← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.

стр. 8786

شبهاتهم في ذلك .. أردف هذا ببيان أن ذلك ما كفاهم، وليتهم اقتصروا عليه، بل زادوا على ذلك الاستهزاء به والحط من قدره، حتى لقد قال بعضهم لبعض: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، بل لقد غالوا في ذلك فسموا دعوته إضلالًا، فرد الله عليهم مقالهم، وأبان لهم أنه سيظهر عليهم حين مشاهدة العذاب من الضال ومن المضل، ثم عجب رسوله من شناعة أحوالهم بعد حكاية أقوالهم وأفعالهم القبيحة، وأرشد إلى أن مثل هؤلاء يبعد أن يزدجروا عما هم فيه من الغي بنصحك وإرشادك، فإن أكثرهم لا يسمعون ولا يعقلون، وما هم إلا كالأنعام أو أضل منها سبيلًا. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما بين (١) جهالة المعرضين عن دلائل التوحيد، وسخيف مذاهبهم وآرائهم .. أعاد الكرة مرة أخرى، فذكر خمسة أدلة عليه نراها عيانًا، وتتوارد علينا ليلًا ونهارًا، وتكون دليلًا على وجود الإله القادر الحكيم. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في "الدلائل" بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ أن أبا معيط كان يجلس مع النبي ﷺ بمكة لا يؤذيه، وكان رجلًا حليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلًا، فقال لامرأته: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ، فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط، فحياه، فلم يرد عليه التحية، فقال: ما لك لا ترد عليّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت، فقال: أو قد فعلتها قريش؟ قال: فما يبرىء صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه، وتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم، ففعل، فلم يزد النبي ﷺ أن مسح

стр. 8787

وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال: "إن وجدتك خارجًا من جبال مكة أضرب عنقك صبرًا"، فلما كان يوم بدر، وخرج أصحابه أبى أن يخرج، فقال له أصحابه: أخرج معنا، قال: قد وعدني هذا الرجل إن وجدني خارجًا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرًا، فقالوا: لك جمل أحمر لا يدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم، فلما هزم الله المشركين وحل به جمله - وقع في الوحل - في جدد من الأرض، فأخذه رسول الله ﷺ أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط، فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم بما بزقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ أخرجه السيوطي في "الدر المنثور" (ج ٥/ ص ٦٨). التفسير وأوجه القراءة ٢١ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة، وهذه الجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ ...﴾ الخ؛ أي: وقال المشركون الذين لا يأملون وعدنا على الطاعة بالثواب، ولا يخافون وعيدنا على المعصية بالعقاب، وأصل الرجاء (١): ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة. واللقاء: يقال في الإدراك بالحس بالبصر وبالبصيرة، وملاقاة الله سبحانه عبارة عن القيامة، وعن المصير إليه تعالى؛ أي: الرجوع إلى حيث لا حاكم، ولا مالك سواه. والمعنى: وقال الذين لا يتوقعون الرجوع إلينا للمجازاة؛ أي: ينكرون البعث والحشر والحساب والجزاء؛ وهم كفار مكة: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: بطريق الرسالة لكون البشرية منافية للرسالة بزعمهم؛ أي: قالوا: هلا أنزلت الملائكة علينا، فيخبرونا أن محمدًا صادق فيما يدعيه، أو هلا أنزلوا علينا رسلًا يرسلهم الله تعالى إلينا؛ لأن البشر لا يصلح للرسالة ﴿أَوْ﴾ هلا ﴿نَرَى رَبَّنَا﴾ جهرة وعيانًا, فيأمرنا بتصديق محمد ﷺ واتباعه؛ لأن هذا الطريق أحسن وأقوى في الإفضاء إلى

стр. 8788

الإيمان وتصديقه، ولما لم يفعل ذلك علمنا أنه ما أراد تصديقه. ومن لطائف الشيخ نجم الدين في تأويلاته أنه قال (١): يشير سبحانه إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة والحشر من الكفرة يتمنون رؤية ربهم بقولهم: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فالمؤمنون الذين يدعون أنهم يؤمنون بالآخرة والحشر، كيف ينكرون رؤية ربهم وقد وردت بها النصوص، فلمنكري الحشر عليهم فضيلة بأنهم طلبوا رؤية ربهم، وجوزوها كما جوزوا إنزال الملائكة، ولمنكري الرؤية ممن يدعي الإيمان شركة مع منكري الحشر في جحد ما ورد الخبر والنقل؛ لأن النقل كما ورد يكون الحشر ورد بكون الرؤية لأهل الإيمان, انتهت. ثم أجاب سبحانه عن شبهتهم هذه بقوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ واللام في قوله: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾ موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أضمر هؤلاء القائلون الاستكبار عن الحق والعناد به ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: في قلوبهم، كما في قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، أو المعنى (٢): لقد أظهروا الكبر والعظم والترفع في شأن أنفسهم، يعني: وضعوا لأنفسهم وجعلوا لها قدرًا ومنزلة ورفعة حيث أرادوا لأنفسم الرسل من الملائكة، ورؤية الرب تعالى ﴿وَعَتَوْا﴾؛ أي: تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان ﴿عُتُوًّا﴾؛ أي: تجاوزًا ﴿كَبِيرًا﴾؛ أي: بالغًا إلى أقصى غاياته من حيث أنهم عاينوا المعجزات القاهرة، وأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة معاينة الملائكة الطيبة، ورؤية الله تعالى التي لم ينلها أحد في الدنيا من أفراد الأمم وآحاد الأنبياء غير نبينا محمد ﷺ ، وهو إنما رآه تعالى بعد العبور عن حد الدنيا، وهو الأفلاك السبعة التي هي من عالم الكون والفساد. ووصفه (٣) بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في

стр. 8789

غاية الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم، بل جاوزوا ذاك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغًا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله، أو تعد من المستعدين له، وهكذا كل من جهل قدر نفسه، ولم يقف عند حده. وإنما قال هنا (١): ﴿عُتُوًّا﴾ على الأصل، وفي سورة مريم: ﴿عِتِيًّا﴾ على استثقال اجتماع الواوين، والقلب لمناسبة الفواصل هناك. وحاصل معنى الآية: أي (٢) وقال الذين ينكرون البعث والحشر، ويطعنون في صدق الرسول فيما أوحي به إليه: هلا أنزل علينا الملائكة، فيخبرونا بأن محمدًا صادق فيما يدعي، فإنّا في شك من أمره، وفي ريب مما يخبر به، وإن لم يكن هذا فلنر ربنا، ونعلم أنه هو حقًا بأمارات لا يعتريها لبس، ثم يقول لنا: إني أرسلت إليكم محمدًا من لدني بشيرًا ونذيرًا، فإن تم لنا ذلك صدقناه وآمنا به، وما مقصدهم من هذا وذاك إلا التمادي في الإنكار والعناد والعتو، ومن ثم قال: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾؛ أي: والله لقد استكبروا في شأن أنفسهم، وتجاوزوا الحد في الظلم والطغيان تجاوزًا بلغ أقصى الغاية تكذيبًا برسوله، وشموخًا بأنوفهم عن أن ينصاعوا إليه ويتبعوه، ولم يأبهوا بباهر معجزاته، ولا كثرة آياته، وإنهم لقد بلغوا غاية القحة في الطلب. وفي الحق أن شأنهم لعجب، وأن العقل ليحار في أمرهم ويدهش لقصور عقولهم، وسذاجة آرائهم، وضعف أحلامهم ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾، ولله در القائل: وَمَنْ جَهِلَتْ نَفْسُهُ قَدْرَهُ ... رَأَى غَيْرُهُ مِنْهُ مَا لاَ يَرَى ثم بين أنهم سيلقون الملائكة حين الهول يوم القيامة، لا على الوجه الذي طلبوه، ولا على الصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر لم يمر ببالهم، فقال:

стр. 8790

٢٢ - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾. وفي "الأسئلة المقحمة" (١): فإذا كان رؤية الله جائزة، فكيف وبخهم على سؤالهم لها؟ قلنا: التوبيخ بسبب أنهم طلبوا ما لم يكن لهم طلبه؛ لأنهم بعد أن عاينوا الدليل قد طلبوا دليلًا آخر، ومن طلب الدليل بعد الدليل .. فقد عتا عتوًا ظاهرًا، ولأنهم كلفوا الإيمان بالغيب فطلبوا رؤية الله، وذلك خروج عن موجب الأمر وعن مقتضاه، فإن الايمان عند المعاينة لا يكون إيمانًا بالغيب، فلهذا وصفهم بالعتو. وانتصاب ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ بفعل محذوف؛ أي: واذكر لهم يا محمد أهوال يوم يرى الكفار الملائكة رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه، والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت، أو يوم القيامة. ثم أخبر، فقال: ﴿لَا بُشْرَى﴾؛ أي: لا بشارة بالمغفرة ودخول الجنة ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم يرى الكفار الملائكة ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: للكافرين، وهذا إظهار في مقام الإضمار، أي: لا بشرى لهم. ويجوز (٢) أن يكون انتصاب هذا الظرف بما يدل عليه قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ والمعنى: لا يبشر المجرمون يوم يرون الملائكة. و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مؤكد لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ والمعنى: أنهم يمنعون البشرى في ذلك اليوم، أو لا توجد لهم البشرى فيه، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة وهو وقت الموت، أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى. والمراد بالملائكة: ملائكة العذاب. قال الزجاج: المجرمون في هذا الموضع هم الذين اجترموا الكفر بالله واقترفوه أيًا كانوا، لا خصوص القائلين الذين سبق ذكرهم.

стр. 8791

وعبارة "روح البيان" هنا: قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ لم يقل: يوم تنزل الملائكة ... إلخ، إيذانًا (١) من أول الأمر بأن رؤيتهم ليست على طريق الإجابة إلى ما اقترحوه، بل على وجه آخر غير معهود، و ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لأنه في معنى: لا يبشر يومئذ المجرمون، لا بنفس بشرى؛ لأنه مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله، وكذا لا يجوز أن يعمل ما بعد لا فيما قبلها، وأصل الجرم: قطع الثمرة عن الشجر، واستعير ذلك لكل اكتساب مكروه، ووضع المجرمون موضع الضمير تسجيلًا عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر، و ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ تكرير للتأكيد، بين الله تعالى أن الذي طلبوه سيوجد، ولكن يلقون منه ما يكرهون حيث لا بشرى لهم، بل لهم إنذار وتخويف وتعذيب بخلاف المؤمنين، فإن الملائكة تتنزل عليهم ويبشرونهم ويقولون لهم: لا تخافوا ولا تحزنوا. ﴿وَيَقُولُونَ﴾؛ أي: يقول الكفرة المجرمون عند مشاهدة الملائكة، وهو معطوف على ما ذكر من الفعل المنفي المقدر المعلوم من ﴿لَا بُشْرَى﴾؛ أي: لا يبشر المجرمون يومئذ، ويقولون: إذا رأوا الملائكة، وفزعوا منهم عند الموت ويوم القيامة: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: استعاذة مستعاذة منكم، وهي كلمة كانوا يقولونها عند لقاء العدو ونزول الشدة، ويضعونها موضع الاستعاذة، والحجر: المنع. والمحجور: الممنوع، جعل صفة لحجر؛ لقصد التأكيد كيوم أيَوْمٍ. وَليل أَلَيْلٍ. والمعنى نسأل الله تعالى أن يحجر المكروه عنا حجرًا، ويمنع شركم عنا منعًا أكيدًا بحيث لا يلحقنا شركم وتعذيبكم إيانا. وقيل (٢): معنى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ بعدًا بعيدًا بيننا وبينكم. ويقال: إن قريشًا كانوا إذا استقبلهم أحد بشر يقولون: حاجورًا حاجورًا، حتى يعرف أنهم من الحرم، فيكف عنهم، فأخبر تعالى أنهم يقولون يوم القيامة، فلا ينفعهم. وقيل: الضمير في ﴿يَقُولُونَ﴾ يعود إلى الملائكة. قال ابن عباس:

стр. 8792

معناه: تقول (١) الملائكة حرامًا محرمًا أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل: إذا خرج الكفار من قبورهم تقول لهم الملائكة: حرامًا محرمًا عليكم أن تكون لكم البشرى. وقرأ الجمهور: ﴿حِجْرًا﴾ - بكسر الحاء -، وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك وقتادة ومعاذ القارئ: ﴿حُجرا﴾ - بضم الحاء -، وقرىء أيضًا بفتحها كما في "المراح". والمعنى؛ أي: (٢) يوم يرى هؤلاء المجرمون الملائكة، فلا بشرى لهم بخير؛ إذ يقولون لهم: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ أي: محرم عليكم البشرى بالغفران والجنة؛ أي: جعلهما الله تعالى حرامًا عليكم؛ إذ هما لا يكونان إلّا لمن أعترف بوحدانية الله تعالى، وصدق رسوله. والخلاصة: لا بشرى يومئذ للكافرين، وتقول لهم الملائكة: حرام أن نبشركم بما نبشر به المتقين. ٢٣ - ثم بين السبب في وبالهم وخسرانهم، فقال: ﴿وَقَدِمْنَا﴾؛ أي: عمدنا وقصدنا ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ﴾؛ أي: إلى ما عمل الكفار في الدنيا من أعمال الخير التي لو عملوها مع الإيمان لنالوا ثوابها من صلة رحم وإغاثة ملهوف، وقرى ضيف وفك أسير، وإكرام يتيم مثلًا؛ أي: قصدنا إلى إبطالها في الآخرة ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾؛ أي: فجعلنا عملهم ذلك ﴿هَبَاءً﴾؛ أي: غبارًا ﴿مَنْثُورًا﴾؛ أي: مفرقًا؛ أي: كالهباء المنثور في الحقارة وعدم الانتفاع بها؛ أي: تعلقت إرادتنا أزلًا بإبطال ثوابها، فأظهرنا بطلانها في الآخرة. والقدوم في الأصل عبارة عن مجيء المسافر بعد مدة ولكن المراد هنا إراد الله سبحانه. والهباء: هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس يشبه الغبار، فلا يمس بالأيدي، ولا يرى في الظل. والمنثور: المفرق المنعدم كما سيأتي. ووصفه بالمنثور؛ لأن الهباء تراه منتظمًا مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب.

стр. 8793

مثل (١) حالهم وحال أعمالهم التي يعملونها في الدنيا من صلة وصدقة وعتاقة ونحو ذلك من المحاسن التي لو عملوها مع الإيمان .. لنالوا ثوابها بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه، فقصد إلى ما تحت أيديهم من الدار والعقار ونحوهما، فهدمها ومزقها وأبطلها بالكلية ولم يبق لها أثرًا؛ أي: قصدنا إليها، وأظهرنا بطلانها بالكلية لعدم شرط قبولها، وهو الإيمان, فليس هناك قدوم على شيء ولا نحوه، وهذا هو تشبيه الهيئة بالهيئة، فهو استعارة تمثيلية، وفي مثله تكون المفردات مستعملة في معانيها الأصلية، وشبه أعمالهم المحبطة بالغبار في الحقارة وعدم الجدوى، ثم بالمنثور منه في الانتشار بحيث لا يمكن نظمه. ٢٤ - وبعد أن بين سبحانه حال الكافرين يومئذ .. ذكر حال أضدادهم المؤمنين، فقال: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وهم المؤمنون ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أي: يوم إذ يرون الملائكة ويقولون: حجرًا محجورًا، وهو يوم القيامة ﴿خَيْرٌ﴾ من المجرمين ﴿مُسْتَقَرًّا﴾: تمييز؛ أي: من جهة المكان الذي (٢) يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون فيه ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾؛ أي: من جهة المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة، ولكنه سمي مكان استراحتهم إلى الحور مقيلًا على طريق التشبيه، وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وفي لفظ الأحسن تهكم بهم، قال الأزهري: القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر وإن لم يكن مع ذلك نوم. قال النحاس: والكوفيون يجيزون العسل أحلى من الخل. فإن قلت (٣): كيف يكون أصحاب الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار ولا خير في النار، ولا يقال: العسل أحلى من الخل؟ قلتُ: إنه من قبيل التقريع والتهكم كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ

стр. 8794

جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ كما سبق، فليست المفاضلة على بابها. ويمكن (١) إبقاؤها على بابها، ويكون التفضيل وقع بين المستقرين والمقيلين باعتبار الزمان الواقع ذلك فيه، فالمعنى: خير مستقرًا في الآخرة من الكفار المترفين في الدنيا، وأحسن مقيلًا في الآخرة من أولئك في الدنيا. وقيل: خير مستقرًا منهم لو كان لهم مستقر، فيكون التقدير: لو وجد لهم مستقر .. يكون مستقر المؤمنين خيرًا من مستقرهم. والمعنى: أي (٢) إن منازل أهل الجنة خير من منازل أولئك المشركين الذين يفتخرون بأموالهم وما أوتوا من الترف والنعيم في الدنيا، وأحسن فيها قرارًا حين القائلة من مثلها لهم في الدنيا؛ لما يتزين به مقيلهم من حسن الصور وجمال التنوق والأبّه والزخرف وغيرها من المحاسن التي لا يوجد مثلها في الدنيا في بيوت المترفين، ولما فيه من نعيم لا يشوبه كدر ولا تنغيص، بخلاف مقيل الدنيا. والمراد بالمقيل هنا المكان الذي ينزل فيه للاستراحة بالأزواج، والتمتع بمغازلتهن؛ أي: محادثتهن ومراودتهن، وإلا فليس في الجنة حر ولا نوم، بل استراحة مطلقة من غير غفلة، ولا ذهاب حس من الحواس، وكذا ليس في النار مكان استراحة ونوم للكفار، بل عذاب دائم وألم باق، وإنما سمي بالمقيل؛ لما روي أن أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنون مساكنهم في الجنة، وأهل النار في النار، وأما المحبوسون من العصاة، فتطول عليهم المدة مقدار خمسين ألف سنة من سني الدنيا. والعياذ بالله تعالى. ثم في ﴿أَحْسَنُ﴾ رمز إلى أن مقيل أهل الجنة مزين بفنون الزين والزخارف كبيت العروس في الدنيا. وفي الحديث: "من سعادة المرء المسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء"، وسئل بعضهم عن الغنى، فقال: سعة البيت ودوام القوت. ثم

стр. 8795

إن سعادات الدنيا كلها مذكرة لسعادات الآخرة، فالعاقل من لا تغره الدنيا الدنية، فجنة العارف هي القلب المطهر ومعرفة الله فيه، كما قال يحيى بن معاذ الرازي - رحمه الله تعالى -: في الدنيا جنة من دخلها لم يشتق إلى الجنة، قيل: وما هي؟ قال: معرفة الله تعالى. ٢٥ - ثم ذكر سبحانه بعض حوادث يوم القيامة، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ منصوب بـ اذكر مقدرًا، وهو معطوف على ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾، وكذا قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ ...﴾ إلخ؛ أي: واذكر يا محمد لهم أهوال يوم تشقق وتتقطع وتتخرق فيه السماء؛ أي: كل سماء ﴿بِالْغَمَامِ﴾؛ أي: بسبب ثقل الغمام، وهو سحاب (١) أبيض مثل الضباب فوق السموات السبع، ثخنه كثخن السموات السبع، وثقله كثقل السموات السبع، فينزل على السماء السابعة، فيخرقها بثقله ويشققها، وهكذا حتى ينزل إلى الأرض وفيه الملائكة؛ أي: ملائكة كل سماء، فينزل أولًا ملائكة الدنيا، وهم أزيد من أهل الأرض من إنس وجن، ثم ملائكة السماء الثانية، وهم أزيد من ملائكة سماء الدنيا، وهكذا، ثم ينزل الكروبيون، وإذا نزل ملائكة سماء الدنيا اصطفوا حول العالم المجوع في المحشر صفًا، وإذا نزل ملائكة السماء الثانية اصطفوا خلف هذا الصف صفًا آخر، وهكذا حتى تصير الصفوف سبعة، كلهم يحرسون أهل المحشر من الفرار والهرب. قال الإِمام النسفي - رحمه الله تعالى -: الغمام فوق السموات السبع، وهو سحاب أبيض غليظ كغلظ السموات السبع، ويمسكه الله سبحانه اليوم بقدرته، وثقله أثقل من ثقل السموات، فإذا أراد الله سبحانه أن يشقق السموات ألقى ثقله عليها فانشقت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾؛ أي: بثقل الغمام، فيظهر الغمام، ويخرج منها، وفيه الملائكة كما قال تعالى: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾؛ أي: تنزيلًا عجيبًا غير معهود. فإن قيل (٢): قد ثبت بالنقل أن الأرض بالقياس إلى سماء الدنيا كحلقة في فلاة، وهكذا سماء الدنيا بالنسبة إلى السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة،

стр. 8796

فكيف تسع الأرض لملائكة السموات السبع بأسرها؟ أجيب: بأن الله يمد الأرض يوم القيامة مد الأديم، فتتسع مع أن السموات مقبية, فكلما زالت واحدة منها ونزلت تتسع الأرض بقدرها، فيكفي لملائكتها أطرافها، وقد ثبت أن الملائكة أجسام لطيفة رقيقة، فلا تتصور بينهم المزاحمة كمزاحمة الناس. وقرأ الحرميان (١) - نافع وابن كثير - وابن عامر: ﴿تشّقّق﴾ بتشديد الشين، فأدغموا التاء في الشين؛ لأن أصله تتشقق، قرؤوا كذلك هنا وفي قَ، وباقي السبعة بحذف تلك التاء: ﴿تَشَقَّقُ﴾ بلا تشديد الشين. وقرأ الجمهور: ﴿وَنُزِّلَ﴾ ماضيًا مشددًا مبنيًا للمفعول. وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء ﴿ونزل﴾ ماضيًا مشددًا مبنيًا للفاعل، وعنه أيضًا: ﴿وأنزل﴾ مبنيًا للفاعل، وجاء مصدره تنزيلًا، وقياسه إنزالًا؛ لأنه لما كان معنى أنزل ونزل واحدًا جاز مجيء مصدر أحدهما للآخر. وقرأ الأعمش وعبد الله في نقل ابن عطية ﴿وأنزل﴾ ماضيًا رباعيًا مبنيًا للمفعول، مضارعه ينزل. وقرأ جناح بن حبيش والخفاف عن أبي عمرو ﴿ونزل﴾ ثلاثيًا مخففًا مبنيًا للفاعل. وقرأ هارون عن أبي عمرو ﴿وتنزل﴾ بالتاء من فوق مضارع نزل مشددًا مبنيًا للفاعل. وقرأ أبو معاذ وخارجة عن أبي عمرو ﴿ونزل الملائكة﴾ بضم النون وشد الزاي، أسقط النون من ﴿وننزل﴾. وفي بعض المصاحف ﴿وننزل﴾ بالنون مضارع نزل مشددًا مبنيًا للفاعل، ونسبها ابن عطية لابن كثير وحده، قال: وهي قراءة أهل مكة، ورويت عن أبي عمرو. وعن أبي أيضًا ﴿وتنزلت﴾، وقرأ أبي: ﴿ونزلت﴾ ماضيًا مشددًا مبنيًا للمفعول بتاء التأنيث. وقال صاحب "اللوامح" عن الخفاف عن أبي عمرو ﴿ونزل﴾ مخففًا مبنيًا للمفعول. ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ رفعًا، والوجه في هذه القراءة أن يكون مثل: زكم الرجل وجن، فإنه لا يقال إلا: أزكمه الله وأجنه, فهذه إحدى عشرة قراءة.

стр. 8797

٢٦ - ﴿الْمُلْكُ﴾ (١): مبتدأ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرفه ﴿الْحَقُّ﴾: نعته، ومعناه: الثابت؛ لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلّا ملكه ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾: خبره. والمعنى (٢): إن السلطة القاهرة والاستيلاء الكلي العام صورة ومعنى بحيث لا زوال له أصلًا ثابت للرحمن يومئذ؛ أي: يوم إذ تشقق السماء بالغمام. وفائدة التقييد أن ثبوت الملك المذكور له تعالى خاصة يوم القيامة، وأما ما عداه من أيام الدنيا، فيكون غيره أيضًا له تصرف صوري في الجملة ﴿وَكَانَ﴾ ذلك اليوم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾؛ أي: يومًا شديدًا هوله على الكافرين، وأما على المؤمنين فيكون يسيرًا بفضل الله تعالى، وقد جاء في الحديث: "أنه يهون يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا"؛ أي: وكان (٣) هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده شديدًا على الكفار لما يصابون به فيه، وينالهم من العقاب بعد تحقيق الحساب، وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة. والحاصل: أن الكافرين يرون ذلك اليوم عسيرًا عظيمًا من دخول النار وحسرة فوات الجنان بعدما كانوا في اليسير من نعيم الدنيا، وأهل الإيمان والجد والاجتهاد يرون فيه اليسر من نعيم الجنان ولقاء الرحمن بعد أن كانوا في الدنيا راضين بالعسر، تاركين لليسر، موقنين أن مع العسر يسرًا. وقيل للشبلي - رحمه الله تعالى - في الدنيا أشغال، وفي الآخرة أهوال، فمتى النجاة؟ قال: دع أشغالها تأمن من أهوالها، فلله در قوم فرغوا عن طلب الدنيا وشهواتها, ولم يغتروا بجمعها, ولم يلتفتوا إليها، نسأل الله الوقوف عند الأمر إلى حلول الأجل وانتهاء العمر. ٢٧ - والظرف في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ منصوب بمحذوف كسابقه تقديره: واذكر لهم يا محمد لهؤلاء المشركين أهوال يوم يأكل الكافر يديه إلى

стр. 8798

المرفق، ثم ينبتان، ثم يأكلهما، وهكذا كلما نبتتا أكلهما تحسرا وندامة على التفريط والتقصير، فلا يزال كذلك كما قاله الضحاك وعطاء. فـ ﴿عَلَى﴾ زائدة على هذا التأويل، وهو يوم القيامة، والظاهر أن العض هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله. وقيل: هو كناية عن الغيظ والحسرة؛ أي: فعض اليدين عبارة عن الندم لما جرى به عادة الناس أن يفعلوه عند ذلك، وكذا عض الأنامل، وأكل البنان، وحرق الأسنان، ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفها. والمراد بالظالم: كل ظالم يرد ذلك المكان، وينزل ذلك المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، وهو عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف كما مر في الأسباب، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وحاصل قصة عقبة بن أبي معيط: أنه كان لا يقدم من سفر إلا صنع طعامًا، وكان يدعو إلى الطعام من أهل مكة من أراد، وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ ، ويعجبه حديثه، فقدم ذات يوم من سفره، وصنع طعامًا، ودعا رسول الله ﷺ إلى طعامه، فأتاه رسول الله ﷺ ، فلما قدم الطعام إليه أبى أن يأكل، فقال: "ما أنا بالذي آكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"، وكان عندهم من العار أن يخرج من عندهم أحد قبل أن يأكل شيئًا، فألح عليه بأن يأكل، فلم يأكل، فشهد بذلك عقبة، فأكل رسول الله ﷺ من طعامه، وكان أبي بن خلف الجمحي غائبًا، وكان صديق عقبة، فلما قدم أخبر بما جرى بين عقبة وبين رسول الله ﷺ ، فأتاه فقال: صبوت يا عقبة؛ أي: ملت عن دين آبائك إلى دين حادث؟ فقال: لا والله ما صبوت، ولكن دخل علي رجل، فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد له، فاستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت، فطعم، فقال: ما أنا بالذي أرضى منك أبدًا حتى تأتيه فتبزق في وجهه وتشتمه وتكذبه - نعوذ بالله تعالى - فأتاه، فوجده ساجدًا في دار الندوة، ففعل ذلك - والعياذ بالله تعالى - فقال رسول الله ﷺ لعقبة: "لا ألقاك خارجًا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف" فأسر يوم بدر، فأمر ﵇ عليًا

стр. 8799

- ﵁ أو عاصم بن ثابت الأنصاري ﵁ فقتله، وطعن ﵇ بيده الطاهرة الكاسرة أبيًا اللعين يوم أحد في المبارزة، فرجع إلى مكة، فمات في الطريق بسَرِف - بفتح السين المهملة وكسر الراء - وهو مناسب لوصفه, لأنه مسرف. قال في "إنسان العيون": ولم يقتل النبي ﷺ بيده الشريفة قط أحدًا إلا أبي بن خلف، لا قبل ولا بعد. حال كون ذلك الظالم ﴿يَقُولُ﴾: حال من فاعل ﴿يَعَضُّ﴾ ﴿يا﴾ هؤلاء، فالمنادى محذوف، ويجوز أن تكون ﴿يا﴾ لمجرد التنبيه من غير قصد إلى تعيين المنبه؛ أي: يا قوم ﴿لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا إلى النجاة عن هذه الورطات؛ أي: صاحبته في اتخاذ سبيل الهدى؛ أي: واذكر يوم يعض المشرك بربه على يديه ندمًا وأسفًا على ما فرط في جنب الله، وعلى ما أعرض عنه من الحق الواضح الذي جاء به رسوله حالة كونه يقول: ليتني اتخذت مع الرسول طريقًا إلى النجاة، ولم تتشعب بي طرق الضلالة. ٢٨ - ﴿يَا وَيْلَتَى﴾؛ أي: يا هلكتي تعالي واحضري لأتعجب منك، فهذا أوان حضورك، والنداء وإن كان أصله لمن يتأتى منه الإقبال؛ وهم العقلاء إلا أن العرب تتجوز وتنادي ما لا يعقل إظهارًا للتحسر ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ كأبي بن خلف ﴿خَلِيلًا﴾؛ أي: صديقًا، من الخلة وهي المودة لأنها تتخلل النفس؛ أي: تتوسطها والمراد من أصله في الدنيا كائنًا من كان من شياطين الإنس والجن، فيدخل فيه أبي المذكور؛ أي: لم أتخذ فلانًا الذي أضلني وصرفني عن طريق الهدى خليلًا وصديقًا. وهذا (١) دعاء على نفسه بالويل والثبور على مخاللة الكافر الذي أضلَّه في الدنيا. وفلان: كناية عن الأعلام. قال النيسابوري: زعم بعض أهل اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية، لا يقال: جاءني فلان، ولكن يقال:

стр. 8800

قال زيد: جاءني فلان؛ لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله. وقيل: فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم. وقيل: كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، وفلانة عمن يعقل من الإناث. والظاهر أنه منصرف. وأما الفلان والفلانة فكناية عن غير العقلاء. وقيل: يختص بالنداء إلا في ضرورة الشعر، كقوله: فِيْ لُجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاَنًا عَنْ فُلِ وفل (١): كناية عن نكرة الإنسان نحو يا رجل، وهو مختص بالنداء، وفلة بمعنى يا امرأة كذلك، ولام فل ياء أو واو على الخلاف فيه، وليس مرخمًا من فلان، خلافًا للفراء. وَوهم ابن عصفور وابن مالك وصاحب البسيط في قولهم: فل كناية عن العلم كفلان. وفي كتاب سيبويه: ما قلناه بالنقل عن العرب. وقرأ الحسن وابن قطيب ﴿يا ويلتي﴾ بكسر التاء والياء الصريحة، فالياء فيه ياء المتكلم، وهو الأصل. وقرأ الدوري وجماعة بالإمالة. قال أبو علي: وترك الإمالة أحسن؛ لأن أصل هذه اللفظة الياء، فأبدلت الكسرة فتحة والياء ألفًا فرارًا من الياء، فمن أمال رجع إلى الذي فرّ منه. ٢٩ - والله ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي﴾ وصرفني ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾؛ أي: عن القرآن المذكر لكل مرغوب ومرهوب، وعن موعظة الرسول ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ الذكر من ربي بواسطة الرسول، وتمكنت من العمل به، وعمرت ما يتذكر فيه من تذكر. وهاهنا (٢) تم الكلام، ثم قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: إبليس الحامل بوسوسته على مخالة المضلين ومخالفة الرسول وهجر القرآن ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيع له ﴿خَذُولًا﴾؛ أي: كثير الخذلان له، ومبالغًا في حبه، يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك، ثم يتركه ولا ينفعه، وكذا حال من حمله على صداقته. والخذلان: ترك النصرة ممن يظن به أن ينصر. وفي وصفه بالخذلان إشعار بأنه كان يعده في الدنيا ويمنيه بأن ينفعه في الآخرة.

стр. 8801

وهذا (١) اعتراض مقرر لمضمون ما قبله؛ إما من جهته تعالى كما مر، وإما من تمام كلام الظالم، قال بعضهم: المراد بالشيطان: قرين السوء، سماه شيطانًا؛ لأنه الضال المضل، يضل كما يضل الشيطان الحقيقي. وهذه الآية عامة في كل متحابين اجتمعا على معصية الله، والخلة الحقيقية هي أن لا تكون لطمع ولا لخوف، بل في الدين. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالّ" أخرجه أبو داود والترمذي. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلّا تقي". وروى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة". قال مالك بن دينار: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجار، نسأل الله الخلاص والالتحاق بأرباب الاختصاص، والعمل بالقرآن في كل زمان وعلى كل حال. ٣٠ - ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ شكاية لله مما صنع قومه، وفي هذا (٢) تخويف لقومه؛ لأن الأنبياء إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل الله لهم العذاب. وهذا عطف على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ وما بينهما اعتراض؛ أي: قالوا: كيت وكيت، وقال الرسول محمد ﷺ إثر ما شاهد منهم غاية العتوّ، ونهاية الطغيان بطريق البث والشكوى ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾؛ أي: متروكًا بالكلية، ولم يؤمنوا به، وصدّوا عنه، ولم يتأثروا بتخويفه ووعيده. والمعنى (٣): إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم، وأمرتني بإبلاغه، وأرسلتني به مهجورًا متروكًا لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه. وقيل: هو من هجر إذا هذى، والمعنى: إنهم اتخذوه هجرا وهذيانا. وقيل:

стр. 8802

معنى ﴿مَهْجُورًا﴾ مهجورًا فيه، ثم حذف الجار. وهجرهم فيه قولم: إنه باطل، إنه سحر وشعر وأساطير الأولين. وهذا حكاية لقوله ﷺ في الدنيا. وقيل: يقوله الرسول ﷺ يوم القيامة. والمعنى حينئذ: ويقول الرسول يوم القيامة. فالماضي بمعنى المضارع. وفي ذكره ﷺ بلفظ ﴿الرَّسُولُ﴾ تحقيق للحق ورد عليهم؛ إذ كان ما أوردوه قدحًا في رسالته ﷺ . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿إن قومي اتخذوا﴾ بتحريك الياء، وأسكنها عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي اهـ ابن الجوزي. وفي هذه الآية (١): تلويح بأن حق المؤمن أن يكون كثير التعاهد للقرآن؛ أي: التحفظ والقراءة كل يوم وليلة كيلا يندرج تحت ظاهر النظم الكريم. وفي الحديث: "من تعلم القرآن وعلق مصحفًا لم يتعاهده ولم ينظر فيه. . جاء يوم القيامة متعلقًا به، يقول: يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورًا اقض بيني وبينه". ومن أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل آية من القرآن أو سورة ثم ينساها. والنسيان: أن لا يمكنه القراءة من المصحف كما في "القنية". وفي الحديث: "إن هذه القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد"، قيل: وما جلاؤها؟ قال: "تلاوة القرآن وذكر الله". ٣١ - ثم سلى رسوله ﷺ على ما يلاقيه من الشدائد والأهوال بأن له في سلفه من الأنبياء قبله أسوة بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أي: كما جعلنا لك يا محمد أعداء من مجرمي قومك كأبي جهل وأضرابه ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ من الأنبياء المتقدمين ﴿عَدُوًّا﴾؛ أي: أعداء، فإنه يحتمل الواحد والجمع ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾؛ أي: من مجرمي قومهم كنمروذ لإبراهيم، وفرعون لموسى، واليهود لعيسى، فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا. والمعنى (٢): أي كما جعلنا لك أعداء من المشركين يتقولون عليك ما يتقولون من الترهات والأباطيل، ويفعلون من السخف ما يفعلون، جعلنا لكل نبي من الأنبياء الذين سلفوا وأوتوا من الشرائع ما فيه هدى للبشر أعداء لهم من

стр. 8803

شياطين الإنس والجن، وكانوا لهم بالمرصاد، وقاوموا دعوتهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فلا تجزع أيها الرسول، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا، قال ابن عباس: كان عدو النبي ﷺ أبا جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عمّ موسى، ونحو الآية قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. ثم وعده بالهداية والنصر والتأييد وغلبته لأعدائه، فقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾؛ أي: كفاك ربك. والباء صلة لتأكيد ﴿هَادِيًا﴾: تمييز؛ أي: من جهة هدايته لك إلى كافة مطالبك، ومنها انتشار شريعتك وكثرة الآخذين بها ﴿وَنَصِيرًا﴾؛ أي: ومن جهة نصرته لك على جميع أعدائك، فلا تبال بمن يعاديك وسيبلغ حكمك إلى أقطار الأرض وأكناف الدنيا. ويصح أن يكون: ﴿هَادِيًا﴾ حالًا من ﴿ربك﴾؛ أي: حالة كونه هاديًا لك، وناصرًا لك. والمعنى (١): أي وكفاك ربك هاديًا لك إلى مصالح الدين والدنيا، وسيبلغك أقصى ما تطلب من الكمال، وسينصرك على أعدائك، وستكون لك الغلبة عليهم آخرًا، فلا يهولنك كثرة عَددهم وعُددهم، فإني لا محالة جاعل كلمة الله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى، فاصبر لأمري وامض لتبليغ رسالتي حتى يبلغ الكتاب أجله. دلت الآية (٢) بالعبارة والإشارة على أن لكل نبي وولي عدوًا يمتحنه الله به، ويظهر شرف اصطفائه. قال أبو بكر بن طاهر رحمه الله تعالى: رفعت درجات الأنبياء والأولياء بامتحانهم بالمخالفين والأعداء، وفي الخبر: "لو أن مؤمنًا ارتقى على ذروة جبل لقيض الله إليه منافقًا يؤذيه فيؤجر عليه"، ثم لم يغادر الله المجرم المعاند العدو لوليه حتى أذاقه وبال ما استوجبه على معاداته، كما قال في الحديث الرباني: "من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"، وقال: "وأنا أنتقم لأوليائي كما ينتقم الليث الجريء لجروه".

стр. 8804

٣٢ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة كأبي جهل وأصحابه: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾؛ أي على محمد ﴿الْقُرْآنُ﴾ فـ ﴿لَوْلَا﴾ تحضيضية بمعنى: هلا. والتنزيل هنا: مجرد عن معنى التدريج، فـ ﴿نُزِّلَ﴾ هنا بمعنى: أنزل كـ: خبَّر بمعنى: أخبر؛ لئلا يناقض قوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: دفعة واحدة كالكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والزبور. حال من ﴿الْقُرْآنُ﴾؛ إذ هي في معنى: مجتمعًا، وهذا اعتراض حيرة وبهت، لا طائل تحته؛ لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقًا، وقد تحدوا بسورة واحدة فعجزوا عن ذلك، حتى أخلدوا إلى بذل المهج والأموال دون الإتيان بها، مع أن للتفريق فوائد كثيرة سيأتي تفصيلها. أي: وقال الذين كفروا من أهل مكة في تعنتاتهم: هلا أنزل هذا القرآن على محمد ﷺ حالة كونه جملة واحدة في مرة واحدة كسائر الكتب السالفة إن كان من عند الله تعالى، وما له أنزل على التفاريق؟. وهذا (١) اعتراض فاسد، لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور، فأبرزوا صفحة عجزهم، حتى لاذوا بالمناصبة، وفزعوا إلى المحاربة، وبذلوا المهج ومالوا إلى الحجج. وقيل: المراد بالذين كفروا هنا اليهود، والمعنى عليه: أي (٢): وقال اليهود: هلا أنزل القرآن على محمد دفعة واحدة كما أنزلت الكتب السالفة على الأنبياء كذلك. وهذا زعم باطل ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت متفرقة، فقد أنزلت التوراة منجمة في ثماني عشرة سنة، كما تدل عليه نصوص التوراة، وليس هناك دليل قاطع على خلاف ذلك من كتاب أو سنة كما نزل القرآن، لكنهم معاندون أو جاهلون لا يدرون كيف نزلت كتب الله على أنبيائه، وهو اعتراض بما لا طائل تحته؛ لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقًا فرد الله عليهم ما قالوا، وأشار إلى السبب الذي لأجله نزل القرآن منجمًا، فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾ والكاف في محل نصب على أنها صفة لمصدر محذوف (٣) مؤكد معلل بما بعده، و ﴿ذلك﴾: إشارة إلى ما يفهم من كلامهم؛ أي: مثل ذلك التنزيل المفرق الذي

стр. 8805

قدحوا فيه نزلناه، لا تنزيلًا مغايرًا له ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ ونقوي. وقرأ عبد الله ﴿ليثبت﴾ بالياء؛ أي: ليثبت الله ﴿بِهِ﴾؛ أي: بذلك التنزيل المفرق ﴿فُؤَادَكَ﴾؛ أي: قلبك، فإن فيه تيسيرًا لحفظ النظم وفهم المعنى، وضبط الأحكام والعمل بها، ألا ترى أن التوراة أنزلت دفعة، فشق العمل على بني إسرائيل، ولأن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزلنا القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور تحدث في أوقات مختلفة، ففرقناه ليكون أدعى لرسول الله ﷺ ، وأيسر على العامل به، ولأنه كلما نزل عليه وحي جديد في كل أمر وحادثة ازداد هو قوة قلب وبصيرة. وبالجملة: فإن إنزال القرآن منجمًا فضيلة خص بها نبينا ﷺ من سائر النبيين، فإن المقصود من إنزاله أن يتخلق قلبه المنير بخلق القرآن ويتقوى بنوره، ويتغذى بحقائقه وعلومه، وهذه الفوائد إنما تكمل بإنزاله مفرقًا، ألا ترى أن الماء لو نزل من السماء جملة واحدة لما كانت تربية الزروع به مثلها إذا نزل مفرقًا إلى أن يستوي الزرع. وقيل: إن هذه الكلمة أعني: ﴿كَذَلِكَ﴾ هي من تمام كلام المشركين؛ أي: وقال الذين كفروا: لولا أنزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك؛ أي: كالتوراة والإنجيل والزبور، فيوقف على قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، ثم يبتدىء بقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ على معنى أنزلناه عليك متفرقًا لغرض تثبيت فؤادك. قال ابن الأنباري: وهذا أجود وأحسن. قال النحاس: وكان ذلك؛ أي: إنزال القرآن منجمًا من أعلام النبوة؛ لأنهم لا يسألونه عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتًا لفؤاده وأفئدتهم. وقوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ معطوف على ذلك الفعل المقدر. والترتيل (١): التفريق ومجيء الكلمة بعد الأخرى بسكوت يسير دون قطع النفس، وأصله في

стр. 8806

الأسنان، وهو تفريجها. والمعنى: كذلك نزلناه وقرأناه عليك شيئًا بعد شيء على تؤدة وتمهل في عشرين سنة، أو ثلاث وعشرين سنة. خلاصة تلك الفوائد (١): ١ - أنه ﵊ كان أميًا لا يقرأ ولا يكتب، فلو أنزل عليه القرآن جملة واحدة كان من الصعب عليه أن يضبطه، وجاز عليه السهو والغلط. ٢ - أنه أنزل هكذا ليكون حفظه له أكمل، ويكون أبعد عن المساهلة وقلة التحصيل. ٣ - أنه لو أنزل جملة على الخلق لنزلت الشرائع بأسرها دفعة واحدة عليهم، ولا يخفى ما في ذلك من حرج عليهم بكثرة التكاليف مرة واحدة، ولكن بإنزاله منجمًا جاء التشريع رويدًا رويدًا، فكان احتمالهم له أيسر، ومرانهم عليه أسهل. ٤ - أنه ﷺ إذا شاهد جبريل الفينة بعد الفينة قوي قلبه على أداء ما حمّل به، وعلى الصبر على أعباء النبوة، وعلى احتمال أذى قومه، وقدر على الجهاد الذي استمر عليه طول حياته الشريفة. ٥ - أنه أنزل هكذا بحسب الأسئلة والوقائع، فكان في ذلك زيادة بصر لهم في دينهم. ٦ - أنه لما نزل هكذا، وتحداهم بنجومه وبما ينزل منه، وعجزوا عن معارضته .. كان عجزهم عن معارضته جملة أجدر وأحق في نظر الرأي الحصيف. ٧ - أن بعض أحكام الشريعة جاء في بدء التنزيل على وفق حال القوم الذين أنزلت عليهم، وبحسب العادات التي كانوا يألفونها، فلما أضاء الله بصائرهم

стр. 8807

بهدي رسوله تغيرت بعض أحوالهم، واستعدت أنفسهم لتشريع يزيدهم طهرًا على طهر، ويذهب عنهم رجس الجاهلية الذي كانوا فيه، فجاء ذلك التشريع الجديد الكامل المناسب لتلك الحال الجديدة، ولو أنزل القرآن جملة واحدة لم يتسن شيء من هذا. ٣٣ - ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كل أوان، مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة، فقال: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يا محمد ﴿بِمَثَلٍ﴾؛ أي: (١) بسؤال عجيب وكلام غريب، كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في حقك وحق القرآن ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ في مقابلته، فالباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للتعدية أيضًا؛ أي: بالجواب الحق الثابت المبطل لما جاؤوا به، القاطع لمادة القيل والقال ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ عطف على ﴿الحق﴾. والتفسير: تفعيل من الفسر؛ وهو كشف ما غطي. والمعنى: وبما هو أحسن بيانًا وتفصيلًا لما هو الحق والصواب ومقتضى الحكمة، بمعنى أنه في غاية ما يكون من الحسن في حد ذاته، لا أن ما يأتون به له حسن في الجملة، وهذا أحسن منه, لأن سؤالهم مثل في البطلان، فكيف يصح له حسن، اللهم إلا أن يكون بزعمهم. يعني: لما كان السؤال حسنًا بزعمهم .. قيل: الجواب أحسن من السؤال. والمعنى؛ أي (٢): لا يأتيك يا محمد المشركون بمثل من أمثالم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة إلا جئناك في مقابلة مثلهم وسؤالهم بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاؤوا به من المثل ويدمغه ويدفعه، فالمراد بالمثل هنا السؤال والاقتراح، وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شبهته، ويحسن مادته. والاستثناء في قوله (٣): ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ مفرغ, محله النصب على الحالية؛ أي: لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا حال إتياننا إياك بالحق الذي لا محيد عنه، وهذا بعبارته ناطق ببطلان جميع الأسئلة، وبصحة جميع الأجوبة،

стр. 8808

وبإشارته منبىء عن بطلان السؤال الأخير وصحة جوابه؛ إذ لولا أن التنزيل على التدريج .. لما أمكن إبطال تلك الاقتراحات الشنيعة، أو يقال: كل نبي إذا قال له قومه قولًا .. كان النبي ﷺ هو الذي يرد عليهم، وأما النبي ﷺ إذا قالوا له شيئًا .. فالله يرد عليهم. وحاصل المعنى (١): ولا يأتيك هؤلاء المشركون بصفة غريبة من الصفات التي يقترحونها، ويريدون بها القدح في نبوتك إلا دحضناها بالحق الذي يدفع قولهم، ويقطع عروق أسئلتهم السخيفة، ويكون أحسن بيانًا مما يقولون، ونحو الآية قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾. والخلاصة: أنهم لا يقترحون اقتراحًا من فاسد مقترحاته إلا أتيناك بما يدفعه، ويوضح بطلانه. ٣٤ - وبعد أن وصفوا رسوله بتلك الأوصاف السالفة تحقيرًا له .. سلاه على ذلك، وطلب إليه أن يقول لهم: ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول ﴿يُحْشَرُونَ﴾ يوم القيامة، ويسحبون ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ويجرون ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان ﴿شَرٌّ﴾: خبر المبتدأ الثاني ﴿مَكَانًا﴾؛ أي: مكانة ومنزلة، أو مسكنًا ومنزلًا في الآخرة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ أي: أخطأ طريقًا عن الحق والهدى من كل أحد في الدنيا. والمعنى: أي إني لا أقول لكم كما تقولون، ولا أصفكم بمثل ما تصفونني به، بل أقول لكم: إن الذين يسحبون إلى جهنم، ويجرون بالسلاسل والأغلال هم شر مكانًا، وأضل سبيلًا، فانظروا بعين الإنصاف، وفكروا من أولى بهذه الأوصاف منا ومنكم؛ لتعلموا أن مكانكم شر من مكاننا، وسبيلكم أضل من سبيلنا، وهذا على نسق قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾، ويسمون هذا الأسلوب في المناظرة بـ إرخاء العنان للخصم؛ ليسهل إفحامه وإلزامه. والمراد أن الملائكة تسحبهم وتجرهم على وجوههم إلى جهنم، أو كون

стр. 8809

الحشر على الوجوه عبارة عن الذلة والخزي والهوان، أو هو من قول العرب: مر فلان على وجهه إذا لم يدر أين يذهب. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانا، وصنفًا على وجوههم". قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: "إن الذين أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك". ولما استكبر الكفار واستعلوا حتى لم يخروا ساجدين لله تعالى .. حشرهم الله تعالى على وجوههم، ولما تواضع المؤمنون .. رفعهم الله على النجائب، فمن هرب عن المخالفة، وأقبل إلى الموافقة نجا، ومن عكس هلك، وأين يهرب العاصي والله تعالى مدركه. قصة موسى وهارون ﵉ ٣٥ - واللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ موطئة للقسم؛ أي: وعزتي وجلالي لقد آتينا موسى التوراة؛ أي: أنزلناها عليه بعد إغراق فرعون وقومه. واعلم: أن الله سبحانه ذكر هنا طرفًا من قصص الأولين تسلية له ﷺ بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد ﷺ . وفي "الإرشاد": والتعرض في مطلع القصة لإيتاء الكتاب مع أنه كان بعد مهلك القوم، ولم يكن له مدخل في هلاكهم كسائر الآيات للإيذان من أول الأمر ببلوغه ﵇ غاية الكمال، ونيله نهاية الآمال التي هي إنجاء بني إسرائيل من ملك فرعون، وإرشادهم إلى طريق الحق بما في التوراة من الأحكام ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ﴾؛ أي: مع موسى، والظرف متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾ ﴿أَخَاهُ﴾ الشقيق، مفعول أول له ﴿هَارُونَ﴾ بدل من ﴿أَخَاهُ﴾، أو عطف بيان وهو اسم أعجمي، ولم يرد في شيء من كلام العرب. ﴿وَزِيرًا﴾ مفعول ثان؛ أي: معينًا يوازره ويعاونه في الدعوة إلى الله وإعلاء الكلمة، فإن الموازرة المعاونة كما سيأتي في مبحث اللغة.

стр. 8810

تنبيه: والواو في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ لا تفيد ترتيبًا، فإن من المعلوم أن إيتاء التوراة كان بعد إيتاء الرسالة لموسى وهارون بنحو من ثلاثين سنة, لأن إرسالهما كان في واقعة الطور عند مجيء، موسى من الشام، ثم جاء مصر، ومكث يدعو فرعون وقومه ثلاثين سنة، ثم خرج من مصر، فانفلق له البحر، فغرق فرعون وقومه، فذهب موسى إلى الشام، فآتاه الله التوراة هناك، فقوله: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ معطوفة على ﴿جعلنا﴾، وكل من الجعل والقول كان قبل إيتاء التوراة كما علمت. اهـ شيخنا. أي (١): ولقد أنزلنا على موسى التوراة كما أنزلنا عليك الفرقان، وجعلنا معه أخاه هارون معينًا وظهيرًا له، ولا تعارض بين هذه الآية وقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ فإنه وإن كان نبيًا فالشريعة لموسى ﵇، وهو تابع له فيها، كما أن الوزير متبع لسلطانه. وفي "الروح" (٢): فإن قلت: كون هارون وزيرًا كالمنافي لكونه شريكًا له في النبوة؛ لأنه إذا صار شريكًا له خرج عن كونه وزيرًا؟ قلتُ: لا ينافي ذلك مشاركته في النبوة؛ لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه، وقد كان هارون في أول الأمر وزيرًا لموسى، ولاشتراكهما في النبوة قيل لهما: اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا. ٣٦ - ثم ذكر ما أمرا به من تبليغ الرسالة مع بيان أن النصر لهما آخرًا على أعدائهما بقوله: ﴿فَقُلْنَا﴾ لهما ﴿اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الإلهية (٣)؛ وهي مصنوعات الله تعالى الدالة على انفراده تعالى بالملك والعبادة، حيث عبدوا فرعون، فذهبا إليهم، فأرياهم الآيات التسع كلها؛ وهي آيات النبوة، فكذبوها حيث أنكروا رسالتهما كما كذبوا الآيات الإلهية ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾؛ أي: أهلكناهم عقب ذلك التكذيب إهلاكًا عجيبًا؛ أي: فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون

стр. 8811

وقومه الذين كذبوا بدلائل التوحيد المودعة في الأنفس والآفاق، فلما ذهبا إليهم كذبوهما، فأهلكناهم أشد إهلاك، ونحو الآية قوله: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ وفي ذلك تسلية لرسوله، وإنه ليس أول من كذب من الرسل، فله أسوة بمن سلف منهم. قيل (١): المراد بالآيات هي المعجزات التسع المفصلات الظاهرة على يد موسى ﵇، ولم يوصف القوم عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ضرورة تأخر تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن الأمر به، بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله ﷺ بيانًا لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير. وقيل: المراد: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التكوينية؛ أي: العلامات التي خلق الله في الدنيا، كما جرينا عليه في حلنا. وقيل: المراد بها الرسل وكتب الأنبياء الذين قبل موسى، كما في قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ فالباء على كل تقدير متعلقة بـ ﴿كَذَّبُوا﴾ لا بـ ﴿اذْهَبَا﴾، وإن كان الذهاب إليهم بالآيات، كما في قوله في الشعراء: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾. وأما التكذيب فتارة يتعلق بالآيات، كما في قوله في الأعراف: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: بالآيات، وقوله في طه: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾، وتارة بموسى وهارون، كما في قوله في المؤمنون: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾. وقوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ قبله حذف تقديره: فذهبا إليهم فأرياهم آياتنا فكذبوهما تكذيبًا مستمرًا، فأهلكناهم إثر ذلك التكذيب المستمر إهلاكًا عجيبًا هائلًا لا يدرك كنهه. فاقتصر على حاشيتي القصة؛ أي: أولها وآخرها اكتفاء بما هو المقصود منها؛ وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل والتدمير بالتكذيب، والفاء للتعقيب باعتبار نهاية التكذيب؛ أي: باعتبار استمراره، وإلا فالتدمير متأخر عن التكذيب بأزمنة متطاولة. وقيل: إن المراد بالتدمير هنا الحكم؛ لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم، بل بعده بمدة. وقرأ (٢) علي والحسن ومسلمة بن محارب: ﴿فدمراهم﴾ على الأمر لموسى وهارون. وعن علي كذلك إلا أنه مؤكد بالنون الشديدة. وعنه أيضًا: ﴿فدمرا بهم﴾ أمرًا لهما بزيادة باء الجر. ومعنى

стр. 8812

الأمر: كونا سبب تدميرهم. قصة قوم نوح ﵇ ٣٧ - ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ منصوب بفعل مضمر وجوبًا، يدل عليه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾؛ أي: ودمرنا قوم نوح ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾؛ أي: نوحًا ومن قبله من الرسل كشيث وإدريس، أو نوحًا وحده؛ لأن تكذيبه تكذيب للكل لاتفاقهم على التوحيد والإسلام. ويقال: إن نوحًا كان يدعو قومه إلى الإيمان به وبالرسل الذين بعده، فلما كذبوه فقد كذبوا جميع الرسل، كما ثبت أن كل نبي أخذ العهد من قومه أن يؤمنوا بخاتم النبيين إن أدركوا زمنه. وقيل: معطوف على الهاء في: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾. ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ بالطوفان؛ أي: أهلكناهم بمائه، والإغراق السفول في الماء كما سيأتي. وهو استئناف مبين لكيفية تدميرهم ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾؛ أي: وجعلنا إغراقهم، أو قصتهم ﴿لِلنَّاسِ آيَةً﴾ عظيمة يعتبر بها كل من شاهدها أو سمعها، وهو مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾ و ﴿لِلنَّاسِ﴾ ظرف لغو له؛ أي: جعلنا قصتهم عبرة لكل الناس على العموم، يتعظ بها كل مشاهد لها وسامع لخبرها ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾؛ أي: أعددنا وهيأنا في الآخرة ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾؛ أي: لهم؛ أي: للمغرقين من قوم نوح، والإظهار في موضع الإضمار للتسجيل بظلمهم، والايذان بتجاوزهم الحد في الكفر والتكذيب. فالمراد بالظالمين قوم نوح على الخصوص، ويجوز أن يكون المراد بهم كل من سلك مسلكهم في التكذيب: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: وجيعًا سوى ما حل بهم من عذاب الدنيا. وحاصل معنى الآية: أي (١) وكذلك فعلنا بقوم نوح حين كذبوا رسولنا نوحًا ﵇، وقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله، ويحذرهم نقمته ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فأغرقناهم، ولم نترك منهم أحدًا إلا

стр. 8813

أصحاب السفينة، وجعلناهم عبرة للناس، كما قال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾؛ أي: أبقينا لكم السفينة؛ لتذكروا نعمة الله عليكم بإنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق بأمره. وفي قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وهم لم يكذّبوا إلا رسولًا واحدًا؛ وهو نوح إيماء إلى أن من كذب رسولًا واحدًا .. فقد كذب جميع الرسل؛ إذ لا فرق بين رسول وآخر؛ إذ جميعهم يدعون إلى توحيد الله ونبذ الأصنام والأوثان، قاله الزجاج. ثم ذكر مآل المكذبين، فقال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾؛ أي: وأعددنا لكل من كفر بالله، ولم يؤمن برسله عذابًا أليمًا في الآخرة. وفي ذلك رمز إلى أن قريشًا سيحل بهم من العذاب في الدنيا والآخرة مثل ما حل بأولئك المكذبين إذا لم يرعووا عن غيهم. قصص عاد وثمود وأصحاب الرس وغيرهم ٣٨ - وانتصاب ﴿وَعَادًا﴾ بالعطف على ﴿قومَ﴾. وقيل: على محل ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾. وقيل: على المفعول الأول لـ ﴿جعلنا﴾؛ أي: وأهلكنا عادًا قوم هود ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح. قرأ حمزة وحفص وعبد الله وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى ﴿وَثَمُودَ﴾ غير مصروف على تأويل القبيلة، وقرأ غيرهم ﴿وثمودًا﴾ بالصرف على تأويل الحي ﴿و﴾ أهلكنا ﴿أَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ الرس في كلام العرب: البئر التي تكون غير مطوية. وأصحاب الرس هم قوم يعبدون الأصنام، فبعث الله إليهم شعيبًا ﵇ فكذبوه، فبينما هم حول الرس؛ أي: بئرهم الغير المبنية التي يشربون منها ويسقون مواشيهم انهارت، فخسف بهم وبديارهم. قاله الكلبي ووهب. وقيل: الرس: قرية بفلج اليمامة، كان فيها بقايا ثمود، فبعث إليهم نبي، فقتلوه، فأهلكوا. وقيل: هم أصحاب حنظلة بن صفوان ﵇، ابتلاهم بطير عظيم، فيها من كل لون تسمى بالعنقاء لطول عنقها فتخطف صبيانهم وعُرَسَهُمْ - أي طعامهم -، فدعا عليها حنظلة، فأصابتها الصاعقة، فكفوا شرها،

стр. 8814

ثم إنهم قتلوا حنظلة ﵇، فأهلكوا. وقيل: إن الرس بئر في أنطاكية الشام، كذبوا حبيبًا النجار؛ وهو صاحب يَس الذي قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، وقتلوه، فدسوه في تلك البئر، فأهلكوا. وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي ﷺ : أن أهل الرس أخذوا نبيهم، فرسوه في بئر، وأطبقوا عليه صخرة، فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى تلك البئر، فيعينه الله تعالى على تلك الصخرة فيقلعها، فيعطيه ما يغذيه به، ثم يرد الصخرة، إلى أن ضرب الله يومًا على أذن ذلك الأسود بالنوم أربع عشرة سنة، وأخرج أهل القرية نبيهم، فآمنوا؛ به في حديث طويل. قال الطبري: فيمكن (١) أنهم كفروا بعد ذلك، فذكرهم في هذه الآية، وكثر الاختلاف في أصحاب الرس، فلو صح ما نقله عكرمة ومحمد بن كعب كان هو القول الذي لا يمكن خلافه. وملخص هذه الأقوال: أنهم قوم أهلكهم الله تعالى بتكذيب من أرسل إليهم، والله سبحانه أعلم بمن هم. ﴿وَقُرُونًا﴾؛ أي: وأهلكنا أيضًا أهل قرون وأزمنة. جمع قرن؛ وهم القوم المقترنون في زمن واحد. قيل: القرن: مئة سنة. وقيل: مئة وعشرون سنة. وقيل: القرن أربعون سنة. وفي "القاموس": الأصح أنه مئة سنة؛ لقوله ﷺ لرجل: "عش قرنًا، فعاش مئة سنة" ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ المذكور من الطوائف والأمم من قوم نوح وما بعده ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لـ ﴿قرونا﴾. والإفراد باعتبار الجمع، أو العدد كقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾، أو لأن فعيلًا يستوي فيه المفرد والجمع؛ أي: وأهلكنا أقوامًا كثيرًا بين هؤلاء الأمم المذكورة لا يعلمهم إلا الله . والمعنى: أي (٢) ودمرنا عادًا قوم هود ﵇ بالريح الصرصر العاتية، وثمود قوم صالح بالصيحة، وأهلكنا أصحاب الرس الذين كانوا باليمامة أو

стр. 8815

بغيرها - على الخلاف السابق - وقتلوا نبيهم - واختار ابن جرير أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج، وسيأتي ذكر قصصهم - وأهلكنا أممًا كثيرة بين أولئك المذكورين. ٣٩ - ثم ذكر أنه أنذر أولئك المكذبين، وحذرهم قبل أن يوقع بهم، فقال: ﴿وَكُلًّا﴾: منصوب بمضمرٍ يفسره ما بعده؛ أي: ذكرنا وأنذرنا وخوفنا كل واحد من الأمم المذكورين المهلكين ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: بينا له الأشباه والقصص العجيبة الغريبة التي تشبه الأمثال في الغرابة، الزاجرة عما هم عليه من الكفر والمعاصي بواسطة الرسل ﴿وَكُلًّا﴾؛ أي: وكل واحد منهم بعد التكذيب والإصرار ﴿تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؛ أي: أهلكنا إهلاكًا عجيبًا هائلًا. والتتبير (١): الإهلاك بالعذاب، قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته. قال المؤرخ والأخفش: معنى: ﴿تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ دمرنا تدميرًا، أبدلت التاء والباء من الدال والميم. ٤٠ - ثم ذكر مشركي مكة بما يرونه من العبر في حلهم وترحالهم، وما يشاهدونه مما حل بأولئك الأمم المكذبة من المثلات، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد أتى قوم قريش في متاجرهم إلى الشام ومروا ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وهي (٢) قرية سدوم - بالدال المهملة، وقيل: بالذال المعجمة - وهي عظمى قرى قوم لوط، أمطرت عليها الحجارة، وأهلكت، فإن أهلها كانوا يعملون العمل الخبيث. واعلم أن قرى قوم لوط خمس، ما نجا منها إلا واحدة؛ وهي أصغرها؛ لأن أهلها كانوا لا يعملون العمل الخبيث، وسدوم من التي أهلكت. وتخصيصها هنا؛ لكونها في ممر تجار قريش، وكانوا في مرورهم بها يرونها مؤتفكة ولا يعتبرون. وانتصاب (٣) ﴿مطر﴾ على أنه مصدر مؤكد بحذف الزوائد، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾؛ أي:

стр. 8816

أمطرت إمطار السوء والشر والضرر، و ﴿مطر﴾ مجهولًا في الخير، و ﴿أُمطر﴾ في الشر. وقيل: هما لغتان. و ﴿السَّوْءِ﴾ - بفتح السين وضمها -: كل ما يسوء الإنسان، ويغمه من البلاء والآفة. وقرأ زيد بن علي: ﴿مطرت﴾ ثلاثيًا مبنيًا للمفعول، و ﴿مطر﴾ متعد. وقرأ أبو السماك ﴿مطر السوء﴾ بضم السين، ذكره في "البحر". والمعنى: والله لقد مر هؤلاء المكذبون في رحلة الصيف على سدوم عظمى قرى قوم لوط، وقد أهلكها الله سبحانه بأن أمطر عليها حجارة من سجيل؛ لأن قومها كانوا يعملون الخبائث، وحذرهم لوط، فما أغنت عنهم الآيات والنذر، ثم وبخهم على تركهم التذكر حين مشاهدة ما يوجبه، فقال: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾؛ أي: أفلم يكونوا يرون آثارها وآثار ما حل بأهلها؟ والاستفهام فيه: للتقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه؛ وهو ما بعد النفي؛ أي: ليقروا بأنهم رأوها حتى يعتبروا بها. اهـ. وفي "أبي السعود" (١): والفاء لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام؛ أي: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها، أو أكانوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم؛ ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، فالمنكر في التقدير الأول: ترك النظر وعدم الرؤية معًا، والمنكر في التقدير الثاني: عدم الرؤية مع تحقق النظر الموجب لها" اهـ. والمعنى: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرون ما نزل بتلك القرية من عذاب الله تعالى بتكذيب أهلها رسول ربهم، فيعتبروا ويتذكروا ويراجعوا التوبة من كفرهم وتكذيبهم لرسوله؟ ثم أبان سبحانه أن عدم التذكر لم يكن سببه عدم الرؤية، بل منشؤه إنكار البعث والنشور، فقال: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ أي: بعثًا. وهذا إما إضراب عما قبله من عدم رؤيتهم لآثار ما جرى على أهل القرى من العقوبة، وإما انتقال من التوبيخ بما ذكر من ترك التذكر إلى

стр. 8817

التوبيخ بما هو أعظم منه من عدم توقع النشور" اهـ "أبو السعود"؛ أي (١): بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورًا ولا عاقبة، فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا كما مرت ركابهم، أو لا يؤملون نشورًا كما يأمله المؤمنون طمعًا في الثواب، أو لا يخافونه على اللغة التهامية. اهـ "بيضاوي". فالرجاء هنا؛ إما بمعنى التوقع، أو الأمل، أو الخوف. والمعنى: أي أنهم ما كذبوا محمدًا ﷺ فيما جاءهم به من عند الله تعالى؛ لأنهم لم يكونوا رأوا ما حل بالقرية التي وصفت، بل كذبوه من قبل أنهم قوم لا يخافون نشورًا بعد الممات، ولا يوقنون بعقاب، ولا ثواب، فيردعهم ذلك عما يأتون من معاصي الله تعالى؛ أي (٢): فإنهم ينكرون النشور المستتبع للجزاء الأخروي، ولا يرون لنفس من النفوس نشورًا وبعثًا أصلًا مع تحققه حتمًا، وشموله للناس عمومًا، واطراده وقوعًا، فكيف يعترفون بالجزاء الدنيوي في حق طائفة خاصة مع عدم الاطراد والملازمة بينه وبين المعاصي حتى يتذكروا ويتعظوا بما شاهدوه من آثار الهلاك، وإنما يحملونه على الاتفاقات. واعلم: أن النشور لا ينكره إلا الكفور، وقد جعل الله في الدنيا شاهدًا له، ومشيرًا لوقوعه، وفي الخبر: "إذا رأيتم الربيع فاذكروا النشور". والربيع مثل يوم النشور؛ لأن الربيع وقت إلقاء البذر، ويكون الزارع قلبه معلقًا إلى ذلك الوقت أيخرج أم لا؟ فكذلك المؤمن يجتهد في طاعته وقلبه يكون معلقًا بين الخوف والرجاء إلى يوم القيامة، أيقبل الله تعالى منه أم لا؟ ثم إذا خرج الزرع وأدرك يحصد ويداسى ويذرى، ثم يطحن ويخبز، وإذا خرج من التنور بلا احتراق يصلح للخوان، ولو احترق ضاع عمله وبطل سعيه، وكذلك العبد يصلي ويصوم ويزكي ويحج، فإذا جاء ملك الموت، وحصد روحه بمنجل الموت، وجعلوه في القبر يكون فيه إلى يوم القيامة، وإذا جاء يوم القيامة وخرج من قبره، ووقع الحشر والنشور أمر به إلى الصراط، فإذا جاوز الصراط سالمًا فقد صلح للرؤية، وإلا

стр. 8818

فقد هلك، فعلى العاقل أن يتفكر في النشور، ويتذكر عاقبة الأمور. ٤١ - ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾؛ أي: وإذا أبصرك يا محمد هؤلاء المشركون الذين قصصت عليك قصصهم يعني: قريشًا كأبي جهل وأصحابه ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ﴿إِنْ﴾: نافية؛ أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾؛ أي: إلا موضع هزْءٍ وسخرية؛ أي: إلا مهزوءًا بك؛ أي: يستهزئون بك قائلين بطريق الاستحقار والتهكم: ﴿أَهَذَا﴾ الإنسان هو ﴿الذي بعثـ﴾ ـه ﴿اللَّهُ﴾ إلينا حالة كونه ﴿رَسُولًا﴾، ليثبت الحجة علينا يعني (١): أنهم لم يقتصروا على ترك الإيمان, وإيراد الشبهات الباطلة، بل زادوا عليه الاستخفاف والاستهزاء إذا رأوه؛ وهو قول أبي جهل لأبي سفيان، وهذا نبي بني عبد مناف. والاستفهام فيه للتعجب المضمن للإنكار والتهكم. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن أهل الحس لا يرون النبوة والرسالة بالحسّ الظاهر؛ لأنها تدرك بنظر البصيرة المؤيدة بنور الله ، وهم عميان بهذا البصر، فلما سمعوا منه ما لم يهتدوا به من كلام النبوة والرسالة ما اتخذوه إلا هزوًا، وقالوا مستهزئين: أهذا الذي بعث الله رسولًا وهو بشر مثلنا محتاج إلى الطعام والشراب. ٤٢ - ﴿إِنْ كَادَ﴾ ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، وضمير الشأن محذوف؛ أي: إنه كاد، واللام في ﴿لَيُضِلُّنَا﴾ هي الفارقة بين النافية والمخففة؛ أي: إنه كاد محمد وقارب أن يضلنا ويصرفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾؛ أي: عن عبادتها صرفًا كليًا بحيث يبعدنا عنها؛ أي ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده، والدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يورده مما يسبق إلى الذهن أنه حجج ومعجزات ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا﴾ وثبتنا ﴿عَلَيْهَا﴾؛ أي: على آلهتنا، واستمسكنا بعبادتها، وحبسنا أنفسنا عليها، وجواب ﴿لولا﴾ معلوم مما قبله؛ أي: لولا صبرنا على عبادتها وثباتنا على ديننا كاد ليضلنا عن آلهتنا.

стр. 8819

وفي هذا: (١) إيماء إلى وجوه من الفائدة: ١ - أنه ﷺ قد بلغ من الاحتفال في الدعوة إلى التوحيد وإظهار المعجزات، وإقامة الحجج والبينات مبلغًا شارفوا به أن يتركوا دينهم لولا فرط عنادهم وتناهي عتوهم ولجاجهم. ٢ - الدلالة على تناقضهم واضطرابهم، فإن في استفهامهم السابق ما يدل على التحقير له، وفي آخر كلامهم ما يدل على قوة حجته ورجاحة عقله، فذكره تحميق لهم، وتجهيل لاستهزائهم بما استعظموه. وبعد أن حكى مقالتهم سفّه آراءهم من وجوه ثلاثة: ١ - ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ البتة وإن تراخى ﴿حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ الذي يستوجبه كفرهم، ومن العذاب عذاب بدر أيضًا؛ أي: سوف يعلمون حين يرون العذاب في الآخرة عيانًا ﴿مَنْ﴾ هو ﴿أَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ أي: من هو أبعد طريقًا عن الحق والهدى، أهم أم المؤمنون؟ نسبوه ﷺ إلى الضلال في ضمن الإضلال، فإن أحدًا لا يضل غيره إلا إذا كان ضالًا في نفسه، واعلم أنه لا يهملهم وإن أمهلهم. ووصف السبيل بالضلال مجازًا. والمراد سالكوها، و ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ جملة استفهامية معلقة لـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾، فهي سادة مسد مفعوليه. أي (٢): إنهم حين يشاهدون العذاب الذي استوجبوه بكفرهم وعنادهم يعلمون من الضال ومن المضل؛ وفي هذا رد لقولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ كما أن فيه وعيدًا شديدًا على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر. ٤٣ - ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى، فقال معجبًا لرسوله ﷺ : ٢ - ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يا محمد، أو أيها المخاطب. كلمة ﴿أَرَأَيْتَ﴾ تستعمل تارة للإعلام، وتارة للسؤال، وهاهنا للتعجب من جل من هذا وصفه ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ

стр. 8820

هَوَاهُ﴾ ﴿إِلَهَهُ﴾ مفعول ثان قدم على الأول للاعتناء به؛ لأنه الذي يدور عليه أمر التعجب. والهوى مصدر هويه إذا أحبه واشتهاه، ثم سمي به المهوي المشتهى، محمودًا كان أو مذمومًا، ثم غلب على غير المحمود، فقيل: فلان أَتبع هواه إذا أريد ذمه، فالهوى ما يميل إليه الطبع وتهواه النفس بمجرد الاشتهاء من غير سند منقول، ودليل معقول. والمعنى (١): أرأيت يا محمد من جعل هواه إلهًا لنفسه بأن أطاعه، وبنى عليه أمر دينه معرضًا عن استماع الحجة والبرهان بالكلية، كأنه قيل: ألا تعجب ممن جعل هواه بمنزلة الإله في التزام طاعته وعدم مخالفته، فانظر إليه وتعجب منه. وهذا الاستفهام للتقرير والتعجيب. قال أبو سليمان - رحمه الله تعالى -: من أتبع نفسه هواها فقد سعى في قتلها؛ لأن حياتها بالذكر، وموتا وقتلها بالغفلة، فإذا غفل اتبع الشهوات، وإذا اتبع الشهوات صار في حكم الأموات. ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾؛ أي: حفيظًا تمنعه عن الشرك والمعاصي، وحاله هذا؛ أي: الاتخاذ. والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير؛ أتطمع في هدايته، فتكون عليه وكيلًا؛ أي: لست موكلًا على حفظه، بل أنت منذر، وليس هذا نهيًا عن دعائه إياهم، بل الإعلام بأنه قد قضى ما عليه من الإنذار والإعذار. وقال بعض المفسرين: هذه الآية منسوخة بآية السيف. والمعنى: أي انظر في حال هذا الذي جعل هواه إلهه بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه، وأعرض عن استماع الحجة الباهرة والبرهان الجلي الواضح، واعْجب ولا تأبه به، فإنك لن تكون حفيظًا على مثل هذا، تزجره عما هو عليه من الضلال، وترشده إلى الصراط السوي. وخلاصة ذلك: كأنه سبحانه يقول لرسوله: إن هذا الذي لا يرى معبودًا له

стр. 8821

إلا هواه لا تستطيع أن تدعوه إلى الهدى، وتمنعه من متابعة الهوى، إن عليك إلا البلاغ. ونحو الآية قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، وقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وفي هذا الأسلوب (١) تعجيب لرسوله من سوء أحوالهم بعد أن حكى قبيح أقوالهم وأفعالهم، وتنبيه له إلى سوء عاقبتهم، قال ابن عباس ﵁: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول، فأنزل الله الآية. ٣ - ٤٤ ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ ﴿أَمْ﴾: منقطعة تقدر بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أتظن يا محمد ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أن أكثر هؤلاء المشركين ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ما يتلى عليهم من الآيات حق سماع؛ أي: سماع تفهم وتدبر واعتبار واتعاظ ﴿أَوْ﴾ أنهم ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن، فتهتم بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، لا تحسبنّ ذلك. وتخصيص (٢) الأكثر؛ لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارًا وخوفًا على الرسالة. قال ابن عطاء ﵀: لا تظن أنك تسمع نداءك، إنما تسمعهم إن سمعوا نداء الأزل، وإلا فإن نداءك لهم ودعوتك لا تغني عنهم شيئًا، وإجابتهم دعوتك هو بركة جواب نداء الأزل ودعوته، فمن غفل وأعرض فإنما هو لبعده عن محل الجواب في الأزل ﴿إِنْ هُمْ﴾؛ أي: ما هم في عدم انتفاعهم بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات، وانتفاء التدبر فيما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات ﴿إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾؛ أي: إلا كالبهائم التي هي مثل في الغفلة، وعلم في الضلالة. وفي "التأويلات النجمية": ليس لهم نهمة إلا في الأكل والشرب واستجلاب حظوظ النفس كالبهائم التي نهمتها الأكل والشرب ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ وأجهل وأخطأ ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا موصلًا إلى مصالحهم من الأنعام؛ لأنها تنقاد لمن يقودها، وتميز من يحسن إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها،

стр. 8822

وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها لم تعتقد حقًا، ولا تكتسب خيرًا ولا شرًا بخلاف هؤلاء، ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها ولا ذم، وهؤلاء مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم. وقيل: إنما كانوا أضل من الأنعام؛ لأنه لا حساب عليها, ولا عقاب لها. وقيل: إنما كانوا أضل؛ لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك بخلاف هؤلاء، فإنهم اعتقدوا البطلان عنادًا ومكابرة وتعصبًا وغمطًا للحق. واعلم: أن (١) الله تعالى خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم، وخلق البهائم وركب فيها الشهوة، وخلق الإنسان، وركب فيه الأمرين؛ أي: العقل والشهوة، فمن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، ولذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأن الإنسان بقدمي العقل المغلوب والهوى الغالب ينقل إلى أسفل دركة لا تبلغ البهائم إليها بقدم الشهوة فقط، ومن غلب عقله هواه؛ أي: شهوته، فهو بمنزلة الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومن كان غالبًا على أمره فهو خير من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾، فعلى العاقل الاحتراز عن الأفعال الحيوانية، فإنها سبب لزوال الجاه الصوري والمعنوي، فمدار الخلاص هو ترك الراحة، والعمل بسبب مخالفة النفس والطبيعة. وحاصل معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾؛ أي (٢): بل أتظن يا محمد أن أكثرهم

стр. 8823

يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات، أو يعقلون ما تتضمنه من المواعظ الداعية إلى الفضائل ومحاسن الأخلاق، حتى تجتهد في دعوتهم، وتحتفل برشادهم وتذكيرهم، وتطمع في إيمانهم، فما حالهم إلا حال البهائم في تركهم للتدبر فيما يشاهدون من البينات والحجج، بل هم أضل منها سبيلًا؛ إذ هي قد تنقاد لصاحبها الذي يتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ومن يسيء، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيا ومشاربها، وتأوي إلى معاطنها ومرابضها, لكن هؤلاء لا ينقادون لخالقهم ورازقهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم وإساءة الشيطان لهم، وهو الذي قد زين لهم اتباع الشهوات إلا أنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، إلا أن جهالة الأنعام مقصورة عليها، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى وقوع الفتنة والفساد، وصد الناس عن سنن السداد، ووقوع الهرج والمرج بين العباد، إلا أن البهائم إذ لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادًا ومكابرة وتعصبًا وغمطًا للحق، إلا أنها لم تعطل قوة من القوى المودعة فيها، فلا تقصير من قبلها عن الكمال، أما هؤلاء فهم مبطلون لقواهم العقلية، مضيعون للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقد قالوا: الملائكة روح وعقل، والبهائم نفس وهوى، والبشر مجمع الكل للابتلاء والاختبار، فإن غلبته النفس والهوى فضلته البهائم، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام. ٤٥ - ولما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم .. أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد، مع ما فيها من عظيم الإنعام، وحاصل ما ذكره منها خمسة: الأول منها: مد الظل، والثاني: جعل الليل لباسًا، والثالث: إرسال الرياح، والرابع: مرج البحرين، والخامس: خلق البشر من الماء. فأولها: الاستدلال بأحوال الظل، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ الخطاب (١) لرسول الله ﷺ ، ولكن المراد منه العموم؛ لأن المقصود بيان إنعام الله تعالى

стр. 8824

بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم على هذه النعمة اهـ "مراح". والهمزة للتقرير. والرؤية؛ إما رؤية العين، والمعنى عليه: ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى، فإن المنظور يجب أن يكون مما يصح أن يتعلق به رؤية العين ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام، سأل بها عن الحال، منصوبة على الحال بقوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي: بسط الظل؛ أي: ألم تبصر إلى صنع ربك، أو لم تبصر إلى الظل كيف مده ربك، وإما قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد، قال الزجاج: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم، وهذا من رؤية القلب، قال: وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك يعني: الظل من الفجر إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه. وعبارة أبي السعود: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي (١): كيف أنشأ ظلًا لأي مظل كان من جبل، أو بناء، أو شجر، عند ابتداء طلوع الشمس ممتدًا، لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وأنه أطيب الأوقات فغير سديد؛ إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضَحِّ الشمس، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلًا للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلًا، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة" اهـ باختصار. والمراد (٢): أن الشمس تنسخ الظل وتزيله شيئًا فشيئًا إلى الزوال، ثم ينسخ الظل ضوء الشمس، ويزيله من وقت الزوال إلى الغروب، فالظل الآخذ في التزايد الناسخ لضوء الشمس يسمى فيئًا؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، فهو من الزوال إلى الغروب، والظل من الطلوع إلى الزوال.

стр. 8825

والمعنى: انظر أيها الرسول إلى صنع ربك كيف أنشأ الظل، وكذا الفيء من طلوع الشمس إلى غروبها، فاستخدمه الإنسان للوقاية من لفح الشمس وشديد حرارتها ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ ربك سكون ذلك الظل وثباته على حالة واحدة ﴿لَجَعَلَهُ﴾؛ أي: لجعل ذلك الظل ﴿سَاكِنًا﴾؛ أي: ثابتًا على حالة واحدة، لا يتغير بالنقصان والزيادة، لكنه (١) جعله متغيرًا في ساعات النهار المختلفة، وفي الفصول المتعاقبة، ومن ثم اتخذ مقياسًا للزمن منذ القِدم، فاتخذ المصريون المسلات، وقاسوا بها أوقات النهار على أوضاع مختلفة، وطرق حكيمة منوعة، واتخذ العرب المزاول لمعرفة أوقات الصلاة، فقالوا: يجب الظهر عند الزوال؛ أي: إذا تحول الظل إلى جانب المشرق، والعصر حين بلوغ ظل كل شيء مثله عند الأئمة عدا أبا حنيفة، فإنه قال: لا يجب إلا إذا بلغ ظل كل شيء مثليه. والمعنى (٢): ولو شاء الله سبحانه سكونه ودوامه لجعله ساكنًا ثابتًا دائمًا مستقرًا، لا تنسخه الشمس. وقيل: المعنى: لو شاء لمنع الشمس من الطلوع. والأول أولى، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار سائغ، ومنه قولهم: سكن فلان بلد كذا إذا أقام به واستقر فيه. وهذه الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، اعترض بها للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل فيما ذكر من المد للأسباب العادية، وإنما المؤثر فيه المشيئة والقدرة. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ معطوف على قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾، داخل في حكمه ولم يقل: دالة؛ لأن المراد ضوء الشمس؛ أي: ثم جعلنا طلوع الشمس دليلًا على ظهور الظل، ومشاهدته للحسّ والعيان، والأشياء تستبين بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة ما عرف النور. والمعنى (٣): جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعًا حسبما نطقت به الشرطية المعترضة، وذلك لأن
следующие страницы →