← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

ثم أكد الأمر السابق، وبالغ في إيجاب الامتثال به، والحمل عليه بالترغيب والترهيب بقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ خطاب للمأمورين، وأصله، فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا؛ أي: فإن تتولوا وتعرضوا عن هذه الطاعة، إثر ما أمرتم بها، وجواب الشرط قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾؛ أي: فاعلموا إنما عليه ﷺ ﴿مَا حُمِّلَ﴾؛ أي: ما كلف، وأمر به من تبليغ الرسالة، وقد فعل ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾؛ أي: ما أمرتم به من الإجابة والطاعة. ولعل (١) التعبير هنا بالتحمل للإشعار بثقله، وكونه مؤونة وكلفة باقية في عهدتهم بعد، كأنه قيل: وحيث توليتم عن ذلك، فقد بقيتم تحت ذلك الحمل الثقيل، فهو وعيد لهم. وقيل: جواب الشرط محذوف، تقديره: فلا ضرر عليه. وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ ...﴾ إلخ. تعليل لذا المحذوف. والمعنى: أي فإن (٢) تتولوا عن الطاعة، بعد أن أمركم الرسول بها .. فما ضررتم الرسول بشيء، بل ضررتم أنفسكم؛ لأنه عليه ما أمر به، من تبليغ الرسالة، وقد فعل، وعليكم ما أمرتم به من الطاعة، فإن أنتم لم تفعلوا وتوليتم .. فقد عرضتم أنفسكم لسخط الله وعذابه، وإن أطعتموه .. فقد خرجتم من الضلال إلى الهدى، فالنفع والضرر عائدان إليكم. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾؛ أي: وإن تطيعوا الرسول فيما أمركم به من الطاعة .. ﴿تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق الذي هو المقصد الأسنى، الموصل إلى كل خير، والمنجي من كل شر. وتأخيره (٣) عن بيان حكم التولي، لما في تقديم الترهيب من تأكيد الترغيب وجملة قوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ . ويبعد أن يحمل على الجنس، كما في "الشوكاني"؛ لأنه أعيد معرفًا. ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ مقررة لما قبلها؛ أي: ما عليه إلا التبليغ الموضح لكل ما يحتاج إلى الإيضاح، وقد فعل، وإنما بقي ما حملتم، فإن أديتم فلكم، وإن توليتم فعليكم. والمعنى: أي وإن تطيعوا الرسول فيما أمركم به ونهاكم عنه .. تهتدوا إلى

стр. 8647

الحق الموصل إلى كل خير، المنجي من كل شر، وما الرسول إلا ناصح، وهاد ومبلغ لكم، فإن أطعتموه لحظوظ أنفسكم أصبتم طريق الصواب، وإن خالفتموه .. أوقعتم أنفسكم في الهلكة. والخلاصة: أن الرسول فعل ما يجب عليه من أداء الرسالة، وقد بقي عليكم أن تفعلوه. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾. قيل: يجوز (١) أن يكون قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ماضيًا، وتكون الواو لضمير الغائبين، وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله ﷺ أن يقول لهم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة. والأول أرجح، ويؤيده الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ ويؤيده أيضًا قراءة البزي ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ بتشديد التاء، وإن كانت ضعيفة، لما فيها من جمع الساكنين. ٥٥ - ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الخطاب لعامة الكفرة. و (من) تبعيضية، أو له ﷺ ولمن معه من المؤمنين. و (من) بيانية؛ أي: الذين هم أنتم. وتوسيط الظرف بين المعطوفين لإظهار أصالة الإيمان. والمفعول الثاني محذوف، تقديره: الاستخلاف في الأرض، وتمكين دينهم، وتبديل خوفهم بالأمن. وأما قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ فهو جواب لقسم محذوف، تقديره: وعدهم الله، وأقسم ليستخلفنهم في الأرض. وهذا الجواب، قال على المفعول المحذوف، أو جواب للوعد، بتنزيل وعده تعالى منزلة القسم لتحقق إنجازه لا محالة. وهذه الجملة مقررة لما قبلها، من أن طاعتهم لرسول الله ﷺ سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات،

стр. 8648

بالاستخلاف لهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم من الأمم، وهو وعد يعم جميع الأمة. وقيل: هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله .. فقد أطاع الله تعالى ورسوله ﷺ . وقد أبعد من قال: إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو بأن المراد بالأرض أرض مكة، وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وظاهر قوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كل من استخلفه الله سبحانه في أرضه، فلا يخص ذلك ببني إسرائيل، ولا أمة من الأمم دون غيرها. والمعنى: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات استخلافهم في الأرض وتمكين دينهم وتبديل خوفهم بالأمن. وأقسم سبحانه: وعزتي وجلالي، ليجعلنهم خلفاء في الأرض، متصرفين فيها تصرف الملوك في ممالكهم، استخلافًا كائنًا، كاستخلاف الذين من قبلهم، وهم بنو إسرائيل، استخلفهم الله في مصر والشام، بعد إهلاك فرعون والجبابرة. وظاهر الآية العموم كما مر آنفًا. وقرأ الجمهور (١): ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ بفتح الفوقية على البناء للفاعل. وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم بضمها على البناء للمفعول وكسر اللام، فالموصول مرفوع. وجملة قوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ معطوفة على ليستخلفنهم، داخلة تحت حكمه، كائنة من جملة الجواب. والمراد بالتمكين هنا، التثبيت والتقرير؛ أي: يجعله الله ثابتًا مقررًا، ويوسع لهم في البلاد، ويظهر دينهم على جميع الأديان. والمراد بالدين هنا الإِسلام؛ أي: وليثبتن الله لهم دينهم الذي اختار لهم، ويجعلنه مقررًا ثابتًا، بحيث يستمرون على العمل بأحكامه من غير منازع.

стр. 8649

قال في "التأويلات النجمية": يعني (١) يمكن كل صنف من الخلفاء حمل أمانته التي ارتضى لهم من أنواع مراتب دينهم، فإنهم أئمة أركان الإِسلام، ودعائم الملة الناصحون لعباده، الهادون من يسترشد في الله حفاظ الدين. وهم أصناف: قوم حفاظ أخبار الرسول ﵇، وحفاظ القرآن، وهم بمنزلة الخزنة. وقوم هم علماء الأصول من الرادِّين على أهل العناد، أصحاب البدع بواضح الأدلة، غير مخلطين الأصول بعلوم الفلاسفة وشبههم، فإنها مهلكة عظيمة، لا يسلم منها إلا العلماء الراسخون، والأولياء القائمون بالحق، وهم بطارقة الإِسلام وشجعانه. وقوم هم الفقهاء، الذين إليهم الرجوع في علوم الشريعة من العبادات وكيفية المعاملات، وهم في الدين بمنزلة الوكلاء، والمتصرفين في الملك. وذكر الاستخلاف لهم أولًا، وهو جعلهم ملوكًا، وذكر التمكين ثانيًا، فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطروِّ، بل على وجه الاستقرار والثبات، بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدم. وجملة ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ معطوفة على التي قبلها؛ أي: وليجعلن لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا، ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه، بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه، ولا يرجون غيره، وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسمون ويصبحون إلا على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم كانوا في غاية الأمن والدعة، وأذل الله لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض، ومكنهم منها، فلله الحمد. وقال أبو العالية (٢): لما أظهر الله رسوله ﷺ على جزيرة

стр. 8650

العرب .. وضعوا السلاح، وآمنوا، ثم قبض الله نبيه ﷺ فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة، فأدخل الله عليهم الخوف، فغيروا، فغير الله ما بهم. وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ بالتشديد من بدل المضعف، واختارها أبو عبيد. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر والحسن بالتخفيف من أبدل. واختارها أبو حاتم، وهما لغتان. وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى. فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتشديد فرقًا، وأنه يقال: بدلته؛ أي: غيرته، وأبدلته أزلته، وجعلت غيره. قال النحاس: وهذا القول صحيح. والمعنى: أي (٢) وعد الله المؤمنين منكم المصلحين لأعمالهم ليورثنهم أرض المشركين من العرب والعجم، وليجعلنهم ملوكها وساستها كما استخلف بني إسرائيل بالشام حين أهلك الجبابرة، وجعلهم ملوكها وسكانها. وقد وفي سبحانه بوعده، فإنه لم يمت ﵊ حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب، وأخذ الجزية من مجوسي هجر، ومن بعض أطراف الشام، وهاداه هرقل ملك الروم، والمقوقس في مصر، والنجاشى ملك الحبشة. ولما قُبض ﷺ إلى الرفيق الأعلى .. قام بالأمر بعده الخلفاء الراشدون، فنهجوا منهجه، وملكوا خزائنهم، واستعبدوا أبناء القياصرة، وصدق قول رسوله ﷺ : "إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ أمتي ما زوي لي منها". ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾؛ أي: وليجعلن دين الإِسلام راسخًا قويًا مقررًا، ثابت القدم، ويعظم أهله في نفوس أعدائه، الذين يواصلون الليل بالنهار، في التدبير لإطفاء أنواره، لتعفوا آثاره. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾؛

стр. 8651

أي: وليغيرن حالهم من الخوف إلى الأمن. قال الربيع بن أنس: كان النبي ﷺ وأصحابه بمكة نحوًا من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده لا شريك له، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله سبحانه بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فصبروا على ذلك ما شاء الله تعالى، ثم إن رجلًا من الصحابة قال: يا رسول الله، أبد الدهر نحن خائفون هكذا، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ : "لن تصبروا إلا يسيرًا، حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم، محتبيًا ليس فيه حديدة" فأنزل الله ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ إلى آخر الآية. ونحو الآية قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾. وجملة ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ في محل النصب حال من ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد؛ أي: وعد الله الذين آمنوا بالاستخلاف والتمكين، حالة كونهم مستمرين على عبادتي وتوحيدي. ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة للثناء عليهم. وجملة ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ حال من الواو في ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ أي: يعبدونني (١) حالة كونهم غير مشركين بي في العبادة شيئًا من الأشياء. وقيل معناه: لا يراؤون بعبادتي أحدًا، وقيل معناه: لا يخافون غيري، وقيل معناه: لا يحبون غيري. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ وارتد ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد ذلك الوعد الصحيح، أو من استمر على الكفر، ولم يتأثر بما مر من الترغيب والترهيب، فإن الإصرار (٢) عليه بعد مشاهدة دلائل التوحيد كفر مستأنف، زائد على الأصل، أو من كفر هذه النعمة العظيمة بعد ذلك الوعد الصحيح. ﴿فَأُولَئِك﴾ الكافرون لهذه النعم ﴿هُمُ﴾

стр. 8652

لا غيرهم ﴿الْفَاسِقُونَ﴾؛ أي: الكاملون في الفسق والخروج عن الطاعة، وفي الطغيان حدود الكفر. قال المفسرون: أول من كفر بهذه النعمة وجحد حقها الذين قتلوا عثمان ﵁ فلما قتلوه غير الله ما بهم من الأمن وأدخل عليهم الخوف الذي رفع عنهم، حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانًا متحابين. والله تعالى لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وفي الحديث: "إذا وضع السيف في أمتي، لا يرفع عنها إلى يوم القيامة". ٥٦ - وجملة قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ معطوفة (١) على مقدر يدل عليه السياق، كأنه قيل لهم: فآمنوا واعملوا صالحًا، وأقيموا الصلاة إلخ. وقيل: معطوف على ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ﴾. وقيل: التقدير: فلا تكفروا، وأقيموا الصلاة؛ أي: أدوا الصلوات الخمس في مواقيتها بأركانها وشروطها وآدابها، وأعطوا الزكاة المفروضة في أموالكم إلى مستحقيها. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أي: اتبعوا الرسول محمد ﷺ ، فيما أمركم به ونهاكم عنه، فهو من باب التكميل. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ أي: لكي تنالوا رحمة الله سبحانه في الدنيا والآخرة؛ أي: افعلوا ما ذكر من الإقامة والإيتاء والإطاعة، راجين أن يرحمكم الله بسبب امتثالكم هذه المأمورات. فهو متعلق بالأوامر الثلاثة. وكرر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد، وخصه بالطاعة لأن طاعته طاعة الله تعالى. ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم، كما يشعر به الحذف، على ما تقرر في علم المعاني، من أن مثل هذا الحذف مشعر بالتعميم. ٥٧ - ﴿لَا تَحْسَبَنّ﴾ يا محمد، أو يا من يصلح للخطاب كائنًا من كان ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مفعول أول للحساب. ﴿مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)؛ أي: معجزين لله عن إدراكهم لاهلاكهم في قطر من الأقطار بما رحبت، فائتين عنه، وإن هربوا منها

стр. 8653

كل مهرب ﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾؛ أي: مسكنهم ومقرهم في الآخرة ﴿النَّارُ﴾؛ أي: نار جهنم. والجملة الاسمية معطوفة على جملة النهي بتأويلها بجملة خبرية؛ أي: لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض، فإنهم مدركون، ومأواهم النار. ﴿وَلَبِئْسَ﴾ وقبح ﴿الْمَصِيرُ﴾ والمرجع لهم النار. والجملة جواب لقسم محذوف. والمخصوص بالذم محذوف؛ أي: وعزتي وجلالي لبئس المصير، والمرجع لهم. هي؛ أي: النار. وقرأ الجمهور (١): ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء الفوقية؛ أي: لا تحسبن يا محمد. وقرأ حمزة وابن عامر وأبو حيوة ﴿لا يحسبن﴾ بالياء التحتيَّة، فيكون الموصول فاعلًا على هذه القراءة والمفعول الأول محذوف، أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين في الأرض. قال النحاس: وما علمت أحدًا بصريًا، ولا كوفيًا إلا وهو يخطىء قراءة حمزة. وفي الآية (٢): إشارة إلى كفران النعمة، فإن الذين أنفقوا النعمة في المعاصي، وغيروا ما بهم من الطاعات مأواهم نار القطيعة. قال علي ﵁: أقل ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه. ومعنى الآيتين (٣): وأقيموا أيها الناس الصلاة على الوجه الذي رسمه الله في مواقيتها, ولا تضيعوها، وآتوا الزكاة التي فرضها الله على أهلها , لما فيها من الإحسان إلى الفقير والمسكين وذوي البؤس والحاجة، وأطيعوا رسول ربكم فيما أمركم به، ونهاكم عنه، لعل ربكم أن يرحمكم فينجيكم من شديد عذابه، ثم بين أن الكافرين سيحل بهم النكال، ولا يجدون مهربًا مما أوعدهم به ربهم فقال: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: لا تظن أيها الرسول الكافرين يجدون مهربًا في الأرض إذا أردنا إهلاكهم، بل نحن قادرون على أخذهم،

стр. 8654

والبطش بهم متى أردنا. وبعدئذٍ بين مآلهم في الآخرة، فقال: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: كما أنا سنضيف عليهم في الدنيا، وننكل بهم، ولا يفلتون من عذابنا سنجعل عاقبة أمرهم نارًا تلظّى، لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى. والخلاصة: أنه سيلحقهم سخطنا في الدنيا، وسينالهم الذل والصغار، وسيكون مصيرهم في الآخرة سعيرًا وحميمًا وغساقًا، جزاءً وفاقًا، إنهم كذبوا بآياتنا كذابًا. الإعراب ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾. ﴿أَلَمْ﴾ (الهمزة): للاستفهام التقريري. ﴿لَمْ تَرَ﴾: جازم ومجزوم وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير هذه الحقيقة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُسَبِّحُ﴾: فعل مضارع ﴿لَهُ﴾ متعلق به. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. وجملة ﴿يُسَبِّحُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي رأى؛ لأن الرؤية هنا قلبية تتعدى إلى مفعولين؛ لأن تسبيع المسبحين لا تتعلق به رؤية البصر. ﴿وَالطَّيْرُ﴾: معطوف على ﴿مَنْ﴾. ﴿صَافَّاتٍ﴾ حال من الطير ومفعول صافات محذوف؛ أي: باسطات أجنحتها. ﴿كُلٌّ﴾: مبتدأ، وسوغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿عَلِمَ﴾: فعل ماض وفاعله ضمير يعود على كل، أو على الله. وقال أبو البقاء: إن عودته على كل أرجح؛ لأن القراءة برفع كل على الابتداء، فيرجع ضمير الفاعل إليه. ولو كان فيه ضمير اسم الله لكان الأولى نصب كل، لأن الفعل الذي بعدها قد نصب ما هو من سبببها، فيصير كقولك: زيدًا ضرب عمرو غلامه. ﴿صَلَاتَهُ﴾: مفعول به. ﴿وَتَسْبِيحَهُ﴾: معطوف عليه. وجملة ﴿عَلِمَ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ.

стр. 8655

﴿عَلِيمٌ﴾: خبره. والجملة مستأنفة. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾. وجملة ﴿يَفْعَلُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لله﴾: خبر مقدم. ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة مستأنفة. ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾: خبر مقدم. ﴿الْمَصِيرُ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾. ﴿أَلَمْ﴾: (الهمزة): فيه للاستفهام التقريري. ﴿لم تر﴾: جازم وفعل مجزوم، وفاعل مستتر. تقديره أنت. والجملة مستأنفة. ﴿أَنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾: فعل وفاعل مستتر، يعود على الله ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾. وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي تر، إن قلنا إنها قلبية، ويصح كونها بصرية، تقديره: ألم تر إزجاء الله سحابًا. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ. ﴿يُؤَلِّفُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على ﴿يُزْجِي﴾. ﴿بَيْنَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يُزْجِي﴾. ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعولان معطوف على ﴿يُؤَلِّفُ﴾. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿ترى الودق﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به مطعوف على ﴿يَجْعَلُهُ﴾. ﴿يَخْرُجُ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿الْوَدْقَ﴾. ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَخْرُجُ﴾. والجملة الفعلية في محل النصب حال من ﴿الْوَدْقَ﴾. ﴿وَيُنَزِّلُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. والجملة معطوفة على جملة ﴿يُزْجِي﴾ على كونها خبرًا لـ ﴿أَنَّ﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ينزل﴾. فـ ﴿مِنْ﴾: ابتدائية. ﴿مِنْ جِبَال﴾: جار ومجرور بدل من الجار والمجرور قبله، بدل اشتمال. ﴿فِيهَا﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿جِبَال﴾. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿ينزل﴾. وهو في موضع مفعول الإنزال وهي تبعيضية. وفي "الفتوحات" قد ذكرت ﴿مَنْ﴾ هنا ثلاث مرات. فالأولى: ابتدائية

стр. 8656

باتفاق المفسرين. والثانية: قيل زائدة. وقيل تبعيضية. وقيل: ابتدائية على جعل مدخولها بدلًا مما قبله بإعادة الجار. والثالثة: فيها هذه الأقوال الثلاثة. وتزيد بقول رابع: وهو أنها لبيان الجنس انتهى. ﴿فَيُصِيبُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿يصيب﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله معطوف على ينزل. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يصيب﴾. ﴿مَنْ﴾ مفعول به لـ ﴿يصيب﴾. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. والعائد محذوف، تقديره: من يشاء إصابته. ﴿وَيَصْرِفُهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على الله، معطوف على يصيب. ﴿عَنْ مَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يصرف﴾ وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿من﴾ الموصولة ﴿يَكَادُ﴾: فعل مضارع ناقص من أفعال المقاربة. ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ اسمها ومضاف إليه. وجملة ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾ في محل النصب خبر ﴿يَكَادُ﴾. وجملة ﴿يَكَادُ﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿بَرَدٍ﴾. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿وَالنَّهَارَ﴾: معطوف على الليل. والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب وتوكيد. ﴿فِي ذَلِكَ﴾: جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَعِبْرَةً﴾: اسمها مؤخر. واللام فيه حرف ابتداء. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾: جار ومجرور مضاف إليه صفة ﴿لَعِبْرَةً﴾. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به. والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ. والجملة الاسمية مستأنفة مسوقة لبيان أصناف الخلق. ﴿مِنْ مَاءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾؛ أي: من نطفة. بحسب الأغلب. ﴿فَمِنْهُمْ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفصيل. ﴿منهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها، عطف مفصل على مجمل. ﴿يَمْشِي﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على من. ﴿عَلَى بَطْنِهِ﴾: متعلق به. والجملة

стр. 8657

الفعلية صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة ﴿وَمِنْهُمْ﴾ خبر مقدم. ﴿من﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿يَمْشِي﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر على ﴿من﴾. ﴿عَلَى رِجْلَيْنِ﴾: متعلق بـ ﴿يَمْشِي﴾. والجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ إعرابه نظير ما قبله، ومعطوف عليه ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة مستأنفة. وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَدِيرٌ﴾، ﴿قَدِيرٌ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. وجملة إن مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾. ﴿لَقَدْ﴾: اللام: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَنْزَلْنَا آيَاتٍ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿مُبَيِّنَاتٍ﴾: صفة ﴿آيَاتٍ﴾. والجملة الفعلية لقسم محذوف، لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَاللَّهُ﴾: مبتدأ. وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره. والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿من﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به لـ ﴿يَشَاءُ﴾ وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: جار ومجرور، وصفة متعلق بـ ﴿يَهْدِي﴾. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة. ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾: مقول محكي، وإن شئت قلت: ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به. والجملة في محل النصب مقول ليقولون. ﴿وَبِالرَّسُولِ﴾ معطوف على بالله. ﴿وَأَطَعْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنَّا﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ﴾: فعل وفاعل معطوف على يقولون. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة لـ ﴿فَرِيقٌ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَتَوَلَّى﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: حالية ﴿ما﴾: حجازية. ﴿أُولَئِكَ﴾: اسمها. ﴿بِالْمُؤْمِنِين﴾: خبرها. والباء: زائدة. والجملة الاسمية في محل النصب، حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ لتخصصه بالصفة. ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُم

стр. 8658

الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾. ﴿وَإِذَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: ظرف لما يسقبل من الزمان، متضمن معنى الشرط. ﴿دُعُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿دُعُوا﴾. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة. والجملة الفعلية في محل الخفض بإضافة ﴿إذا﴾ إليها، على كونا فعل شرط لها. ﴿لِيَحْكُمَ﴾ (اللام): حرف جر وتعليل. ﴿يحكم﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة. جوازًا بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الرسول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يحكم﴾ والجملة مع أن المضمرة، في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لحكمه. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿دُعُوا﴾. ﴿إِذَا﴾ فجائية، قائمة مقام الفاء، في ربط الجواب بشرطه. وهو ﴿إِذَا﴾ الأولى، حرف لا محل لها من الإعراب. ﴿فَرِيقٌ﴾: مبتدأ. ﴿مِنْهُمْ﴾: صفة له. ﴿مُعْرِضُونَ﴾: خبر المبتدأ. والجملة الاسمية جواب ﴿إذا﴾ الشرطية، لا محل لها من الإعراب. وجملة ﴿إذا﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَيَقُولُونَ﴾. ﴿وَإِنْ يَكُنْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنْ﴾: حرف شرط جازم. ﴿يَكُنْ﴾: فعل مضارع ناقص. مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿لَهُمُ﴾: خبر ﴿يَكُنْ﴾ مقدم على اسمها. ﴿الْحَقُّ﴾: اسما مؤخر. ﴿يَأْتُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَأْتُوا﴾. ﴿مُذْعِنِينَ﴾ حال من فاعل ﴿يَأْتُوا﴾. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿إذا﴾. ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾. ﴿أَفِي﴾ الهمزة فيه: للاستفهام التقريري. جيء بها للمبالغة في الذم. ﴿في قلوبهم﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرَضٌ﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة مستأنفة، مسوقة لتقسيم الأمر في صدودهم عن حكومته، إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين، أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله. ﴿أَمِ﴾: حرف عطف منقطعة، تقدر ببل الإضرابية. وهمزة الاستفهام التقريري. ﴿ارْتَابُوا﴾: فعل وفاعل. والجملة معطوفة على الجملة التي

стр. 8659

قبلها. ﴿أَمِ﴾: عاطفة متقطعة تقدر ببل. وهمزة الاستفهام التقريري. ﴿يَخَافُونَ﴾ فعل وفاعل. والجملة معطوفة على ما قبلها. ﴿أن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَحِيفَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل منصوب بأن. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق بـ ﴿يَحِيفَ﴾. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ معطوف على الجلالة. والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: أم يخافون حيف الله ورسوله عليهم. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب وابتداء. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: خبر المبتدأ والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر بمعنى ما النافية وإلا المثبتة. أو تقول: ﴿إن﴾: حرف نصب مكفوفة عن العمل. ﴿ما﴾: كافة. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: خبرها مقدم على اسمها. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان، مجرد عن معنى الشرط. ﴿دُعُوا﴾: فعل ونائب فاعل. ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿دُعُوا﴾. ﴿وَرَسُولِهِ﴾: معطوف على الجلالة. والجملة في محل الخفض بضافة ﴿إِذَا﴾ إليها. والظرف متعلق بقول المؤمنين. ﴿لِيَحْكُمَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿يحكم﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الرسول. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يحكم﴾. والجملة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لحكمه. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: الجار والمجرور متعلق بـ ﴿دُعُوا﴾. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل. والجملة في تأويل مصدر مرفوع على كونه اسم كان مؤخرًا، والتقدير: إنما كان قول سمعنا وأطعنا قول المؤمنين، وقت دعوتهم إلى الله، ورسوله ليحكم بينهم. وجملة كان مستأنفة. وإنما ترجح نصب قول المؤمنين على رفعه؛ لأنه متى اجتمع معرفتان فالأولى جعل أوغلهما في التعريف اسمًا لكان. ولكن سيبويه لم يفرق بينهما. ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ مقول محكي ليقولوا. وإن شئت قلت: ﴿سَمِعْنَا﴾ فعل وفاعل. والجملة في محل النصب مقول ليقولوا. ﴿وَأَطَعْنَا﴾ فعل وفاعل معطوف على سمعنا. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾: خبر. والجملة مستأنفة.

стр. 8660

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ. والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿يُطِعِ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ مجزوم بـ ﴿مَنْ﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿وَرَسُولَهُ﴾: معطوف على الجلالة. ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿من﴾ معطوف على ﴿يُطِعِ﴾ على كونه فعل شرط لمن. ﴿وَيَتَّقْهِ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على من معطوف على يطع، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وسكنت القاف على قراءة حفص للتخفيف، أو مجزوم بسكون القاف إجراء للمعتل مجرى الصحيح، كما مر في مبحث القراءة. ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْفَائِزُونَ﴾ خبر المبتدأ. والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة من الشرطية مستأنفة. ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿أقسموا﴾: فعل وفاعل. والجملة مستأنفة ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أقسموا﴾. ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾: منصوب على المفعولية المطلقة، أو حال من فاعل ﴿أقسموا﴾؛ أي: مجتهدين في أيمانهم. ﴿لَئِنْ﴾ (اللام): موطئة للقسم. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿أَمَرْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿لَيَخْرُجُنَّ﴾ اللام: موطئة للقسم مؤكدة للأولى. ﴿يخرجن﴾: فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه ثبات النون المحذوفة، لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة: لالتقاء الساكنين في محل الرفع فاعل، ونون التوكيد الثقيلة: حرف لا محل لها من الإعراب. ولم يبن الفعل هنا؛ لأن النون لم تباشره. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم مستأنفة. وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، تقديره: إن أمرتهم، يخرجون. وجملة الشرط معترضة بين القسم وجوابه، لا محل لها من الإعراب. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة. ﴿تُقْسِمُوا﴾: فعل

стр. 8661

وفاعل مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية. والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿طَاعَةٌ﴾ مبتدأ ﴿مَعْرُوفَةٌ﴾ صفته. وسوغ الابتداء بالنكرة هذا الوصف. والخبر محذوف، تقديره: خير لكم، أو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: أمركم الذي أنتم عليه طاعة معروفة؛ أي: نفاقية لسانية. قال الواسطي: وهذا الوجه أولى؛ لأن الخبر محط الفائدة، وعليه فالمعنى: أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة، معلومة لا يشك فيها, ولا يرتاب اهـ. "كرخي". والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿خَبِيرٌ﴾ خبره. ﴿بِمَا﴾ متعلق بـ ﴿خَبِيرٌ﴾. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ صلة ﴿ما﴾ الموصولة. وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على محمد. والجملة مستأنفة. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على أطيعوا الله. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، أو فصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، من أمرم بالإطاعة وأردتم بيان حكم ما إذا تتولوا عن الطاعة فأقول لكم. ﴿إن تولوا﴾ ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿تَوَلَّوْا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. وعلامة جزمه حذف النون؛ لأن أصله تتولوا فحذفت إحدى التاءين للتخفيف. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: رابطة الجواب. ﴿إنما﴾: أداة حصر. ﴿عَلَيْهِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿ما﴾: موصولة في محل الرفع مبتدأ مؤخر. ﴿حُمِّلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل مستتر يعود على ﴿ما﴾. والجملة الفعلية صلة الموصول. والجملة من المبتدأ والخبر في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونا جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَعَلَيْكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مَا حُمِّلْتُم﴾: مبتدأ مؤخر. والجملة الاسمية

стр. 8662

في محل الجزم، معطوفة على الجملة التي قبلها، على كونها جواب ﴿إن﴾ الشرطية. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط جازم. ﴿تُطِيعُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿تَهْتَدُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الأولى، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ﴾ صفته. والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل ومفعول. والجملة مستأنفة. ﴿آمَنُوا﴾ فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْكُمْ﴾ جار ومجرور حال من فاعل ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ (اللام): واقعة في جواب قسم محذوف، تقديره: وأقسم. ﴿يستخلفنهم﴾ فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله. ونون التوكيد الثقيلة، ومفعول به في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ﴿كَمَا﴾ الكاف: حرف جر. ﴿ما﴾: مصدرية. ﴿اسْتَخْلَفَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به. ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ جار ومجرور صلة الموصول. والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية ﴿ما﴾: مع صلتها

стр. 8663

في تأويل مصدر، مجرور بالكاف، تقديره: كاستخلافه الذين من قبلهم، الجار والمجرور متعلق بواجب الحذف، لوقوعه صفة لمصدر محذوف، تقديره: ليستخلفنهم استخلافًا كائنًا، كاستخلاف الذين من قبلهم. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يمكنن﴾: فعل مضارع في محل الرفع، لتجرده عن الناصب، والجازم مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله. والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب. وجملة القسم، معطوفة على جملة القسم، في قوله: ﴿ليستخلفنهم﴾: ﴿لَهُمْ﴾ متعلق بـ ﴿يمكنن﴾ ﴿دِينَهُمُ﴾: مفعول به. ﴿الَّذِي﴾ اسم موصول في محل النصب صفة لـ ﴿دِينَهُمُ﴾. ﴿ارْتَضَى﴾ فعل ماض وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿لَهُمْ﴾. متعلق به. والجملة صلة الموصول. والعائد محذوف، تقديره ارتضاه لهم. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. (واللام): موطئة للقسم. ﴿يبدلنهم﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على الله ومفعول به أول، ونون توكيد ثقيلة. والجملة معطوفة على جملة ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾. ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿ليبدلنهم﴾. ﴿أَمْنًا﴾ مفعول ثان ليبدلن. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ ﴿يعبدون﴾: فعل مضارع وفاعل مرفوع بثبات النون. والنون نون الوقاية. والياء مفعول به. والجملة الفعلية مستأنفة على الأرجح، استئنافًا بيانيًا لا محل لها من الإعراب. كأنه قيل: ما بالهم بعد ذلك. فقيل: يعبدونني. ويجوز أن تكون حالًا من مفعول ليستخلفنهم؛ أي: حالة كونهم عابدين إياي. ﴿لَا يُشْرِكُونَ﴾. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يُشْرِكُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِي﴾: متعلق به. ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به، أو مفعول مطلق. والجملة الفعلية في محل النصب بدل من جملة ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ أو حال من فاعل ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾؛ أي: يعبدونني حالة كونهم موحدين. وهو جيد. ولك أن تجعلها استئنافية كسابقتها. ﴿وَمَنْ﴾ الواو: استئنافية. ﴿وَمَنْ﴾: اسم شرط في محل الرفع. مبتدأ. والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿كَفَرَ﴾ فعل ماض في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونه فعل شرط لها، وفاعله ضمير يعود على من. ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ متعلق بـ ﴿كَفَرَ﴾ ﴿فَأُولَئِكَ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة الجواب. ﴿أولئك﴾: مبتدأ. ﴿هُمُ﴾: ضمير

стр. 8664

فصل. ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ خبر. والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿وَمَنْ﴾ على كونها جوابًا لها. وجملة ﴿وَمَنْ﴾ الشرطية، مستأنفة. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. والجملة معطوفة على محذوف، معلوم من السياق، تقديره: فآمنوا واعملوا صالحًا وأقيموا الصلاة، أو معطوفة على وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول. قال الزمخشري: وليس ببعيد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل؛ لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ كلاهما فعل وفاعل ومفعول به معطوفان على ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ ناصب واسمه. وجملة ﴿تُرْحَمُونَ﴾: خبر ﴿لعل﴾. مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾. ﴿لَا﴾ ناهية جازمة. ﴿تَحْسَبَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الجزم بـ ﴿لَا﴾ مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير مستتر يعود على محمد، أو على أي مخاطب. والجملة مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾ اسم موصول للجمع المذكر، في محل النصب مفعول أول لحسب. وجملة ﴿كَفَرُوا﴾ صلة الموصول ﴿مُعْجِزِينَ﴾ مفعول ثان لحسب ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بمحذوف حال من الضمير المستكن في ﴿مُعْجِزِينَ﴾ ومتعلق ﴿مُعْجِزِينَ﴾ محذوف، تقديره: لنا. ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ مبتدأ وخبر، أو بالعكس. والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ عطف خبر على إنشاء، على رأي بعضهم، أو معطوفة على مقدر، تقديره: بل هم مقهورون مدركون ومأواهم الخ. وهذا أولى؛ لأنه يكون عطف خبر على خبر. ﴿وَلَبِئْسَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و (اللام): موطئة للقسم. ﴿بئس﴾: فعل ماض جامد لإنشاء الذم. ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعل والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا، تقديره: مصيرهم، يعني النار. والجملة الفعلية جواب لقسم محذوف. وجملة القسم مستأنفة.

стр. 8665

التصريف ومفردات اللغة ﴿وَالطَّيْرُ﴾ جمع طائر، كريب وراكب. والطائر كل ذي جناح يسبح أى الهواء قال أبو عبيدة: وقطرب: الطير يقع على الواحد والجمع. وقال ابن الأنباري: الطير جماعة، وتأنيثها أكثر من التذكير. وفي "المصباح" الطائر على صيغة اسم الفاعل، من طار يطير طيرانًا، وهو له أى الجو كمشي الحيوان أى الأرض، ويعدى بالهمزة. والتضعيف. فيقال: طيرته وأطرته. وجع الطائر طير كصحب وصاحب. وجمع الطير طيور وأطيار. ﴿صَافَّاتٍ﴾ أي: باسطات أجنحتهن أى الهواء، من الصف، وهو البسط. ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ أي: يسوق سوقًا برفق، والإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة لينساق، غلب أى سوق شيء يسير، أو غير معتد به. ومنه البضاعة المزجاة، فإنها يزجيها كل أحد، ويدفعها لقلة الاعتداد بها. ففيه إيماء إلى أن السحاب بالنسبة إلى قدرته تعالى، ما لا يعتد به. وفي "المختار" زجى الشيء تزجية، دفعه برفق، وتزجى بكذا اكتفى به. وأزجى الإبل ساقها. والمزجي الشيء القليل تسوقه. وفي "القاموس" وشرحه زجا يزجو زجوًا وزجى تزجية وأزجى إزجاء وازدجاه: ساقه، ودفعه برفق. يقال: كيف تزجي أيامك؛ أي: كيف تدفعها. وزجى فلان حاجتي؛ أي: سهل تحصيلها، وأزجى الأمر أخره وأزجى الدرهم روجه. وسمي السحاب سحابًا لانسحابه في الهواء؛ أي: انجراره، هو اسم جنس يصح إطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها. والمراد هاهنا، قطع السحاب بقرينة إضافة بين إلى ضميره، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد كما مر. ﴿رُكَامًا﴾: الركام بضم الراء المتراكم بعضه فوق بعض. قال في "المفردات": يقال: سحاب مركوم؛ أي: متراكم، والركام ما يلقى بعضه على بعض. وفي" المختار" ركم الشيء إذا جمعه، وألقى بعضه على بعض، وبابه نصر، وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع. والركام الرمل المتراكم. والسحاب

стр. 8666

ونحوه. اهـ. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾: الودق: المطر، قيل: هو خاص بالضعيف. وقيل: هو المطر ضعيفًا كان أو شديدًا، وهو في الأصل مصدر. يقال: ودق السحاب يدق من باب وعد، وفي "المفردات" الودق قيل: ما يكون خلال المطر، كأنه غبار، وقد يعبر به عن المطر اهـ. ﴿مِنْ خِلَالِهِ﴾؛ أي: من ثقبه. وفي "القرطبي" الخلال جمع خلل، كجبال جمع جبل. وهي فرجه ومخارج القطر منه. وقد تقدم أى البقرة، أن كعبًا قال: إن السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل المطر من السماء .. لأفسد ما يقع عليه من الأرض. اهـ. ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ البرد: محركة الماء المنعقد؛ أي: ما يبرد من المطر أى الهواء، فيصلب. كما في "المفردات". ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾ في "المختار" السنا: مقصورًا، ضوء البرق الساطع، والسنا أيضًا: هو نبت يتداوى به، وهو من ذي الواو، يقال: سنا يسنوا سنًا؛ أي: أضاء يضيء اهـ. "سمين". والسناء من الرفعة مصدود، والشيء الرفيع وأسناه رفعه، وسناه تسنية فتحه وسهله. وفي "القاموس" البرق واحد بروق السحاب، أو ضرب ملك السحاب، وتحريكه إياه لينساق. فترى النيران. وفي "إخوان الصفا" البرق: نار، تنقدح من احتكاك تلك الأجزاء الدخانية، في جوف السحاب. ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ أي: يخطفها بسرعة، جمع بصر، بمعنى الجارحة. ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: يتصرف فيهما فيأخذ من طول هذا، أى قصر ذاك، حتى يعتدلا، ويغير أحوالهما بالحر والبرد. ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لأهل العقول والبصائر، جمع بصيرة. ويقال: لقوة القلب المدركة بميرة وبصر، ولا يكاد يقال للجارحة يصيرة. كما أى "المفردات". ﴿كُلَّ دَابَّةٍ﴾ الدب والدبيب مشي خفيف، ويستعمل ذلك أى الحيوان وفي الحشرات أكثر، كما في "المفردات". والدابة هنا: ليست عبارة عن مطلق ما يمشي ويتحرك، بل هي إسم للحيوان الذي يدب على الأرض، ومسكنه

стр. 8667

هنالك، فيخرج منها الملائكة والجن، فإن الملائكة خلقوا من نور، والجن من نار. وقال في "فتح الرحمن": خلق كل حيوان يشاهد في الدنيا, ولا يدخل فيه الملائكة والجن؛ لأنا لا نشاهدهم. اهـ. والمعنى: خلق كل حيوان يدب على الأرض. ﴿يَمْشِي﴾ والمشي: ضابطه، هو قطع المسافة، والمرور عليها، مع قيد كون ذلك المرور على الأرجل. ﴿وَأَطَعْنَا﴾ من الإطاعة، وهو فعل يعمل بالأمر، لا غير؛ لأنها الانقياد، وهو لا يتصور إلا بعد الأمر، كما مر. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ والحكم بالشيء، أن تقضي بأنه كذا, وليس بكذا، سواء ألزمت بذلك غيرك، أو لم تلزمه. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ يقال: أعرض إذا أظهر عرضه؛ أي: ناحيته. ﴿مُذْعِنِينَ﴾؛ أي: منقادين. ﴿مَرَضٌ﴾؛ أي: فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال. ﴿ارْتَابُوا﴾ شكوا في نبوتك. ﴿أَنْ يَحِيفَ﴾ والحيف الجور، والظلم، والميل في الحكم إلى أحد الجانبين. يقال: حاف في قضيته؛ أي: جار فيما حكم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: فعل مضارع مجزوم بحذف النون؛ لأن أصله تتولوا بتاءين، إحداهما تاء المضارعة، والأخرى تاء المطاوعة؛ لأن ماضيه تولى من باب تفعل الخماسي. ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ البلاغ اسم مصدر لبلغ المضعف، فهو بمعنى التبليغ، الذي هو مصدر بلغ. ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال الراغب: الخلافة النيابة عن الغير. إما لغيبة المنوب عنه، وإما لموته، وإما لعجزه، وإما لتشريف المستخلف. وعلى هذا الوجه الأخير استخلف الله أولياءه في الأرض. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ﴾ التمكين جعل الشيء مكانًا لآخر. يقال: مكن له في الأرض؛ أي: جعلها مقرًا له. يقال: مكنتك ومكنت لك مثل نصحتك ونصحت لك.

стр. 8668

﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ التبديل جعل الشيء مكان آخر، وهو أعم من العوض، فإن العوض هو أن يصير لك الثاني بإعطاء الأول، والتبديل يقال: للتغير وإن لم تأت ببدله. ﴿أَمْنًا﴾ وأصل الأمن طمأنينة النفس، وزوال الخوف. ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع. يقال: صار إلى كذا؛ أي: انتهى إليه. ومنه صير الباب لمصيره الذي ينتهي إليه في تنقله وتحركه. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: ذكر الخاص بعد العام في قوله: ﴿وَالطَّيْرُ﴾ بعد قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وتخصيصها بالذكر مع اندراجها في جملة ما في الأرض لعدم استقرارها فيها قرار ما فيها؛ لأنها تكون بين السماء والأرض. ومنها: فن العنوان في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ الآية. وهو فن انفرد به القليل من علماء البيان، ويسمونه فن العنوان، وعرفوه بأنه أن يأخذ المتكلم في غرض له من وصف، أو فخر، أو مدح، أو عتاب، أو هجاء، أو غير ذلك من الفنون، ثم يأتي لقصد تكميله وتوكيده، بأمثلة من ألفاظ، تكون عنوانات لأخبار متقدمة، وقصص سالفة، ومنه نوع عظيم جدًّا، وهو ما يكون عنوانًا للعلوم، وذلك أن تذكر في الكلام ألفاظ تكون مفاتيح العلوم، ومداخل لها، والآية التي نحن بصددها، فيها عنوان العلم المعروف بالآثار العلوية، والجغرافيا الرياضية وعلم الفلك. ومنها: الطباق في قوله: ﴿يصيب﴾ وقوله: ﴿يصرفه﴾. ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ إذ ليس المراد التقليب المادي للأشياء الذاتية، وإنما استعير لتعاقب الليل والنهار. ومنها: الجناس التام في قوله: ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَار﴾، ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾

стр. 8669

المراد بالأول العيون الباصرة، وبالثانية العقول المدركة. ومنها: الإجمال ثم التفسير في قوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية. فقد ذكر سبحانه أولًا الجنس الأعلى، حيث قال: كل دابة، فاستغرق أجناس كل ما دب، ثم فسر هذا الجنس الأعلى، بالأجناس المتوسطة. حيث قال: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ و ﴿مِنْهُمْ﴾ ومنها: الاستعارة المكنية في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ فقد سمي الزحف على البطن مشيًا على سبيل الاستعارة المكنية، كما قالوا في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر. ويقال فلان لا يتمشى له أمر. ومنها: التغليب في قوله: ﴿مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ لأنه لما اختلط غير العاقل بالعاقل في قوله كل دابة، عبر بـ ﴿من﴾ تغليبًا للعاقل على غيره لشرفه. ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم في قوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾. ومنها: حسن التقسيم في قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآية. لأن الآية لم تبق قسمًا يقع في القلوب، من الصوارف عن القبول، إلا جاءت به، ألا ترى أنه تعالى بعد قوله: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ذكر الريبة؛ لأنه لا بد أن يكون الصارف عن الإجابة لحكم الله ورسوله، إما إبطان الكفر، وإظهار الإِسلام، وهو المرض، أو التشكك والتردد، والتذبذب في حكم الله، هل هو جار على العدل، أو على غيره، وذلك هو الريبة. أو يكون الصارف خوف الحيف الذي لا يشعر به رجاء الإنصاف، فلم يبق قسم من الصوارف إلا ذكر فيها. ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ شبه الإيمان التي يحلف بها المنافقون بالغين، فيها أقصى المراتب في الشدة، والتوكيد بـ ﴿من﴾ يجهد نفسه في أمر سياق لا يستطيعه، ويبذل أقصى وسعه وطاقته بطريق الاستعارة التصريحية. ومنها: المشاكلة في قوله: ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾؛ أي: عليه أمر

стр. 8670

التبليغ، وعليكم وزر التكذيب. ومنها: الطباق بين الخوف والأمن في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 8671

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾ المناسبة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها؛ أن الله لما (١) نهى فيما سلف عن

стр. 8672

دخول الأجانب في البيوت، إلا بعد الاستئذان والتسليم على أهلها، وبين أن في ذلك الخير كل الخير لهم، فإن لم يجدوا فيها أحدًا رجعوا، لما لذلك من كبير الأثر في المجتمع الإِسلامي بصيانة الآداب العامة، ومنع القيل والقال، وحفظ الأعراض والإنساب .. استثنى في هذه الآيات دخول الأقارب بعضهم على بعض، ودخول المملوكين على سادتهم، وبين أن الاستئذان لا يكون في جميع الأوقات، بل في ثلاث أوقات، هي عورات لأرباب البيوت لما فيها من رفع الكلفة، وقلة التحفظ في الستر. ثم ذكر أن النساء الطاعنات في السن, إذا لم يطمعن في الزواج، فلا حرج عليهن إذا لم يستعملن الزينة، وعليهن أن يتعففن جهد الطاقة. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر أن للمماليك والصبيان الدخول في البيوت في غير العورات الثلاث بلا استئذان، ولا إذن من أهل البيت .. ذكر هنا أنه لا حرج على أهل هذه الأعذار الثلاثة، في تركهم للجهاد وما يشبهه، وذلك يستلزم عدم الاستئذان منه ﷺ ، فلهم القعود من غير استئذان، ولا إذن كما لا حرج عمن ذكروا بعدهم في الأكل، من البيوت المذكورة في الآية. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما أمر المؤمنين بالاستئذان عند الدخول، أمرهم بالاستئذان حين الخروج، ولا سيما إذا كانوا في أمر جامع مع الرسول ﷺ ، كتشاور في قتال أحد، أو في حادث عرض، وبين أن من يفعل ذلك .. فهو من كامل الإيمان. ثم أمر رسوله أن يأذن لمن شاء منهم إذا استأذنه، ثم أمر المؤمنين أن يبجلوا نبيهم، ولا يسموه باسمه، بل يقولون يا نبي الله، ويا رسول الله. وليحذروا أن يخالفوا أمره. وسنته وشريعته، بل عليهم أن يزنوا أقوالهم وأفعالهم بأقواله وأفعاله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه، فهو مردود على فاعله وقائله، كائنًا من كان. وقد ثبت في "الصحيحين" وغيرهما أن النبي ﷺ قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد".

стр. 8673

وقال أبو حيان (١): لما افتتح الله ، هذه السورة بقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ وذكر أنواعًا من الأوامر والحدود، مما أنزله على الرسول ﵇ .. اختتمها بما يجب له ﵇، على أمته من التتابع. والتشايع على ما فيه مصلحة الإِسلام، ومن طلب استئذانه، إن عرض لأحد منهم عارض، ومن توقيره في دعائهم إياه. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ...﴾ الآية، روي (٢) أن سبب نزول هذه الآية: أن رسول الله ﷺ بعث وقت الظهيرة إلى عمر ﵁ غلامًا من الأنصار، يقال له: مدلج بن عمرو، وكان عمر نائمًا فدق عليه الباب، ودخل، فاستيقظ وجلس فانكشف منه شيء، فقال: لوددت لو أن الله تعالى نهى آبانا وأبناءنا، وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإذن فانطلق معه إلى رسول الله ﷺ ، فوجد الآية قد نزلت فخر ساجدًا، وهذا أحد موافقات رأيه الصائب ﵁ الوحي. قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (٣) عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان الرجل يذهب بالأعمى والأعرج والمريض إلى بيت أبيه، أو بيت أخيه أو بيت أخته أو بيته عمته أو بيت خالته، فكانت الزمنى يتحرجون من ذلك، يقولون إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم. فنزلت هذه الآية رخصةً لهم ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ...﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵁ قال: لما أنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ تحرج المسلمون، وقالوا الطعام من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند

стр. 8674

أحد، فكف الناس عن ذلك، فنزل ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ إلى قوله: ﴿مَفَاتِحَهُ﴾ الآية. وأخرج الضحاك قال: كان أهل المدينة، قبل أن يبعث النبي ﷺ ، لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا مريض، ولا أعرج؛ لأن الأعمى لا يبصر طيب الطعام، والمريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت رخصة في مؤاكلتهم. وأخرج عن مقسم قال: كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج فنزلت هذه الآية. وأخرج (١) الثعلبي في "تفسيره" عن ابن عباس ﵁ قال: خرج الحارث غازيًا مع رسول الله، فخلف على أهله خالد بن زيد، فحرج أن يأكل من طعامه، وكان مجهودًا، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ الآية، وأخرج البزار بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير فيدفعون مفاتيحهم إلى زمناهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما أحببتم، وكانوا يقولون إنه لا يحل لنا أنهم أذنوا عن غير طيب نفس، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾. وأخرج ابن جرير عن الزهري أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا، فقال: أخبرني عبد الله بن عبد الله، قال: إن المسلمين كانوا إذا غزوا، خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك، ويقولون لا ندخلها وهم غيب، فأنزل الله هذه الآية رخصةً لهم. وأخرج عن قتادة قال: نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ في حي من العرب، كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، وكان يحمله بعض يوم، حتى يجد من يأكله معه، فربما قعد، والطعام بين يديه،

стр. 8675

لا يجد من يؤاكله حتى يمسي، فيضطر إلى الأكل وحده. قال: بعض الشعراء: إِذَا ما صَنَعْتِ الزَّادَ فَالْتَمِسِي لَهُ ... أَكِيْلًا فَإِنَّيْ لَسْتُ آكُلُهُ وَحْدِيْ وأخرج عن عكرمة وأبي صالح، قالا: كانت الأنصار، إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم، فنزلت رخصةً لهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ ...﴾ الآية، أخرج (١) ابن إسحاق والبيهقي في "الدلائل" عن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما، قالوا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من رومة بئر المدينة قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بنعمى إلى جانب أحد، وجاء رسول الله ﷺ ، الخبر فضرب الخندق على المدينة، وعمل فيه وعمل المسلمون فيه، وأبطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يأتون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم، من رسول الله ﷺ ، ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين، إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، يستأذنه في اللحوق لحاجته فيأذن له، وإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه (٢) أبو نعيم في الدلائل من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فأنزل الله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فقالوا: يا نبي الله، يا رسول الله. التفسير وأوجه القراءة ٥٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ رجوع (٣) إلى

стр. 8676

تتمة الأحكام السالفة، بعد الفراغ من الإلهيات، الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيره، والوعد عليها، والوعيد على الإعراض عنها. والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال. واللام في قوله: ﴿ليستأذنكم﴾ لام الأمر، والاستئذان (١) طلب الإذن، والإذن في الشيء إعلام بإجازته، والرخصة فيه؛ أي: يا أيها الذين أمنوا بالله ورسوله من الرجال والنساء، ليطلب منكم الإذن في الدخول عليكم الأناس، الذين ملكت أيديكم من العبيد والإماء الكبار. ﴿وَ﴾ الصبيان ﴿الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ أي لم يصلوا أوان البلوغ والاحتلام، القاصرون عن درجة البلوغ المعهود. والتعبير عن البلوغ بالاحتلام، لكونه أظهر دلائله، وبلوغ الغلام صيرورته بحال لو جامع لأنزل. قرأ الجمهور ﴿الحلم﴾ بضمتين. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية وطلحة ﴿الحلم﴾ بسكون اللام وهي لغة تميم، حالة كون الذين لم يبلغوا الحلم كائنين ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها الأحرار ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ ظرف (٢) زمان ليستأذن؛ أي: ليستأذنوا في الدخول عليكم ثلاثة أوقات في اليوم والليلة؛ لأنها ساعات غرة وغفلة، أو منصوب على المصدرية؛ أي: ثلاث استئذانات. ورجح هذا الوجه أبو حيان. وعبر بالمرات عن الأوقات؛ لأن أصل وجوب الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين، لا نفس الأوقات. ثم فسر تلك الأوقات بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لظهور أنه وقت القيام عن المضاجع، وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة. ومحله النصب، على أنه بدل من ثلاث مرات، بدل تفصيل من مجمل؛ أي: ليستأذنوا ثلاثة أوقات وقتًا من قبل صلاة الصبح. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ﴾ وتنزعون ﴿ثِيَابَكُمْ﴾ التي تلبسونها في النهار؛ أي: ووقتًا حين تخلعون ثيابكم عن أبدانكم لأجل القيلولة، وهي الاستراحة وسط النهار سواء كان معها نوم أم لا.

стр. 8677

وقوله: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ بيان للحين، وهي شدة الحر عند انتصاف النهار؛ أي (١): حين ذلك الوقت الذي هو الظهيرة. وقيل (من) بمعنى في؛ أي: تضعونها في الظهيرة، أو بمعنى اللام؛ أي: من أجل حر الظهيرة. والتصريح (٢) بمدار الأمر، أعني وضع الثياب في هذا الحين، دون الأول والآخر، لما أن التجرد عن الثياب فيه لأجل القيلولة لقلة زمانها ووقوعها في النهار، الذي هو مظنة لكثرة الورود والصدور، ليس من التحقق والاطراد بمنزلة ما في الوقتين، فإن تحقق التجرد واطراده فيهما أمر معروف لا يحتاج إلى التصريح به. ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث، فقال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ الآخرة ضرورة، أنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف، وهو كل ثوب تغطيت به؛ أي: وقتًا بعد صلاة العشاء الآخرة. وإنما خص (٣) سبحانه هذه الثلاثة الأوقات؛ لأنها ساعات الخلوات، ووضع الثياب، فربما يبدو من الإنسان ما لا يجوز أن يراه أحد من العبيد والصبيان، فأمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات. وغير العبيد والصبيان يستأذن في جميع الأوقات. ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل، فقال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ كائنة، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون والمؤمنات بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه الثلاثة المذكورة ثلاث عورات لكم؛ أي: ثلاثة أوقات يختل فيها عادةً ستر عورات لكم. أو المعنى هذه ثلاث خلوات لكم. كما في "تنوير المقياس"، والعورة: الخلل الذي يرى منه ما يراد ستره. وسميت الأوقات المذكورة عورات مع أنها ليست نفس العورات، بل هذه أوقات العورات، على طريق تسمية الشيء باسم ما يقع فيه، مبالغة في كونه محلًا له.

стр. 8678

قرأ (١) ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر، وحفص عن عاصم ﴿ثلاث عورات﴾ برفع الثاء المثلثة من ثلاث. والمعنى: هذه الأوقات هي ثلاث عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها ثيابه، فربما بدت عورته. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ثلاث عورات﴾ بنصب المثلثة. قال أبو علي وجعلوه بدلًا من قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ والأوقات ليست بعورات، ولكن المعنى أنها أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أعرب بإعراب المحذوف. وقرأ (٢) أبو عبد الرحمن السلمي وسعيد بن جبير والأعمش ﴿عَوْرَاتٍ﴾ فتح الواو وهي لغة هديل بن مدركة وبني تميم. ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون الأحرار والحرائر في تمكينهم من الدخول عليكم ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ولا على المماليك والخدم والصبيان ﴿جُنَاحٌ﴾ أي: حرج وإثم في الدخول عليكم بغير استئذان لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر، والاطلاع على العورات، ولعدم تكليف الصبيان. ﴿بَعْدَهُنّ﴾ أي: بعد مضي هذه الأوقات الثلاثة. فرفع الحرج عن الفريقين جميعًا؛ أي: بعد (٣) كل واحدة من تلك العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كل وقتين منهن، فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها, لا بعدها. ولغيرهم في جميع الأوقات. وهذه الجملة مستأنفة، مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. ويجوز أن تكون في محل رفع صفةً لثلاث عورات على قراءة الرفع فيها. والمعنى: من ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات، بقوله: ﴿طَوَّافُونَ﴾ وهو خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هم يعني المماليك والصبيان جوالون ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها الأحرار والحرائر للخدمة طوافًا كثير، يذهبون ويجيؤون. والطواف: الدوران

стр. 8679

حول الشيء. ومنه الطواف بالبيت. كما سيأتي في مباحث الصرف. ومنه أيضًا الحديث في الهرة: "إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات"؛ أي: هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن؛ أي: يدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن، إلا في تلك الأوقات الثلاثة. والجملة مستأنفة مبينة للعذر المرخص في ترك الاستئذان. ومعنى ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: بعضكم يطوف، أو طائف، وهم المماليك والصغار على بعض، وهم الأحرار والكبار. وهذه (١) الجملة بدل مما قبلها، أو مؤكدة لها. والمعنى: أن كلا منكم يطوف على صاحبه، العبيد على الموالي، والموالي على العبيد؛ أي: هم يطوفون عليكم للخدمة، وأنتم تطوفون عليهم للاستخدام. ولو كلفهم الاستئذان في كل طوفة؛ أي: في هذه الأوقات الثلاثة وغيرها .. لضاق الأمر عليهم. فلذا رخص لكم في ترك الاستئذان فيما وراء هذه الأوقات. وقرأ ابن أبي عبلة (٢): ﴿طوافين﴾ بالنصب على الحال من ضمير عليهم. وقال الحسن: إذا بات الرجل خادمه معه، فلا استئذان عليه، ولا في هذه الأوقات الثلاثة. والإشارة في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إلى مصدر الفعل الذي بعده، والكاف صفة لمصدر محذوف. ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾؛ أي: يبين الله لكم أيها المؤمنين، الآيات الدالة على الأحكام تبيينًا كائنًا مثل تبيين هذه الآيات المذكورة هنا؛ أي: ينزلها مبينة واضحة الدلالات عليها. لا أنه تعالى بينها بعد أن لم تكن كذلك. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ أي: مبالغ في العلم بجميع المعلومات جليلها ودقيقها، فيعلم أحوالكم. ﴿حَكِيمٌ﴾ في جميع أفاعيله فيشرع لكم ما فيه صلاح أمركم معاشًا ومعادًا.

стр. 8680

وحاصل معنى الآية: أي لا يدخل (١) أيها المؤمنون، في بيوتكم عبيدكم، وإمائكم، ثلاث مرات في ثلاثة أوقات من ساعات ليلكم ونهاركم إلا بإذن قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم، ولبس ثياب اليقظة وكل ذلك مظنة انكشاف العورة، وحين تخلعون ثيابكم التي تلبسونها وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت خلع ثياب اليقظة، ولبس ثياب النوم. وخص هذه الأوقات الثلاثة، لأنها ساعات الخلوة، ووضع الثياب والالتحاف باللحاف. وهكذا حكم حال الذين لم يبلغوا الحلم من أطفالكم، ثم علل طلب الاستئذان بقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾؛ أي: لأن هذه الأوقات الثلاثة ثلاث عورات لكم، يختل فيها التستر عادة. وبعد أن بين حكم هذه الأوقات الثلاث، بين حكم ما عدا ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ أي: ليس عليكم معشر أرباب البيوت، ولا على الذين ملكت أيمانكم من العبيد والإماء، ولا على الذين لم يبلغوا الحلم من أطفالكم حرج، ولا إثم في غير هذه العورات الثلاث. والخلاصة: لا حرج ولا إثم على الناس أن يدخل عليهم مماليكهم البالغون وصبيانهم الصغار بغير استئذان بعد هذه الأوقات الثلاث. أما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال. ثم علل الإباحة في غيرها بقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾؛ أي: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن؛ لأنهم يخدمونهم، أو لاحتياج الأقارب إليهم. كما أن السادة والأقارب يطوفون على ذوى قراباتهم ومماليكهم إذا عرضت لهم حاجة إليهم. ثم بين فضله على عباده في بيان أحكام دينهم لهم. فقال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ومثل ذلك التبيين لتلك الأحكام يبين لكم

стр. 8681

أيها المؤمنون شرائع دينكم وأحكامه، والله عليم بما يصلح أحوال عباده. حكيم في تدبير أمورهم، فيشرع لهم ما يصلح أحوالهم في المعاش والمعاد. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، ترك الناس ثلاث آيات، فلم يعملوا بهن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. وقوله في النساء: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية. وقوله في الحجرات: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وعن عكرمة عن ابن عباس، أن رجلين من أهل العراق، سألاه عن الاستئذان في العورات الثلاث، التي أمر الله بها في القرآن، فقال: إن الله ستير يحب الستر، كأن الناس ليس لهم ستور على أبوابهم. وحجال في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه، أو ولده، أو يتيمه في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات، ثم بسط الله عليهم الرزق فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأوا أن ذلك قد كفاهم، من الاستئذان الذي أمروا به. ففيه (١) دليل على أن الحكم إذا ثبت لمعنى، فإذا زال المعنى، زال الحكم، فالتبسط في اللباس والمعاش والسكنى، ونحوها مرخص فيه، إذا لم يؤد إلى كبر واغترار. قال عمر ﵁: إذا وسع الله عليكم، فوسعوا على أنفسكم. ويقال: اليسار مفسدة للنساء، لاستيلاء شهواتهن على عقولهن. وفي الحديث: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده". يعني: إذا أتى الله عبده نعمته من نعم الدنيا، فليظهرها من نفسه، وليلبس ثيابًا نظيفةً، يليق بحاله، ولتكن نيته في لبسه إظهار نعمة الله عليه، ليقصده المحتاجون لطلب الزكاة والصدقات، وليس لبس الخلق مع اليسار من التواضع. وفي الآية رخصة في اتخاذ العبيد والإماء للخدمة، لمن قام بحقهم. وبيان أن حق الموالي عليهم الخدمة. ودلت الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع. وينهي عن ارتكاب القبائح، فإنه تعالى أمرهم بالاستئذان في

стр. 8682

الأوقات المذكورة. وفي الحديث: "مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم على تركلها وهم أبناء عشر". وإنما يؤمر بذلك ليعتاده، ويسهل عليه بعد البلوغ، ولذا كره إلباسه ذهبًا أو حريرًا لئلا يعتاده، والإثم على الملبس، كما في "القهستاني". وقال ابن مسعود ﵁ إذا بلغ الصبي عشر سنين، كتبت له حسناته، ولم تكتب سيئاته، حتى يحتلم. قال في الأشباه، وتصح عبادة الصبي، وإن لم تجب عليه، واختلفوا في ثوابها. والمعتمد أنه له، وللمعلم ثواب التعليم. وكذا جميع حسناته، وليس كالبالغ في النظر إلى الأجنبية، والخلوة بها. فيجوز له الدخول على النساء إلى خمس عشرة سنة. كما في "الملتقط"، فإن قلت: كيف أمر الله تعالى بالاستئذان لهم، مع أنهم غير مكلفين؟ قلت: الأمر في الحقيقة لأوليائهم ليؤدبوهم. كذا في "فتح الرحمن". ٥٩ - ولما بين الله سبحانه حكم الأرقاء والصبيان، الذين هم أطوع للأمر، وأقبل لكل خير .. أتبعه بحكم البالغين الأحرار بقوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ﴾ الأحرار الأجانب (١)، فخرج العبد البالغ، فإنه لا يستأذن في الدخول على سيدته في غير الأوقات الثلاثة المذكورة كما قال في التتمة: يدخل العبد على سيدته بلا إذنها بالإجماع. ﴿مِنْكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْحُلُمَ﴾؛ أي: سن الاحتلام والبلوغ. ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ أي: فليطلبوا الإذن في الدخول عليكم إن أرادوا الدخول. ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ﴾ بلغوا الحلم ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: كما يستأذن الذين ذكروا من قبلهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية. فالمعنى: فليستأذنوا استئذانًا كائنًا مثل استئذان المذكورين قبلهم، بأن يستأذنوا في جميع الأوقات، ويرجعوا إن قيل لهم: ارجعوا. والمعنى: إن (٢) هؤلاء الذين بلغوا الحلم، يستأذنون في جميع الأوقات، في أوقات العورات الثلاث وفي غيرها. كما استأذن الذين من قبلهم من الكبار،

стр. 8683

الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء. وذكر الله (١) سبحانه في هذه الآية حكم الأطفال إذا بلغوا, ولم يذكر حكم ما ملكت أيماننا، مع أن ما قبلها فيه ذكر المماليك والأطفال؛ لأن حكم ما ملكت اليمين واحد، كبارهم وصغارهم، وهو الاستئذان في الساعات الثلاث التي ذكرت في الآية قبل فقط. وقرأ الحسن ﴿الحلْم﴾ بسكون اللام فحذف الضمة لثقلها. كما مر. ثم أكد نعمه عليهم ببيان أحكام دينهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: كما بين لكم ما ذكر غاية البيان ﴿يُبَيِّنُ﴾ الله ﴿لَكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْآيَاتِ﴾؛ أي: آيات أحكامه مما فيه سعادتكم في دنياكم وآخرتكم. ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوال خلقه ظواهرها وبواطنها، فيجازيهم عليها. ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما دبره وشرعه لهم. كرره للتأكيد والمبالغة في الأمر بالاستئذان. فائدة: فإن قلت: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ الآية. ختم (٢) هذه الآية بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ بالإضافة إلى ضميره. وختم ما قبلها وما بعدها بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ بالتعريف بأل، فما الفرق بينها، وبينهما؟ قلت: الفرق أن ما قبلها وما بعدها يشتملان على علامات يمكننا الوقوف عليها. وهي في الأولى: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ وفي الأخيرة: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ الآية. فختم الآيتين بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ وأما بلوغ الأطفال، فلم يذكر له علامات يمكننا الوقوف عليها، بل تفرد تعالى بعلمه بذلك، فخصها بقوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ بالإضافة إليه. اهـ. "فتح الرحمن". ٦٠ - ولما بين سبحانه، حكم الحجاب، حين إقبال الشباب، أتبعه بحكمه حين إدباره، فقال: ﴿وَالْقَوَاعِدُ﴾ مبتدأ. جمع قاعد بلا هاء، ليدل حذفها على أنه قعود

стр. 8684

الكبر لا قعود الجلوس. كما قالوا: امرأة حامل، ليدل بحذف الهاء على أنه حمل حبل، لا حمل متاع. ويقال: قاعدة في بيتها بمعنى جالسة في بيتها، وحاملة على ظهرها. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ حال من الضمير المستكن في القواعد؛ أي: والعجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل حالة كونهن من النساء ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ وزواجًا، صفة للقواعد لا للنساء؛ أي: لا يطمعن في النكاح لكبرهن، فاعتبر فيهن القعود عن الحيض والحمل والكبر أيضًا؛ لأنه ربما ينقطع الحيض والرغبة فيهن باقية. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ﴾ الجملة خبر المبتدأ؛ أي: فليس عليهن إثم ووبال في ﴿أَنْ يَضَعْنَ﴾ وينزعن ﴿ثِيَابَهُنَّ﴾؛ أي: الثياب الظاهرة كالجلباب والإزار فوق الثياب، والقناع فوق الخمار عند الرجال الأجانب، لا الثياب التي على العورة الخاصة. وإنما جاز لهن ذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم يبحه لغيرهن تخفيفًا عليهن. ثم استثنى حالةً من حالاتهن. فقال: ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ حال من فاعل يضعن؛ أي: حالة كونهن غير مظهرات للزينة الخفية، التي أمرن بإخفائها في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنّ﴾ كالسوار والخلخال والقلادة. والمعنى (١): من غير أن يردن بوضع الجلابيب إظهار زينتهن، ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال. والتبرج التكشف والظهور للعيون. ومنه بروج مشيدة، وبروج السماء. ومنه قولهم سفينة بارجة؛ أي: لا غطاء عليها. وقال في "فتح الرحمن"، فإن قلت: كيف أباح تعالى بذلك للقواعد من النساء، وهن العجائز، التجرد من الثياب بحضرة الرجال؟ قلت: المراد بالثياب الزائدة على ما يسترهن. والمعنى: أي (٢) والنساء اللواتي قعدن عن الولد كبرًا، وقد يئسن من التبعل، فلا يطمعن في الأزواج، فليس عليهن إثم، ولا حرج في أن يخلعن

стр. 8685

ثيابهن الظاهرة، كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار، إذا كن لا يبدين زينة خفية، كشعر ونحر وساق لدى المحارم وغير المحارم من الغرباء. وخلاصة ذلك: أنه لا جناح على القواعد من النساء أن يجلسن في بيوتهن بدرع وخمار ويضعن الجلباب، ما لم يقصدن بذلك الزينة، وإظهار ما يجب إخفاؤه. هذا إذا لم يكن فيهن بقية من جمالٍ تورث الشهوة، فإن كان فيهن ذلك، فلا يدخلن أى حكم الآية. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ أي؛ وإن يطلبن العفة بترك وضع الثياب. وهو مبتدأ خبره ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ من وضعها لبعده من التهمة؛ أي: استعفافهن بعدم إلقاء الجلباب خير لهن من الإلقاء؛ أي: وإن تعففن عن وضع جلابيبهن وأرديتهن، فلبسها كالشباب، كان ذلك خيرًا لهن من خلعها ,لتباعدهن حينئذٍ عن التهمة. ولقد قالوا: لكل ساقطة في الحي لاقطة. وقرأ ابن مسعود (١): ﴿وأن يعففن﴾ بغير سين. قال القاضي أبو يعلى: وفي هذه (٢) الآية دلالة، على أنه يباح للعجوز كشف وجهها ويديها بين يدي الرجال. وأما شعرها فيحرم النظر إليه كشعر الشابة. ثم توعد من يخالف تلك الأوامر فقال: ﴿وَاللَّهُ﴾ ﴿سَمِيعٌ﴾ بما يجري بينهن وبين الرجال من الأحاديث والمقاولات ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقاصدهن، لا تخفى عليه خافية من أمرهن، فاحذروا أن يسول لكم الشيطان مخالفة ما به أمر، وعنه نهى، فهو سبحانه سميع لما يقوله كل قائل، عليم بمقاصده. فيجازي كلا على عمله الظاهر والباطن، وفي ذكر هاتين الصفتين توعد وتحذير. واعلم: أن العجوز (٣) إذا كانت بحيث لا تشتهى جاز النظر إليها لا من الشهوة. وفيه إشارة إلى أن الأمور إذا خرجت عن معرض الفتنة، وسكنت نائرة الآفات سهل الأمر، وارتفعت الصعوبة، وأبيحت الرخص، ولكن التقوى فوق
следующие страницы →