إلا هواه لا تستطيع أن تدعوه إلى الهدى، وتمنعه من متابعة الهوى، إن عليك إلا البلاغ. ونحو الآية قوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾، وقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾. وفي هذا الأسلوب (١) تعجيب لرسوله من سوء أحوالهم بعد أن حكى قبيح أقوالهم وأفعالهم، وتنبيه له إلى سوء عاقبتهم، قال ابن عباس ﵁: كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول، فأنزل الله الآية.
٣ - ٤٤ ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ ﴿أَمْ﴾: منقطعة تقدر بمعنى بل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: بل أتظن يا محمد ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ أي: أن أكثر هؤلاء المشركين ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ما يتلى عليهم من الآيات حق سماع؛ أي: سماع تفهم وتدبر واعتبار واتعاظ ﴿أَوْ﴾ أنهم ﴿يَعْقِلُونَ﴾ ما في تضاعيفها من المواعظ الزاجرة عن القبائح الداعية إلى المحاسن، فتهتم بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، لا تحسبنّ ذلك. وتخصيص (٢) الأكثر؛ لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارًا وخوفًا على الرسالة.
قال ابن عطاء ﵀: لا تظن أنك تسمع نداءك، إنما تسمعهم إن سمعوا نداء الأزل، وإلا فإن نداءك لهم ودعوتك لا تغني عنهم شيئًا، وإجابتهم دعوتك هو بركة جواب نداء الأزل ودعوته، فمن غفل وأعرض فإنما هو لبعده عن محل الجواب في الأزل ﴿إِنْ هُمْ﴾؛ أي: ما هم في عدم انتفاعهم بما يقرع آذانهم من قوارع الآيات، وانتفاء التدبر فيما يشاهدونه من الدلائل والمعجزات ﴿إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾؛ أي: إلا كالبهائم التي هي مثل في الغفلة، وعلم في الضلالة.
وفي "التأويلات النجمية": ليس لهم نهمة إلا في الأكل والشرب واستجلاب حظوظ النفس كالبهائم التي نهمتها الأكل والشرب ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ وأجهل وأخطأ ﴿سَبِيلًا﴾؛ أي: طريقًا موصلًا إلى مصالحهم من الأنعام؛ لأنها تنقاد لمن يقودها، وتميز من يحسن إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها،
стр. 8822
وهؤلاء لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها لم تعتقد حقًا، ولا تكتسب خيرًا ولا شرًا بخلاف هؤلاء، ولأن جهالتها لا تضر بأحد، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها ولا ذم، وهؤلاء مقصرون مستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم.
وقيل: إنما كانوا أضل من الأنعام؛ لأنه لا حساب عليها, ولا عقاب لها. وقيل: إنما كانوا أضل؛ لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك بخلاف هؤلاء، فإنهم اعتقدوا البطلان عنادًا ومكابرة وتعصبًا وغمطًا للحق.
واعلم: أن (١) الله تعالى خلق الملائكة وعلى العقل جبلهم، وخلق البهائم وركب فيها الشهوة، وخلق الإنسان، وركب فيه الأمرين؛ أي: العقل والشهوة، فمن غلبت شهوته عقله فهو شر من البهائم، ولذا قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾؛ لأن الإنسان بقدمي العقل المغلوب والهوى الغالب ينقل إلى أسفل دركة لا تبلغ البهائم إليها بقدم الشهوة فقط، ومن غلب عقله هواه؛ أي: شهوته، فهو بمنزلة الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ومن كان غالبًا على أمره فهو خير من الملائكة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾، فعلى العاقل الاحتراز عن الأفعال الحيوانية، فإنها سبب لزوال الجاه الصوري والمعنوي، فمدار الخلاص هو ترك الراحة، والعمل بسبب مخالفة النفس والطبيعة.
وحاصل معنى قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾؛ أي (٢): بل أتظن يا محمد أن أكثرهم
стр. 8823
يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات، أو يعقلون ما تتضمنه من المواعظ الداعية إلى الفضائل ومحاسن الأخلاق، حتى تجتهد في دعوتهم، وتحتفل برشادهم وتذكيرهم، وتطمع في إيمانهم، فما حالهم إلا حال البهائم في تركهم للتدبر فيما يشاهدون من البينات والحجج، بل هم أضل منها سبيلًا؛ إذ هي قد تنقاد لصاحبها الذي يتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ومن يسيء، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيا ومشاربها، وتأوي إلى معاطنها ومرابضها, لكن هؤلاء لا ينقادون لخالقهم ورازقهم، ولا يعرفون إحسانه إليهم وإساءة الشيطان لهم، وهو الذي قد زين لهم اتباع الشهوات إلا أنهم لا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، إلا أن جهالة الأنعام مقصورة عليها، وجهالة هؤلاء تؤدي إلى وقوع الفتنة والفساد، وصد الناس عن سنن السداد، ووقوع الهرج والمرج بين العباد، إلا أن البهائم إذ لم تعقل صحة التوحيد والنبوة لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء فإنهم اعتقدوا البطلان عنادًا ومكابرة وتعصبًا وغمطًا للحق، إلا أنها لم تعطل قوة من القوى المودعة فيها، فلا تقصير من قبلها عن الكمال، أما هؤلاء فهم مبطلون لقواهم العقلية، مضيعون للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وقد قالوا: الملائكة روح وعقل، والبهائم نفس وهوى، والبشر مجمع الكل للابتلاء والاختبار، فإن غلبته النفس والهوى فضلته البهائم، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام.
٤٥ - ولما فرغ سبحانه من ذكر جهالة الجاهلين وضلالتهم .. أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد، مع ما فيها من عظيم الإنعام، وحاصل ما ذكره منها خمسة: الأول منها: مد الظل، والثاني: جعل الليل لباسًا، والثالث: إرسال الرياح، والرابع: مرج البحرين، والخامس: خلق البشر من الماء.
فأولها: الاستدلال بأحوال الظل، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ الخطاب (١) لرسول الله ﷺ ، ولكن المراد منه العموم؛ لأن المقصود بيان إنعام الله تعالى
стр. 8824
بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم على هذه النعمة اهـ "مراح". والهمزة للتقرير. والرؤية؛ إما رؤية العين، والمعنى عليه: ألم تنظر إلى بديع صنعه تعالى، فإن المنظور يجب أن يكون مما يصح أن يتعلق به رؤية العين ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام، سأل بها عن الحال، منصوبة على الحال بقوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي: بسط الظل؛ أي: ألم تبصر إلى صنع ربك، أو لم تبصر إلى الظل كيف مده ربك، وإما قلبية بمعنى العلم، فإن الظل متغير، وكل متغير حادث، ولكل حادث موجد، قال الزجاج: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم، وهذا من رؤية القلب، قال: وهذا الكلام على القلب، والتقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك يعني: الظل من الفجر إلى طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه.
وعبارة أبي السعود: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي (١): كيف أنشأ ظلًا لأي مظل كان من جبل، أو بناء، أو شجر، عند ابتداء طلوع الشمس ممتدًا، لا أنه تعالى مده بعد أن لم يكن كذلك كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، وأنه أطيب الأوقات فغير سديد؛ إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظيم قدرة الله وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضَحِّ الشمس، وما ذكر وإن كان في الحقيقة ظلًا للأفق الشرقي لكنهم لا يعدونه ظلًا، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة" اهـ باختصار.
والمراد (٢): أن الشمس تنسخ الظل وتزيله شيئًا فشيئًا إلى الزوال، ثم ينسخ الظل ضوء الشمس، ويزيله من وقت الزوال إلى الغروب، فالظل الآخذ في التزايد الناسخ لضوء الشمس يسمى فيئًا؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب، فهو من الزوال إلى الغروب، والظل من الطلوع إلى الزوال.
стр. 8825
والمعنى: انظر أيها الرسول إلى صنع ربك كيف أنشأ الظل، وكذا الفيء من طلوع الشمس إلى غروبها، فاستخدمه الإنسان للوقاية من لفح الشمس وشديد حرارتها ﴿وَلَوْ شَاءَ﴾ ربك سكون ذلك الظل وثباته على حالة واحدة ﴿لَجَعَلَهُ﴾؛ أي: لجعل ذلك الظل ﴿سَاكِنًا﴾؛ أي: ثابتًا على حالة واحدة، لا يتغير بالنقصان والزيادة، لكنه (١) جعله متغيرًا في ساعات النهار المختلفة، وفي الفصول المتعاقبة، ومن ثم اتخذ مقياسًا للزمن منذ القِدم، فاتخذ المصريون المسلات، وقاسوا بها أوقات النهار على أوضاع مختلفة، وطرق حكيمة منوعة، واتخذ العرب المزاول لمعرفة أوقات الصلاة، فقالوا: يجب الظهر عند الزوال؛ أي: إذا تحول الظل إلى جانب المشرق، والعصر حين بلوغ ظل كل شيء مثله عند الأئمة عدا أبا حنيفة، فإنه قال: لا يجب إلا إذا بلغ ظل كل شيء مثليه.
والمعنى (٢): ولو شاء الله سبحانه سكونه ودوامه لجعله ساكنًا ثابتًا دائمًا مستقرًا، لا تنسخه الشمس. وقيل: المعنى: لو شاء لمنع الشمس من الطلوع. والأول أولى، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار سائغ، ومنه قولهم: سكن فلان بلد كذا إذا أقام به واستقر فيه. وهذه الجملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، اعترض بها للتنبيه من أول الأمر على أنه لا مدخل فيما ذكر من المد للأسباب العادية، وإنما المؤثر فيه المشيئة والقدرة.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ معطوف على قوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾، داخل في حكمه ولم يقل: دالة؛ لأن المراد ضوء الشمس؛ أي: ثم جعلنا طلوع الشمس دليلًا على ظهور الظل، ومشاهدته للحسّ والعيان، والأشياء تستبين بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة ما عرف النور.
والمعنى (٣): جعلناها علامة يستدل بأحوالها المتغيرة على أحواله من غير أن يكون بينهما سببية وتأثير قطعًا حسبما نطقت به الشرطية المعترضة، وذلك لأن
стр. 8826
الظل يتبعها كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص. والالتفات إلى نون العظمة؛ لما في جعل المذكور العاري عن التأثير مع ما يشاهد بين الشمس والظل من الدوران المطرد المنبىء عن السببية من مزيد دلالة على عظم القدرة ودقة الحكمة، وهو السر في إيراد كلمة التراخي
٤٦ - ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ معطوف أيضًا على ﴿مَدَّ﴾، داخل في حكمه. و ﴿ثُمَّ﴾ للتراخي الزماني؛ أي: ثم أزلنا ذلك الظل الممدود بعدما أنشأناه ممتدًا، ومحوناه بمحض قدرتنا ومشيئتنا عند إيقاع شعاع الشمس موقعه، من غير أن يكون له تأثير في ذلك أصلًا، وإنما عبر عنه بالقبض المنبىء عن جمع المنبسط وطيه؛ لما أنه قد عبر عن إحداثه بالمد الذي هو البسط طولًا، وقوله: ﴿إِلَيْنَا﴾ تنصيص على كون مرجعه إلى الله تعالى، كما أن حدوثه عنه . وقيل: معنى ﴿إِلَيْنَا﴾: علينا؛ أي: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ سهلًا علينا؛ أي: محوًا يسيرًا؛ أي: على مهل وتدريج قليلًا قليلًا بحسب ارتفاع دليله؛ أي: الشمس يعني أنه كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب، فلو قبضه الله تعالى دفعة .. لتعطلت منافع الظل والشمس، فقبضه يسيرًا يسيرًا لتبقى منافعهما والمصالح المتعلقة بهما.
والمعنى (١): أي ثم أزلناه بضوء الشمس يسيرًا يسيرًا، ومحوناه على مهل جزءًا جزءًا بحسب سير الشمس.
٤٧ - وثاني الأدلة: ما ذكره بقوله: ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: الله تعالى وحده ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ أيها العباد، ﴿اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾؛ أي: كاللباس يستركم بظلامه كما يستر اللباس لابسه، فشبه ظلامه باللباس في الستر، قال ابن جرير: وصف الليل باللباس تشبيهًا له من حيث إنه يستر الأشياء ويغشاها. واللام متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾.
فإن قلت (٢): إذا كانت ظلمة الليل لباسًا فلا حاجة إلى ستر العورة في صلاة الليل؟
стр. 8827
قلتُ: لا اعتبار لستر الظلمة فإن ستر العورة باللباس ونحوه لحق الصلاة، وهو باق في الظلمة والضوء ﴿وَ﴾ جعل لكم ﴿النَّوْمَ سُبَاتًا﴾؛ أي: راحة لأبدانكم، وقطعًا لأعمالكم، والنوم: استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد، والسبت: قطع العمل، ويوم سبتهم: يوم قطعهم للعمل، وسمي يوم السبت لذلك، أو لانقطاع الأيام عنده؛ لأن الله تعالى ابتدأ بخلق السموات والأرض يوم الأحد، فخلقها في ستة أيام، فقطع عمله يوم السبت، كما في "المفردات".
والمعنى (١): وجعل النوم الذي يقع في الليل غالبًا راحة للأبدان بقطع المشاغل والأعمال المختصة بحال اليقظة، أو المعنى: جعل النوم موتًا، فعبر عن القطع بالسبات الذي هو الموت؛ لما بينهما من المشابهة التامة في انقطاع الحياة، وعليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ فالموت والنوم من جنس واحد، خلا أن الموت هو الانقطاع الكلي؛ أي: انقطاع ضوء الروح عن ظاهر البدن وباطنه، والنوم هو الانقطاع الناقص؛ أي: انقطاع ضوء الروح عن ظاهره دون باطنه، والمسبوت: الميت لانقطاع الحياة عنه، والمريض: المغشي عليه لزوال عقله وتمييزه، وعليه قولهم: مثل المبطون والمفلوج والمسبوت ينبغي أن لا يبادر إلى دفنه حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم.
﴿وَجَعَلَ﴾ لكم ﴿النَّهَارَ نُشُورًا﴾ والنهار: الوقت الذي ينتشر فيه الضوء، وهو في الشرع ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وفي الأصل ما بين طلوع الشمس إلى غروبها. والنشور؛ إما من الانتشار؛ أي: وجعل النهار ذا نشور؛ أي: انتشار، ينتشر فيه الناس لطلب المعاش وابتغاء الرزق، كما قال: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أو من نشر الميت إذا عاد حيا؛ أي: وجعل النهار زمان بعث من ذلك السبات، والنوم كبعث الموتى، فو على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. وفيه إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور،
стр. 8828
وعن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني كما تنام فتوقظ، كذلك تموت فتنشر. وفي الآية رخصة للنوم بقدر دفع الضرورة، وهو فتور البدن. قال بعضهم: النوم راحة للبدن، والمجاهدات اتعاب البدن، فيتضادان.
فائدة: والحكمة في النوم أن الروح القدسي، أو اللطيفة الربانية، أو النفس الناطقة غريبة جدًّا في هذا الجسم السفلي، مشغولة بإصلاحه وجلب منافعه، ودفع مضارّه، محبوسة فيه ما دام المرء يقظان، فإذا نام ذهب إلى مكانه الأصلي ومعدنه الذاتي، فيستريح بواسطة لقاء الأرواح ومعرفة المعاني والغيوب مما يتلقى في حين ذهابه إلى عالم الملكوت من المعاني التي يراها بالأمثلة في عالم الشهادة، وهو السر في تعبير الرؤيا كذا قال في "الروح" والله أعلم.
ومعنى الآية: أي (١) ومن أثار قدرته وروائع رحمته الفائضة على خلقه أن جعل لنفعكم الليل كاللباس، يستركم بظلامه كما يستركم اللباس، وجعل النوم كالموت؛ لتعطيله الحواس ووظائفها المختلفة، وجعل النهار زمان بعث من ذلك الموت.
٤٨ - وثالث الأدلة: ما ذكره بقوله: ﴿وَهُوَ﴾؛ أي: الله سبحانه وحده الإله ﴿الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾؛ أي: أطلقها وبعثها حالة كونها ﴿بُشْرًا﴾ لكم؛ أي: مبشرات لكم بمجيء المطر؛ أي: أرسلها ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾؛ أي: قدام رحمته ومطره ؛ لأنه أولًا تكون ريح، ثم سحاب، ثم مطر. والإرسال: التسخير. والريح معروفة؛ وهي فيما قيل: الهواء المتحرك، وقيل في الرحمة: رياح بلفظ الجمع؛ لأنها تجمع الجنوب والشمال والصبا، وقيل في العذاب: ريح؛ لأنها واحدة؛ وهي الدبور التي أهلكت عادًا، وهو عقيم لا يلقح، ولذا ورد في الحديث: "اللهم اجعلها لنا رياحًا، ولا تجعلها ريحًا". والمعنى؛ أي: والله الذي أرسل الرياح مبشرات بقدوم الأمطار.
стр. 8829
وقرأ ابن كثير (١): ﴿الريح﴾ بالإفراد. وقرأ: ﴿نُشُرًا﴾ نافع وابن كثير وأبو عمرو بضم النون والشين؛ أي: ناشرات للسحاب. وقرأ ابن عامر بضم النون وسكون الشين. وقرأه حمزة والكسائي بفتح النون وسكون الشين على أنه مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: متفرقة. وقرأه عاصم بالباء الموحدة المضمومة وسكون الشين؛ أي: مبشرات.
وقال ابن عطية (٢): وقراءة الجمع أوجه؛ لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة، فإنما هي رياح؛ لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق، وتأتي ليِّنة، وتأتي من هاهنا وهاهنا، وشيئًا إثر شيء، وريح العذاب تخرج لا تتداءب، وإنما تأتي جسدًا واحدًا، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني: جمعت رياح الرحمة؛ لأنها ثلاثة: لواقح الجنوب والصبا والشمال. وأفردت ريح العذاب؛ لأنها واحدة لا تلقح؛ وهي الدبور انتهى. ولا يسوغ أن يقال: هذه القراءة أوجه؛ لأن كلاً من القراءتين متواترة.
﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ بعظمتنا. والالتفات إلى نون العظمة لإبراز كمال العناية بالإنزال؛ لأنه نتيجة إرسال الرياح ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: من جهة الفوق يعني: من السحاب ﴿مَاءً طَهُورًا﴾؛ أي: بليغًا في الطهارة، وهو الذي يكون طاهرًا في نفسه، ومطهرًا لغيره من الحدث والنجاسة. والطهور اسم لما يتطهر به كالوقود لما توقد به النار، والوضوء لما يتوضأ به؛ أي: وأنزلنا من السحاب ما تتطهرون به في غسل ملابسكم وأجسامكم، وتنتفعون به في طبخ مطاعمكم، وتشربونه عذبًا فراتًا، روي أن النبي ﷺ قال في البحر: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" أخرجه أبو داود والترمذي.
قال في "فتح الرحمن" الطهور: هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار، على أي صفة كان من عذوبة، وملوحة، وحرارة،
стр. 8830
وبرودة، وغيرها، وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالتراب والطحلب وورق الشجر ونحوها .. فهو طاهر في نفسه، مطهر لغيره، يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس بالاتفاق، فإن تغير عن أصل خلقته بطاهر يغلب على أوصافه يستغني الماء عنه غالبًا .. لم يجز التطهير به عند الثلاثة، وجوّز أبو حنيفة ﵀ الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات، ما لم تزل رقته، وقال أيضًا: يجوز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد ونحوهما، وخالفه الثلاثة ومحمد بن الحسن وزفر كما فصل في الفقه.
فإن قلت: لم (١) وصف الماء بالطهور مع أن وصف الطهارة لا دخل له في ترتيب الأحياء والسقي على إنزال الماء؟
قلتُ: وصفه بالطهارة إشعارًا بزيادة النعمة؛ لأن وصف الطهارة نعمة زائدة على إنزال ذات الماء، وتتميمًا للمنة المستفادة من قوله: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾؛ ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه مما يزيل طهوريته، وتنبيهًا على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها كانت بواطنهم بذلك أولى؛ لأن باطن الشيء أولى بالحفظ عن التلوث من ظاهره، وذلك لأن نظر الحق ﷻ إلى باطن الإنسان، لا ظاهره.
٤٩ - ثم ذكر سبحانه علة الإنزال، فقال ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾؛ أي: بما أنزلنا من السماء من الماء الطهور ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ أي: أرضًا يابسة، لا أشجار فيها ولا ثمار ولا مرعى، وإحياؤها: بإنبات النبات من المكان الذي لا نبات فيه. والمراد بالبلدة؛ القطعة من الأرض، عامرة كانت أو غيرها. والتذكير حيث لم يقل: بلدة ميتة؛ لأنه بمعنى البلد، أو الموضع، أو المكان، ولأنه غير جار على الفعل بأن يكون على صيغة اسم الفاعل، أو المفعول، فأجري مجرى الجامد.
وقرأ عيسى وأبو جعفر ﴿ميّتا﴾ بالتشديد ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾؛ أي: نسقي ذلك الماء
стр. 8831
الطهور عند جريانه في الأودية؛ أي: اجتماعه في الحياض، أو المنابع والآبار. وسقى وأسقى لغتان بمعنى، يقال: سقاه الله الغيث وأسقى، والاسم: السقيا كما سيأتي. وقرأ (١) عبد الله وأبو مجلز وأبو رجاء والضحاك وأبو حيوة وابن أبي عبلة والأعمش وعاصم وأبو عمرو في رواية عنهما ﴿ونَسقيه﴾ بفتح النون، ورويت عن عمر بن الخطاب.
والمعنى: أي وأنزلناه لنحيي به أرضًا طال انتظارها للغيث، فهي هامدة لا نبات فيها، وبذلك الماء يزدهر الشجر والنبات والأزهار، وذلك أشبه بالحياة للإنسان والحيوان، وأنزلناه ليشرب منه الحيوان والإنسان.
﴿مِمَّا خَلَقْنَا﴾ متعلق بـ ﴿نسقيه﴾ ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ بدل (٢) من محل الجار والمجرور؛ أي: ولنسقي ذلك الماء بعض خلقنا من الأنعام والأناسي، ويجوز أن يكون ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾ مفعول ﴿نُسقيه﴾، و ﴿مِمَّا خَلَقْنَا﴾ متعلق بمحذوف حال من: ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها؛ أي: ولنسقيه أنعامًا وأناسي كثيرًا كائنات مما خلقنا. والأنعام: جمع نعم؛ وهي الأموال الراعية. والأناسي جمع إنسان كما سيأتي بسطه. و ﴿كَثِيرًا﴾: صفة ﴿أناسي﴾؛ لأنه بمعنى بشرًا، والمراد بهم أهل البوادي الذين يعيشون بالمطر، ولذا نكر الأنعام والأناسي، يعني: أن التنكير للإفراد النوعي، وتخصيصهم بالذكر؛ لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والمنابع، فلا يحتاجون إلى سقيا السماء، وسائر الحيوانات من الوحوش والطيور تبعد في طلب الماء، فلا يعوزها الشرب غالبًا.
يقال: أعوزه الشيء إذا احتاج إليه فلم يقدر عليه.
وخص الأنعام بالذكر (٣)؛ لأنها قنية للإنسان؛ أي: يقتنيها ويتخذها لنفسه، لا لتجارة، وعامة منافعهم ومعايشهم منوطة بها، فلذا قدّم سقيها على سقيهم،
стр. 8832
كما قدم على الأنعام إحياءً الأرض، فإنه سبب لحياتها وتعيّشها، فانظر يا أخي كيف رتب سبحانه ذكر ما هو رزق الإنسان ورزق رزقه، فإن الأنعام رزق الإنسان، والنبات رزق الأنعام، والمطر رزق النبات، فقدم ذكر المطر، ورتّب عليه ذكر حياة الأرض بالنبات، ورتّب عليه ذكر الأنعام.
وفي "المراح": قوله: ﴿كَثِيرًا﴾ إما راجع للـ ﴿أناسي﴾، وذلك لأن أكثر الناس يجتمعون في البلاد القريبة من الأنهار وينابيع الماء، فهم في غنية في شرب الماء عن المطر، وكثير منهم نازلون في البوادي، فلا يجدون المياه للشرب إلّا عند نزول المطر، وإما راجع إلى ﴿نسقيه﴾، وذلك لأن الحيوان يحتاج الماء حالًا بعد حال ما دام حيًا، وهو مخالف للنبات الذي يكفيه من الماء قدر معين، حتى لو زيد عليه بعض ذلك .. لكان أقرب إلى الضرر، اهـ. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري وأبو مجلز والضحاك وأبو العالية وعاصم الجحدري (١): ﴿وأناسِيْ﴾ بتخفيف الياء، ورويت عن الكسائي.
٥٠ - ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي لقد كرّرنا هذا القول الذي هو إنشاء السحاب، وإنزال المطر لما مرّ من الغايات الجليلة في القرآن وغيره من الكتب السماوية ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أي: بين الناس من المتقدمين والمتأخرين ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾؛ أي: ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك، ويقوموا بشكره حق القيام. وأصله: ﴿ليتذكروا﴾ من التذكر؛ وهو التفكر ﴿فَأَبَى﴾ وامتنع ﴿أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ ممن سلف وخلف ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾؛ أي: كفران النعمة وقلة المبالاة بشأنها، فإن حقها أن يتفكر فيها، ويستدل بها على وجود الصانع وقدرته وإحسانه، وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك أداء شكرها، وأعظم الكفر جحود الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة.
وأكثر المفسرين (٢): على أن الضمير في ﴿صَرَّفْنَاهُ﴾ راجع إلى نفس الماء
стр. 8833
الطهور الذي هو المطر، فالمعنى عليه؛ أي: وعزتي وجلالي ﴿لَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾؛ أي: فرقنا المطر بينهم بإنزال له في بعض البلاد والأمكنة دون غيرها، أو في بعض الأوقات دون بعض، أو على صفة دون أخرى بجعله تارة وابلًا وهو المطر الشديد، وأخرى طلا وهو المطر الضعيف، ومرة ديمة وهو المطر الذي يدوم أيامًا ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ إلّا جحودًا للنعمة، وكفرًا بالله تعالى بأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا؛ أي: بسقوط كوكب كذا، كما يقول المنجمون، فجعلهم الله سبحانه بذلك كافرين، حيث لم يذكروا صنع الله تعالى ورحمته، بل أسندوا مثل هذه النعمة إلى الأفلاك والكواكب، فمن لا يرى الأمطار إلّا من الأنواء فهو كافر بالله بخلاف من يرى أن الكل بخلق الله تعالى.
والأنواء أمارات بجعل الله تعالى، والأنواء النجوم التي يسقط واحد منها في جانب المغرب وقت طلوع الفجر، ويطلع رقيبه في جانب المشرق من ساعته، والعرب كانت تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها، وقيل: إلى الطالع منها؛ لأنّه في سلطانه. وقيل: الضمير راجع إلى القرآن، والمعنى: ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، فأبى أكثرهم إلّا كفورًا به. وقيل: راجع إلى الريح. وقرأ عكرمة (١): ﴿صَرَفناه﴾ مخففًا، وقرأ الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة والكسائي ﴿ليَذْكُروا﴾ مخففة الذال من الذكر، وقرأ الباقون بالتثقيل من التذكر.
ومعنى الآية: وعزتي وجلالي لقد صرفنا المطر بين الناس على أوضاع شتى، فلا تمر ساعة في ليل ولا نهار إلَّا كان فيه دليل على آثار قدرتنا، فننزله على قوم ونحجبه عن آخرين، فنحن صرفناه بينهم، كما صرّفنا الليل والنهار، فالشمس تجري من عند قوم، وتذهب إلى الآخرين ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أي: إلا أن الماء قد يكون جامدًا يشبه الحجر، وسائلا يشبه الزيت وسائر المائعات، وحينًا بخاريًا يشبه الهواء، وهو أيضًا غاد ورائح في الجو، وفي
стр. 8834
الأنهار، وفي الغدران، وفي أجسام النبات والحيوان والإنسان؛ ليذكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيشكروا, ولكن أكثر الناس أبوا إلّا جحودًا للنعمة، وكفرانًا بخالقها.
٥١ - ثم بين منّته على رسوله، وأنه كلفه الأحمال الثقال من أعباء النبوة؛ ليزداد شرفًا ويعظم قدرًا، فقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾؛ أي: ولو (١) أردنا أن نرسل رسولًا إلى أهل كل قرية ﴿لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾؛ أي: لأرسلنا في كل مصر ومدينة نذيرًا؛ أي: نبيًا ينذر أهلها، وخفت عنك أعباء النبوة، ولكن بعثناك إلى القرى كلها، وحمّلناك ثقل النذارة؛ لتستوجب بصبرك ما أعددناه لك من الكرامة والمنزلة الرفيعة، فقابل ذلك بشكر النعمة، وبالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق، كما قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وثبت في "الصحيحين": "بعثت إلى الأحمر والأسود"؛ أي: إلى العجم والعرب.
والخلاصة: أنا عظّمناك بهذا الأمر، وجعلناك مثقلًا بأعبائه؛ لتحوز ما ادخر لك من عظيم جزائه وكبير مثوبته، فعليك بالمجاهدة والمصابرة، ولا عليك من تلقيهم الدعوة بالإعراض والمشاكسة
٥٢ - ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: لا توافقهم فيما ندبوك إليه من عبادة الآلهة واتباع دين الآباء، وأغلظ عليهم ولا تداهنهم، واثبت على الدعوة وإظهار الحق ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾؛ أي: جادلهم ودافعهم عن الدين الحق ﴿بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن؛ أي: بتلاوة ما في تضاعيفه من المواعظ وتذكير أحوال الأمم المكذبة لرسلها ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾؛ أي: عظيمًا تامًا شديدًا، لا يخالطه فتور، فإن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف. وإنما لم يحمل المجاهدة على القتال بالسيف؛ لأنه إنما ورد الإذن فيه بعد الهجرة بزمان، والسورة مكية، قال بعضهم: ويجوز أن يكون الجهاد بالألسنة بترك المداهنة في حقهم وإغراء الناس على دفع فسادهم، كما أن الجهاد بالأموال بالدفع إلى من يحاربهم ويستأصلهم.
стр. 8835
والمعنى: أي فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم على مذاهبهم وآرائهم، وجاهدهم بالشدة والعنف، لا بالملاينة والمداراة؛ لتكسب ودّهم ومحبتهم، وعظهم بما جاء به القرآن من المواعظ والزواجر، وذكّرهم بأحوال الأمم المكذبة لرسلها، وذلك منتهى الجهاد الذي لا يقادر قدره، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.
والخلاصة: أنك مبعوث إلى الناس كافة لتنذرهم ما بين أيديهم وما خلفهم، فاجتهد في دعوتك، ولا تتوان فيها, ولا تحفل بوعيدهم، فإن الله ناصرك عليهم ومظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون.
٥٣ - ورابع الأدلة: ما ذكره بقوله: ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾؛ أي: خلاهما (١) وأرسلهما، وأجراهما في مجاريهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان، ولا يلتبس أحدهما بالآخر.
وجملة قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾ إما مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: كيف مرجهما؟ فقيل: هذا عذب، وهذا ملح، أو في محل نصب على الحال من ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ بتقدير القول؛ أي: هو الذي مرج البحرين حال كونهما مقولًا في حقهما: ﴿هَذَا﴾؛ أي: أحدهما ﴿عَذْبٌ﴾؛ أي: حلو طيب ﴿فُرَاتٌ﴾؛ أي: سائغ قاطع للعطش لغاية عذوبته صفة ﴿عَذْبٌ﴾ والتاء فيه أصلية وهذا أي: الآخر ﴿مِلْحٌ﴾؛ أي: مرّ ﴿أُجَاجٌ﴾؛ أي: زعاق بليغ الملوحة، صفة ﴿مِلْحٌ﴾، وقرأ طلحة وقتيبة عن الكسائي ﴿مَلِح﴾ بفتح الميم وكسر اللام، وكذا في فاطر ﴿وَجَعَلَ﴾: عطف على الصلة ﴿بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: بين البحرين العذب والملح ﴿بَرْزَخًا﴾؛ أي: حاجزًا وحائلًا من قدرته سبحانه غير مرئي ﴿وَحِجْرًا﴾؛ أي: سترًا ﴿مَحْجُورًا﴾؛ أي: ممنوعًا به تغيير أحدهما طعم الآخر، وهو صفة مؤكدة لـ ﴿حِجْرًا﴾ كليل أليل ويوم أيوم. وقيل: هذه كلمة استفادة كما سبق في هذه السورة. والمعنى هاهنا على التشبيه؛ أي: تنافرًا بليغًا، كأن كلاً منهما يتعوذ من الآخر
стр. 8836
بتلك المقالة، ويقول: حرامًا محرمًا عليك أن تغلب عليّ، وتزيل صفتي وكيفيتي.
واعلم: أن أكثر المفسرين حمل البحرين على بحري فارس والروم، فإنهما يلتقيان في البحر المحيط، وموضع التقائهما هو مجمع البحرين المذكور في الكهف، ولكن يلزم على هذا أن يكون البحر الأول عذبًا، والثاني ملحًا، مع أنهم قالوا: لا وجود للبحر العذب هناك، وذلك لأنهما في الأصل خليجان من المحيط، وهو مرّ، والأوجه أن يمثّل البحران بالنيل المبارك والبحر الأخضر، وهو بحر فارس الذي هو شعبة من البحر الهندي الذي يتصل بالبحر المحيط، وبحر فارس مر، وذلك أن بحر النيل يدخل في البحر الأخضر قبل أن يصل إلى بحيرة الزنج ويختلط به، وهو معنى المرج، ولولا اختلاطه بملوحته .. لما قدر أحد على شربه لشدة حلاوته كما في "إنسان العيون".
والمعنى: أي (١) ومن آثار نعمته على خلقه أن خلى البحرين متجاورين متلاصقين، وجعلهما لا يمتزجان، ومنع الملح من تغيير عذوبة العذب وإفساده إياه، وحجزه عنه بقدرته، فكأن بينهما حاجزًا يمنع أحدهما إفساد الآخر، وكأن بينهما ساترًا يجعله لا يبغي عليه.
والخلاصة (٢): أنه تعالى جعل البحرين مختلطين في مرأى العين، منفصلين في التحقيق بقدرته تعالى بحيث لا يختلط الملح بالعذب ولا العذب بالملح، ولا يتغير طعم أحدهما بالآخر ولا يفسده، ونحو الآية قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾.
٥٤ - وخامس الأدلة: ما ذكره بقوله: ﴿وَهُوَ﴾ الإله ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وأوجد ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾؛ أي (٣): من ماء الذكر والأنثى؛ وهو النطفة، أو من الماء الذي خمّر به طينة آدم ﵇ ﴿بَشَرا﴾؛ أي: آدميًا، والبشرة ظاهر
стр. 8837
الجلد كما أن الأدمة - محركة - باطنه الذي يلي اللحم، وعبر عن الإنسان بالبشر اعتبارًا بظهور جلده من الشعر بخلاف سائر الحيوانات التي عليها الصوف، أو الشعر أو الوبر، كالضأن والمعز والإبل. وخص في القرآن كل موضع اعتبر من الإنسان جثته وظاهره بلفط البشر، واستوى فيه الواحد والجمع ﴿فَجَعَلَهُ﴾؛ أي: البشر أو الماء ﴿نَسَبًا وَصِهْرًا﴾؛ أي: قسمه قسمين ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليهم، فيقال: فلان ابن فلان، ووفلانة بنت فلان، وذوات صهر؛ أي: إناثًا يصاهر بهن ويخالط. وقيل: النسب ما لا يحل تزويجه من القرابة. والصهر ما يحل التزويج من القرابة وغيرها. وقيل: النسب ما يوجب الحرمة، والصهر ما لا يوجبها. وقيل: النسب من القرابة، والصهر الخلطة التي تشيه القرابة؛ وهو السبب المحرّم للنكاح، وقد حرّم الله بالنسب سبعًا، وبالسبب سبعًا، ويجمعها قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ...﴾ الآية، وقد تقدم تفسير ذلك وبيانه في تفسير سورة النساء.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾؛ أي: مبالغًا في القدرة حيث قدر أن يخلق من مادة واحدة بشرًا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة عجيبة الصنع، بديع الخلق، كبير العقل، عظيم التفكير، سخر ما علي ظاهر الأرض وباطنها لنفعه وفائدته ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، وجعله قسمين متقابلين، وربما يخلق من مادة واحدة توءمين ذكرًا وأنثى.
الإعراب
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾.
﴿وَقَالَ﴾ الواو: استئنافية. ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: فعل وفاعل ومفعول ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة الموصول. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى هلّا. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْنَا﴾: متعلق به. ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾: نائب فاعل لـ ﴿أُنْزِلَ﴾، والجملة التحضيضية مقول ﴿قال﴾. ﴿أَوْ﴾: حرف عطف. ﴿نَرَى رَبَّنَا﴾: فعل
стр. 8838
ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على المتكلمين، والجملة معطوفة على جملة ﴿أُنْزِلَ﴾ على كونها مقول ﴿قال﴾. ﴿لَقَدِ﴾: اللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق: ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة مسوقة لدرء شبهاتهم وتعنتاتهم بعد قيام الحجة عليهم. ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾، بمعنى: أنهم لتكبرهم عدّوا أنفسهم كبيرة الشأن، وأصله من استكبره إذا عدّه كبيرًا، فنزله منزلة اللازم فعدّاه بـ ﴿فِي﴾. ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾: فعل وفاعل ومفعول مطلق وصفة معطوفة على ﴿اسْتَكْبَرُوا﴾.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾.
﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف تقديره: اذكر لهم أهوال يوم يرون الملائكة، أو يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة، وليس متعلقًا بالبشرى؛ لأن المصدر لا يعمل فيما قبله. ﴿يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿لا﴾: نافية للجنس تعمل عمل إنّ. ﴿بُشْرَى﴾: في محل النصب اسمها. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بالاستقرار الذي تعلق به خبر ﴿لا﴾، أو تأكيد لفظي لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ على التقدير الثاني. ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر ﴿لا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ مقول لقول محذوف وقع حالًا من ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾؛ أي: حالة كون الملائكة قائلين: لا بشرى للمجرمين يومئذ. ﴿وَيَقُولُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿يَرَوْنَ﴾، فالضمير فيه للكفار. ﴿حِجْرًا﴾: منصوب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف وجوبًا تقديره: حجرنا من شركم أيها الملائكة ومنعنا منه حجرًا. ﴿مَحْجُورًا﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿حِجْرًا﴾. ﴿وَقَدِمْنَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿قدمنا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿إِلَى مَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قدمنا﴾. ﴿عَمِلُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: عملوه. ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾: جار ومجرور حال من ﴿مَا﴾ الموصولة، أو من العائد المحذوف. ﴿فَجَعَلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول
стр. 8839
أول. ﴿هَبَاءً﴾: مفعول ثان. ﴿مَنْثُورًا﴾: صفة ﴿هَبَاءً﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿قدمنا﴾.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾.
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾: مبتدأ ومضاف إليه ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مكان إلى مثله متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ. ﴿مُسْتَقَرًّا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل والجملة مستأنفة ﴿وَأَحْسَنُ﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾. ﴿مَقِيلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب بـ ﴿أحسن﴾. ﴿وَيَوْمَ﴾: منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر يوم، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿بِالْغَمَامِ﴾: في هذه الباء ثلاثة أوجه:
أحدها: أنها للسببية؛ أي: بسبب الغمام، يعني: بسبب طلوعه منها، ونحوه قوله تعالى: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، كأنه الذي تشقق به السماء، فيتعلق الجار والمجرور بـ ﴿تَشَقَّقُ﴾.
وثانيها: أنها للملابسة، فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال.
والثالث: أنها بمعنى عن؛ أي: عن الغمام كقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾، فتتعلق بـ ﴿تَشَقَّقُ﴾ أيضًا اهـ "سمين". ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾: فعل ونائب فاعل معطوف على ﴿تَشَقَّقُ﴾. ﴿تَنْزِيلًا﴾: مفعول مطلق منصوب بـ ﴿نُزِّلَ﴾.
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾.
﴿الْمُلْكُ﴾: مبتدأ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف لمثله متعلق بـ ﴿الْمُلْكُ﴾. ﴿الْحَقُّ﴾: صفة لـ ﴿الْمُلْكُ﴾. ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ خبر المبتدأ، والجملة مستأنفة. ﴿وَكَانَ﴾: الواو: عاطفة. ﴿كان﴾: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير يعود
стр. 8840
على اليوم؛ أي: وكان ذلك اليوم. ﴿يَوْمًا﴾: خبر ﴿كَانَ﴾. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿عَسِيرًا﴾. ﴿عَسِيرًا﴾: صفة ﴿يَوْمًا﴾، وجملة ﴿كان﴾ معطوفة على الجملة التي قبلها عطف فعلية على اسمية؛ لأنها في الأصل جملة اسمية، أو مستأنفة. ﴿وَيَوْمَ﴾ الواو: عاطفة. ﴿يوم﴾: منصوب باذكر محذوفا، وهو معطوف على قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾، وكذا قوله السابق: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾. ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾. ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَعَضُّ﴾. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿الظَّالِمُ﴾، والجملة في محل النصب حال من ﴿الظَّالِمُ﴾؛ أي: حالة كونه قائلًا، ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ مقول محكى، وإن شئت قلت: ﴿يا﴾ حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء، أو يا قوم، وجملة المنادى في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾، أو الياء حرف تنبيه، ﴿ليتني﴾: ﴿ليت﴾: حرف تمن ونصب، والنون للوقاية، والياء ضمير المتكلم في محل النصب اسمها. ﴿اتَّخَذْتُ﴾: فعل وفاعل. ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾: ظرف ومضاف إليه في محلِ المفعول الثاني لـ ﴿اتَّخَذْتُ﴾. ﴿سَبِيلًا﴾: مفعول أول لـ ﴿اتَّخَذْتُ﴾، وجملة ﴿اتَّخَذْتُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾.
﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ﴿يا﴾: حرف نداء. ﴿ويلتي﴾: منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف، وياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف في محل الجر مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول القول. ﴿لَيْتَنِي﴾: ناصب واسمه ونون وقاية. ﴿لَمْ﴾: حرف نفي وجزم. ﴿أَتَّخِذْ﴾: فعل مضارع مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وفاعله ضمير يعود على المتكلم. ﴿فُلَانًا﴾: مفعول أول. ﴿خَلِيلًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿ليت﴾، وجملة ﴿ليت﴾ في محل النصب مقول القول على كونها جواب النداء. ﴿لَقَدْ﴾: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَضَلَّنِي﴾: فعل
стр. 8841
ماض ونون وقاية، وفاعل مستتر يعود على ﴿فُلَانًا﴾ ومفعول به. ﴿عَنِ الذِّكْرِ﴾ متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول القول على كونها معللة للتمني المذكور. ﴿بَعْدَ إِذْ﴾: ظرف مضاف لمثله متعلق بـ ﴿أَضَلَّنِي﴾، أو حال من ﴿الذِّكْرِ﴾. ﴿جَاءَنِي﴾: فعل ماض ونون وقاية، وفاعل مستتر يعود إلى ﴿الذِّكْرِ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾: فعل ماض ناقص واسمه. ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾: متعلق بـ ﴿خَذُولًا﴾. ﴿خَذُولًا﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ مستأنفة استئنافًا نحويًا؛ لأنه من كلام الرب سبحانه.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة قوله ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾. ﴿يَا رَبِّ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قال﴾ ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿اتَّخَذُوا﴾: فعل وفاعل ﴿هَذَا﴾: في محل النصب مفعول أول. ﴿الْقُرْآنَ﴾: بدل من اسم الإشارة ﴿مَهْجُورًا﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قال﴾ على كونها جواب النداء. ﴿وَكَذَلِكَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿كذلك﴾: الكاف اسم بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف، ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه في محل المفعول الثاني. ﴿عَدُوًّا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿عَدُوًّا﴾، والتقدير: وجعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين جعلًا مثل ذلك الجعل الذي جعلنا لك، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله ﷺ . ﴿وَكَفَى﴾ الواو: عاطفة. ﴿كفى﴾: فعل ماض. ﴿بِرَبِّكَ﴾: فاعل ﴿كفى﴾، والباء زائدة. ﴿هَادِيًا﴾: حال من ﴿ربك﴾. ﴿وَنَصِيرًا﴾: معطوف عليه؛ أي: حالة كونه هاديًا لك للطريق التي ستنتصر بها عليهم كالغزو. اهـ شيخنا، أو تمييز له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ
стр. 8842
وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان شبهة منهم. تتعلق بالقرآن. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لَوْلَا﴾: تحضيضية بمعنى هلا. ﴿نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، والجار والمجرور متعلق به. ﴿الْقُرْآنُ﴾: نائب فاعل. ﴿جُمْلَةً﴾: حال من القرآن؛ أي: مجتمعًا. ﴿وَاحِدَةً﴾: صفة ﴿جُمْلَةً﴾، والجملة التحضيضية في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾: صفة لمصدر محذوف، والعالم فيه محذوف تقديره: نزلناه عليك تنزيلًا مثل ذلك التنزيل المرتل، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿لِنُثَبِّتَ﴾: اللام: حرف جر وتعليل، ﴿نثبت﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، وفاعله ضمير يعود على الله تقديره: نحن. ﴿بِهِ﴾: متعلق به ﴿فُؤَادَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بالفعل المحذوف، والتقدير: نزلناه عليه تنزيلًا مثل ذلك التنزيل لتثبيت فؤادك به. ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿تَرْتِيلًا﴾: مفعول مطلق، والجملة معطوفة على الجملة المحذوفة.
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾.
﴿وَلَا﴾: الواو: عاطفة. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَأْتُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بِمَثَلٍ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال. ﴿جِئْنَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بِالْحَقِّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من مفعول يأتونك؛ أي: ولا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إتياننا إياك بالحق وبما هو أحسن تفسيرًا. ﴿وَأَحْسَنَ﴾: معطوف على ﴿الحق﴾، مجرور بالفتحة؛ لأنه ممنوع من الصرف للوصفية ووزن الفعل. ﴿تَفْسِيرًا﴾: تمييز.
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.
﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿يُحْشَرُونَ﴾: فعل ونائب فاعل صلة الموصول،
стр. 8843
ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف؛ أي: هم الذي يحشرون. ﴿عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من نائب فاعل ﴿يُحْشَرُونَ﴾؛ أي: حالة كونهم مقلوبين على وجوههم. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾: متعلق بـ ﴿يُحْشَرُونَ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿شَرٌّ﴾: خبر له. ﴿مَكَانًا﴾: منصوب على التمييز .. ﴿وَأَضَلُّ﴾: معطوف على ﴿شَرٌّ﴾. ﴿سَبِيلًا﴾: تمييز، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل الرفع خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، واللام موطئة لقسم محذوف، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعولان، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَجَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آتَيْنَا﴾، والواو لا تفيد ترتيبًا كما مر في مبحث التفسير. ﴿مَعَهُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿أَخَاهُ﴾: مفعول أول. ﴿هَارُونَ﴾: بدل من ﴿أَخَاهُ﴾: أو عطف بيان له. ﴿وَزِيرًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿فَقُلْنَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿قلنا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿اذْهَبَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَى الْقَوْمِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قلنا﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمِ﴾. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿كَذَّبُوا﴾. ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف، ﴿دمرناهم﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿تَدْمِيرًا﴾: مفعول مطلق، والجملة معطوفة على جملة محذوفة تقديرها: فذهبا إليهم، فكذبوهما، فدمرناهم تدميرًا.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾.
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾: مفعول لفعل محذوف وجوبًا يفسره ما بعده، فهو من باب الاشتغال تقديره: وأغرقنا قوم نوح، والجملة معطوفة على جملة ﴿آتَيْنَا﴾، ولك أن تعطفه على الهاء في ﴿دمرناهم﴾؛ أي: ودمرنا قوم نوح. ﴿لَمَّا﴾: حينية في
стр. 8844
محل النصب على الظرفية متعلق بـ ﴿أغرقنا﴾. ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿لِلنَّاسِ﴾: حال من ﴿آيَةً﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿آيَةً﴾: مفعول ثان لـ ﴿جعلنا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أعتدنا﴾. ﴿عَذَابًا﴾: مفعول به. ﴿أَلِيمًا﴾: صفة ﴿عَذَابًا﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿جعلنا﴾، أو معترضة، وهذه الجملة تحتمل التخصيص، فيكون فيها وضع الظاهر موضع المضمر، وتحتمل العموم، فتكون معترضة. ﴿وَعَادًا﴾: مفعول لفعل محذوف تقديره: وأهلكنا عادًا، أو دمرنا، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾. ﴿وَثَمُودَ﴾: معطوف على ﴿عادا﴾، يصرف ولا يصرف كما مر. ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿وَقُرُونًا﴾: معطوف عليه أيضًا. ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: ظرف ومضاف إليه صفة أولى لـ ﴿قرونا﴾. ﴿كَثِيرًا﴾: صفة ثانية له.
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾.
﴿وَكُلًّا﴾: الواو: عاطفة. ﴿كلا﴾: منصوب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا يلاقي ﴿ضَرَبْنَا﴾ في المعنى تقديره: خوفنا كلا، أو أنذرنا كلا، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَعَادًا﴾. ﴿ضَرَبْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿لَهُ﴾: متعلق به، ﴿الْأَمْثَالَ﴾: مفعول به، والجملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَكُلًّا﴾: مفعول مقدم لـ ﴿تَبَّرْنَا﴾؛ لأنه فارغ له لم يشتغل بضميره. ﴿تَبَّرْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿تَتْبِيرًا﴾: مفعول مطلق، والجملة معطوفة على جملة ﴿دمرنا﴾.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: الواو: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف
стр. 8845
تحقيق. ﴿أَتَوْا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾: متعلق به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿الْقَرْيَةِ﴾ ﴿أُمْطِرَتْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على الموصول، والجملة صلة الموصول. ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مفعول مطلق لـ ﴿أُمْطِرَتْ﴾: بمعنى: إمطار السوء على حد ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾. ﴿أَفَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري المضمن للإنكار داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك الحذوف، ﴿لم يكونوا﴾: جازم وفعل ناقص، واسمه مجزوم بحذف النون. ﴿يَرَوْنَهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿يَكُونُوا﴾، وجملة ﴿يَكُونُوا﴾ معطوفة على الجملة المحذوفة، والتقدير: ألم يكونوا ينظرون إليها، فلم يكونوا يرونها، والجملة المحذوفة جملة إنشائية لا محل لها من الإعراب. ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَرْجُونَ نُشُورًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾ وجملة كان جملة إضرابية مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾.
﴿وَإِذَا﴾: الواو: استئنافية. ﴿إذا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿رَأَوْكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الخفض بإضافة إذا إليها على كونها فعل شرط لها، والظرف متعلق بالجواب. ﴿إِنْ﴾: نافية. ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أو. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿هُزُوًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾، والجملة جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة.
فائدة: ويرد على هذا الجواب بأنه منفي بإن، والجواب المنفي يجب قرنه بالفاء؟ ويجاب بأن إذا اختصت من بين أدوات الشرط بأن جوابها المنفي لا يقترن بالفاء. اهـ، شيخنا، وفي "السمين": واختصت إذا بأن جوابها إذا كان منفيًا بما، أو إن، أو لا يحتاج إلى الفاء، بخلاف غيرها من أدوات الشرط، اهـ.
стр. 8846
﴿أَهَذَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري المضمن للتعجب. ﴿هذا﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبره. ﴿بَعَثَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: بعثه الله. ﴿رَسُولًا﴾: حال من الضمير المحذوف مؤكدة لعاملها، والجملة الاسمية مقول لقول محذوف وقع حالًا من الواو في ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ تقديره: إن يتخذونك إلا هزوًا حال كونهم قائلين: أهذا الذي بعثه الله رسولًا.
﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾.
﴿إِنْ﴾: مخففة من الثقيلة، اسمها محذوف؛ أي: إنه. ﴿كَادَ﴾: فعل ماضٍ ناقص من أفعال المقاربة، واسمها ضمير مستتر يعود على ﴿الرسول﴾. ﴿لَيُضِلُّنَا﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿يضلنا﴾: فعل ومفعول، وفاعل مستتر يعود على ﴿الرسول﴾. ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يضلنا﴾، وجملة ﴿يضلنا﴾ في محل النصب خبر ﴿كَادَ﴾، وجملة ﴿كَادَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إِنْ﴾: المخففة، وجملة ﴿إِنْ﴾: المخففة في محل النصب ومن تتمة المقول للقول المحذوف. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿صَبَرْنَا﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَن﴾: المصدرية. ﴿عَلَيْهَا﴾: متعلق بـ ﴿صَبَرْنَا﴾، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، والخبر محذوف وجوبًا تقديره: لولا صبرنا عليها موجود. وجواب ﴿لَوْلَا﴾: محذوف تقديره: لولا صبرنا موجود لصرفنا عنها، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ في محل النصب من تتمة المقول للقول المحذوف. ﴿وَسَوْفَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿سوف﴾: حرف تنفيس واستقبال. ﴿يَعْلَمُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة للرد عليهم من الله تعالى. ﴿حِينَ﴾: ظرف زمان متعلق بـ ﴿يَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه. لـ ﴿حِينَ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَضَلُّ﴾: خبره. ﴿سَبِيلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة الاسمية في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿يَعْلَمُونَ﴾ التي علقت بالاستفهام عن العمل في لفظه.
стр. 8847
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾.
﴿أَرَأَيْتَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الاستخباري، ﴿رأيت﴾: فعل وفاعل بمعنى أخبرني. ﴿مَنِ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول أول لـ ﴿رأيت﴾. ﴿اتَّخَذَ﴾: فعل ماض ناسخ من أخوات ظن وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنِ﴾. ﴿إِلَهَهُ﴾: مفعول ثان لـ ﴿اتَّخَذَ﴾: قدم على الأول اهتمامًا به. ﴿هَوَاهُ﴾: مفعول به أول، وجملة ﴿اتَّخَذَ﴾ صلة ﴿مَنِ﴾ الموصولة. ﴿أَفَأَنْتَ﴾: الهمزة للاستفهام الإنكاري للتيئيس من إيمانهم، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿أنت﴾: مبتدأ. ﴿تَكُونُ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير يعود على محمد. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿وَكِيلًا﴾. ﴿وَكِيلًا﴾: خبر ﴿تَكُونُ﴾، وجملة تكون في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة المحذوفة تقديره: أأنت تحرص على إيمانه فأنت تكون عليه وكيلًا، والجملة المحذوفة مع ما عطف عليها في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿رأيت﴾. ﴿أَمْ﴾ منقطعة بمعنى بل الإضرابية وهمزة الاستفهام الإنكاري. ﴿تَحْسَبُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على محمد، وجملة ﴿تَحْسَبُ﴾: مستأنفة. ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿يَسْمَعُونَ﴾: في محل الرفع خبر ﴿أَن﴾. ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾: معطوف على ﴿يَسْمَعُونَ﴾، وجملة ﴿أَن﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿تَحْسَبُ﴾. ﴿إِنْ﴾: نافية ﴿هُمْ﴾: مبتدأ. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿كَالْأَنْعَامِ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿بَلْ﴾: حرف عطف وإضراب وابتداء. ﴿هُمْ أَضَلُّ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿سَبِيلًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾.
﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿تَرَ﴾: فعل مضارع، وفاعله مستتر مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾: متعلق به،
стр. 8848
ولكنه على حذف مضاف؛ أي: إلى صنع ربك. و ﴿ترى﴾ هنا بصرية. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الحال من ﴿الظِّلَّ﴾. ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية سادة مسد مفعولي ﴿ترى﴾؛ لأنها معلقة عنها باسم الاستفهام؛ أي ألم تر إلى صنع ربك مد الظل في آية حال شاء، وجملة الرؤية مستأنفة مسوقة لبيان أدلة التوحيد ﴿وَلَوْ﴾: الواو: حالية. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿شَاءَ﴾: فعل ماض وفاعله مستتر، فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَجَعَلَهُ﴾: ﴿اللام﴾: رابطة الجواب، ﴿جعله﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿سَاكِنًا﴾: مفعول ثان، والجملة جواب ﴿لو﴾، وجملة ﴿لو﴾ في محل النصب على الحال من فاعل ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للتفاضل بين أوقات ظهور الظل، لا للتراخي الزماني؛ لأنه لا يصح هنا. ﴿جَعَلْنَا الشَّمْسَ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿عَلَيْهِ﴾: حال من ﴿دَلِيلًا﴾. ﴿دَلِيلًا﴾: مفعول ثان، لـ ﴿جعل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿مَدَّ﴾.
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾.
﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف للتفاضل بين الأمور الثلاثة، وهي: مد الظل وسكونه وقبضه، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما. ﴿قَبَضْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿قَبَضْنَاهُ﴾. ﴿قَبْضًا﴾: مفعول مطلق. ﴿يَسِيرًا﴾: صفة ﴿قَبْضًا﴾. ﴿وَهُوَ﴾: الواو: استئنافية. ﴿هو﴾: مبتدأ. ﴿الَّذِي﴾: خبره، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان دليل آخر من أدلة التوحيد. ﴿جَعَلَ﴾: فعل وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿لَكُمُ﴾: حال من ﴿لِبَاسًا﴾. ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول أول. ﴿لِبَاسًا﴾: مفعول ثان. ﴿وَالنَّوْمَ﴾: معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾. ﴿سُبَاتًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعولان، معطوف على ﴿جَعَلَ﴾ الأول. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ مبتدأ وخبر معطوف على
стр. 8849
جملة قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾. ﴿أَرْسَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿الرِّيَاحَ﴾: مفعول به. ﴿بُشْرًا﴾: حال من ﴿الرِّيَاحَ﴾. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَرْسَلَ﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾. ﴿مَاءً﴾: مفعول به. ﴿طَهُورًا﴾: صفة ﴿مَاءً﴾. ﴿لِنُحْيِيَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿نحيي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر منصوب بأن مضمرة بعد لام كي. ﴿بِهِ﴾: متعلق به. ﴿بَلْدَةً﴾: مفعول به. ﴿مَيْتًا﴾: صفة لـ ﴿بَلْدَةً﴾ لأنه بمعنى مكانا، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور باللام، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿أنزلنا﴾؛ أي: أنزلنا من السماء ماءً طهورًا لإحيائنا به بلدة ميتًا. ﴿وَنُسْقِيَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، معطوف على ﴿نحيي﴾. ﴿مِمَّا﴾: جار ومجرور حال من ﴿أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ﴾. ﴿خَلَقْنَا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: خلقناه. ﴿أَنْعَامًا﴾: مفعول ثان لـ ﴿نسقي﴾. ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾: معطوف عليه. ﴿كَثِيرًا﴾: صفة لـ ﴿أناسي﴾؛ لأنه بمعنى بشرًا كما مر.
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾.
﴿وَلَقَدْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، واللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿صَرَّفْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بَيْنَهُمْ﴾: متعلق بـ ﴿صرفنا﴾، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل, ﴿يذكروا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، والجملة في تأوبل مصدر مجرور باللام؛ أي: لتذكرهم، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿صرفنا﴾. ﴿فَأَبَى﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿أبى أكثر الناس﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿صرفنا﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿كُفُورًا﴾: مفعول به. ﴿وَلَوْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿شِئْنَا﴾: فعل وفاعل فعل شرط لـ ﴿لو﴾. ﴿لَبَعَثْنَا﴾: ﴿اللام﴾ رابطة لجواب ﴿لو﴾. ﴿بعثنا﴾: فعل وفاعل جواب ﴿لو﴾. ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾: جار ومجرور
стр. 8850
ومضاف إليه متعلق بـ ﴿بعثنا﴾. ﴿نَذِيرًا﴾: مفعول به، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾.
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾.
﴿فَلَا تُطِعِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت أدلة التوحيد المذكورة، وبلغتها إليهم، فأبوا عليك، وأردت بيان ما هو اللازم لك .. فأقول لك: ﴿لا تطع﴾: ﴿لا﴾: ناهية جازمة، ﴿تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿تُطِعِ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بجاهد. ﴿جِهَادًا﴾: مفعول مطلق. ﴿كَبِيرًا﴾: صفة لـ ﴿جِهَادًا﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر، والجملة معطوفة على الجمل السابقة. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به صلة الموصول. ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿فُرَاتٌ﴾: خبر ثان، والجملة في محل النصب مقول لقول محذوف وقع حالًا من ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾، تقديره: حالة كونهما مقولًا فيهما: هذا عذب فرات. ﴿وَهَذَا مِلْحٌ﴾: مبتدأ وخبر أول. ﴿أُجَاجٌ﴾: خبر ثان، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ﴾. ﴿وَجَعَلَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر معطوف على ﴿مَرَجَ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف متعلق بـ ﴿جعل﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له. ﴿بَرْزَخًا﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿وَحِجْرًا﴾: معطوف على ﴿بَرْزَخًا﴾. ﴿مَحْجُورًا﴾: صفة مؤكدة لـ ﴿حِجْرًا﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾: مبتدأ وخبر معطوف على الجمل السابقة. ﴿خَلَقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿مِنَ الْمَاءِ﴾: متعلق بـ ﴿خَلَقَ﴾. ﴿بَشَرًا﴾: مفعول به. ﴿فَجَعَلَهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول أول. ﴿نَسَبًا﴾: مفعول ثان. ﴿وَصِهْرًا﴾: معطوف على ﴿نَسَبًا﴾، والجملة معطوفة على ﴿خَلَقَ﴾. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، والجملة مستأنفة.
стр. 8851
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾: أصل الرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، وملاقاة الله عبارة عن القيامة، وعن المصير إليه تعالى بالبعث؛ أي: الرجوع إلى حيث لا حاكم ولا مالك سواه. وأصل اللقاء: مقابلة الشيء ومصادفته.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا﴾: الاستكبار أن يشبع، فيظهر من نفسه ما ليس له. ذكره في "الروح".
﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ وأصل العتو الغلو والنبو عن الطاعة. وأصل عتوا عتووا بواوين أولاهما مضمومة، فيقال: تحركت ﴿الواو﴾ وانفتح ما قبلها قلبت ألفًا، فالتقى ساكنان، ثم حذفت الألف لبقاء دالها فصار عتوا، فالمحذوفة واو لام الكلمة، وأصل عتيا عتووًا بوزن فعول بواوين الأولى ساكنة، فكسرت التاء، فيقال: سكنت ﴿الواو﴾ إثر كسرة فقلبت ياء فصار عتيو، ثم يقال: اجتمعت ﴿الواو﴾ والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت ﴿الواو﴾ ياء، وأدغمت الياء في الياء فصارت عتيا. اهـ شيخنا. وأمَّا أصل عتوًا عتووًا فكرهوا توالي المثلين، فأدغمت ﴿الواو﴾ في ﴿الواو﴾ فصار عتوًا. والعتو هنا معناه: تجاوز الحد في الظلم تجاوزًا بلغ أقصى الغاية حيث كذبوا الرسول الذي جاء بالوحي، ولم يكترثوا بالمعجزات التي أتاهم بها.
﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ الحجر: مصدر حجره إذا منعه، والمحجور: الممنوع، وهو صفة ﴿حِجْرًا﴾ إرادة للتأكيد كيوم أيوم، وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو، أو هجوم نازلة هائلة يقصدون بها الاستعاذة من وقوع ذلك الخطب الذي يلحقهم، والمكروه الذي يلم بدارهم؛ أي: نسأل الله أن يمنع ذلك منعًا ويحجره حجرًا.
﴿وَقَدِمْنَا﴾ القدوم: عبارة عن مجيء المسافر بعد مدة كما مر.
﴿هَبَاءً﴾ والهباء: الغبار الذي يرى في شعاع الشمس، يطلع من الكوة من الهبوة؛ وهو الغبار، قال في "القاموس" و"تاج العروس" الهباء: الغبار ودقائق
стр. 8852
التراب ساطعة ومنثورة على وجه الأرض، والقلِيلُو العقول من الناس، وفعله هبا يهبو هبوًا. وقال الزمخشري: والهباء: ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه الغبار، وفي أمثالهم: أقل من الهباء، قال: ولام الهباء واو بدليل الهبوة. والكوة - بفتح الكاف وضمها - الطاقة في الحائط.
﴿مَنْثُورًا﴾: صفته، بمعنى مفرقًا.
﴿مُسْتَقَرًّا﴾ المستقر: اسم مكان من استقر السداسي، والمستقر: المكان الذي يجلس فيه المرء في أكثر الأوقات للجلوس والمحادثة.
﴿مَقِيلًا﴾ المقيل: المكان الذي يؤوى إليه للاستمتاع بالأزواج والتمتع بحديثهن، سمي بذلك؛ لأن التمتع به يكون وقت القائلة غالبًا، والمقيل أيضًا: موضع القيلولة، والقيلولة: الاستراحة نصف النهار في الحر، يقال: قلت قيلولة نمت نصف النهار، والمراد هنا المعنى الأول. وفي "السمين": ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ في أفعل هنا قولان:
أحدهما: أنه على بابه من التفضيل، والمعنى: أن للمؤمنين في الآخرة مستقرًا خيرًا من مستقر الكفار وأحسن مقيلًا من مقيلهم، لو فرض أن يكون لهم ذلك، أو على أنهم خير في الآخرة منهم في الدنيا.
والثاني: أن يكون لمجرد الوصف من غير مفاضلة، اهـ.
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أصله: تتشقق بتاءين، أولاهما تاء المضارعة والثانية تاء المطاوعة، فحذفوا إحدى التاءين كما في تلظى. والغمام هو السحاب، سمي به؛ لكونه ساترًا لضوء الشمس، والغم ستر الشي؛ أي: بسبب طلوع الغمام منها؛ وهو الغمام الذي ذكر في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ وفي "المصباح": عضضت اللقمة، وبها، وعليها أمسكتها بالأسنان، وهو من باب تعب في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نفع لغة قليلة، وفي أفعال ابن القطاع: من باب ردّ، اهـ.
стр. 8853
﴿يَا وَيْلَتَى﴾ ألفه عوض عن ياء المتكلم، أصله: يا ويلتي بكسر التاء وفتح الياء، ثم فتحت التاء فقلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فهذه الألف اسم لا حرف كما هو معلوم، وبسطت البحث عنها في رسالتي "هدية أولي الإنصاف في إعراب المنادى المضاف" فراجعها إن شئت. وفي "الروح": والويل والويلة: الهلكة، ويا ويلتا: كلمة جزع وتحسّر، وأصله: يا ويلتي بكسر التاء، فأبدلت الكسرة فتحة، وياء المتكلمة ألفًا فرارًا من اجتماع الكسر مع الياء؛ أي: يا هلكتي تعالي واحضري فهذا أوان حضورك. والنداء وإن كان أصله لمن يتأتّى منه الإقبال؛ وهم العقلاء، إلاَّ أن العرب تتجوّز وتنادي ما لا يعقل إظهارًا للتحسّر كما مرّ.
﴿خَذُولًا﴾ يقال: يخذله بوزن نصره ينصره، وهو في المعنى ضده، والمصدر الخذلان، وهو ترك النصرة بعد الموالاة والمعاونة.
﴿مَهْجُورًا﴾؛ أي: متروكًا؛ أي: تركوه وصدّوا عن الإيمان به. وقيل: هو من هجر إذا هذى؛ أي: جعلوه مهجورًا فيه، فحذف الجار، وهو يحتمل بهذا المعنى وجهين:
أحدهما: أنهم زعموا أنه هذيان وباطل وأساطير الأولين.
وثانيهما: أنهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، فهو إما من الهجر بالفتح؛ أي: ضد الوصل وإما من الهجر بالضم، وهو الهذيان وفحش القول، ثم المهجور إما اسم مفعول، وإما مصدر بمعنى الهجر، أطلق على القرآن على طريق التسمية بالمصدر كالمجلود والمعقول والميسور والمعسر بمعنى الجلد والعقل واليسر والإعسار.
﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ أي: دفعة واحدة. ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾؛ أي: لنقوّي به قلبك. ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾؛ أي: أتينا ببعضه إثر بعض على تؤدة ومهل لنيسّر حفظه وفهمه، من قولهم: ثغر مرتل؛ أي: متفلج الأسنان.
﴿بِمَثَلٍ﴾؛ أي: بنوع من الكلام، جار مجرى المثل في تنميقه وتحسينه،
стр. 8854
ورشاقة لفظه وصدق معناه. ﴿تَفْسِيرًا﴾؛ أي: بيانًا وإيضاحًا، والتفسير تفعيل من الفسر، وهو كشق ما غطّي وإظهاره. ﴿وَزِيرًا﴾ وفي "القاموس": الوزر - بالكسر - الثقل والحمل الثقيل، والوزير حبأ الملك الذي يحمل ثقله، ويعينه برأيه، وحاله الوزارة بالكسر ويفتح. والجمع وزراء. والحبأ - محركة - جليس الملك وخاصته. وقال بعضهم: الوزير الذي يرجع إليه، ويتحصن برأيه، من الوزر - بالتحريك - وهو ما يلتجأ إليه ويعتصم به من الجبل، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾؛ أي: لا ملجأ يوم القيامة. والوزر - بالكسر - الثقل تشبيهًا بوزر الجبل، ويعبر بذلك عن الإثم، كما يعبر عنه بالثقل لقوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ التدمير: إدخال الهلاك على الشيء، والدمار الاستئصال بالهلاك، والدمور الدخول بالمكروه. ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ والإغراق والغرق الرسوب في الماء؛ أي: السفول فيه إلى قعره كما مر. ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا، أصله أعددنا، قلبت الدال الأولى تاء.
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ الرس: البئر، وكل ركية لم تطو بالحجارة والآجرّ فهو رس، كما قال في "الكشاف": الرس: البئر الغير المطوية؛ أي: المبنية انتهى. وفي "القاموس": "الرس: بئر كانت لبقية من ثمود، كذبوا نبيهم ورسّوه في بئر" انتهى. أي: دسّوه وأخفوه فيها، فنسبوا إلى فعلهم بنبيهم، فالرس مصدر، ونبيهم هو حنظلة بن صفوان، كان قبل موسى على ما ذكره ابن كثير، وحين دسوه فيها غار ماؤها وعطشوا بعد ريهم، ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم، بعد أن كان ماؤها يرويهم ويكفي أرضهم جميعًا، وتبدلوا بعد الأنس الوحشة، وبعد الاجتماع الفرقة, لأنهم كانوا ممن يعبد الأصنام.
﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا﴾؛ أي: فتّتنا، من التتبير، وهو التفتيت والتكسير والتقطيع. قال الزجاج: كل شيء كسرته وفتتته فقد تبرته، ومنه التبر لفتات الذهب والفضة قبل أن يصاغا، فإذا صيغا فهما ذهب وفضة.
стр. 8855
﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مصدر مؤكد بحذف الزوائد كما قيل في: أنبته الله نباتا؛ أي: إمطار السوء. والسوء - بفتح السين وضمها - كل ما يسوء الإنسان ويغمّه من البلاء والآفة. وفي "القاموس": "وساء سوءًا - بالفتح -: فعل به ما يكره، والسوء - بالضم - اسم منه" اهـ.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ أي: لا يتوقعون بعثًا للحساب والجزاء. وحقيقة الرجاء انتظار الخير، وظن حصول ما فيه مسرة، وليس النشور - أي: إحياء الميت - خيرًا مؤديًا إلى المسرة في حق الكافر، فهو مجاز عن التوقع، والتوقع يستعمل في الخير والشر، فأمكن أن يتصور النسبة بين الكافر وتوقع النشور.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾؛ أي: لم تنظر ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: إلى صنعه ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾؛ أي: بسطه، أصل المد الجزء من المدة للوقت الممتد، والظل ما يحدث من مقابلة جسم كثيف كجبل، أو بناء، أو شجر للشمس من حين ابتداء طلوعها حتى غروبها. ﴿سَاكِنًا﴾؛ أي: ثابتًا على حاله في الطول والامتداد بحيث لا يزول ولا تذهبه الشمس. ﴿دَلِيلًا﴾؛ أي: علامة. ﴿قَبَضْنَاهُ﴾؛ أي: محوناه. ﴿يَسِيرًا﴾؛ أي: على مهل قليلًا قليلًا بحسب سير الشمس في فلكها. ﴿لِبَاسًا﴾ وأصل اللبس ستر الشيء؛ أي: ساترًا لكم بظلامه.
﴿وَالنَّوْمَ﴾ النوم استرخاء أعصاب الدماغ برطوبات البخار الصاعد كما مر بسطه. ﴿سُبَاتًا﴾ والسبات: الموت لما في النوم من زوال الإحساس، وفي "المصباح": والسبات - وزان غراب -: النوم الثقيل، وأصله الراحة، يقال منه: سبت يسبت من باب قتل، اهـ. وفي "القاموس": أنه من بابي قتل وضرب، ثم قال: والسبات النوم، أو خفيفه، أو ابتداؤه في الرأس حتى يبلغ القلب، اهـ. وسبت الرأس إذا حلقه، والسبت مصدر ويوم من أيام الأسبوع بين الجمعة والأحد، وجمعه أسبت وسبوت، والسبت أيضًا النوّام، والفرس الجواد، والرجل الداهية.
﴿نُشُورًا﴾؛ أي: ذا نشور؛ أي: انتشار، ينتشر الناس فيه للمعاش، اهـ
стр. 8856
"بيضاوي" والنشور: مصدر من باب قعد كما في "المصباح" و"المختار".
﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾؛ أي: المبشرات؛ وهي الصبا والجنوب والشمال، بخلاف الدبور؛ فإنها ريح العذاب التي أهلكت بها عاد، اهـ شيخنا. يقال: أرسلت الطائر، وأرسلت الكلب المعلّم. وفي "المفردات": قد يكون الإرسال للتسخير كإرسال الريح، والريح معروفة، وهي فيما قيل الهواء المتحرك. وفي "المصباح": والريح أربع:
الأولى: الشمال وتأتي من ناحية الشام.
والثانية: الجنوب تقابلها وهي الريح اليمانية.
والثالثة: الصبا وتأتي من مطلع الشمس، وهي القبول أيضًا.
والرابعة: الدبور وتأتي من ناحية المغرب. والريح مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تذكر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح وهب الريح، نقله أبو زيد. وقال ابن الأنباري: "الريح مؤنثة لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها إلَّا الإعصار فإنه مذكر.
﴿طَهُورًا﴾ الطهور له استعمالان في العربية: صفة واسم غير صفة، فالصفة قولك: ماء طهور كقولك: طاهر. والاسم قولك لما يتطهر به: طهور كالوضوء لما يتوضأ به، والوقود لما توقد به النار، كقولك: وضوءًا حسنًا؛ ذكره سيبويه.
﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ وسقى وأسقى لغتان بمعنى. قال الإِمام الراغب: السقي والسقيا أن تعطيه ماء ليشربه، والإسقاء أن تعجل له ذلك حتى يتناوله كيف يشاء، والإسقاء أبلغ من السقي؛ لأن الإسقاء هو أن تجعل له ماء يستقي منه ويشرب، كقوله: أسقيته نهرًا. فالمعنى: مكناهم من أن يشربوه ويسقوا منه أنعامهم.
﴿أَنْعَامًا﴾ جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. وقال في "المغرب": الأنعام: الأزواج الثمانية في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا
стр. 8857
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾
﴿وَأَنَاسِيَّ﴾: جمع إنسان عند سيبويه على أن أصله: أناسين، أبدلت النون ياءً وأدغمت فيها الياء التي قبلها. وقال الفرّاء والمبرد والزجاج: إنَّه جمع إنسي. وفيه نظر؛ لأن فعاليّ إنما يكون جمعًا لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كراسيّ في جمع كرسي، فلو أريد بكرسي النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنسي ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على أناسية نحو مهالية في جمع المهلي، كذا في "حواشي ابن الشيخ". وقال الراغب: الإنسي منسوب إلى الأنس، يقال ذلك لمن كثر أنسه، ولكل ما يؤنس به، وجمع الإنسي أناسي. وقال في الكرسي: "إنه في الأصل منسوب إلى الكرسي؛ أي: التلبد، ومنه الكراسة للمتلبد من الأوراق"، انتهى.
قوله: ﴿كَثِيرًا﴾: صفة ﴿أناسي﴾؛ لأنه بمعنى بشر كما سبق. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: ليتذكّروا، والتذكّر التفكر. ﴿فَأَبَى﴾ الإباء: شدة الامتناع، ورجل أبيّ ممتنع من تحمل الضيم. ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا كما في "المفردات"، والمعنى؛ أي: إلّا كفرنًا للنعمة، وإنكارًا لها. ﴿لَبَعَثْنَا﴾ قال الراغب: البعث: إثارة الشيء وتوجيهه.
﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ القرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس. ﴿نَذِيرًا﴾؛ أي: منذرًا، والإنذار: إخبار فيه تخويف. ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ من مرج الدابة خلاها وأرسلها ترعى، ومرج أمرهم اختلط. والبحر: الماء الكثير الذي لا قعر له، عذبًا كان أو ملحًا عند الأكثر. وأصله: المكان الواسع الجامع للماء الكثير كما في "المفردات". وفي "المصباح": المرج: أرض ذات نبات ومرعى، والجمع
стр. 8858
مروج، مثل فلس وفلوس، ومرجت الدابة مرجًا - من باب قتل - رعت في المرج، ومرّجتها مرجًا أرسلتها ترعى في المرج.
﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ عذب؛ أي: طيب حلو من عذب الماء - من باب ظرف - إذا حلا, ولم يكن ذا ملوحة. فرات؛ أي: شديد العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة. والتاء فيه أصلية لام الكلمة، ووزنه فعال كغراب، وبعض العرب يقف عليها هاء، ويقال: سمي الماء العذب فراتًا؛ لأنه يفرت العطش؛ أي: يشقه ويقطعه. وفي "المصباح": الفرات: الماء العذب، يقال: فرت الماء فروته - وزان سهل سهولة - إذا عذب ولا يجمع إلّا نادرًا على فرتان كغربان. والفرات أيضًا: نهر عظيم بالكوفة، عذب طيب، مخرجه من أرمينية. وفي "الملكوت": أصله في قرية من جابلقا ينحدر إلى الكوفة، وآخر مصبّه بعضًا في دجلة، وبعضًا في بحر فارس، اهـ من "الروح".
﴿مِلْحٌ﴾ قال الراغب: الملح الماء الذي تغير طعمه التغير المعروف وتجمد، ويقال: ملح إذا تغير طعمه وإن لم يتجمد، فيقال: ماء ملح، وقلما تقول العرب: ماء مالح.
﴿أُجَاجٌ﴾: بليغ الملوحة، صفة الملح. وقيل: البالغ في الحرارة. وقيل: البالغ في المرارة. وفي الأساس: وماء أجاج يحرق بملوحته. وفي "القاموس": أجّ الماء يؤجّ صار أجاجًا؛ أي: ملحًا مرّا.
قالوا: إن الله تعالى خلق ماء البحر مرّا زعاقا؛ أي: مرّا غليظا بحيث لا يطاق شربه، وأنزل من السماء ماء عذبًا، فكل ماء عذب من بئر أو نهر أو عين فمن ذلك المنزل من السماء، وإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكًا معه طست لا يعلم عظمه إلّا الله تعالى، جمع تلك المياه، فردها إلى الجنة.
واختلفوا في سبب ملوحة ماء البحر: فزعم قوم أنه لما طال مكثه وأحرقته الشمس صار مرًا ملحًا، واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقية صفته الأرض من الرطوبة، فغلظ لذلك. وزعم آخرون أن في البحر عروقًا تغير ماء
стр. 8859
البحر، ولذلك صار مرًا زعاقًا، اهـ من "روح البيان".
﴿بَرْزَخًا﴾؛ أي: حاجزًا خلفيًا لا يحس، بل بمحض قدرة الله تعالى يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: تقدم تفسيرهما.
﴿نَسَبًا﴾ قال الإِمام الراغب: النسب اشتراك من جهة الأبوين، وذلك ضربان: نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء. ونسب بالعرض كالنسبة بين الإخوة وبني العم. وقيل: فلان نسيب فلان؛ أي: قريبه، انتهى.
﴿وَصِهْرًا﴾ الصِهر - بالكسر - القرابة كما في "القاموس" والختن. وجمعه: أصهار. وفي "المصباح": الصهر جمعه أصهار. قال الخليلى: الصهر أهل بيت المرأة. وقال: ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعًا أصهارًا. وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم، كالأبوين والإخوة وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضًا. وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهم الأحماء، ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان، ويجمع الصنفين الأصهار. وصاهرت إليهم، ولهم، وفيم إذا تزوجت منهم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: هلّا أنزل علينا.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾؛ وقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
ومنها: المبالغة بنفي الجنس في قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ومعناه: لا يبشر يومئذ المجرمون، وإنما عدل عنه للمبالغة.
стр. 8860
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقال لهم تسجيلًا عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر.
ومنها: تكرير ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ لتأكيد ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لأن الإجرام في الأصل قطع الثمرة من الشجرة، ثم استعير لاكتساب كل مكروه.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ لأنه وصف الحجر بالمحجور؛ لقصد التأكيد كيوم أيوم.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ مثل حالهم وحال أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من صلة رحم، وإغاثة ملهوف مثلًا بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه، فقصد إلى ما تحت أيديهم من الدور والعقار ونحوهما، فمزّقها وأبطلها - اهـ "روح" بالكلية، ولم يبق لها أثرًا.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾؛ أي: كالغبار المنثور في الجو، شبّه أعمالهم المحبطة بالغبار في الحقارة وعدم الجدوى، ثم بالمنثور منه في الانتشار بحيث لا يمكن نظمه، فحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه، فصار بليغًا.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ كنى بالمستقر عن أحاديث العشايا والبكر التي يتبادلونها، وهي أحاديث كانت في الدنيا تدور بين المترفين وأصحاب النعيم واليسار، وكنى بالمقيل وهو وقت استراحة نصف النهار عن قضائهم وقت الاستجمام، والاستراحة مع أزواجهم.
ومنها: الكناية اللطيفة في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فإنه كناية عن الندم والحسرة، كما أن لفظة فلان كناية عن الخليل الذي أضله.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.