﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾.
﴿فَالَّذِينَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا قلت لهم: يا أيها الناس، إنما أنا لكم بشير ونذير، وأردت بيان مآلهم .. فأقول لك: الذين آمنوا. ﴿الذين﴾ مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾ ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ مبتدأ ثان مؤخر. ﴿وَرِزْقٌ﴾ معطوف على ﴿مَغْفِرَةٌ﴾. ﴿كَرِيمٌ﴾ صفة لـ ﴿رزق﴾، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره. في محل الرفع خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿الذين﴾: مبتدأ أول. ﴿سَعَوْا﴾ فعل وفعل صلة الموصول. ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿سَعَوْا﴾. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: حال من فاعل ﴿سَعَوْا﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثان ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ خبره. والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للأول، وجملة الأول مع خبره في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾.
﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية: ﴿ما﴾: نافية. ﴿أَرْسَلْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿أرسلنا﴾. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿رَسُولٍ﴾ مفعول به لـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ معطوف على الرسول. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من عام الأوقات ﴿إِذَا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿تَمَنَّى﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على رسول أو نبي، والجملة الفعلية في محل الجر بإضافة إذا إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ فعل وفاعل. ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب إذا لا محل لها من الإعراب. وجملة إذا من فعل شرطها وجوابها في محل النصب على الاستثناء من
стр. 8192
أعم الأوقات، والتقدير: وما أرسلنا من قبلك من رسول، ولا نبي في وقت من الأوقات، إلا وقت القاء الشيطان في أمنيته وقت تمنيه وقراءته. ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾ الفاء: عاطفة ﴿ينسخ الله ما﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿أَلْقَى﴾ ﴿يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾: فعل وفاعل صلة لما أو صفة لها، والعائد أو الرابط محذوف، تقديره: ما يلقيه ﴿الشَّيْطَانُ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿ينسخ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ مبتدأ. ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر أول ﴿حَكِيمٌ﴾ خبر ثان، والجملة الاسمية جملة معترضة، لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين الجار ومتعلقه.
﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾.
﴿لِيَجْعَلَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يجعل﴾: منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿مَا﴾ في محل النصب مفعول أول لـ ﴿جعل﴾. ﴿يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ فعل وفاعل صلة لما، أو صفة لها، والعائد، أو الرابط محذوف تقديره: ما يلقيه الشيطان. ﴿فِتْنَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾، وجملة يجعل مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة، للذين في قلوبهم مرضٌ. الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يُحْكِمُ﴾. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾ في متعلق هذه اللام ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنها متعلق بـ ﴿يُحْكِمُ﴾.
والثاني: أنها متعلق بـ ﴿ينسخ﴾، وهذا الوجه ظاهر أيضًا.
والثالث: أنها متعلق بـ ﴿أَلْقَى﴾، وليس بظاهر، انتهى. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿فِتْنَةً﴾، أو متعلق به. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالْقَاسِيَةِ﴾ معطوف على الذين. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل القاسية. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ الواو حالية، أو استئنافية. ﴿إن الظالمين﴾: ناصب واسمه. ﴿لَفِي﴾ اللام حرف ابتداء. ﴿في شقاق﴾ جار ومجرور خبر ﴿إن﴾. ﴿بَعِيدٍ﴾ صفة ﴿شِقَاقٍ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب
стр. 8193
حال، من الموصول وما عطف عليه، والرابط إعادة صاحب الحال بمعناه، والتقدير: حالة كون الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم كائنين في شقاق بعيد، أو جملة ﴿إن﴾ مستأنفة.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.
﴿وَلِيَعْلَمَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل ﴿يعلم الذين﴾ فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، الجار والمجرور معطوف على الجال والمجرور في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ﴾، وقد تقدم لك بيان متعلقه. ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فعل ونائب فاعل ومفعول ثان، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ ناصب واسمه وخبره ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْحَقُّ﴾، وجملة ﴿إن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعول ﴿يعلم﴾؛ أي: كونه الحق من ربهم. ﴿فَيُؤْمِنُوا﴾: الفاء عاطفة. ﴿يؤمنوا﴾، فعل وفاعل مطعوف على ﴿ليعلم﴾ منصوب بأن مضمرة. ﴿بِهِ﴾ متعلق بـ ﴿يؤمنوا﴾. ﴿فَتُخْبِتَ﴾ الفاء: عاطفة. ﴿تخبت﴾ فعل مضارع معطوف على ﴿يؤمنوا﴾، منصوب بأن مضمرة. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تخبت﴾. ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ فاعل لـ ﴿تخبت﴾. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿إن الله﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهَادِ﴾ اللام: حرف ابتداء ﴿هاد﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة، للتخلص من التقاء الساكنين؛ لأنه اسم منقوص وحذفت خطًّا تبعًا للفظ. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿هاد﴾؛ لأنه اسم فاعل، ويجوز فيه الإضافة، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفعل صلة الموصول. ﴿إِلَى صِرَاطٍ﴾ متعلق بـ ﴿هاد﴾. ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾: صفة صراط.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
﴿وَلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَزَالُ﴾: فعل مضارع ناقص من أخوات كان. ﴿الَّذِينَ﴾: في محل الرفع اسمها ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة
стр. 8194
الموصول. ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾: جار ومجرور خبر ﴿يَزَالُ﴾. ﴿مِنْهُ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿مِرْيَةٍ﴾، أو متعلق به، وجملة ﴿لا يزال﴾ من اسمها وخبرها معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ ليستكمل شرح حال الكافرين ويستوفيها ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾: فعل ومفعول منصوب بأن مضمرة وجوبًا. بعد حتى بمعنى إلى ﴿السَّاعَةُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره إلى إتيان الساعة إياهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَزَالُ﴾. ﴿بَغْتَةً﴾ حال ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ﴾ فعل ومفعول معطوف على ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾. ﴿عَذَابُ يَوْمٍ﴾ فاعل ومضاف إليه. ﴿عَقِيمٍ﴾ صفة لـ ﴿يَوْمٍ﴾.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.
﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله، متعلق بالاستقرار الذي تعلق به الخبر. ﴿لِلَّهِ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿يَحْكُمُ﴾ فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية مستأنفة استئنافًا بيانيًا، كأنه قيل: إذا كان الملك لله سبحانه، فماذا يصنع بهم. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يَحْكُمُ﴾. ﴿فَالَّذِينَ﴾ الفاء: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنه يحكم بينهم، وأردت بيان كيفية الحكم بينهم .. فأقول لك: ﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَالَّذِينَ﴾ مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَكَذَّبُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على كفروا. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بكذبوا. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء: رابطة الخبر بالمبتدأ، لما في المبتدأ من رائحة الشرط. ﴿أولئك﴾ مبتدأ ثان. ﴿لَهُمْ﴾ خبر مقدم ﴿عَذَابٌ﴾ مبتدأ ثالث مؤخر. ﴿مُهِينٌ﴾
стр. 8195
صفة لـ ﴿عَذَابٌ﴾، وجملة الثالث خبر للمبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، وجملة الأول في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الذين﴾ مبتدأ. ﴿هَاجَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ متعلق به. ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿هَاجَرُوا﴾ ﴿أَوْ مَاتُوا﴾ فعل وفاعل معطوف على ﴿قُتِلُوا﴾. ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ﴾ اللام، موطئة للقسم. ﴿يرزقنهم﴾: فعل ومفعول في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. ﴿اللَّهُ﴾ فاعل. ﴿رِزْقًا﴾ مفعول مطلق. ﴿حَسَنًا﴾ صفة له، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه، في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿لَهُوَ﴾ اللام، حرف ابتداء. ﴿هو﴾ ضمير فصل. ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتأكيد ما قبلها.
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾.
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يدخلنهم﴾: فعل مضارع ومفعول به. في محل الرفع، مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة الفعلية جوابا القسم، وجملة القسم بدل من قوله: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾، أو مستأنفة. ﴿مُدْخَلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة. ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول صفة لمدخلًا. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿لَعَلِيمٌ﴾: اللام: حرف ابتداء. ﴿عليم﴾: خبر أول لأن. ﴿حَلِيمٌ﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة القسم أو مستأنفة.
التصريف ومفردات اللغة
﴿يُدَافِعُ﴾؛ أي: يدفع فالمبالغة ليست على بابها. قال الراغب: الدفع إذا عدى بإلى اقتضى معنى الإنالة، نحو قوله تعالى: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. وإذا
стр. 8196
عدى بعن، اقتضى معنى الحماية: نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أي: يبالغ في دفع ضرر المشركين عن المؤمنين، ويحميهم أشد الحماية من أذاهم. ﴿خَوَّانٍ﴾ بليغ الخيانة في أمانة الله، أمرًا كان، أو نهيًا، أو غيرهما من الأمانات. ﴿كَفُورٍ﴾ بليغ الكفران لنعمته، فلا يرضى فعلهم ولا ينصرهم. والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا. وصيغة المبالغة فيهما لبيان أنهم كانوا كذلك، لا لتقييد البعض بغاية الخيانة والكفر، فإن نفي الحب كناية عن البغض.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ والمراد بديارهم: مكة المكرمة. وتسمى البلاد الديار؛ لأنه يدار فيها للتصرف. يقال: ديار بكر لبلادهم، وتقول العرب: الذي حوالي مكة، نحن من عرب الدار، يريدون من عرب البلد. قال الراغب: "الدار المنزل اعتبارًا بدورانها الذي لها بالحائط". وقيل: دارة وجمعها ديار، ثم تسمى البلدة دارًا. اهـ. "روح البيان".
﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الدم: إسقاط البناء، والتهديم للتكثير؛ أي: لخربت باستيلاء المشركين عليها. ﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة وصومع، وهو جبل أو مكان مرتفع يسكنه الراهب، أو المتعبد قصد الإنفراد. ثم أطلقت الكلمة على الدير والصومعة أيضًا العقاب والبرنس وأعلى كل جبل، إذا كان منتدق الرأس. وفي "السمين" الصومعة: البناء المرتفع المحدب الأعلى. ووزنها فوعلة، كدحرجة. وهي متعبد الرهبان. وقيل: متعبد الصابئين.
﴿بيع﴾ جمع بيعة بكسر الباء، المعبد للنصارى واليهود، والجمع بيه بكسر الباء وفتح الياء، وبيعات بكسر الباء وسكون الياء. ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾: بفتح الصاد واللام، جمع صلاة. وسميت الكنيسة صلاة، لأنه يصلي فيها. وقيل: هي كلمة معربه، أصلها بالعبرانية: صلوثا بفتح الصاد والثاء المثلثة، كما في "الخفاجي على البيضاوي"، وبه قرىء في الشواذ.
ومعناه في لغتهم: المصلى فلا يكون مجازًا. ﴿وَمَسَاجِدُ﴾ جمع مسجد، وهو معبد المسلمين.
стр. 8197
﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال الراغب المعروف: اسمٌ لكل فعل يعرف بالعقل، والشرع حسنه و ﴿الْمُنْكَرِ﴾: ما ينكر بهما.
﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أمهلتهم إلى أجلهم ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ قال الراغب: الأخذ: وضع الشيء وتحصيله، وذلك تارة بالتناول. نحو ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ وتارة بالقهر ومنه الآية. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ والنكير: مصدر بمعنى الإنكار، كالنذير بمعنى الإنذار، فالمراد بالإنكار: التغييير بالضد بأن غير حياتهم بإهلاكهم وموتهم، وعمارتهم بالخراب. وليس بمعنى الإنكار اللساني والقلبي، اهـ. شيخنا. وفي "المراغي"، والنكير والإنكار على الشيء: أن تفعل فعلًا به يزجر المنكر عليه على ما فعل. ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾؛ أي: ساقطة. ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾؛ أي: سقوفها.
﴿وَبِئْرٍ﴾ البئر في الأصل: حفيرٌ يستر رأسها لئلا يقع فيها من مر عليها. وفي "المختار" بأر يبأر بأرًا بهمزة بعد الباء إذا حفرها، وبابه قطع، وقد تبدل همزته ياء والبئر فعلٌ بمعنى مفعول، كالذبح بمعنى المذبوح، حفرة في الأرض عظيمة، يستقى منها الماء، والجمع آبار وأبائر، وبئار وأبؤر، وهي مؤنثة. وفي "الأساس" الفاسق من ابتأر، والفويسق من ابتهر، يقال ابترت الجارية إذا قال: فعلت بها وهو صادق، وابتهرتها إذا قال: ذلك وهو كاذبٌ، ومنه التأبير، وهو شق كيزان طلع الإناث، وذر طلع المذكور فيه.
﴿مُعَطَّلَةٍ﴾؛ أي: متروكة بموت أهلها، معطلة عن منافعها، مع أنها عامرة فيها الماء، ومعها آلات الاستقاء. ﴿وَقَصْرٍ﴾ يقال: قصرت كذا ضممت بعضه إلى بعض، ومنه سمي القصر. قال في "القاموس": القصر خلاف الطول وخلاف المد والمنزل، وكل بيت من حجر. ﴿مَشِيدٍ﴾؛ أي؛ مبني بالشيد وهو الجص. وقيل: مشيد؛ أي: مطول مرفوع البنيان وفي "القاموس" شاد الحائط يشيده إذا طلاه بالشيد، وهو ما طلي به حائط من جصٍّ ونحوه. والمشيد المعمول به، وكمؤيد المطول انتهى.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والكريم من كل نوع: ما يجمع فضائله، ويحوز كمالاته.
стр. 8198
اهـ. "بيضاوي". ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ وأصل السعي: الإسراع في المشي، ثم استعمل في الإصلاح والإفساد. يقال سعى في أمر فلان، إذا أصلحه أو أفسده بسعيه فيه؛ أي: سعوا واجتهدوا في إبطال آياتنا حيث قالوا: القرآن شعر، أو سحر، أو أساطير الأولين. ﴿مُعَاجِزِينَ﴾؛ أي: مسابقين المؤمنين ومعارضين لهم، فكلما طلبوا إظهار الحق، طلب هؤلاء إبطاله. وأصله من قولهم عاجزه فأعجزه إذا سابقه فسبقه.
و ﴿أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ الجحيم: النار الموقدة، وقيل: اسم دركة من دركاتها ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾؛ أي: قرأ، قال في "القاموس": تمنَّى الكتاب، قرأه، والحديث اخترعه وافتعله. اهـ.
وقال الراغب: التمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، والأمنية الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
معناه إلا تلاوةً مجردة عن المعرفة، من حيث إن التلاوة بلا معرفة المعنى: تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمناها على التخمين، اهـ. "روح البيان".
وإنما سميت القراءة أُمنيةً؛ لأن القارىء إذا انتهى إلى آية رحمة، تمنى حصولها، وإذا انتهى إلى آية عذاب، تمنى أن لا يبتلى به، اهـ من الرازي. وفي "المختار" والأمنية، واحد الأماني، تقول منه تمنى الكتاب إذا قرأه، اهـ.
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ﴾؛ أي: يزيل ويبطل، فالمراد بالنسخ هو النسخ اللغوي، لا النسخ الشرعي المستعمل في الأحكام. ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ من القسوة وهو غلظ القلب، وأصله من حجر قاس، والمقاساة معالجة ذلك. وأل في القاسية موصولة، والصفة صلتها، وقلوبهم فاعل بها، والضمير المضاف إليه هو عائد الموصول. وأنث الصلة لأن مرفوعها مؤنث مجازي، ولو وضع فعل موضعها لجاز تأنيثه. والقاسية عطف على الذين، كما سبق في مبحث الإعراب؛ أي: فتنة للذين في قلوبهم مرض، وفتنة للقاسية قلوبهم، اهـ. "سمين" - والمراد بهم الكفار المجاهرون بالكفر.
стр. 8199
﴿شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: عداوة شديدة. ﴿فَتُخْبِتَ﴾؛ أي: تذل وتخضع. ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾؛ أي: شكٍ وريبٍ وجدال من القرآن. والمرية بالكسر والضم لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء أنهما قراءتان ولا أحفظ الضم هنا، اهـ. "سمين". قال الراغب: المرية التردد في الأمر، هي أخص من الشك.
﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿السَّاعَةُ﴾؛ أي: القيامة أو الموت. ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾؛ أي: منفرد عن سائر الأيام، لا مثيل له في شدته. والمراد الحرب الضروس. وأصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر والعقيم من النساء التي لا تقبل ماء الفحل.
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ قال الراغب: النعيم، النعمة الكثيرة، اهـ. ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾؛ أي: أفضل المعطين، فأفعل التفضيل على بابه، ومعلوم أن كل الرزق من عنده تعالى، فالتفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص، بأن يرزق لما لا يقدر عليه غيره. وقيل: إن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه، إما لأجل خروجه عن الواجب، أو لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، أو لأجل الرقة الجنسية، وأما الحق ، فإن كماله صفة ذاتية له، فلا يستفيد من شيء كمالًا زائدًا، فالرزق الصادر منه لمحض "الإحسان" اهـ. كرخي.
﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ والقتل: إزاة الروح عن الجسد، لكن إذا اعتبر بفعل المتولي لذلك يقال له قتل، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال له موتٌ.
﴿مُدْخَلًا﴾ بضم الميم من أدخل يدخل مدخلًا؛ أي: إدخالًا فيكون مدخلًا اسمًا لمصدر الفعل الذي قبله، فيكون المفعول به محذوفًا؛ أي: ليدخلنهم الجنة إدخالًا يرضونه، وقراءة نافع بفتحها موضع الدخول، فيكون المدخل مصدر، دخل يدخل دخولًا ومدخلًا فيكون مفعولًا للفعل قبله، ليدخلنهم مكانًا يرضونه، اهـ. كرخي.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعًا من البلاغة، وضروبًا من الفصاحة والبيان والبديع:
стр. 8200
فمنها: المبالغة في قوله: ﴿خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ لأن فعالًا وفعولًا من أوزان المبالغة.
ومنها: حذف مفعول يدافع اختصارًا لدلالة المقام على تعيينه؛ أي: غوائل المشركين. قال أبو حيان: لم يذكر الله ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعم.
ومنها: حذف مفعول: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ لدلالة السياق عليه؛ أي: أذن لهم في القتال بعد الهجرة.
ومنها: التعبير عن الماضي بلفظ المضارع في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا﴾؛ أي: بسبب قولهم إشارة إلى استمرار ذلك القول. ودوامه لهم.
ومنها: تأكيد المدح بما يشبه الذم في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.
ومنها: الإظهار في موضع الإضمار في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ زيادة في التشنيع عليهم. وللنداء عليهم بصفة الكفر، وحق العبارة أن يقال: فأمليت لهم.
ومنها: الاستفهام التقريري التعجبي في قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ من إسناد ما للحال إلى المحل؛ لأن الظلم من وصف أهلها، لا من وصف القرية.
ومنها: تأنيث ضمير الشأن في قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ وحسن التأنيث في الضمير، كونه وليه فعل بعلامة تأنيث، ولو ذكر في الكلام فقيل: فإنه لجاز، وهي قراءة مروية عن عبد الله، والتذكير باعتبار الأمر والشأن، والتأنيث باعتبار القصة، اهـ. "سمين".
ومنها: التشبيه في قوله: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
ومنها: التكرير في قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾.
ومنها: الاكتفاء في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بدليل التعميم المذكور
стр. 8201
فيما بعد، وكان القياس أن يقال: إنما أنا لكم بشير ونذير لذكر الفريقين بعده.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
ومنها: جناس الاشتقاق، في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿ينسخ ثم يحكم﴾.
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر، تسجيلًا عليهم ونداءً باسم الظلم، في قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
ومنها: الاستعارة بالكناية في قوله: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ بأن شبه ما لا خير فيه من الزمان بالنساء العقيم، كما شبهت الريح التي لا تحمل السحاب، ولا تلقح الأشجار بهن، تشبيهًا مضمرًا في النفس، وإثبات العقم تخيل، فإن الأيام بعضها نتائج لبعض، فكل يوم يلد مثله، اهـ. من "الشهاب". أو لأن يوم الحرب يقتل فيه أولاد النساء فيصرن كأنهن عقم لم يلدن.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
المناسبة
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ...﴾ مناسبة هذه الآيات لما قبلها واضحة، وهو أنه تعالى لما ذكر ثواب من هاجر وقتل ومات في سبيل الله أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم وهو قديرٌ على ذلك إذ من قدر على إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل بأن يزيد من أحدهما ما ينقصه من الآخر .. يقدر على نصره وهو الثابت الإلهية وحده إذ لا يصلح لها إلا من كان كامل القدرة كامل الحلم وأن ما سواه باطل لا يقدر على شيء.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله لمّا ذكر (١) ما دلّ على قدرته الباهرة، من إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل، وهما أمران مشاهدان بمجيء الظلمة والنور، ذكر أيضًا ما هو مشاهد من العالم العلوي والعالم السفلي، وهو نزول المطر وإنبات الأرض، وإنزال المطر واخضرار الأرض مرئيّان.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما قدّم (٢) ذكر نعمه، وأنه رؤوف بعباده رحيم بهم، وأنّ الإنسان كفور بطبعه، ومن ثمّ جحد الخالق لهذه النعم، أتبعه بزجر معاصريه ﷺ من أهل الأديان السماوية، عن منازعته بذكر خطأهم فيما تمسكوا به من الشرائع، وبيان أنّ لكل أمة شريعة خاصّة. ثمّ أمره بالثبات على ما هو عليه من الحقّ، وأنه لا يضره عناد الجاحدين، فالله هو الحكم بينهم وبينه يوم القيامة. وفي "الفتوحات": مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن هذه مشتملة على النعم التكليفية، والتي قبلها مشتملة على نعم غير تكليفية، اهـ. انتهت.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ...﴾ الآيات،
стр. 8204
مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّه لمّا ذكر (١) الفصل بين الكفار والمؤمنين يوم القيامة، أعقب تعالى ذلك بأنّه عالم بجميع ما في السماء والأرض، فلا تخفى عليه أعمالكم، وأن ذلك في كتاب.
وعبارة المراغي هنا: مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنّ الله سبحانه لمّا ذكر أنّه يحكم بين عباده يوم القيامة، ويجازي كلاًّ من المسيء والمحسن بما هو له أهل .. أعقب هذا ببيان أنّه العليم بما يستحقّه كلًّا منهم، فيقع حكمه بينهم بالعدل.
ثمّ أرشد إلى أنّه على وضوح الدلائل وعظيم النعم عليهم عبدوا غيره مما لم يقم الدليل على وجوده، وأنّهم مع جهلهم إذا نبّهوا إلى الحقّ، وعرضت عليهم المعجزة، وتلي عليهم الكتاب الكريم، ظهر في وجوههم الغيظ والغضب، وهمّوا أن يبطشوا بمن يذكّرهم بآيته إنكارًا منهم لما خوطبوا به. ثمّ أبان لهم أنّ ما ينالهم من النار التي يقتحمونها بأفعالهم وأقوالهم، أعظم مما ينالهم من الغمّ والغيظ حين تلاوة هذه الآيات.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لمّا ذكر أنّ الكفار يعبدون ما لا دليل على عبادته، لا من سمع ولا من عقل، ويتركون عبادة من خلقهم .. ذكر ما عليه معبوداتهم من انتفاء القدرة على خلق أقلّ الأشياء، بل على ردّ ما أخذه ذلك الأقلّ منه، وفي ذلك تجهيل عظيم لهم، حيث عبدوا من هذه صفته.
مناسبة (٢) هذه الآيات لما قبلها واضحة: وهو أنه تعالى لما ذكر ثواب من هاجر وقتل، أو مات في سبيل الله، أخبر أنه لا يدع نصرتهم في الدنيا، على من بغى عليهم، وهو قادر على ذلك، إذ من (٣) قدر على إدخال الليل في النهار، وإدخال النهار في الليل، بأن يزيد في أحدهما ما ينقصه من الآخر يقدر على
стр. 8205
نصره، وهو الثابت الإلهية وحده، إذ لا يصلح لها إلا من كان كامل القدرة، كامل العلم، وأن ما سواه باطلٌ.
وعبارة المراغي هنا: لما ذكر سبحانه فيما سلف أنهم يعبدون من دون الله ما لا حجة لهم عليه من الوحي، ولا دليل عليه من العقل .. أردف هذا بما يدل على إبطاله ويؤكد جهلهم بمقام الألوهية وما ينبغي أن يكون لها من إجلال وتعظيم، ثم أعقب ذلك ببيان أنه سبحانه يصطفي من الملائكة والناس لرسالته من يشاء، وهو العليم بمن يختار ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ولما ذكر (١) تعالى أنه اصطفى رسلًا من البشر إلى الخلق، أمرهم بإقامة ما جاءت به الرسل من التكاليف، وهو الصلاة. قيل: كان الناس أول ما أسلموا يسجدون بلا ركوع، ويركعون بلا سجود، فأمروا أن تكون صلاتهم بركوع وسجود.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ مناسبتها لما قبلها: أنه سبحانه لما تكلم في الإلهيات، ثم في النبوات، أتبعها بالكلام في الشرائع والأحكام.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ...﴾ الآية، سبب (٢) نزولها: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل "أنها نزلت في سرية بعثها النبي ﷺ ، فلقوا المشركين لليلتين بقيتا من المحرم، فقال المشركون بعضهم لبعض: قاتلوا أصحاب محمد، فإنهم يحرمون القتال في الشهر الحرام، فناشدهم الصحابة وذكروهم بالله أن لا يتعرضوا لقتالهم فإنهم لا يستحلون القتال في الشهر الحرام، فأبى المشركون ذلك، وقاتلوهم وبغوا عليهم، فقاتلهم المسلمون، ونصروا عليهم، فنزلت هذه الآية".
التفسير وأوجه القراءة
٦٠ - والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى ما تقدم، فهو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي:
стр. 8206
الأمر والشان ذلك الذي قصننا عليكم وبينا لكم، من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ماتوا، والجملة (١) لتقرير ما قبله، والتنبيه على أن ما بعده كلامٌ مستأنفٌ.
والمعنى: أي (٢) ذلك الرزق الحسن والمدخل الكريم، لمن قتلوا في سبيل الله، أو ماتوا، ولهم أيضًا النصر في الدنيا على أعدائهم. وإلى ذلك أشار بقوله: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ وجازى الظالم ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾؛ أي: بمثل ما ظلمه، ولم يزد في الاقتصاص على ذلك المثل، والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به، ولم يزد عليه، والعقوبة (٣) في الأصل اسم لما يعقب الجرم من الجزاء، وإنما سمي الابتداء بالعقاب الذي هو جزاء الجناية؛ أي: مع أنه ليس بجزاء يعقب الجريمة للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وكقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ أو على سبيل المجاز المرسل، فإنه ما وقع ابتداءً سببٌ لما وقع جزاء وعقوبة، فسمي السبب باسم المسبب.
﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: اعتدى عليه؛ أي: إن الظالم في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى. قيل: المراد بهذا البغي هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم، بعد أن كذبوا نبيهم، وآذوا من آمن به. واللام في قوله: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لينصرن الله المبغي عليه؛ أي: المظلوم على الباغي؛ أي: الظالم لا محالة وهو خبر من.
وقيل (٤): إن معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ثم كان المجازي مبغيًا عليه؛ أي: مظلوماً ومعنى (ثم) تفاوت الرتبة؛ لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم، كما
стр. 8207
قيل في أمثال العرب: البادي أظلم.
والمعنى: أي (١) وإن من جازى من المؤمنين بمثل ما عوقب به ظلمًا من المشركين، فقاتلهم كما قاتلوه، ثم بغي عليه باضطراه إلى الهجرة، ومفارقة الوطن .. لينصرنه الله الذي لا يغالب، ولينتقمن له من أعدائه، ولينكلن بهم، ويمكننه منهم، ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.
والخلاصة: أنه تعالى كما يدخلهم مدخلًا كريماً، يعدهم بالنصر على أعدائهم، إذا هم قاتلوهم، وبغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ الذي أحاطت قدرته بكل شيء ﴿لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾؛ أي: لكثير العفو والغفران للمؤمنين، فيما وقع منهم من الذنوب. وقيل: العفو والغفران لما وقع من المؤمنين، من ترجيح الانتقام على العفو؛ أي: ليعفو عن المؤمنين فيغفر لهم ما أمعنوا فيه من الانتقام، وما أعرضوا عنه مما ندب من العفو؛ بمثل قوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وأن تعفو أقرب للتقوى﴾ وهم بفعلهم هذا تركوا ما كان أجدر بهم وأحرى بمثلهم.
والخلاصة: كأنه سبحانه قال: عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها لهم؛ لأني أذنت بها.
وفي "بحر العلوم" (٢): ﴿لَعَفُوٌّ﴾؛ أي: محاء للذنوب بإزالة آثارها من ديوان الحفظة والقلوب بالكلية كي لا يطالبهم بها يوم القيامة، ولا يخجلوا عند تذكرها، وبأن يثبت مكان كل ذنب عملًا صالحًا، كما قال: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أي: مريد لإزالة العقوبة عن مستحقها، من الغفر، وهو الستر؛ أي: ستور عليهم، وقدم العفو؛ لأنه أبلغ لأنه يشعر بالمحو الذي هو أبلغ من الستر، وفيه إشارة إلى أن الأليق بالمنتصر، والأقرب بحاله، أن يعفو
стр. 8208
ويغفر عن كل من ظلمه، ويقابله بالإحسان، ولا يذكر ما صدر منه من أنواع الجفاء والأذى، فإنه متى فعل ذلك فإن الله أكرم الأكرمين أولى أن يفعل ذلك على أن الانتصار لا يؤمن فيه تجاوز التسوية والاعتداء خصوصًا في حال الغضب والحرب والتهاب الحمية، فربما كان المنتصر من الظالمين، وهو لا يشعر، انتهى كلام "البحر".
وقال بعضهم (١): الإنسان الكامل كالبحر، فمن آذاه واغتابه، أو قصد إليه بسوء، فإنه لا يتكدر به بل يعفو عنه، ألا ترى أن البول إذا وقع في البحر، فالبحر يطهره، وكذا من أجنب، إذا دخل البحر، واغتسل، فإنه يطهر، ولا يتغير البحر لا بالبول ولا بدخول الجنب. وقال في "الخلاصة" في كتاب الحدود: رجل قال لآخر: يا خبيث هل يقول له: بل أنت، الأحسن: أن يكف عنه ولا يجيب، ولو رفع الأمر إلى القاضي ليؤدب يجوز، ومع هذا لو أجاب لا بأس به. وفي "مجمع الفتاوى" في كتاب "الجنايات" لو قال: لغيره يا خبيث فجازاه بمثله جاز؛ لأنه انتصار بعد الظلم وذلك مأذون فيه قال الله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ والعفو أفضل. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾. وإن كانت تلك الكلمة موجبة للحد لا ينبغي له أن يجيبه بمثلها، تحرزا على إيجاب الحد على نفسه. انتهى. كما قال في "التنوير": لو قال لآخر: يا زاني، فقال الآخر: أنت الزاني .. حد، بخلاف ما لو قال له مثلًا: يا خبيث، فقال أنت، تكافأا. وفي "التنوير" أيضًا ضرب غيره بغير حق، وضربه المضروب يعزران، ويبدؤوا في إقامة التعزير بالبادىء.
٦١ - ثم قرر نصره لعباده المؤمنين، وأكده بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ النصر الذي أنصره لمن بغي عليه، وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ والباء فيه سببية؛ أي: كائن بسبب أن الله ﴿يُولِجُ﴾ ويدخل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾؛ أي: يدخل بعض ساعات الليل في النهار، فيزيد النهار بقدر ما نقص من الليل. ﴿وَيُولِجُ
стр. 8209
النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾؛ أي: يدخل بعض ساعات النهار في الليل، فيزيد الليل بقدر ما نقص من النهار.
أي: ذلك بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وعبر عن الزيادة بالإيلاج، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر. والمراد تحصيل أحد العرضين الظلام والضياء في محل الآخر؛ أي: إنه يحصل ظلمة الليل في مكان ضياء النهار، بتغييب الشمس وضياء النهار في مكان ظلمة الليل، بإطلاعها وجعلها طالعة، أو يزيد في أحد الملوين ما ينقص من الآخر من الساعات.
والمعنى (١): أي ذلك النصر الذي أنصره لمن بغي عليه، لأني أنا القادر على ما أشاء، ألا ترونني أدخل ما ينقص من ساعات الليل في ساعات النهار، وأدخل ما ينقص من ساعات النهار في ساعات الليل، وبهذه القدرة التي تفعل ذلك أنصر محمدًا وصحبه على الذين قد بغوا عليهم، وأخرجوهم من ديارهم، وأموالهم، وآذوهم أشد الأذى على إيمانهم بي وحدي. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿سَمِيعٌ﴾ يسمع قول العاقب والمعاقب ﴿بَصِيرٌ﴾ يرى أفعالهما، فلا يهملهما.
والمعنى: أي وبسبب أن الله تعالى سميع للأقوال، وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات بصير بما يعملون، لا يغيب عنه شيء ولا يعزب عنه شيء، وإن كان مثقال ذرة.
٦٢ - ولمَّا وصف نفسه بما لا يقدر عليه، غيره علل ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: ذلك الاتصاف بكمال القدرة، وكمال العلم بسبب أن الله هو الثابت لذاته، وأنه لا مثيل له، ولا شريك. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: وأن الذين يعبدون من دونه تعالى من الآلهة ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ في ألوهيته المعدوم في حد ذاته، لا يقدر على صنع شيء، بل هو المصنوع الموجد بعد
стр. 8210
العدم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على جميع الأشياء، وكل شيء دونه. ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك، لا شيء أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا.
وخلاصة ذلك (١): أفتتركون أيها الجهال عبادة من بيده النفع والضر، وهو القادر على كل شيء، وكل شيء دونه، وهو فوق كل شيء، وتعبدون من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا وضرًا.
وعبارة الشوكاني هنا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛ أي: هو سبحانه ذو الحق فدينه حق، وعبادته حق، ونصره لأوليائه على أعدائه حق، ووعده حق، فهو في نفسه وأفعاله وصفاته حق. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ أي: العالي على كل شيء بقدرته المتقدس عن الأشباه، والأنداد، والمنزه عما يقول الظالمون من الصفات ﴿الْكَبِيرُ﴾؛ أي: ذو الكبرياء، وهو عبارة عن كمال ذاته، وتفرده بالإلهية. انتهت.
وقرأ الجمهور: (٢) ﴿وَأَنَّ مَا﴾ بفتح الهمزة. وقرأ الحسن بكسرها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأخوان حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم ﴿يَدْعُونَ﴾ بياء الغيبة هنا وفي لقمان على الخبر. واختار هذه القراءة أبو عبيدة. وقرأ باقي السبعة ﴿تَدْعُونَ﴾ بتاء الخطاب للمشركين واختار هذه القراءة أبو حاتم.
والمعنى: وأن الذين تدعونهم آلهة، وهي الأصنام، هو الباطل الذي لا ثبوت له، وكلا هاتين القراءتين الفعل فيهما مبني للفاعل. وقرأ مجاهد واليماني وموسى الأسواري ﴿يُدْعَون﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، والواو عائدة على ﴿ما﴾. على معناها، و ﴿ما﴾ الظاهر أنها أصنامهم. وقيل الشياطين. والأولى العموم في كل مدعو دون الله .
٦٣ - والاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير. والرؤية هنا إما علمية كما قاله الرازي، أو بصرية. والخطاب فيه للنبي ﷺ ، أو لكل من تتأتى منه الرؤية ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾؛ أي: مطرًا ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾؛
стр. 8211
أي: ذات خضرة؛ أي: فتصير الأرض نامية بما فيه رزق العباد، وعمارة البلاد. والفاء فيه للعطف على ﴿أنزل﴾. وارتفع الفعل بعد الفاء لكون استفهام التقرير بمنزلة الخبر. كما قاله الخليل وسيبويه. وفي "الشهاب" ولم ينصب (١) هذا المضارع في جواب الاستفهام؛ لأنه استفهام تقريري مؤول بالخبر؛ أي: قد رأيت. والخبر لا جواب له. وأيضًا لا تصح السببية هنا، فإن الرؤية لا يثبت عنها إخضرار الأرض، بل إنما يوجبه إنزال المطر. وأيضًا جواب الاستفهام ينعقد منه شرط وجزاء، وهنا لا يصح ذلك، إذ لا يقال: إن تر إنزال المطر تصبح الأرض، اهـ. ملخصًا منه.
وقرىء ﴿مُخْضَرَّةً﴾ على وزن مفعلة ومسبعة. قال الزمخشري: فإن قلت (٢): هلا قيل: فأصبحت، ولم صرف إلى لفظ المضارع؟
قلت: لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان، كما تقول: أنعم عليَّ فلان عام كذا فأروح وأغدو شاكرًا له. ولو قلت: فرحت وغدوت لم يقع ذلك الموقع، اهـ. قال ابن عطية (٣): ولا يكون هذا الإخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة، والظاهر أن المراد بالإخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار النبات فيها، كما في قول تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾.
وقال أبو عبد الله الرازي في "تفسيره الكبير" قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾ ذكر هنا من آثار قدرته ستة أشياء:
أولها: إنزال المطر الناشىء عنه اخضرار الأرض، وفسر الرؤيا بالعلم دون الإبصار؛ لأن الماء وإن كان مرئيًا إلا أن كون الله منزلًا له من السماء غير مرئي. وقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾ دون أصبحت لإفادته بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان.
الثاني: قوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ومن جملته خلق المطر،
стр. 8212
والنبات نفعًا للحيوان، مع أن الله لا يحتاج لذلك، ولا ينتفع به.
الثالث: تسخير ما في الأرض؛ أي: ذلل لكم ما فيها كالحجر والحديد، والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل والركوب، والحمل عليه، والنظر إليه.
الرابع: تسخير الفلك بالماء والرياح، فلولا أن الله سخرها لكانت تغوص أو تقف.
الخامس: إمساك السماء؛ لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل، وما كان كذلك، لا بد له من السقوط، لولا مانع يمنع منه، وهو القدرة. فأمسكها الله بقدرته لئلا تقع فتبطل النعم التي أمتن بها علينا.
سادسها: الإحياء ثم الإماتة ثم الإحياء، نبه بهذا على أن هذه النعم لمن أحياه الله، فنبه بالإحياء الأول على إنعامه في الدنيا بكل ما تقدم، ونبه بالإماتة والإحياء ثانيًا على إنعامه علينا في الآخرة. ولما فصل تعالى هذه النعم، قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾؛ أي: لهذه النعم. اهـ. من "الرازي".
والمعنى: أي ألم تبصر، أو ألم تعلم أيها الرائي، أن الله تعالى ينزل من السماء مطرًا فيحيي به الأرض، فتنبت ضروبًا مختلفة من النبات، بديعة الألوان، والأشكال، ذات خضرة سندسية، تبهر العين بحسن منظرها، وبديع تنسيقها. ثم ذكر ما هو كالدليل على ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾: يصل علمه إلى كل دقيق، وجليل. وقيل: لطيف بأرزاق عباده. وقيل: لطيف باستخراج النبات. ﴿خَبِيرٌ﴾؛ أي: ذو خبرة بتدبير عباده، وما يصلح لهم. وقيل: خبير بما ينطوون عليه من القنوط واليأس عند تأخير المطر، وقيل: خبير بحاجتهم وفاقتهم.
ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾.
٦٤ - ﴿لَهُ﴾ لا لغيره. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي:
стр. 8213
جميع ما فيهما خلقًا، وملكًا، وتصرفًا، وكلهم محتاجون إلى رزقه، منقادون لأمره، لا امتناع لهم من تصرفه. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كل شيء، المستغني عن حمد الحامدين، فلا يحتاج إلى شيء. ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المستحق للحمد في ذاته وصفاته وأفعاله. وقال الغزالي: ﴿الْحَمِيدُ﴾ هو المحمود المثني عليه، والله تعالى هو الحميد لحمده لنفسه أزلا، ولحمد عباده له أبدًا. ويرجع هذا إلى صفات الجلال والعلو والكمال، منسوبان إلى ذكر الذاكرين له، فإن الحمد هو ذكر أوصاف الكمال، من حيث هو كمال.
٦٥ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: ألم تعلم أيها المخاطب ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾ ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾ وذلل ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: جعل جميع ما فيهما مذللة لكم، معدة لمنافعكم، تتصرفون فيها كيف شئتم، فلا أصلب من الحجر، ولا أشد من الحديد، ولا أهيب من النار، وهي مسخرة منقادة لكم.
أي: إنه تعالى (١) سخر ما في ظاهر الأرض وباطنها، لينتفع بها الإنسان في مصالحه ومرافقه المختلفة، ويصرفه فيما أراد من شؤون معايشه ولا يزال العلم يهديه إلى غريب الأمور، مما لم يكن يخطر لأسلافه على بال، مما لو حدث به السالفون لقالوا: إنه ترهات، وأباطيل، وما صدقه بشر. ولا يزال العلم يولد كل يوم جديدًا. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ويهتدي العقل إلى ما هو أشبه بالمعجزات، لولا أن سدت أبواب النبوات.
ونحو الآية قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ﴿وَالْفُلْكَ﴾ عطف على ﴿مَا﴾، أو على اسم ﴿إِنَّ﴾ وجملة ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾؛ أي: بمشيئته وتيسيره، حال من الفلك؛ أي: وسخر لكم السفن تجري في البحار برفق، وتؤدةٍ حاملةً ما تريدون، من نائي الأصقاع، وبعيد المسافات من سلع، وحيوان، وأناسي، وبذلك يتم تبادل مرافق الحياة بالأخذ والعطاء. وإنما أفردها بالذكر، وإن اندرجت بطريق العموم تحت ما في قوله: ﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ لظهور
стр. 8214
الامتنان بها، ولعجيب تسخيرها دون سائر المسخرات اهـ. "سمين".
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَالْفُلْكَ﴾ بالنصب، وضم اللام ابن مقسم والكسائي عن الحسن، وانتصب عطفًا على ﴿مَا﴾. وجوز أن يكون معطوفًا على الجلالة، بتقدير وأن الفلك، وهو إعراب بعيد عن الفصاحة. وقرأ السلمي والأعرج وطلحة وأبو حيوة والزعفراني بضم الكاف مبتدأ وجملة تجري خبره.
﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ﴾؛ أي: وإن الله سبحانه يمسك السماء من ﴿أَنْ تَقَعَ﴾ وتسقط ﴿عَلَى الْأَرْضِ﴾ بأن خلقها متداعية إلى الاستمساك. يقال: أمسك الشيء إذا أخذه والوقوع السقوط. ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: إلا بمشيئته، وإرادته.
قال الراغب: الإذن في الشيء: الإعلام بإجازته، والرخصة فيه، انتهى. وذلك يوم القيامة. وفيه رد لاستمساكها بذاتها، فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط، كقبول غيرها، والمعنى؛ أي: وإن الله يمسك أجرام الكواكب من شمس، وقمر، وكواكب نيرات بنظام الجاذبية، إذ جعل لكل منها مداراً خاصًا بها، لا تعدوه بحالٍ، ولا تزال كذلك ما بقيت الحياة الدنيا، حتى إذا اقتربت الساعة اختل نظامها. وانتثرت في الفضاء، كما ألمع إلى ذلك سبحانه بقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾ الآية. ولولا هذا النظام الخاص لاصطدمت الكواكب العظيمة بعضها ببعض. وفسد العالم الأرضي ولم يعش على ظهر البسيطة إنسان، ولا حيوان.
﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ أي: كثير الرأفة والرحمة، حيث سخر هذه الأمور لعباده، وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم، تفضلاً منه على عباده، وإنعاماً عليهم، وفتح لهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار، وأوضح لهم مناهج الاستقلال بالآيات التكوينية، والتنزيلية. والرؤوف (٢) بمعنى الرحيم، إذ الرأفة أشد الرحمة، أو أرقها. كما في "القاموس". قال في "بحر العلوم". ﴿الرؤوف﴾؛ أي: المريد
стр. 8215
للتخفيف على عباده. ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أي: مريد للإنعام عليهم.
٦٦ - ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم نطفًا جمادًا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء أعماركم ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ عند البعث للثواب والعقاب.
والمعنى: أي وهو سبحانه، هو الذي أنعم عليكم بهذه النعم، وجعلكم أجسامًا حيةً بعد أن كنتم ترابًا، ثم يميتكم حين انقضاء آجالكم، ثم يحييكم بالبعث والنشور إلى عالم آخر، تلقون فيه حسابكم وجزاءكم من نعيم أو جحيم.
ثم بين طبيعة الإنسان التي فطر عليها، فقال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ﴾؛ أي: كثير الجحد، لنعم الله عليه مع كونها ظاهرةً غير مستترة، ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد، لأن المراد وصف جميع الجنس، بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغةً، وهو المشرك كُدَيْل بن ورقاء الخزاعي، وأبو جهل، والعاص بن وائل، وأبي بن خلف، وغيرهم.
والمعنى: أي (١) إن الإنسان لم يوجه همه إلى كل هذه الآلاء التي يتقلب فيها ليلًا ونهارًا بل جحدها، وجحد خالقها على وضوح أمرها، وعبد غيره، وجعل له الأنداد من الأصنام والأوثان. ونحو الآية قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
٦٧ - ثم عاد سبحانه، إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله ﷺ من أهل الأديان عن منازعته، فقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ معينة من الأمم الماضية والباقية. والأمة جماعة أرسل إليهم رسول. ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي: وضعنا وشرعنا ﴿مَنْسَكًا﴾؛ أي: شريعة خاصة بهم، بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها، إلى شريعة أخرى، على معنى عيّن كل شريعة لأمة معينة من الأمم، بحيث لا تتخطاها إلى شريعة أخرى، لا استقلالًا ولا اشتراكًا. وجملة قوله: ﴿هُمْ
стр. 8216
نَاسِكُوهُ﴾ صفة لمنسكًا مؤكدة للقصر، المستفاد من تقديم الجار والمجرور على الفعل، والضمير لكل أمة باعتبار خصوصها؛ أي: تلك الأمة المعينة هي الناسكة والعاملة به لا غيرها. فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى ﵉، منسكهم التوراة هم ناسكوها، والعاملون بها لا غيرهم، والأمة التي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد ﷺ ، منسكهم الإنجيل هم ناسكوه، والعاملون بها لا غيرهم، والأمة التي من مبعث محمد ﷺ ، إلى يوم القيامة منسكهم الفرقان ليس إلا، لأن لكل زمان ما يليق به من الشرائع، التي تناسب من فيه في تلك الحقبة. والمنسك مصدر ميمي مأخوذ من النسك، وهو العبادة. لا اسم (١) مكان، كما يدل عليه قوله: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، ولم يقل ناسكون فيه. وقيل المنسك موضع أداء العبادة. وقيل: هو الذبائح. ولا وجه للتخصيص، ولا اعتبار بخصوص السبب. والفاء: في قوله: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت يا محمد أنا جعلنا لكل أمة منسكًا، وأردت بيان ما هو اللازم لمعاصريك، فأقول لك: لا ينزعنك؛ أي: لا يخاصمنك من يعاصرك من أهل الملل. ﴿فِي الْأَمْرِ﴾؛ أي: في أمر دينك، زعمًا منهم أن شريعتهم ما عين لآبائهم الأولين من التوراة والإنجيل فإنهما شريعتان لمن مضى من الأمم قبل انتساخها، وهؤلاء أمة مستقلة، منسكهم القرآن المجيد فحسب.
والنهي إما على حقيقته، أو كناية عن نهيه ﷺ عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال الزجاج: إنه نهي له ﷺ عن منازعتهم؛ أي: لا تنازعهم أنت، كما تقول: لا يخاصمك فلان؛ أي: لا تخاصمه، وكما تقول: لا يضاربنك فلان؛ أي: لا تضاربه. وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمنًا.
والمعنى: أي (٢) فلا ينبغي لهم أن ينازعوك في أمر هذا الدين، فإن تعيينه تعالى لكل أمة شريعة خاصة، موجب لطاعة هؤلاء لك، وعدم منازعتهم إياك في
стр. 8217
أمر هذه الشريعة، زعمًا منهم أن شريعتهم هي ما عين لآبائهم من التوراة والإنجيل. فذلك خطأ منهم، فإن ذلك إنما كان شريعة لمن مضى قبل نسخه بالقرآن.
والخلاصة: أثبت أيها الرسول على دينك ثباتاً لا يطمعون أن يجذبوك منه، ليزيلوك عنه. والمراد بذلك: تهييج حميته ﷺ ، وإلهاب غضبه لله ولدينه ومثل هذا كثير في كتاب الله، وكأنه قد قيل له: تأس بالأنبياء قبلك في مشاركة القوم الظالمين، والإمساك عن مجادلتهم بعد اليأس من إيمانهم.
وقال: ابن جرير الطبري (١) (١٧/ ١٩٩): يقول تعالى: فلا ينازعنك هؤلاء المشركون بالله، يا محمد، في ذبحك ومنسكك بقولهم: أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التي قتلها الله، فإنك أولى بالحق منهم؛ لأنك محق وهم مبطلون. وذلك أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله ﷺ في أمر الذبيحة، فقالوا: كيف تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله يعنون الميتة.
وقرىء ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ بالنون الخفيفة. وقرأ أبو مجلز ﴿فلا ينزعنك في الأمر﴾ من النزع، بمعنى فلا يقلعنك من دينك، فيحملوك إلى أديانهم من نزعته من كذا، أو لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك، وقرأ الباقون: ﴿يُنَازِعُنَّكَ﴾ من المنازعة، بمعنى المخاصمة والمجادلة.
فائدة: وإنما (٢) قال: فيما سبق ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ بواو العطف، وقال: هنا ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ لأن تلك وقعت مع ما يدانيها ويناسبها من الآية الواردة في أمر المناسك، فعطفت على أخواتها، وأمَّا هذه فواقعة مع أباعد عن معناها، فلم تجد معطفًا. قاله الزمخشري. ﴿وَادْعُ﴾ هؤلاء المنازعين، أو ادع الناس كافة، ولا تخص أمة دون أمة بالدعوة، فإن كل الناس أمتك ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: إلى توحيد ربك، وعبادته
стр. 8218
حسبما بين لهم في منسكهم وشريعتهم ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أي: على طريق مستقيم لا اعوجاج فيه؛ أي: على طريق موصل إلى الحق، وشريعة توصل إلى السعادة الأبدية. ونحو الآية قوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾.
٦٨ - ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾؛ أي: وان جادلك هؤلاء المشركون في نسكك، وخاصموك مراءً وتعنتا بعد أن ظهر الحق، ولزمتهم الحجة، كما يفعله السفهاء ﴿فَقُلِ﴾ لهم على سبيل التهديد، والوعيد، والإنذار. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: عليم بأعمالكم، وما تستحقون عليها من الجزاء فهو مجازيكم بها. وعليم بأعمالنا فمجاز لنا بها. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
٦٩ - وبعد أن أمر رسوله ﷺ بالإعراض عنهم، وكان ذلك شديد الوقع على النفس، سلاه بأن الله سيجازيهم لا محالة يوم القيامة، على ما يقولون ويفعلون. فقال ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾؛ أي: يفصل ويقضي بين المؤمنين منكم والكافرين ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بالثواب والعقاب، كما فصل بينكم في الدنيا بالحجج والآيات. ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، فيتبين المحق من المبطل.
وقصارى ما سلف (١): ادع إلى شريعتك، ولا تخص بالدعاء أمة دون أمة، فكلهم أمتك، وانك لعلى طريق واضحة الدلالة، تصل بمن اتبعها إلى سبيل السعادة، فإن عدلوا عن النظر في الأدلة إلى المراء، والتمسك بالعادات، وبما وجدوا عليه الآباء والأجداد .. فدعهم في غيهم يعمهون. فقد أنذرت وما عليك إلا البلاغ، وقيل لهم، مهددًا منذرًا: الله يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة، ويتبين المحق من المبطل ويجازي كلا بما يستحق.
стр. 8219
٧٠ - وفي هذه الآية (١): تعليم لهذه الأمة، بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال بالباطل. وقيل: إنها منسوخة بآية السيف. وجملة قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ مستأنفة، مقررة لمضمون ما قبلها، والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: قد علمت يا محمد وتيقنت ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن جملة ذلك ما أنتم فيه مختلفون.
والمعنى: أي قد علمت يا محمد، أن علم الله محيط بما في السموات وما في الأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وهو حاكم بين خلقه يوم القيامة، على علم منه، بما عملوه في الدنيا، فمجازي المحسن منهم بإحسانه، والمسيء بإساءته. ثم أكد علمه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي في السماء والأرض من معلوماته ﴿فِي كِتَابٍ﴾؛ أي: مكتوب عنده في أم الكتاب، واللوح المحفوظ الذي كتب فيه كل ما هو كائن إلى يوم القيامة، قبل أن يخلقه، فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به. وحفظنا له. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾؛ أي: إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿يَسِيرٌ﴾؛ أي: سهل غير عسير، أو إن إحاطة علمه بما في السماء والأرض وإثباته في اللوح المحفوظ يسير عليه، إذ لا يخفى عليه شيء، ولا يتعسر عليه مقدور.
٧١ - ثم حكى سبحانه بعض أباطيل المشركين، وأحوالهم الدالة على سخافة عقولهم، فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ويعبد هؤلاء المشركون بالله ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾؛ أي: أصناماً لم ينزل الله بجواز عبادتها ﴿سُلْطَانًا﴾؛ أي: حجة وبرهانًا من السماء في كتاب من كتبه، التي أنزلها على رسله ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: ويعبدون ما ليس لهم علم، من ضرورة العقل، بجواز عبادته، أو بأنه إله. وهي الأصنام المذكورة، وإنما هو أمر تلقوه عن آبائهم وأسلافهم بغير حجة ولا برهان.
والخلاصة (٢): ويعبدون من دون الله ما لم يقم عليه دليل من الوحي، ولا
стр. 8220
دليل من العقل على صحة عبادته، فهم إنما يعبدون الأصنام بمجرد الجهل، ومحض التقليد. ونحو الآية قوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: وليس للمشركين، الذين ارتكبوا مثل هذا الظلم العظيم، ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾؛ أي: ناصر يدفع عنهم العذاب، الذي يعتريهم بسبب ظلمهم. وفي "التأويلات النجمية" (١) يشير سبحانه، إلى أن من كان من جملة خواصه أفرده، ببرهان وأيده ببيان، وأعزه بسلطان، وما لأهل الخذلان سلطان، فيما عبدوه من أصناف الأوثان، ولا برهان على ما طلبوه، وما لهم نصرة من الله، بل خذلان.
٧٢ - وجملة قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ معطوفة على يعبدون؛ أي: وإذا قرئت على هؤلاء المشركين ﴿آيَاتِنَا﴾ من القرآن حالة كونها ﴿بَيِّنَاتٍ﴾؛ أي: واضحات الدلالة على العقائد الحقية، والأحكام الإلهية. وجملة قوله: ﴿تَعْرِفُ﴾ جواب ﴿إذا﴾. أي: تعرف أيها المخاطب ﴿فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إظهار في مقام الاضمار ﴿الْمُنْكَرَ﴾؛ أي (٢): الأمر المنكر، وهو غضبهم وعبوسم عند سماعها، أو المراد بالمنكر الإنكار، كالمكرم بمعنى الإكرام؛ أي: تعرف في وجوههم إنكارها، وترى فيها علامته من العبوس والكراهة. وقيل: هو التجبر والتكبر. وقرأ عيسى بن عمر ﴿يعرف﴾ مبنيًا للمفعول ورفع المنكر.
واعلم: أنَّ (٣) الوجوه كالمرآة، فكل صورة من الإقرار والإنكار تظهر فيها، فهي أثر أحوال الباطن، وكل إناء يترشح بما فيه، كتلون وجوه قوم صالح، فما ظهر عليهم في ظاهرهم، إلا حكم ما استقر في باطنهم.
والمعنى: أي (٤) وإذا تتلى على هؤلاء المشركين العابدين من دون لله، ما لم ينزل به سلطانًا. آيات القرآن ذوات الحجج والبينات، بدت وظهرت على وجوههم
стр. 8221
أمارات الإنكار، بالتهجُّم والعبوس والبسور، ونحو ذلك، مما يدل على الغيظ، والحقيدة الكامنة في نفوسهم، مما يسمعون منها. ثم بين مقدار ذلك الغيظ، ومبلغ أمره، فقال: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ هذه الجملة (١) حال إما من الموصول، وإن كان مضافًا إليه، لأنَّ المضاف جزؤه، وإما من الوجوه؛ لأنها يعبر بها عن أصحابها، كقوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ ثم قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ﴾ ويسطون ضمن معنى يبطشون، فتعدى تعديته، وإلا فهو متعد بعلى، يقال سطا عليه؛ أي: وإذا تتلى عليه آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا أمارات الإنكار، حالة كونهم يقاربون أن يسطوا ويبطشوا. ﴿بـ﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾ ويقرؤون ﴿عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ويوقعوا عليهم الصرر، من فرط غيظم وشدة غضبهم؛ أي: هم من شدة خنقهم على من يتلوا عليهم آياتنا من المؤمنين يكادون يثبون عليهم ويبطشون بهم، ويبسطون أيديهم وألسنتهم بالسوء. وقصارى ذلك أنهم قد بلغوا من الجهالة حدًّا لا ينفع فيه العلاج، ولا تقنع فيه البينات والحجج. والسطوة شدة البطش، يقال سطا به يسطو إذا بطش به بضرب أو شتم أو أخذ باليد. وأصل السطو القهر، كما سيأتي في مبحث الصرف.
وهكذا (٢): ترى أهل البدع المضلة والخرافات المحدثة، إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم السني عليهم، من آيات الكتاب وأحاديث الرسول "الصحيحة" مخالفًا لما اعتقدوه من الباطل والضلالة .. رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم، لفعل به ما لا يفعله بالمشركين. وقد رأينا وسمعنا من أهل البدع، ما لا يحيط به الوصف. والله ناصر الحق، ومظهر الدين، وداحض الباطل، ودامغ البدع، وحافظ المتكلمين بما أخذه عليهم المبينين للناس، ما نزل إليهم. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
ثم ذكر لهم أن هذا الغيظ الكمين في نفوسهم ليس بشيء، إذا قيس بما سيلاقونه من العذاب يوم القيامة، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ
стр. 8222
ذَلِكُمُ﴾ والهمزة فيه للاستفهام التقريعي داخلة على محذوف. والفاء عاطفة على ذلك المحذوف والتقدير: قل لهم أيها الرسول أتسمعون ما أقول: فأخبركم بأشر وأقبح، وأشد ضررًا عليكم من ذلكم الذي في قلوبكم من الغيظ على التالين للآيات، وأكره عليكم من سماع القرآن، حتى قاربتم أن تسطوا بهم وتمدوا إليهم أيديكم وألسنتكم بالسوء. ثم أجاب عن هذا الاستفهام، فقال ﴿النَّارُ﴾؛ أي: ذلك الأشر، هو النار، على أنه جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما هو؟ فأجاب بقوله: ذلك الشر، هو النار التي أعدها الله تعالى لكم و ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أي: خوف بها الذين كفروا ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: وقبح الموضع الذي تصيرون وترجعون إليه وهو النار.
والمعنى: أي (١) النار وعذابها أشق وأعظم مما تخوفون به أولياء الله المؤمنين في الدنيا، ومما تنالون منهم، إن نلتم بإرادتكم واختياركم. ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: وبئس النار موئلًا ومقامًا لهؤلاء المشركين بالله. ونحو الآية قوله: (﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿النار﴾ رفعًا على إضمار مبتدأ كان قائلًا يقول قال: وما هو؛ قال: النار؛ أي: نار جهنم. وجملة وعدها، إما حال من النار، وإما خبر بعد خبر وإما مستأنفة. وأجاز الزمخشري أن تكون ﴿النار﴾ مبتدأ، وجملة ﴿وعدها﴾ خبرًا عنها. وقرأ ابن أبي عبلة وإبراهيم بن يوسف عن الأعشى وزيد بن علي: ﴿النارَ﴾ بالنصب على الاختصاص. قال: الزمخشري: ومن أجاز في الرفع أن تكون النار مبتدأ، فقياسه أن يجيز النصب على الاشتغال. وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح عن قتيبة ﴿النار﴾ بالجر على البدل من ﴿شر﴾، فتكون جملة ﴿وعدها﴾ مستأنفة.
والظاهر أن الضمير في ﴿وعدها﴾ هو المفعول الأول، على أنه تعالى وعد النار بالكفار أن يطعمها إياهم، ألا ترى إلى قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ويجوز أن
стр. 8223
يكون الضمير هو المفعول الثاني، والذين كفروا هو الأول. كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ﴾.
٧٣ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ كلام متصل بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾؛ أي: يا أهل مكة ضرب مثل؛ أي: (١) بين لكم حالة مستغربة أو قصة بديعة حقيقية، بأن تسمى مثلًا، وتسير في الأمصار والأعصار ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ أي: لذلك المثل استماع تدبر، وتدبروه حق تدبر، فإن الاستمتاع بلا تدبر وتعقل لا ينفع. قال النحاس: المعنى ضرب الله لما يعبدونه من دونه مثلًا، قال وهذا من أحسن ما قيل فيه؛ أي: بين الله لكم شبهًا ولمعبودكم. وأصل (٢) المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضا والقبول مسيرة في الناس، مستغربة عندهم. وجعلوا مضربها مثلًا لموردها، كـ (الصيف ضيعتَ اللبن)، ثم قد يستعيرونها للقصة، أو الحالة، أو الصفة المستغربة، لكونها مماثلة لها في الغرابة، كهذه القصة المذكورة في هذه الآية.
فإن قلت (٣): الذي جاء به، ليس بمثل، فكيف سماه مثلًا؟
قلت: لما كان المثل في الأكثر نكتة عجيبة غريبة، جاز أن يسمى كل كلام، كان كذلك مثلًا. وقال في "الكشاف": قد سميت الصفة والقصة الرائقة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلًا، تشبيهًا لها ببعض الأمثال المسيرة، لكونها مسيرةً عندهم مستحسنةً مستغربة.
والمعنى: جعل لي شبيها وشبه بي الأوثان؛ أي: جعل المشركون الأصنام أشباهي وشركائي يعبدونها ثم بين حالها وصفتها فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أي: إن الأصنام التي تعبدونها ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: متجاوزين عبادة الله، وهو بيان للمثل وتفسير له.
﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾؛ أي: لن يقدروا على خلق ذبابٍ واحدٍ أبدًا مع صغره
стр. 8224
وحقارته فإنَّ (١) (لَنْ) بما فيها من تأكيد النفي، دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾؛ أي: لخلقه، والجواب محذوف، تقديره: لن يخلقوه. والمعنى: أن هذه الأصنام لو اجتمعت لم يقدروا على خلق ذبابة، على ضعفها وصغرها، فكيف يليق بالعاقل جعلها معبودًا له. وجملة قوله: ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ مع الجواب المقدر في موضع حال جيء بها للمبالغة؛ أي؛ لا يقدرون على خلقه مجتمعين له، متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين.
وقرأ الجمهور: ﴿تدعون﴾ بالتاء. وقرأ الحسن ويعقوب وهارون والخفاف ومحبوب عن أبي عمر ﴿يدعون﴾ بالياء، وكلاهما مبني للفاعل، وقرأ اليماني وموسى الأسواري بالياء من أسفل مبنيًا للمفعول.
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾؛ أي: وإن يأخذ الذباب منهم شيئًا ويخطفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾؛ أي؛ لا يستردوه من الذباب مع غاية ضعفه لعجزهم. قيل: كانوا يطيبون الأصنام بالطيب والعسل، ويغلقون عليها الأبواب، فيدخل الذباب من الكوى فيأكله.
أي: وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه منهم فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرمًا، وأشد منه قوة أعجز وأضعف. ثم عجيب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب. فقال: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: الطالب الذباب يطلب ما يسلب من الطيب الذي على الصنم، والمطلوب هو الصنم. وقيل: الطالب الصنم، من حيث إنه يطلب خلق الذباب، أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه، والمطلوب الذباب وقيل: الطالب عابد الصنم، والمطلوب الصنم. وقال الضحاك؛ أي: ضعف العابد والمعبود، ولو حققت وجدت الصنم أضعف من الذباب، وعابده أجهل من كل جاهل وأضل من كل ضال. قال ابن جرير الطبري: والصواب عندنا من التأويلات المذكورة، تأويل ابن عباس؛ لأن ذلك في سياق الخبر عن الآلهة والذباب، فلأن يكون ذلك خبرًا
стр. 8225
عما هو متصلٌ به أشبه من أن يكون عما هو عنه منقطع انتهى.
٧٤ - ثم بين الله سبحانه، أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهةً، عاجزةً، إلى هذه الغاية في العجز، ما عرفوا الله حق معرفته فقال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ﴾؛ أي: ما قدر المشركون الله، وما عظموه ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته وما وصفوه حق صفته، حيث أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب، ولا ينتصر منه، وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء منه مناسبةً. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَقَوِيٌّ﴾ على خلق كل شيء. ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب لا يغالبه أحد، بخلاف آلهة المشركين. فإنها جماد لا تعقل ولا تنفع ولا تضر، ولا تقدر على شيء.
وحاصل معنى الآيتين (١): يا أيها الناس، يعني: المؤمنين جعل المشركون لي أشباهًا وأندادًا، وهي الآلهة التي يعبدونها معي، فأنصتوا وتفهموا حال ما جعلوهم لي، في عبادتهم إياهم أشباهًا وأمثالًا، وحال هؤلاء الأشباه، أنه لو اجتمع جميع ما تعبدون من الأصنام والأوثان على أن يخلقوا ذبابة واحدة، على صغر حجمها، وحقارة شأنها .. ما قدروا، وما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
روي عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ ، قال: قال الله : "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي!؟ فَلْيخَلْقُوا ذُرةً، فليخلقوا شعيرة!! ".
وإن يسلب الذباب الآلهة والأصنام شيئًا، مما عليها من طيب وما أشبهه، لا تستنقذ ذلك منه على ضعفه.
والخلاصة: أنهم عاجزون عن خلق ذباب واحد، بل أعجب من ذلك أنهم عاجزون عن مقاومته، والانتصار منه لو سلبهم شيئًا مما عليهم من طيب ونحوه.
وفي ذلك إشارة إلى أنهم قد بلغوا غاية الجهالة، وأشركوا بالله القادر على كل شي آلهتهم من الأصنام والأوثان، التي لا تقدر على خلق أحقر المخلوقات وأصغرها وهو الذباب، ولو اجتمعت له. ولا تستطيع أن تنتصر منه لو سلبها
стр. 8226
شيئًا. عجز الطالب وهو الآلهة أن تستنقذ من المطلوب، وهو الذباب ما سلبها إياه من الطيب وما أشبهه.
وقصارى هذا: أنه سبحانه، وصف هذه الآلهة بما وصف للدلالة على مهانتها وضعفها، تقريعاً منه لعبدتها من مشركي قريش؛ وكأنه قيل لهم كيف تجعلون لي مثلًا في العبادة، وتشركون معي فيها، ما لا قدرة له على خلق ذباب، وإن أخذ منه الذباب شيئًا، لم يقدر أن ينتصر منه، وأنا الخالق لما في السموات والأرض، المالك لجميع ذلك، المحيي لما أردت، والمميت له، إن فاعل ذلك بالغ غاية الجهل وعظيم السفه. ثم زاد هذا الإنكار توكيدًا، فقال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أي: ما عظموه حق التعظيم، الذي هو إفراده بالعبادة، إذ عبدوا معه غيره، من هذه الأصنام، التي لا تقاوم الذباب لضعفها، ولا تنتصر منه إن سلبها شيئًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾؛ أي: إنه تعالى قوي لا يتعذر عليه شيء، وبقدرته خلق كل شيء. عزيز لا يغالب لعظمته وسلطانه، ولا يقدر شيء أن يسلبه من ملكه شيئًا وليس كآلهتكم التي تدعونها من دون الله تعالى.
ونحو الآية قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾
٧٥ - وبعد أن ذكر ما يتعلق بالإلهيات، ذكر ما يتعلق بالنبوات فقال: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَصْطَفِي﴾ ويختار ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي، كجبريل وميكائيل، وإسرافيل. فإن قلت: إن قوله من الملائكة، يقتضي أن تكون الرسل بعض الملائكة لا كلهم فيناقض قوله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قلت: يدفع هذا التناقض، بأن المراد بما هنا من كان رسولًا من الملائكة إلى بني آدم، وهم أكابر الملائكة كجبريل، وعزرائيل والحفظة. وبأن المراد من قوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾؛ أي: بعضهم رسلًا إلى البعض. اهـ "جمل".
﴿و﴾ يصطفي ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ رسلًا يدعون عباده إلى ما لا يرضيه، ويبلغونهم
стр. 8227
ما نزله عليهم من وحيه، إرشاداً لهم وتشريعاً للأحكام التي فيها سعادتهم في دنياهم وآخرتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿سَمِيعٌ﴾ لأقوال عباده ﴿بَصِيرٌ﴾ بهم، فيعلم من يستحق أن يختار منهم لهذه الرسالة.
٧٦ - ﴿يَعْلَمُ﴾ سبحانه ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾؛ أي: ما كان بين أيدي ملائكته ورسله من قبل أن يخلقهم. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾؛ أي: ويعلم ما هو كان بعد فنائهم. وعبارة العمادي: ما بين أيديهم ما مضى، وما خلفهم ما لم يأت.
وخلاصة ذلك: يعلم مستقبل أحوالهم وماضيها، وقيل: يعلم ما عملوه وما سيعملونه من أمور الدنيا. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ لا إلى أحد غيره، لا اشتراكًا ولا استقلالًا ﴿تُرْجَعُ﴾ وترد من (١) الرجع القهقرى ﴿الْأُمُورُ﴾ كلها في الآخرة؛ لأنه مالكها بالذات، ولا أمر ولا نهي لأحد سواه. وهو يجازي كلا بما عمل إن خيرًا، وإن شرًا. لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء وغيره، وهم يسألون. وفي هذا إشارة إلى التفرد بالإلهية، والحكم، وإلى الزجر عن المعصية.
٧٧ - ولمَّا تضمن ما ذكره من أنّ الأمور ترجع إليه الزجر لعباده عن معاصيه، والحض لهم على طاعاته صرح بالمقصود، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله وصدقوها ﴿ارْكَعُوا﴾؛ أي: اخضعوا لله ﴿وَاسْجُدُوا﴾؛ أي: خروا له سجدًا. وقيل: ارجعوا (٢) من تكبر قيام الإنسانية إلى تواضع الحيوانية، وذلة النباتية. قال: ابن عباس: إن الناس كانوا في أول الإسلام يركعون ولا يسجدون، حتى نزلت هذه الآية. قال أبو الليث: كانوا يسجدون بغير ركوع، فأمرهم الله بأن يركعوا ويسجدوا. وقال بعضهم: كانوا يركعون بلا سجود، ويسجدون بلا ركوع.
والمعنى: صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم. عبر عن الصلاة بهما؛ لأنهما أعظم أركانها. وخص الصلاة بالذكر؛ لأنها أشرف عبادات البدن. وقال الإمام
стр. 8228
الأعظم أبو حنيفة والإمام مالك: دل مقارنة السجود بالركوع في الآية على أن المراد سجود الصلاة، ثم عمَّم فقال: ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أي: واعبدوه بسائر ما تعبدكم به خالصًا لوجهه.
﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الذي أمركم بفعله، من صلة الأرحام ومكارم الأخلاق. وقيل: فعل (١) الخير ينقسم إلى خدمة المعبود الذي هو عبارة عن التعظيم لأمر الله تعالى، وإلى الإحسان الذي هو عبارة عن الشفقة على خلق الله، ويدخل فيه البر والمعروف، والصدقة وحسن القول وغير ذلك من أعمال البر. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾؛ أي: لكي تسعدوا وتفوزوا من ربكم بما تأملون من الثواب والرضوان والجنة؛ أي: افعلوا هذه كلها وأنتم راجون بها الإفلاح، غير متيقنين له واثقين بأعمالكم.
فصل في حكم سجود التلاوة هنا
لم يختلف العلماء في السجدة الأولى من هذه السورة، واختلفوا في السجدة الثانية. فروي عن عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود وابن عباس وأبي الدرداء وأبي موسى أنهم قالوا: في الحج سجدتان. وبه قال ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
يدل عليه ما روي عن عقبة بن عامر قال: قلت يا رسول الله، أفي الحج سجدتان؟ قال: "نعم. ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما". أخرجه الترمذي وأبو داود. وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ سورة الحج، فسجد فيها سجدتين، وقال: إن هذه السورة فضلت بسجدتين. أخرجه مالك في الموطأ.
وذهب قوم إلى أن في الحج سجدة واحدة، وهي الأولى وليست هذه بسجدة. وهو قول الحسن وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبي حنيفة ومالك، بدليل أنه قرن السجود بالركوع، فدل ذلك على أنها سجدة
стр. 8229
صلاةٍ لا سجدة تلاوةٍ.
واختلف العلماء في عدة سجود التلاوة، فذهب الشافعي وأحمد وأكثر أهل العلم، إلى أنها أربع عشرة سجدة، لكن قال الشافعي: في الحج سجدتان، وأسقط سجدة ﴿ص﴾ وقال أبو حنيفة في الحج سجدة واحدة، وأثبت سجدة ﴿ص﴾. وبه قال: أحمد في إحدى الروايتين عنه، فعنده أن السجدات خمس عشرة سجدة.
وذهب قوم إلى أن المفصل ليس فيه سجود. ويروى ذلك عن أبي بن كعب وابن عباس وبه قال مالك. فعلى هذا يكون سجود القرآن إحدى عشرة سجدة. يدل عليه ما روي عن أبي الدراء أن النبي ﷺ قال: "في القرآن أحد عشرة سجدة". أخرجه أبو داود، وقال: إسناده واهٍ. ودليل من قال: في القرآن خمس عشرة سجدة؟ ما روي عن عمرو بن العاص قال: أقرأني رسول الله ﷺ القرآن خمس عشرة سجدة. منها: ثلاثة في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان. أخرجه أبو داود. وصح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في إقرأ، وإذا السماء انشقت. أخرجه مسلم.
وسجود التلاوة سنة للقارىء والمستمع. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة هو واجب. ولا يصح سجود التلاوة إلا بتكبيرة الإحرام والسلام خلافًا لأصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي. ولا يجزىء الركوع عن سجود التلاوة. وقال: أبو حنيفة يجزىء. ولا يسجد المستمع إذا لم يسجد التالي. نص عليه أحمد. وتكره قراءة السجدة في صلاة الإخفات خلافًا للشافعي. ذكره ابن الجوزي.
٧٨ - ﴿وَجَاهِدُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في (١) سبيله وطاعته، ونصر دينه على أعداء دينه الظاهرة والباطنة، من أهل الضلال والبدع والهوى والنفس.
стр. 8230
﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾؛ أي: جهادًا حقًا خالصًا لوجهه. لا تخشون فيه لومة لائم. قيل: المراد به الجهاد الأكبر، وهو الغزو للكفار، ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين. وقيل: المراد بالجهاد هنا امتثال ما أمرهم الله به، في الآية المتقدمة، أو امتثال جميع ما أمر به، ونهى عنه. على العموم.
ومعنى: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ المبالغة (١) في الأمر بهذا الجهاد؛ لأنه أضاف الحق إلى الجهاد. والأصل إضافة الجهاد إلى الحق؛ أي: جهادًا خالصًا لله، فعكس ذلك لقصد المبالغة. وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعًا أو لاختصاصه به سبحانه، من حيث كونه مفعولًا له، ومن أجله. وقيل: المراد بحق جهاده، هو أن لا يخافوا في الله لومة لائم. وقيل: المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله.
وقال مقاتل والكلبي: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ كما أن قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ منسوخ بذلك. ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة، فلا حاجة إلى المصير إلى النسخ.
ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله: ﴿هُوَ﴾ سبحانه لا غيره ﴿اجْتَبَاكُمْ﴾؛ أي (٢): اختاركم من سائر الأمم، وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع. وقيل: اختاركم للاشتغال بطاعته من بين سائر البريات. وقيل: اختاركم لدينه، ونصرته لا غيره. وفيه (٣) تنبيه على ما يقتضي الجهاد، ويدعو إليه. قال ابن عطاء: الاجتبائية أورثت المجاهدة، لا المجاهدة أورثت الاجتبائية، انتهى.
وفيه تشريف لهم عظيم، ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في بعض الحالات قال: ﴿وَمَا جَعَلَ﴾ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيتها الأمة المحمدية ﴿فِي الدِّينِ﴾ الذي تعبّدكم به ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾؛ أي: من ضيق وشدة وصعوبة