وحين النزول ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾؛ أي: إن فيما فعلنا بقوم نوح، من إهلاكهم، إذ كذبوا رسولنا، وجحدوا وحدانيتنا، وعبدوا الآلهة والأصنام، لعبرًا لقومك، من مشركي قريش، وحججًا لنا عليهم، يستدلون بها سنننا في أمثالهم، فينزجرون عن كفرهم، ويرتدون عن تكذيبهم، حذر أن يصيبهم مثل الذي أصاب من قبلهم، من العذاب، وقد كنا مختبريهم بالتذكير، بهذه الآيات، لننظر ماذا يفعلون، قبل أن ينزل بهم عقوبتنا، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر (١٥)﴾ وقد تقدم هذا القصص بتفصيل في سورة هود ﵇.
الإعراب
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾.
﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول للجمع المذكر في محل الرفع، صفة لـ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿فِي صَلَاتِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَاشِعُونَ﴾ قدم عليه للاهتمام به، وحسنه كون متعلقه، فأصله ﴿خَاشِعُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة صلة الموصول. ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل الرفع، معطوف على الموصول الأول، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَنِ اللَّغْو﴾: متعلق بما بعده ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿لِلزَّكَاةِ﴾ متعلق بما بعده، وضمن ﴿فَاعِلُونَ﴾ معنى مؤدون، وقيل: (اللام): زائدة في المفعول به، لتقدمه على عامله ﴿فَاعِلُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة صلة الموصول.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾ مبتدأ ﴿لِفُرُوجِهِمْ﴾ متعلق بما بعده ﴿حَافِظُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة صلة الموصول ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿عَلَى﴾ حرف جر بمعنى من ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ مجرور بـ ﴿عَلَى﴾: الجار
стр. 8297
والمجرور، متعلق بـ ﴿حَافِظُونَ﴾. وفي "السمين" قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه متعلق بـ ﴿حَافِظُونَ﴾ على تضمين معنى ممسكين، أو قاصرين، وكلاهما يتعدى بـ ﴿عَلَى﴾ قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾.
الثاني: أن ﴿عَلَى﴾، بمعنى من؛ أي: إلا من أزواجهم، فـ ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من، كما جاءت ﴿مِنَ﴾، بمعنى: على في قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾. وإليه ذهب الفراء.
الثالث: أن يكون في موضع نصب على الحال، قال الزمخشري؛ أي: إلا والين أو قوامين عليهم من قولك: كان فلان على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان، ونظيره كان زياد على البصرة؛ أي: واليًا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثم سميت المرأة فراشًا.
الرابع: أن يتعلق بمحذوف، يدل عليه، غير ملومين، قال الزمخشري: وكأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم؛ أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أحل لهم، فإنهم غير ملومين عليه اهـ. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿مَا﴾: اسم موصول، في محل الجر، معطوف على ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾ وعبر بما دون من، وإن كان المقام لمن، لنقصهن بالأنوثة، وشبههن بالبهائم في حل البيع مثلًا اهـ "شيخنا". ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: وما ملكته أيمانهم ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية، مسوقة لتعليل الاستثناء. ﴿إنهم﴾: ناصب واسمه ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾: خبره، وجملة ﴿إن﴾ من اسمها وخبرها، في محل الجر بلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية.
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾
стр. 8298
﴿فَمَنِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أنهم غير ملومين في ذلك، وأردت بيان حكم ما وراء ذلك .. فأقول لك: ﴿من ابتغى﴾ ﴿من﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب أو هما ﴿ابْتَغَى﴾: فعل ماض، في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على ﴿من﴾ ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بمحذوف صفة لمفعول ﴿ابْتَغَى﴾ المحذوف، تقديره: فمن ابتغى شيئًا، كائنًا وراء ذلك ﴿فَأُولَئِك﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب الشرط وجوبًا. ﴿أولئك﴾: مبتدأ ﴿هُمْ﴾: ضمير فصل ﴿الْعَادُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، أو معترضة لاعتراضها بين المعطوف والمعطوف عليه. ﴿وَالَّذِينَ﴾: في محل الرفع، معطوف على الموصول الأول هم مبتدأ ﴿لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿رَاعُونَ﴾، ﴿وَعَهْدِهِمْ﴾: معطوف على ﴿أماناتهم﴾ ﴿رَاعُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف على الموصول الأول ﴿هُمْ﴾: مبتدأ ﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾: متعلق بما بعده ﴿يُحَافِظُونَ﴾: فعل وفاعل خبر المبتدأ، والجملة الاسمية صلة الموصول ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْوَارِثُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة استئنافًا بيانيًا ﴿الَّذِينَ﴾ صفة لـ ﴿الْوَارِثُونَ﴾ أو خبر ثان للمبتدأ ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة صلة الموصول ﴿هُمْ﴾: مبتدأ فِيهَا متعلق بـ ﴿خَالِدُونَ﴾ وهو خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَرِثُونَ﴾.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام: وموطئة للقسم ﴿قد﴾: حرف تحقيق
стр. 8299
﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾ ﴿مِنْ طِينٍ﴾: متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿سُلَالَةٍ﴾، أو متعلق بـ ﴿سُلَالَةٍ﴾ لأنها بمعنى مسلولة، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿خَلَقْنَا﴾ ﴿فِي قَرَار﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿نُطْفَةً﴾، ﴿مَكِينٍ﴾: صفة لـ ﴿قَرَارٍ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول ﴿عَلَقَةً﴾: مفعول ثان، والجملة معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَاهُ﴾، ﴿فَخَلَقْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب. ﴿خلقنا العلقة مضغة﴾: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. ﴿فَخَلَقْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿خلقنا المضغة عظامًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان، معطوف على ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتعقيب ﴿كسونا العظام لحمًا﴾: فعل وفاعل ومفعولان معطوف على ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾، ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾: ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، معطوف على ﴿فَكَسَوْنَا﴾، ﴿خَلْقًا﴾: حال من المفعول في ﴿أَنْشَأْنَاهُ﴾ ﴿آخَرَ﴾: صفة لـ ﴿خَلْقًا﴾ ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية ﴿تبارك الله﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة معترضة ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾: بدل من الجلالة، ومضاف إليه، وليس بصفة لها؛ لأنها نكرة، وتمييز أحسن محذوف، للعلم به، تقديره: خلقًا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿ميتون﴾ أو حال من كاف المخاطبين ﴿لَمَيِّتُونَ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿ميتون﴾: خبر ﴿إن﴾ مرفوع بالواو، وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على جملة ﴿أَنْشَأْنَاه﴾: عطف إسمية على فعلية، وما بينهما اعتراض ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف ﴿إِنَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿تُبْعَثُونَ﴾. ﴿تُبْعَثُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.
стр. 8300
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، و (اللام): موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق ﴿خَلَقْنَا﴾: فعل وفاعل ﴿فَوْقَكُمْ﴾: ظرف مكان، ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: مفعول به، ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة، مسوقة لذكر خلق السماوات التي تعلو الإنسان، بعد ذكر خلقه ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿ما﴾: نافية ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص، واسمه ﴿عَنِ الْخَلْقِ﴾: متعلق بما بعده ﴿غَافِلِينَ﴾: خبر كان. والجملة في محل النصب من فاعل ﴿خَلَقْنَا﴾.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾.
﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾ والجملة معطوفة على ﴿خَلَقْنَا﴾. ﴿مَاءً﴾ مفعول به. ﴿بِقَدَرٍ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿مَاءً﴾ أي: ماء ملتبسًا بقدر معلوم، يسلمون معه من المضرة ويصلون إلى المنفعة ﴿فَأَسْكَنَّاهُ﴾. ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أسكناه﴾: فعل وفاعل ومفعول، معطوف على ﴿أنزلنا﴾ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿أسكنا﴾ ﴿وَإِنَّا﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿إن﴾: ناصب واسمه ﴿عَلَى ذَهَابٍ﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿قادرون﴾ قدم عليه؛ لرعاية الفاصلة ﴿به﴾ متعلق بـ ﴿ذَهَابٍ﴾ ﴿لَقَادِرُون﴾ خبر ﴿إن﴾، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب، حال من فاعل ﴿أسكناه﴾ ﴿فَأَنْشَأْنَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أنشأنا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿أنشأنا﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أنشأنا﴾ أيضًا ﴿جَنَّاتٍ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أسكناه﴾. ﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿وَأَعْنَابٍ﴾: معطوف على ﴿نَخِيلٍ﴾. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ضمير المخاطبين ﴿فَوَاكِهُ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿كَثِيرَةٌ﴾: صفة لـ ﴿فَوَاكِهُ﴾ والجملة الاسمية في محل النصب، صفة ثانية لـ ﴿جَنَّاتٍ﴾ أو حال منها, لوصفها بالجار والمجرور. ﴿وَمِنْهَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿منها﴾: متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾. ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب، معطوفة على جملة
стр. 8301
قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾.
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
﴿وَشَجَرَةً﴾: معطوف على ﴿جَنَّاتٍ﴾. ﴿تَخْرُجُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿شجرة﴾: والجملة في محل النصب، صفة لـ ﴿شجرة﴾. ﴿مِن﴾: حرف جر ﴿طُورِ﴾: مجرور ومضاف. ﴿سَيْنَاءَ﴾: مضاف إليه، مجرور بالفتحة، ممنوع من الصرف، للعلمية والتأنيث المعنوي؛ لأنه بمعنى البقعة، وألفه ليست للتأنيث، بل للإلحاق بقرطاس ﴿تَنْبُتُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على شجرة، والجملة في محل النصب صفة ثانية، لـ ﴿شجرة﴾. ﴿بِالدُّهْنِ﴾: جار ومجرور في محل النصب، حال من فاعل ﴿تَخْرُجُ﴾؛ أي: حالة كونها ملتبسة بالدهن، ومصحوبةً به، والدهن: عصارة كل شيء ذي دسم، ﴿وَصِبْغٍ﴾ معطوف على ﴿الدهن﴾، جار على إعرابه، عطف أحد وصفي الشيء على الآخر؛ أي: تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنًا يدهن به، ويسرج منه، وكونه إدامًا يصبغ به الخبر، أي يغمس فيه للائتدام به ﴿لِلْآكِلِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿صبغ﴾. ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف نصب ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، وخبر مقدم لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿فِي الْأَنْعَامِ﴾: حال من عبرة؛ لأنه صفة نكرة، قدمت عليها ﴿لَعِبْرَةً﴾. ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿عبرة﴾: اسم إن مؤخر وجملة إن معطوفة على جملة قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾. ﴿نُسْقِيكُمْ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر، يعود على ﴿الله﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾. والجملة الفعلية، جملة مفسرة لعبرة، أو مستأنفة لا محل لها من الإعراب. ﴿فِي بُطُونِهَا﴾: جار ومجرور صلة لـ ﴿ما﴾ أو صفة لها ﴿وَلَكُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَنَافِعُ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مَنَافِعُ﴾: مبتدأ مؤخر ﴿كَثِيرَةٌ﴾ صفة له، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿نُسْقِيكُمْ﴾. ﴿وَمِنْهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَأْكُلُونَ﴾. ﴿تَأْكُلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على
стр. 8302
جملة ﴿نُسْقِيكُمْ﴾. ﴿وَعَلَيْهَا﴾. ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿عليها﴾، متعلق بـ ﴿تُحْمَلُونَ﴾. ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾: جار ومجرور معطوف على الجار والمجرور قبله ﴿تُحْمَلُونَ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿نُسْقِيكُمْ﴾.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والجملة الفعلية جواب القسم وجملة القسم مستأنفة مسوقة لسرد خمس قصص، أولها: قصة نوح، ﴿فَقَالَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قال﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على ﴿نُوحًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿يَا قَوْمِ﴾: إلى آخر الآية، مقول محكي لـ ﴿قال﴾؛ وإن شئت قلت: ﴿يَا قَوْمِ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب، مقول ﴿قال﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿إِلَهٍ﴾: مبتدأ مؤخر، مرفوع محلًا ﴿غَيْرُهُ﴾: صفة لـ ﴿إِلَهٍ﴾ على المحل، وقرىء بالجر على اللفظ، وهو جائز والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ مسوقة لتعليل الأمر بالعبادة. ﴿أَفَلَا تَتَّقُون﴾: (الهمزة): للاستفهام الإنكاري لإنكار الواقع منهم، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تعرفون عدم إله غير الله لكم، ﴿لا﴾: نافية. ﴿تَتَّقُون﴾: فعل وفاعل ومفعوله محذوف تقديره: عذابه، والجملة الفعلية معطوفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تعرفون ذلك فلا تتقون عذابه، والجملة المحذوفة، في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾.
﴿فَقَالَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قال الملأ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للام ﴿كَفَرُوا﴾: صلة الموصول ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾: جار ومجرور، حال من فاعل ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ
стр. 8303
انْصُرْنِي﴾: مقول محكي وإن شئت قلت: ﴿مَا﴾: نافية. ﴿هَذَا﴾: مبتدأ ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ ﴿بَشَرٌ﴾: خبر ﴿مِثْلُكُمْ﴾: صفة أولى لـ ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قال﴾.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾.
﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿بَشَرٌ﴾. ﴿أَن﴾: حرف نصب ﴿يَتَفَضَّلَ﴾: فعل مضارع، منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية ﴿عَلَيْكُمْ﴾: متعلق به، وفاعله ضمير يعود على ﴿بَشَرٌ﴾، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: يريد تفضله عليكم ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾. ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لو﴾: حرف شرط ﴿شَاءَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل، الجملة فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَأَنْزَلَ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لو﴾ ﴿أنزل﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهُ﴾ ﴿مَلَائِكَةً﴾: مفعول به، والجملة جواب ﴿لو﴾ الشرطية وجملة ﴿لو﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها مستأنفة ﴿مَا﴾: نافية ﴿سَمِعْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿بِهَذَا﴾: جار ومجرور، متعلق بـ ﴿سَمِعْنَا﴾. ﴿فِي آبَائِنَا﴾ متعلق بـ ﴿سَمِعْنَا﴾. أيضًا، أو حال من اسم الإشارة، ﴿الْأَوَّلِين﴾: صفة لـ ﴿آبَائِنَا﴾.
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾.
﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿هُوَ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿رَجُلٌ﴾: خبره، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم ﴿جِنَّةٌ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة في محل الرفع، صفة لـ ﴿رَجُلٌ﴾. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾: ﴿الفاء﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم حقيقته المذكورة لكم، من أنه بشر مثلكم، ورجل به جنة، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم .. فأقول لكم: ﴿تربصوا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل
стр. 8304
النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تربصوا﴾. ﴿حَتَّى حِينٍ﴾: جار ومجرور، متعلق به أيضًا. ﴿قَالَ﴾: فعل وفاعل مستتر، يعود على نوح، والجملة مستأنفة ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾: إلى آخر الآية مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول قال: ﴿انْصُرْنِي﴾: فعل وفاعل مستتر، ونون وقاية، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿بِمَا﴾: ﴿الباء﴾: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية ﴿كَذَّبُون﴾: فعل وفاعل ونون وقاية وياء المتكلم المحذوفة، اجتزاءً عنها بكسرة نون الوقاية، في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية. ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالباء السببية، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿انْصُرْنِي﴾ والتقدير: انصرني بسبب تكذيبهم إياي.
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾.
﴿فَأَوْحَيْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، كما قيل، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قالوا. وقال نوح، وأردت بيان أمره، وأمرهم .. فأقول لك: ﴿أوحينا﴾. ﴿أوحينا﴾: فعل وفاعل ومضاف ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿أَنِ﴾: مفسرة لوقوعها بعد جملة فيها معنى القول، دون حروفه، وهو ﴿أوحينا﴾. ﴿اصْنَعِ﴾: فعل أمر، وفاعله ضمير يعود على ﴿نُوحًا﴾. ﴿الْفُلْكَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة، لا محل لها من الإعراب ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾: جار ومجرور، ومضاف إليه، حال من الضمير المستتر في ﴿اصْنَعِ﴾، تقديره: حالة كونك ملتبسًا بأعيننا. ﴿وَوَحْيِنَا﴾: معطوف على ﴿أعيننا﴾.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا امتثلت أمرنا، وصنعت الفلك، وأردت بيان عاقبة أمرها .. فأقول لك: ﴿إذا جاء أمرنا﴾: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾: فعل
стр. 8305
وفاعل، والجملة الفعلية في محل الخفض فعل شرط لـ ﴿إذا﴾، والظرف متعلق بالجواب، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: فعل وفاعل، معطوف على ﴿جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عطف بيان على مبين ﴿فَاسْلُكْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. ﴿اسلك﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿نُوحًا﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق به. ﴿مِنْ كُلٍّ﴾: جار ومجرور، حال من ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أو من ﴿اثْنَيْنِ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، ﴿زَوْجَيْن﴾: مفعول به لـ ﴿فَاسْلُكْ﴾. ﴿اثْنَيْنِ﴾: صفة مؤكدة له. ﴿وَأَهْلَكَ﴾: مفعول لفعل محذوف، معطوف على ﴿فَاسْلُكْ﴾ تقديره: واسلك فيها أهلك، كما مر في مبحث التفسير مع علته. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول، في محل النصب على الاستثناء المتصل. ﴿سَبَق﴾: فعل ماض. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿سَبَقَ﴾، ﴿الْقَوْلُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لا﴾: ناهية، ﴿تُخَاطِبْنِي﴾ فعل وفاعل مستتر، ونون وقاية، ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿فَاسْلُكْ﴾. ﴿فِي الَّذِين﴾: متعلق بـ ﴿تُخَاطِبْنِي﴾. ﴿ظَلَمُوا﴾ فعل وفاعل، صلة الموصول. ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾: ناصب واسمه وخبره، وجملة ﴿إن﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل النهي قبلها.
﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾.
﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: استئنافية أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، وتقديره: إذا عرفت ما أمرتك به، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿إذا استويت﴾: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿اسْتَوَيْتَ﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿إذا﴾. ﴿أَنْتَ﴾: تأكيد للتاء. ﴿وَمَنْ﴾: معطوف على التاء. ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة الموصول ﴿عَلَى الْفُلْكِ﴾: متعلق بـ ﴿اسْتَوَيْت﴾. ﴿فَقُلِ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ الشرطية جوبًا ﴿قل﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، وجملة ﴿إذا﴾: في محل النصب مقول
стр. 8306
لجواب إذا المقدرة وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿الَّذِي﴾: صفة للجلالة. ﴿نَجَّانَا﴾: فعل وفاعل مستتر مفعول به، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾: متعلق بـ ﴿نَجَّانَا﴾. ﴿الظَّالِمِين﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾.
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾.
﴿وَقُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر معطوف على ﴿قل﴾ الأول. ﴿رَبِّ﴾ إلى آخر الآية: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قل﴾. ﴿أَنْزِلْنِي﴾: فعل دعاء، وفاعل مستتر، ونون وقاية، ومفعول به أول. ﴿مُنْزَلًا﴾: اسم مكان، أو مصدر مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قل﴾ على كونها جواب النداء ﴿مُبَارَكًا﴾: صفة لـ ﴿مُنْزَلًا﴾. ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ﴾: مبتدأ وخبر ﴿الْمُنْزِلِينَ﴾: مضاف إليه، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿أَنْزِلْنِي﴾. ﴿إنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم، لـ ﴿إنَّ﴾. ﴿لَآيَات﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿آيات﴾: اسم ﴿إنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿إنَّ﴾ مسأتفة. ﴿وَإِن﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لَمُبْتَلِينَ﴾: (اللام): حرف ابتداء. ﴿مبتلين﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾ المخففة وجملة ﴿إن﴾ المخففة معطوفة على جملة ﴿إنَّ﴾ الأولى.
التصريف ومفردات اللغة
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وكلمة ﴿قَدْ﴾ هنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل لأن المؤمنون كانوا متوقعين ذلك الفلاح من فضل الله، والفلاح: البقاء، والفوز بالمراد، والنجاة من المكروه، والإفلاح: الدخول في ذلك، كالإبشار الذي هو الدخول في البشارة، وقد يجيء متعديًا بمعنى الإدخال فيه، وعليه قراءة من قرأ على البناء للمفعول. اهـ. "روح". و ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: جمع مؤمن،
стр. 8307
والمؤمن: هو المصدق، بما جاء عن ربه على لسان نبيه، من التوحيد والنبوة والبعث والجزاء، ﴿خَاشِعُونَ﴾ جمع خاشع. والخاشع: هو الخاضع المتذلل، مع خوف وسكون للجوارح.
وقال في "المفردات": الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد على القلب، ولذلك قيل فيما ورد: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ وفي "المفردات" اللغو من الكلام ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، ويجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير ونحوها، من الطيور. اهـ. وفي "التأويلات النجمية" اللغو: كل فعل لا لله، وكل قول لا من الله، ورؤية غير الله، وكل ما يشغلك عن الله، فهو لغو. اهـ. ويقال: أعرض أظهر عرضه؛ أي: ناحيته، فإذا قيل: عرض لي كذا؛ أي: بدا عرضه فأمكن تناوله، وإذا قيل: أعرض، فمعناه ولى مبديًا عرضه؛ أي: معرضوه عن اللغو في عامة أوقاتهم.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ والزكاة: تزكية النفس وطهارتها، بفعل العبادة المالية، ضمن فاعلون معنى مؤدون، إذ لا يصح فعل الأعيان، التي هي القدر المخرج من المزكي للمستخقين، ويصح حمل الزكاة على المصدر، الذي هو التزكية، فيصح نسبة الفعل إليها، من غير تضمين. اهـ. من "البحر" ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ والفروج: جمع فرج، والفرج: سوءة الرجل والمرأة، وحفظه التعفف عن الحرام، وفي كتب اللغة: الفرج والفرجة: الشق بين الشيئين، كفرجة الحائط، والفرج ما بين الرجلين، وكنى به عن السوءة وكثر حتى صار كالصريح. ﴿ابْتَغَى﴾؛ أي: طلب ﴿وَرَاءَ ذَلِك﴾؛ أي: غير ذلك ﴿الْعَادُون﴾؛ أي: المتناهون في العدوان، ومجاوزة الحدود الشرعية، وفي "الروح" العدوان: الإخلال بالعدالة، والاعتداء. مجاوزة الحق.
﴿لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ﴾ والأمانات: جمع أمانة، والأمانة: هي ما ائتمن المرء عليه من قبل الله تعالى، كالتكاليف الشرعية، أو من قبل الناس، كالأموال
стр. 8308
المودعة لديه، والنذور والعقود ونحوها، والعهد ما عقده الإنسان على نفسه مما يقربه إلى ربه، وما أمر به الله، كما قال ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾. ﴿رَاعُونَ﴾: جمع راعٍ من الرعي، وهو الحفظ، والراعي: القائم على الشيء لحفظه وإصلاحه. ﴿يُحَافِظُون﴾؛ أي: يواظبون عليها بشرائطها وآدابها كما مر.
﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾: جمع وارث، والوراثة: انتقال المال إليك من غيرك، من غير عقد، ولا ما يجري مجرى العقد، وسمي بذلك المنتقل عن الميت، فيقال للمال: المورث ميراث اهـ. "روح".
والفردوس: اسم لأعلى طبقات الجنة، وهو في الأصل: البستان الجامع، لجميع أصناف الثمر، هم فيها ﴿خَالِدُونَ﴾: جمع خالد، والخلود: تبري الشيء من اعتراض الفساد، وبقاؤه على الحالة التي هو عليها، والخلود في الجنة، بقاء الأشياء على الحالة التي هي عليها من غير اعتراض الكون، والفساد عليها.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ والسلالة: كل ما سل عن الشيء، واستخرج منه، يقال: سل الشيء من الشيء، إذا نزع كسل السيف من الغمد، وسل الشيء من البيت على سبيل السرقة، وسل الولد من الأب، ومنه قيل للولد: سليل، فالسلالة: اسم ما سل من الشيء، واستخرج منه، فإن فعالة اسم لما يحصل من الفعل، فتارةً تكون مقصودة كخلاصات الأشياء، كالزبد من اللبن، وأخرى غير مقصودة، كقلامة الظفر، وكناسة البيت. والسلالة هنا: من القبيل الأول، فإنها مقصودة ما يسل.
﴿مِنْ طِينٍ﴾. والطين: التراب والماء المختلط به. ﴿نُطْفَةً﴾ والنطفة: الماء الصافي، ويعبر بها عن ماء الرجل ﴿فِي قَرَارٍ﴾؛ أي: مستقر، وهو الرحم، عبر عنها بالقرار، الذي هو المصدر مبالغة. ﴿مَكِينٍ﴾؛ أي: متمكن أو حصين، وهو وصف لها، بصفة ما استقر فيها، مثل طريق سائر. ﴿عَلَقَةً﴾: قال الراغب: العلق الدم الجامد، ومنه العلقة التي يكون منها الولد. ﴿مُضْغَةً﴾ والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ. ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تزايد بره وإحسانه، وتعالى شأنه وعلمه، وتقدمت ذاته وصفاته ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: الطرائق: السماوات، جمع طريقة، بمعنى مطروقة؛ أي: مطروق بعضها فوق بعض، من قولهم طارق بين ثوبين، إذا ألبس
стр. 8309
ثوبًا فوق ثوب، أو من طرق النعل، إذا وضع طاقاته بعضها فوق بعض، قيل: فعلى هذا لا تكون سماء الدنيا من الطرائق، إذ لا سماء تحتها، فجعلها منها من باب التغليب، ولا يخفى أن المعنى وضع طاقًا فوق طاق مساويًا له، فيندرج ما تحت الكل لكون مطارقًا؛ أي: له نسبه، ونتلو بالمطارقة فلا حاجة إلى التغليب اهـ. "شهاب".
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من السحاب ﴿ماء﴾؛ أي: عذبًا، وإلا، فالأجاج ثابت في الأرض مع القحط، والعذب يقل مع القحط ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾ الذهاب مصدر ذهب، والباء في به، للتعدية، مرادفة للهمزة؛ أي: لقادرون على إذهابه، وازالته، والإذهاب إما بالإفساد، وإما بالتصديع، وإما بالتعميق والتغوير في الأرض.
﴿مِنْ نَخِيلٍ﴾ قال في "المفردات": النخيل معروف، ويستعمل في الواحد، والجمع، وجمعه نخيل. ﴿وَأَعْنَابٍ﴾: جمع عنب، قال في "المفردات": العنب يقال: الثمرة الكرم، وللكرم نفسه، الواحدة عنبة، انتهى.
﴿فَوَاكِهُ﴾: قال في "المفردات" الفاكهة، قيل: هي الثمار كلها، وقيل: بل هي الثمار، ما عدا العنب والرمان، وقائل هذا كأنه نظر إلى اختصاصهما بالذكر، وعطفهما على الفاكهة، انتهى.
﴿وَشَجَرَةً﴾: وفي "المفردات" الشجرة من النبت ما له ساق، يقال: شجرة وشجر، ونحو ثمرة وثمر. ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾: وطور سنين، قال الزمخشري: لا يخلو، إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون إسمًا للجبل مركبًا من مضاف ومضاف إليه، كامرىء القيس، وكبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء، فقد منع من الصرف، للتعريف والعجمة، أو التأنيث؛ لأنها بقعة وفعلاء، لا يكون ألفه للتأنيث، كعلباء وحرباء، ومن فتح فلم يصرف؛ لأن الألف للتأنيث، كصحراء هذا وسيناء شبه جزيرة، يحدها البحر الأبيض المتوسط شمالًا، وقناة السويس وخليج السويس غربًا، وفلسطين وخليج العقبة شرقًا، تنتهي جنوبًا عند رأس محمد في البحر الأحمر، وسيناء جبل واقع
стр. 8310
في شبه جزيرة سيناء جنوبًا، والمراد بالشجرة، شجرة الزيتون، وخصت بطور سيناء مع أنها تخرج في غيره؛ لأن أصلها منه ثم نقلت إلى غيره.
﴿بِالدُّهْن﴾ والدهن: عصارة كل شيء ذي دسم. اهـ. "سمين". ﴿وَصِبْغٍ﴾؛ أي: إدإم يصبغ اللقمة، إذا أغمست فيه وفي "المصباح": صبغ من باب ضرب، وقتل ونفع. اهـ.
قال في "المغرب"، يقال: صبغ الثوب بصبغ حسن، وصباغ حسن، ومنه الصبغ والصباغ من الإدام؛ لأن الخبز يغمس فيه، ويلون به كالخل والزيت. اهـ. ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾؛ أي: السفينة قال الراغب: ويستعمل الفلك للواحد، والجمع، وتقديرهما مختلفان، فإن الفلك إذا كان واحدًا كان كبناء قفل، وإذا كان جمعًا فكبناء حمر. اهـ.
﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾ الملأ: أشراف القوم. ﴿يَتَفَضَّلَ﴾؛ أي: يدعي الفضل والسيادة ﴿جِنَّةٌ﴾؛ أي: حالة جنون، ففعلة مستعملة في الهيئة على حد قوله. وفعلة لهيئة كالجلسة اهـ. "شيخنا". والجنون: اختلال حائل بين النفس والعقل، وفي "التأويلات النجمية" يشير إلى أن أحوال الحقيقة عند أرباب الطبيعة جنون، كما أن أحوال أرباب الطبيعة عند أهل الحقيقة جنون. اهـ.
﴿فَتَرَبَّصُوا﴾؛ أي: انتظروا، قال الراغب: التربص: الانتظار بالشيء ساعة، يقصد بها غلاء، أو رخصًا أو أمرًا ينتظر زواله أو حصوله، ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ يقال: فار الماء، إذا نبع يفور فورًا، من باب قال، والفور شدة الغليان، ويقال ذلك في النار نفسها، إذا هاجت وفي القدر، وفي الغضب، وفوارة الماء، سميت تشبيهًا بغليان القدر، ويقال: الفور الساعة، والتنور: تنور الخبز، ابتدأ منه النبوع على خرق العادة ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾؛ أي: أدخل في الفلك، يقال: سلك فيه؛ أي: دخل وسلكه فيه؛ أي: أدخله، ومنه قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢)﴾.
﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ قال الراغب: استوى: يقال على وجهين:
أحدهما: أن يسند إليه، فاعلان فصاعدًا، نحو: استوى زيد وعمرو في
стр. 8311
كذا؛ أي: تساويا. قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
والثاني: أن يقال: لاعتدال الشيء في ذاته، فإذا استويت، ومتى عدي بعلى اقتضى معنى الاستعلاء نحو ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، ونحو ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾.
وفي "السمين" قوله: ﴿مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ قرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي والباقون بضم الميم، وفتح الزاي والمَنْزِل، والمَنْزَل كل منهما يحتمل أن يكون اسم مصدر وهو الإنزال، أو النزول، وأن يكون اسم مكان للنزول، أو الإنزال إلا أن قياس مصدر الفعل المذكور هنا منزل بالضم والفتح، وأما الفتح والكسر، فعلى نيابة مصدر الثلاثي مناب مصدر الرباعي، كقوله: أنبتكم من الأرض نباتًا. اهـ. والنزول في الأصل هو الانحطاط من علو، يقال: نزل عن دابته، ونزل في مكان كذا، حطّ رحله فيه، ونزل به.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾: اسم فاعل من ابتلى الخماسي. قال الراغب: إذا قيل: ابتلي فلان بكذا وأبلاه فذلك يتضمن أمرين:
أحدهما: تعرف حاله، والوقوف على ما يجهل من أمره.
والثاني: ظهور جودته وردائته دون التعرف بحاله، والوقوف على ما يجهل من أمره، إذا كان من الله علام الغيوب. اهـ.
واعلم أن البلاء كالملح، وأن أكابر الأنبياء، إنما كانوا من أولي العزم ببلايا ابتلاهم الله بها، فصبروا، ألا ترى إلى حال نوح ﵇، كيف ابتلي ألف سنة إلا خمسين عامًا، فصبر، حتى قيل له: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ اهـ. "روح البيان".
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
стр. 8312
فمنها: الإخبار بصيغة الماضي؛ لإفادة التحقيق والثبوت في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ كما أن ﴿قَدْ﴾؛ لإفادة التحقيق أيضًا.
ومنها: بر الاستهلال في هذه السورة؛ لأنها ذكرت أحوال المؤمنين، على جهة التفصيل. والتفصيل عندهم قسمان: متصل، ومنفصل. فالمتصل: كل كلام وقع فيه أما وأما كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلى آخر الكلام.
وأما المنفصل فهو ما يأتي مجمله في مكان ومفصله في مكان آخر كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾. فإن قوله تعالى: ﴿وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ إجمال المحرمات، وقد تقدمت مفسرة في سورة النساء بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ فإن هذه الآية اشتملت على خمسة عشر محرمًا من أصناف النساء، وذوات الأرحام، وثلاثة عشر صنفًا ومن الأجانب صنفان.
ومنها: طباق الإيجاب بين قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ وقولى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ فقد جمع سبحانه للمؤمنين في هذا الوصف بين الفعل والترك، إذ وصفهم بالخشوع في الصلاة، وترك اللغو، وهذا كله من طباق الإيجاب المعنوي.
ومنها: التضمين في قوله: ﴿فَاعِلُونَ﴾؛ لأنه ضمن فاعلون معنى مؤدون، إذ لا يصح فعل الأعيان التي هي القدر المخرج من المزكي للمستحقين.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾؛ لأن ضمير الفعل يفيد الحصر.
ومنها: تقيد الوراثة بقوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ بعد إطلاقها أولًا تفخيمًا لشأنها، ورفعًا لمحلها.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ حيث شبه
стр. 8313
استحقاقهم الفردوس بأعمالهم، حسبما يقتضيه الوعد الكريم بالوراثة، للمبالغة فيه، بجامع قوة الملك؛ لأن الوراثة أقوى سبب يقع في ملك الشيء، ولا يتعقبه رد ولا فسخ ولا إقالة ولا نقض.
ومنها: أسرار لطيفة المأخذ، دقيقة المعنى، في مخالفة حروف العطف في آيات ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ الآيات، فقد ذكر تعالى تفاصيل حال المخلوق في تنقله، فبدأ بالخلق الأول، وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثاني، الذي هو خلق نسل عطفه بثم لما بينهما من التراخي، وحيث صار إلى التقدير الذي: يتبع بعضه بعضًا، من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى إلى جعله ذكرًا أو أنثى، وهو آخر الخلق، عطفه بثم، ونحن نعلم أن الزمن الذي تصير فيه النطفة علقة طويل، ولكن الحالتين متصلتان، فأحيانًا ينظر إلى طول الزمان، فيعطف بثم، وأحيانًا ينظر إلى اتصال الحالين، ثانيهما بأول ما من غير فاصل بينهما بغيرهما، فيعطف بالفاء، ومثل هذا تزوج محمد فولد له.
ومنها: الاستعارة التصريحية الأصلية في قوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ حيث شبه الرحم بالقرار؛ أي: بموضع الاستقرار فخذف المشبه، الذي هو الرحم، وأبقى المشبه به، وهو القرار، ثم وصفه بمكين، بمعنى متمكن، لتمكنه في نفسه، بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن ما يحل فيه، كقولهم: طريق سائر؛ أي: يسار فيه.
ومنها: تنزيل غير المنكر، منزلة المنكر، في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾ الناس لا ينكرون الموت، ولكن غفلتهم عنه، وعدم استعدادهم له بالعمل الصالح، يعدان من علامات الإنكار، ولذلك نزلوا منزلة المنكرين، وألقى الخبر مؤكدًا، بمؤكدين إن واللام.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ شبهت السماوات السبع بطرائق النعل، التي يجعل بعضها فوق بعض، بطريق الاستعارة.
ومنها: العدول عن الإضمار إلى الإظهار في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾
стр. 8314
حيث لم يقل: وأنزلنا منهن؛ لأن الإنزال لا يعتبر فيه عنوان كونها طرائق بل مجرد كونها بصفة العلو.
ومنها: تقديم المعمول على عامله لرعاية الفاصلة، في قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ وفي قوله: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ حيث شبه الإدام من المائعات بالصبغ، ثم حذف المشبه، وأبقى المشبه به، بجامع التلون، بلون إذا غمس به.
ومنها: المجاز المرسل في قوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ حيث عبر عن الحفظ بالأعين؛ لأن شأن من نظر إلى الشيء بعينه، حفظه فأطلق الملزوم الذي هو الأعين، وأريد اللازم الذي هو الحفظ، وجمع الأعين مبالغة.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿وَفَارَ التَّنُّور﴾: لأنه كناية عن شدة نبع الماء.
ومنها: جناس الاثشقاق في قوله: ﴿رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾.
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿الْوَارِثُونَ﴾، و ﴿يَرِثُون﴾.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
السالفين .. عقب هذا ببيان أنه أوصاهم جميعًا، بأن يأكلوا من الحلال، ويعملوا صالح الأعمال، كفاء ما أنعم به عليهم، من النعم العظيمة، والمزايا الجليلة، التي لا يقدر قدرها، ثم حذرهم، وأنذرهم بأنه عليم بكل أعمالهم، ظاهرها وباطنها, لا تخفى عليه من أمورهم خافية، ثم أرشدهم إلى أن الدين الحق واحد، لا تعدد فيه، ولكن قد فرقت الأمم، دينها شيعًا، وكل أمة فرحة مسرورة بما تدين به، كما هي حال قريش، ثم خاطب رسوله، بأن يتركهم وما يعتقدون إلى حين، ثم ذكر أنهم في عماية، حين ظنوا أن ما أوتوه من النعم، هو حظوة من ربهم لهم، كلا فهم لا يشعرون بحقيقة أمرهم، وعاقبة حالهم، ولو عقلوا لعلموا، أنهم في سكرتهم يعمهون.
قوله تعالى (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذم من فرقوا دينهم شيعًا، وفرحوا بما عملوا، وظنوا أن ما نالوا من حظوظ الدنيا، هو وسيلة لنيل الثواب في الآخرة، وبين أنهم واهمون فيما حسبوا .. قفى على ذلك، بذكر صفات من له المسارعة في الخيرات، ومن هو جدير بها.
قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر صفات المؤمنين المخلصين، الذين يسارعون إلى الخيرات، أرشد إلى أن ما كلفوا به، سهل يسير، لا يخرج عن حد الوسع والطاقة وأنه مهما قل، فهو محفوظ عنده في كتاب، لا يضل ربي ولا ينسى، وهو لا يظلم أحدًا من خلقه، بل يجزي بقدر العمل، وبما نطقت به الصحف، وعلى وجه الحق والعدل.
التفسير وأوجه القراءة
٣١ - قصة هود ﵇: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا﴾؛ أي: أوجدنا وأحدثنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد إهلاك قوم نوح، وإغراقهم ﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾؛ أي: قومًا آخرين ليكونوا خلفاء عنهم في الأرض.
стр. 8317
قال أكثر المفسرين (١): إن هؤلاء الذين أنشاهم الله بعدهم هم عاد - قوم هود؛ لمجيء قصتهم على إثر قصة نوح، في غير هذا الموضع، ولقوله في الأعراف: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾.
وقيل: هم ثمود؛ لأنهم هم الذين هلكوا بالصيحة، وقد قال الله سبحانه، في هذه القصة، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾.
وقيل: هم أصحاب مدين - قوم شعيب - لأنهم ممن أهلكوا بالصيحة.
وقيل: القرن ثمود، والرسول صالح، والأول أصح، والقرن (٢): القوم المقترنون من زمن واحد؛ أي: أهل زمان واحد
٣٢ - ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾؛ أي: أولئك القرن؛ أي: إليهم ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؛ أي: من جملتهم نسبًا، وهو هود ﵇ على أن يكون المراد عادًا، وهو الظاهر، وعدى فعل الإرسال، بقي مع أنه يتعدى بإلى؛ للدلالة على أن هذا الرسول المرسل إليه، نشأ فيهم بين أظهرهم، يعرفون مكانه ومولده؛ ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم، و ﴿أن﴾ في قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ مفسرة لأرسلنا لما في الإرسال من معنى القول؛ أي: قلنا لهم على لسان ذلك الرسول: اعبدوا الله تعالى وحده؛ لأنه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تعالى فالجملة معللة للأمر بالعبادة، والهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتشركون بالله تعالى، فلا تخافون عذابه على الإشراك؛ قاله في "بحر العلوم" فالشرك وعدم الاتقاء كلاهما منكران.
والمعنى (٣): أي أوجدنا من بدء مهلك قوم نوح قومًا آخرين، وهم عاد، فأرسلنا فيهم رسولًا منهم، وهو هود ﵇، داعيًا لهم، قائلًا: يا قوم اعبدوا الله، وأطيعوه دون الأوثان والأصنام، فإن العبادة لا تنبغي إلا له، ولا تصلح لسواه، أفلا تخافون عقابه بعبادتكم غيره من وثن أو صنم.
стр. 8318
٣٣ - ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ﴾؛ أي: الأشراف والقادة ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ أي: من قوم هود، ثم وصف الملأ بالكفر والتكذيب فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله ﴿وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: كذبوا بلقاء ما في الآخرة من الحساب والثواب والعقاب، أو كذبوا بالمصير إلى الآخرة بالبعث، وصفهم بالكفر ذمًا لهم؛ أي: قال الأشراف الكافرون المكذبون من قومه.
فائدة: وقال هنا (١): ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالواو دون الفاء كما قال في قصة نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾؛ لأن كلا منهم هنا لم يتصل بكلام الرسول، ومعناه: أنه اجتمع في الحصول ذلك القول الحق، وهذا القول الباطل، وشتان ما بينهما.
وقال أبو حيان (٢): وجاء هنا: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ﴾ بالواو، وفي الأعراف وسورة هود في قصته، بغير واو، قصد في الواو العطف على ما قاله؛ أي: اجتمع قوله الذي هو الحق، وقولهم الذي هو باطل، كانه إخبار بتباين الحالين، والتي بغير واو قصد به الاستئناف، وكأنه جواب لسؤال مقدر؛ أي: فما كان قولهم له، قال: قالوا: كيت وكيت. اهـ.
وقال في "برهان القرآن" (٣): قدم ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ في هذه الآية، وأخّر فيما قبلها؛ لأن صلة الذين فيما قبل اقتصرت على فعل وضمير الفاعلين، ثم ذكر بعهده الجار والمجرور، ثم الفاعل، ثم المفعول، وهو المقول، وليس كذلك هذه الآية، فإن صلة الموصول طالت بذكر الفاعل والمفعول والعطف عليه مرة أخرى، فقدم الجار والمجرور؛ لأن تأخيره ملبس وتوسطه ركيك، فخص بالتقديم. اهـ.
وقوله: ﴿أَتْرَفْنَاهُمْ﴾ معطوف على الصلة؛ أي: نعمناهم ووسعنا عليهم. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكثرة الأموال والأولاد؛ أي: قالوا لأعقابهم مضلين لهم، ﴿مَا هَذَا﴾؛ أي: هود ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛ أي: مماثل لكم في الصفات
стр. 8319
والأحوال البشرية ﴿يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ منه، فكيف يكون رسولًا، وهو تقرير للمماثلة، وصفوه بمساواتهم في البشرية، وفي الأكل والشرب، وذلك يستلزم عندهم، أنه لا فضل له عليهم، والمعنى: أي: وقال: أشراف قومه الذين جحدوا وحدانية الله، وكذبوا بالبعث والحساب، وقد وسعنا عليهم في الحياة الدنيا، بما بسطنا لهم من الرزق، حتى بطروا وعتوا، وكفروا بربهم: ما هود إلا بشر مثلكم لا ميزة له عنكم، فهو يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون، فكيف يكون رسولًا؛ ومرادهم بذلك توهين أمره وتحقير شأنه.
٣٤ - واللام في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ﴾ موطئة للقسم؛ أي: والله ليِّن امتثلتم ﴿بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾؛ أي: آدميًا مماثلًا لكم في الخلق والصفات، فيما يأمركم به وينهاكم عنه ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾؛ أي: إذا أطعتموه ﴿لَخَاسِرُونَ﴾؛ أي: لمغبونون في اَرائكم مغلوبون في عقولكم جاهلون بمصالحكم، حيث تركتم آلهتكم، وأذللتم أنفسكم، باتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم.
﴿إِذًا﴾ (١) هنا ليست هي الناصبة للمضارع، وإنما هي إذا الشرطية، حذفت جملتها التي تضاف إليها وعوض عنها التنوين كما في يومئذ، ولهذا لا يختص دخولها على المضارع، بل تدخل على الماضي وعلى الاسم. كقوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾. ﴿وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ قاله الحافظ السيوطي في "الإتقان". اهـ. "كرخي".
فتحصل من هذا أن ﴿إذًا﴾ بمعنى: أن الشرطية، وأن التنوين المتصل بها عوض عن جملة الشرط كما قدرنا، وحينئذ فلا جواب لها إنما ذكرت توكيدًا لما قبلها، توكيدًا لفظيًا، من قبيل إعادة الشيء بمرادفه. والمعنى؛ أي: ولئن أطعتم بشرًا مثلكم فاتبعتموه، وقبلتم ما يقول .. إنكم إذًا لمغبونون حظوظكم من الشرف، والرفعة في الدنيا
٣٥ - ثم بينوا سبب إنكارهم لأتباعه، واستبعادهم وقوع ما
стр. 8320
يدعيه بقولهم: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ والهمزة للاستفهام الإنكاري، والجملة مستأنفة، مسوقة لتقدير ما قبلها من تقبيح اتباعهم له. وقرىء بكسر الميم، من (مِتم) من مات يمات، كخاف يخاف. وقرىء بضمها من مات يموت كقال يقول؛ أي: أيخبركم أنكم، إذا قبضت أرواحكم ﴿وَكُنْتُمْ تُرَابًا﴾؛ أي: وصارت أجسامكم ترابًا، ﴿وَعِظَامًا﴾؛ أي: وصار بعض أجزائكم ترابًا، وبعضها عظامًا نخرة مجردةً لا لحم فيها ولا أعصاب عليها. ﴿أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم أحياءً كما كنتم، و (أنكم) الثانية لا عمل لها؛ لأنها تكيد لفظي لأنكم الأولى أكد بها لما طال الفصل بين اسم الأولى وهو: الكاف، وبين خبرها وهو: ﴿مخرجون﴾، والظرف متعلق بـ ﴿مُخْرَجُون﴾. وتقديم التراب لكونه أبعد في عقولهم.
وقيل المعنى: كان متقدموكم ترابًا ومتأخروكم عظامًا. وفي "روح البيان" الظاهر أن مرادهم، بيان صيرورتهم عظامًا ثم ترابًا؛ لأن الواو لمطلق الجمع. اهـ.
والمعنى (١): أي أيعدكم أنكم مخرجون من قبوركم أحياءً، كما كنتم أولًا إذا متم، وكنتم ترابًا في القبور، بعد أن تذهب لحومكم وتبقى عظامكم،
٣٦ - ﴿هَيْهَاتَ﴾: اسم فعل ماض بمعنى بعد، ﴿هَيْهَاتَ﴾ توكيد لفظي للأولى، واللام في قوله: ﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ زائدة في الفاعل؛ أي: بعد عن القول ما توعدون، وتخبرون به أيها القوم من أنكم بعد موتكم ومصيركم ترابًا وعظامًا تخرجون من قبوركم للبعث والحساب، ثم الجزاء على ما تعملون.
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي (٢): ﴿هيهات هيهات﴾ بفتح التاء فيهما في الوصل، وإسكانها في الوقف، وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ أبيّ بن كعب وأبو مجلز وهارون عن أبي عمرو "هيهاتًا هيهاتًا" بالفتح والتنوين. ونسبها ابن عطية لخالد ابن إلياس. وقرأ ابن مسعود وعاصم الجحدري وأبو حيوة الحضرمي وابن السميقع: ﴿هيهات هيهات﴾ بالضم
стр. 8321
والتنوين. وقرأ أبو العالية وقتادة وعيسى وخالد بن إلياس: ﴿هيهات هيهات﴾ بالكسر والتنوين. وقرأ أبو جعفر وشيبة ﴿هيهات هيهات﴾ بالكسر من غير تنوين، وروي هذا عن عيسى أيضًا، وهي لغة تميم وأسد، ويقفون عليه بالهاء. وقرأ أبو المتوكل الناجي وسعيد بن جبير وعكرمة ﴿هيهات هيهات﴾ بالرفع من غير تنوين. وقرأ معاذ القارىء وابن يعمر وأبو رجاء وخارجة بن مصعب عن أبي عمرو والأعرج وعيسى أيضًا: ﴿هيهات هيهات﴾ بسكان التاء فيهما.
قال ابن الجوزي: وفي ﴿هيهات﴾ عشر لغات، قد ذكرنا منها سبعةً عن القراء، والثامنة: ﴿إيهات﴾ بالهمزة في أوله. والتاسعة: ﴿إيهان﴾ بالنون آخره. والعاشرة: ﴿إيها﴾ بغير تنوين اهـ.
وقال أبو حيان: وهذه الكلمة تلاعبت بها العرب تلاعبًا كبيرًا، بالحذف والإبدال والتنوين وغيره، وقد ذكرنا في "التكميل لشرح التسهيل" ما ينيف على أربعين لغة. وتحرير ما فيها، مذكور في علم النحو، ولا تستعمل هذه الكلمة غالبًا إلا مكررة. وجاءت غير مكررة في قول جرير:
فَهَيْهَاتَ هَيْهَاتَ الْعَقِيْقُ وَمَنْ بِهِ ... وَهَيْهَاتَ خِلٌّ بِالْعَقِيْقِ نُوَاصِلُهْ
والعقيق: وادٍ بالمدينة.
٣٧ - ثم أكدوا هذا الإنكار بقولهم: ﴿إِنْ هِيَ﴾؛ أي: ما الحياة ﴿إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الدانية الفانية، لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها، وجملة قوله: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ مفسرة للجملة المتقدمة؛ أي: مفسرة لما ادعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا؛ أي: يموت بعضنا ويحيى بعضنا، بمعنى (١) يموت بعضنا ويولد بعض إلى انقراض العصر، أو يصيبنا الأمران الموت والحياة، يعنون الحياة المتقدمة في الدنيا والموت بعدها, وليس وراء ذلك حياة، وعبارة القرطبي هنا فإن قلت: كيف قالوا: نموت ونحيا وهم لا يقرون بالبعث؟
قلت: أجيب عنه بأجوبة منها: أن يكون المعنى نكون مواتًا؛ أي: نطفًا ثم
стр. 8322
نحيا في الدنيا. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي: إن هي إلا حياتنا الدنيا نحيا فيها ونموت. ما قال: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. وقيل: نموت - يعني الآباء - ونحيى، يعني الأولاد. اهـ.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾؛ أي: بمنشرين بعد الموت، كما تزعم يا هود؛ أي: ما لنا (١) حياة إلا هذه الحياة في الدنيا تموت الأحياء منا فلا تحيا، ويحدث آخرون منا ويولدون، وما نحن بمبعوثين بعد الموت، إنما مثلنا مثل الزرع يُحصد هذا وينبت ذلك.
والخلاصة: أنه يموت منا من هو موجود، وينشأ آخرون بعدهم، انظر كيف عميت قلوبهم، حتى لم يروا أن الإعادة أهون من الابتداء، وأن الذي هو قادر على إيجاد شيء من العدم واعدامه من الوجود، يكون قادرًا على إعادته ثانيًا،
٣٨ - وبعد أن كان أمرهم معه مقصورًا على الاستبعاد فحسب، جاهروا بتكذيبه فيما يدعي، فقالوا: ﴿إِنْ هُوَ﴾؛ أي: ما هود ﴿إِلَّا رَجُلٌ﴾؛ أي: إلا شخص ﴿افْتَرَى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فيما يدعيه من الرسالة، وفيما يعدنا من أن الله تعالى يبعثنا ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: بمصدقين فيما يقول؛ أي (٢): ما هو إلا رجل يختلق الكذب على الله، فتارة يقول: ما لكم من إله غير الله خالق السماوات والأرض، وأخرى يقول: إنكم إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا إنكم مخرجون، وما نحن بمصدقيه فيما يدعي ويزعم من التوحيد والبعث،
٣٩ - ولما يئس هود من إيمانهم بعد ذكر هذه المقالة: ﴿وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ .. فزع إلى ربه فقال: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ عليهم وانتقم لى منهم ﴿بِمَا كَذَّبُون﴾؛ أي: بسبب تكذيبهم إياي وإصرارهم عليه؛ أي: قال بعد أن يئس من إيمانهم، وقد سلك في دعوتهم كل مسلك متضرعًا إلى ربه: رب انصرني عليهم، وانتقم لى منهم بتكذيبهم إياي فيما دعوتهم إليه من الحق، واصرارهم على الباطل،
٤٠ - فأجابه ربه إلى ما سأل. ﴿قَالَ﴾ الله ، مجيبًا لدعائه، واعدًا له بالقبول لما دعا به ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾؛ أي:
стр. 8323
بعد زمان قليل ﴿لَيُصْبِحُنَّ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي ليصيرن؛ أي: الكفار المكذبين ﴿نَادِمِينَ﴾ على ما وقع منهم من التكذيب والعناد، والإصرار على الكفر، وذلك عند معاينتهم العذاب و ﴿ما﴾ في قوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ مزيدة بين الجار والمجرور تأكيدًا لقلة الزمان، كما في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
٤١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾؛ أي: فأهلكتهم ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: صيحة جبريل صاح عليهم صيحة هائلة، تصدعت منها قلوبهم فماتوا. والصيحة رفع الصوت، فإن قلت (١): هذا يدل على أن المراد بالقرن، المذكور في صدر القصة، ثمود قوم صالح، فإن عادا أهلكوا بالريح العقيم.
قلت: لعلهم حين أصابتهم الريح العقيم، فأصيبوا في تضاعفها بصيحة هائلة أيضًا، كما كان عذاب قوم لوط بالقلب والصيحة.
وقد روي أن شداد بن عاد حين أتم بناء إرم، سار إليها بأهله، فلم دنا منها، بعث الله عليهم صيحة من السماء، فهلكوا. وقيل: المراد بالصيحة هنا نفس العذاب والموت. وفي "الجلالين" صيحة العذاب والهلاك. والباء في قوله: ﴿بِالْحَقّ﴾ متعلقة بأخذتهم؛ أي: أخذتهم (٢) الصيحة بالوجه الثابت، الذي لا دافع له، أو بالعدل من الله سبحانه، كقولك فلان يقضي بالحق، أو بالوعد الصدق، والمراد: حاق بهم عذابه، ونزل عليهم سخطه بالوعد الصدق، وبالأمر المبرم من الله تعالى، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم، فقال: ﴿فَجَعَلْنَاهُم﴾؛ أي: فصيرنا أولئك المكذبين لهود ﴿غُثَاءً﴾؛ أي: كغثاء السيل الذي يحتمله ولا ينتفع به، والغثاء: هو كل ما يحمله السيل على ظاهر الماء، من الزبد والورق والعيدان، وبالي الشجر والحشيش، والمعنى: صيرهم هلكى، فيبسوا كما يبس الغثاء، كقولك: سال به الوادي، لمن هلك. ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: بعد الظالمون من رحمة الله بعدًا، وطردوا منها طردًا؛ أي: هلكوا. والمعنى: ألزمنا بعدًا من الرحمة للقوم الظالمين. وهذه الجملة تحتمل الإخبار والدعاء، وهو من المصادر التي لا يذكر فعلها معها. واللام لبيان من
стр. 8324
دعي عليه بالبعد، وقيل: له ذلك؛ أي: قيل للظالمين بعدوا بعدًا، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل، كما في "البيضاوي".
والمعنى: أبعد الله (١) القوم الكافرين من رحمته بهلاكهم إذا كفروا بربهم وعصوا رسوله، وظلموا أنفسهم، وفي هذا من الذلة، والمهانة لهم والاستخفاف بأمرهم ما لا يخفى، وأن الذي ينزل بهم في الآخرة، من البعد، من النعيم والثواب، أعظم مما حل بهم، من العقاب في الدنيا، وفيه عظيم العبرة لمن بعدهم، ممن هم عرضة لمثله.
قصص صالح ولوط وشعيب وغيرهم ﵈
٤٢ - ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا﴾؛ أي: خلقنا وأوجدنا ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾؛ أي: من بعد إهلاك القرن المذكور وهم عاد على الأشهر، ﴿قُرُونًا﴾ وأمما ﴿آخَرِينَ﴾؛ أي: مع رسلهم، هم قوم صالح ولوط وشعيب وهود وغيرهم، كأيوب ويونس ﵈ كما وردت قصتهم على هذا الترتيب في الأعراف وهود. وقيل: هم بنو إسرائيل. والقرون والأمم، ولعل (٢) وجه الجمع للقرون هنا، والإفراد فيما سبق قريبًا أنه أراد ها هاهنا أممًا متعددة، وهناك أمة واحدة؛ أي: أنشأنا أقوامًا آخرين إظهارًا لقدرتنا, وليعلم كل أمة استغناءنا عنهم، وأنهم إن قبلوا دعوة الأنبياء وتابعوا الرسل .. تعود فائدة استسلامهم وانقيادهم وقيامهم بالطاعات إليهم. فالله تعالى (٣) ما أخلى الأرض من مكلفين، بل أوجدهم وبلغهم حدّ التكليف، حتى قاموا مقام من كان قبلهم، في عمارة الدنيا.
٤٣ - ثم بين سبحانه كمال علمه وقدرته في شأن عباده، فقال: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿من﴾ مزيدة للاستغراق؛ أي: ما تتقدم أمة من الأمم المجتمعة في قرن المقضي عليها بالهلاك. ﴿أَجَلَهَا﴾؛ أي: الوقت الذي حد وعين لهلاكها ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أي: وما يتأخرون عن ذلك الأجل بساعة وطرفة عين، بل تموت
стр. 8325
وتهلك عند ما حد لها من الزمن. والمعنى؛ أي: ما تتقدم أمة من تلك الأمم المهلكة، الوقت الذي قدر لهلاكهم، وما يستأخرون عنه.
والخلاصة: ما تهلك أمة قبل مجيء أجلها ولا بعده، فلكل شيء ميقات لا يعدوه،
٤٤ - ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ معطوف (١) على ﴿أَنْشَأْنَا﴾، لكن لا على معنى أن إرسالهم متأخر ومتراخ عن إنشاء تلك القرون المذكورة جميعًا، بل على معنى أن إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء قرن مخصوص بذلك الرسول، كأنه قيل: ثم أنشانا من بعدهم قرونًا آخرين، وقد أرسلنا إلى كل قرن منهم رسولًا خاصًا به.
والمعنى: أن إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء القرن الذي أرسل إليه، وليس المعنى: أن إرسال الرسل جميعًا متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعًا؛ أي: أرسلنا رسلنا حالة كونهم ﴿تَتْرَى﴾؛ أي: متواترين ومتتابعين واحدًا بعد واحد، وهو مصدر من المواترة كشبعى ودعوى، والتاء فيه مبدلة من الواو، واصلة وترًا، والتتر المتابعة مع مهلة، وهو منصوب على الحالية، كما قررنا في الحل.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتادة وأبو جعفر وشيبة وابن محيصن والشافعي (٢): ﴿تترى﴾ منونًا، وباقي السبعة: بغير تنوين، وانتصب على الحال؛ أي: متواترين واحدًا بعد واحد، ولكن مع انقطاع فترة طويلة بينهما.
﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً﴾ منهم ﴿رَسُولُهَا﴾ المخصوص بها بالبينات، وبلغها أمر الله تعالى ﴿كَذَّبُوهُ﴾؛ أي: كذب ذلك الرسول أكثرهم لا كلهم، كما في "بحر العلوم" بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وسلكوا في تكذيب أنبيائهم مسلك من أهلكوا.
وعبارة "المراح" هنا ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾؛ أي (٣): أرسلنا إلى كل قرن من
стр. 8326
القرون رسولًا خاصًا به، حالة كونهم ﴿تَتْرَا﴾؛ أي: واحدًا بعد واحد، بينهما زمان طويل. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: وهي قراءة الشافعي: ﴿تترى﴾ بالتنوين، فألفه للإلحاق بجعفر، فلما نون ذهبت ألفه لالتقاء الساكنين، وباقي السبعة: بألف صريحة دون تنوين، والألف للتأنيث باعتبار أن الرسل جماعة، والتاء بدل من الواو، فإنه مأخوذ من الوتر وهو الفرد: وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل وقع حالًا؛ أي: متواترة؛ أي: متتابعة فرادى. انتهت.
﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً﴾ بتحقيق الهمزتين، وتسهيل الثانية بينها؛ أي: بين الهمزة وبين الواو، بأن تنطق بها متوسطة بينهما. ﴿رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾؛ أي: كلما بلغهم الرسول ما جاء به من عند ربه من الشرائع والأحكام .. كذبوه، كما فعل قومك بك حين أمرتهم بذلك.
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ في الهلاك بما نزل بهم من العذاب ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: وجعلنا تلك الأمم المهلكة ﴿أَحَادِيثَ﴾ وحكايات وأمثالًا وأعاجيب، يتحدث ويتعجب منها لمن بعدهم، جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به عجبًا وتسليًا ومسامرة، أو جمع حديث على غير قياس، كما سيأتي في مبحث التصريف، والمراد هنا: المعنى الأول؛ أي: صاروا يتحدث بهم وبحالهم في الإهلاك، على سبيل التعجب والاعتبار، وضرب المثل بهم؛ أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، إلا حكايات يسمر بها، ويتعجب منها، ويعتبر بها المعتبرون من أهل السعادة.
فإن قلت: لِمَ أضاف (١) الرسل إلى نفسه سبحانه، حيث قال: ﴿رسلنا﴾ وأضاف الرسول إلى الأمة، حيث قال: ﴿رَسُولُهَا﴾؟
قلت: إن الإضافة تكون للملابسة، والرسول يلابس المرسل والمرسل إليه.
فالأول: كانت الإضافة فيه لتشريف الرسل.
والثانى: كانت الإضافة فيه إلى الأمة حيث كذبته، ولم ينجح فيهم إرساله
стр. 8327
إليهم، فناسبت الإضافة إليهم.
﴿فَبُعْدًا﴾؛ أي: ألزمنا بعدًا من الرحمة ﴿لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالله تعالى، ولا يصدقون رسوله، وبما جاء به أيًّا كانوا. فإن قلت: لم نكر (١) القوم هنا حيث قال: ﴿لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وعرفه فيما تقدم. حيث قال: ﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؟
قلت: نكره هنا؛ لأن القرون المذكورة هنا منكرة غير معينة، بخلاف ما تقدم، فإنه في حق قوم معين كما سبق، وفي الآية (٢) دلالة على أن عدم الإيمان سبب للهلاك والعذاب في النيران، كما أن التصديق مدار للنجاة والتنعم في الجنان.
قصة موسى وهارون ﵉
٤٥ - ﴿ثُمَّ﴾ بعد هؤلاء الرسل الذين تقدم ذكرهم ﴿أَرْسَلْنَا مُوسَى﴾ بن عمران ﴿وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ بن عمران، وكان أكبر من موسى بسنتين، حالة كونهما مؤيدين ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التسع من اليد والعصا والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ونقص الثمرات والطاعون، ولا مساغ لعد فلق البحر منها. إذ المراد الآيات التي كذبوها ﴿و﴾ مؤيدين بـ ﴿سُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بحجة واضحة ملزمة للخصم في الاستدلال على وجود الصانع وإثبات النبوة، وهي العصا، وخصصها بذكرها ثانيًا؛ لفضلها على سائر الآيات، باشتمالها على معجزات كثيرة، كانقلابها حية، وتلقفها ما أفكته السحرة، وانقلاب البحر، وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها إلى غير ذلك، ولأنها أول المعجزات وأمها اهـ. "بيضاوي". أو المراد بالسلطان نفس الآيات المذكورة، عبر عنها بسلطان على طريق العطف، تنبيهًا على جمعها لعنوانين جليلين، وتنزيلًا لتغايرها في التعبير والاسم منزلة التغاير الذاتي.
٤٦ - ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾؛ أي: أشراف قومه من القبط، وخصوا بالذكر؛ لأن
стр. 8328
إرسال بني إسرائيل بآرائهم، لا بآراء أعقابهم ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: فاستكبر فرعون وملؤه عن الإيمان والمتابعة لهما؛ أي: امتنعوا عن قبول الإيمان تكبّرًا وعنادًا، وأعظم الكبر أن يتهاون العبيد بآيات ربهم وبرسالاته بعد وضوحها، وانتفاء الشك عنها، ويتعظموا عن امتثالها وقبولها.
﴿وَكَانُوا﴾؛ أي: وكان فرعون وملؤه ﴿قَوْمًا عَالِينَ﴾؛ أي: متكبرين مجاوزين للحد في الكبر والطغيان؛ أي: كانوا قومًا عادتهم الاستكبار والتمرد، أو قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم.
والمعنى: أي ثم (١) أرسلنا بعد الرسل الذين تقدم ذكرهم من قبل موسى وأخاه هارون، إلى فرعون وأشراف قومه من القبط بالآيات والحجج الدامغة والبراهين القاطعة، فاستكبروا عن اتباعهما، والانقياد لما أمروا به .. ودعوا إليه من الإيمان, وترك تعذيب بني إسرائيل، كما جاء في سورة النازعات: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾. وقد كان من دأبهم العتو والبغي على الناس، وظلمهم كبرًا وعلوًا في الأرض.
٤٧ - ثم ذكر ما استتبعه هذا العتو والجبروت بقوله: ﴿فَقَالُوا﴾ عطف على استكبروا، وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار؛ أي: قال فرعون وملؤه فيما بينهم على طريق المناصحة ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ الهمزة فيه للإنكار بمعنى لا نؤمن، وما ينبغي أن يصدر منا الإيمان ﴿لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون موسى وهارون، وصف بالمثل الاثنان؛ لأنه في حكم المصدر العام للإفراد والتثنية والجمع المذكر والمؤنث، ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعنون بني إسرائيل ﴿لَنَا﴾ متعلقة بقوله: ﴿عَابِدُونَ﴾ قدمت عليه لرعاية الفاصلة، والجملة حال من فاعل نؤمن؛ أي: خادمون منقادون لنا كالعبيد، وكأنهم قصدوا بذلك التعرض لشأنهما، وحط رتبتهما العلية عن منصب الرسالة، من وجه آخر غير البشرية.
قال المبرد: العابد: المطيع الخاضع. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من
стр. 8329
دان لملك عابدًا له. وقيل: يحتمل أنه كان يدعي الألوهية، فدعى الناس إلى عبادته فأطاعوه.
أي: فقال فرعون وملؤه: كيف ندين لموسى وأخيه، وبنو إسرائيل قومهما خدمنا وعبيدنا يخضعون لنا، ويتلقون أوامرنا؛ وما قصدوا بهذا إلا الإهانة بهما. والحط من قدرهما، وبيان أن مثلهما غير جدير بمنصب الرسالة، وقد قاسوا الشرف الديني، والإمامة في تبليغ الوحي عن الله تعالى، بالرياسة الدنيوية المبنية على نيل الجاه والمال.
وهم في هذا أشبه بقريش، إذ قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ وقد فاتهم أن مدار أمر النبوة، والإصطفاء للرسالة، إنما هو السيق في الفضائل النفسية والصفات السنية، التي يتفضل الله بها على من يشاء من عباده، فالأنبياء لصفاء نفوسهم، يتصلون بالعالم العلوي وعالم المادة، فيتلقون الوحي من الملأ الأعلى، ويبلغونه إلى البشر، ولا يعوقهم التعلق بمصالح الخلق عن التبتل والانقطاع إلى حضرة الحق.
وإن تعجب من شيء، فاعجب لهؤلاء وأمثالهم، ممن لم يرض النبوة للبشر، كيف سوغت لهم أنفسهم ادعاء الألوهية للحجر ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
٤٨ - ثم ذكر سبحانه عاقبة أعمالهم وما آل إليه أمرهم فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾؛ أي (١): ناصر فرعون وملؤه على تكذيب موسى وهارون، واستمروا عليه ﴿فَكَانُوا﴾؛ أي: فصاروا ﴿مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق في بحر القلزم (البحر الأحمر)؛ أي: فأهلكهم الله تعالى بالغرق، كما أهلك من أهلكهم من الأمم بفنون من العذاب بتكذيبهم لرسلهم.
ثم ذكر ما أولاه موسى بعد هلاكهم من التشريف والتكريم،
٤٩ - فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد أعطينا ﴿مُوسَى﴾ بعد إهلاكهم وإنجاء بني
стр. 8330
إسرائيل من أيديهم ﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: التوراة، وفيها الأحكام من الأوامر والنواهي ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أي: لعل بني إسرائيل ﴿يَهْتَدُونَ﴾ إلى طريق الحق بالعمل بما فيها من الشرائع والأحكام.
وخص موسى (١) بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان هارون خليفته في قومه، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاءً لقومه؛ لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل: إن ثم مضافًا محذوفًا أقيم المضاف إليه مقامه؛ أي: آتينا قوم موسى الكتاب.
قصة عيسى ﵇ إجمالًا
٥٠ - ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ أي: عيسى ابن مريم آية للناس دالة على عظيم قدرتنا وبديع صنعنا، إذ خلقناه من غير أب، وأنطقناه في المهد، وأجرينا على يديه إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى ﴿و﴾ جعلنا ﴿أمه﴾ مريم بنت عمران ﴿آيَةً﴾ للناس دالة على قدرتنا، إذ حملته من غير أب؛ أي: جعلنا ابن مريم آية في نفسه، بأن تكلم في المهد، فظهرت منه معجزات جمة، وجعلنا أمه آية في نفسها، بأنها ولدته من غير مسيس بشر، فحذف الأولى لدلالة الثانية عليها، أو جعلناهما آية واحدة بولادته منها من غير مسيس بشر، فالآيتان أمر واحد.
قال في "العيون": ﴿آيَةً﴾؛ أي: عبرة لبني إسرائيل بعد موسى؛ لأن عيسى تكلم في المهد وأحيا الموتى ومريم ولدته من غير مسيس، وهما آيتان قطعًا، فيكون هذا من قبيل الاكتفاء بذكر إحداهما، انتهى.
وفي "الجلالين" وأفرد الآية حيث لم يقل: آيتين؛ لأن الآية فيهما واحدة ولادته من غير فحل وذلك لأن ولادته من غير فحل أمر خارق للعادة، وينسب لها وله. فيقال: ولدته من غير فحل، وولد هو من غير فحل. اهـ. "شيخنا"؛ أي: فاشتركا في هذا الأمر العجيب الخارق للعادة، وذلك؛ لأن نفس المعجز
стр. 8331
ظهر فيهما، لا أنه ظهر على يديهما؛ لأن الولادة فيه وفيها، بخلاف الآيات التي ظهرت على يده.
فإن قلت: لم قدم عيسى هنا على أمه حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾، وقدمها على عيسى في سورة الأنبياء حيث قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؟.
قلت: قدمه هنا نظرًا لأصالته فيما ذكر، من ولادته من غير أب، وقدمها هناك نظرًا لأصالتها فيما نسب إليها، من الإحصان والنفخ.
﴿وَآوَيْنَاهُمَا﴾؛ أي: جعلنا ابن مريم وأمه يأويان وينضمان ﴿إِلَى رَبْوَةٍ﴾؛ أي: إلى مكان مرتفع؛ أي (١): أنزلناهما في مكان مرتفع من الأرض، وجعلناه مأواهما ومنزلهما، وهي إيليا أرض بيت المقدس، فإنها مرتفعة، وإنها كبد الأرض، وأقربها إلى السماء، وأزيدها على سائر الأرض ارتفاعًا، بثمانية عشر ميلًا على ما يروى عن كعب وقتادة، وقال الإِمام السهيلي: أوت مريم بعيسى طفلًا إلى قرية من دمشق يقال لها: ناصرة وبناصرة تسمى النصارى، واشتق اسمهم منها. انتهى.
وقيل: هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. وقيل: أرض فلسطين، وبه قال السدي.
﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾؛ أي: ذات مستقر يستقر عليه ساكنوه؛ لكونها ذات ثمار وزروع، فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها، أو مستويةً يمكن القرار فيها للحراثة والحراسة.
﴿وَمَعِينٍ﴾؛ أي: ذات معين، أي: ماء جار على ظاهر الأرض. قال الزجاج (٢): المعين: هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة، كزيادتها في منبع، وقيل: هو فعيل بمعنى مفعول، قال علي بن سليمان الأخفش:
стр. 8332
معن الماء إذا جرى، فهو معين وممعون، وكذا قال ابن الأعرابي. وقيل: هو مأخوذ من الماعون، وهو النفع وبمثل ما قال الزجاج، قال الفراء.
والخلاصة: أي وجعلناهما ينزلان بمرتفع من الأرض، ذي ثمار وماء جار كثير. وفي وصف (١) ماء تلك الربوة بذلك، إيذان بكونه جامعًا لفنون المنافع، من الشرب وسقي ما يسقى من الحيوان، والنبات بغير كلفة، ومن التنزه بمنظره الحسن المعجب، ولولا أن يكون الماء البخاري، لكان السرور الأوفر فائتًا، وطيب المكان مفقودًا، ومن أحاديث المقاصد الحسنة ثلاث يجلون البصر: النظر إلى الخضرة، وإلى الماء البخاري، وإلى الوجه الحسن؛ أي: مما يحل النظر إليه، فإن النظر إلى الأمرد الصبيح ممنوع.
وقرأ الجمهور (٢) وابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: ﴿رَبْوَةٍ﴾ بضم الراء، وهي لغة قريش، وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعاصم وابن عامر بفتح الراء، وأبو إسحاق السبيعي بكسرها، وابن أبي إسحاق ﴿رباوة﴾ بضم الراء وبالألف، وزيد بن علي والأشهب العقيلي والفرزدق والسلمي في نقل صاحب "اللوامح" بفتحها وبالألف. وقرىء بكسرها والألف.
٥١ - وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ نداء (٣) وخطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على أن كلاً منهم، خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولًا أوليًا، فهذا حكاية لرسول الله ﷺ على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى ﵇، وأمه إلى الربوة إيذانًا بأن ترتيب مبادىء التنعم لم يكن من خصائصه ﵇، بل إباحة الطعام شرع قديم، جرى عليه جميع الرسل ﵈، ووصوا به؛ أي: وقلنا لكل رسول كُلْ من الطيبات، واعمل صالحًا، فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند
стр. 8333
الحكاية إجمالًا للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ما لا يخفى. اهـ. من "البيضاوي" و"أبي السعود".
ويعلم من قوله: فهذا حكاية لرسول الله ... إلخ، أن في الكلام حذفًا، تقديره: ونخبرك يا محمد، أنا أمرنا الرسل المتقدمين قبلك، وقلنا لهم: يا أيها الرسل ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾؛ أي: من الحلالات، سواء كانت مستلذة أو لا، وسواء كانت من المآكل والمشارب.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾؛ أي: عملًا صالحًا من الفرائض، والنوافل، فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم، وهذا الأمر للوجوب، بخلاف الأول فإنه للإرشاد.
فائدة (١): وفي هذا رد وهدم لما قالهُ بعض الجهلة، من أن العبد إذا بلغ غاية المحبة، وصفا قلبه، واختار الإيمان على الكفر من غير نفاق، سقطت عنه الأعمال الصالحة من العبادات الظاهرة، وتكون عبادته التفكر، وهذا كفر وضلال، فإن أكمل الناس في المحبة والإيمان هم الرسل، خصوصًا حبيب الله محمد ﷺ مع أن التكاليف بالأعمال الصالحة والعبادات في حقهم أتم وأكمل.
وذكر الطبري (٢): أن المراد بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ عيسى ابن مريم ﵇، كما تقول في الكلام للرجل الواحد: كفوا عنا أذاكم وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ والمراد بالناس رجل واحد، وقال القرطبي (٣): قال بعض العلماء: والخطاب في هذه الآية للنبي ﷺ ، وأنه أقامه مقام الرسل، وقال الزجاج: هذه مخاطبة للنبي ﷺ ، ودل الجمع على أن الرسل كلهم كذا أمروا؛ أي: كلوا من الحلال. وقال ابن كثير (٤): يأمر الله عباده المرسلين عليهم الصلاة والسلام أجمعين بالأكل من الحلال، والقيام بالصالح من الأعمال، فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح، فقام الأنبياء ﵈ بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالةً ونصحًا.
стр. 8334
فجزاهم الله عن العباد خيرًا. اهـ.
وحاصل معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ أن الله سبحانه (١) أمر كل نبي في زمانه، بأن يأكل من المال الحلال ما لذّ وطاب، وأن يعمل صالح الأعمال ليكون ذلك كفاء من أنعم به عليه من النعم الظاهرة والباطنة.
وهذا الأمر، وإن كان موجهًا إلى الأنبياء فإن أممهم تبع لهم، وكأنه يقول لنا: أيها المسلمون في جميع الأقطار، كلوا من الطيبات؛ أي: من الحلال الصافي القوام، الحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما لا ينسى الله فيه، والقوام ما يمسك النفس، ويحفظ العقل، واعملوا صالح الأعمال.
أخرج أحمد وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس ﵂ أنها بعثت إلى النبي ﷺ ، بقدح لبن حين فطره وهو صائم فرد إليها رسولها، وقال: "من أين لك هذا؟ " فقالت: من شاة لي، ثم رده وقال: "من أين هذه الشاة؟ " فقالت: اشتريتها بمالي فأخذه، فلما كان من الغد أمته، وقالت: يا رسول الله، لم رددت اللبن؟ فقال ﷺ : "أمرت الرسل أن لا يأكلوا إلا طيبًا، ولا يعملوا إلا صالحًا".
وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أيها الناس إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذى بالحرام، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، فأنى يستجاب له؟ ".
وفي تقديم أكل الطيبات على العمل الصالح إيماء إلى أن العمل الصالح لا
стр. 8335
يتقبل، إلا إذا سبق بأكل المال الحلال، وجاء في بعض الأخبار، "أن الله تعالى لا يقبل عبادة من في جوفه لقمة من حرام". وصح أيضًا "أيّما لحم نبت من سحت، فالنار أولى به". ثم علل هذا الأمر بقوله سبحانه: ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الظاهرة والباطنة ﴿عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم عليه؛ أي: إني بأعمالكم عليم، لا يخفى عليَّ شيء منها، وأنا مجازيكم بجميعها وموفيكم أجوركم وثوابكم عليها، فخذوا في صالح الأعمال، واجتهدوا قدر طاقتكم فيها، شكرًا لربكم على ما أنعم به عليكم.
وفي هذا (١) تحذير من مخالفتهم ما أمروا به، وإذا قيل للأنبياء ذلك، فما أجدر أممهم أن تأخذ حذرها وترعوي عن غيها، وتخشى بأس الله تعالى، وشديد عقابه، وأتى هنا بلفظ ﴿عَلِيمٌ﴾ وفي سبأ بلفظ ﴿بصير﴾ إذ ما هنا تقدمه إيتاء الكتاب وجعل مريم وابنها آية والعلم بهما، أنسب من بصرهما، وما هناك تقدمه قوله: (وألنا له الحديد)، والبصر بإلانة الحديد أنسب من العلم بها. اهـ زكريا.
٥٢ - ﴿و﴾ أقول لكم أيها الرسل: ﴿إن هذه﴾ هذه العقائد التي هي عقائد التوحيد والإيمان ﴿أُمَّتُكُمْ﴾؛ أي: ملتكم ودينكم جميعًا ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. حال من ﴿هذه﴾؛ أي: حالة كونها ملة وشريعة متحدة في أصول الشرائع التي لا تتبدل، ولا تتغير بتبدل الأعصار والأزمان، وتلك الملة المتحدة هي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأما اختلاف الشرائع والأحكام بحسب اختلاف الأزمان والأحوال، لا يسمى اختلافًا في الدين؛ لأن الأصول متحدة، فالحائض والطاهر من النساء دينها واحد، وإن افترق تكليفهما.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ﴾ ومالككم لا شريك لـ في الربوبية، ﴿فَاتَّقُونِ﴾؛ أي: فاحذروا عقابي وخافوا عذابي، وفي هذا إيماء إلى أن دين الجميع واحد، فيما يتصل لمعرفة الله تعالى واتقاء معاصيه. والفاء في قوله: ﴿فَاتَّقُونِ﴾ فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت. عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أنني أنا ربكم