على التكذيب من الحزن المتوقع؛ أي: وإن تحزن على تكذيب قومك إياك، فاعلم أنك لست بأوحدي في ذلك، ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل تكذيبهم إياك ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا. ﴿و﴾ كذبت ﴿عاد﴾ هوداً. ﴿و﴾ كذبت ﴿ثمود﴾ صالحًا. ٤٣ - ﴿و﴾ كذبت ﴿قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ إبراهيم ﴿و﴾ كذبت ﴿قَوْمُ لُوطٍ﴾ لوطًا. ٤٤ - ﴿و﴾ كذب ﴿أَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ شعيبًا. ومدين كان ابنا لإبراهيم ﵇، ثم صار علمًا لقرية شعيب. وعدل عن قوم شعيب؛ لأن أصحاب مدين أعرق من أصحاب الأيكة في التكذيب، فلذلك خصهم بالذكر. وفيه (٢) إرشاد له ﷺ إلى الصبر على قومه، والاقتداء بمن قبله من الأنبياء في ذلك. وقد تقدم ذكر هذه الأمم، وما كان منهم ومن أنبيائهم، وكيف كانت عاقبتهم. وإنما غير النظم في قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ فجاء بالفعل مبنيًا للمفعول؛ لأن قوم موسى لم يكذبوه، وإنما كذبه غيرهم من القبط. وفي "المختار" القبط بوزن القسط، أهل مصر، وهم أصلها. واحدهم قبطي اهـ. أي: كذبه (٣) القبط، وأصروا إلى وقت الهلاك. وأما بنوا إسرائيل فإنهم وإن قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، ونحوه، فما استمروا على العناد، بل كلما تجددت لهم المعجزة، جددوا الإيمان. هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقال. وغير النظم بذكر المفعول، وبناء الفعل له، للإيذان بأن تكذيبهم له كان في غاية الشناعة، لكون آياته في كمال الوضوح. ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: أمهلت للكافرين، وأخرت عنهم العقوبة إلى أجلهم المسمى. والفاء لترتيب الإمهال على

стр. 8166

التكذيب. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾؛ أي: أخذت كل فريق من فرق المكذبين، بعد انقضاء مدة إملائه، وإمهاله بعذاب الطوفان والريح الصرصر، والصيحة، وجند البعوض، والخسف، والحجارة، وعذاب يوم الظلة، والغرق في بحر القلزم، والاستفهام في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ للتقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه. والمعنى: فليقر المخاطبون بأن إهلاكي لهؤلاء، كان واقعًا موقعه هذا، وحمله على التعجب أوضح. فكأنه قيل: ما أشد ما كان إنكاري عليهم؛ أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم بتغيير ما كانوا فيه من النعم محنًا، والحياة هلاكًا، والعمارة خرابًا؛ أي: فكان ذلك في غاية الهول، والفظاعة. وحاصل الآية: قد أعطيت هؤلاء الأنبياء ما وعدتهم من النصرة، فاستراحوا، فاصبر أنت إلى هلاك من يعاديك فتستريح. والنكير اسم من المنكر. قال الزجاج: أي: ثم أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار. قال الجوهري: النكير والإنكار تغيير المنكر. وأثبت ياء نكير، حيث وقع في القرآن، وَرْشٌ في الوصل، وحذفها في الوقف. والباقون يحذفونها وصلًا، ووقفًا اهـ "سمين". والمعنى: أي (١) فإن يكذبك هؤلاء المشركون بالله على ما آتيتهم به من الحق، وما يعدهم به من العذاب على كفرهم به .. فلست بأوحدي في ذلك، فتلك سنة إخوانهم من الأمم الخالية، المكذبة لرسلها، وذلك منهاج من قبلهم، فلا يصدنك ذلك فإن العذاب من ورائهم، ونصري إياك وأتباعك عليهم آت لا محالة، كما أتى عذابي على أسلافهم، من الأمم من قبلهم، بعد الإمهال. فقد أمهلت أهل الكفر من هذه الأمم، فلم أعاجلهم بالنقمة، والعذاب، ثم أحللت بهم عقابي بعدئذٍ. فانظر أيها الرسول كيف كان تغييري، ما كان بهم من نعمة، وتنكري لهم عما كنت عليه من الإحسان إليهم، ألم أبدلهم بالكثرة قلة، وبالحياة موتًا وهلاكًا، وبالعمارة خرابًا. فكذلك سأفعل بمكذبيك من قريش، وإن أمليت لهم

стр. 8167

إلى آجالهم، فإني منجزك وعدي فيهم، كما أنجزت غيرك من رسلي وعدي في أممهم، فأهلكتهم، وأنجيت رسلي من بين أظهرهم. ونحو الآية قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. ٤٥ - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال. المولى الجامي (١): في "شرح الكافية" من الكناية كأين، وإنما بني لأن كاف التشبيه دخلت على أيّ، وأيُّ كان في الأصل معربًا، لكنه انمحى عن الجزأين معناهما الإفرادي فصار المجموع كاسم مفرد، بمعنى كم الخبرية، فصار كأنه اسم مبني على السكون آخره نون ساكنة، كما في من، لا تنوين تمكن، ولهذا يكتب بعد الياء نون مع أن التنوين لا صورة له في الخط. انتهى. والمعنى: فكثير من القرى. وهو مبتدأ، وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ خبره. وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ جملة حالية من مفعول ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. والمراد ظلم أهلها بالكفر والمعاصي، وهو بيان لعدله، وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر أنه لم يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم. وقرأ (٢) أبو عمرو وجماعة: ﴿أهلكتها﴾ بتاء المتكلم، على وفق قوله: فأمليت ثم أخذت. وقرأ الجمهور ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ بنون العظمة. أي: فكثير من أهل القرى أهلكناهم، والحال أن أهلها ظالمون بالإشراك والمعاصي وجملة قوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ معطوفة على ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. والمراد (٣) بضمير القرية حيطانها، والخواء بمعنى السقوط، من خوى النجم إذا سقط؛ أي: ساقطة حيطان تلك القرية. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: على سقوفها، بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها، ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف. فالعروش السقوف؛ لأن كل مرتفع أظللت فهو عرش، سقفًا كان، أو كرمًا، ظلة أو نحوها. ﴿وَبِئْرٍ﴾ معطوف على قرية؛ أي: وكم من بئر عارمة في البوادي؛ أي: فيها الماء ومعها آلات الاستقاء ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾: أي: متروكة مخلاة، لا يستقى منها

стр. 8168

لهلاك أهلها. وقرأ الجحدري والحسن وجماعة: ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ مخففًا. ﴿و﴾ كم من ﴿قَصْرٍ﴾؛ أي: بناء ﴿مَشِيدٍ﴾؛ أي: رفيع طويل عال. وقيل مجصص خال عن السكان لهلاك أهلها. والمعنى (١): وكم من قرية ﴿أهلكناها﴾، وكم بئر عطلناها عن سقاتها، وكم قصر مشيد أخليناه عن ساكنيه، فترك ذلك لدلالة معطلة عليه. وإنما بني ﴿مشيد﴾ هنا من شاده. وفي النساء من شيده؛ لأنه هناك وقع بعد جمع، فناسب التكثير. وهنا وقع بعد مفرد، فناسب التخفيف؛ ولأنه رأس آية وفاصلة، اهـ "سمين". وقيل (٢): إن البئر المعطلة والقصر المشيد باليمن، أما القصر فعلى قُلَّةِ جبل، والبئر في سفحه، ولكل واحد منهما قوم، كانوا في نعمة، فكفروا، فأهلكهم الله تعالى، وبقي البئر والقصر خاليين، وقيل: إن هذه البئر كانت بحضرموت، في بلدة يقال لها: حاضوراء، وذلك أن أربعة آلاف نفر ممن آمن بصالح ﵇ لما نجوا من العذاب، أتوا إلى حضرموت ومعهم صالح، فلما حضروه مات صالح، فسمي المكان حضرموت لذلك. ولما مات صالح بنوا حاضوراء، وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم رجلًا منهم، فأقاموا دهرًا، وتناسلوا حتى كثروا، وعبدوا الأصنام، وكفروا فأرسل الله تعالى إليهم نبيًا يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان حمالًا فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله تعالى، وعطلت بئرهم، وخرب قصرهم. قال الإمام السهيلي: قيل: أن البئر الرس. وكانت بعدن لأمة من بقايا ثمود، وكان لهم ملك عدل حسن السيرة يقال له العَلَسُ، وكانت البئر تسقي المدينة كلها، وباديتها، وجميع ما فيها من الدواب، والغنم، والبقر، وغير ذلك. وقال الثعلبي: وأما القصر، فقصر بناه شداد بن عاد بن إرم، لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا، وحاله أيضًا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنس، وإفقاره بعد العمران. والمعنى (٣): أي فكثير من القرى أهلكناها، إذ كان أهلها يعبدون غير من

стр. 8169

ينبغي أن يعبد، ويعصون من لا ينبغي أن يعصى، فخوت من مكانها، وتساقطت على عروشها؛ أي: سقطت حيطانها فوق سقوفها، وكم من بئر عطلناها، بإفناء أهلها، وأهلاك وارديها، فلا واردة لها ولا صادرة منها، وكم من قصر شيد بالصخور والجص قد خلا من سكانه، بما أذقنا أهله بسوء أفعالهم، فبادوا وبقيت القصور المشيدة خالية منهم. قال قتادة: شيدوه وحصنوه فهلكوا وتركه، ٤٦ - ثم أكد لهم صدق وعيده، وأحالهم على ما يشاهدون بكرة وعشيا. فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ الهمزة فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: (١) أغفل أهل مكة فلم يسافروا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في اليمن والشام ليروا مصارع المهلكين. ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ﴾ بسب ما يشاهدونه من مواد الاعتبار. وقرأ مبشر بن عبيد ﴿فيكون﴾ بالياء. والجمهور بالتاء. وهو منصوب على جواب الاستفهام، وهو في التحقيق منفي. ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ما يجب أن يعقل من التوحيد. ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يجب أن يسمع من أخبار الأمم المهلكة ممن يجاورهم من الناس، فإنهم أعرف منهم بحالهم، وهم وإن كانوا قد سافروا فيها ولكنهم حيث لم يسافروا للاعتبار جعلوا غير مسافرين، فحثوا على ذلك فالاستفهام للإنكار. ﴿فَإِنَّهَا﴾؛ أي: فإن القصة، فالضمير فيه للقصة. وحسن التأنيث هنا ورجحه كون الضمير وليه فعل بعلامة التأنيث، وهي التاء في ﴿لا تعمى﴾، ويجوز في الكلام التذكير. وقرأ به عبد الله، ﴿فإنه لا تعمى﴾، ذكره في "البحر". ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾؛ أي: أبصار العيون. ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ أي: ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما هو في عقولهم باتباع الهوى، والانهماك في الغفلة؛ أي: لا تدرك عقولهم مواطن الحق، ومواضع الاعتبار. قال الفراء والزجاج: إن قوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام، كقوله: عشرة كاملة، ويقولون بأفواههم، ويطير بجناحيه. وللتنبيه على

стр. 8170

أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يختص بالبصر، وأكثر الناس عميان بصيرة القلب، لا يبصرون به أمر دينهم. والمعنى (١): إن عمى القلب، هو الضار في أمر الدين، لا عمى البصر؛ لأن البصر الظاهر بُلْغَةٌ ومُتْعَةٌ، وبصر القلوب، هو البصر النافع. ومعنى الآية أي: أفلم يسر (٢) هؤلاء المكذبون بآيات الله، الجاحدون لقدرته في البلاد، فينظروا إلى مصارع أضرابهم، من مكذبي رسل الله، الذين خلوا من قبلهم، كعاد، وثمود، وقوم لوط، وشعيب، ويروا أوطانهم، ومساكنهم، ويسمعوا بآذانهم أخبارهم، فيتفكروا، ويعتبروا بها، ويعلموا أمرها، وأمر أهلها، وكيف نابتهم النوائب، وغالتهم غوائل الدهر فيكون في ذلك معتبر لهم لو أرادوا، فينيبوا إلى ربهم، ويعقلوا حججه التي بثها في الآفاق، ثم أظهر اليأس من إيمانهم؛ لأن القلوب قد عميت فلا تبصر الدلائل الكونية، ولا البراهين العقلية، فقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾؛ أي: إن أبصارهم وإن كانت سالمة لا عمى بها، فقد أصابهم عمى القلوب. والعمدة على الثاني، لا على الأول، فعمى الأبصار ليس بشيء، إذا قيس بعمى القلوب، والبصائر. وفي هذا تهويل أيما تهويل. ٤٧ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾؛ أي: ويطلب منك يا محمد هؤلاء المشركون من أهل مكة المكذبون بالله وكتابه ورسوله، واليوم الآخر ﴿بِالْعَذَابِ﴾؛ أي: بمجيء العذاب الذي تحذرهم منه وتوعدهم إياه عجلة إنكارًا منهم لوقوعه، واستهزاء بحلوله، وتعجيزًا له، واستبعادًا لمجيئه. أي: يطلبون عجلتك بالعذاب؛ أي: أن تأتيهم به عاجلًا. وكانوا يقولون له كما تقول الأمم السابقة لأنبيائهم ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين. ثم بين أنه آت لا محالة، فقال: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ﴾ ﴿وَعْدَهُ﴾؛ أي: لن يترك وفاء ما وعده لك من نصرك عليهم، وإنزال العذاب لهم في الدنيا. وقد أنجز الله وعده يوم بدر، فقتل منهم سبعون، وأسر منهم سبعون.

стр. 8171

ثم ذكر (١) أن لهم مع عذاب الدنيا في الآخرة عذابًا طويلًا، فقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من أيام عذابهم في الآخرة لشدة هوله، وأليم عذابه ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ من سني الدنيا في الثقل، والاستطالة وكثرة الآلام، فلو عرفوا حال عذاب الآخرة أنه بهذا الوصف لما استعجلوه. والخطاب فيه للرسول ومن معه من المؤمنين. كأنه قيل: كيف يستعجلون بالعذاب، ويوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنِتَكُم. إما من حيث طول أيام عذابه حقيقة، أو من حيث إن أيام الشدائد مستطالة، كما يقال: ليل الفراق طويل وأيام الوصل قصار. ويقال: سنة الوصل سنة. وسنة الهجر سنة. اهـ "روح البيان". وقيل معناه (٢): أن يومًا عنده وألف سنة في الإمهال سواء؛ لأنه قادر متى شاء أخذهم، لا يفوته شيء بالتأخير فيستوي في قدرته وقوع ما يستعجلونه من العذاب وتأخيره. ومعنى ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ أي (٣): وكيف ينكرون مجيء ذلك العذاب، وقد وعد الله به، وما وعد به كائن لا محالة، وهو كما فعل بمن قبلهم، يفعل بهم؛ لأن ذلك هو نهجه الثابت، وصراطه المستقيم، وسيحل بهم مثل ما حل بغيرهم. ومعنى ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾؛ أي: وإن قلتم: إن العهد قد طال، ولم يحل بنا العذاب، فأين هو؟ قلنا: إن الله سبحانه حليم، وألف سنة عندكم كيوم عنده، فهو سينفد وعده بعد أمد طويل عندكم، قريب عنده، كما قال: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ فإذا تأخر عذاب الآخرة أمدًا طويلًا فلا يكون في ذلك إخلاف للوعد، فعشرون ألف سنة عند ربك كعشرين يومًا عندكم. والخلاصة (٤): أن سنتي لا بد من نفاذها، ولا بد من إهلاك الظالمين ولو بعد حين، أممًا وأفرادًا، في الدنيا والآخرة، أو عذابهم في الآخرة فحسب مع

стр. 8172

الأكدار في الدنيا وهم لا يشعرون. وقال أبو حيان (١): واختلفوا في هذا التشبيه، فقيل: في العدد؛ أي: اليوم عند الله ألف سنة من عددكم. وفي الحديث الصحيح: "يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمس مئة عام". فالمعنى: وإن طال الإمهال فإنه في بعض يوم من أيام الله. وقيل: التشبيه وقع في الطول للعذاب فيه والشدة؛ أي: وإن يومًا من أيام عذاب الله، لشدة العذاب فيه وطوله، كألف سنة من عددكم، إذ أيام الترحة مستطالة، وأيام الفرحة مستقصرة. وكان ذلك اليوم كألف سنة من سني العذاب والمعنى: أنهم لو عرفوا حال الآخرة ما استعجلوه. وقيل: التشبيه بالنسبة إلى علمه تعالى وقدرته، وإنفاذ ما يريد كألف سنة. وقال ابن عيسى: يجمع لهم عذاب ألف سنة في يوم واحد، ولأهل الجنة سرور ألف سنة في يوم واحد واقتصر في التشبيه على الألف؛ لأن الألف منتهى العدد بلا تكرار. انتهى. وقيل المعنى (٢): وإن يومًا من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا، فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياسًا. وجملة قوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ محلها النصب على الحال؛ أي: والحال أنه لا يخلف وعده أبدًا، وقد سبق الوعد فلا بد من مجيئه حتمًا، أو هي اعتراضية مبينة لما قبلها. وعلى الأول تكون جملة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ إلخ مستأنفة، وعلى الثاني تكون معطوفة على الجملة التي قبلها، مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال. وقرأ الأخوان حمزة والكسائي: ﴿مما يعدون﴾ بالتحتية. واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب. ﴿وتستعجلون بالعذاب﴾ واختارها أبو حاتم. ويكون فيه التفات. فعلى (٣) العاقل أن يلاحظ أن كل آت قريب، ولا يغتر بالإمهال، فإن بطش الله شديد، وعذابه لا

стр. 8173

يطاق، ويسارع إلى رضي الله تعالى بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، وترك الاستهزاء بالدين وأهله بأحكام الله، ووعده، ووعيده، فإن الله صادق في قوله، حكيم في فعله، وليس للعبد إلا تعظيمه وتعظيم أمره. ٤٨ - ثم أكد ما ذكره من عدم إخلاف الوعد وإن طال الأمد، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾؛ أي: وكثير من أهل قرية ﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾؛ أي: أمهلتها بتأخير العذاب، كما أمهلت لهؤلاء ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾؛ أي: والحال أنها ظالمة مستوجبة لتعجيل العقوبة لها، كدأب هؤلاء ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ وأهلكتها بالعذاب بعد طول الإمهال. ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: إلى (١) حكمي ومجازاتي مرجع الكل، لا إلى أحد غيري، لا استقلالًا ولا شركة، فأفعل بهم ما أفعل مما يليق بأعمالهم. وفيه إشارة إلى أن الإمهال يكون من الله تعالى، والإهمال لا يكون منه، فإنه يمهل ولا يهمل، ويدع الظالم في ظلمه، ويوسع له الحبل، ويطيل به المهل، فيتوهم أنه يفلت من قبضة التقدير، وذلك ظنه الذي أراد. ويأخذه من حيث لا يرتقب، فيعلوه ندامة ولات حينه. وكيف يستبقي بالحياة ما حق في التقدير عدمه، وإلى الله مرجعه، فالظلم من العبد سبب للأخذ من الله، فلا يلومن إلا نفسه. وجملة قوله: ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ تذيلية، ذكرت لتقرير ما قبلها. والمعنى؛ أي: وكم (٢) من قرية أخرت إهلاكها مع استمرارها على ظلمها، فاغترت بذلك التأخير، ثم أنزلت بها بأسي، وشديد انتقامي، وحسابها بعد مدخر ليوم الحساب، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، ولا يخفى ما في هذا من شديد الوعيد، وعظيم التهديد. فائدة: فإن قلت (٣): لم كرر التكثير بكأين من القرى؟ قلت: لا تكرار فيه؛ لأن الثانية أفادت غير ما أفادت الأولى؛ لأنه ذكر في الأولى القرية التي أهلكها بدون إملاء وإمهال، بل أعقب الإهلاك بعد التذكير.

стр. 8174

وذكر في الثانية القرية التي أمهل لها حتى استعجلت بالعذاب، ثم جاء إهلاكها، تنبيهًا على أن قريشًا وإن أمهلهم حتى استعجلوا بالعذاب لا بد من عذابهم، فلا يغتروا بتأخير العذاب عنهم. فإن قلت: لم عطفت الأولى بالفاء، والثانية بالواو، فما الفرق بينهما؟ قلت: الأولى وقعت بدلًا من قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ فناسبتها الفاء، والثانية وقعت بعد الجملتين المعطوفتين بالواو. أعني قوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ فناسبها العطف بالواو، كما ذكره الزمخشري. ٤٩ - ثم أبان لهم عظيم خطأهم في طلب تعجيل العذاب من الرسول بقوله: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء المشركين المستعجيلن للعذاب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم إنذارًا بينًا بما أوحي إلى من أخبار الأمم المهلكة، من غير أن يكون لي دخل في إتيان ما توعدونه من العذاب، حتى تستعجلوني به. فإن قلت: لِمَ اقتصر (١) هنا على الإنذار فقط، مع أنه بين حال الفريقين فيما بعد؟ قلت: لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين وعقابهم، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم فيما بعد زيادة في غيظهم. والمعنى: قل يا أيها المشركون المستعجلون مجيء العذاب: ليس ذلك إلى، وإنما أرسلني ربي نذيرًا لكم، بين يدي عذاب شديد، وليس إلى من حسابكم من شيء، بل أمر ذلك إلى الله، إن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء آخره عنكم، وإن شاء تاب على من يتوب وينيب إليه. ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ٥٠ - ثم فصل هذا الإنذار بذكر الوعد للمتقين، والوعيد للكافرين، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وحده وصدقوا رسوله، وقبلوا ما جاء به. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الخيرات بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات، ﴿لَهُمْ﴾ عند ربهم ﴿مَغْفِرَةٌ﴾؛ أي: ستر وتجاوز عن ذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾؛ أي: نعيم دائم لا ينقطع أبدًا في الجنة.

стр. 8175

والمعنى: أي (١) فالذين آمنت قلوبهم، وصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة لهم، مغفرة لما سلف من سيئاتهم، وثواب جسيم عند ربهم على ما قدموا من حسناته، ولهم رزق كريم في الجنة، يفوق وصف الواصفين، ومقال المادحين. كما قال تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ وفي الحديث: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". ٥١ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا﴾ واجتهدوا ﴿فِي﴾ إبطال ﴿آيَاتِنَا﴾ ورد دعوتنا وتكذيب رسولنا وثبطوا الناس عن متابعته حالة كونهم ﴿مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: ظانين عجزنا عن أخذهم، أو سبقهم عذابنا، ظنا منهم أنهم يعجزوننا، وأنهم لا يبعثون. أو معارضين المؤمنين، فكلما طلب المؤمنون إظهار الحق طلب هؤلاء إبطاله. يقال (٢): عاجزه إذا سابقه؛ لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر، فإذا سبقه قيل: أعجزه وعجزه، قاله الأخفش. وقيل: معنى معاجزين ظانين ومقدرين أن يعجزوا الله سبحانه، ويفوتوه فلا يعذبهم. قاله الزجاج. وقيل: معاندين. قاله الفراء. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالسعي والمعاجزة ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾؛ أي: ملازموا النار الموقدة، مقيمون فيها لا يخرجون منها أبدًا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والجحدري وأبو السمال والزعفراني (٣): ﴿مُعجزين﴾ بالتشديد هنا، وفي حرفي سبأ زاد الجحدري في جميع القرآن؛ أي: مثبطين. وقرأ باقي السبعة ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ بألفٍ. وقرأ ابن الزبير ﴿مُعْجِزين﴾ بسكون العين وتخفيف الزاي، من أعجزني، إذا سبقك ففاتك. قال صاحب "اللوامح": لكنه هنا، بمعنى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: ظانين أنهم يعجزوننا. وذلك لظنهم أنهم لا يبعثون. وقيل في معاجزين: بمعنى معاندين، ومعجزين بالتشديد. بمعنى: مثبطين الناس عن الإسلام، ومعجزين بالتخفيف، بمعنى: ناسبين أصحاب النبي ﷺ إلى العجز. كما تقول: فسقت فلانًا. إذا نسبته إلى الفسق. قاله أبو علي الفارسي.

стр. 8176

٥٢ - وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ إلخ. شروع في تسلية ثانية لرسول الله ﷺ ، بعد التسلية الأولى، بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلخ. والمراد بالرسول هنا من جاء بشرع جديد، كموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم. والنبي من جاء لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉؛ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من رسول ﴿وَلَا﴾ نبأنا من ﴿نَبِّيٍ﴾ في حال من الأحوال ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾؛ أي: إلا والحال أنه إذا تمنى وقرأ ذلك الرسول أو النبي ما أوحي إليه من الكتاب. ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ في قلوب سامعيه شبهة ﴿فِي﴾ شأن ﴿أُمْنِيَّتِهِ﴾؛ أي: في شأن قراءته، فيلقي في قلوب بعض السامعين إن هذا المقروء سحر. وفي قلوب بعضهم أنه شعر وفي قلوب بعضهم أنه أساطير الأولين، وفي قلوب بعضهم أنه كهنة. ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾؛ أي: فيزيل الله ، ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ في قلوب السامعين من تلك الشبهات والخرافات بنور الهداية، بأن يقيض للدين من يدافع عنه، ويدفع تلك الشبهات. ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ﴾ ، ويثبت ﴿آيَاتِهِ﴾ التي تلاها الرسول، أو النبي في قلوب السامعين وغيرهم، حتى لا يجد أحد سبيلًا إلى ردها وإبطالها؛ أي: ثم يجعل آياته محكمة مثبتة، لا تقبل الرد بحال. وخلاصة ذلك (١): أن الله حين أنزل القرآن، وقرأه الرسول ﷺ ، قال المشركون: فيه ما قالوا من تلك الشبهات السابقة، ثم لما استبان الحق، وجاءت غزوة بدر، ونصر الله المسلمين الذين بشرهم، كتابه بالنصر على أعدائهم ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ استتب لهم الأمر ودخل أعداؤهم في دينهم أفواجاً. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ وما مثل هذا إلا مثل النباتات الطفيلية، التي تنبت في الأرض بجانب ما يزرع فيها من حنطة وفول، وعدس، وحمص، وغيرها مما يحتاج إليه الناس، ولا تزال تلك الطفيلية تتغذى من الأرض، وتأخذ غذاء النبات

стр. 8177

النافع، فلا يهدأ للزارع بالٌ حتى يزيلها، ويوفر غذاءها للنبات الذي هو في أشد الحاجة إليه. وما أشبه الليلة بالبارحة، فإنك الآن لترى أهل أوربا يرسلون الجيوش، والمبشرين من القساوسة، التي تفتح المدارس في بلاد الشرق وغيرها، ويقولون: للمسلمين إن دينهم محشو بالخرافات، والأكاذيب، ويشككون فيه من تعلموا في تلك المدارس، ويصدق بعض غوغائهم تلك الأباطيل، حتى لقد قيل: إن هذا الدين لا يعيش في ظل العلم، ولا يقبل الأفكار والآراء، وهو والعلم عدوان لا يجتمعان. ومما جعل لهم بعض المعذرة فيما يقولون: حال المسلمين من الخمول، وسوء الأحوال، وقبيح المعتقدات والأعمال، مما جعلهم مضغة في أفواه الأمم المتمدنة. ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾. وإن الله لينسخ تلك الوساوس ويزيل هذه الأوهام، فقد تصدى كثير من ذوي المعرفة لدحض تلك المفتريات، فقام العالم الحكيم محمد عبده، وألف كتابه "الإسلام والنصرانية" ودفع كثيرًا من مطعان أولئك المبشرين. وقام بعده كثير من أهل الفقه بالدين، فاحتذوا حذوه، وواصلوا الليل بالنهار، في دحض تلك الشبه، وان الله لناصر دينه ولو كره الكافرون. هذا وقد دس (١) بعض الزنادقة في تفسير هذه الآية أحاديث مكذوبة، لم ترد في كتاب من كتب السنة "الصحيحة" وأصول الدين تكذبها، والعقل السليم يرشد إلى بطلانها. وأنها ليست من الحق في شيء، وهي مما تشكك المسلمين في دينهم وتجعلهم في حيرة من أمر الوحي، وكلام الرسول، فيجب على العلماء طرحها وراءهم ظهريًا. وأن لا يضيعوا الزمن في تأويلها وتخريجها، وأن لا يسرفوا الأوراق والحبر في كتابتها ولا سيما بعد أن نص الثقات من المحدثين على وضعها وكذبها، لمصادمتها لأصول الدين التي لا تقبل شكًا ولا امتراء.

стр. 8178

وهي قصة الغرانيق. وقد سئل الإمام محمد بن إسحاق جامع السيرة النبوية عن قصة الغرانيق؟ فقال: هذا من وضع الزنادقة، وصنف في ذلك كتابًا. وقال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال ما معناه إن رواتها مطعون عليهم، وليس في "الصحاح"، ولا في التصانيف الحديثة شيء مما ذكروه، فوجب اطراحه، ولذلك نزهت كتابي عن ذكره فيه. والعجب من نقل هذا، وهم يتلون في كتاب الله تعالى ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ الآيات. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة. وقال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، ولكنها من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إليه، وبما ألقى الشيطان ﴿حَكِيمٌ﴾؛ أي: ذو الحكمة البالغة في تمكينه من ذلك الإلقاء، يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الإيمان من المتزلزل فيه؛ أي: والله عليم بكل شيء، ومن ذلك ما يصدر عن الشيطان وأوليائه، فيجازيهم عليه أشد الجزاء. حكيم في أفعاله، ومن ذلك أن يمكن الشيطان من إلقاء الشبهات، ليحاج أولياءه بها، فيتمكن المؤمنون من ردها، ودحض المفتريات التي يتشدقون بها، ويرجع الحق إلى نصابه، فتظهر الحقيقة ناصعة بيضاء، من بين تلك الظلمات، فتمحو الظلام الذي كان عالقًا بنفوس الذين في قلوبهم مرض، وتضيء آفاق العقول السليمة، وتهديهم إلى طريق الرشاد. ٥٣ - وإلى الفريقين أشار بقوله: ١ - ﴿لِيَجْعَلَ﴾ وهذه الجملة علة للإلقاء؛ أي: ذلك الإلقاء من الشيطان لكي يجعل ﴿مَا يُلْقِي﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ في قلوب أوليائه من تلك الشبهات ﴿فِتْنَةً﴾ واختبارًا ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك ونفاق؛ لأنه مرض قلبي، مؤد إلى الهلاك الروحاني. كما أن المرض القلبي مؤد إلى الهلاك الجسماني. ﴿و﴾ فتنة لـ ﴿الْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أي: فتنة للذين قست قلوبهم، وغلظت عن قبول التوحيد، وهم المشركون؛ لأن قلوبهم لا تلين للحق أبدًا، ولا ترجع إلى

стр. 8179

الصواب بحال. أي: ذلك الإلقاء ليجعل ما يلقيه الشيطان في قلوب أوليائه فتنة، وضلالة للمنافقين، الذين في قلوبهم مرض، ونفاق. وللكافرين الذين قست قلوبهم فلا تلين لقبول الحق، ولا ترعوي عما هي فيه من الغي والضلال. ثم (١) سجل سبحانه على هاتين الطائفتين، وهما من في قلبه مرض، ومن في قلبه قسوة، بأنهم ظالمون. فقال: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بحرمانها من سعادة الدارين يعني المنافقين والمشركين، ففيه وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلًا عليهم اسم الظلم. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾ وخلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق والصواب؛ أي: لفي عداوة شديدة، ومخالفة تامة. ووصف الشقاق بالبعد، مع أن الموصوف به حقيقة من قام به للمبالغة. أي: وإن (٢) هذين الصنفين من الضلال لفي عداوة لأمر الله، وبعد عن الرشاد والسداد بما لا مطمع لهما معه في النجاة، والفوز برضا الله تعالى. ٥٤ - ولما بيَّن سبحانه، أن ذلك الإلقاء كان فتنة في حق أهل النفاق والشرك، بين أنه في حق المؤمنين العالمين بالله العارفين به، سبب لحصول العلم لهم، بأن القرآن حق وصدق فقال: ٢ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ أي: ولكي يعلم الذين رزقوا العلم بالله وبآياته، بنسخ ما يلقي الشيطان في قلوب أوليائه من تلك الشبهات وبإحكام آياته ﴿أَنَّهُ﴾؛ أي: أن القرآن المقروء للرسول هو ﴿الْحَقُّ﴾ النازل ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: من عند ربهم ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾؛ أي: فيصدقوا به. أي: (٣) يثبتوا على الإيمان به، أو يزدادوا إيمانًا برد ما يلقي الشيطان. وهو عطف على قوله ليعلم. ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ﴾ أي: للقرآن؛ أي: تخشع وتتواضع له ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ أي: قلوب الذين أوتوا العلم وتذعن للإقرار به نفوسهم، وتنقاد له، وتعمل بما فيه من عبادات، وآداب،

стр. 8180

وأحكام. وهي مثلجة الصدر، هادئة مطمئنة ببرد اليقين والسير على نهج سيد المرسلين. ثم بين حسن مآلهم، وفوزهم بسعادة العقبى. فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ : ﴿لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في الأمور الدينية خصوصًا في المداحض، والمشكلات التي من جملتها هذا الإلقاء ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: إلى نظر صحيح موصل إلى الحق الصريح. أي: وإن الله سبحانه لمرشد الذين آمنوا به وصدقوا برسوله، وموفقهم إلى الحق الواضح بنسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسوله حين تلاوة الوحي، وحفظ أصول الدين الصحيحة في نفوسهم، والعمل بها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وخلاصة ذلك: أن الله ليهدي الذين آمنوا إلى تأويل ما تشابه من الدين، وتفصيل ما أجمل منه بما تقتضيه الأصول المحكمة، فلا تلحقهم حيرة، ولا تعتريهم شبهة، ولا تزلزل أقدامهم ترهات المبطلين. وقرأ الجمهور (١): ﴿لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالإضافة. وأبو حيوة وابن أبي عبلة بتنوين ﴿لهادٍ﴾. ٥٥ - ثم أردفه ببيان مآل الفريق الأول، فقال: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾؛ أي: في شك ﴿مِنْهُ﴾؛ أي: مما ألقى الشيطان في قلوبم من تلك الشبهات والخرافات حين قراءة الرسول القرآن عليهم ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾؛ أي: (٢) حتى يأتيهم الموت فجأة، وهم في بيوتهم آمنون. ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾؛ أي: أو يشتبكوا مع المؤمنين في قتال يهلك فيه أبطالهم، وصناديدهم، كما حدث يوم بدر. وقد جعل هذا اليوم عقيمًا؛ لأن المقاتلين يسمون أبناء الحرب، فإذا هم قتلوا وصف هذا اليوم بأنه عقيم. أو المعنى (٣): ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾؛ أي: القيامة ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة؛ لأنه لا يوم بعده، فكان بهذا الاعتبار عقيمًا. والعقيم

стр. 8181

في اللغة من لا يكون له ولد، ولما كانت الأيام تتوالى، جعل ذلك كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم، ولا ليلة وصف بالعقيم. وقيل: إن اليوم وصف بالعقيم؛ لأنه لا رأفة فيه، ولا رحمة. فكأنه عقيم عن الخير. فكأنه قال: حتى تأتيهم الساعة أو يأتيهم عذابها. وخلاصة هذا: أنه لا مطمح في إيمانهم ولا لزوال المرية من قلوبهم، فهم لا يزالون كذلك حتى يهلكوا. ٥٦ - وبعد أن بين سبحانه حال الفريقين في الدنيا، أرشد إلى حالهم في الآخرة. فقال: ﴿الْمُلْكُ﴾؛ أي: السلطان القاهر، والاستيلاء التام، والتصرف على الإطلاق. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ تأتيهم الساعة، أو العذاب ﴿لِلَّهِ﴾ سبحانه وحده لا منازع له فيه، ولا مدافع له عنه. وجملة قوله: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، فكأنه قيل: فماذا يصنع بهم حينئذٍ، فقيل: يحكم بين فريقي المؤمنين بالقرآن، والمجادلين فيه بالمجازاة اللائقة بكل منهما. أي: إذا جاء (١) يوم القيامة .. حكم ربهم بينهم بالحق، وجازى كلا منهما بما هو له أهل، وبما أعد نفسه له في الدنيا من عمل صالح، زكى به نفسه، وطهر به روحه، أو عمل سيء دسَّاها به، فرانت على قلبه غشاوة الشكوك والأوهام، واجترام المعاصي والآثام. ثم فسر هذا الحكم والمحكوم عليهم، وفصله بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالقرآن ولم يجادلوا فيه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي: الخيرات بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه مستقرون ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ لا يموتون فيها، ولا يخرجون؛ أي: فالذين آمنوا بهذا القرآن وبمن أنزله، وبمن جاء به، وعمل بما فيه من أوامر ونواه، يثيبهم ربهم جنات النعيم، يستمتعون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، جزاء وفاقًا على ما زكوا به أرواحهم، وأخلصوا له في أعمالهم، وراقبوه في السر والعلن، وخافوا عذابه في ذلك اليوم

стр. 8182

الذي تشيب من هوله الولدان. ٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾؛ أي: أصروا على ذلك، واستمروا. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ خبره جملة قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي: عذاب ذو إهانة، يذهب بعزهم وكبرهم رأساً، وبالكلية، ويلحقهم من الخزي والصغار ما لا يحيط به الوصف، و (١) إدخال الفاء في خبر الثاني، دون الأول، تنبيه على أن إثابة المؤمنين بطريق التفضل، لا لإيجاب الأعمال الصالحة إياها وأن عقاب الكافرين بسبب أعمالهم السيئة. والمعنى: أي (٢) والذين كفروا بالله وكذبوا رسوله، وجحدوا بآيات كتابه، وقالوا إنما هو إفك افتراه محمد، وأعانه عليه قوم آخرون، أولئك لهم عذاب عند ربهم، يذلهم، ويخزيهم، كفاء استكبارهم عن النظر فيها، وجحودهم بها عنادًا، وقد كان لهم فيها - لو تأملوا حق التأمل - ما يكون صادًا لهم عن غيهم، ورادعا لهم عن ضلالهم. واعلم (٣): أن الفصل والحكومة العادلة كائن لا محالة، وإن كان الكفار في شك من القرآن، وما نطق به من البعث، والمجازاة. روي أن لقمان وعظ ابنه وقال: يا بني إن كنت في شك من الموت فادفع عن نفسك النوم، ولن تستطيع ذلك، وإن كنت في شك من البعث، فإذا نمت فادفع عن نفسك الانتباه، ولن تستطيع ذلك، فإنك إذا فكرت في هذا، علمت أن نفسك بيد غيرك، فإن النوم بمنزلة الموت، واليقظة بعد النوم بمنزلة البعث بعد الموت، فإذا عرف العبد مولاه قبل أمره، ونال به عزة لا تنقطع أبدًا، وهي عزة الآخرة التي تستصغر عندها عزة الدنيا. وروي أن عابدًا رأى سليمان ﵇، في عزة الملك فقال: يا ابن داود لقد آتاك الله ملكًا عظيمًا. فقال سليمان: لتسبيحة واحدة خير مما فيه سليمان تبقى، وملك سليمان يفنى. فإذا كانت التسبيحة الواحدة أفضل من ملك

стр. 8183

سليمان، فما ظنك بتلاوة القرآن الذي هو أفضل الكتب الإلهية. ٥٨ - ثم أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر، تخصيصًا لهم بمزيد الشرف، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾ وفارقوا أوطانهم، وتركوا عشائرهم ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وطاعته، وجهاد أعدائه، طلبًا لرضاه سبحانه. وقال بعض المفسرين (١): هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة. وقال بعضهم: هم الذين هاجروا من الأوطان في سرية، أو عسكر، ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكل من سبيل الله. ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أي: قتلهم أعداء الله في الجهاد. قرأ ابن عامر وأهل الشام ﴿ثم قتِّلوا﴾ بالتشديد على التكثير. وقرأ الباقون بالتخفيف. ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ في حال المهاجرة في سفر، أو حضر من غير قتل. واللام في قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ جواب قسم محذوف، والجملة القسمية وجوابها خبر قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾. وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبرًا للمبتدأ؛ أي: وعزتي وجلالي ليثيبنهم الله تعالى ثوابًا جزيلًا لا ينقطع أبدًا، هو نعيم الجنة، جزاء ما ناضلوا عن دينه، وأخلصوا في الذود عنه. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ وأفضل المعطين، وأجود الأكرمين، يعطي من يشاء بغير حساب، ويرزق الخلق كافَّةً، بارهم وفاجرهم، وكل رزق يجري على يد العباد بعضهم لبعض فهو منه سبحانه، لا رزاق سواه، ولا معطي غيره. وجملة ﴿إن﴾ تذييلية مقررة لما قبلها. والرزق العطاء الجاري دنيويًا كان أو أخرويًا. ٥٩ - وجملة قوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾؛ أي: ليدخلن الله المهاجرين. واللام فيه للقسم. ﴿مُدْخَلًا﴾ اسم مكان أريد به الجنة. قرأ أهل المدينة: مدخلًا بفتح الميم، والباقون بضمها. وانتصابه على أنه مفعول ثان، أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور. جملة مستأنفة، أو بدل من جملة ليرزقنهم الله؛ أي:

стр. 8184

وعزتي وجلالي ليدخلنهم الله سبحانه مسكنًا يحبونه لما أنهم يرون فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا. وفي هذا من الامتنان عليهم، والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم، والأقرب إلى مطلبهم. والمعنى: أي والله ليدخلن الله المقتولين في سبيله، والموتى مهاجرين في طاعة ربهم، وذودًا عن دينه جنات النعيم، ويكرمون فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، لما لا ينالهم فيها مكروه، ولا أذى. كما قال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿لَعَلِيمٌ﴾ بدرجات العالمين، ومراتب استحقاقهم ﴿حَلِيمٌ﴾ عن تفريط المفرطين منهم، لا يعاجلهم بالعقوبة. والمعنى: أي وإن الله الذي عمت رحمته، وعظمت نعمته لعليم بمقاصدهم، وأعمالهم، وأعمال أعدائهم، حليم فلم يعاجل هؤلاء المكذبين بالعقوبة جزاء تكذيبهم ومقاومتهم دعوة الدين مع غاية الاقتدار. روي: "أن إبراهيم ﵇، رأى عاصيًا في معصيته فدعا عليه، وقال اللهم أهلكه ثم رأى ثانيًا وثالثًا ورابعًا فدعا عليه، فقال الله تعالى: يا إبراهيم لو أهلكنا كل عبد عصى ما بقي إلا القليل، ولكن إذا عصى أمْهَلْناه فإن تاب قبلناه، وإن استغفر أخرنا العذاب عنه، لعلمنا أنه لا يخرج عن ملكنا". الإعراب ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه ﴿يُدَافِعُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿عَنِ الَّذِينَ﴾ متعلق به ومفعول يدافع محذوف، تقديره: عوادي المشركين وغوائلهم. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إِنَّ﴾. وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتأكيد البشرى. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَا﴾ نافية ﴿يُحِبُّ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على ﴿اللَّهَ﴾. ﴿كُلَّ

стр. 8185

خَوَّانٍ﴾ مفعول به ومضاف إليه. ﴿كَفُورٍ﴾ صفة ﴿خَوَّانٍ﴾. وجملة ﴿لَا يُحِبُّ﴾: في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾. وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. ﴿أُذِنَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور في محل الرفع نائب فاعل، والمأذون فيه محذوف لعلمه؛ أي: في القتال، والجملة الفعلية مستأنفة، مسوقة لبيان الإذن في قتال المشركين. ﴿يُقَاتَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل صلة الموصول. ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ الباء: حرف جر وسبب. ﴿أنهم﴾ ناصب واسمه. ﴿ظُلِمُوا﴾ فعل ونائب فاعل، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في تأويل مصدر مجرور بالباء؛ أي: بسبب ظلمهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أُذِنَ﴾ ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ الواو: استئنافية، ﴿إن الله﴾ ناصب واسمه. ﴿عَلَى نَصْرِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قدير﴾ ﴿لَقَدِيرٌ﴾ اللام: حرف ابتداء ﴿قدير﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة للوعد لهم بالنصر، على طريق الرمز والكناية. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر في محل الجر نعت، أو بدل من ﴿الذين يقاتلون﴾، أو في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف. ﴿أُخْرِجُوا﴾: فعل ونائب فاعل صلة الموصول. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ متعلق بأخرجوا. ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه حال من واو ﴿أُخْرِجُوا﴾؛ أي: حالة كون إخراجهم ملتبسًا بغير حق، ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء منقطع ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ ناصب وفعل وفاعل ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُوا﴾، وجملة ﴿يَقُولُوا﴾ في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء، ولكنه على تقدير حرف الجر، كما في المستثنى منه؛ أي: ما أخرجوا بشيء من الأشياء إلا بقولهم ربنا الله. واختار الزمخشري وغيره: أن يكون الاستثناء مفرغًا لوجود النفي بغير، فـ ﴿إِلَّا﴾ أداة حصر. و ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ في محل جر على الإبدال من ﴿حَقٍّ﴾؛ أي: بغير موجب سوى التوحيد، الذي ينبغي أن يكون موجب الإقرار والتمكين، لا موجب الإخراج والتسيير. ﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لولا﴾ حرف امتناع لوجود متضمن

стр. 8186

معنى الشرط. ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مبتدأ خبره محذوف وجوبًا لقيام جواب ﴿لولا﴾ مقامه، تقديره موجود. وهو مصدر مضاف إلى الفاعل. ﴿النَّاسَ﴾ مفعول به لـ ﴿دَفْعُ﴾؛ لأن المعنى ولولا أن دفع الله الناس. ﴿بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بعضهم بدل بعض من الناس. ﴿بِبَعْضٍ﴾ متعلق بدفع. ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. ﴿لَهُدِّمَتْ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لولا﴾. ﴿هُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ فعل مغير ونائب فاعل. ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ معطوفات على ﴿صَوَامِعُ﴾. والجملة الفعلية جواب ﴿لولا﴾، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿لولا﴾ مستأنفة. ﴿يُذْكَرُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة. ﴿فِيهَا﴾ متعلق به. ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ نائب فاعل لـ ﴿يُذْكَرُ﴾. ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لمصدر محذوف؛ أي: ذكرا كثيرًا، أو صفة لظرف محذوف؛ أي: وقتا كثيرًا. والجملة الفعلية في محل الرفع صفة للمواضع المذكورة. ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ﴾ الواو استئنافية. واللام: موطئة للقسم. ﴿ينصرن﴾ فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب والجازم. في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿اللَّهُ﴾ فاعل ﴿مَنْ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف. وجملة القسم مستأنفة. ﴿يَنْصُرُهُ﴾: فعل ومفعول به وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَقَوِيٌّ﴾ اللام حرف ابتداء، ﴿قوي﴾ خبر أول لأن. ﴿عَزِيزٌ﴾ خبر ثان لها وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل النصر. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: بدل من ﴿الَّذِينَ﴾ قبلها، أو نعت ثان لـ ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو بدل من ﴿مَنْ﴾ الموصولة في قوله: ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾؛ أي:

стр. 8187

لينصرن الله، الذي هم إن مكناهم. ذكر هذا الوجه الزجاج. ﴿إن﴾. حرف شرط. ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾، على كونه فعل شرط لها. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿مَكَّنَّاهُمْ﴾. ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم بـ ﴿إِنْ﴾ على كونه جواب شرط لها، وجملة ﴿إِنْ﴾ الشرطية صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَقَامُوا﴾. ﴿وَأَمَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَقَامُوا﴾ أيضًا. ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: متعلق بـ ﴿أمروا﴾. ﴿وَنَهَوْا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَقَامُوا﴾. ﴿عَنِ الْمُنْكَرِ﴾: متعلق بـ ﴿نهوا﴾. ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: الواو استئنافية ﴿لله﴾ خبر مقدم. ﴿عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿يُكَذِّبُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون. ﴿فَقَدْ﴾: الفاء: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا، لكون الجواب مقرونًا بقد. ﴿قد﴾ حرف تحقيق. ﴿كَذَّبَتْ﴾: فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿قَبْلَهُمْ﴾ متعلق به. ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾: فاعل ومضاف إليه ﴿وَعَادٌ﴾ معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. ﴿وَثَمُودُ﴾ معطوف عليه أيضًا. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ﴾ معطوف على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾. وكذا قوله: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾. معطوفان عليه. و ﴿مَدْيَنَ﴾: ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي كزينب. ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾. ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿كُذِّب موسى﴾: فعل ونائب فاعل. والجملة في محل الجزم معطوفة على جملة قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾. ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾: الفاء: عاطفة. ﴿أمليت﴾: فعل وفاعل في محل الجزم معطوف على

стр. 8188

جملة الجواب. ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: متعلق به. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول في محل الجزم معطوف على ﴿أمليت﴾. ﴿فَكَيْفَ﴾: الفاء، عاطفة. ﴿كيف﴾: اسم استفهام للاستفهام التقريري التعجبي. في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم عليها وجوبًا. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص محل الجزم معطوف على ﴿أَخَذْتُهُمْ﴾. ﴿نَكِيرِ﴾: اسمها مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة، اجتزاء عنها بالكسرة الممنوعة بسكون الوقف. ﴿نَكِيرِ﴾: مضاف وياء المتكلم المحذوفة اجتزاء عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه. ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾. ﴿فَكَأَيِّنْ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿كأين﴾ خبرية بمعنى عدد كثير في محل الرفع، مبتدأ مبني على السكون لشبهها بالحرف، شبها معنويًا لتضمنه معنى رب التكثيرية. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ تمييز لـ ﴿كأين﴾ مجرور بـ ﴿مِنْ﴾ الزائدة. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿كأين﴾. والجملة الاسمية مستأنفة، ويجوز نصب ﴿كأين﴾ على الاشتغال بفعل محذوف يفسره ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾، فتكون جملة ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ مفسرة، ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. ﴿فَهِيَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿هي خاوية﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَاوِيَةٌ﴾. ﴿وَبِئْرٍ﴾ معطوف على ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ صفة لـ ﴿بئر﴾. ﴿وَقَصْرٍ﴾ معطوف أيضًا على ﴿قَرْيَةٍ﴾. ﴿مَشِيدٍ﴾ صفة ﴿قصر﴾. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. ﴿أَفَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار داخلة على محذوف. والفاء: عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير: أغفل أهل مكة فلم يسيروا في الأرض. ﴿لم﴾ حرف نفي وجزم. ﴿يَسِيرُوا﴾ فعل وفاعل مجزوم بـ

стр. 8189

﴿لم﴾. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق به. والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة. والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿فَتَكُونَ﴾ الفاء: عاطفة سببية ﴿تكون﴾ فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة وجوبًا، بعد الفاء السببية الواقعة في جواب الاستفهام، أو النفي. ﴿لَهُمْ﴾ جار ومجرور مقدم لـ ﴿تكون﴾. ﴿قُلُوبٌ﴾. اسمها. ﴿يَعْقِلُونَ﴾ فعل وفاعل. ﴿بِهَا﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة لـ ﴿قُلُوبٌ﴾، والتقدير: فتكون قلوب عاقلون بها كائنة لهم. وجملة ﴿تكون﴾ صلة إن المضمرة، ﴿إن﴾ مع صلتها في تأويل مصدر. معطوف على مصدر متصل من الجملة التي قبلها، من غير سابكٍ لإصلاح المعنى. تقديره: هل يكون سيرهم في الأرض، فكون قلوب عاقلة لهم. أو لم يكن سيرهم في الأرض. فكون قلوب عاقلة لهم. ﴿أَوْ آذَانٌ﴾: معطوف على ﴿قُلُوبٌ﴾ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ فعل وفاعل صفة لـ ﴿آذَانٌ﴾ ﴿بِهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَسْمَعُونَ﴾. ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾. ﴿فَإِنَّهَا﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية ﴿إنَّ﴾ حرف نصب. الهاء: ضمير القصة في محل النصب اسمها ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ مفسرة لضمير الشأن. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَلَكِنْ﴾ الواو عاطفة. ﴿لكن﴾ حرف استدراك. ﴿تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾ فعل وفاعل. والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿لَا تَعْمَى﴾ على كونها خبرًا ﴿لأن﴾ ﴿الَّتِي﴾ صفة لـ ﴿الْقُلُوبُ﴾. ﴿فِي الصُّدُورِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يستعجلونك﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿بِالْعَذَابِ﴾: متعلق به. ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ﴾ الواو: حالية ﴿لن﴾ حرف نفي ونصب. ﴿يُخْلِفَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿لن﴾. ﴿وَعْدَهُ﴾ مفعول به. والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿يستعجلونك﴾، والرابط محذوف،

стр. 8190

تقديره ويستعجلونك بالعذاب، حالة كونهم، لن يخلف الله وعدهم. ﴿وَإِنَّ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية. ﴿إن يومًا﴾: ناصب واسمه. ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: صفة لـ ﴿يَوْمًا﴾. ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه خبر ﴿إن﴾. ﴿مِمَّا﴾ جار ومجرور صفة ﴿سَنَةٍ﴾، وجملة: ﴿تَعُدُّونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها. والعائد، أو الرابط محذوف، تقديره: مما تعدونه. وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، على كونها حالًا من فاعل ﴿يستعجلون﴾، والتقدير: ويستعجلونك بالعذاب، حالة كونهم، لن يخلف الله وعدهم، وحالة كون يوم مما وعدهم ربهم، كألف سنة مما تعدون، أو جملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾. ﴿وَكَأَيِّنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿كأين﴾: خبرية في محل الرفع مبتدأ. ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: تمييز لها في محل النصب مجرور بـ ﴿مِنْ﴾. ﴿أَمْلَيْتُ﴾ فعل وفاعل. والجملة في محل الرفع خبر ﴿كأين﴾. والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿يستعجلونك﴾. ﴿لَهَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَمْلَيْتُ﴾. ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ مبتدأ وخبر. والجملة في محل النصب حال من ضمير لها. ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ فعل وفعل ومفعول معطوف على ﴿أَمْلَيْتُ﴾. ﴿وَإِلَيَّ﴾ خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، أو حال من ضمير ﴿أَخَذْتُهَا﴾؛ أي: ثم أخذتها حال، كون مصيرها إلى، لا إلى غيري. ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على محمد. والجملة مستأنفة. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلى آخر الآية مقول محكي. وإن شئت قلت: ﴿يَا﴾: حرف نداء. ﴿أَيُّ﴾: منادى نكرة مقصودة. ﴿ها﴾ حرف تنبيه ﴿النَّاسُ﴾: بدل لـ ﴿أي﴾. وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر. ﴿أَنَا﴾ مبتدأ. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بما بعده ﴿نَذِيرٌ﴾ خبر المبتدأ ﴿مُبِينٌ﴾ صفة له، والجملة الاسمية في محل النصب، مقول ﴿قُلْ﴾ على كونها جواب النداء.

стр. 8191

﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾. ﴿فَالَّذِينَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلت لهم: يا أيها الناس، إنما أنا لكم بشير ونذير، وأردت بيان مآلهم .. فأقول لك: الذين آمنوا. ﴿الذين﴾ مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ ثان مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿رزق﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره. في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الذين﴾: مبتدأ أول. ﴿سَعَوْا﴾ فعل وفعل صلة الموصول. ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَعَوْا﴾. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: حال من فاعل ﴿سَعَوْا﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ خبره. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية: ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿رَسُولٍ﴾ مفعول به لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ معطوف على الرسول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من عام الأوقات ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿تَمَنَّى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على رسول أو نبي، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا من فعل شرطها وجوابها في محل النصب على الاستثناء من

стр. 8192

أعم الأوقات، والتقدير: وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي في وقت من الأوقات، إلا وقت القاء الشيطان في أمنيته وقت تمنيه وقراءته. ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ الفاء: عاطفة ﴿ينسخ الله ما﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَلْقَى﴾ ﴿يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: فعل وفاعل صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما يلقيه ﴿الشَّيْطَانُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿ينسخ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الجار ومتعلقه. ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾. ﴿لِيَجْعَلَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يجعل﴾: منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مَا﴾ في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾. ﴿يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ فعل وفاعل صلة لما، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما يلقيه الشيطان. ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾، وجملة يجعل مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة، للذين في قلوبهم مرضٌ. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُحْكِمُ﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ في متعلق هذه اللام ثلاثة أوجه: أظهرها: أنها متعلق بـ ﴿يُحْكِمُ﴾. والثاني: أنها متعلق بـ ﴿ينسخ﴾، وهذا الوجه ظاهر أيضًا. والثالث: أنها متعلق بـ ﴿أَلْقَى﴾، وليس بظاهر، انتهى. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾، أو متعلق به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْقَاسِيَةِ﴾ معطوف على الذين. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل القاسية. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الواو حالية، أو استئنافية. ﴿إن الظالمين﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي﴾ اللام حرف ابتداء. ﴿في شقاق﴾ جار ومجرور خبر ﴿إن﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾ صفة ﴿شِقَاقٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب

стр. 8193

حال، من الموصول وما عطف عليه، والرابط إعادة صاحب الحال بمعناه، والتقدير: حالة كون الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم كائنين في شقاق بعيد، أو جملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾. ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل ﴿يعلم الذين﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، الجار والمجرور معطوف على الجال والمجرور في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾، وقد تقدم لك بيان متعلقه. ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ناصب واسمه وخبره ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْحَقُّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعول ﴿يعلم﴾؛ أي: كونه الحق من ربهم. ﴿فَيُؤْمِنُوا﴾: الفاء عاطفة. ﴿يؤمنوا﴾، فعل وفاعل مطعوف على ﴿ليعلم﴾ منصوب بأن مضمرة. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يؤمنوا﴾. ﴿فَتُخْبِتَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿تخبت﴾ فعل مضارع معطوف على ﴿يؤمنوا﴾، منصوب بأن مضمرة. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تخبت﴾. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل لـ ﴿تخبت﴾. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهَادِ﴾ اللام: حرف ابتداء ﴿هاد﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه اسم منقوص وحذفت خطًّا تبعًا للفظ. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿هاد﴾؛ لأنه اسم فاعل، ويجوز فيه الإضافة، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفعل صلة الموصول. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ متعلق بـ ﴿هاد﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة صراط. ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. ﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَزَالُ﴾: فعل مضارع ناقص من أخوات كان. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع اسمها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة

стр. 8194

الموصول. ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿يَزَالُ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مِرْيَةٍ﴾، أو متعلق به، وجملة ﴿لا يزال﴾ من اسمها وخبرها معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ ليستكمل شرح حال الكافرين ويستوفيها ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا. بعد حتى بمعنى إلى ﴿السَّاعَةُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره إلى إتيان الساعة إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَزَالُ﴾. ﴿بَغْتَةً﴾ حال ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾. ﴿عَذَابُ يَوْمٍ﴾ فاعل ومضاف إليه. ﴿عَقِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾. ﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿يَحْكُمُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأنه قيل: إذا كان الملك لله سبحانه، فماذا يصنع بهم. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾. ﴿فَالَّذِينَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه يحكم بينهم، وأردت بيان كيفية الحكم بينهم .. فأقول لك: ﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَكَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على كفروا. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكذبوا. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ، لما في المبتدأ من رائحة الشرط. ﴿أولئك﴾ مبتدأ ثان. ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ ثالث مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾

стр. 8195

صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، وجملة الثالث خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذين﴾ مبتدأ. ﴿هَاجَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق به. ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾ ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قُتِلُوا﴾. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾ اللام، موطئة للقسم. ﴿يرزقنهم﴾: فعل ومفعول في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. ﴿اللَّهُ﴾ فاعل. ﴿رِزْقًا﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿لَهُوَ﴾ اللام، حرف ابتداء. ﴿هو﴾ ضمير فصل. ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها. ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾. ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يدخلنهم﴾: فعل مضارع ومفعول به. في محل الرفع، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جوابا القسم، وجملة القسم بدل من قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾، أو مستأنفة. ﴿مُدْخَلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول صفة لمدخلًا. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَعَلِيمٌ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿عليم﴾: خبر أول لأن. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة القسم أو مستأنفة. التصريف ومفردات اللغة ﴿يُدَافِعُ﴾؛ أي: يدفع فالمبالغة ليست على بابها. قال الراغب: الدفع إذا عدى بإلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. وإذا
следующие страницы →