"بيضاوي" والنشور: مصدر من باب قعد كما في "المصباح" و"المختار".
﴿أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾؛ أي: المبشرات؛ وهي الصبا والجنوب والشمال، بخلاف الدبور؛ فإنها ريح العذاب التي أهلكت بها عاد، اهـ شيخنا. يقال: أرسلت الطائر، وأرسلت الكلب المعلّم. وفي "المفردات": قد يكون الإرسال للتسخير كإرسال الريح، والريح معروفة، وهي فيما قيل الهواء المتحرك. وفي "المصباح": والريح أربع:
الأولى: الشمال وتأتي من ناحية الشام.
والثانية: الجنوب تقابلها وهي الريح اليمانية.
والثالثة: الصبا وتأتي من مطلع الشمس، وهي القبول أيضًا.
والرابعة: الدبور وتأتي من ناحية المغرب. والريح مؤنثة على الأكثر، فيقال: هي الريح، وقد تذكر على معنى الهواء، فيقال: هو الريح وهب الريح، نقله أبو زيد. وقال ابن الأنباري: "الريح مؤنثة لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها إلَّا الإعصار فإنه مذكر.
﴿طَهُورًا﴾ الطهور له استعمالان في العربية: صفة واسم غير صفة، فالصفة قولك: ماء طهور كقولك: طاهر. والاسم قولك لما يتطهر به: طهور كالوضوء لما يتوضأ به، والوقود لما توقد به النار، كقولك: وضوءًا حسنًا؛ ذكره سيبويه.
﴿وَنُسْقِيَهُ﴾ وسقى وأسقى لغتان بمعنى. قال الإِمام الراغب: السقي والسقيا أن تعطيه ماء ليشربه، والإسقاء أن تعجل له ذلك حتى يتناوله كيف يشاء، والإسقاء أبلغ من السقي؛ لأن الإسقاء هو أن تجعل له ماء يستقي منه ويشرب، كقوله: أسقيته نهرًا. فالمعنى: مكناهم من أن يشربوه ويسقوا منه أنعامهم.
﴿أَنْعَامًا﴾ جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل. وقال في "المغرب": الأنعام: الأزواج الثمانية في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا
стр. 8857
اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٤٣) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾
﴿وَأَنَاسِيَّ﴾: جمع إنسان عند سيبويه على أن أصله: أناسين، أبدلت النون ياءً وأدغمت فيها الياء التي قبلها. وقال الفرّاء والمبرد والزجاج: إنَّه جمع إنسي. وفيه نظر؛ لأن فعاليّ إنما يكون جمعًا لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كراسيّ في جمع كرسي، فلو أريد بكرسي النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنسي ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على أناسية نحو مهالية في جمع المهلي، كذا في "حواشي ابن الشيخ". وقال الراغب: الإنسي منسوب إلى الأنس، يقال ذلك لمن كثر أنسه، ولكل ما يؤنس به، وجمع الإنسي أناسي. وقال في الكرسي: "إنه في الأصل منسوب إلى الكرسي؛ أي: التلبد، ومنه الكراسة للمتلبد من الأوراق"، انتهى.
قوله: ﴿كَثِيرًا﴾: صفة ﴿أناسي﴾؛ لأنه بمعنى بشر كما سبق. ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أصله: ليتذكّروا، والتذكّر التفكر. ﴿فَأَبَى﴾ الإباء: شدة الامتناع، ورجل أبيّ ممتنع من تحمل الضيم. ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ والكفران في جحود النعمة أكثر استعمالًا، والكفر في الدين أكثر، والكفور فيهما جميعًا كما في "المفردات"، والمعنى؛ أي: إلّا كفرنًا للنعمة، وإنكارًا لها. ﴿لَبَعَثْنَا﴾ قال الراغب: البعث: إثارة الشيء وتوجيهه.
﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ القرية: اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس. ﴿نَذِيرًا﴾؛ أي: منذرًا، والإنذار: إخبار فيه تخويف. ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾ والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو. ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ من مرج الدابة خلاها وأرسلها ترعى، ومرج أمرهم اختلط. والبحر: الماء الكثير الذي لا قعر له، عذبًا كان أو ملحًا عند الأكثر. وأصله: المكان الواسع الجامع للماء الكثير كما في "المفردات". وفي "المصباح": المرج: أرض ذات نبات ومرعى، والجمع
стр. 8858
مروج، مثل فلس وفلوس، ومرجت الدابة مرجًا - من باب قتل - رعت في المرج، ومرّجتها مرجًا أرسلتها ترعى في المرج.
﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ عذب؛ أي: طيب حلو من عذب الماء - من باب ظرف - إذا حلا, ولم يكن ذا ملوحة. فرات؛ أي: شديد العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة. والتاء فيه أصلية لام الكلمة، ووزنه فعال كغراب، وبعض العرب يقف عليها هاء، ويقال: سمي الماء العذب فراتًا؛ لأنه يفرت العطش؛ أي: يشقه ويقطعه. وفي "المصباح": الفرات: الماء العذب، يقال: فرت الماء فروته - وزان سهل سهولة - إذا عذب ولا يجمع إلّا نادرًا على فرتان كغربان. والفرات أيضًا: نهر عظيم بالكوفة، عذب طيب، مخرجه من أرمينية. وفي "الملكوت": أصله في قرية من جابلقا ينحدر إلى الكوفة، وآخر مصبّه بعضًا في دجلة، وبعضًا في بحر فارس، اهـ من "الروح".
﴿مِلْحٌ﴾ قال الراغب: الملح الماء الذي تغير طعمه التغير المعروف وتجمد، ويقال: ملح إذا تغير طعمه وإن لم يتجمد، فيقال: ماء ملح، وقلما تقول العرب: ماء مالح.
﴿أُجَاجٌ﴾: بليغ الملوحة، صفة الملح. وقيل: البالغ في الحرارة. وقيل: البالغ في المرارة. وفي الأساس: وماء أجاج يحرق بملوحته. وفي "القاموس": أجّ الماء يؤجّ صار أجاجًا؛ أي: ملحًا مرّا.
قالوا: إن الله تعالى خلق ماء البحر مرّا زعاقا؛ أي: مرّا غليظا بحيث لا يطاق شربه، وأنزل من السماء ماء عذبًا، فكل ماء عذب من بئر أو نهر أو عين فمن ذلك المنزل من السماء، وإذا اقتربت الساعة بعث الله ملكًا معه طست لا يعلم عظمه إلّا الله تعالى، جمع تلك المياه، فردها إلى الجنة.
واختلفوا في سبب ملوحة ماء البحر: فزعم قوم أنه لما طال مكثه وأحرقته الشمس صار مرًا ملحًا، واجتذب الهواء ما لطف من أجزائه فهو بقية صفته الأرض من الرطوبة، فغلظ لذلك. وزعم آخرون أن في البحر عروقًا تغير ماء
стр. 8859
البحر، ولذلك صار مرًا زعاقًا، اهـ من "روح البيان".
﴿بَرْزَخًا﴾؛ أي: حاجزًا خلفيًا لا يحس، بل بمحض قدرة الله تعالى يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: تقدم تفسيرهما.
﴿نَسَبًا﴾ قال الإِمام الراغب: النسب اشتراك من جهة الأبوين، وذلك ضربان: نسب بالطول كالاشتراك بين الآباء والأبناء. ونسب بالعرض كالنسبة بين الإخوة وبني العم. وقيل: فلان نسيب فلان؛ أي: قريبه، انتهى.
﴿وَصِهْرًا﴾ الصِهر - بالكسر - القرابة كما في "القاموس" والختن. وجمعه: أصهار. وفي "المصباح": الصهر جمعه أصهار. قال الخليلى: الصهر أهل بيت المرأة. وقال: ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعًا أصهارًا. وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم، كالأبوين والإخوة وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضًا. وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهم الأحماء، ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان، ويجمع الصنفين الأصهار. وصاهرت إليهم، ولهم، وفيم إذا تزوجت منهم.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾؛ أي: هلّا أنزل علينا.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾؛ وقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾.
ومنها: المبالغة بنفي الجنس في قوله: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ ومعناه: لا يبشر يومئذ المجرمون، وإنما عدل عنه للمبالغة.
стр. 8860
ومنها: وضع الظاهر موضع المضمر في قوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لأن مقتضى السياق أن يقال لهم تسجيلًا عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر.
ومنها: تكرير ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ لتأكيد ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾؛ لأن الإجرام في الأصل قطع الثمرة من الشجرة، ثم استعير لاكتساب كل مكروه.
ومنها: التأكيد في قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾؛ لأنه وصف الحجر بالمحجور؛ لقصد التأكيد كيوم أيوم.
ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ مثل حالهم وحال أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا من صلة رحم، وإغاثة ملهوف مثلًا بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه، فقصد إلى ما تحت أيديهم من الدور والعقار ونحوهما، فمزّقها وأبطلها - اهـ "روح" بالكلية، ولم يبق لها أثرًا.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾؛ أي: كالغبار المنثور في الجو، شبّه أعمالهم المحبطة بالغبار في الحقارة وعدم الجدوى، ثم بالمنثور منه في الانتشار بحيث لا يمكن نظمه، فحذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه، فصار بليغًا.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ كنى بالمستقر عن أحاديث العشايا والبكر التي يتبادلونها، وهي أحاديث كانت في الدنيا تدور بين المترفين وأصحاب النعيم واليسار، وكنى بالمقيل وهو وقت استراحة نصف النهار عن قضائهم وقت الاستجمام، والاستراحة مع أزواجهم.
ومنها: الكناية اللطيفة في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ فإنه كناية عن الندم والحسرة، كما أن لفظة فلان كناية عن الخليل الذي أضله.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾.
стр. 8861
ومنها: تقديم المعمول على عامله في قوله: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ لرعاية الفاصلة.
ومنها: تنزيل غير العاقل منزلة العاقل وندائه إظهارًا للتحسر والندامة.
ومنها: جناس الاشتقاق في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾.
ومنها: الإسناد المجازي في قوله: ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾؛ لأنَّ الضلال لا ينسب إلى المكان، ولكن إلى أهله.
ومنها: قوة اللفظ لقوة المعنى في قوله: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾؛ لأن: لفظة رتّل على وزن فعل الدال على التكثير نظير قتل، ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة، وإنما المراد بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر، وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى رباعي، وإنما هي رباعية موضوعة لهذه الهيئة الحسنة المخصوصة من القراءة، كذا في إعراب القرآن.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ شبه السؤال بالمثل بجامع البطلان في كل؛ لأن أكثر الأمثال أمور متخيلة.
ومنها: المجاز بالحذف في قوله: ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ إلى قوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾؛ لأن تقدير الكلام: فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا، فذهبا إليهم فكذبوهما، فدمرناهم تدميرًا، وفيه أيضًا جناس الاشتقاق أعني في قوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾. للتسجيل بظلمهم، والإيذان بتجاوزهم الحد في الكفر والتكذيب.
ومنها: التجوز بالرجاء عن التوقع في قوله: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ لأن حقيقة الرجاء انتظار الخير وما فيه سرور، والكفار ليس لهم خير في نشورهم فينتظرونه.
ومنها: الاستفهام للتهكم والاستهزاء والاستحقار، في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي
стр. 8862
بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.
ومنها: الاستفهام التعجيزي في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾؛ وفيه أيضًا تقديم المفعول الثاني على الأول اعتناءً بالأمر المتعجب منه، والأصل: اتخذ هواه إلهًا له.
ومنها: التمثيل في قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وهو أن يذكر الشيء ليكون مثالًا للمعنى المراد وإن كان معناه ولفظه غير المعنى المراد ولفظه، كأنهم لثبوتهم على الضلالة بمنزلة الأنعام والبهائم، بل أضل سبيلًا؛ لأن البهائم تنقاد لمن يتعهدها، وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، أما هؤلاء فقد أسفوا إلى أبعد من هذا الدرك.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ أي: كاللباس الذي يغطي البدن ويستره، حذف منه الأداة ووجه الشبه، فأصبح بليغًا.
ومنها: المقابلة اللطيفة بين الليل والنهار، والنوم والانتشار، في قوله: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ استعار اليدين لما يكون أمام الشيء وقدامه، كما تقول: بين يدي الموضوع أو السورة.
ومنها: الالتفات من الغيبة إلى التكلم للتعظيم في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾ بعد قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾.
ومنها: المقابلة اللطيفة في قوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾؛ أي: نهاية في الحلاوة، ونهاية في الملوحة.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا﴾؛ وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ أستعير فيها لفظة المشبه به، وهو البعد والتراخي للمشبه، وهو تفاضل الأمور.
стр. 8863
ومنها: الاستعارة التصريحية في قوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ فقد شبه بهما الماءين الكثيرين الواسعين.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
وأرشد إلى ما في الكون من باهر الآيات وعظيم المشاهدات التي تدل على بديع قدرته وجليل حكمته .. أعاد الكرّة مرة أخرى، وبيّن شناعة أقوالهم وقبيح أفعالهم؛ إذ هم مع كل ما يشاهدون لا يرعوون عن غيهم، بل هم عن ذكر ربهم معرضون، فلا يعظمون إلا الأحجار والأوثان، وما لا نفع فيه إن عبد، وما لا ضر فيه إن ترك، إلى أنهم يظاهرون أولياء الشيطان، ويناوئون أولياء الرحمن، وإن تعجب لشيء فاعجب لأمرهم، فقد بلغ من جهلهم أنهم يضارّون من جاء لنفعهم؛ وهو الرسول الذي يبشرهم بالخير العميم إذا هم أطاعوا ربهم، وينذرهم بالويل والثبور إذا هم عصوه، ثم هو على ذلك لا يبتغي أجرًا، ثم أمر رسوله بأن لا يرهب وعيدهم، ولا يخشى بأسهم، بل يتوكل على ربه ويسبح بحمده، ويسبحه عما لا يليق به من صفات النقص كالشريك والولد، وهو الخبير بأفعال عباده، فيجازيهم بما يستحقون.
قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما (١) وصف الكافرين بالإعراض عن عبادته، والنفور من طاعته، والسجود له سبحانه .. ذكر هنا أوصاف خلّص عباده المؤمنين، وبيّن ما لهم من فاضل الصفات وكامل الأخلاق التي لأجلها استحقوا جزيل الثواب من ربهم، وأكرم لأجلها مثواهم، وقد عدّ من ذلك تسع صفات مما تشرئبّ إليها أعناق العاملين، وتتطلع إليها نفوس الصالحين الذين يبتغون المثوبة، ونيل النعيم كفاء ما اتصفوا من كريم الخلال، وأتوا به من جليل الأعمال.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه الشيخان عن ابن مسعود قال (٢): سألت رسول الله ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: "أن
стр. 8866
تجعل لله ندًا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك"، فأنزل الله تصديقها: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾ الآية.
وأخرج الشيخان وغيرهما أيضًا عن ابن عباس أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا ﷺ ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أنا لما عملنا كفارة، فنزلت: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ...﴾ الآية، ولا مانع أن تكون الآية نزلت للسببين معًا، والله أعلم.
وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لما أنزلت في الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ...﴾ الآية، قال مشركوا مكة: قد قتلنا النفس بغير حق، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ ...﴾ الآية.
وأخرج البخاري بسنده عن سعيد بن جبير قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزي قال: سئل ابن عباس عن هاتين الآيتين ما أمرهما؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ فسألت ابن عباس، فقال: لما أنزلت التي في الفرقان قال مشركوا أهل مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله، ودعونا مع الله إلهًا آخر، وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾، وأما التي في "النساء": أن الرجل إذا عرف الإِسلام وشرائعه، ثم قتل فجزاؤه جهنم خالدًا فيها، فذكرته لمجاهد، فقال: إلَّا من ندم.
التفسير وأوجه القراءة
٥٥ - ولما ذكر دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار وفضائح سيرتهم، فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ويعبد هؤلاء المشركون حالة كونهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: متجاوزين عبادة الله تعالى: ﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ في الدنيا, ولا
стр. 8867
في الآخرة إن عبدوه، مفعول ﴿يَعْبُدُونَ﴾. والنفع (١): ما يستعان به في الوصول إلى الخيرات، وما يتوصل به إلى الخير فهو خير، والنفع الخير، وضده الضر ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ فيهما إن لم يعبدوه، وما ليس من شنه النفع والضر أصلا وهو الأصنام وما في حكمها من المخلوقات؛ إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر فلا فائدة في عبادته، والاعتماد عليه واتباعه.
والمعنى: أي (٢) ويعبد هؤلاء المشركون من دون الله آلهة لا تنفعهم إذا هم عبدوها, ولا تضرهم إن تركوا عبادتها، فهم عبدوها لمجرد التشهي والهوى، وتركوا عبادة من أنعم عليهم بهذه النعم التي لا كفاء لأدناها، ومن ذلك ما ذكره قبل بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ...﴾ إلى آخر الآيات.
ثم ذكر لهم جرمًا آخر، فقال: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ بشركه وعدوانه للحق ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ الذي رباه بنعمته، متعلق بقوله: ﴿ظَهِيرًا﴾؛ أي: عونًا للشيطان، فالظهير بمعنى المظاهر؛ أي: المعين، والمظاهرة على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، قال الزجاج: لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الله تعالى؛ لأن عبادتهم للأصنام معاونة للشيطان. والمراد (٣) بالكافر الجنس، أو أبو جهل، فإنه أعان الشيطان على الرحمن في إظهار المعاصي، والإصرار على عداوة الرسول، وتشجيع الناس على محاربته ونحوها. وقال أبو عبيدة: المعنى: وكان الكافر على ربه هينًا ذليلًا.
والمعنى: أي وكانوا مظاهرين للشيطان على معصية الرحمن، وذلك دأبهم وديدنهم، فهم يعاونون المشركين، ويكونون أولياء لهم على رسوله، وعلى المؤمنين بمساعدتهم على الفجور وارتكاب الآثام، وخذلان المؤمنين إذا أرادوا منعها والتنفر منها كما قال: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾.
стр. 8868
وقد يكون المعني: وكان الكافر على ربه هينًا ذليلًا، لا قدر له ولا وزن له عنده، كما مر عن أبي عبيدة من قول العرب: ظهرت به؛ أي: جعلته خلف ظهرك، ولم تلتفت إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ وقول الفرزدق:
تَمِيْمَ ابْنَ قَيْسٍ لاَ تَكُونَنَّ حَاجَتِيْ ... بِظَهْرٍ فَلاَ يَعْيَا عَلَيَّ جَوَابُهَا
قال ابن عباس: نزلت الآية في أبي الحكم بن هشام الذي سماه رسول الله ﷺ أبا جهل بن هشام.
٥٦ - ثم بين عظم حمقهم ونفورهم ممن جاء لجلب الخير لهم، ودفع الأذى عنهم فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد في حال من الأحوال ﴿إِلَّا﴾ حال كونك ﴿مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين بالجنة والرحمة. والتبشير: إخبار فيه سرور ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: منذرًا ومخوفًا للكافرين بالنار والغضب. والإنذار: إخبار فيه تخويف.
والمعنى: أي كيف تطلبون العون على الله ورسوله، والله قد أرسل رسوله لنفعكم؛ إذ قد بعثه ليبشركم على فعل الطاعات، وينذركم على فعل المعاصي، فتستحقوا الثواب، وتبتعدوا عن العقاب.
وخلاصة ذلك: لا جهل أعظم من جهل من استفرغ جهده في إيذاء من يرجو نفعه في دينه ودنياه، وفي هذا تسلية لرسوله حتى لا يحزن على عدم إيمانهم.
٥٧ - ثم أمر رسوله أن يبين لهم أنه مع كونه يريد نفعهم لا يبغي لنفسه نفعًا، فقال: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ﴾ أيها المشركون ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أي: على تبليغ الرسالة التي ينبىء عنها الإرسال، أو على التبشير والإنذار، أو على القرآن، أقوال ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ وجعل من جهتكم، فتقولوا: إنما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه، فلا نتبعه، والأجر ما يعود من ثواب العمل دنيويًا كان أو أخرويًا ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾؛ أي: إلا فعل من يريد ﴿أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾؛ أي: أن يجعل لنفسه سبيلًا موصلًا إلى ربه؛ أي: يريد أن يتقرب إلى ربه ويطلب الزلفى عنده
стр. 8869
بالإيمان والطاعة والإنفاق حسبما أدعوكم إليه، يعني (١): إن أعطيتم لي أجرًا فأعطوني ذلك الفعل، فإني لا أسأل غيره.
والظاهر: أن الاستثناء منقطع، والمعنى عليه: لا أطلب من أموالكم جعلًا لنفسي، لكن من شاء إنفاقه لوجه الله تعالى فليفعل، فإني لا أمنعه عنه. وقيل: هو متصل، والمعنى عليه: إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود الحصول.
وفي "الفتوحات المكية": مذهبنا أن للواعظ أخذ الأجرة على وعظ الناس، وهو من أحل ما يأكل، وإن كان ترك ذلك أفضل. وإيضاح ذلك أن مقام الدعوة إلى الله يقتضي الإجارة، فإن ما من نبي دعا إلى الله إلا قال: إن أجرى إلّا على الله، فأثبت الأجر على الدعاء، ولكن اختار أن يأخذه من الله، لا من المخلوق انتهى.
وأفتى المتأخرون بصحة الأجرة للأذان والإقامة، والتذكير والتدريس والحج والغزو، وتعليم القرآن والفقه وقراءتهما؛ لفتور الرغبات اليوم، ولو كانت الإجارة على أمر واجب، كما إذا كان المعلم والإمام والمفتي واحدًا، فإنها لا تصح إجماعًا كما في الكرماني وغيره. وكذا إذا كان الغسّال في القرية واحدًا، فإنه يتعين عليه غسل الميت، ولا يجوز له طلب الأجرة.
والمعنى: أي (٢) قل يا محمد لمن أرسلت إليهم: لا أسألكم على ما جئت به من عند ربي أجرًا، فتقولوا إنما يدعونا ليأخذ أموالنا، ومن ثم لا نتبعه حتى لا يكون له في أموالنا مطمع ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾؛ أي: لكن من شاء منكم أن يتقرب إلى الله بالإنفاق في الجهاد وغيره، ويتخذ ذلك سبيلًا إلى رحمته وقيل ثوابه فليفعل.
وخلاصة ذلك: لا أسألكم عليه أجرًا لنفسي، وأسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم لنيل مثوبته ومغفرته.
стр. 8870
٥٨ - ولما بين سبحانه أن الكفار متظاهرون على رسول الله، وأمره أن لا يطلب منهم أجرًا البتة أمره أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع، فقال: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾؛ أي: واعتمد يا محمد في الاستكفاء عن شرورهم، والإغناء عن أجورهم ﴿عَلَى﴾ الإله ﴿الْحَيِّ﴾؛ أي: المتصف بالحياة الدائمة أزلًا وأبدًا ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾؛ أي: لا يطرأ عليه الموت الذي هو ضد الحياة، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين من شأنهم الموت، فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم.
وأصل التوكل (١): أن يعلم العبد بأن الحادثات كلها صادرة من الله تعالى، ولا يقدر أحد على الإيجاد غيره تعالى، فيفوض أمره إلى الله تعالى فيما يحتاج إليه، وهذا القدر فرض، وهو من شرط الإيمان, قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فهي أحوال تلحق بالتوكل على وجه الكمال. كذا في "التأويلات النجمية".
والحاصل: أن معنى التوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور، والأسباب وسائط أمرنا باتباعها من غير اعتماد عليها، ومثل الآية قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
﴿وَسَبِّحْ﴾؛ أي: نزّهه تعالى عن صفات النقصان، وعن كل ما يرد على الوهم والخيال حال كونك متلبسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ تعالي؛ أي: مثنيًا عليه بنعوت الكمال طالبًا لمزيد الإنعام بالشكر على سوابقه، وفي الحديث: "من قال كل يوم: سبحان الله وبحمده مئة مرة غفرت ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر"، وهما الكلمتان الخفيفتان على اللسان، الثقيلتان في الميزان. وقيل: معنى ﴿سبحْ﴾ صلّ، والصلاة تسمى تسبيحًا.
والمعنى: أي وتوكل على ربك الدائم الباقي رب كل شيء ومليكه، واجعله
стр. 8871
ملجأك وذخرك، وفوض إليه أمرك، واستسلم له، واصبر على ما نابك فيه، فإنه كافيك وناصرك ومبلغك ما تريد، ونزّهه عما يقوله هؤلاء المشركون من الصاحبة والولد، فهو الواحد الأحد الذي لم يلد ولم يولد، كما تنزهه عن الأنداد والشركاء من الأصنام والأوثان، فهو لا كفء له ولا ند، ولم يكن له كفوًا أحد.
وفي قوله: ﴿الْحَيِّ﴾ إيماء إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل على من لم يتصف بالحياة من صنم أو وثن، ولا على من لا بقاء له ممن يموت؛ لأنه إذا مات ضاع من توكل عليه، وحكي عن بعض السلف أنه قرأ هذه الآية فقال: لا ينبغي لذي لب أن يثق بعدها بمخلوق.
ثم أنذرهم وحذّرهم بأن ربهم محص أعمالهم عليهم، ومجازيهم عليها يوم القيامة، فقال: ﴿وَكَفَى بِهِ﴾ سبحانه. الباء زائدة للتأكيد؛ أي: حسبك الحي الذي لا يموت، وقوله: ﴿بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظهر منها وما بطن متعلق بقوله: ﴿خَبِيرًا﴾؛ أي: مطلعًا عليها بحيث لا يخفى عليه شيء منها، فيجزيهم جزاء وافيًا، أراد أنه ليس إليه من أمور عباده شيء آمنوا أم كفروا، وأنه خبير بأحوالهم كاف في جزاء أعمالهم.
والمعنى: أي وحسبك بالحي الذي لا يموت حالة كونه خبيرًا بذنوب خلقه ما ظهر منها وما بطن، فهو لايخفى عليه شيء منها، وهو محصيها عليهم، ومجازيهم عليها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فلا عليك إن آمنوا أو كفروا، وفي هذا تسلية لرسوله ﷺ ووعيد لأولئك الكافرين على سوء أفعالهم وإعراضهم عن اتباع رسوله ومناصبته العداء، وكأنه قيل: إذا أقدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة، وفي "الأخبار": كفى بك ظفرًا أن يكون عدوك عاصيًا. وهي كلمة يراد بها المبالغة، تقول: كفى بالعلم جمالًا، وكفى بالأدب مالًا؛ أي: هو حسبك لا تحتاج معه إلى غيره؛ لأنه خبير بأحوالهم، قادر على مكافأتهم.
٥٩ - ولما أمره بالتوكل والتسبيح، وذكر صفة الحياة الدائمة .. ذكر ما دل على القدرة التامة؛ وهو إيجاد هذا العالم، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ محل
стр. 8872
الموصول الجر على أنه صفة ثانية لـ ﴿الْحَيِّ﴾، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقًا بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر، فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج. ذكره "البيضاوي"؛ أي: وتوكل على الحي الذي أوجد السموات والأرض على غير مثال سابق ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: وأوجد ما بينهما من الأركان والمواليد. وقال: ﴿بَيْنَهُمَا﴾، ولم يقل: بينهن؛ لأنه أراد النوعين كما قال القطامي:
أَلَمْ يُحْزِنْكَ أَنَّ جِبَالَ قَيْسٍ ... وَتَغْلِبَ قَدْ تَبَايَنَتَا انْقِطَاعَا
﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾؛ أي (١): في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا؛ لأنه لم يكن ثمة شمس ولا قمر، فخلق الأرض في يومي الأحد والاثنين، وما بينهما في يومي الثلاثاء والأربعاء، والسموات في يومي الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة، وذلك مع قدرته على خلقهن في أسرع لمحة؛ ليعلم العباد أن التأني مستحب في الأمور.
فائدة: وأيام الأسبوع سبعة، وأسماؤها الجارية على الألسنة تسمية إسلامية، وقد كان لها أسماء عند العرب؛ وهي الأحد: الأوْهَلُ، والاثنين: أَوْهَنُ، والثلاثاء: جَبَارُ، والأربعاء: دَبَارُ، والخميس: مُؤْنِسْ، والجمعة: عَرُوبَةُ، والسبت: شَيَارُ.
﴿ثُمَّ﴾ بعد فراغه من خلق السموات والأرض وما بينهما ﴿اسْتَوَى﴾ وارتفع سبحانه استواء يليق به، نثبته ونعتقده، لا نكيّفه ولا نمثله ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ العظيم الذي هو أعظم المخلوقات. فإن قيل (٢): يلزم من نظم القرآن أن يكون خلق العرش بعد خلق السموات والأرض كما تفيده ﴿ثُمَّ﴾؟ يقال: إن كلمة ﴿ثُمَّ﴾ لم تدخل على خلق العرش، بل على استوائه سبحانه على العرش. والأولى أن يقال: إن ﴿ثُمَّ﴾ هنا لا تفيد الترتيب الزماني.
стр. 8873
﴿الرَّحْمَنُ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الرحمن؛ أي: الذي خلق الأجرام العلوية والسفلية وما بينهما هو الرحمن، وهو تمهيد لما يأتي من قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ﴾، وبيان أن المراد من الاستواء المذكور في الحقيقة تعيين مرتبة الرحمانية، فالوقف (١) على العرش تام إن أعرب الرحمن على المدح خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الرحمن الذي لا ينبغي السجود إلا له، وهو في الحقيقة صفة ثالثة لـ ﴿الْحَيِّ﴾، كما قرأ زيد بن علي بالجر؛ لأن المنصوب، والمرفوع على سبيل المدح وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما لفظًا، فهما تابعان له معنى، ولا يوقف على العرش إن أعرب ﴿الرَّحْمَنُ﴾ بدلًا من الضمير المستكن في ﴿اسْتَوَى﴾، فحينئذ فالوقف على ﴿الرَّحْمَنُ﴾؛ وهو وقف كاف. وفي "البيضاوي": ﴿الرَّحْمَنُ﴾: خبر للذي خلق السموات إن جعلته مبتدأ، أو خبر لمحذوف إن جعلت الموصول صفة لـ ﴿الْحَيِّ﴾، أو بدل من المستكن في ﴿اسْتَوَى﴾ انتهى. وفي "تنوير المقياس": قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾: فيه تقديم وتأخير؛ أي: ثم استوى الرحمن على العرش اهـ. قرأ زيد بن علي ﴿الرحمن﴾ بالجر، والجمهور بالرفع.
﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾: متعلق بما بعده، وهو ﴿خَبِيرًا﴾ كما في قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ونظائره، والباء على معناه، والضمير في ﴿بِهِ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش؛ أي: فاسأل يا محمد خبيرًا بما ذكر من الخلق والاستواء. والمراد بالخبير الله سبحانه؛ لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو، كما قال: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وقيل: الباء بمعنى عن، متعلقة بالسؤال. والضمير أيضًا يعود إلى ما ذكر من الخلق والاستواء. أي (٢): فاسأل يا محمد عما ذكر من الخلق والاستواء خبيرًا يخبرك بحقيقته، وهو الله تعالى، أو جبريل، أو من وجده في الكتب المتقدمة؛ ليصدقك فيه.
وقيل: الضمير في ﴿بِهِ﴾ للرحمن، والباء بمعنى عن؛ أي: إن أنكر هؤلاء
стр. 8874
المشركون إطلاق الرحمن على الله فاسأل عنه؛ أي: عن إطلاقه على الله خبيرًا من أهل الكتاب يخبرك؛ ليعرفوا؛ أي المشركون، مجيء ما يرادفه في كتبهم؛ أي: أهل الكتاب، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿الرَّحْمَنُ﴾: مبتدأ، والخبر ما بعده، والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء؛ لتضمنه معنى الاعتناء.
قال ابن جرير: يجوز أن تكون الباء في ﴿بِهِ﴾ زائدة، والضمير للرحمن، و ﴿خَبِيرًا﴾ حال من الضمير؛ أي: فاسأل الرحمن عما ذكر من الخلق والاستواء حال كونه خبيرًا بما ذكر. وقال الشوكاني: وأقرب هذه الوجوه الأول. وفي الصاوي: قوله: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿خَبِيرًا﴾، قدم (١) لرعاية الفاصلة، والمعنى: اسأل يا محمد خبيرًا بصفاته تعالى، وليس خبيرًا بصفاته إلا هو . ويصح أن يكون الجار والمجرور متعلقًا بـ ﴿اسأل﴾، والباء بمعنى عن، والمعنى: اسأل عنه خبيرًا؛ أي: عالمًا بصفاته يطلعك على ما خفي عليك، والخبير حينئذ يختلف باختلاف السائل، فإن كان السائل النبي ﷺ فالخبير هو الله تعالى، وإن كان السائل أصحابه فالخبير هو النبي ﷺ ، وإن كان السائل التابعين فالخبير هو الصحابة، وإن كان السائل العوام فالخبير هو العلماء، والمعنى: فاسأل يا محمد، أو فاسأل أيها الإنسان.
وخلاصة ذلك (٢): توكلوا على من لا يموت؛ وهو رب كل شيء، وخالقه وخالق السموات السبع على ارتفاعها واتساعها، وما فيها من عوالم لا يعلم كنهها إلا هو، وخالق الأرضين السبع على ذلك الوضع البديع في ستة أيام، ثم استوى على العرش، يدبر الأمر ويقضي الحق ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾؛ أي: فاسأل عن خلق ما ذكر خبيرًا به يخبرك بحقيقته، وهو الله سبحانه؛ لأنه لا يعلم تفاصيل تلك المخلوقات إلا هو، فالأيام التي تم فيها الخلق إنما هي أطوار ستة، سار عليها طورًا بعد طور، وحالًا بعد حال، كما يرشد إلى ذلك قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا
стр. 8875
عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
وفي "الفتوحات المكية" (١): لما كان الحق تعالى هو السلطان الأعظم، ولا بد للسلطان من مكان يكون فيه، حتى يقصد بالحاجات مع أنه تعالى لا يقبل المكان اقتضت المرتبة أن يخلق عرشًا، ثم ذكر أنه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء وطلب الحوائج منه، كل ذلك رحمة للعباد، وتنزلًا لعقولهم، ولولا ذلك لبقي العبد حائرًا، لا يدري أين يتوجه بقلبه، وقد خلق الله تعالى القلب ذا جهة فلا يقبل إلا ما كان له جهة، وقد نسب الحق تعالى لنفسه الفوقية من سماء وعرش، وإحاطة بالجهات كلها بقوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وبقوله ﵇: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا"، وبقوله: "إن الله في قبلة أحدكم".
وحاصله: أن الله تعالى خلق الأمور كلها للمراتب، لا للأعيان انتهى.
٦٠ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾؛ أي: لهؤلاء المشركين؛ أي: إذا قال لهم محمد ﷺ ﴿اسْجُدُوا﴾؛ أي: صلوا، وعبر عن الصلاة بالسجدة؛ لأنها من أعظم أركانها ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ الذي برحمته أوجد الموجودات ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال المشركون لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾؛ أي: (٢) أي شيء هو، أو من هو؟؛ لأن وضع ﴿ما﴾ أعم، وهو سؤال عن المسمى بهذا الاسم؛ لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله، ولا يعرفون كونه تعالى مسمى بهذا الاسم، وإن كان مذكورًا في الكتب المتقدمة أنه من أسمائه تعالى، أو لأنهم كانوا يعرفون كونه تعالى مسمى بهذا الاسم، إلا أنهم يزعمون أنه قد يراد به غيره تعالى؛ وهو مسيلمة الكذاب باليمامة، فإنه يقال له: رحمان اليمامة، وكان المشركون يكذّبونه، ولذلك غالطوا بذلك وقالوا: إن محمدًا يأمرنا بعبادة رحمان اليمامة.
أي: وما نعرف الرحمان إلا مسيلمة الكذاب؛ أي: فإنهم اعترفوا بالله لكنهم جهلوا أن هذا الاسم من أسماء الله تعالى؛ أي: وإذا قيل لهؤلاء الذين
стр. 8876
يعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم: اجعلوا خضوعكم وتعظيمكم للرحمن خالصًا دون الآلهة والأوثان .. قالوا على طريق التجال: وما الرحمن؟ أي: نحن لا نعرف الرحمن فنسجد له، ونحو هذا قول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ حين قال له موسى ﵇: ﴿إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهو قد كان عليمًا به كما يؤذن بذلك قول موسى له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾.
ثم عجبوا أن يأمرهم بذلك، وأنكروه عليه بقوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾؛ أي: أنسجد للذي تأمرنا بالسجود له من غير أن نعرف أن المسجود له ماذا هو، وهو استفهام إنكاري؛ أي: لا نسجد للرحمن الذي تأمرنا بسجودنا له. وقرأ (١) ابن مسعود والأسود بن يزيد وحمزة والكسائي ﴿يأمرنا﴾ بالياء من تحت؛ أي: يأمرنا محمد بالسجود له، وقرأ باقي السبعة بالتاء، خطابًا للرسول ﷺ .
ثم بين أنه كلما أمرهم بعبادته ازدادوا عنادًا واستكبارًا، فقال: ﴿وَزَادَهُمْ﴾؛ أي: وزاد أولئك المشركين هذا الأمر بالسجود للرحمن ﴿نُفُورًا﴾ وبعدًا مما دعوا إليه من الإيمان, وقد كان من حقه أن يكون باعثًا لهم على القبول ثم الفعل. روى الضحاك أن أصحاب رسول الله ﷺ سجدوا، فلما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئين.
فمن (٢) جهل وجود الرحمن أو علم وجوده، وفعل فعلًا، أو قال قولًا لا يصدر إلا من كافر فكافر بالاتفاق، كما في "فتح الرحمن"، وذلك كما إذا سجد للصنم، أو ألقى المصحف في المزابل، أو تكلم بالكفر يكفر بلا خلاف لكونه علامة التكذيب.
فصل
وهذه السجدة من عزائم السجدات، فيسن للقارىء والمستمع أن يسجد عند
стр. 8877
سماعها وقراءتها، وهي سنة عقب التلاوة فورًا، وإذا أخرت عن وقت القراءة تكون قضاء.
واختلفوا في سجود الشكر عند تجدد النعمة أو اندفاع النقمة، فقال: أبو حنيفة ومالك: يكره، فيقتصر على الحمد والشكر باللسان. وقال الشافعي وأحمد: يسن، وحكمه عندهما كسجود التلاوة، لكنه لا يفعل في الصلاة. كذا في "فتح الرحمن". قال الشافعي: فيكبر مستقبل القبلة، ويسجد فيحمد الله تعالى ويشكره ويسبح، ثم يكبر فيرفع رأسه، أما السجود بغير سبب فليس بقربة ولا مكروه؛ وأما ما يفعل عقب الصلاة فمكروه؛ لأن الجهال يعتقدونها سنة أو واجبة، وكل مباح يؤدي إليه فمكروه، انتهى.
قال السرخسي (١): السجود لغير الله تعالى على وجه التعظيم كفر، وما يفعلونه من تقبيل الأرض بين يدي العلماء فحرام. وذكر الصدر الشهيد: لا يكفر بهذا السجود؛ لأنه يريد به التحية، انتهى. لكنه يلزم عليه أن لا يفعل ذلك؛ لأنه شريعة منسوخة، وهي شريعة يعقوب ﵇، فإن السجود في ذلك الزمان كان يجري مجرى التحية كالتكرمة بالقيام والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الناشئة في التعظيم والتوقير، ويدل عليه قوله تعالى في حق إخوة يوسف وأبيه: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، وأما الانحناء للسلطان أو لغيره فمكروه؛ لأنه يشبه فعل اليهود، كما أن تقبيل يد نفسه بعد المصافحة فعل المجوس.
٦١ - ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي﴾؛ أي: تكاثر خير الإله الفياض. قال في "برهان القرآن": خص هذا الموضع بذكر ﴿تَبَارَكَ﴾ لأنه من عظائم الأمور، حيث ذكر البروج والسيارات والشمس والقمر والليل والنهار، ولولاها ما وجد في الأرض حيوان ولا نبات ﴿جَعَلَ﴾ بقدرته الكاملة ﴿فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾؛ أي: منازل وطرقًا تسير فيها الكواكب السبعة السيارة المنظومة في قول بعضهم:
стр. 8878
زُحَلٌ شَرَى مَرِّيْخَهُ مِنْ شَمْسِهِ ... فَتَزَاهَرَتْ لِعُطَارِدَ الأقْمَارُ
وتلك البروج اثنا عشر برجًا منظومة في قول بعضهم:
حَمَلَ الثَّوْرُ جَوْزَةَ السَّرَطَانِ ... وَرَعَى اللَّيْثُ سُنْبُلَ الْمِيْزَانِ
وَرَمَى عَقْرَبٌ بِقَوْسٍ لِجَدْيٍ ... نَزَحَ الدَّلْوُ بُرْكَةَ الْحِيْتَانِ
وسميت هذه المنازل بالبروج، وهي القصور العالية؛ لأنها للكواكب السيارة كالمنازل الرفيعة لسكانها، واشتقاقها من التبرج؛ وهو الظهور وهذه البروج لكل واحد منه منزلتان وثلث منزلة من منازل القمر - وهي ثمانية وعشرون نجمًا - مجموعة في قول بعضهم:
أَوَّلُهَا الْشَرُطَيْنُ ثُمَّ الْبُطَيْنُ ... ثُمَّ الثُّرَيَّا الْوَاضِحُ الْمُسْتَبِيْنُ
وَدَبْرَانِ هَقْعَةٌ وَهَنْعَةْ ... ذِرَاعُ نَثْرَةٍ وَطَرْفُ جَبْهَةْ
وَالْخَرْتَانِ زُبْرَةٌ تُسَمَّى ... وَالصَّرْفَةُ الْعَوًا السِّمَاكُ ثُمَا
غَفْرٌ زُبَانَا إِكْلِيْلٌ قَلْبٌ بَعْدَةْ ... وَشَوْلَةٌ نَعَايِمُ وَبَلْدَةْ
سَعْدٌ ذَابِحٌ سَعْدُ بَلْعَةْ ... سَعْدٌ سُعُودٌ سَعْدُ الأَخْبِيَةْ
وَالْفَرْعُ ذُو التَّقْدِيمِ وَالْفَرْعُ الأَخِيْرُ ... وَبَطْنُ حُوْتٍ وَالرِّشَا فِيْهِ شَهِيْرُ
وتستمر الشمس في كل منزلة من هذه المنازل ثلاثة عشر يومًا إلا الجبهة، فتكون عنده أربعة عشر يومًا، كما هو مقرر في علم الميقات.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾؛ أي (١): في تلك البروج، لا في السماء؛ لأن البروج أقرب مذكرر، فعود الضمير إليها أولى ﴿سِرَاجًا﴾؛ أي: شمسًا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿سِرَاجًا﴾ بالإفراد؛ وهو الشمس. وقرأ عبد الله وعلقمة والأعمش وحمزة والكسائي ﴿سُرُجا﴾ - بضمتين بالجمع -؛ أي: النجوم العظام الوقادة. ورجح القراءة الأولى أبو عبيد. قال الزجاج في تأويل قراءة حمزة
стр. 8879
والكسائي: أراد الشمس والكوكب. وقرأ الأعمش أيضًا والنخعي وابن وثاب كذلك بسكون الراء للتخفيف. وأصل السراج المصباح المضيء بفتيلة شبهت الشمس به في الإنارة والإشراق، كما سيأتي في مبحث المفردات.
﴿وَقَمَرًا﴾؛ أي: وجعل فيها كوكبًا يسمى قمرًا، وهو الهلال بعد ثلاث ليال سمي قمرًا لبياضه كما في "المختار"، أو لا بيضاض الأرض به، والأقمر: الأبيض كما في "كشف الأسرار". وقرأ الحسن والأعمش والنخعي وعصمة عن عاصم ﴿وقُمْرا﴾ - بضم القاف وسكون الميم - وهي قراءة ضعيفة شاذة، فالظاهر أنه لغة في القمر، كالرشد والرشد، والعَرب والعرب ﴿مُنِيرًا﴾؛ أي: مضيئًا بالليل. قال في "نفائس المجالس": في الآية دلالة على كمال قدرته تعالى، فإن هذه الأجرام العظام والنيرات من آثار قدرته سبحانه. ومعنى الآية؛ أي (١): تقدس ربنا الذي جعل في السماء نجومًا كبارًا، عدَّها المتقدمون نحو ألف، وعدها علماء العصر الحاضر بعد كشف آلات الرصد الحديث - التلسكوبات - أكثر من مئتي ألفِ ألفٍ، ولا يزال البحث يكشف كل حين منها جديدًا. وجعل فيها شمسًا متوقدة وقمرًا مضيئًا.
٦٢ - ثم ذكر آية أخرى من آيات قدرته، وفيها الدليل على وحدانيته تعالى، فقال: ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه الإله ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ بحكمته التامة ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ الخلفة (٢): مصدر للنوع، فلا يصلح أن يكون مفعولًا ثانيًا لـ ﴿جعل﴾، ولا حالًا من مفعوله، فلا بد من تقدير المضاف، ويستعمل بمعنى كان خليفته، أو بمعنى جاء بعده:
فالمعنى على الأول: جعلهما ذوي خلفة يخلف كل واحد منهما عن الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، فمن فرط في عمل أحدهما قضاه الآخر، فيكون توسعة على العباد في نوافل العبادات والطاعات، ويؤيد هذا المعنى قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁ وقد فاتته قراءة القرآن: "يا ابن الخطاب لقد أنزل تعالى فيك آية قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ
стр. 8880
خِلْفَةً ...﴾ الآية، ما فاتك من النوافل بالليل فاقضه في نهارك، وما فاتك في النهار فاقضه بالليل".
والمعنى على الثاني: وهو الذي جعلهما ذوي اعتقاب يجيء الليل ويذهب النهار، ويجيء النهار ويذهب الليل، ولم يجعل نهارًا لا ليل له، وليلًا لا نهار له؛ ليعلم الناس عدد السنين والحساب، وليكون للانتشار في المعاش وقت معلوم، وللاستقرار والاستراحة وقت معلوم. وقيل: يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان، ففي الآية تذكير لنعمته، وتنبيه على كمال حكمته وقدرته.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾؛ أي (١): أن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه، فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب بالذات، رحيم على العباد، فالمراد بـ ﴿من﴾ هو الكافر. ثم أشار إلى المؤمن بقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ - بضم الشين - مصدر بمعنى الشكر؛ أي: أراد أن يشكر الله بطاعته على ما فيهما من النعم، فتكون ﴿أَوْ﴾ على حالها، فتكون للتقسيم والتنويع، وهي مانعة خلوٍّ، فتجوّز الجمع، اهـ شيخنا. ويجوز أن تكون بمعنى ﴿الواو﴾، فالمعنى: جعلناهما خلفة ليكونا وقتين للذاكرين والشاكرين، من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر، ووجه التعبير بـ (أو) التنبيه على استقلال كل واحد منهما بكونه مطلوبًا من الجعل المذكور، ولو عطف بالواو؛ لتوهم أن المطلوب مجموع الأمرين. وقرأ النخعي وابن وثاب وزيد بن علي وطلحة وحمزة: ﴿يذْكر﴾ - خفيفة الذال، مضمومة الكاف - مضارع ذكر الثلاثي، وهو في معنى يتذكر.
واعلم: أن الشكر ثلاثة أضرب: شكر بالقلب وهو تصور النعمة، وشكر باللسان وهو الثناء على النعمة، وشكر سائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها.
والمعنى: أي وهو الذي جعل الليل والنهار متعاقبين، يخلف أحدهما الآخر، فيكون في ذلك عظة لمن أراد أن يتّعظ باختلافهما، ويتذكر آلاء الله
стр. 8881
فيهما، ويتفكر في صنعه، أو أراد أن يشكر نعمة ربه ليجني ثمار كل منهما؛ إذ لو جعل أحدهما دائمًا لفاتت فوائد الآخر، ولحصلت السآمة والملل، وفتر العزم الذي يثيره دخول وقت الآخر إلى نحو أولئك من الحكم التي أحكمها العلي الكبير، وفي الحديث الصحيح: "إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل"، وعن الحسن: من فاته عمل من التذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب، ومن فاته بالليل كان له في النهار مستعتب. روي أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه؟ فقال: إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه، أو قال: أقضيه، وتلا هذه الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ...﴾ الخ.
٦٣ - ثم وصف الله سبحانه عباده المخلصين بصفات تسع:
الأولى: ما ذكره بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ هذا كلام مستأنف مسوق لبيان صالحي عباد الله سبحانه، دون عباد الدنيا والشيطان والنفس والهوى، فإنهم وإن كانوا عبادًا بالإيجاد، لكنهم ليسوا بأهل لإضافة التشريف والتفضيل من حيث عدم اتصافهم بالصفات الآتية التي هي آثار رحمته تعالى الخاصة المفاضة على خواص العباد، والمعنى: وعباد الرحمن المقبولون؛ وهو مبتدأ، خبره قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾؛ أي: هم الذين يمشون ﴿عَلَى الْأَرْضِ﴾ التي هي غاية في الطمأنينة والسكون والتحمل، حال كونهم ﴿هَوْنًا﴾؛ أي: هيّنين ليّني الجانب من غير فظاظة، أو يمشون مشيًا هينًا على أنه مصدر وصف به، والمعنى: أنهم يمشون بسكينة وتواضع، لا بفخر وفرح ورياء وتجبر، ولا يضربون بأقدامهم الأرض، ولا يخفقون بنعالهم، وذلك لما طالعوا من عظمة الحق وهيبته، وشاهدوا من كبريائه وجلاله، فخشعت لذلك أرواحهم، وخضعت نفوسهم وأبدانهم.
والمعنى: أي (١) وعباد الله الذين حق لهم الجزاء والمثوبة من ربهم هم الذين يمشون في سكينة ووقار، لا يضربون بأقدامهم، ولا يخفقون بنعالهم أشرًا
стр. 8882
وبطرًا. روي أن عمر رأى غلامًا يتبختر في مشيته، فقال: إن البخترة مشية تكره إلَّا في سبيل الله، وقد مدح الله أقوامًا، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ فاقصد في مشيتك. وقال ابن عباس: هم المؤمنون الذين يمشون علماء حلماء ذوي وقار وعفة. وفي الحديث: إن النبي ﷺ قال: "أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس في الإيضاع". السير السريع. وفي صفته ﷺ : (أنه إذا زال .. زال تقلعًا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونًا ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحطّ من صبب).
التقلّع رفع الرجل بقوة، والتكفؤ الميل إلى سنن القصد، والهون الرفق والوقار، والذريع الواسع الخطا؛ أي: أنه كان يرفع رجله بسرعة في مشيه، ويمد خطوه خلاف مشية المختال، وكل ذلك برفق وتثبّت دون عجلة، ومن ثم قيل: كأنما ينحط من صبب، قاله القاضي عياض في "الشفاء". وكان عمر بن الخطاب ﵁ يسرع في مشيه جبلة لا تكلّفًا.
وخلاصة هذا: أنهم لا يتكبرون، ولا يتجبرون، ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا.
وثاني الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾؛ أي: وإذا كلّمهم السفهاء مواجهة بالكلام القبيح ﴿قَالُوا﴾ في جوابهم قولًا ﴿سَلَامًا﴾؛ أي: سدادًا يسلمون فيه من الأذى والإثم، فسلامًا صفة لمصدر محذوف، وعليه أكثر المفسرين، ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون مع من يجهل، ولا يسافهون أهل السفه، أو منصوب بفعل مضمر كما في "المفردات". أي: نطلب منكم سلامة، أو إنا سلمنا من إثمكم، وأنتم سلمتم من شرنا كما في "إحياء العلوم". والمعنى؛ أي: وإذا سفه عليهم السفهاء بالقول السيء لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرًا، وكان رسول الله ﷺ لا تزيده شدة الجاهل عليه إلّا حلمًا. وعن الحسن البصري: هم حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم؟ خير ليل، صفوا أقدامهم، وأجروا دموعهم، يطلبون إلى الله جل ثناؤه
стр. 8883
فكاك رقابهم. قال النحاس: ليس هذا السلام من التسليم، إنما هو من التسلم، تقول العرب: سلامًا؛ أي: تسلما منك؛ أي: براءة منك. ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق .. ذكر ما بينهم وبينه.
٦٤ - وثالث الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ﴾ عطف على الموصول الأول ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ لا لحظ أنفسهم، وهو متعلق بما بعده، والتقديم للتخصيص مع مراعاة الفاصلة ﴿سُجَّدًا﴾ جمع ساجد؛ أي: ساجدين على وجوههم. وقرأ أبو البرهشيم: ﴿سجودًا﴾ على وزن قعود ﴿وَقِيَامًا﴾ جمع (١) قائم مثل نيام ونائم، أو مصدر أجري مجراه؛ أي: قائمين على أقدامهم. وتقديم السجود على القيام مع أنه مؤخر طبعًا لرعاية الفواصل، وليعلم أن القيام في الصلاة مقدّم مع أن السجدة أحق بالتقديم لما ورد: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، والكفرة يستكبرون عنها، حتى قال بعضهم: لا أفعلها لأني لا أحب أن تعلو رأسي أستيَ. والمعنى: والذين يكونون في الليل ساجدين لربهم على وجوههم، وقائمين على أقدامهم طلبًا لرضاه سبحانه؛ أي: يحيون الليل كلاً أو بعضًا بالصلاة، كما قال في حق المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾.
وتخصيص البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أشقّ وأبعد من الرياء، وهو بيان لحالهم في معاملتهم مع ربهم، ووصف ليلهم بعد وصف نهارهم. قال ابن عباس: من صلى بعد العشاء الأخيرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدًا وقائمًا. وروى مسلم عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ : "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة".
فإن قلت: ما معنى هذا الحديث، فإنه يرفع مؤنة قيام الليل؟
قلت: هذا الحديث ترغيب في الجماعة، وبيان للرخصة وتأثير النية، فإن من نوى وقت العشاء أن يقيم الفجر بجماعة كان كمن انتظرها في المسجد، فرب همة عالية تسبق الأقدام، ولكن العمل مع النية أفضل من النية المجردة، والعزيمة
стр. 8884
فوق الرخصة.
ومن حرم قيام الليل كسلًا وفتورًا في العزيمة، أو تهاونًا بقلة الاعتداد بذلك، أو اغترارًا بحاله .. فليبك عليه، فقد قطع عليه طريق كثير من الخير، والذي يخل بقيام الليل كثرة الاهتمام بأمور الدنيا، وكثرة أشغال الدنيا، وإتعاب الجوارح، والامتلاء من الطعام، وكثرة الحديث واللهو واللغط، وإهمال القيلولة، والموفق من يغتنم وقته، ويعرف داءه ودواءه، ولا يهمل فيهمل، واعلم أن الأصل في كل عمل هو تحقيق النية وتصحيح الإخلاص، وجهنا الله وإياكم إلى وجهه.
٦٥ - ورابع الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ في أعقاب صلواتهم وأدبارها، أو في عامة أوقاتهم ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ﴾ واردد ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ وشديد آلامها ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾؛ أي: شرًا دائمًا، وهلاكًا لازمًا غير مفارق لمن عذب به من الكفار، والعذاب الإيجاع الشديد. قال محمد بن كعب القرظي: إن الله سبحانه سأل الكفار شكر نعمته فلم يؤدوها إليه فأغرقهم، فأدخلهم النار، وقال: كل غريم مفارق غريمه إلّا جهنم؛ أي: والذين يدعون ربهم أن يصرف عنهم عذاب جهنم وشديد آلامها.
٦٦ - وقوله: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾ تعليل لاستدعائهم المذكور بسوء حالها في أنفسها إثر تعليله بسوء حال عذابها، فهو من تمام كلامهم، ويجوز أن يكون من كلامه تعالى. وانتصاب (١) ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ على الحال، أو التمييز، قيل: هما مترادفان، وإنما عطف أحدهما لاختلاف لفظيهما. وقيل: بل هما مختلفان معنى، فالمستقر للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكفار، فإنهم يخلدون فيها. وساءت من أفعال الذم بمعنى: بئست. والضمير (٢) فيها لا يعود إلى اسم ﴿إن﴾ وهو جهنم، ولا إلى شيء آخر بعينه، بل هو ضمير مبهم يفسّره ما بعده من التمييز، وهو ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، وذلك لأن فاعل أفعال الذم يجب أن
стр. 8885
يكون معرّفًا باللام، أو مضافًا إلى المعرّف، أو مضمرًا مميزًا بنكرة منصوبة، والمعنى: إن جهنم بئست هي من جهة كونها موضع قرار وإقامة لهم، والمخصوص بالذم هي.
وقرأ الجمهور (١): ﴿مقاما﴾ بضم الميم، وقرأت فرقة بفتحها وفي "السمين": يجوز أن يكون ﴿سَاءَتْ﴾ بمعنى: أحزنت، فتكون متصرفة ناصبة للمفعول، وهو هنا محذوف؛ أي: أنها؛ أي: جهنم أحزنت أصحابها وداخليها حالة كونها مستقرًا ومقامًا لهم، أو من جهة كونها مستقرًا ومقامًا لهم. وفي الآية إيذان بأنهم مع حسن معاملتهم من الخلق، واجتهادهم في عبادة الخالق وحده لا شريك له يخافون عذابه، ويبتهلون إليه في صرفه عنهم غير محتفلين بأعمالهم كما قال في شأنهم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾.
يعني يجتهدون غاية الجهد، ويستفرغون نهاية الوسع، ثم عند السؤال ينزلون منزلة العصاة، ويقفون موقف أهل الاعتذار، ويخاطبون بلسان التذلل كما قيل:
وَمَا رُمْتُ الدُّخُوْلَ عَلَيْهِ حَتَّى ... حَلَلْتُ مَحِلَّةَ الْعَبْدِ الذَّلِيْلِ
وذلك لعدم اعتدادهم بأعمالهم، ووثوقهم على استمرار أحوالهم. قال (٢) ابن نجيد: لا يصْفُ لأحد قدم في العبودية حتى تكون أفعاله عنده كلها رياء، وأحواله كلها دعاوى. وقال النهر جوري: من علامة من تولاه الله أن يشهد التقصير في إخلاصه، والغفلة في أذكاره، والنقصان في صدقه، والفتور في مجاهدته، وقلة المراعاة في فقره، فتكون جميع أحواله عنده غير مرضية، ويزداد فقرًا إلى الله تعالى في فقره ويسره حتى يفنى عن كل ما دونه. ودلت الآية على مشروعية الدعاء مطلقًا، خصوصًا في أعقاب الصلوات، وهو مخ العبادة، فليدع المصلي منفردًا، وفي الجماعة، إمامًا كان أو مأمومًا.
٦٧ - وخامس الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ أموالهم على أنفسهم
стр. 8886
وعلى أهاليهم، أو في جميع مصارف الخير ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾؛ أي: لم يجاوزوا الحد المشروع في ذلك الإنفاق ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾؛ أي: ولم يضيّقوا تضييق الشحيح. وقرأ (١) الحسن وطلحة والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم: ﴿ولم يقتروا﴾ بفتح الياء وضم التاء، وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ نافع وابن عامر بضم الياء وكسر التاء مشددة، وكلها لغات في التضييق، وأنكر أبو حاتم لغة ﴿أقتر﴾ رباعيًا هنا، وقال: أقتر إذا افتقر، ومنه ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وغاب عنه ما حكاه الأصمعي وغيره من أقتر بمعنى ضيّق.
﴿وَكَانَ﴾ إنفاقهم (٢) المدلول عليه بقوله: أنفقوا كائنًا ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بين ما ذكر من الإسراف والتقتير، وهو خبر ﴿كان﴾ كما قدرنا، وقوله: ﴿قَوَامًا﴾ خبر بعد خبر، أو هو الخبر، و ﴿بين ذلك﴾ ظرف لغو لـ ﴿كان﴾ على رأي من يرى إعمالها في الظرف؛ أي: وسطًا عدلًا، سمي به لاستقامة الطرفين واعتدالهما بحيث لا ترجح لأحدهما على الآخر بالنسبة إليه لكونه وسطًا بينهما كمركز الدائرة، فإنه يكون نسبة جميع الدائرة إليه على السواء. وقرأ (٣) حسان بن عبد الرحمن: ﴿قواما﴾ بكسر القاف، وقرأ الباقون بفتحها، فقيل: هما بمعنى، وقيل: القوام بالكسر ما يدوم عليه الشيء ويستقر، وبالفتح العدل والاستقامة، قاله ثعلب، وقيل: بالفتح العدل بين الشيئين، وبالكسر ما يقام به الشيء، لا يفضل عنه ولا ينقص، وقيل: بالكسر السداد والمبلغ.
والمعنى: أي (٤) والذين هم ليسوا بالمبذرين في إنفاقهم، فلا ينفقون فوق الحاجة، ولا ببخلاء على أنفسهم وأهليهم، فيقصّرون فيما يجب نحوهم، بل ينفقون عدلًا وسطًا، وخير الأمور أوسطها. وقد قيل:
وَلاَ تَغْلُ فِيْ شَيْءٍ مِنَ الأَمْرِ وَاقْتَصِدْ ... كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيْمُ
وقد قيل:
стр. 8887
إِذَا الْمَرْءُ أَعْطَى نَفْسَهُ كُلَّ مَا اشْتَهَتْ ... وَلَمْ يَنْهَهَا تَاقَتْ إِلَى كُلِّ بَاطِلِ
وَسَاقَتْ إِلَيْهِ الإِثْمَ وَالْعَارَ بِالَّذِيْ ... دَعَتْهُ إِلَيْهِ مِنْ حَلاَوَةِ عَاجِلِ
قال يزيد بن أبي حبيب: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا لا يأكلون طعامًا للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثيابًا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقوّيهم على عبادة ربهم، ومن اللباس ما يستر عوراتهم، ويقيهم من الحرّ والبرد. وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة: ما نفقتك؟ قال عمر: الحسنة بين سيئتين، ثم تلا هذه الآية. وقال لابنه عاصم: يا بني كل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبًا حتى تستخلقه، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله تعالى في بطونهم، وعلى ظهورهم. قال عمر بن الخطاب: كفى سرفًا أن لا يشتهي شيئًا إلَّا اشتراه فأكله.
٦٨ - وسادس الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ﴾ ولا يعبدون ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿إِلَهًا آخَرَ﴾ كالصنم فيجعلونه شريكًا له تعالى؛ أي: والذين لا يعبدون مع الله سبحانه إلهًا آخر، فيشركون في عبادتهم إياه، بل يخلصون له العبادة، ويفردونه بالطاعة.
يقال: الشرك ثلاثة (١):
أولها: أن يعبد غيره تعالى.
والثاني: أن يطيع مخلوقًا بما يأمره من المعصية.
والثالث: أن يعمل لغير وجه الله تعالى. فالأول كفر، والآخران معصية.
وفي "التأويلات النجمية": يعني لا يرفعون حوائجهم إلى الأغيار، ولا يتوهمون منهم المسارّ والمضارّ، وأيضًا لا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة، ولا يطلبون مع الله مطلوبًا، ولا يحبون معه محبوبًا، بل يطلبون الله من الله، ويحبونه
стр. 8888
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ﴾ ها ﴿اللَّهُ﴾ ؛ أي (١): حرَّم قتلها. فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مبالغة في التحريم، والمراد نفس المؤمن والمعاهد ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ المبيح لقتلها؛ أي: لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلّا بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، كما إذا قتل أحدا فيقتصّ به، أو زنى وهو محصن فيرجم، أو ارتدّ أو سعى في الأرض بالفساد فيقتل ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾؛ أي: ولا يطؤون في قبل المرأة بغير عقد شرعي أو ملك يمين، وكذا اللواط وإتيان البهيمة.
وقد نفى (٢) عنهم هذه القبائح مع أن وصفهم بالصفات السالفة من حسن معاملتهم للناس، ومزيد خوفهم من الله، وإحياء الليل يقتضي نفيها عنهم تعريضًا بما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم، وتنبيهًا إلى الفرق بين سيرة المؤمنين وسيرة المشركين، فكأنه قيل: وعباد الرحمن الذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر وأنتم تدعون، ولا يقتلون وأنتم تقتلون الموءودة، ولا يزنون وأنتم تزنون.
ثم توعد سبحانه من يفعل مثل هذه الأفعال بشديد العقاب، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أي: ما ذكر من الثلاثة كما هو دأب الكفرة المذكورين؛ أي: فعل شيئًا من الأفعال الثلاثة: عبادة غير الله تعالى، والقتل، والزنا ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾؛ أي (٣): جزاء إثمه وعقوبته، والأثام كالوبال والنكال وزنًا ومعنى، يقال: أثمه يأثمه أثامًا جازاه على ذنبه وعاقبه عليه. وفي "القاموس": الأثام كسحاب، واد في جنهم، والعقوبة. وقال أبو مسلم: الأثام الإثم والذنب. ومعناه: يلق جزاء آثامه، فأطلق اسم الشيء على جزائه.
وقرِىء (٤): ﴿يَلْقَ﴾ بضم الياء وفتح اللام والقاف المشددة، وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء ﴿يلقى﴾ بألف، كأنه نوى حذف الضمة المقدرة على الألف فأقرّ الألف، وقرأ ابن مسعود ﴿أيّاما﴾ جمع يوم يعني شدائد، يقال: يوم ذو أيام لليوم العصيب.
стр. 8889
٦٩ - ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يزاد له العذاب يوم القيامة بقدر معاصيه، وذلك لانضمام المعاصي إلى الكفر، فلا يعارض قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾، أو المعنى: يتزايد عذابه وقتًا بعد وقت، فهو كناية عن كونه مؤبدا. وفي "التأويلات النجمية": يكون معذبًا بعذابين، على كل ذنب عذاب دركات النيران، وعذاب فوات درجات الجنان، وقربات الرحمن. والضعف تركب قدرين متساويين ما سيأتي في مبحث المفردات، والجملة بدل من ﴿يَلْقَ﴾ لاتحادهما في المعنى؛ لأن مضاعفة العذاب نفس لقي الآثام فلذلك جزمت، كما قال الشاعر:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِيْ دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
لأن الإلمام هو نفس الإتيان، فجزم تلمم؛ لأنه بمعنى تأتي.
والضمير في قوله: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ﴾ عائد إلى العذاب المضاعف؛ أي: يخلد في العذاب المضاعف حالة كونه ﴿مُهَانًا﴾؛ أي: ذليلًا حقيرًا، جامعًا للعذاب الجسماني والروحاني لا يغاث. وقرأ (١) نافع وابن عامر وحمزة والكسائي: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ مبنيًا للمفعول وبألف ﴿وَيَخْلُدْ﴾ مبنيا للفاعل. وقرأ الحسن وأبو جعفر وابن كثير كذلك، إلّا أنهم شددوا العين، وطرحوا الألف، وقرأ أبو جعفر أيضًا وشيبة وطلحة بن مصرف ﴿يضاعِف﴾ بالياء مبنيًا للفاعل ﴿العذاب﴾ بالنصب وقرأ طلحة بن سليمان ﴿نضعّف﴾ بضم النون والعين المشددة بالجزم ﴿وتخلد﴾ بتاء الخطاب على الالتفات مرفوعًا؛ أي: وتخلد أيها الكافر، وقرأ أبو حيوة ﴿ويخلّد﴾ مبنيًا للمفعول مشدد اللام مجزومًا، ورويت عن أبي عمرو، وعنه كذلك مخففًا، وقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿يضاعف ويخلد﴾ بالرفع فيهما، وكذا ابن عامر، والمفضّل عن عاصم ﴿يضاعف ويخلد﴾ مبنيًا للمفعول مرفوعًا مخففًا، وقرأ الأعمش بضم الياء مبنيًا للمفعول مشددًا مرفوعًا، فالرفع على الاستئناف،
стр. 8890
كأنّ قائلًا قال: ما لقي الآثام؟ فقيل: يضاعف للإثم العذاب. أو على الحال، والجزم على البدل من ﴿يلق﴾، وقرأ ابن كثير وحفص: ﴿فيهي مهانا﴾ بإشباع كسرة الياء، ووصلها بالياء في الوصل.
والمعنى (١): ومن يفعل خصلة من خصال الفجور السالفة يلق في الآخرة جزاء إثمه وذنبه الذي ارتكبه، بل يضاعف له ربه العذاب يوم القيامة، ويجعله خالدًا أبدًا في النار مع المهانة والاحتقار، فيجتمع له العذاب الجسمي والعذاب الروحي.
٧٠ - وبعد أن أتم تهديد الفجار على هذه الأوزار أتبعه بترغيب الأبرار في التوبة والرجوع إلى حظيرة المتقين، فيفوزون بجنات النعيم، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك والقتل والزنا ﴿وَآمَنَ﴾؛ أي: صدّق بوحدانية الله تعالى، ورسالة رسوله ﷺ : ﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ ذكر (٢) الموصوف هنا مع جريان الصالح والصالحات مجرى الاسم للاعتناء به، وللتنصيص على مغايرته للأعمال السابقة. والاستثناء من الجنس؛ لأن المقصود الإخبار بأن من فعل ذلك فإنه يحل به ما ذكر إلّا أن يتوب، وأما إصابة أصل العذاب وعدمها فلا تعرض لها في الأية. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالتوبة والإيمان والعمل الصالح ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ﴾ ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾ الثلاثة المذكورة في الدنيا ﴿حَسَنَاتٍ﴾؛ أي: يبدلهم الإيمان عن الشرك، وقتل الكافرين عن قتل المؤمنين، والعفة والإحصان عن الزنا، أو (٣) يوفّقهم للمحاسن بعد القبائح، أو يمحوها بالتوبة، ويثبت مكانها الحسنات الإيمان والطاعة، ولم يرد به أن السيئة بعينها تكون حسنة، ولكن المراد ما ذكرنا.
قال الزجاج: ليس المراد أن السيئة بعينها تصير حسنة، ولكن المراد أن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة. انتهى. وعبارة "أبي السعود":
стр. 8891
قوله: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو يبدّل ملكة المعصية ودواعيها في النفس بملكة الطاعة، بأن يزيل الأولى ويأتي بالثانية مكانها. وقيل: يبدّل بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمن قتل الكافر، وبالزنا عفة وإحصانا. اهـ. فعلى هذا يكون التبديل في الدنيا.
وفي "القرطبي" قال النحاس: من أحسن ما قيل في التبديل أنه يكتب موضع كافر مؤمن، وموضع عاص مطيع، قال الحسن: وقوم يقولون: التبديل في الآخرة. وليس كذلك، إنما التبديل في الدنيا، يبدلهم الله إيمانًا من الشرك، وإخلاصًا من الشك، وإحصانًا من الفجور. وقيل: التبديل عبارة عن الغفران؛ أي: يغفر الله لهم تلك السيئات، لا أنه يبدلها حسنات. قلت: ولا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحّت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال ﷺ لمعاذ: "وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"، اهـ. وقرأ (١) البرجمي ﴿يُبْدِلُ﴾ مخففًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ : ﴿غَفُورًا﴾ لمن تاب من الشرك والمعاصي، ولذلك بدل السيئات حسنات، ﴿رَحِيمًا﴾ له، ولذلك أثاب على الحسنات، وهذه الجملة مقرّرة لما قبلها من التبديل.
٧١ - ﴿وَمَنْ تَابَ﴾؛ أي رجع عن المعاصي مطلقًا بتركها بالكلية والندم عليها ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بتدارك به ما فرّط منه، أو المعنى: ومن تاب؛ أي: خرج عن المعاصي، وعمل صالحًا؛ أي: دخل في الطاعات ﴿فَإِنَّهُ﴾ بما فعل ﴿يَتُوبُ﴾ ويرجع ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ بعد الموت ﴿مَتَابًا﴾؛ أي: رجوعًا حسنًا، عظيم الشأن، مرضيًا عنده تعالى، ماحيًا للعقاب، محصّلًا للثواب، فلا يتحد الشرط والجزاء؛ لأن في الجزاء معنى زائدًا على ما في الشرط، فإن الشرط هو التوبة بمعنى الرجوع عن المعاصي، والجزاء هو الرجوع إلى الله تعالى بعد
стр. 8892
الموت رجوعًا مرضيًا، وهذا تعميم بعد التخصيص؛ لأن متعلق التوبة في الآية الأولى الشرك والقتل والزنا فقط، وهاهنا مطلق المعاصي.
والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرّط، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة، قال ابن عطاء: التوبة الرجوع من كل خلق مذموم، والدخول في كل خلق محمود، وهي توبة الخواص. وقال بعضهم: التوبة أن يتوب من كل شيء سوى الله تعالى، وهي توبة الأخص، فعليكم أيها الإخوان بالتوبة والاستغفار، فإنها صابون الأوزار.
والمعنى: أي ومن تاب عن المعاصي التي فعلها، وندم على ما فرط منه، وزكّى نفسه بصالح الأعمال، فإنه يتوب إلى الله توبة نصوحًا مقبولة لديه، ماحية للعقاب، محصّلة لجزيل الثواب، إلى أنه ينير قلبه بنور من عنده يهديه إلى سواء السبيل، ويوفقه للخير، ويبعده عن الضير، وفي هذا تعميم لقبول التوبة من جميع المعاصي بعد أن ذكر قبولها من أمهاتها، نسأل الله تعالى توبة نصوحا ومن آثار رحمته فيضًا ونوالًا وفتوحًا.
٧٢ - وسابع الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾؛ أي (١): لا يحضرون مواضع الكذب، فإن حضور مجامع الفسّاق مشاركة لهم في تلك المعصية، ولأن النظر إليها دليل الرضا بها. وقيل: معنى ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يشهدون (٢) أعياد المشركين واليهود والنصارى. وقيل: لا يشهدون مواضع النوح والندب. وقيل: لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم. وقيل: لا يشهدون مواضع اللهو واللعب والغناء. قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع. والأولى التعميم، فيقال: لا يشهدون مواضع المعاصي كلها، أيًا كانت. أو المعنى: لا يشهدون الشهادة الكاذبة.
والحاصل: أنَّ ﴿يَشْهَدُونَ﴾ إن كان من الشهادة بمعنى الإخبار .. ففي
стр. 8893
الكلام حذف مضاف؛ أي: لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود بمعنى الحضور، كما ذهب إليه الجمهور .. فقد اختلفوا في معناه على الأقوال التي ذكرناها أولًا.
واختلف الأئمة في عقوبة شاهد الزور (١): فقال أبو حنيفة: لا يعزّر، بل يوقف في قومه، ويقال لهم: إنه شاهد زور. وقال الثلاثة: يعزّر ويوقف في قومه، ويعرّفون أنه شاهد زور. وقال مالك: يشهر في الجوامع والأسواق والمجامع. وقال أحمد: يطاف به في المواضع التي يشتهر فيها، فيقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور فاجتنبوه. وكان عمر بن الخطاب ﵁ يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه - أي: يطليه بمادة سوداء - ويحلق رأسه، ويطوف به في الأسواق كما في "كشف الأسرار". وعن أبي بكر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر"؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين - وكان متكئًا فجلس، فقال -: ألا وقول الزور، أو شهادة الزور"، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت. متفق عليه.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾؛ أي: بمجالس اللغو واللهو والباطل ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾؛ أي: مروا بها معرضين عنها، مسرعين مكرمين أنفسهم بترك الالتفات إليها، منزّهين لها عن هذه المجالس السيئة، يقال: فلان يكرم نفسه عما يشينه؛ أي: يتنزه عن الدخول في اللغو والاختلاط بأهله. واللغو: كل ساقط من قول أو فعل. قال الحسن: اللغو المعاصي كلها. والمعنى: مرّوا معرضين عنه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه، والخوض فيه، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به.
وحاصل معنى الآية: أي والذين لا يؤدّون الشهادات الكاذبة، ولا يساعدون أهل الباطل على باطلهم، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو وما لا خير فيهِ كاللغو في القرآن، وشتم الرسول، والخوض فيما لا ينبغي. ونحو الآية قوله:
стр. 8894
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
٧٣ - وثامن الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾؛ أي: وعظوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ المشتملة على المواعظ والأحكام ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا﴾؛ أي (١): لم يسقطوا, ولم يقعوا ولم يقفوا عليها حالة كونهم ﴿صُمًّا﴾ عن استماعها وإصغائها. جمع أصم وهو فاقد حاسة السمع وبه يشبه من لا يصغي إلى الحق ولا يقبله ﴿و﴾ حالة كونهم ﴿عُمْيَانًا﴾ عن رؤية تاليها. جمع أعمى؛ وهو فاقد حاسة البصر.
والمعنى: أي (٢) والذين إذا وعظوا بالآيات المشتملة على الأحكام والمواعظ أكبوا على تلك الآيات حرصًا على استماعها، وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية، وانتفعوا بها, لا كالذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها، وهم كالصم والعيمان كالمنافقين والكفرة كأبي جهل والأخنس بن شريق، فالمراد من النفي نفي الصمم والعمى، لا نفي الخرور وإن دخلت الأداة عليه، فالنفي متوجه إلى القيد الذي هو ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾، لا إلى المقيد الذي هو الخرور الداخل عليه. وفي هذا تعريض بما عليه الكفرة والمنافقون الذي إذا سمعوا كلام الله لم يتأثروا به، ولم يتحولوا عما كانوا عليه، بل يستمرون على كفرهم وعصيانهم وجهلهم وضلالهم، فكأنهم صم لا يسمعون، وعمي لا يبصرون.
٧٤ - وتاسع الصفات: ما ذكره بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ في دعائهم لربهم ﴿رَبَّنَا﴾ ويا مالك أمرنا ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾؛ أي: بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل؛ أي: اجعل لنا ما يحصل به سرور أعين من أزواجنا وأولادنا بأن نراهم صالحين مطيعين لله. وعن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده يطيعون الله تعالى. وقرة العين
стр. 8895
سرورها، والمراد به ما يحصل به السرور، فـ ﴿مِن﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ إما (١) بيانية كما فسّرنا، كأنه قيل: هب لنا قرة أعين، ثم بينت القرة وفسرت بقوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾، أو ابتدائية على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا من طاعة وصلاح، وإنما قيل: ﴿أَعْيُنٍ﴾ على وزن القلة، دون عيون؛ لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم، قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، ويجوز أن يقال في تنكير أعين: إنها أعين خاصة وهي أعين المتقين. والمعنى أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجًا وأعقابًا علماء لله تعالى، يسرون بمكانهم، وتقرّ بهم عيونهم.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾؛ أي: اجعلنا أئمة لهم بحيث يقتدون بنا في إقامة مراسم الدين بإفاضة العلم علينا، وبالتوفيق للعمل الصالح. ولفظ ﴿إمام﴾ يستوي فيه الجمع وغيره، فالمطابقة حاصلة. اهـ شيخنا.
وفي "البيضاوي" (٢): وتوحيد ﴿إِمَامًا﴾ لدلالته على الجنس وعدم اللبس، كقوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد: واجعل كل واحد منا إمامًا، أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم. وقيل: جمع آثم كصائم وصيام، فيكون من المقلوب، والمعنى: واجعل المتقين لنا إمامًا، واجعلنا مقتدين مؤتمين بهم. قال بعضهم: وفي هذا دليل على أن الرئاسة في الدين مطلوبة مرغوب فيها. والمعنى؛ أي (٣): والذين يسألون الله أن يخرج من أصلابهم من يطيعه ويعبده وحده لا شريك له، وصادق الإيمان إذا رأى أهله قد شاركوه في الطاعة قرت بهم عينه، وسر قلبه، وتوقع نفعهم له في الدنيا حيًا وميتًا، وكانوا من اللاحقين به في الآخرة، ويسألون أيضًا أن يجعلهم أئمة يقتدى بهم في إقامة مراسم الدين بما يفيض عليهم من واسع العلم، وبما يوفقهم إليه من صالح العمل. روى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال