← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

وأخرج البيهقي من حديث أنس، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لما خلق الله الجنة، قال لها: تكلمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ ". وأخرجه أيضًا ابن أبى عدي، والحاكم، وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه، من حديث ابن عباس مثله. وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (١)، والنسائي وابن المنذر، والحاكم، وصححه وابن مردويه، والبيهقي في "الدلائل"، عن يزيد بن بابنوس، قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلقه القرآن، ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنون؟ إقرأ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ حتى بلغ العشر، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ . وروي: أن أولها وآخرها من كنوز الجنة، من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها، فقد نجا وأفلح. الناسخ والمنسوخ: قال أبو عبد الله محمد بن حزم رحمه الله تعالى (٢): في سورة المؤمنون آيتان منسوختان: إحداهما: قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ الآية (٥٤) نسخت بآية السيف. الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ الآية (٩٧) نسخت بآية السيف أيضًا. المناسبة: مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه (٣): ١ - أنه تعالى ختم السورة السابقة بخطاب المؤمنين، وأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وفعل الخيرات، لعلهم يفلحون، وحقق فلاحهم في بدء هذه السورة (٢).

стр. 8262

٢ - أنه تكلم في كل من السورتين في النشأة الأولى، وجعل ذلك دليلًا على البعث والنشور. ٣ - أن في كل من السورتين قصصًا للأنبياء الماضين وأممهم، ذكرت عبرة للحاضرين والآتين. ٤ - أنه نصب في كل منهما أدلة على وجود الخالق ووحدانيته. والله أعلم * * *

стр. 8263

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾

стр. 8264

المناسبة قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) ...﴾ الآيات، مناسبة (١) هذه الآيات لآخر السورة التي قبلها ظاهرة؛ لأنه تعالى خاطب المؤمنون بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ الآية، وفيه: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وذلك على سبيل الترجية، فمناسبة ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إخبارًا بحصول ما كانوا رجوه من الفلاح. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (٢): أنه لما ذكر أحوال السعداء المفلحين، قفى ذلك بذكر مبدأهم، ومآل أمرهم، وأمر غيرهم من بني الإنسان، وفي هذا إعظام للمنة، وحث على الاتصاف بحميد الصفات، وتحمل مؤونة التكاليف، ثم ذكر أن كل ذلك منته إلى غاية، هي يوم القيامة، الذي تبعثون وتحاسبون فيه على أعمالكم، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًا فشر. وعبارة أبي حيان: مناسبة هذه الآية لما قبلها: لما ذكر تعالى أن المتصفين بتلك الصفات الجليلة، هم يرثون الفردوس، فتضمن ذلك المعاد الأخروي ذكر النشأة الأولى، ليستدل على صحة النشأة الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: أنه تعالى لما ذكر خلق الإنسان في أطواره المختلفة، واستدل بذلك على قدرته، وتفرده بالتصرف في الملك، والملكوت .. أردفه ببيان ما يحتاج إليه في بقاءه، لما فيه من المنافع، التي لا غنى له عنها. وعبارة أبي حيان هنا (٣): لما ذكر تعالى ابتداء خلق الإنسان، وانتهاء أمره، ذكره بنعمته، انتهى. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها: أن الله

стр. 8265

سبحانه لما ذكر من دلائل قدرته خلق الطرائق السبع .. قفى على ذلك ببيان ما فيها من منافع للإنسان، فمنها ينزل الماء الذي به تنشأ الجنات من النخيل والأعناب، وكثير من أشجار الفاكهة التي تؤكل، وينبت به شجر الزيتون، الذي يؤخد من ثمره الزيت، الذي يتخذ دهنًا للأجسام، وإدامًا في الطعام. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ...﴾ الآية، مناسبتها لما قبلها: لما ذكر سبحانه بنعمة إنزاله الماء من السماء، الذي به جنات النخيل، والأعناب، والفواكه المختلفة، والزيتون .. أردفها بذكر النعم المختلفة، التي سخرها لنا من خلق الحيوان. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ...﴾. الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه سبحانه لما ذكر أولًا بدء الإنسان، وتطوره في تلك الأطوار، وما امتن به عليه، مما جعله تعالى سببًا لحياتهم، وإدراك مقاصدهم، ذكر أمثالًا لكفار قريش من الأمم السابقة، المنكرة لإرسال الله رسلًا، المكذبة بما جاءتهم به الأنبياء عن الله تعالى، فابتدأ بقصة نوح؛ لأنه أبو البشر الثاني، كما ذكر أولًا آدم في قوله تعالى: ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾، ولقصته أيضًا مناسبة لما قبلها إذ قبلها: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ فذكر قصة من صنع الفلك أولًا، وأنه كان سبب نجاة من آمن، وإهلاك من لم يكن معه في الفلك، فالفلك من نعمة الله تعالى، وكل هذه القصص يحذر بها قريشًا نقم الله، ويذكرهم بنعمه. وعبارة المراغي هنا (٢): مناسبة هذه الآيات لما قبلها أن الله سبحانه لما عدد ما أنعم به على عباده، في نشأتهم الأولى، وفي خلق الماء لهم؛ لينتفعوا به، وفي خلق الحيوان كذلك .. ذكر هنا أن كثيرًا من الأمم قد أهملوا التدبر والاعتبار في هذا، فكفروا بهذه النعم، وجهلوا قدر المنعم بها، وعبدوا غيره، وكذبوا رسله الذين أرسلوا إليهم، فحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون، وأهلكهم

стр. 8266

بعذاب من عنده، فأصبحوا كأمس الدابر، والمثل السائر، وفي هذا تخويفٌ لقريش، وإنذار لهم على ما يفعلون، وأنه سيحل بهم ما داموا على تكذيب رسولهم والكفر به مثل ما حل بمن قبلهم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الحاكم عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى، رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ فطاطأ رأسه، وأخرجه ابن مردويه، بلفظ: كان يلتفت في الصلاة، وأخرجه سعيد بن منصور عن ابن سيرين مرسلًا، بلفظ: كان يقلب بصره، فنزلت وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن سيرين مرسلًا: كان الصحابة يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة، فنزلت. قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ روي فيه عن أنس، قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع، قلت: يا رسول الله صلينا خلف المقام، فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وقلت: يا رسول الله، لو اتخذت على نسائك حجابًا، فإنه يدخل عليك البر والفاجر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، وقلت لأزواج النبي ﷺ : لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكم، فنزلت: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية ونزلت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فقلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فقال رسول الله ﷺ : "هكذا أنزلت يا عمر! " أخرجه الطيالسي. التفسير وأوجه القراءة ١ - ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ وفاز وسعد حقًا ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: المصدقون بما جاء به الرسول ﷺ ، ونالوا البقاء والدوام في الجنة، ويدل عليه، ما روي "أن الله تعالى لما خلق جنة عدن بيده، قال: تكلّمي، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ فقال: طوبى لك منزل الملوك" أي: ملوك الجنة، وهم الفقراء الصابرون، وقد هنا: للتحقيق؛ أي: التحقيق ما يحصل في المستقبل، وتنزيله منزلة الواقع، ومعنى فاز

стр. 8267

المؤمنون (١)؛ أي: ظفروا بمقصدهم، ونجوا من كل مكروه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ والمؤمنون جمع مؤمن، وهو المصدق بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر والقدر خيره وشره وحلوه ومره. وقرأ طلحة بن مصرق، وعمرو بن عبيد (٢): ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بضم الهمزة وكسر اللام مبنيًا للمفعول، ومعناه: أدخلوا في الفلاح، فاحتمل أن يكون من فلح لازمًا، أو يكون أفلح، يأتي متعديًا ولازمًا، وقرأ طلحة: أيضًا بفتح الهمزة واللام وضم الحاء، قال عيسى بن عمر: سمعت طلحة بن مصرق يقرأ: ﴿قَدْ أفلحوا الْمُؤْمِنُونَ﴾ فقلت له: أتلحن. قال: نعم، كما لحن أصحابي، انتهى. يعني: أن مرجوعه في القراءة إلى ما روي، وليس بلحن؛ لأنه على لغة أكلوني البراغيث، قال الزمخشري: أو على الإبهام والتفسير، وقال ابن عطية: وهي قراءة مردودة، وفي كتاب ابن خالويه مكتوبًا بواو بعد الحاء، وفي "اللوامح": وحذفت واو الجمع بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولةً على الوصل، نحو: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ وقال الزمخشري: وعنه - أي عن طلحة - ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ ضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله: ولو أن الأطباء كان حولي. انتهى. وليس بجيد؛ لأن الواو في أفلح حذفت لالتقاء الساكنين، وهنا حذفت للضرورة، فليست مثلها. والحاصل: أن الله سبحانه حكم بالفلاح لمن كان جامعًا لخصال سبع من خصال الخير: الأول: الإيمان، وذكره بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾؛ أي: فاز وسعد المصدقون بالله، ورسله، واليوم الآخر. ٢ - والثاني: الخشوع في الصلاة، وذكره بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾؛ أي: الذين هم مخبتون لله، متذللون له، مناقدون له، خائفون من عذابه، ملزمون

стр. 8268

أبصارهم مساجدهم. أو المعنى (١): خاضعون للمعبود، بالقلب غير ملتقين بالخواطر إلى شيء سوى التعظيم ساكنون بالجوارح، مطرقون ناظرون إلى مواضع سجودهم، لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا، ولا يرفعون أيديهم. والخشوع من فروض الصلاة عند الغزالي، والحضور عندنا ليس شرطًا للإجزاء، بل شرط للقبول، كما قاله الرازي: قدم الصلاة؛ لأنها أعظم أركان الدين، بعد الشهادتين، فإن قلت: لم أضيفت الصلاة إليهم؟ قلت: لأن الصلاة دائرة بين المصلي والمصلى له، فالمصلي: هو المنتفع بها وحده، وهي عدته وذخيرته، فهي صلاته، وأما المصلى له: فغني متعال عن الحاجة إليها، والانتفاع بها، ذكره في "البحر" وقد اختلف الناس في الخشوع (٢)، هل هو من فرائض الصلاة؟ أو من فضائلها؟ على قولين: قيل: الصحيح الأول، وقيل: الثاني، وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء، على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته، حكاه النيسابوري في تفسيره، قال: ومما يدل على صحة هذا القول، قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى. وفي "التأويلات النجمية": ﴿خَاشِعُونَ﴾؛ أي: بالظاهر والباطن (٣)، أما الظاهر فخشوع الرأس بانتكاسه، وخشوع العين بانغماضها عن الالتفات، وخشوع الأذن بالتذلل للاستماع، وخشوع اللسان بالقراءة، والحضور، والتأني، وخشوع اليدين وضع اليمين على الشمال، بالتعظيم كالعبد، وخشوع الظهر انحناؤه في الركوع مستويًا، وخشوع الفرج، نفي الخواطر الشهوانية، وخشوع القدمين بثباتهما على الموضع، وسكونها عن الحركة. أما الباطن: فخشوع النفس سكونها عن الخواطر، والهواجس، وخشوع القلب بملازمة الذكر، ودوام الحضور، وخشوع السر بالمراقبة في ترك اللحظات

стр. 8269

إلى المكونات، وخشوع الروح استغراقه في بحر المحبة، وذوبانه عند تجلي صفة الجمال والجلال، انتهى. وفي "الصاوي": ﴿خَاشِعُونَ﴾؛ أي: ظاهرًا وباطنًا، فالخشوع الظاهري: التمسك بآداب الصلاة، كعدم الالتفات، والعبث، وسبق الإِمام ووضع اليد في الخاصرة، وغير ذلك، والخشوع الباطن: استحضار عظمة الله، وعدم التفكر بأمر دنيوي، انتهى. وروى الحاكم أن النبي ﷺ كان يصلي رافعًا بصره إلى السماء، فلما نزلت هذه الآية، رمى ببصره إلى نحو مسجده؛ أي: موضوع سجوده. والخشوع واجب على المرء في الصلاة، لوجوه: ١ - للتدبر فيما يقرأ، كما قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾، والتدبر لا يكون بدون الوقوف على المعنى، كما قال: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾؛ أي: لتقف على عجائب أسراره، وبديع حكمه وأحكامه. ٢ - لتذكر الله والخوف من وعيده؛ كما قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. ٣ - أن المصلي يناجي ربه، والكلام مع الغفلة ليس بمناجاة ألبتة، ومن ثم قالوا: صلاة بلا خشوع جسد بلا روح، وجمهور العلماء على أن الخشوع ليس شرطًا للخروج من عهدة التكليف وأداء الواجب، وإنما هو شرط لحصول الثواب عند الله، وبلوغ رضوانه. ٣ - والثالث: الإعراض عن اللغو، وذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾؛ أي: عما لا يعنيهم من الأقوال والأفعال ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أي: مجتنبون عنه في جميع الأوقات، غير ملتفتين إليه؛ أي (١): الذين هم تاركون لما لا حاجة إليه في أمور الدين والدنيا، من الأقوال والأفعال في عامة أوقاتهم، قال الزجاج: واللغو هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية، وما لا يجمل من القول والفعل، انتهى. والمراد به (٢): كل ما لا يعود على الشخص منه فائدة في الدين، أو الدنيا، قولًا أو فعلًا مكروهًا أو مباحًا، كالهزل واللعب، وضياع الأوقات فيما لا يعني، والتوغل في

стр. 8270

الشهوات، وغير ذلك مما نهى عنه. وتوسيط حديث الإعراض بين الطاعة البدنية والمالية، لكمال ملابسته بالخشوع في الصلاة، وقال أبو حيان: ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة، أتبعهم الوصف بالإعراض عن اللغو، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس، اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، انتهى. والمعنى: أي الذين يعرضون عن كل ما لا يعنيهم، وعن كل كلام ساقط حقه أن يلغى، كالكذب والهزل والسبّ، إذ لهؤلاء من الجد ما يشغلهم، فهم في صلاتهم معرضون عن كل شيء، إلا عن خالقهم، وفي خارجهم معرضون عن كل ما لا فائدة فيه، فهم متجهون للجد، وصالح الأعمال، فهم قد استفادوا من خشوع الصلاة وانتفعوا منه بعدها، وتخلقوا بأخلاق النبيين والصديقين. ٤ - والرابع: تطهيرهم لأنفسهم بأداء الزكاة، وذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ﴾؛ أي: للصدقة المفروضة ﴿فَاعِلُونَ﴾؛ أي: مؤدونها إلى مستحقيها من الأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة؛ لأجل طهارة أنفسهم وتزكيتها، كما قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾. واعلم (١): أن الزكاة تطلق على القدر المخرج، كربع العشر من النقدين، والعشر أو نصفه من الحبوب والثمار، والشاة من الأربعين، فيكون على هذا معنى فاعلون: مؤدون؛ لأن القدر المخرج لا معنى لفعله، فعبر عن التأدية بالفعل؛ لأنها مما يصدق عليه الفعل، وتطلق على المصدر الذي هو فعل الفاعل، وعلى هذا يكون فاعلون على بابه؛ أي: والذين هم لتزكية أنفسهم، وتطهيرها فاعلون؛ بإخراج المال في مصارف الزكاة، وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن الزكاة إنما وجبت لتزكية النفس عن الصفات الذميمة النجسة من حب الدنيا، أو غيره، ولم يكن المراد مجرد إعطاء المال وحبه في القلب، وإنما كان لمصلحة إزالة حب الدنيا عن القلب، ومثل حب الدنيا جميع الصفات الذميمة إلى أن تتم إزالتها. ٥ - والخامس: حفظ الفرج، وذكرَه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾؛

стр. 8271

أي: ممسكون ومانعون لها من الحرام، ولا يرسلونها على أحد، ولا يبذلونها ٦ - ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾؛ أي: زوجاتهم، فإن الزوج يقع على الذكر والأنثى ﴿أَوْ﴾ ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾؛ أي: أيديهم من الإماء فما ملكت (١) أيمانهم، وإن كان عامًا للرجال أيضًا، لكنه مختص بالنساء إجماعًا، وإنما قال: (ما) إجراء للمماليك مجرى غير العقلاء؛ إذ الملك أصل شائع فيه، وعبارة الشوكاني وعبر عنهن بـ (ما) التي لغير العقلاء؛ لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبثة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن، كسائر السلع، فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء، انتهى. وإنما ذكر بلفظ (على) لاستلائهم على أزواجهم لا لاستلائهن عليهم وكانوا عليهن لا مملوكين لهن. والفرج (٢) يطلق على فرج الرجل والمرأة، ومعنى حفظهم: أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم، قيل والمراد هنا: الرجل خاصة دون النساء، بدليل قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه. والمعنى: أن الذين يحفظون فروجهم في جميع الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم قربان الأمة بالملك. وقال في "الأسئلة المقحمة" (٣): كيف يجوز أن يسمى الرقيق ملك يمين ولا يسمى به سائر الأملاك، الجواب: ملك الجارية والعبد أخص؛ لأنه يختص بجواز التصرف فيه، ولا يعم كسائر الأملاك، فإن مالك الدار مثلًا يجوز له نقض الدار وهدمها، ولا يجوز لمالك العبد نفض بنيته وقتله، انتهى. ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ على عدم حفظها منهن، إذا كان إتيانهن على وجه الحلال؛ أي: وإنما لا يلامون فيما إذا كان الإتيان على وجه أذن فيه الشرع، دون الإتيان في غير المأتى شرعًا، وفي حال الحيض والنفاس، فإنه محظور، فلا يجوز، ومن فعله فإنه ملوم، واللوم عذل إنسان بنسبته إلى ما فيه لوم، كما سيأتي

стр. 8272

في "مبحث التصريف"، والمراد بهذا الوصف: مدحهم بنهاية العفة، والإعراض عن الشهوات، وفي "التأويلات النجمية"، يعني: يحفظون عن التلذذ بالشهوات؛ أي: لا يكون أزواجهم وإماؤهم عدوًا لهم، بأن يشغلوهم عن الله وطلبه، فحينئذٍ يلزم الحذر منه كقوله: ﴿عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. ٧ - ﴿فَمَنِ ابْتَغَى﴾ وطلب ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ الذي ذكر من الحد المتسع، وهو أربع من الحرائر، وما شاء من الإماء ﴿فَأُولَئِكَ﴾ المبتغون ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾؛ أي: الكاملون في العدوان، المتناهون فيه، أو المتعدون من الحلال إلى الحرام. والمعنى: فمن التمس وطلب سوى الأزواج والولائد، وهن الجواري المملوكة، فأولئك هم الظالمون، المجاوزون لحدود الله من الحلال إلى الحرام، قال البغوي: وفي الآية دليل على أن الاستمناء باليد حرام، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة (١)، وقال أحمد بن حنبل: يجوز إخراجها لحاجة؛ لأنها فضلة، كدم القصد والحجامة، لكن بشروط ثلاثة: أن يخاف الزنا، وأن لا يجد مهر حرة أو ثمن أمة، وأن يفعله بيده، لا بيد أجنبي أو أجنبية، ويجوز بيد زوجته أو جاريته، لكن قال القاضي حسين: مع الكراهة؛ لأنه في معنى العزل. الخلاة: الصائم إذا عالج ذكره حتى أمنى، يجب عليه القضاء (٢)، ولا كفارة عليه، ولا يحل هذا الفعل، خارج رمضان، إن قصد تسكين شهوته، وأرجو أن لا يكون عليه ويل. اهـ. وقال ابن جريج: سألت عطاء عنه، فقال: سمعت أن قومًا يحشرون وأيديهم حبالى وأظنهم هؤلاء، وعن سعيد بن جبير: عذب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. والواجب على فاعله التعزير، كما قاله ابن الملقن وغيره. ٨ - والسادس: رعاية الأمانة والعهد، وذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾؛ أي: لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق، أو الخلق ﴿رَاعُونَ﴾؛ أي: قائمون عليها، وحافظون لها على وجه الإصلاح؛ أي: والذين هم لأماناتهم؛

стр. 8273

أي: لما ائتمنوا عليه، من حقوق الخالق، كالصلاة والصوم والحجّ، وفعل المعروف، والنهي عن المنكر، وحقوق الخلق، كالودائع والصنائع، وأعراض الخلق، وعوراتهم ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ مرادف للأمانات ﴿رَاعُونَ﴾؛ أي: حافظون، غير مضعون لها. اهـ "صاوي" وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: في رواية ﴿لأمانتهم﴾ بالإفراد، وباقي السبعة بالجمع، ذكره في "البحر". والمعنى (١): أي والذين إذا ائتمنوا لم يخونوا، بل يؤدون الأمانة لأهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا، بما عاهدوا عليه، إذ الخيانة وخلف العهد من صفات المنافقين، كما جاء في الحديث "آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" وقصارى ذلك، أنهم يؤدون ما ائتمنوا وعوهدوا عليه، من الرب، أو العبد، كالتكاليف الشرعية، والأموال المودعة، والعقود التي عاقدوا الناس عليها، والأمانة (٢)، اسم لما يؤتمن عليه الإنسان، والعهد حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، ويسمى الموثق الذي يلزم مراعاته عهدًا. فالأمانة ما يؤتمنون عليه، والعهد ما يعاهدون عليه، من جهة الله سبحانه، أو من جهة عباده، وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين، أو الدنيا، والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة ولا عكس. ذكره "الشوكاني" وقال محمد بن الفضل (٣): جوارحك كلها أمانات عندك، أمرت في كل واحدة منها، بأمر، فأمانة العين، الغضّ عن المحارم، والنظر بالاعتبار، وأمانة السمع، صيانتها عن اللغو، والرفث، لاحضارها مجالس الذكر، وأمانة اللسان اجتناب الغيبة والبهتان، ومداومة الذكر، وأمانة الرجل، المشي إلى الطاعات والتباعد عن المعاصي، وأمانة الفم، أن لا يتناول به إلا حلالًا، وأمانة اليد، أن لا يمدها إلى الحرام، ولا يمسكها عن المعروف، وأمانة القلب، مراعاة الحق على دوام الأوقات، حتى لا يطالع سواه، ولا يشهد غيره، ولا يسكن إلا إليه، انتهى.

стр. 8274

٩ - والسابع: المحافظة على الصلوات، وذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ المفروضة عليهم؛ وقرأ الأخوان حمزة والكسائي: ﴿على صلاتهم﴾ بالإفراد، وباقي السبعة بالجمع ﴿يُحَافِظُونَ﴾؛ أي: يواظبون عليها بشرائطها وآدابها، ويؤدونها في أوقاتها، التي رسمها الدين، على أكمل وجه، وعبر بـ ﴿يُحَافِظُونَ﴾ بصفة المضارع، لما في الصلاة من التجدد والتكرار، وهو السر في جمعها، وليس فيه تكرير الخشوع؛ لأن المحافظة فضيلة أخرى. فإن قلت (١): كيف كرر ذكر الصلاة أولًا وآخرًا؟ قلت؛ هما ذكران مختلفان، فليس تكرارًا، وصفهم أولًا بالخشوع في الصلاة، وآخرًا بالمحافظة عليها. قال الزمخشري: ووحدت أولًا ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، وجمعت آخرًا، لتفاد المحافظة على أعدادها، وهي الصلوات الخمس، والوتر، والسنن المرتبة مع كل صلاة، وصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، والجنازة والاستسقاء والكسوف وصلاة الضحى والتهجد وغيرها من النوافل، قال: في "التأويلات النجمية": يحافظون لئلا يقع خلل في صورتها، ومعناها: ولا يضيع منهم الحضور في الصف الأول صورةً ومعنًى. وفي الحديث: "يكتب للذي خلف الإِمام بحذائه في الصف الأول، ثواب مئة صلاة، وللذي في الأيمن، خمس وسبعون، وللذي في الأيسر خمسون، وللذي في سائر الصفوف، خمس وعشرون" كما في "شرح المجمع"، والصف الأول، أعلم بحال الإِمام، فتكون متابعته أكثر، وثوابه أتم، وأوفر، كما في "شرح المشارق" لابن الملك وفي الحديث: "أول زمرة تدخل المسجد، هم أهل الصف الأول، وإن صلوا في نواحي المسجد" كما في "خالصة الحقائق". روي عن ابن مسعود أنه قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أي: العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها" قال: قلت: ثم أي؟ قال:

стр. 8275

"بر الوالدين" قلت: ثم أي، قال: "الجهاد في سبيل الله". اهـ الشيخان. وقد افتتح سبحانه هذه الصفات الحميدة، بالصلاة، واختتمها بالصلاة، دلالة على عظيم فضلها، وكبير مناقبها، وقد ورد في الحديث: "إعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" ١٠ - ولما كان الجزاء في الآخرة، نتيجة للعمل في الدنيا، وما فيها من نعيم حصاد، لما زرع فيها, رتب على ذلك قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ المؤمنون الموصوفون بتلك الصفات الحميدة المذكورة ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ منازل أهل النار من الجنة، وعن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فمن مات ودخل النار .. ورث أهل الجنة منزله، ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾ " ذكره البغوي، بغير سند. وقيل: معنى الوارث: هو أن يؤول أمرهم إلى الجنة وينالوها، ما يؤول أمر الميراث إلى الوارث، والمعنى: أولئك هم الأحقاء بأن يسموا وارثًا، دون من عدا هم، ممن ورث وغائب الأموال، والذخائر، وكرائمها. والوراثة، انتقال مال إليك من غيرك، من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد وسمى بذلك المتنقل عن الميت، ١١ - فيقال للمال الموروث: ميراث ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ بيان لما يرثونه، وتقييد للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها، تفخيمًا لشأنها، ورفعًا لمحلها، وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم، حسبما يقتضيه الوعد الكريم، للمبالغة فيه؛ لأن الوراثة، أقوى سبب يقع في ملك الشيء، ولا يتعقبه رد ولا فسخ، ولا إقالة ولا نقض، فيسمى انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ولا معرفة بمقدارها وراثة. والمعنى: أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات، فهو الذي يرث من الجنة ذلك المكان، ولفظ الفردوس لغة رومية معربة، وقيل: فارسية، وقيل: حبشية، وقيل: هي عربية ﴿هُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في الفردوس، والتأنيث فيه، مع أنه راجع إلى الفردوس؛ لأنه اسم للجنة، أو لطبقتها العليا، وهو البستان الجامع لأصناف الثمر، روي أنه تعالى، بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وجعل

стр. 8276

خلالها المسك الإذفر، وغرس فيها من جيد الفاكهة، وجيد الريحان ﴿خَالِدُونَ﴾؛ أي: ماكثون مكثًا مؤبدًا لا يخرجون منها، ولا يموتون، والخلود في الجنة بقاء الأشياء على الحالة التي هي عليها، من غير اعتراض الكون، والفساد عليها، فإن قيل: كيف حكم على الموصوفين، بالصفات السبعة، بالفلاح مع أنه لم يتمم ذكر العبادات الواجبة، كالصوم والحج؟ فالجواب: أن قوله: ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ يأتي على جميع الواجبات من الأفعال، والتروك، والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات، لكونها من شرائطها، والحصر إضافي لا حقيقي؛ لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ اهـ "كرخي". وقصارى ما سلف: أن فلاح المؤمن، موقوف على اتصافه بتلك الصفات السامية العالية القدر العظيمة الأثر في حياته الروحية، وكمالاته النفسية، اللهم اجعلنا من الذين يرثون الفردوس، ويتنعمون بنعيمها، ويصلون إلى نسيمها، واحفظنا عن الأسباب المؤدية إلى النار وجسيمها. ١٢ - ولما حثّ سبحانه عباده على العبادة، ووعدهم الفردوس، عاد إلى تقرير المبدأ والمعاد، ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ ذكر الله : في هذه الآيات من هنا إلى قوله: ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أربعة أنواع من دلائل قدرته تعالى: الأول: تقلب الإنسان في أطوار خلقته، وهي تسعة، آخرها قوله: ﴿تُبْعَثُونَ﴾. الثاني: خلق السماوات. الثالث: إنزال الماء. الرابع: منافع الحيوانات وذكر منها أربعة أنواع. اهـ. رازي، واللام فيه: موطئة لقسم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لقد خلقنا أصل هذا النوع الإنساني، وأول أفراده وهو آدم ﵇ ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ كائنة ﴿مِنْ طِينٍ﴾؛ أي: من صفوة طين.

стр. 8277

والخلاصة: سلت واستخرجت، وصفيت من كل تربة، والطين التراب والماء المختلط به. وفي "التأويلات النجمية" (١) يشير إلى سلالة سلت، واستخرجت من جميع أنواع الأرض، طيبها وسبخها وسهلها وجبلها، باختلاف ألوانها وطبائعها المتفاوتة، ولهذا اختلفت ألوانهم وأخلاقهم؛ لأنه مودع في طبيعتهم ما هو من خواص الطين الذي اختص بخاصية منها نوع من الحيوان، من جنس البهائم والسباع والجوارح والحشرات المؤذيات الغالبة على كل واحد منها صفة من الصفات الذميمة والحميدة. فأما الذميمة: فكالحرص في الفأرة والنملة، وكالشهوة في العصفور، وكالغضب في الفهد، والأسد، وكالكبر في النمر، وكالبخل في الكلب، وكالشره في الخنزير، وكالحقد في الحية، وغير ذلك من الصفات الذميمة، وأما الحميدة فكالشجاعة في الأسد والسخاوة في الديك، والقناعة في البوم، وكالحلم في الجمل، وكالتواضع في الهرة، وكالوفاء في الكلب، وكالبكور في الغراب، وكالهمة في البازي والسلحفاة، وغير ذلك من الصفات الحميدة، فقد جمعها كلها مع خواصها وطبائعها، ثم أودعها في طينة الإنسان، وهو آدم ﵇. ويروي جماعة من المفسرين (٢): أن المراد بالإنسان هنا, ولد آدم، وهم يقولون: إن النطف تتوالد من الدم الحادث من الأغذية، وهي إما حيوانية، وإما نباتية، والحيوانية تنتهي إلى نباتية، والنبات يتوالد من صفو الأرض والماء، فالإنسان على الحقيقة، متوالد من سلالة من طين، ثم تواردت على تلك السلالة أطوار الخلقة، إلى أن صارت نطفًا. ١٣ - ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: ثم جعلنا نسله ﴿نُطْفَةً﴾؛ أي: نطفًا في أصلاب الآباء، ثم قذفت إلى الأرحام، فصارت محفوظة ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾؛ أي: في حرز حصين من وقت العمل إلى حين الولادة؛ أي: ثم جعلنا السلالة منيًا أربعين يومًا، في

стр. 8278

مكان حريز، فإن الله تعالى خلق جوهر الإنسان أولًا طينًا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة، في صلب الأب، فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم الأم، فصار الرحم مستقرًا حصينًا لهذه النطفة ١٤ - ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾؛ أي: ثم حولنا النطفة من صفتها الثانية، إلى صفة العلقة، وهي الدم الجامد بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء. والمعنى (١): أي ثم صيرنا المني الأبيض دمًا جامدًا أربعين يومًا، قيل: كلها تجعل علقة، وقيل: جزء منها، والباقي يوضع نصفه في موضع تربته، والنصف الثاني يوضع في السماء، فإذا أراد الله إحياء الخلق من القبور، أمطرت السماء، فتلاقي النطف النازلة من السماء، النطف الباقية في الأرض، فتوجد الخلائق بينهما، وهذا هو حكمة قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾؛ أي: ثم صيرنا ذلك الدم الجامد الأحمر، مضغة؛ أي: لحمًا صغيرًا بمقدار ما يمضغ أربعين يومًا، لا استبانة ولا تمايز فيها ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾؛ أي: غالبها ومعظمها أو كلها ﴿عِظَامًا﴾؛ أي: فصيرنا اللحم الصغير عظامًا بلا لحم، بعد ثلاث أربعينات بأن صلبناها وجعلناها عمودًا للبدن على هيئات مخصوصة من رأس ورجلين، وما بينهما، وأوضاع مخصوصة تقتضيها الحكمة، أو ميزنا بين أجزائها، فما كان منها: من العناصر الداخلة في تكوين العظام، جعلناه عظامًا، وما كان من مواد اللحم، جعلناه لحمًا، والمواد الغذائية شاملة لذلك، ومنبتة في الدم، ومن ثم قال: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ﴾ المعهودة ﴿لَحْمًا﴾ من بقية المضغة، وشددناها بالأعصاب، والعروق، فاللحم يستر العظام، كالكسوة؛ أي: كسونا كل عظم من تلك العظام، ما يليق به من اللحم على مقدار لائق به، وهيئات مناسبة له؛ أي: فجعلنا اللحم كسوة لها، من قبل أن يستر العظام، فأشبه الكسوة الساترة للجسم، وجمع العظام لاختلافها. واختلاف العواطف بالفاء (٢)، و (ثم) لتفاوت الاستحالات، يعني: أن بعضها مستبعد حصوله، مما قبله، وهو المعطوف بـ ﴿ثُمَّ﴾، فجعل الاستبعاد

стр. 8279

عقلًا، أو رتبةً بمنزلة التراخي، والبعد الحسّي؛ لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدًّا، وكذا جعل النطفة البيضاء دمًا أحمرًا، بخلاف جعل الدم لحمًا مشابهًا له في اللون، والصورة، وكذا تصلبها حتى تصير عظمًا؛ لأنه قد يحصل ذلك بالمكث، فيما يشاهد، وكذا مد لحم المضغة عليه؛ ليستره، فسقط ما قيل: إن الوارد في الحديث؛ إن مدة كل استحالة أربعون، وذلك يقتضي عطف الجمع بـ ﴿ثم﴾، إن نظر لآخر المدة، وأولها، أو يقتضي العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط اهـ من "الشهاب"، مع تقديم وتأخير. وهذا في العواطف الخمسة الأولى، وأما قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، فعطفه بـ ﴿ثم﴾ للتفاوت بين الخلقين، كما في "البيضاوي". وقرأ الجمهور (١) ﴿عِظَامًا﴾ والعظام: بالجمع فيهما، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبان والمفصل والحسن وقتادة وهارون والجعفي ويونس عن أبي عمرو وزيد بن علي بالإفراد فيهما، وقرأ السلمي وقتادة أيضًا، والأعرج والأعمش ومجاهد وابن محيصن بإفراد الأول، وجمع الثاني، وقرأ أبو رجاء إبراهيم بن أبي بكر ومجاهد أيضًا بجمع الأول وإفراد الثاني، فالإفراد يراد به الجنس. ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾؛ أي: صيرنا ذلك المذكور من العظام وكسوته ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾؛ أي: خلقًا مباينًا للخلق الأول إذ نفخنا فيه الروح، وجعلناه حيوانًا بعدما كان أشبه بالجماد، ناطقًا سميعًا بصيرًا، وأودعنا فيه من الغرائب ظاهرها، وباطنها ما لا يحصى. أي: حولنا العظام المستورة باللحم، عن صفاتها، إلى صفة لا يحيط بها شرح الشارحين، فإن الله جعلها حيوانًا ناطقًا سميعًا بصيرًا عاقلًا، وأودع كل جزء من أجزائه، عجائب وغرائب، لا يحيط بها وصف الواصفين، والإنشاء إيجاد الشيء، وتربيته، وأكثر ما يقال ذلك، في الحيوان، و ﴿ثم﴾ هنا لكمال التفاوت

стр. 8280

بين الخلقين، واحتج به أبو حنيفة ﵀، على أن من غصب بيضة، فأفرخت عنده، لزمه ضمان البيضة لا الفرخ، فإنه خلق آخر. قال في "الأسئلة المقحمة" (١): خلق الله الآدمي أطوارًا، ولو خلقه دفعة واحدة كان أظهر في كمال القدرة، وأبعد عن نسبة الأسباب، فما معناه؟ فالجواب: لا، بل الخلق بعد الخلق، بتقليب الأعيان، واختراع الأشخاص، أظهر في القدرة، فإنه تعالى خلق الآدمي من نطفة متماثلة الأجزاء، ومن أشياء كثيرة، مختلفة المراتب، متفاوتة الدرجات، من لحم وعظم ودم وجلد وشعر وغيرها، ثم خصّ كل جزء منها، بتركيب عجيب، واختصاص غريب من السمع والبصر واللمس والمشي والذوق والشم وغيرها، وهي أبلغ في إظهار كمال الإلهية، والقدرة ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾؛ أي: تزايد بره وخيره، وإحسانه لعباده مرة بعد مرة، وكرة بعد كرة، إن قلنا إنه مأخوذ من البركة، أو تعالى شأنه من علمه الشامل، وقدرته الباهرة ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ بدل من الجلالة؛ أي: أحسن الخالقين خلقًا؛ أي: أحسن المقدرين تقديرًا، حذف المميز لدلالة الخالقين عليه، فالحسن للخلق. وفي "الأسئلة المقحمة" هذا يدل على أن العبد خالق أفعاله، ويكون الرب أحسن في الخالقية؟ فالجواب معناه: أحسن المصورين لأن المصور يصور الصورة، ويشكلها على صورة المخلوق، أخبر به سبحانه؛ لأنه لا يبلغ في تصويره إلى حدّ الخالق؛ لأنه لن يقدر على أن ينفخ فيها الروح، وقد ورد الخلق في القرآن، بمعنى: التصوير. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾؛ أي: وإذ تصور فكذلك هاهنا انتهى. ١٥ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ يا بني آدم ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعدما ذكر من التركيب بالأمور العجيبة؛ أي: ثم أنكم بعد النشأة الأولى من العدم ﴿لَمَيِّتُونَ﴾؛ أي: لصائرون إلى الموت، لا محالة، كما تؤذن به صيغة فيعل، الدالة على الثبوت، دون الحدوث الذي يفيده صيغة الفاعل.

стр. 8281

وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة وابن محيصن (١): ﴿لمائتون﴾ بالألف، يريد حدوث الصفة، فيقال: أنت مائت عن قليل، وميت، ولا يقال: مائت، للذي قد مات، وقال الزمخشري: والفرق بين الميت والمائت، أن الميت، كالحي صفة ثابتةً، وأما المائت، فيدل على الحدوث، تقول: زيد مائت الآن، ومائت غدًا، كقولك: يموت، ومثله: ضيق وضائق، في قوله: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ انتهى. ١٦ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: عند النفخة الثانية، ﴿تُبْعَثُونَ﴾؛ أي: تخرجون من قبوركم للحساب، ثم المجازاة بالثواب، والعقاب، إذ يوفى كل عامل جراء عمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشرّ. وخلاصة ما تقدم: أنه تعالى بعد أن ذكر أنه كلف عباده بما كلف، بيّن أن هذه التكاليف شكر من الإنسان لربه، الذي أنشأه النشأة الأولى، وقلبه في أطوار مختلفة، حتى أوصله إلى طور هو غاية كماله، فأصبح قادرًا على. تكليفه بتلك التكاليف، ولا بد له من طور يستحق فيه الجزاء، على ما كلف به، وهو طور البعث بعد الموت يوم القيامة. ١٧ - واللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ﴾ موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي، خلقنا فوقكم يا أهل الأرض، ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾؛ أي: سبع سماوات، وهي طرائق للكواكب وللملائكة، جمع طريقة، كما أن الطرق جمع طريق، والمراد طباق السماوات السبع سميت بالطرائق؟ لأنها طروق بعضها فوق بعض، مطارقة النعل، فإن كل شيء فوق مثله، فهو طريقه؛ أي: لكون بعضها موضوعًا فوق بعض، طاقًا فوق طاق، كمطارقة النعل. ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ﴾؛ أي: عن ذلك المخلوق، الذي هو السماوات، أو عن المخلوقات، سواء كانت هذه الطرائق أو غيرها ﴿غَافِلِينَ﴾ عن أمرها مهملين لها، بل نحفظها عن الزوال والاختلال، وندبر أمرها حتى تبلغ متتهى ما قدر لها، من الكمال، حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة، إذ تسير الكواكب

стр. 8282

في تلك الطرائق، بحساب منتظم، لو أهملناها لاختل توازنها، وسار كل كوكب في غير مداره، أو زل نجم عن سنن سيره، ففسد النظام العام، للعالم العلوي، والعالم الأرضي. والخلاصة: أنا خلقنا السماوات، لمنافعهم، ولسنا غافلين عن مصالحهم، بل نفيض عليهم ما تقتضيه الحكمة، فخلقها قال على كمال قدرتنا، وتدبير أمرها، قال على كمال علمنا، وقال أكثر المفسرين: المراد بالخلق كلهم؛ أي: لسنا بغافلين عنهم، بل حفظنا السماوات عن أن تسقط، وحفظنا من في الأرض أن تسقط السماء عليهم، فتهلكهم، أو تميد بهم الأرض، أو يهلكون بسبب من الأسباب المستأصلة لهم، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم، وما يعيشون به، ونفي الغفلة عن خفظهم. ١٨ - ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا ﴿بِقَدَرٍ﴾؛ أي: بقدر الحاجة لا هو بالكثير، فيفسد الأرض، ولا هو بالقليل، فلا يكفي الزرع، والثمار (١)، حتى إن الأرضين التي تحتاج إلى ماء كثير لزرعها، ولا تحتمل تربتها إنزال المطر عليها، يساق إليها الماء من بلاد أخرى، كما في أرض مصر، ويقال: لمثلها ﴿الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ فيساق إليها ماء النيل، حاملًا معه الطين الأحمر، يجترفه من بلاد الحبشة، في زمن الأمطار، فيستقر فيها، ويكون سمادًا لها، ونافعًا لزرعها ﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: فجعلنا ذلك الماء، النازل من السماء، ثابتًا قارًا في الأرض، فيتغذى به، فهما من الحب والنوى، ومنه تتكون الآبار والعيون، التي تمر على معادن مختلفة، فتتشكل، وتتصف بصفاتها، فيكون ماؤها حاويًا، إما للنشادر، وإما للكبريت، وإما للأملاح، وهكذا ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾؛ أي: على إذهابه وإزالته بالإفساد، أو التصعيد أو التغوير ﴿لَقَادِرُونَ﴾ بحيث يتعذر استخراجه، حتى تهلكوا أنتم، ومواشيكم عطشًا، كما كنا قادرين على إنزاله، ولو شئنا أن لا يمطر السحاب لفعلنا, ولو شئنا لصرفناه عنكم إلى جهات أخرى، لا تستفيدون منه، كالأراضي السبخة، والصحارى، ولو شئنا لجعلناه إذا نزل في

стр. 8283

الأرض يغور فيها، إلى مدى بعيد، لا تصلون إليه، ولا تنتفعون به، ولكن بلطفنا، ورحمتنا، ننزل عليكم الماء العذب الفرات، ونسكنه في الأرض، ونسلكه ينابيع فيها, لتسقوا به الزرع، والثمار، وتشربوا منه أنتم ودوابكم وأنعامكم. وفي هذا تهديد شديد، لما يدل عليه، من قدرته سبحانه على إذهابه، وتغويره، حتى يهلك الناس بالعطش، وتهلك مواشيهم، ومثله قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. ١٩ - ثم بيّن سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء، فقال: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ﴾؛ أي: فأخرجنا لكم من الأرض به؛ أي: بسبب ذلك الماء، الذي أنزلناه من السماء ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾؛ أي: بساتين فيها نخيل، وأعناب، إنما ذكرهما الله سبحانه لكثرة منافعهما، فإنهما يقومان مقام الطعام، ومقام الإدام، ومقام الفواكه، رطبًا ويابسًا، وقال ابن جرير: اقتصر سبحانه، على النخيل والأعناب؛ لأنها الموجودة بالطائف والمدينة، وما يتصل بذلك، وقيل: لأنها أشرف الأشجار ثمرةً وأطيبها منفعةً، وطعمًا ولذَّةً ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: في تلك الجنات ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ من أنواع شتى، تتفكهون بها، وتتطعمون منها، زيادةً على ثمرات النخيل، والأعناب: كالزيتون والرمان، والتفاح والموز، وغيرها. وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة، على ماذا يطلق؟ اختلافًا كثيرًا، وأحسن ما قيل: إنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليست بقوت لهم، ولا طعام، ولا إدام، واختلف في البقول، هل تدخل في الفاكهة أم لا؟ ﴿وَمِنْهَا﴾؛ أي: ومن تلك الجنات حبوبها وثمارها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ تغذيًا، أو ترزقون، وتحصلون معايشكم من قولهم: فلان يأكل من حرفة يحترفها، ومن تجارة يتربح بها. ٢٠ - ﴿وَشَجَرَةً﴾ بالنصب عطف على جنات، وتخصيصها (١) بالذكر من بين سائر الأشجار، لاستقلالها بمنافع معروفة، قيل: هي أول شجرة، نبتت بعد الطوفان، وهي شجرة الزيتون، قال في "إنسان العيون": شجرة الزيتون، تعمر ثلاثة آلاف

стр. 8284

سنة؛ أي: وأنشأنا لكم زيتونة ﴿تَخْرُجُ﴾ وتنبت ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ هو جبل بين مصر وأيلة نودي عليه موسى ﵇ ﴿تَنْبُتُ﴾ تلك الشجرة، صفة ثانية لشجرة، والباء في قوله: ﴿بِالدُّهْنِ﴾ للملابسة متعلّقة بمحذوف حال من الشجرة؛ أي: تنبت تلك الشجرة، حالة كونها متلبسة بالدهن، مستصحبة بالدهن، كما قال الراغب معناه: تنبت والدهن موجود فيها بالقوة، ويجوز كون الباء صلة معدية لتنبت، كما في قولك: ذهبت بزيد؛ أي: تنبت الدهن بمعنى: تتضمنه وتحصله، فإن النبات حقيقةً، صفة للشجرة لا للدهن، ﴿وَصِبْغٍ﴾ معطوف على الدهن، جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر؛ أي: إدام ﴿لِلْآكِلِينَ﴾ من قولهم: اصطبغت بالخل؛ أي: تأدمت به؛ أي: تنبت الشجرة بالشيء الجامع بين كونه دهنًا يدهن به، ويسرج منه، وكونه إدامًا يصبغ فيه الخبز؛ أي: يغمس للائتدام ويلون به، كالدبس والخل مثلًا، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبه الإدام به؛ لأن الخبز يكون بالإدام كالمصبوغ به. والمعنى (١): أي وأنشأنا لكم شجرة الزيتون، التي تنبت في الجبل، بتلك البقعة المباركة، وتثمر زيتونًا تصنع منه الزيوت، التي يدهن بها وتتخذ إدامًا للآكلين. ذكر تعالى شرف مقر هذه الشجرة، وهو الجبل الذي كلم الله فيه نجيه موسى ﵇، ثم ذكر ما فيها من الدهن، والصبغ، ووصفها بالبركة في قوله: ﴿مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ وهي كثيرة بالشام، وقال الجمهور: سيناء اسم الجبل، كما تقول جبل أحد، من إضافة العام إلى الخاص، وقال مجاهد: معنى سيناء مبارك، وقال قتادة معناه: الحسن، والقولان عن ابن عباس، وقيل: سيناء: اسم حجارة بعينها، أضيف الجبل إليها لوجودها عنده، قاله مجاهد أيضًا. وقرأ الحرميان - نافع وابن كثير - وأبو عمرو والحسن بكسر السين، وهي لغة لبني كنانة، وقرأ عمر بن الخطاب وباقي السبعة بالفتح، وهي لغة سائر العرب، وقرىء ﴿سينا﴾ مقصورًا، وبفتح السين، والأصح أن سيناء اسم بقعة،

стр. 8285

وأنه ليس مشتقًا من السناء، لاختلاف المادتين، على تقدير أن يكون سيناء عربي الوضع؛ لأن نون السناء عين الكلمة، وعين سيناء ياء، وقرأ الجمهور: ﴿تَنْبُتُ﴾ بفتح التاء وضم الباء، والباء في بالدهن على هذا باء الحال؛ أي: تنبت مصحوبة بالدهن ومعها الدهن، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو وسلام وسهل ورويس والجحدري بضم التاء وكسر الباء، فقيل: بالدهن، مفعول، والباء زائدة والتقدير: تنبت الدهن وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز: بضم التاء وفتح الباء مبنيًّا للمفعول، ﴿وَبِالدُّهْنِ﴾ حال، وقرأ زرّ بن حبيش بضم التاء وكسر الباء ﴿الدُّهْنِ﴾. بالنصب، وقرأ سليمان بن عبد الملك والأشهب: ﴿بالدهان﴾ بالألف وما رووا (١) من قراءة عبد الله يخرج الدهن، وقراءة أبيّ ﴿تثمر بالدهن﴾، محمول على التفسير، لمخالفته سواد المصحف المجمع عليه، ولأن الرواية الثانية عنهما كقراءة الجمهور، وقرأ الأعمش ﴿وصبغًا﴾ بالنصب، وقرأ عامر بن عبد الله، ﴿وصباغ﴾ بالألف، وقرأ عامر بن عبد قيس ﴿ومتاعًا للآكلين﴾ كأنه يريد تفسير الصبغ. ٢١ - ﴿إِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾؛ أي: وإن لكم أيها الناس في خلق الأنعام من الإبل والبقر والغنم ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ أي: لعظة واية تعتبرون بحالها، وتستدلون على عظيم قدرة خالقها, ولطف حكمته، فضلًا عن كونها نعمة، وخص الأنعام بالعبرة دون النبات؛ لأن العبرة فيها أظهر. انتهى "أبو السعود". ووجه العبرة فيها (٢): أن الدم المتوالد من الأغذية يتحول في الغدد التي في الضرع إلى شراب طيب لذيد الطعم، صالح للتغذية، وهذا من أظهر الدلائل على قدرة الخالق لها. وهذه من جملة النعم التي امتن الله بها عليهم، وقد تقدم تفسير الأنعام، في سورة النحل بالإبل والبقرة والغنم. قال النيسابوري في "تفسيره": ولعل القصد بالأنعام هنا خصوص الإبل؛ لأنها هي المحمول عليها في العادة، ولأنه قرنها بالفلك، وهي سفائن البر، كما أن الفلك سفائن البحر، وبين سبحانه أنها عبرة؛ لأنها مما يستدل بخلقها وأحوالها على عظيم القدرة الإلهية، ثم فصل منافعها، وذكر منها أربعة، فقال:

стр. 8286

١ - ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ فتنتفعون بألبانها على ضروب شتى، فتتخذون منها الزبدة والسمن والجبن، والأقط ونحوها. و (ما) (١) عبارة إما عن الألبان، فـ (من) تبعيضية، والمراد بالبطون الجوف، أو عن العلف، الذي يتكون منه اللبن، فـ (من) ابتدائية، والبطون على حقيقتها، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم، ﴿نسقيكم﴾ بفتح النون، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: بضمها، وقرىء: بالتاء الفوقية، على أن الفاعل هو الأنعام، فإن قلت: لم قال هنا: ﴿فِي بُطُونِهَا﴾ بالتأنيث، وقال في سورة النحل: ﴿فِي بُطُونِهِ﴾ بالتذكير فما الفرق بين الموضعين؟ قلت: يفرق بينها، بأن ما في النحل يراد به الإناث فقط، والتقدير: وإن لكم في بعض الأنعام، وذلك البعض هو الإناث فأتى بالضمير مفردًا مذكرًا، وأما في المؤمنون فالمراد منه الكل الشامل للإناث والذكور، بدليل العطف في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ فإن هذا لا يخص الإناث وهذا العطف لم يذكر في النحل، اهـ "كرماني" وقال زكريا في "متشابه القرآن" ذكره هنا بلفظ الجمع؛ لأنه راجع للأنعام، مرادًا بها الجمع وفي النحل، قال: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ بالإفراد نظرًا إلى أن الأنعام اسم مفرد، انتهى. والمعنى: أي تنتفعون بلبنها في الشرب وغيره، ووجه الاعتبار في اللبن، أنه يجتمع في الضرع ويتخلص من بين الفرث والدم بإذن الله تعالى، فيستحيل إلى طهارة ولون وطعم، موافق للشهوة، ويصير غذاءً، فهذا اللبن الذي يخرج من بطونها إلى ضرعها، تجده شرابًا طيبًا نافعًا للبدن، وإذا دبحتها لم تجد له أثرًا، فمن استدل بذلك على قدرة الله وحكمته، كان ذلك معدودًا من النعم الدينية، ومن انتفع به كان معدودًا من النعم الدنيوية. ٢ - ﴿وَلَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِيهَا﴾؛ أي: في الأنعام ﴿مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ غير ما ذكر، فتأخذون أصوافها وأشعارها وأوبارها وتتخذونها ملابس وفرشًا للدفء، وبيوتًا في الصحارى ونحوها مما يجري هذا المجرى، وتنتفعون بثمنها وأجرتها.

стр. 8287

٣ - ﴿وَمِنْهَا﴾؛ أي: ومن الأنعام بعد ذبحها ﴿تَأْكُلُونَ﴾ فكما انتفعتم بها، وهي حية تنتفعون بها بعد الذبح بالأكل. ٤ - ٢٢ ﴿وَعَلَيْهَا﴾؛ أي: وعلى الأنعام؛ أي: بعضها وهي الإبل ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾؛ أي: السفن ﴿تُحْمَلُونَ﴾؛ أي: وتركبون ظهورها وتحملونها الأحمال الثقيلة إلى البلاد النائية، كما قال في آية أخرى ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾. وقصارى ذلك (١): أن في خلق الأنعام عبرًا ونعمًا من وجوه شتى، ففيه دلائل على قدرة الخالق بخلق الألبان، من مصادر هي أبعدما تكون منها ونعمًا لنا في مرافقها وأعيانها فننتفع بألبانها، وأصوافها ولحمها، ونجعلها مطايا لنا في أسفارنا، إلى نحو أولئك من شتى المنافع، وإنما لم يقل (٢): وفي الفلك، كقوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾؛ لأن معنى الإبعاد ومعنى الاستعلاء، كلاهما مستقيم؛ لأن الفلك وعاء لمن يكون فيها حمولة له، يستعليها، فلما صح المعنيان، صحت العبارتان، وأيضًا هو يطابق قوله عليها، ويزاوجه كذا في "بحر العلوم". ٢٣ - ولما ذكر سبحانه الفلك، أتبعه بذكر نوح؛ لأنه أول من صنعه وذكر ما صنعه قوم نوح معه، بسبب إهمالهم للتفكر في مخلوقات الله سبحانه، والتذكر لنعمه عليهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ واللام فيه موطئة لقسم محذوف، وتصدير القصة به لإظهار كمال الاعتناء بمضمونها؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، وهم جميعُ أهل الأرض. وهذا (٣) شروع في ذكر خمس قصص، غير قصة خلق آدم، فتكون معها ستًا:

стр. 8288

الأولى: قصة نوح، وهذا أولها. الثانية: قصة هود، أولها قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)﴾. والثالثة: قصة القرون الآخرين، أولها قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾. والرابعة: قصة موسى وهارون، المذكورة بقوله: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا﴾ .. إلخ. والخامسة: قصة عيسى وأمه المذكورة، بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾. ونوح لقبه، واسمه قيل: عبد الغفار، وقيل: عبد الله على ما قاله السيوطي، وقيل: يشكر على ما قاله الرازي، وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين عامًا، وأرسل على رأس الأربعين، ومكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين، وعاش بعد الطوفان ستين سنةً، وجاء في قصيدة جمال الدين (١): مِنْ كَثِيْرِ الذَّنْبِ نُوْحُوْا ... نَوْحَ نُوْحٍ فِيْ الرُّسُلْ إِنَّهُ عُمْرًا طَوِيْـ ... ـلًا مِنْ قَلِيْلِ النُّطْقِ نَاحْ وهو أنه ﵇ مر على كلب به جرب، فقال: بئس الكلب هذا، ثم ندم، فناح من أول عمره إلى آخره، وقدمت قصته، لتتصل بقصة آدم المذكورة، بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ .. إلخ للمناسبة بين نوح وآدم، من حيث إنه؛ أي: نوحًا آدم الثاني؛ لانحصار النوع الإنساني بعده في نسله ﴿فَقَالَ﴾ نوح داعيًا لهم إلى التوحيد ﴿يَا قَوْمِ﴾؛ أي: يا قومي ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أي: أعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئًا، وجملة قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ واقعة موقع التعليل لما قبلها؛ أي: ما لكم في الوجود، أو في العالم إله غير الله، فـ ﴿غيرُ﴾ بالرفع صفة لـ ﴿إله﴾ باعتبار محله، الذي هو الرفع، على أنه مبتدأ،

стр. 8289

وخبره ﴿لَكُمْ﴾ و ﴿مِنْ﴾ زائدة. وقرأ الكسائي بالجر، لـ ﴿غَيْرُهُ﴾، اعتبارًا للفظ إله، والمعنى (١)؛ أي: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومه، منذرًا لهم عذاب الله، وشديد بأسه وانتقامه على إشراكهم به، وتكذيب رسوله، فقال لهم متعطفًا عليهم مستميلًا لهم لقبول الحق، يا قوم اعبدوا الله وحده، وأطيعوه ولا تشركوا معه ربًا سواه، فإنه لا رب لكم غيره، ولا معبود لكم سواه. والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾؛ لإنكار الواقع، واستقباحه، داخلة على محذوف يستدعيه المقام، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تعرفون ذلك؛ أي: مضمون قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فلا تتقون ولا تخافون عذابه، بسبب إشراككم به، في العبادة ما لا يستحق الوجود، لولا إيجاد الله إياه، فضلًا عن استحقاق العبادة، فالمنكر عدم الاتقاء مع تحقيق ما يوجبه. والخلاصة: أي أفلا تخشون عقابه فتحذروا أن تعبدوا معه سواه. ٢٤ - ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ﴾؛ أي: الأشراف والسادة ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: من قوم نوح؛ أي (٢): قالوا لعوامهم مبالغةً في وضع الرتبة العالية، وحطها عن منصب النبوة: ﴿مَا هَذَا﴾ الشيخ يعنون نوحًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ أي: في الجنس والوصف من غير فرق بينكم وبينه ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ﴾ ويتشرف ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ويتقدمكم بادعاء الرسالة، مع كونه مثلكم؛ أي: يطلب أن يتشرف عليكم، فيكون أفضل منكم؛ بأن يكون متبوعًا، وتكونوا له تبعًا، وصفوه بذلك إغضابًا للمخاطبين عليه، وإغراءً على معاداته، والمعنى؛ أي (٣): فقال أشراف قومه ورؤساؤهم من العريقين في الكفر ومن ذوي الكلمة المسموعة والرأي المطاع: ما نوح إلا رجل منكم، ليس له ميزة عليكم في فضل، ولا خلق، فيكون أهلًا للنبوة، وتلقي الوحي من ربه، وما هو إلا رجل يريد أن يسودكم، ويكون له الصولة والسلطان عليكم، وقد ادعى الرسالة؛ ليصل إلى ما تصبو إليه نفسه،

стр. 8290

وليس له من حقيقتها شيء، وبعد أن بيّنوا أن لا مقتضى لاختصاصه بالنبوة .. ذكروا الموانع التي تحول بينه وبينها، فذكروا أمورًا ثلاثة: ١ - ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ سبحانه إرسال رسول إلينا، أو لو شاء الله أن لا نعبد سواه ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾؛ أي: لأرسل رسلًا من الملائكة يدعونكم إلى ما دعاكم نوح إليه، وإنما قيل: ﴿لَأَنْزَلَ﴾؛ لأن إرسال الملائكة لا يكون إلا بطريق الإنزال، ومفعول المئتية محذوف، كما قدرناه. ٢ - ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾؛ أي: بمثل هذا الكلام الذي هو الأمر بعبادة الله، خاصة ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: الماضين قبل بعثته؛ أي: ما سمعنا في القرون الغابرة عهود الآباء والأجداد، بمثل هذا الذي يدعو إليه نوح من أنه: لا إله إلا إله واحد لا رب غيره، ولا معبود سواه، وفي هذا إيماء إلى أنهم قوم لا رأي لهم، وإنما يعولون على التقليد، وقول الآباء والأجداد، فلما لم يجدوا عن آبائهم شيئًا مثل هذا أنكروا نبوته، وفيه إشارة أيضًا إلى أنهم قد بلغوا الغاية في العناد، والتكذيب والانهماك في الغيّ والضلال. ٣ - ٢٥ ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما هو؛ أي: ما نوح ﴿إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾؛ أي: جنون، ولذلك يقول ما يقول؛ أي: وما نوح إلا رجل به خبل ونقص في عقله، فمزاعمه لا تصدر إلا من رجلٍ لا يزن قوله، ولا يدعم رأيه بحجة ناصعة، فلا يلتفت إذًا إلى ما يدعي، ولا ينبغي أن نضيع الوقت في محاجته، ودحض مزاعمه في صدق دعوته، وبعد أن ذكروا موانع نبوته .. ذكروا الطريق المثلى في إبطال دعوته، فقالوا: ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾؛ أي: فاصبروا عليه، وانتظروا به ﴿حَتَّى حِينٍ﴾؛ أي: إلى وقت يفيق فيه من الجنون؛ أي: أخروا شأنه حتى يتبين أمره؛ بأن يفيق من جنونه، فيترك هذه الدعوى، ويرجع من تلقاء نفسه إلى دينكم، ودين آبائكم وأجدادكم، أو حتى يموت فتستريحوا منه، وهذا من مكابرتهم، لفرط عنادهم، إذ هم يعلمون أنه أرجح الناس عقلًا وأرزنهم قولًا. ولم يرد سبحانه على هذه الشبه لسخافتها، ووضوح فسادها، إذ كل عاقل يعلم أن الرسول يتميز عن غيره بالمعجزات التي تأتي على يديه، سواء كان ملكًا أم بشرًا.

стр. 8291

وإرادته التفضيل عليهم، من كانت لأجل أو يَتبين فضله حتى ينقادوا، فلا ضير في ذلك، بل هو واجب، وإن أرادوا أنه يبغي التجبر عليهم فالأنبياء منزهون عز ذلك، وقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ اعتناق للتقليد، وهو لا يصلح حجة تدفع بها يحيى المعارضين الواضحة، وضوح الشمس في رائعة النهار، وقولهم: ﴿بِهِ جِنَّةٌ﴾ كذب صراح؛ لأنهم يعلمون ذكاءه وعظيم فطنته، وما أوتيه أو أصالة الرأي وثاقب الفكر. ٢٦ - ولما استبان لنوح إصرارهم على ضلالتهم، وتماديهم في غيهم، وبأسه أو إيمانهم، وأوحي إليه أنه لن يؤمن أو قومك، إلا أو قد آمن .. طلب إلى ربه أو ينصره عليهم، و ﴿قَالَ﴾ نوح يا رب ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم فانتقم منهم بما تشاء، وكيف تريد، والباء في قوله: ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾؛ في: بسبب تكذيبهم إياي؛ في: رب انصرني بإنجاز ما أوعدتهم به أو العذاب، بقولي: إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم، وقال الزمخشري (١): في بدل (ما كذبون) على أو الباء للبدل، كما تقول: هذا بذاك؛ في: بدل ذاك ومكانه. والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم سلوة النصر عليهم. وقرأ أبي جعفر وابن محيصن ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بضم الباء. ٢٧ - وقد أجاب الله سبحانه دعاءه فقال: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ عند ذلك؛ في: فأعلمناه في خفاء فإن الإيحاء والوحي، إعلام في خفاء ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ واعملها، (أن) مفسّرة لما في الوحي أو معنى القول، والصنع إجادة الفعل؛ أي: فقلنا له، بين استنصرنا على كفرة قومه، بواسطة جبريل: اصنع السفينة، واعملها حالة كونك متلبسًا ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ وحفظنا ورعايتنا، نحفظك من أن تخطىء في صنعته، أيُّ يفسده عليك مفسد، يقال: فلان بعيني؛ في: أحفظه وأراعيه، كقولك: هو منى بمرأى ومسمع ﴿وَ﴾ ملتبسًا بـ ﴿وَحْيِنَا﴾؛ في: بأمرنا وتعليمنا إياك، كيفية صنعها، فإن الله أرسل إليه جبريل، فعلمه صنعتها وصنعها في عامين، وجعل طولها ثمانين ذراعًا وعرضها خمسين، وارتفاعها ثلاثين ذراعًا، والذراع

стр. 8292

إلى المنكب، وهذا أشهر الروايات. وقيل غير ذلك، وقد تقدم في هود، أنه جعلها ثلاث طباق: السفلى للسباع، والهوامّ، والوسطى للدواب والأنعام، والعليا للإنس، والفاء في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ لترتيب (١) ما بعدها على ما قبلها، أو صنع الفلك، وقيل: الفاء استثنافية؛ في: فإذا اقترب وقت قضائنا بعذابهم، عقب تمام صنعة الفلك ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ عطف بيان لمجيء الأمر؛ أي: ونبع التنور الماء على خرق العادة؛ أي: المخبز الذي كان لآدم، فصار إلى نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وكان في موضع مسجد الكوفة، عن يمين الداخل أو باب كندة اليوم وقيل: كان في عين وردة من الشام. أو المعنى: ونبع الماء أو وجه الأرض، وظاهرها، وروي أنه قيل له ﵇: إذا فار الماء من التنور .. اركب أنت ومن معك، فلما نبع مثله الماء، أخبرته امرأته فركبوا ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾؛ في: فأدخل في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ﴾ حيوان غير البشر، حضر في هذا الوقت، أو السباع والطير وغيرهما، أو كل ما يلد، أو يبيض، بخلاف ما يلد من العفونات، كالدود والبق، فلم يحمله فيها، وفي القصة (٢) أو الله تعالى حشر لنوح السباع والطير وغيرهما، فجعل يضرب بيديه في كل نوع، فتقع يده اليمنى على الذكر، واليسرى على الأنثى، فيحملهما في السفينة ﴿زَوْجَيْنِ﴾؛ أي: فردين مزدوجين ذكرًا وأنثى؛ لكي لا ينقطع نسل ذلك الحيوان، ﴿اثْنَيْنِ﴾ تأكيد لزوجين، وقرأ حفص بتنوين كل، ﴿فزوجين﴾، مفعول به، و ﴿اثْنَيْنِ﴾ تأكيد له؛ في: أدخل من كل نوع زوجين، وقرأ الباقون: بغير تنوين، فـ ﴿اثنين﴾ مفعول به ﴿وَأَهْلَكَ﴾ منصوب بفعل محذوف، معطوف على ﴿فَاسْلُكْ﴾ لا بالعطف (٣)، على زوجين، أو على ﴿اثنين﴾ على القراءتين؛ لأدائه إلى اختلاف المعنى، والتقدير: واسلك أهلك، والمراد: امرأته المؤمنة، وبنوه الثلاثة المؤمنون، سام أبو العرب، وحام أبو

стр. 8293

السودان، ويافث أبو الترك، وتأخير الأهل (١)؛ لما فيه أو ضرب تفضيل بذكر الاستثناء وغيره. أي: وأدخل في الفلك أهل بيتك من زوجك وأولادك، أو ومن آمن معك ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ﴾ في الأزل ﴿الْقَوْلُ﴾ والقضاء بالإهلاك حالة كونه كائنًا ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أهل بيتك، وهما ولده كنعان وأمه واعلة، فإنهما كانا كافرين، أو من سائر الكفرة، وإنما جيء بعلى؛ لكون السابق ضارًا، كما جيء باللام في قوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾؛ لكونه نافعًا. والمعنى: أي فإذا جاء وقت قضائنا على قومك، بعذابهم وإهلاكهم، ونبع الماء من المخبز، أو من وجه الأرض، فأدخل في السفينة أو كل جنس أو الحيوان فردين مزدوجين، كناقة وجمل وحصان ورمكة، وأدخل زوجتك المؤمنة، وأولادك ونساءهم، إلا من سبق عليه القول منا، بأنه هالك فيمن يهلك، فلا تحمله معك، وهو كنعان وأمه، وكانا كافرين ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾؛ في: ولا تكلمني يا نوح ﴿فِي﴾ شأن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر، بالدعاء لإنجائهم؛ أي: لا تسألني أن أنجي الذين كفروا بالله، من الغرق ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ تعليل للنهي قبله؛ أي: مقضي عليهم بالإغراق بالطوفان، لا محالة لظلمهم بالإشراك، وسائر المعاصي، ومن هذا شأنه لا يشفع له، ولا يشفع فيه، كيف لا؟ ٢٨ - وقد أمر بالحمد على النجاة منهم .. بإهلاكهم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ وعلوت ﴿أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ﴾ من أهلك وأتباعك ﴿عَلَى الْفُلْكِ﴾ والسفينة واطمأننت فيها، راكبين عليها .. ﴿فَقُلِ﴾ يا نوح ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أي: الشكر الكامل، والثناء الجميل، لله سبحانه، ﵎ ﴿الَّذِي نَجَّانَا﴾ معاشر المؤمنين ﴿مِنَ﴾ شر ﴿الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ وإذايتهم؛ أي: حال بيننا وبينهم، وخلصنا منهم بإغراقهم، وإنما (٢) جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاةً أو الغرق جزمًا؛ لأنه قد سبق أو ذلك سبب نجاتهم أو الظلمة، وسلامتهم من أن يصابوا بما أصيبوا أو العذاب وإفراده بالذكر مع شركة الكل في الاستواء والنجاة .. لإظهار فضله، والإشعار بأن في دعائه وثنائه مندوحة عما عداه.

стр. 8294

والمعنى: أي فإذا اطماننت في السفينة أنت ومن معك، ممن حملته من أهلك وأتباعك، فقل: الحمد لله الذي نجانا من هؤلاء المشركين الظلمة، وفي هذا إيماء إلى أنه لا ينبغي المسرة بمصيبة أحد ولو عدوًا إلا إذا اشتملت على دفع ضرره، أو تطهير الأرض من دنس شركه وضلاله. قال ابن عباس: كان في السفينة ثمانون إنسانًا نوح وامرأته غير التي غرقت، وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، وثلاث نسوة لهم، واثنان وسبعون إنسانًا، وكل الخلائق من نسل من كان معه في السفينة. ٢٩ - ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له، وأتمّ فائدةً فقال: ﴿وَقُلْ﴾ يا نوح، حين ركبت على السفينة، أو حين خرجت منها، واستوت على الجودي، وكان يوم عاشوراء، وابتداء ركوبه السفينة كان لعشر خلون من رجب فكان مدة مكثهم في السفينة ستة أشهر ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي﴾ في السفينة أو في الأرض ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾؛ أي: مكانًا ذا بركة وخير كثير، وهو نفس السفينة؛ لأن من ركبها خلصته من الغرق، أو وجه الأرض، وأراد بالبركة: كثرة النسل والرزق، أو كثرة الماء والأشجار فيه، قيل: أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخوله السفينة، وقيل: عند خروجه منها، وفي الآية، تعليم من الله لعباده، إذا ركبوا ثم نزلوا بأن يقولوا، هذا القول، والعبرة (١) بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، فهذا الدعاء ينبغي قراءته لكل من نزل في محل، يريد الإقامة فيه. وقرأ الجمهور (٢) ﴿منزلًا﴾ بضم الميم وفتح الزاي، فجاز أن يكون مصدرًا ومكانًا؛ أي: إنزالًا مباركًا أو مكانًا مباركًا، وقرأ أبو بكر عن عاصم والمفضل وأبو حيوة وابن أبي عبلة، وأبان وزر بن حبيش ﴿منزلًا﴾ بفتح المين وكسر الزاي على أنه اسم مكان؛ أي: مكانًا مباركًا. والمعنى: أي وقيل إذا سلمت وخرجت من السفينة رب أنزلني منزلًا مباركًا، واْنت خير المنزلين؛ أي: وأنت خير من أنزل عباده المنازل في الدنيا

стр. 8295

والآخرة، وقد أجاب الله دعاءه، حيث قال: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ﴾ فبارك فيهم بعد إنزالهم من السفينة، حتى كان جميع الخلق من نسل نوح ومن معه في السفينة. والمعنى: أنه قد يكون الإنزال من غير الله، كما يكون من الله سبحانه، فحسن أن يقول: وأنت خير المنزلين؛ لأنه يحفظ من أنزله، ويكلوه في سائر أحواله، ويدفع عنه المكاره، بخلاف منزل الضيف، فإنه لا يقدر على ذلك ٣٠ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور من قصة نوح، وقومه من إنجائه اغراقهم، والخطاب فيه للرسول ﷺ ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات تدل على كمال قدرتنا، وعلامات يستدل بها، على عظيم شأننا (١)، فإن إظهار تلك المياه العظيمة، ثم الإذهاب بها, لا يقدر عليه إلا القادر على كل المقدورات، وظهور تلك الواقعة على وفق ما قال نوح ﵇، يدل على المعجز العظيم، وإفناء الكفار، وبقاء الأرض لأهل الدين، من أعظم أنواع العبر في الدعاء، إلى الإيمان, والزجر عن الكفر. ﴿وَإِنْ كُنَّا﴾؛ أي: وإن الشأن كنا ﴿لَمُبْتَلِينَ﴾؛ أي: لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، هو الطوفان، مختبرين به عبادنا فيما بعد، لننظر من يتذكر ويتعظ، أو لمختبرين لهم بإرسال نوح إليهم، ليظهر المطيع والعاصي للناس، أو للملائكة، فـ ﴿إِنَّ﴾ مخففة من الثقيلة، واللام فارقة، والمعنى: وإننا كنا معاملين قوم نوح، معاملة المختبر، لننظر هل يتبعونه، ويتعظون بوعظه، أم لا وقيل: ﴿إِنَّ﴾ نافية واللام بمعنى: إلا؛ أي: وما كنا إلا مبتلين، كما في "السمين". والمعنى: أي وقل: إذا سلمت وخرجت في السفينة: رب أنزلني من الأرض منزلًا مباركًا، وأنت خير من أنزل عباده المنازل الكريمة، في الدنيا والآخرة. قال قتادة: علمكم الله أن تقولوا حين ركوب السفينة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ وحين ركوب الدابة ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾

стр. 8296

وحين النزول ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾؛ أي: إن فيما فعلنا بقوم نوح، من إهلاكهم، إذ كذبوا رسولنا، وجحدوا وحدانيتنا، وعبدوا الآلهة والأصنام، لعبرًا لقومك، من مشركي قريش، وحججًا لنا عليهم، يستدلون بها سنننا في أمثالهم، فينزجرون عن كفرهم، ويرتدون عن تكذيبهم، حذر أن يصيبهم مثل الذي أصاب من قبلهم، من العذاب، وقد كنا مختبريهم بالتذكير، بهذه الآيات، لننظر ماذا يفعلون، قبل أن ينزل بهم عقوبتنا، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر (١٥)﴾ وقد تقدم هذا القصص بتفصيل في سورة هود ﵇. الإعراب ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع، صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِي صَلَاتِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَاشِعُونَ﴾ قدم عليه للاهتمام به، وحسنه كون متعلقه، فأصله ﴿خَاشِعُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل الرفع، معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَنِ اللَّغْو﴾: متعلق بما بعده ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿لِلزَّكَاةِ﴾ متعلق بما بعده، وضمن ﴿فَاعِلُونَ﴾ معنى مؤدون، وقيل: (اللام): زائدة في المفعول به، لتقدمه على عامله ﴿فَاعِلُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ متعلق بما بعده ﴿حَافِظُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة صلة الموصول ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿عَلَى﴾ حرف جر بمعنى من ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ مجرور بـ ﴿عَلَى﴾: الجار

стр. 8297

والمجرور، متعلق بـ ﴿حَافِظُونَ﴾. وفي "السمين" قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه: أحدها: أنه متعلق بـ ﴿حَافِظُونَ﴾ على تضمين معنى ممسكين، أو قاصرين، وكلاهما يتعدى بـ ﴿عَلَى﴾ قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. الثاني: أن ﴿عَلَى﴾، بمعنى من؛ أي: إلا من أزواجهم، فـ ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من، كما جاءت ﴿مِنَ﴾، بمعنى: على في قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾. وإليه ذهب الفراء. الثالث: أن يكون في موضع نصب على الحال، قال الزمخشري؛ أي: إلا والين أو قوامين عليهم من قولك: كان فلان على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان، ونظيره كان زياد على البصرة؛ أي: واليًا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثم سميت المرأة فراشًا. الرابع: أن يتعلق بمحذوف، يدل عليه، غير ملومين، قال الزمخشري: وكأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم؛ أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أحل لهم، فإنهم غير ملومين عليه اهـ. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿مَا﴾: اسم موصول، في محل الجر، معطوف على ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ وعبر بما دون من، وإن كان المقام لمن، لنقصهن بالأنوثة، وشبههن بالبهائم في حل البيع مثلًا اهـ "شيخنا". ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: وما ملكته أيمانهم ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، مسوقة لتعليل الاستثناء. ﴿إنهم﴾: ناصب واسمه ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها، في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية. ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾

стр. 8298

﴿فَمَنِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم غير ملومين في ذلك، وأردت بيان حكم ما وراء ذلك .. فأقول لك: ﴿من ابتغى﴾ ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما ﴿ابْتَغَى﴾: فعل ماض، في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لمفعول ﴿ابْتَغَى﴾ المحذوف، تقديره: فمن ابتغى شيئًا، كائنًا وراء ذلك ﴿فَأُولَئِك﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط وجوبًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل ﴿الْعَادُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، أو معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الرفع، معطوف على الموصول الأول هم مبتدأ ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَاعُونَ﴾، ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾: معطوف على ﴿أماناتهم﴾ ﴿رَاعُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾: متعلق بما بعده ﴿يُحَافِظُونَ﴾: فعل وفاعل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْوَارِثُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْوَارِثُونَ﴾ أو خبر ثان للمبتدأ ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿هُمْ﴾: مبتدأ فِيهَا متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ وهو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَرِثُونَ﴾. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: وموطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق

стр. 8299

﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾ ﴿مِنْ طِينٍ﴾: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾، أو متعلق بـ ﴿سُلَالَةٍ﴾ لأنها بمعنى مسلولة، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿خَلَقْنَا﴾ ﴿فِي قَرَار﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نُطْفَةً﴾، ﴿مَكِينٍ﴾: صفة لـ ﴿قَرَارٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿عَلَقَةً﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، ﴿فَخَلَقْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب. ﴿خلقنا العلقة مضغة﴾: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. ﴿فَخَلَقْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿خلقنا المضغة عظامًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿كسونا العظام لحمًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على ﴿فَكَسَوْنَا﴾، ﴿خَلْقًا﴾: حال من المفعول في ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾ ﴿آخَرَ﴾: صفة لـ ﴿خَلْقًا﴾ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿تبارك الله﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة معترضة ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: بدل من الجلالة، ومضاف إليه، وليس بصفة لها؛ لأنها نكرة، وتمييز أحسن محذوف، للعلم به، تقديره: خلقًا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿ميتون﴾ أو حال من كاف المخاطبين ﴿لَمَيِّتُونَ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿ميتون﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع بالواو، وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿أَنْشَأْنَاه﴾: عطف إسمية على فعلية، وما بينهما اعتراض ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تُبْعَثُونَ﴾. ﴿تُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.

стр. 8300

﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿خَلَقْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿فَوْقَكُمْ﴾: ظرف مكان، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، مسوقة لذكر خلق السماوات التي تعلو الإنسان، بعد ذكر خلقه ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿ما﴾: نافية ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿عَنِ الْخَلْقِ﴾: متعلق بما بعده ﴿غَافِلِينَ﴾: خبر كان. والجملة في محل النصب من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾ والجملة معطوفة على ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿مَاءً﴾ مفعول به. ﴿بِقَدَرٍ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿مَاءً﴾ أي: ماء ملتبسًا بقدر معلوم، يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة ﴿فَأَسْكَنَّاهُ﴾. ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أسكناه﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿أنزلنا﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أسكنا﴾ ﴿وَإِنَّا﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿إن﴾: ناصب واسمه ﴿عَلَى ذَهَابٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿قادرون﴾ قدم عليه؛ لرعاية الفاصلة ﴿به﴾ متعلق بـ ﴿ذَهَابٍ﴾ ﴿لَقَادِرُون﴾ خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب، حال من فاعل ﴿أسكناه﴾ ﴿فَأَنْشَأْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أنشأنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أنشأنا﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أنشأنا﴾ أيضًا ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أسكناه﴾. ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿وَأَعْنَابٍ﴾: معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ضمير المخاطبين ﴿فَوَاكِهُ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿كَثِيرَةٌ﴾: صفة لـ ﴿فَوَاكِهُ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب، صفة ثانية لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أو حال منها, لوصفها بالجار والمجرور. ﴿وَمِنْهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿منها﴾: متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾. ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، معطوفة على جملة
следующие страницы →