أيها المؤمنون شرائع دينكم وأحكامه، والله عليم بما يصلح أحوال عباده. حكيم في تدبير أمورهم، فيشرع لهم ما يصلح أحوالهم في المعاش والمعاد.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ترك الناس ثلاث آيات، فلم يعملوا بهن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. وقوله في النساء: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية. وقوله في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
وعن عكرمة عن ابن عباس، أن رجلين من أهل العراق، سألاه عن الاستئذان في العورات الثلاث، التي أمر الله بها في القرآن، فقال: إن الله ستير يحب الستر، كأن الناس ليس لهم ستور على أبوابهم. وحجال في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه، أو ولده، أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات، ثم بسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأوا أن ذلك قد كفاهم، من الاستئذان الذي أمروا به.
ففيه (١) دليل على أن الحكم إذا ثبت لمعنى، فإذا زال المعنى، زال الحكم، فالتبسط في اللباس والمعاش والسكنى، ونحوها مرخص فيه، إذا لم يؤد إلى كبر واغترار. قال عمر ﵁: إذا وسع الله عليكم، فوسعوا على أنفسكم. ويقال: اليسار مفسدة للنساء، لاستيلاء شهواتهن على عقولهن. وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". يعني: إذا أتى الله عبده نعمته من نعم الدنيا، فليظهرها من نفسه، وليلبس ثيابًا نظيفةً، يليق بحاله، ولتكن نيته في لبسه إظهار نعمة الله عليه، ليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات، وليس لبس الخلق مع اليسار من التواضع.
وفي الآية رخصة في اتخاذ العبيد والإماء للخدمة، لمن قام بحقهم. وبيان أن حق الموالي عليهم الخدمة. ودلت الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع. وينهي عن ارتكاب القبائح، فإنه تعالى أمرهم بالاستئذان في
стр. 8682
الأوقات المذكورة. وفي الحديث: "مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركلها وهم أبناء عشر". وإنما يؤمر بذلك ليعتاده، ويسهل عليه بعد البلوغ، ولذا كره إلباسه ذهبًا أو حريرًا لئلا يعتاده، والإثم على الملبس، كما في "القهستاني".
وقال ابن مسعود ﵁ إذا بلغ الصبي عشر سنين، كتبت له حسناته، ولم تكتب سيئاته، حتى يحتلم. قال في الأشباه، وتصح عبادة الصبي، وإن لم تجب عليه، واختلفوا في ثوابها. والمعتمد أنه له، وللمعلم ثواب التعليم. وكذا جميع حسناته، وليس كالبالغ في النظر إلى الأجنبية، والخلوة بها. فيجوز له الدخول على النساء إلى خمس عشرة سنة. كما في "الملتقط"، فإن قلت: كيف أمر الله تعالى بالاستئذان لهم، مع أنهم غير مكلفين؟ قلت: الأمر في الحقيقة لأوليائهم ليؤدبوهم. كذا في "فتح الرحمن".
٥٩ - ولما بين الله سبحانه حكم الأرقاء والصبيان، الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خير .. أتبعه بحكم البالغين الأحرار بقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾ الأحرار الأجانب (١)، فخرج العبد البالغ، فإنه لا يستأذن في الدخول على سيدته في غير الأوقات الثلاثة المذكورة كما قال في التتمة: يدخل العبد على سيدته بلا إذنها بالإجماع. ﴿مِنْكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْحُلُمَ﴾؛ أي: سن الاحتلام والبلوغ. ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أي: فليطلبوا الإذن في الدخول عليكم إن أرادوا الدخول. ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ﴾ بلغوا الحلم ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كما يستأذن الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية. فالمعنى: فليستأذنوا استئذانًا كائنًا مثل استئذان المذكورين قبلهم، بأن يستأذنوا في جميع الأوقات، ويرجعوا إن قيل لهم: ارجعوا.
والمعنى: إن (٢) هؤلاء الذين بلغوا الحلم، يستأذنون في جميع الأوقات، في أوقات العورات الثلاث وفي غيرها. كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار،
стр. 8683
الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء.
وذكر الله (١) سبحانه في هذه الآية حكم الأطفال إذا بلغوا, ولم يذكر حكم ما ملكت أيماننا، مع أن ما قبلها فيه ذكر المماليك والأطفال؛ لأن حكم ما ملكت اليمين واحد، كبارهم وصغارهم، وهو الاستئذان في الساعات الثلاث التي ذكرت في الآية قبل فقط. وقرأ الحسن ﴿الحلْم﴾ بسكون اللام فحذف الضمة لثقلها. كما مر.
ثم أكد نعمه عليهم ببيان أحكام دينهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين لكم ما ذكر غاية البيان ﴿يُبَيِّنُ﴾ الله ﴿لَكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾؛ أي: آيات أحكامه مما فيه سعادتكم في دنياكم وآخرتكم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ظواهرها وبواطنها، فيجازيهم عليها. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره وشرعه لهم. كرره للتأكيد والمبالغة في الأمر بالاستئذان.
فائدة: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ الآية. ختم (٢) هذه الآية بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ بالإضافة إلى ضميره. وختم ما قبلها وما بعدها بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ بالتعريف بأل، فما الفرق بينها، وبينهما؟
قلت: الفرق أن ما قبلها وما بعدها يشتملان على علامات يمكننا الوقوف عليها. وهي في الأولى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ وفي الأخيرة: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ الآية. فختم الآيتين بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ وأما بلوغ الأطفال، فلم يذكر له علامات يمكننا الوقوف عليها، بل تفرد تعالى بعلمه بذلك، فخصها بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ بالإضافة إليه. اهـ. "فتح الرحمن".
٦٠ - ولما بين سبحانه، حكم الحجاب، حين إقبال الشباب، أتبعه بحكمه حين إدباره، فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ مبتدأ. جمع قاعد بلا هاء، ليدل حذفها على أنه قعود
стр. 8684
الكبر لا قعود الجلوس. كما قالوا: امرأة حامل، ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل، لا حمل متاع. ويقال: قاعدة في بيتها بمعنى جالسة في بيتها، وحاملة على ظهرها. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ حال من الضمير المستكن في القواعد؛ أي: والعجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل حالة كونهن من النساء ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ وزواجًا، صفة للقواعد لا للنساء؛ أي: لا يطمعن في النكاح لكبرهن، فاعتبر فيهن القعود عن الحيض والحمل والكبر أيضًا؛ لأنه ربما ينقطع الحيض والرغبة فيهن باقية. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ الجملة خبر المبتدأ؛ أي: فليس عليهن إثم ووبال في ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ وينزعن ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾؛ أي: الثياب الظاهرة كالجلباب والإزار فوق الثياب، والقناع فوق الخمار عند الرجال الأجانب، لا الثياب التي على العورة الخاصة. وإنما جاز لهن ذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم يبحه لغيرهن تخفيفًا عليهن.
ثم استثنى حالةً من حالاتهن. فقال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ حال من فاعل يضعن؛ أي: حالة كونهن غير مظهرات للزينة الخفية، التي أمرن بإخفائها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ﴾ كالسوار والخلخال والقلادة.
والمعنى (١): من غير أن يردن بوضع الجلابيب إظهار زينتهن، ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال. والتبرج التكشف والظهور للعيون. ومنه بروج مشيدة، وبروج السماء. ومنه قولهم سفينة بارجة؛ أي: لا غطاء عليها.
وقال في "فتح الرحمن"، فإن قلت: كيف أباح تعالى بذلك للقواعد من النساء، وهن العجائز، التجرد من الثياب بحضرة الرجال؟
قلت: المراد بالثياب الزائدة على ما يسترهن.
والمعنى: أي (٢) والنساء اللواتي قعدن عن الولد كبرًا، وقد يئسن من التبعل، فلا يطمعن في الأزواج، فليس عليهن إثم، ولا حرج في أن يخلعن
стр. 8685
ثيابهن الظاهرة، كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار، إذا كن لا يبدين زينة خفية، كشعر ونحر وساق لدى المحارم وغير المحارم من الغرباء.
وخلاصة ذلك: أنه لا جناح على القواعد من النساء أن يجلسن في بيوتهن بدرع وخمار ويضعن الجلباب، ما لم يقصدن بذلك الزينة، وإظهار ما يجب إخفاؤه. هذا إذا لم يكن فيهن بقية من جمالٍ تورث الشهوة، فإن كان فيهن ذلك، فلا يدخلن أى حكم الآية.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي؛ وإن يطلبن العفة بترك وضع الثياب. وهو مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ من وضعها لبعده من التهمة؛ أي: استعفافهن بعدم إلقاء الجلباب خير لهن من الإلقاء؛ أي: وإن تعففن عن وضع جلابيبهن وأرديتهن، فلبسها كالشباب، كان ذلك خيرًا لهن من خلعها ,لتباعدهن حينئذٍ عن التهمة. ولقد قالوا: لكل ساقطة في الحي لاقطة.
وقرأ ابن مسعود (١): ﴿وأن يعففن﴾ بغير سين. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه (٢) الآية دلالة، على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال. وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابة.
ثم توعد من يخالف تلك الأوامر فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ بما يجري بينهن وبين الرجال من الأحاديث والمقاولات ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهن، لا تخفى عليه خافية من أمرهن، فاحذروا أن يسول لكم الشيطان مخالفة ما به أمر، وعنه نهى، فهو سبحانه سميع لما يقوله كل قائل، عليم بمقاصده. فيجازي كلا على عمله الظاهر والباطن، وفي ذكر هاتين الصفتين توعد وتحذير.
واعلم: أن العجوز (٣) إذا كانت بحيث لا تشتهى جاز النظر إليها لا من الشهوة. وفيه إشارة إلى أن الأمور إذا خرجت عن معرض الفتنة، وسكنت نائرة الآفات سهل الأمر، وارتفعت الصعوبة، وأبيحت الرخص، ولكن التقوى فوق
стр. 8686
أمر الفتوى. كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾
وفي الحديث: "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به، حذرًا مما به بأس". قال ابن سيرين: ما غشيت امرأة قط، لا في يقظة ولا في نوم، غير أم عبد الله. وإني لأرى المرأة في المنام، فاعلم أنها لا تحل لي، فأصرف بصري. قال بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.
واعلم: أن عدم رجاء النكاح إنما هو من طرف الرجل لا من طرف العجوز غالبًا، فإنه حكي أن عجوزًا مرضت، فأتى ابنها بطبيب، فرآها متزينة بأثواب مصبوغة فعرف حالها, فقال: ما أحوجها إلى الزوج. فقال الابن: ما للعجائز والأزواج. فقالت: ويحك أنت أعرف من الطبيب.
وحكي: أنه لما مات زوج رابعة العدوية، استأذن عليها الحسن البصري وأصحابه، فأذنت لهم بالدخول عليها، وأرخت سترًا، وجلست وراء الستر. فقال لها الحسن وأصحابه: إنه قد مات بعلك ولا بد لك منه. قالت: نعم وكرامةً. قالت: من أعلمكم حتى أزوِّجه نفسي، فقالوا: الحسن البصري. فقالت: إن أجبتني في أربع مسائل فأنا لك. فقال: سلي إن وفقني الله أجبتك. فقالت: ما تقول: لو مت أنا وخرجت من الدنيا، مت على الإيمان أم لا؟ قال: هذا غيب لا يعلمه إلا الله. ثم قالت: ما تقول: لو وضعت في القبر وسألني منكر ونكير أأقدر على جوابهما أم لا. قال: هذا غيب أيضًا. ثم قالت: إذا حشر الناس يوم القيامة وتطايرت الكتب أأعطى كتابي بيميني أم بشمالي. قال: هذا غيب أيضًا. ثم قالت: إذا نودي في الخلق: فريق أى الجنة، وفريق أى السعير، كنت أنا من أي الفريقين؟ قال: هذا غيب أيضًا. قالت: من كان ليس له علم هذه الأربعة، كيف يشتغل بالتزوج. ثم قالت: يا حسن أخبرني كم خلق الله العقل؛ قال: عشرة أجزاء تسعة للرجال وواحد للنساء. ثم قالت: يا حسن كم خلق الله الشهوة. قال: عشرة أجزاء، تسعة للنساء وواحد للرجال. قالت: يا حسن أنا أقدر على حفظ تسعة أجزاء من الشهوة بجزء من العقل. وأنت لا تقدر على حفظ جزء من الشهوة بتسعة أجزاء من العقل. فبكى الحسن وخرج من عندها.
стр. 8687
وعن سليمان بن داود ﵉، الغالب على شهوته أشد من الذي يفتح المدينة وحده.
٦١ - ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى﴾ أي: على فاقد البصر ﴿حَرَجٌ﴾ أي: إثم ووبال ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ﴾ وهو من كان في رجله اعوجاج يمنعه من الاعتدال في المشي، أو من الاستواء في الجلوس. ﴿حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ أي: على من به آفة؛ أي: ليس (١) على هؤلاء الثلاثة حرج في مؤاكلتهم مع الأصحاء، كانت هذه الطوائف يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذرًا من استقذارهم إياهم، وخوفًا من تأذيهم بأفعالهم وأوضاعهم. فإن الأعمى ربما سبقت إليه عين مؤاكلة ولا يشعر به. والأعرج يتفسح في مجلسه، فيأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه. والمريض لا يخلو عن حالة تؤذي قرينه؛ أي: برائحة كريهة أو جرح يبدو، أو أنف يسيل، أو نحو ذلك. فأنزل الله ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلخ؛ أي: لا بأس لهم بأن يأكلوا مع الناس ولا مأثم عليهم. وعلى هذا التأويل فـ (على) على معناها.
وقال ابن (٢) عباس، لما أنزل الله سبحانه قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج، وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله عن أكل الأموال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب، والأعرج لا يتمكن من الجلوس، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض يضعف عن التناول، فلا يستوفي من الطعام حقه. فأنزل الله هذه الآية.
فعلى هذا التأويل يكون (على) بمعنى في، أي: ليس في الأعمى. والمعنى: ليس عليكم أى مؤاكلة الأعمى والمريض والأعرج حرج.
وقيل: نزلت ترخيصًا لهؤلاء، أى الأكل من بيوت من سماهم في باقي الآية. وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل في طلب الطعام فإذا لم يكن
стр. 8688
عنده شيء، ذهب بهم إلى بيت أبيه أو بيت أمه، أو بعض من سمى الله تعالى. فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: كان المسلمون إذا غزوا دفعوا مفاتيح بيوتهم إلى الزمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون: لا ندخلها وأصحابها غيب. فأنزل الله تعالى هذه الآية رخصة لهم.
وقيل: نزلت رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد، فعلى هذا التأويل، تم الكلام عند قوله: ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾
وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ كلام مستأنف.
والحاصل (١): أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض، إن كان باعتبار مؤاكلة الأصحاء، أو دخول بيوتهم .. فيكون ﴿وَلَا عَلَى﴾ متصلًا بما قبله، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف، التي يشترط فيها وجود البصر،
وعدم العرج وعدم المرض .. فقوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ ابتداء كلام، غير متصل بما قبله.
قيل: لما نزلت: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ قالوا لا يحل لأحد منا، أن يأكل عند أحد، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوت أولادكم وعيالكم وأزواجكم بغير إذن بالعدل، فالكلام على حذف (٢) مضاف وإلا فانتفاء الحرج عن أكل الإنسان من بيت نفسه معلوم، فلا حاجة إلى بيانه؛ لأن بيت ولده أو زوجته كبيته، فنسبه إليه لما جاء في الحديث من قوله ﷺ : "أنت ومالك لأبيك". وقوله ﷺ : "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه، وإن ولده من كسبه" فلذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد، وذكر بيوت الآباء وبيوت الأمهات، ومن بعدهم. وقيل (٣): إنما ذكره مع كونه معلومًا، ليعطف عليه ما بعده في اللفظ، وليساويه في الحكم.
стр. 8689
﴿أَوْ﴾ تأكلوا من ﴿بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ وإن علوا، جمع أب. والأب الوالد؛ أي (١): حيوان يتولد من نطفته حيوان آخر. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وإن علون. جمع أم زيدت الهاء فيه كما زيدت في أهراق من أراق. والأم بإزاء الأب؛ أي: الوالدة. وقرأ طلحة: ﴿إمهاتكم﴾ بكسر الهمزة. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ جمع أخ. والأخ: هو المشارك لآخر في الولادة من الطرفين، أو من أحدهما، أو من الرضاع، ويستعار لكل مشارك لغيره في القبيلة، أو في الدين، أو في صنعة، أو في معاملة، أو في مودة أو في غير ذلك من المناسبات. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ﴾ جمع أخت. والأخت تأنيث الأخ. وجعل التاء فيها كالعوض عن المحذوف منه. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ﴾ جمع عم. والعم أخ الأب، والعمة أخته. وأصل ذلك من العموم، وهو الشمول ومنه العامة لكثرتهم، وعمومهم في البلد، ومنه العمامة أيضًا لشمولها الرأس. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ﴾ مع عمة. وهي أخت الأب كما مر آنفًا. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ﴾ جمع خال. والخال أخو الأم. والخالة أختها. ﴿أَوْ﴾ من ﴿بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ جمع خالة. وإنما نفى (٢) سبحانه الحرج في الأكل من بيوت هؤلاء المذكورين، لما علم بالعادة، أن هؤلاء تطيب نفوسهم بأكل من يدخل عليهم من الأقارب.
وقيد بعض العلماء (٣)، جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم، وقال آخرون: لا يشترط الإذن. قيل: وهذا إذا كان الطعام مبذولًا، فإن كان محرزًا دونهم لم يجز لهم أكله.
ثم قال سبحانه: ﴿أَوْ﴾ أن تأكلوا من ﴿مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ أي: أو من البيوت التي تملكون التصرت فيها بإذن أربابها، وذلك كالوكلاء والعبيد والخزان، فإنهم يملكون التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته، بإعطائهم مفاتحه.
стр. 8690
وقال بعضهم (١): هو ما يكون تحت أيديهم، وتصرفهم من ضيعة، أو ماشية وكالةً أو حفظًا، فملك المفاتح حينئذٍ كناية عن كون المال في يد الرجل، وحفظه.
والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من أموال لكم عليها يد، لكن لا من أعيانها، بل من أتباعها وغلاتها، كثمر البستان، ولبن الماشية، فلا حرج على وكيل الرجل، وقيمه في ضيعته وماشيته، أن يأكل من ثمر الضيعة ويشرب من لبن الماشية، ولكن لا يحمل ولا يدخر. وهذا إذ لم يجعل له أجرًا على ذلك، فإن جعل له أجرًا فلا يحل له أكل شيء منها.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿ملكتم﴾ بفتح الميم واللام خفيفة. وقرأ ابن جبير: بضم الميم وكسر اللام مشددة. وقرأ الجمهور ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مفتح. وابن جبير: ﴿مفاتيحه﴾ جمع مفتاح. وقتادة وهارون عن أبي عمرو: مفتاحه مفردًا.
﴿أَوْ﴾ من بيوت ﴿صَدِيقِكُمْ﴾ قرىء بكسر الصاد اتباعًا لحركة الدال، حكاه حميد الخزاز. والصديق يكون للواحد والجمع. والصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، كما سيأتي في مبحث اللغة. والمعنى: أو من بيوت أصدقائكم، الذين يصدقونكم المودة، وتصدقونهم، وإن لم يكن بينكم وبينهم قرابة نسبية، فإنهم أرضى بالتبسط، وأسر به من كثير من الأقرباء. هذا إذا علم رضاهم بذلك بالإذن، أو بشاهد الحال، ولا فرق بينهم وبين غيرهم، إذا وجد الإذن صراحةً.
وعن الحسن، أنه دخل يومًا بيته، فرأى جماعة من أصدقائه، قد أخذوا طعامًا من تحت سريره، وهم يأكلون فتهلل وجهه سرورًا، وقال: هكذا وجدناهم، يعني: من لقي من البدريين.
وعن جعفر الصادق، من عظم حرمة الصديق، أن جعله الله تعالى من الإنس والثقة والانبساط، ورفع الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ. وقيل: لأفلاطون من أحب إليك أخوك أو صديقك؟ فقال: لا أحب أخي إلا إذا كان صديقي، ولكن أنى هو، فقد أثر عن هشام بن عبد الملك أنه قال: نلت ما نلت
стр. 8691
حتى الخلافة وأعوزني صديق لا أحتشم منه.
قال المفسرون (١): هذا كله إذا علم رضا صاحبك بصريح الإذن، أو بقرينة دالة كالقرابة والصداقة ونحو ذلك. ولذلك خص هؤلاء بالذكر لاعتيادهم التبسط فيما بينهم. والمعنى: ليس عليكم جناح، في أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها، وان لم يحضروا ويعلموا من غير أن تتزودوا وتحملوا.
قال الإِمام الواحدي في "الوسيط": وهذه الرخصة في أكل مال القرابات، وهم لا يعلمون ذلك كرخصته لمن دخل حائطًا، وهو جائع أن يصيب من ثمره، أو مر في سفر بغنم، وهو عطشان أن يشرب من رسلها توسعةً منه تعالى، ولطفًا بعباده، ورغبةً بهم عن دناءة الأخلاق وضيق النظر.
وإنما خص هؤلاء بالذكر لأنهم اعتادوا التبسط بينهم، والرضا فيهم محقق غالبًا. والمقصود من هذه الآية، إثبات الإباحة في الجملة، لا إثبات الإباحة في جميع الأوقات.
قال ابن زيد (٢): وهذا شيء قد إنقطع، إنما كان في أوله، ولم يكن لهم ستور أبواب، أو كانت الستور مرخاة فربما دخل الرجل البيت، وليس فيه أحد، وربما وجد الطعام وهو جائع، فسوغ له أن يأكل منه. ثم قال: ذهب ذلك اليوم، البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا. اهـ.
ثم استأنف سبحانه، حكمًا آخر من نوع ما قبله، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿جُنَاحٌ﴾؛ أي: ماثم في ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾ من بيوتكم حال كونكم ﴿جميعًا﴾؛ أي: مجتمعين ﴿أَوْ﴾ حال كونكم ﴿أَشْتَاتًا﴾ أي: متفرقين، جمع شت، بمعنى: متفرق على أنه صفة، كالحق، أو بمعنى تفرق على أنه مصدر، وصف به مبالغةً، وأما شتى فجمع شتيت، كمرضى ومريض؛ أي: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من بيوتكم، مجتمعين أو متفرقين. وقد كان بعض العرب، يتحرج أن يأكل وحده، حتى يجد له أكيلًا يؤاكله فيأكل معه. وبعض العرب،
стр. 8692
كان لا يأكل إلا مع ضيف، ومنه قول حاتم:
إِذَا مَا صَنَعْتِ الزَّادَ فَالْتَمِسِيْ لَهُ ... أَكِيْلًا فَإِنِّي لَسْتُ آكُلُهُ وَحْدِيْ
وفي الحديث: "شر الناس من أكل وحده، وضرب عبده ومنع رفده". وإنما ذم هذا؛ لأنه بخل بالقرى. وقال أكثر المفسرين: نزلت في بني ليث بن عمرو، وهم حي من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده، ويمكث يومه حتى يجد ضيفًا يأكل معه، فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئًا، وربما قعد الرجل والطعام بين يديه، لا يتناوله من الصباح إلى الرواح. وربما كان معه الإبل الحفل، فلا يشرب من ألبانها، حتى يجد من يشاربه، فإذا أمسى ولم يجد أحدًا أكل. فاعلم الله أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه. هذا قول ابن عباس.
وقيل: نزلت في قوم من الأنصار، كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم. فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاؤوا، جميعًا؛ أي: مجتمعين، أو أشتاتًا؛ أي: متفرقين. قال النسفي ﵀، دل قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ على جواز التناهد في الأسفار، وهو إخراج كل واحد من الرفقة نفقة على قدر نفقة صاحبه؛ أي: على السوية. وقال بعضهم: في خلط المال ثم أكل الكل منه والأولى أن يستحل كل منهم غذاء كل، أو يتبرعون لأمين، ثم يتبرع لهم الأمين، اهـ. "من الروح".
ثم شرع سبحانه، يبين ما ينبغي رعايته، حين دخول البيت، بعد أن ذكر الرخصة فيه، فقال: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ أي: فإذا دخلتم، أيها المؤمنون بيوتًا، من البيوت المذكورة، أو غيرها، مسكونة كانت، أو غير مسكونة ولو مسجدًا.
﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: فابدأوا (١) بالسلام على أهلها، الذين هم بمنزلة أنفسكم، لما بينكم وبينهم من القرابة الدينية، والنسبية الموجبة لذلك، فالله تعالى، جعل أنفس المسلمين، كالنفس الواحدة، على حد قوله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 8693
تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقيل: معنى فسلموا على أنفسكم؛ أي: قولوا: السلام؛ أي: من الله علينا، وعلى عباد الله الصالحين. فإن الملائكة ترد عليهم، إن لم يكن بها أحد، وإلا فقولوا السلام عليكم. وقال ابن عباس: إن لم يكن في البيت أحد، فليقل السلام علينا من ربنا، وعلى عباد الله الصالحين. وإذا دخل المسجد، فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا.
وقال قتادة: إذا دخلت بيتك، فسلم على أهلك، فهم أحق بالسلام ممن سلمت عليهم، وإذا دخلت بيتًا لا أحد فيه، فقل السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه. وقال القفال: وإن كان في البيت أهل الذمة، فليقل السلام على من اتبع الهدى.
واختلفوا في البيوت (١). فقيل: المراد غير البيوت التي تقدم ذكرها. وقيل: المراد البيوت المذكورة سابقًا. وعلى القول الأول فقال الحسن والنخعي: هي المساجد وقيل: المراد بالبيوت هنا، هي كل البيوت المسكونة وغيرها، المساجد وغيرها. فيسلم على أهل المسكونة. وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه. قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح.
وانتصاب ﴿تَحِيَّةً﴾ على المصدرية المعنوية بسلموا؛ لأنه بمعنى التسليم؛ أي: سلموا تسليمًا وتحية. ثابتةً ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: بأمره مشروعةً من لدنه. ويجوز (٢) أن يكون صلة تحية، فإنها طلب الحياة التي من عنده تعالى. والتسليم طلب السلامة من الله للمسلم عليه. ﴿مُبَارَكَةً﴾ أي: مستتبعة بزيادة الخير والثواب ودوامها. ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: تطيب بها نفس المستمع.
والمعنى (٣): حيوا تحية ثابتة بأمره تعالى، مشروعة من لدنه، يرجى بها زيادة الخير والثواب، ويطيب بها قلب المستمع. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: إذا دخلت على أهلك، فسلم عليهم تحية من عند الله، مباركة
стр. 8694
طيبة. أخرجه الجاري وغيره.
روى الحافظ أبو بكر البزار عن أنس قال: أوصاني النبي ﷺ بخمس خصال. قال: "يا أنس، أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت - يعني بيتك - فسلم على أهلك، يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة".
والإشارة في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إلى مصدر الفعل الذي يذكر بعده؛ أي: مثل ذلك التبيين الذي بيناه في هذه الآية ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ ﴿لَكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾ الدالة على الأحكام؛ أي: ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها ﴿لعلكم﴾؛ أي: لكي تفهموا ما في تضاعيفها من الشرائع والأحكام والآداب، وتعلموا بموجبها، وتفوزوا بذلك سعادة الدارين، فهو تأكيد لما قبله.
والمعنى (١): هكذا يفصل الله لكم معالم دينكم، كما فصل لكم في هذه الآية ما أحل لكم فيها، عرفكم سبيل الدخول على من تدخلون عليه، لكي تفقهوا أمره ونهيه وأدبه، وبذا تفوزون سعادة الدارين، ويكون لكم المقام المحمود عند ربكم.
وفي الحديث: "إذا دخلتم بيوتكم، فسلموا على أهلها، وإذا طعم أحدكم طعامًا، فليذكر اسم الله عليه، فإن الشيطان إذا سلم أحدكم لم يدخل بيته معه، وإذا ذكر الله على طعامه، قال: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإن لم يسلم حين يدخل بيته، ولم يذكر الله على طعامه، قال: أدركتم العشاء والمبيت".
والتسليم (٢) على الصبيان العقلاء أفضل من تركه، كما في "البستان". ولا يسلم على جماعة النساء الشواب، كيلا يحصل بينهما معرفة، وانبساط، فيحدث من تلك المعرفة فتنة، ولا يبتدىء اليهود والنصارى بالسلام، فإنه حرام. لأنه إعزاز الكافر وذا لا يجوز. وكذا السلام على أهل البدعة والفسقة، ولو سلم على من لا يعرفه فظهر ذميًا، أو مبتدعًا أو فاسقًا، يقول: استرجعت سلامي تحقيرًا
стр. 8695
له، ولو احتاج إلى سلام أهل الكتاب يقول: السلام على من أَتبع الهدى، ولو رد يقول: وعليكم فقط. وقد مر ما يتعلق بالسلام، مشبعًا في سورة النساء، عند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّة﴾ الآية. فراجعه.
٦٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ نزلت حين جمع النبي ﵇ المسلمين يوم الجمعة، ليستشيرهم في أمر الغزو، وكان يثقل المقام عنده على البعض، فيخرج بغير إذنه، أو في حفر الخندق، وكان المنافقون ينصرفون بغير أمر رسول الله ﷺ ، وكان الحفر من أهم الأمور، حتى حفر رسول الله بنفسه، وشغل عن أربع صلوات، حتى دخلت في حد القضاء، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: الكاملون في الإيمان وهو مبتدأ خبره قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ عن صميم قلوبهم، وأطاعوهما في جميع الأحكام في السر والعلانية. ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ ﷺ ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ إلى آخره. معطوف على آمنوا، داخل معه في حيز الصلة؛ أي: على أمر مهم يجب اجتماعهم في شأنه كالجمعة والأعياد، والحروب والمشاورة في الأمور، وصلاة الاستسقاء وغيرها من الأمور الداعية إلى الاجتماع. ووصف الأمر بالجمع للمبالغة، في كونه سببًا لاجتماع الناس، فإن الأمر لكونه مهمًا عظيم الشأن، صار كأنه قد جمع الناس، فهو من قبيل إسناد الفعل إلى السبب؛ أي: والذين إذا كانوا معه على أمر جامع ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ من المجمع. ولم يفترقوا عنه لعروض عذر تجوز معه الإقامة في المسجد، كالزكام والصداع، فإن كان العذر يمنع المكث في المسجد، كالحيض والجنابة والإسهال، فإنهم لا يحتاجون إلى الاستئذان من النبي ﷺ ، بل هم مأذون لهم شرعًا اهـ. "شيخنا".
﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ﷺ في الذهاب فيأذن لهم، واعتبر في كمال الإيمان عدم الذهاب قبل الاستئذان؛ لأنه المميز للمخلص من المنافق. وقرأ اليماني (على أمر جميع).
والحال: أن الأمر الجامع، أو الجميع هو الذي يعم نفعه، أو ضرره. وهو الأمر الجليل الذي يحتاج إلى اجتماع أهل الرأي والتجارب. قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإِمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن.
стр. 8696
ثم قال: لمزيد التأكيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾؛ أي: يطلبون الاذن منك، رعاية للأدب، وتعظيمًا لهذا الأمر. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ حق الإيمان لا غير المستأذنين، وهذا أدب على نهج سابقه، فكما أرشدهم من قبل إلى الاستئذان، حين الدخول، أمرهم بالاستئذان حين الانصراف، ولا سيما إذا كانوا في أمر جامع. روى الترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فليسلم، فإذا أراد أن يقوم، فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة".
ولما ذكر ما يلزم المؤمن، من الاستئذان، أعقبه بما يفعله الرسول حينئذٍ، فقال: ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ الفاء فيه: فاء الفصيحة؛ أي: إذا عرفت يا محمد، أن الكاملين في الإيمان هم الجامعون بين الإيمان بهما، وبين الاستئذان .. فأقول لك: إذا طلبوا منك الإذن في الانصراف والذهاب ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ أي: لبعض أمرهم المهم، أو خطبهم المسلم.
والشأن (١) الحال والأمر، ولا يقال إلا فيما يعظم من الأحوال والأمور، كما في "المفردات". ولم يقل لشؤونهم بل قيد بالبعض تغليظًا عليهم في أمر الذهاب عن مجلس رسول الله ﷺ ، مع العذر المبسوط ومساس الحاجة.
﴿فَأْذَنْ﴾ يا محمد، في الانصراف والذهب عن مجلسك، لحاجة مهمة ﴿لِمَنْ شِئْتَ﴾ الإذن له ﴿مِنْهُمْ﴾ وأمنع من شئت، على حسب ما تقتضيه المصلحة التي تراها.
والمعنى: إن شئت فأذن، وإن شئت فلا تأذن. فالأمر مفوض إليك؛ أي: فإذا استأذنوك لبعض ما يعرض لهم من مهام أمورهم، فأذن لمن شئت منهم أن ينصرف لقضاء ما عرض له بحسب ما تقتضيه المصلحة التي تراها، كما وقع لعمر ﵁ حين خرج مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، حيث استأذن في الرجوع إلى أهله، فأذن له ﷺ وقال له: "ارجع فلست بمنافق".
стр. 8697
﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ﴾؛ أي: للمستأذنين الذين أذنت لهم ﴿اللَّهَ﴾ بعد الإذن، فإن الاستئذان، وإن كان لعذر قوي، لا يخلو عن شائنة تفضيل أمر الدنيا على الآخرة. ففيه إشارة إلى أن الأفضل، أن لا يحدث المرء نفسه بالذهاب، فضلًا عن الذهاب، أو أن الاستغفار في مقابلة تمسكهم بآداب الله تعالى، في الاستئذان؛ أي: وادع الله لهم، أن يتفضل عليهم بالعفو، والغفران عن تبعات ما بينه وبينهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿غَفُورٌ﴾ أي: كثير المغفرة لذنوب عباده التائبين. ﴿رَحِيمٌ﴾ كثير الرحمة بهم، فلا يعاقبهم عليها بعد توبتهم منها.
وفي الآية بيان حفظ الأدب، بأن الإِمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين، ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه، ولا يخالفوا أمير السرية، ويرجعوا بالإذن إذا خرجوا للغزو ونحوه، وللإمام أن يأذن، وله أن لا يأذن إلا على ما يرى. فمن تفرق بغير إذن صار من أهل الهوى والبدع. وكان ﵇ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد رجل الخروج وقف حيث رواه، فيأذن له إن شاء.
٦٣ - وبعد أن ظهر في هذه السورة شرف الرسول، ولا سيما في هذه الآية التي بهرت العقول، أردف هذا ما يؤكده، فقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُم﴾ إما مصدر مضاف (١) إلى الفاعل؛ أي؛ لا تجعلوا دعوته وأمره إياكم في الاعتقاد والعمل بها ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا تقيسوا دعوته إياكم إلى شيء من الأمور، على دعوة بعضكم بعضًا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة، والرجوع بغير إذن، فإن المبادرة إلى إجابته ﷺ واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، بل أجيبوه فورًا وإن كنتم في الصلاة. إذا كان أمره فرضًا لازمًا. وهذا قول المبرد والقفال: ومختار أبي العباس، وأقرب إلى نظم الآية. كما قاله ابن عادل والرازي وغيره.
وقيل (٢): لا تجعلو دعاء الرسول ربهُ مثل ما يدعو صغيركم وكبيركم، فإنه
стр. 8698
قد يجاب، وقد يرد، فإن دعوات الرسول مستجابة، فاحذروا سخطه، فإن دعاءه مجاب، ليس كدعاء غيره. وهذا كما قاله ابن عباس. وإما مصدر مضاف إلى المفعول. والمعنى: لا تجعلوا نداءكم إياه، وتسميتكم له، كنداء بعضكم بعضًا باسمه، مثل يا محمد، ويا ابن عبد الله، ويا أبا القاسم، ورفع الصوت به والنداء وراء الحجرات، بل نادوه بغاية التوقير. وبلقبه المعظم، مثل يا نبي الله ويا رسول الله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ مع التواضع، وحفض الصوت، فلا تنادوه باسمه، ولا بكنيته. وروي هذا أيضًا عن ابن عباس. وقال أبو الليث في "تفسيره": وفي الآية بيان توقير معلم الخير؛ لأن رسول الله ﷺ ، كان معلم الخير، فأمر الله بتوقيره، وتعظيمه، معرفة حق الأستاذ. وفيه معرفة أهل الفضل. قال في "حقائق البقليّ": إحترام الرسول من احترام الله، ومعرفته من معرفته، والأدب في متابعته، من الأدب مع الله تعالى.
وقرأ الحسن (١) ويعقوب في رواية: ﴿نبيكم﴾ بنون مفتوحة وباء موحدة مكسورة، وياء تحتانية مشدة، بدل قراءة الجمهور ﴿نبيكم﴾ ظرفًا. قال صاحب "اللوامح": وهو النبي ﷺ على البدل من الرسول.
ثم توعد المنصرفين خفية بغير استئذان، فقال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾ أي: يخرجون من المسجد خفيةً من بين الناس واحدًا واحدًا، حالة كونهم ﴿لِوَاذًا﴾ أي: متلاوذين بالناس؛ أي: متسترين بهم؛ أي: يعلم الله الذين يخرجون من الجماعة، قليلًا قليلًا على خفية.
و ﴿قد﴾ (٢) هنا للتحقيق: بطريق الاستعارة لاقتضاء الوعيد إياه، كما أن رب يجيء للتكثير، وفي "الكواشي" قد هنا مؤذنة بقلة المتسللين؛ لأنهم كانوا أقل من غيرهم. وقيل: قد هنا بمعنى ربما مفيدة للتكثير.
стр. 8699
وقرأ يزيد بن قطيب (١): ﴿لِوَاذًا﴾ بفتح اللام، فاحتمل أن يكون مصدر، لاذ الثلاثي، ولم يقبل؛ لأنه لا كسرة قبل الواو، فهو كطاف طوافًا، واحتمل أن يكون مصدر لاوذ الرباعي، وكانت فتحة اللام لأجل فتحة الواو. واللواذ من الملاوذة. وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك. وقيل: اللواذ الفرار من الجهاد. وبه قال الحسن. ومنه قول حسان:
وَقُرَيْشٌ تَجُوْلُ مِنْكُمُ لِوَاذَا ... لَمْ تُحَافِظْ وَجَفَّ مِنْهَا الْحُلُوْمُ
والتسلل: الخروج بخفية.
والمعنى: قد يعلم الله الذين يخرجون متسللين من المسجد في الخطبة، واحدًا بعد واحد، من غير استئذان، خفيةً مستترين بشيء. وإن عملهم هذا إن خفي على الرسول ﷺ ، فلا يخفى على من يعلم السر والنجوى، ومن لا يعزب عنه مثقال ذرة، ويعلم الدواعي التي تحملهم على ذلك، ولديه الجزاء على ما يفعلون.
روى أبو داود أنه كان من المنافقين، من يثقل عليه استماع الخطبة، والجلوس في المسجد، فإذا استأذن أحد من المسلمين، قام المنافق إلى جنبه يستتر به، فأنزل الله سبحانه الآية.
والفاء في قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ لترتيب الحذر (٢)، أو الأمر به، على ما قبلها من علمه تعالى بأحوالهم، فإنه مما يوجب الحذر ألبتة، فإن قلت (٣): كيف عدى (خالف) بعن مع أنه يتعدى بنفسه؟
قلت: ضمن خالف بمعنى أعرض، أو عدل فعداه تعديته، أو يقال: عن متعلقه بمحذوف تقديره: يخالفونه تعالى، ويعدلون عن أمره أو هي زائدة على قول الأخفش. والضمير في أمره إما لله؛ لأنه الآمر حقيقة، أو للرسول؛ لأنه المقصود بالذكر.
стр. 8700
أي: فليحذر ويجتنب الذين يخالفون أمره تعالى، ويعرضون عن طاعة رسوله ﷺ من ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: محنة وبلية في الدنيا، إما في البدن أو في المال، أو في الولد، كالمرض والقتل والهلاك وتسلط السلطان الجائر عليهم ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: شديد في الآخرة وقال بعضهم: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: بلية تظهر نفاقهم ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: عاجل في الدنيا، انتهى.
وكلمة (أو) لمنع الخلو دون الجمع، واعادة الفعل صريحًا للاعتناء بالتحذير، وفي ترتيب العذابين على المخالفة، دلالة على أن الأمر للوجوب، فيجب امتثال أمره، وتحرم مخالفته.
والآية تعم كل من خالف أمر الله تعالى، وأمر رسوله ﷺ واستمر على التقليد، من بعد ما تبين له الهدى، وظهر له الصواب، من الخطأ، وبعد أن أقام الأدلة على أنه نور السماوات والأرض. ثم حذر كل مخالف لرسوله،
٦٤ - ثم ختم السورة ببيان أنه المالك للموجودات بأسرها، خلقًا وملكًا وتصرفًا وإيجادًا وإعدامًا، بدءًا وإعادةً، فقال: ﴿أَلَا﴾ أي: انتبهوا أيها العباد، من سنة الغفلة، واعتقدوا بقلوبكم، وقولوا بالسنتكم ﴿إِنَّ لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: جميع ما فيهما من الموجودات بأسرها خلقًا وملكًا بدءًا وإعادةً. ﴿قَدْ﴾ يقال فيها، ما قيل في السابقة آنفًا ﴿يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيها المكلفون من الأحوال والأوضاع، التي من جملتها الموافقة والمخالفة والإخلاص والنفاق، فيجازيكم بحسب ذلك، ويعلم هنا بمعنى علم. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ معطوف على ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾ مفعول به، لا ظرف؛ أي: يعلم ما أنتم عليه من الأحوال، ويعلم تحقيقًا يوم ترجعون إليه؛ أي: يوم يرد الخلائقق إليه للمجازاة، فيجازيكم فيه بما عملتم.
أو المعنى يعلم ما أنتم عليه أيها العباد، ويعلم يوم يرد المنافقون، المخالفون للأمر إليه تعالى، للجزاء والعقاب. فيرجعون من المرجع المتعدي، لا من الرجوع اللازم، والعلم بوقت وقوع الشيء، مستلزم للعلم بوقوعه على أبلغ وجه.
стр. 8701
وقرأ الجمهور (١): يرجعون مبنيًا للمفعول. وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق وأبو عمرو، مبنيًا للفاعل، من الرجوع اللازم. والتفت من ضمير الخطاب في أنتم إلى ضمير الغيبة في يرجعون. ويجوز أن يكون، ما أنتم عليه خطابًا عامًا، ويكون يرجعون للمنافقين. والظاهر من السياق، أن هذا الوعيد للمنافقين، كما في "الشوكاني".
﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: يخبر الخلائق بما عملوا في الدنيا، فلا يعاقبهم ولا يثيبهم إلا بعد إخبارهم بما عملوا وبيانه، أو يخبر المنافقيق بما عملوا في الدنيا، من الأعمال السيئة، التي من جملتها مخالفة الأمر؛ أي (٢): يظهر لهم على رؤوس الأشهاد، ويعلمهم أي شيء شنيع عملوا في الدنيا، ويرتب عليه ما يليق به من الجزاء، وعبر عن إظهاره بالتنبئة، لما بينهما من الملابسة، في أنهما سببان للعلم، تنبيهًا على أنهم كانوا جاهلين بحال ما ارتكبوه، غافلين عن سوء عاقبته، لغلبة أحكام الكثرة الخلقية الإمكانية، وآثار الأمزجة الطبيعية الحيوانية نشأتهم.
﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وإن كان المنافقون يجتهدون في ستر أعمالهم عن العيون، وإخفائها.
ومعنى الآية (٣): في أنه تعالى مالك السماوات والأرض، وأنه عالم بما يعمل العباد، كما قال: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.
وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ثم هدد وتوعد، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾؛ أي: ويوم يرجع الخلائق إلى ربهم
стр. 8702
حين العرض والحساب، فيخبرهم بما فعلوا في الدنيا، من جليل وحقير وكبير وصغير، كما قال: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ وقال: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾.
ثم ذكر ما هو، كالدليل على ما سلف بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنه سينبئهم بما عملوا في حياتهم الأولى؛ لأنه ذو علم بكل شيء، وإحاطة به، وهو موف كل عامل أمر عمله، يوم يرجعون إلى حكمه، إذ لا حَكَم يومئذٍ إلا هو.
قال بعضهم: كل ما ألهاك عن مولاك فهو دنياك، فعلى العاقل أن يقطع حبل العلاقات ويتصل بخالق البريات، ويتفكر في أمره، ويحاسب نفسه، قبل أن يجيء يوم الجزاء والمكافآت، فإن عقب هذه الحياة ممات، وهذا البقاء ليس على الدوام والثبات، وفي الأثر: ما قال الناس: "لقوم طوبى لكم إلا وقد خبأ لهم الدهر يوم سوء" قال الشاعر:
إِنَّ اللَّيَالِيَ لَمْ تُحْسِنْ إلَى أَحَدٍ ... إِلَّا أَسَاءَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ إِحْسَانِ
وقال الآخر:
أحْسَنتَ ظَنَكَ بِالأيَّامِ إذْ حَسُنَتْ ... وَلَمْ تَخفْ شَرَّ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وقال آخر:
لَا صِحَّةُ الْمَرْءِ فِيْ الدُّنْيَا تُؤَخِّرُهُ ... وَلاَ يُقَدِّمُ يَوْمَا مَوْتَهُ الْوَجَعُ
الإعراب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.
﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿أي﴾: منادى نكرة مقصودة في محل النصب، مبني على الضم. ﴿ها﴾: حرف تنبيه. ﴿الَّذِين﴾: صفة لأي. ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول وجملة النداء مستأنفة، مسوقة لبيان حكم الاستئذان. ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾: اللام: لام
стр. 8703
الأمر. ﴿يستأذنكم﴾: فعل ومفعول به، مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل. والجملة جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ملكتهم أيمانكم. ﴿وَالَّذِينَ﴾: معطوف عليه الموصول الأول. ﴿لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾: فعل وفاعل ومفعول صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾: جار ومجرور حال من فاعل ﴿يَبْلُغُوا﴾. ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية، أو على المفعولية المطلقة، فإن قدرت بمعنى: ثلاثة أوقات، فهي ظرف، وإن قدرت بمعنى: ثلاث استئذانات، فهي مفعول مطلق. ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه في محل النصب، بدل من ثلاث مرات. ﴿وَحِينَ﴾ معطوف على محل ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ وهو مضاف. ﴿تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الجر، مضاف إليه لـ ﴿حين﴾. ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾: حال من حين؛ أي: حال كون ذلك الوقت من الظهيرة. أو متعلق بـ ﴿تَضَعُونَ﴾. ومن بمعنى في. ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، في محل النصب، معطوف على ما قبله، على كونه بدلًا من ثلاث مرات. ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ بالرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذه الأوقات ثلاث عورات. ﴿لَكُمْ﴾: جار ومجرور، صفة لـ ﴿ثَلَاثُ﴾؛ أي: كائنات لكم. وبالنصب، بدل من محل ما قبله. والجملة مستأنفة.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾: معطوف على ﴿عَلَيْكُمْ﴾. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. ﴿بَعْدَهُنَّ﴾: ظرف ومضاف إليه صفة لـ ﴿جُنَاحٌ﴾. وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع، صفة لـ ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾؛ أي: هن ثلاث عورات، موصوفة بعدم جناح بعدهن عليكم ولا عليهم. ﴿طَوَّافُونَ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هم طوافون ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بـ ﴿طَوَّافُونَ﴾. والجملة مستأنفة. ﴿بَعْضُكُمْ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، أي: بعضكم طائف على بعض. والجملة بدل تفصيل لما قبلها. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور صفة لمصدر محذوف. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل
стр. 8704
وفاعل. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به. والجملة مستأنفة، والتقدير: ويبين الله لكم الآيات، تبيينًا كائنًا، مثل تبيين هذه الآية. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿حَكِيمٌ﴾: خبر ثان، والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾.
﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط. ﴿بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾: فعل وفاعل. والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لها. والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿مِنْكُمُ﴾: حال من ﴿الْأَطْفَالُ﴾. ﴿الْحُلُمَ﴾: مفعول به. ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾ وجوبًا. و (اللام): لام الأمر. ﴿يستأذنوا﴾: فعل وفاعل، مجزوم بلام الأمر. والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة، مسوقة لتقرير حكم ﴿الْأَطْفَالُ﴾. ﴿كَمَا﴾: الكاف حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾: المصدرية. ﴿ما﴾: مع صلتها في تأويل مصدر، مجرور بالكاف، تقديره: كاستئذان الذين قبلهم، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: فليستأذنوا استئذانًا كائنًا كاستئذان الذين من قبلهم. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتِهِ﴾: مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾: جملة اسمية مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾.
﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿القواعد﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾: حال من القواعد. ﴿اللَّاتِي﴾: صفة لـ ﴿القواعد﴾، لا للنساء. ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به صلة الموصول. ﴿فَلَيْسَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الخبر بالمبتدأ لشبه المبتدأ بالشرط العموم؛ لأن الألف واللام في القواعد، موصولة
стр. 8705
بمعنى واللاتي قعدن. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْهِنَّ﴾: خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسمها مؤخر. وجملة ﴿لَيْسَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَضَعْنَ﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية مبني على السكون لاتصاله بنون الإناث. ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾: مفعول به. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾: حال من فاعل ﴿يَضَعْنَ﴾. ﴿بِزِينَةٍ﴾: متعلق بـ ﴿مُتَبَرِّجَاتٍ﴾. وجملة يضعن مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: فليس عليهن جناح في وضعهن ثيابهن. الجار والمجرور متعلق بجناح، أو صفة له. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿أن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يَسْتَعْفِفْنَ﴾: فعل مضارع وفاعل في محل النصب، مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة. والجملة الفعلية مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء. ﴿خَيْرٌ﴾: خبره. ﴿لَهُنَّ﴾: متعلق بخير. والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله: والقواعد. فهو نظير قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر ثان. والجملة مستأنفة.
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾.
﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَى الْأَعْمَى﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿حَرَجٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر. وجملة ﴿لَيْسَ﴾ مستأنفة. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: زائدة. زيدت لتأكيد نفي ما قبلها. ﴿عَلَى الْأَعْرَجِ﴾ معطوف على الأعمى. ﴿حَرَجٌ﴾: معطوف على ﴿حَرَجٌ﴾. وكذلك قوله: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾: معطوف على قوله: ﴿عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾. ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: جار ومجرور، خبر مقدم لمبتدأ مؤخر، محذوف معلوم من السياق، تقديره: ولا على أنفسكم حرج، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾: فعل وفاعل
стр. 8706
منصوب بـ ﴿أَن﴾. ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المصدرية، في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في أكلكم من بيوتكم، والجار المحذوف، متعلق بالمبتدأ المحذوف، والتقدير: ولا على أنفسكم حرج في أكلكم من بيوتكم. وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ معطوفات على ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ ومضافة إلى ما بعدها، على كونها مجرورة بـ ﴿من﴾.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿ما﴾: اسم موصول، في محل الجر معطوف على ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. ﴿مَلَكْتُمْ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: مفعول به. والجملة صلة ﴿ما﴾ الموصولة. والعائد ضمير مفاتحه. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾: معطوف على ﴿بُيُوتِكُمْ﴾ أيضًا. ولكنه على حذف مضاف، تقديره: أو بيت صديقكم. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿عَلَيْكُمْ﴾: خبر ﴿لَيْسَ﴾ مقدم. ﴿جُنَاحٌ﴾: اسمها مؤخر. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان حكم آخر، من جنس ما بين قبله، حيث كان فريق من المؤمنين كبني ليث بن عمرو، يتحرجون أن يأكلوا طعامهم منفردين، كما في "الجمل". ﴿أَنْ تَأْكُلُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. ﴿جَمِيعًا﴾: حال من فاعل ﴿تَأْكُلُوا﴾. ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾: معطوف عليه؛ أي: حالة كونكم مجتمعين، أو متفرقين. والجملة الفعلية في تأويل مصدر، مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: في أكلكم مجتمعين أو متفرقين، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جُنَاحٌ﴾. ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ﴾: ﴿الفاء﴾ استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط. ﴿دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾: فعل وفاعل ومفعول على السعة. والجملة في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها. والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿فَسَلِّمُوا﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾، ﴿سلموا﴾: فعل
стр. 8707
وفاعل. ﴿عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾: متعلق به، والجملة جواب ﴿إذا﴾: لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة. ﴿تَحِيَّةً﴾ مفعول مطلق معنوي لـ ﴿سلموا﴾ منصوب به على حد قعدت جلوسًا. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: جار ومجرور صفة أولى لتحية. ﴿مُبَارَكَةً﴾: صفة ثانية لها. ﴿طَيِّبَةً﴾: صفة ثالثة لها. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمُ﴾: متعلق به. ﴿الْآيَاتِ﴾: مفعول به. والجملة مستأنفة. ﴿لَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه. وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾: خبره. وجملة ﴿لعل﴾: مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾.
﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿وَإِذَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مَعَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر ﴿كان﴾. ﴿عَلَى أَمْرٍ﴾: متعلق بـ ﴿كان﴾ ﴿جَامِعٍ﴾: صفة أمر. ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾: جازم وفعل وفاعل. والجملة جواب ﴿إذا﴾. وجملة ﴿إذا﴾ معطوفة على جملة ﴿آمَنُوا﴾ على كونها صلة الموصول. ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية. ﴿يَسْتَأْذِنُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، منصوب بأن مضمرة بعد حتى الجارة، والجملة الفعلية مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ الجار والمجرور متعلق بـ ﴿يَذْهَبُوا﴾؛ أي: لم يذهبوا إلى استئذانهم الرسول.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، صلة الموصول ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِينَ﴾: خبره. والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء
стр. 8708
الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أن المستأذنين هم الكاملون في الإيمان, وأردت بيان حكم ما إذا استأذنوك .. فأقول لك: ﴿إذا استأذنوك﴾: ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مضمن معنى الشرط. ﴿اسْتَأْذَنُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق به. والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونها فعل شرط لها. ﴿فَأْذَنْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إذا﴾. ﴿إئذن﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿لمن﴾: جار ومجرور متعلق به. والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾. وجملة ﴿إذا﴾ في محل النصب، مقول لجواب إذا المقدرة. وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿شِئْتَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: لمن شئته. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور، حال من العائد المحذوف. ﴿وَاسْتَغْفِرْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد معطوف على ﴿إئذن﴾. ﴿لَهُمُ﴾: متعلق باستغفر ﴿اللَّهَ﴾ مفعول به. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿غَفُورٌ﴾: خبر أول له. ﴿رَحِيمٌ﴾: خبر ثان لها. وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾.
﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تَجْعَلُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بلا الناهية. والجملة مستأنفة. ﴿دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾: مفعول أول. ﴿بَيْنَكُمْ﴾: ظرف ومضاف إليه حال من الرسول. ﴿كَدُعَاءِ﴾: الكاف اسم بمعنى مثل في محل النصب، مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. الكاف مضاف. ﴿دعاء﴾: مضاف إليه. ﴿دعاء﴾: مضاف ﴿بَعْضِكُمْ﴾: مضاف إليه. ﴿بَعْضًا﴾: مفعول به لـ ﴿دعاء﴾. ﴿قَدْ﴾: حرف بمعنى: ربما مفيدة للتكثير. ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة مستأنفة. ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾. ﴿لِوَاذًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة المعنوية؛ لأنه بمعنى ﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ تسللًا، أو يلاوذون لواذًا، ويجوز نصبه على الحال بمعنى ملاوذين.
стр. 8709
﴿فَلْيَحْذَرِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت علم الله المتسللين، وأردتم بيان ما هو الأحوط لكم .. فأقول لكم ليحذروا. و (اللام): لام الأمر. ﴿يحذر﴾: مجزوم بلام الأمر. ﴿الَّذِينَ﴾: فاعل. والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. ﴿يُخَالِفُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول عن زائدة ﴿أَمْرِهِ﴾: مفعول به.
﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾.
﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾: ناصب وفعل ومفعول به وفاعل. والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ ﴿يحذر﴾. والتقدير: فليحذر الذين يخالفون أمره إصابة فتنة إياهم. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: فعل ومفعول وفاعل وصفة معطوفة على جملة ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أو إصابة عذاب أليم إياهم. ﴿أَلَا﴾: حرف استفتاح وتنبيه. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿لِلَّهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب اسم إن مؤخر. وجملة إن مستأنفة. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على السماوات. ﴿قَدْ﴾: حرف تكثير بمعنى رب التكثيرية. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿ما﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿أَنْتُمْ﴾: مبتدأ. ﴿عَلَيْهِ﴾: خبره. والجملة الاسمية صلة ﴿ما﴾ الموصولة. وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾: حال لازمة للجلالة. ﴿وَيَوْمَ﴾: معطوف على مفعول يعلم. ﴿يُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به. والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾. ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿ينبئهم﴾: فعل ومفعول أول وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿بِمَا﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿ينبئهم﴾. وجملة ﴿عَمِلُوا﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: بما عملوه. وجملة ﴿ينبئهم﴾ في محل النصب، معطوفة على جملة قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: خبر المبتدأ. والجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 8710
التصريف ومفردات اللغة
﴿لِيَسْتَأْذِنْكُم﴾: استأذن من باب استفعل. فالسين والتاء فيه للطلب، فهو على بابه؛ لأن الاستئذان، طلب الإذن. والإذن في الشيء: إعلام بإجازته، والرخصة فيه، كما مر. ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ يشمل العبيد والإماء.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾؛ أي: وقت البلوغ، إما بالاحتلام، وإما ببلوغ خمس عشرة سنة من حلم بفتح اللام. قال في "القاموس": الحلم بالضم، والاحتلام الجماع في النوم. والاسم الحلم كعنق. انتهى. وفي "المفردات" ليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك، في نحو قوله: أولو الأحلام لكونه من مسببات العقل. ويسمى البلوغ بالحلم، لكونه جديرًا صاحبه بالحلم اهـ.
﴿تَضَعُونَ﴾ تخلعون. ﴿الظَّهِيرَةِ﴾: وقت اشتداد الحر حين انتصاف النهار. قال في "القاموس": الظهيرة حد انتصاف النهار. وإنما ذلك في القيظ. ﴿عَوْرَاتٍ﴾ جمع عورة. من أعور الفارس، إذا اختلت حاله. والعورة في الأصل الخلل. ثم غلب في الخلل الواقع فيما يهم حفظه، ويتعين ستره.
﴿طَوَّافُونَ﴾: صيغة مبالغة من الطواف. والطواف: الدوران حول الشيء. ومنه الطائف لمن يدور حول البيت حافًّا. ومنه استعير الطائف من الجن، والخيال والحادثة وغيرها.
﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾؛ أي: أوان البلوغ، كرره للتأكيد كما مر. واعلم (١): أن بلوغ الصغير بالإحبال والإنزال والاحتلام. وبلوغ الصغيرة بهما وبالحيض والحبل. فإن لم يوجد فيهما شيء من العلامات المذكورة فيبلغان حين تم لهما خمس عشرة سنة. كما هو المشهور. وبه يفتى لقصر أعمار أهل زماننا. قال بعض الصحابة: كان الرجل فيمن قبلكم لا يحتلم حتى يأتي عليه ثمانون سنة. قال وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ولد مائتي سنة. وأدنى مدة
стр. 8711
البلوغ للغلام اثنتا عشرة سنة، وللجارية تسع سنوات.
﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾: جمع قاعد بلا هاء، لاختصاصها بالمرأة. قال في "القاموس": القاعد التي قعدت عن الولد، وعن الحيض، وعن الزوج. وفي "المصباح" وقعدت المرأة عن الحيض، أسنت وانقطع حيضها، فهي قاعد بغير تاء. والجمع قواعد. وقعدت عن الزوج فهي لا تشتهيه، ولولا تخصيصهن بذلك، لوجبت التاء، نحو ضاربة وقاعدة من القعود، بمعنى الجلوس.
﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾؛ أي: مظهرات للزينة. وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها. والبرج: محركة سعة العين، يرى بياضها محيطًا بسوادها كله، لا يغيب منه شيء، إلا أنه اختص بأن تتكشف المرأة للرجال، بإبداء زينتها، وإظهار محاسنها للرجال. فالبرج يعطي معنى الاتساع، يقال: برج يبرج برجًا من باب تعب، اتسع أمره في الأكل والشرب ونحوهما. وبرجت عيناه اتسعت، بحيث يرى بياضها محدّقًا بالسواد كله، والبرج الركن والحصن والقصر، وكل بناء مرتفع على شكل مستدير، أو مربع. ويكون منفردًا، أو قسمًا من بناية عظيمةٍ. وجمعه برج بضمتين وأبراج وأبرجة. والبرج أيضًا أحد بروج السماء، وهي اثنا عشر. كما مر. والبارجة: سفينة كبيرة للقتال، وتجمع على بوارج، ومن أمثالهم ما فلان إلا بارجة، قد جمع فيه كل الشر؛ أي: إنه شرير.
﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾: استفعال من العفة، وهي حصول حالة للنفس، تمتنع بها عن غلبة الشهوة ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ والحرج لغة الضيق، ويراد به في الدين الإثم، (الأعمى) مفتقد البصر.
﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ﴾ من العروج، وهو ذهاب في صعود. وعرج مشى مشي العارج؛ أي: الذاهب في صعود. يقال: عرج يعرج من باب دخل، إذا أصابه شيء في رجله، فمشى مشية العرجان. وعرج كطرب إذا صار ذلك خلقة له.
﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ صفة من المرض. والمرض الخروج عن الاعتدال الخاص بالإنسان. ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ والأكل تناول المطعم أكلًا، أو
стр. 8712
شربًا. والبيوت جمع بيت. والبيت في الأصل مأوى الإنسان بالليل. وقد يقال: من غير اعتبار الليل فيه. لكن البيوت بالمسكن أخص، والأبيات بالشعر.
﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ جمع مفتح. والمفاتيح جمع مفتاح. كلاهما آلة الفتح. والفتح: إزالة الإغلاق والإشكال. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ من الصداقة. والصداقة صدق الاعتقاد في المودة. وذلك مختص بالإنسان. دون غيره. والصديق من صدقك في مودته. قال أبو عثمان: الصديق من لا يخالف باطنه باطنك، كما لا يخالف ظاهره ظاهرك إذ ذاك يكون الانبساط إليه مباحًا في كل شيء من أمور الدين والدنيا. ونعم ما قيل: صديقك من صدقك، لا من صدَّقك. ويطلق على الواحد والجمع. وكذلك الخليط والقطين والعدو.
﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ جمع شت بمعنى تفرق. وفي "المختار" أمر شت بالفتح؛ أي: متفرق. يقال: شت الأمر يشت بالكسر من باب ضرب شتًا وشتاتًا، بفتح الشين فيهما؛ أي: تفرق ﴿أَمْرٍ جَامِعٍ﴾؛ أي: خطب جلل يستعان فيه بأرباب التجارب، والآراء، كقتال عدو أو تشاور في حادث قد عرض.
﴿يَتَسَلَّلُونَ﴾ ينسلون واحدًا بعد واحد، أو قليلًا قليلًا. وفي "أبي السعود" التسلل: الخروج من البين على التدريج والخفية اهـ. يقال: تسلل الرجل؛ أي: انسرق من الناس وفارقهم، بحيث لا يعلمون.
﴿لِوَاذًا﴾: واللِّواذ والملاوذة التستر. يقال: لاذ فلان بكذا، إذا استتر به. واللواذ مصدر لاوذ، وإنما صحت الواو فيه، وإن انكسر ما قبلها ولم تقلب ياء، كما قلبت في قيام وصيام؛ لأنها صحت في الفعل، نحو لاوذ، فلو أعلت في الفعل لأعلت في المصدر. نحو القيام والصيام لقلبها ألفًا في قام وصام. وأما مصدر لاذ بكذا يلوذ به، فمعتل نحو لاذ به يلوذ لياذًا، مثل صام صيامًا وقام قيامًا. واللواذ والملاوذة: التستر في خفية.
﴿يُخَالِفُونَ﴾: يقال: خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه، وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه. والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو فعله.
стр. 8713
﴿فِتْنَةٌ﴾؛ أي: بلاء وامتحان في الدنيا. وقال أبو بكر بن طاهر: الفتنة مأخوذ بها والبلاء معفو عنه ومثاب عليه. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: عذاب مؤلم موجع في الآخرة.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التفصيل بعد الإجمال في قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ إلخ.
ومنها: الإجمال بعد التفصيل في ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾.
ومنها: تسمية الشيء باسم ما يقع فيه، مبالغة في كونه محلًا له في قوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ حيث سمى الأوقات المذكورة عورات، مع أنها ليست نفس العورات، بل هي أوقات العورات.
ومنها: الإيضاح في قوله: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية. وهو أن يذكر المتكلم كلامًا في ظاهره لبس، ثم يوضحه في بقية كلامه. وهنا في هذه الآية ترد على ظاهرها أربعة أسئلة:
أولها: ما الفائدة في الإخبار برفع الجناح، عمن أكل من بيته، وكيف يظن أن على من أكل من بيته جناحًا؟ فالجواب عنه أن يقال: فائدة الإخبار برفع الجناح عمن أكل من بيته التوطئة، ليبنى عليه ما يعطفه على جملته من البيوت، التي قصد إباحة الأكل منها. فإنه إذا علم، أن الإنسان لا جناح عليه أن يأكل من بيته، فكذلك لا جناح عليه أن يأكل من هذه البيوت، ليشير إلى أن أموال هذه القرابة، كمال الإنسان، وإذا تساوت هذه الأموال، سرى ذلك التساوي إلى الأزواج، فيكون سبحانه، قد أدمج في ذلك الحض، على صلة الأرحام، ومعاملتهم معاملة الإنسان نفسه.
وثانيها: لم لم يذكر بيوت الأولاد، كما ذكر بيوت غيرهم من الأقارب القريبة؟ فالجواب عنه: أن يقال: إن أموال الأولاد كمال نفسه، فتصرف الوالدين
стр. 8714
فيها، كتصرفهم في أموالهم أنفسهم, لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه.
وثالثها: ما فائدة قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ وظاهر الحال، أن هذا داخل في قوله: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾؟ قلنا: يحتمل أن يراد بما في البيوت، المال التليد العتيد، وما ملك الإنسان مفاتحه، المال الطريف المكتسب، الذي يتسبب الإنسان في تحصيله، ويتعب في اكتسابه.
ورابعها: كيف وقعت التسوية بين الصديق، وبين هؤلاء الأقارب؟ قلنا: سر التسوية بين الصديق وبين هؤلاء الأقارب، تعريف حق الصديق، الذي ساوى باطنه ظاهره في إخلاص المودة. ولا يكون صديقًا حتى يكون كذلك.
وقد اشتملت هذه الآية، على تسعة أضرب من فنون البديع:
١ - صحة التقسيم، وذلك لاستيعاب الكلام، جميع أقسام الأقارب القريبة، بحيث لم يغادر منها شيئًا.
٢ - التهذيب، وذلك في انتقال الكلام على مقتضى البلاغة في هذا المكان، فإن مقتضى البلاغة، تقديم الأقرب فالأقرب. كما جاء فيها.
٣ - حسن النسق، وذلك في اختياره. ﴿أَوْ﴾: لعطف الجمل، وهي تدل على الإباحة.
٤ - الكناية، فقد كنى سبحانه عن الأموال، بالبيوت التي هي حرز الأموال ومقرها، من باب تسمية الشيء بما جاوره، كقولهم: سال الميزاب، وجرى النهر.
٥ - المناسبة: وذلك بمناسبة الألفاظ بعضها بعضًا في الزنة، وهي واضحة في لفظة آبائكم وإخوانكم وأعمامكم وأخوالكم.
٦ - المثل: وذلك في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ خرج مخرج المثل السائر، الذي يصح أن يتمثل به في كل واقعة، تشبه واقعته.
стр. 8715
٧ - التذييل، فإن الكلام الذي خرج مخرج المثل جاء تذييلًا لمعنى الكلام المتقدم، لقصد توكيده وتقريره.
٨ - المطابقة: وذلك في قوله: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ فإن هاتين اللفظتين تضادتا تضادًا، أوجب لهما وصفهما بالمطابقة؛ لأن المعنى جميعًا أو متفرقًا.
٩ - المقارنة: وذلك في موضعين:
أحدهما: اقتران التمثيل بالتذييل، كما تقدم بيانه.
والثاني: اقتران المطابقة بالتمكين، فإن فاصلة هذا الكلام في غاية التمكين.
ومنها: الطباق بين ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾؛ لأن المعنى مجتمعين ومتفرقين.
ومنها: الإطناب، بتكرير لفظ الحرج لترسيخ الحكم في الأذهان في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾؛ لأن الأمر لما كان سببًا في جمعهم، نسب الجمع إليه مجازًا اهـ. "سمين".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
стр. 8716
مجمل ما حوته هذه السورة الكريمة من الأغراض والمقاصد
اشتملت هذه السورة على المقاصد التالية:
١ - عقوبة الزاني والزانية.
٢ - عقوبة قاذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
٣ - حكم قذف الزوجات.
٤ - قصص الإفك وبراءة أم المؤمنين عائشة.
٥ - آداب الزيارة.
٦ - أمر المؤمنين بغض الأبصار وحفظ الفروج.
٧ - نهي النساء عن إبداء زينتهن لغير بعولتهن إلخ.
٨ - أمر المؤمنين بإنكاح الأيامى من الرجال والنساء، فالمجتمع الإِسلامي كأنه أسرة واحدة.
٩ - أمر من لم تتوافر له وسائل النكاح، لعدم وجود المال، أو سواه، بالعفة حتى يغنيه الله تعالى.
١٠ - بيان أن الأعمال الصالحة، التي يعملها الكافرون في الدنيا، لا تجدي عنهم نفعًا يوم القيامة، بل تكون كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا.
١١ - الأدلة التي نصبها الله في الأكوان علويها وسفليها شاهدة بوحدانيته.
١٢ - المنافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
١٣ - وصف المؤمنين الصادقين.
١٤ - وعد الله عباده المؤمنين، بأنه يستخلفنهم في الأرض، وينشر دينهم الذي ارتضى لهم.
١٥ - استئذان الموالي والأطفال في أوقات ثلاث، إذا أرادوا الدخول على أهليهم.
стр. 8717
١٦ - رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في الجهاد.
١٧ - لا حرج في الأكل من بيوت الآباء والأمهات إلخ. بلا إذن.
١٨ - نهي المؤمنين عن الانصراف، من مجلس رسول الله ﷺ ، إذا كانوا معه في أمر جامع.
١٩ - إباحة إذنه لهم إن شاء، حين الطلب.
٢٠ - بيان أن مجلس الرسول مبجل موقر، وليس كمجلس المؤمنين بعضهم مع بعض (١).
والله أعلم
* * *
стр. 8718
سورة الفرقان
سورة الفرقان: مكية كلها، عند الجمهور. كذا أخرجه ابن الضريس والنحاس وابن مردويه من طرق عن ابن عباس. وأخرجه ابن مردويه عن ابن الزبير. قال القرطبي: وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها، نزلت بالمدينة. وهى قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وهى سبع وسبعون آية (١)، وثمان مئة واثنتان وسبعون كلمة، وثلاث آلاف وسبع مئة وثلاثة وستون حرفًا.
الناسخ والمنسوخ: وجملة ما فيها من المنسوخ آيتان (٢):
أولاهما: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ نسخها بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾.
والآية الثانية، قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ منسوخة في حق الكفار, بآية السيف, وبعض معناها محكم في حق المؤمنين.
علة التسمية: سميت (٣) بسورة الفرقان؛ لأن بها الفرق بين الحق والباطل، لاشتمالها على أحكام التوحيد وأدلته، ومكارم الأخلاق وأحوال العباد.
فضلها: أخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم وابن حبان والبيهقي في "سننه" عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت هشام بن حكيم، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ ، فكدت أساوره في الصلاة، فتصبرت حتى
стр. 8719
سلم، فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأته، فانطلقت أقوده إلى رسول الله ﷺ ، فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول الله ﷺ : "أرسله أقرئنا هشام". فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ. فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت". ثم قال: "أقرئنا عمر". فقرأت القراءة التي أقرأني. فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه".
وعن النبي ﷺ (١): "من قرأ سورة الفرقان، لقي الله، وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأدخل الجنة بغير نصب" ولكن هذا الحديث موضوع.
المناسبة: مناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها (٢)، أنه لما ذكر وجوب مبايعة المؤمنين للرسول، وأنهم إذا كانوا معه في أمر مهم، توقف انفصال واحد منهم على إذنه، وحذر من يخالف أمره، وذكر أن له ملك السماوات والأرض، وأنه تعالى عالم بما هم عليه، ومجازيهم على ذلك، فكان ذلك غاية في التحذير والإنذار. ناسب أن يفتتح هذه السورة بأنه تعالى، منزه في صفاته عن النقائص، كثير الخير. ومن خيره أنه نزل الفرقان على رسوله منذرًا لهم، فكان في ذلك إطماع في خيره، وتحذير من عقابه.
وفي "المراغي": مناسبة هذه السورة لما قبلها من وجوه (٣):
١ - أنه سبحانه اختتم السورة السابقة، بكونه مالكًا لما في السماوات والأرض، مصرفًا له على ما تقتضيه الحكمة البالغة، والمصلحة العامة مع النظام البديع، والوضع الأنيق وأنه سيحاسب عباده يوم القيامة على ما قدموا من العمل خيرًا كان أو شرًا. وافتتح هذه بما يدل على تعاليه في ذاته وصفاته، وأفعاله، وعلى حبه لخير عباده بإنزال القرآن لهم هاديًا، وسراجًا، منيرًا.
стр. 8720
٢ - اختتم السورة السالفة، بوجوب متابعة المؤمنين للرسول ﷺ مع مدحهم على ذلك، وتحذيرهم من مخالفة أمره خوف الفتنة، والعذاب الأليم، وافتتح هذه بمدح الرسول، وإنزال الكتاب عليه، لإرشادهم إلى سبيل الرشاد وذم الجاحدين لنبوته، بقولهم: إنه رجل مسحور، وإنه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق إلى آخر ما قالوا.
٣ - في كل من السورتين وصف السحاب، وإنزال الأمطار، وإحياء الأرض الجزر. فقال في السالفة: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ إلخ. وقال في هذه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ إلخ.
٤ - ذكر في كل منهما، وصف أعمال الكافرين يوم القيامة، وأنها لا تجزيهم فتيلًا ولا قطميرًا، فقال في الأولى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلخ. وقال في هذه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾.
٥ - وصف النشأة الأولى للإنسان في أثنائهما. فقال في الأولى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾. وفي الثانية: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾. والله أعلم
* * *