القضاء بأنّا لا ننزل ذلك ﴿فَظَلَّتْ﴾؛ أي: فصارت؛ أي: فتظل ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾؛ أي: رقابهم ﴿لَهَا﴾؛ أي: لتلك الآية ﴿خَاضِعِينَ﴾؛ أي: منقادين، فلا يكون أحد منهم يميل عنقه إلى معصية الله تعالى، ولكن لم نفعل؛ لأنه لا عبرة بالإيمان المبني على القسر والإلجاء كالإيمان يوم القيامة. وأصله: فظلوا لها خاضعين، فإن الخضوع صفة أصحاب الأعناق حقيقة، فأقحمت الأعناق لزيادة التقرير ببيان موضع الخضوع، وترك الخبر على حاله. وفيه بيان أن الإيمان والمعرفة موهبة خاصة خارجة عن اكتساب الخلق في الحقيقة، فإذا حصلت الموهبة نفع الإنذار والتبشير، وإلّا فلا، فليبك على نفسه من جبل على الشقاوة.
وقرأ أبو رزين وأبو المتوكل وأبو عمرو في رواية هارون عنه (١): ﴿إن يشأ ينزل﴾ على الغيبة؛ أي: إن يشأ الله ينزل، وفي بعض المصاحف: ﴿لو شئنا لأنزلنا﴾ وقرأ الجمهور: ﴿فَظَلَّتْ﴾ ماضيًا بمعنى المستقبل؛ لأنه معطوف على ﴿نُنَزِّلْ﴾ وقرأ طلحة ﴿فتظلل﴾.
وقال مجاهد وابن زيد والأخفش: معنى ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس؛ أي: جماعة، وقيل: أعناق الناس رؤساؤهم ومقدّموهم شبّهوا بالأعناق، وقيل: أريد به الجارحة، فقال ابن عيسى: هو حينئذ على حذف مضاف؛ أي: أصحاب الأعناق حيث قال: ﴿خَاضِعِينَ﴾، ولم يقل: خاضعة، وقرأ عيسى وابن أبي عبلة: ﴿خاضعة﴾.
ومعنى الآية: أي لو شئنا أن ننزل عليهم من السماء آية تلجئهم إلى الإيمان وتقسرهم عليه، كما نتقنا الجبل فوق قوم موسى حتى صار كالظلة فصار جماعاتهم خاضعين منقادين لها كرها .. لفعلنا, ولكن جرت سنتنا أن يكون الإيمان اختياريًا لا قسريًا، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾.
ومن ثم نفذ قدرنا، ومضت حكمتنا، وقامت حجتنا على الخلق بإرسال
стр. 8927
الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم.
والخلاصة: أن القرآن، وإن بلغ في البيان الغاية، غير موصل لهم إلى الإيمان, فلا تبالغ في الأسى والحزن، فإنك إن فعلت ذلك كنت كمن يقتل نفسه، ثم لا ينتفع بذلك، فكما أن الكتاب على وضوحه لم يفدهم شيئًا فحزنك عليهم لا يجدي نفعًا، وقد كان في مقدورنا أن نلجئهم إلى الإيمان إلجاء، ولكن جرت سنتنا أن يكون الإيمان طوعًا لا كرهًا، ومن جرّاء هذا أرسلنا رسلنا بالعظات والزواجر، وأنزلنا الكتب لتهديهم إلى سواء السبيل، لكنهم ضلوا وأضلوا، وما ربك بظلام للعبيد.
٥ - ثم بين شدة شكيمتهم وعدم ارعوائهم عما هم عليه من الكفر والضلال بغير الآيات الملجئة تأكيدًا لصرف رسول الله ﷺ عن الحرص على إسلامهم، فقال: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾؛ أي: أهل مكة وما يجيئهم ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾: ﴿من﴾: زائدة لتأكيد العموم، وفي قوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ابتدائية؛ أي: بوحيه إلى نبيه، دل (١) هذا الاسم الجليل على أن إتيان الذكر من آثار رحمة الله تعالى على عباده؛ أي: وما يأتي أهل مكة تذكير وموعظة من المواعظ القرآنية مبتدأ مجيئه من الرحمَن ﴿مُحْدَثٍ﴾؛ أي: مجدّد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير، فلا يلزم حدوث القرآن؛ أي: فهو محدث التنزيل، وكلما نزل شيء من القرآن بعد شيء فهو أحدث من الأول، ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾؛ أي: إلّا جدّدوا إعراضًا عن ذلك الذكر، وعن الإيمان به، وإصرارًا على ما كانوا عليه؛ أي (٢): وما يجدد الله سبحانه لهم بوحيه موعظة وتذكيرًا إلَّا جدّدوا إعراضًا عنه، وكفرًا به. والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، محله النصب على الحالية من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ بإضمار قد، وبدونه على الخلاف المشهور في محله؛ أي: ما يأتيهم من ذكر في حال من الأحوال إلّا حال كونهم معرضين عنه.
وقد سبق نظير هذه الآية في سورة الأنبياء. فإن قلت: لم قال هناك ﴿مِنْ
стр. 8928
ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، وقال هنا ﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾؟
قلت: غاير بينهما ليوافق كل ما في سياقه؛ لأنه ذكر هناك: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ لموافقة قوله بعد ذلك: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾، وقال هنا: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ ليوافق قوله فيما بعد: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦ ٨)﴾؛ لأن الرحمن والرحيم من مادة واحدة، فهما أخوان، اهـ من "فتح الرحمن" بتصرف.
والمعنى: أي (١) وما يجيء هؤلاء المشركون الذين يكذبونك، ويجحدون ما أتيتهم به ذكر من عند ربك لتذكرهم به إلَّا أعرضوا عن استماعه، وتركوا إعمال الفكر فيه، ولم يوجهوا همهم إلى تدبره وفهم أسراره ومغازيه، وما كان أحراهم بذلك، وهم أهل الذكن والفطنة، ولكن طمس الله على قلوبهم فأكثرهم لا يعقلون، وخلاصة ذلك أنه لا يجدّد لهم موعطة وتذكيرًا إلَّا جدّدوا ما هو نقيض ذلك من إعراض وتكذيب واستهزاء.
٦ - ثم أكد إعراضهم بقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ بالذكر عقب الإعراض، فالفاء للإفصاح؛ أي: جعلوه تارة سحرا، وأخرى شعرًا، ومرة أساطير الأولين؛ أي (٢): فقد كذبوا بالذكر الذي جاءهم تكذيبًا صريحًا، ولم يكتفوا بمجرد الإعراض. وقيل: إن الإعراض بمعنى التكذيب؛ لأن من أعرض عن شيء ولم يقبله فقد كذبه، وعلى هذا فيكون ذكر التكذيب للدلالة على صدور ذلك منهم على وجه التصريح، والأول أولى، فالإعراض عن الشيء عدم الالتفات إليه، ثم انتقلوا عن هذا إلى ما هو أشد منه؛ وهو التصريح بالتكذيب، ثم انتقلوا عن التكذيب إلى ما هو أشد منه؛ وهو الاستهزاء، كما يدل عليه قوله: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ البتة من غير تخلف أصلًا، والفاء للتفريع؛ أي: لإعراضهم المؤدي إلى التكذيب المؤدّى إلى الاستهزاء يأتيهم ﴿أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أي: أخبار (٣) الذكر الذي كانوا يستهزئون به، ومآله وعواقبه من العقوبات العاجلة والآجلة التي بمشاهدتها يقفون
стр. 8929
على حقيقة حال القرآن بأنه كان حقًا أو باطلًا، وكان حقيقًا بأن يصدق ويعظم قدره، أو يكذب فيستخف أمره، كما يقفون على الأحوال الخافية عنهم باستماع الأنباء، وفيه تهويل له؛ لأن النبأ لا يطلق إلّا على خبر خطير له وقع عظيم.
أي: فقد كذب هؤلاء المشركون بالذكر الذي أتاهم من عند الله تعالى، ثم انتقلوا من التكذيب إلى الاستهزاء، وسيحل بهم عاجل العذاب وآجله في الدنيا والآخرة، كما قال ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾، وقال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، ونحو الآية قوله: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾، وقصارى ذلك أنهم كذبوا بما جئتهم به من الحق، وأنه سيأتيهم لا محالة صدق ما كانوا يستهزئون به من قبل، بلا تدبر ولا تفكير في العاقبة.
٧ - وبعد أن بين أنهم أعرضوا عن الآيات المنزلة من عند ربهم .. ذكر أنهم أعرضوا عن الآيات التي يشاهدونها في الآفاق، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الهمزة (١) فيه للإنكار التوبيخي، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: أفعل المكذبون من قريش ما فعلوا من الإعراض عن الآيات والتكذيب والاستهزاء بها ولم ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾؛ أي: إلى عجائبها الزاجرة عما فعلوا، الداعية إلى الإقبال إلى ما أعرضوا ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ بعد أن لم يكن فيها نبات ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: جنس ونوع وصنف ﴿كَرِيمٍ﴾؛ أي: حسن من النبات مما يأكل الناس والأنعام.
قال أهل التفسير: ﴿كَمْ﴾: خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية، والجمع بينها وبين ﴿كُلِّ﴾؛ لأن ﴿كُلِّ﴾ للإحاطة بجميع أزواج النبات، و ﴿كَمْ﴾ لكثرة المحاط به من الأزواج. و ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾؛ أي: صنف تمييز، والكريم من كل شيء مرضيه ومَحْمُودُه، والمعنى: كثيرًا من كل صنف مرضي كثير المنافع أنبتنا فيها، وتخصيص النبات النافع بالذكر دون ما عداه من أصناف الضارّ، وإن
стр. 8930
كان كل نبت متضمنا لفائدة وحكمة؛ لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معًا.
واعلم: أنه سبحانه كما أنبت من أرض الظاهر كل صنف ونوع من النبات الحسن الكريم، كذلك أنبت في أرض قلوب العارفين كل نبت من الإيمان والتوكل واليقين والإخلاص والأخلاق الكريمة، كما قال ﵇: "لا إله إلَّا الله ينبت الإيمان كما ينبت البقل"، قال أبو بكر بن طاهر: أكرم زوج من نبات الأرض آدم وحواء، فإنهما كانا سببًا في إظهار الرسل والأنبياء والأولياء والعارفين. اهـ. وقال الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
والمعنى: أغفل هؤلاء المشركون وأصروا على ما هم عليه من الكفر بالله، وتكذيب رسوله، ولم يتأملوا في الأرض وكثرة ما فيها من أصناف النبات المختلفة الأشكال والألوان مما يدل على باهر القدرة وعظيم سلطان ذلك العلي الكبير؟!
والخلاصة: كيف اجترؤوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابه، وإلهه هو الذي خلق الأرض، وأنبت فيها الزرع والثمار والكروم على ضروب شتى وأشكال مختلفة تبهر الناظرين، وتسترعي أنظار الغافلين.
٨ - ثم بيّن أنهم قوم فقدوا وسائل الفكر، وعدموا التأمل والنظر في الأكوان، ومن ثم فهم جاحدون، فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإنبات المذكور، أو في كل واحد من تلك الأصناف ﴿لَآيَةً﴾ عظيمة دالة على كمال قدرة منبتها، وغاية وفور علمه، ونهاية سعة رحمته، موجبة للإيمان، زاجرة عن الكفر ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر قوم النبي ﷺ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ مع ذلك؛ لغاية تماديهم في الكفر والضلال وانهماكهم في الغي والجهالة.
و ﴿كَانَ﴾ (١) صلة عند سيبويه؛ لأنه لو حمل على معنى ما كان أكثرهم في
стр. 8931
علم الله وقضائه لتوهم كونهم معذورين في الكفر بحسب الظاهر، وبيان موجبات الإيمان من جهته تعالى يخالف ذلك.
قال بعضهم: قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ ...﴾ الآية، ونظائره يدل على المعنى الثاني، ولا يلزم من ذلك المعذورية؛ لأنهم صرفوا اختيارًا إلى جانب الكفر والمعصية، وكانوا في العلم الأزلي غير مؤمنين بحسب اختيارهم ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم؛ لأن منهم من سيؤمن.
والمعنى (١): أنّ في ذلك الإنبات على هذه الأوضاع البديعة لدلالات لأولي الألباب على قدرة خالقه على البعث والنشور، فإن من أنبت الأرض بعد جدبها، وجعل فيها الحدائق الغنّاء والأشجار الفيحاء لن يعجزه أن ينشر فيها الخلائق من قبورهم، ويعيدهم سيرتهم الأولى، ولكن أكثر الناس غفلوا عن هذا، فجحدوا بها وكذبوا بالله ورسله وكتبه، وخالفوا أوامره، واجترحوا معاصيه، ولله درّ القائل:
تَأَمَّلْ فِيْ رِيَاضِ الْوَرْدِ وَانْظُرْ ... إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيْكُ
عُيُوْنٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٌ ... عَلَى أَهْدَابِهَا ذَهَبٌ سَبِيْكُ
عَلَى قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٌ ... بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيْكُ
والخلاصة: أن في هذا وأمثاله لآية عظيمة، وعبرة جليلة دالة على ما يجب الإيمان به، ولكن ما آمن أكثرهم مع موجبات الإيمان, بل تمادوا في الكفر والضلالة، وانهمكوا في الغي والضلالة، وفي هذا ما لا يخفى من تقبيح حالهم، وبيان سوء مآلهم.
٩ - ثم بشّره بنصره وتأييده وغلبته لأعدائه، وإظهاره عليهم، فقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب القادر على الانتقام من الكفرة ﴿الرَّحِيمُ﴾ المبالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم، ولا يأخذهم بغتة. وقال في "كشف الأسرار": يرحم المؤمنين الذين هم الأقل بعد الأكثر. وفي "التأويلات النجمية": بعزته قهر الأعداء العتاة، وبرحمته ولطفه أدرك أولياءه بجذبات العناية. اهـ.
стр. 8932
والمعنى: أي وإن ربك أيها الرسول الكريم لهو الغالب على أمره، والقادر على كل ما يريد وسينتقم لك من هؤلاء المكذبين على تكذيبهم بك، وإشراكهم بي، وعبادتهم للأوثان والأصنام، وهو ذو الرحمة الواسعة بمن تاب من كفره ومعصيته، فلا يعاقبه على ما سلف من جرمه بعد توبته، بل يغفر له حوبته.
والخلاصة: أن ربك عزَّ كل شيء وقهره، ورحم خلقه، فلا يعجل بعقاب من عصاه، بل يؤجله وينظره لعله يرعوي عن غيه، فإن تمادى أخذه أخذ عزيز مقتدر.
وهذه الآية كرّرها (١) في ثمانية مواضع: أولها في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب، ثم في ذكر نبينا ﷺ ، وإن لم يذكر صريحًا إشارة إلى أنه منتقم من أعدائه، ورحيم بأوليائه في كل زمان، وفي كل أمة من الأمم السالفة واللاحقة.
قصص موسى ﵇
١٠ - وجملة قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى ...﴾ إلخ مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء، والعامل في الظرف محذوف تقديره: واذكر يا محمد لقومك قصة وقت ندائه تعالى وكلامه موسى؛ أي: ليلة رأي الشجرة والنار حين رجع من مدين، وذكرهم يا محمد بما جرى مع قوم فرعون بسبب تكذيبهم إياه، وحذّرهم أن يصيبهم مثل ما أصابهم.
و ﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ ائْتِ﴾ مفسرة بمعنى: أي، والإتيان (٢): المجيء بسهولة، والمعنى: وإذ قال ربك يا موسى ائت ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر والمعاصي، واستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم، وكان بنو إسرائيل في ذلك الوقت ست مئة ألف وثلاثين ألفًا، ومدة استعبادهم أربع مئة سنة ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بدل من ﴿الْقَوْمَ﴾، أو عطف بيان له، والاقتصار على القوم؛ للإيذان بشهرة أن
стр. 8933
فرعون أول داخل في الحكم.
والمعنى (١): واذكر يا محمد لأولئك المعرضين المكذبين وقت ندائه تعالى موسى ﵇ من جانب الطور الأيمن، وأمره له بالذهاب إلى أولئك القوم الظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي، والظالمين لبني إسرائيل باستعبادهم وذبح أبنائهم، قوم فرعون ذي الجبروت والطغيان والعتوّ والبهتان؛ ليكون لهم في ذلك عبرة، لو تذكروا فيرعووا عن غيهم، ويثوبوا إلى رشدهم حتى لا يحيق بهم ما حاق بأولئك المكذبين من قبلهم؛ إذ ابتلعهم اليمّ، وأغرقوا جميعًا، ولا شك أن الأمر بذكر الوقت إنما هو ذكر لما جرى فيه من القصة كما أشرنا إليه آنفًا.
١١ - ثم اتبع ذكر إرساله ﵇ بإنذارهم وتسجيل الظلم عليهم، وتعجيب موسى من حالهم التي بلغت غاية الشناعة، ومن أمنهم العواقب، وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله تعالى، فقال: ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾؛ أي: قال الله سبحانه لموسى: ألا يتقي هؤلاء القوم ربهم، ويحذرون عاقبة بغيهم وكفرهم به. وهذا (٢) استئناف لا محل له من الإعراب. و ﴿أَلَا﴾: حرف تحضيض على الفعل؛ أعني: التقوى، أتبعه إرساله إليهم إنذارًا لهم، وتعجيبًا من غلوهم في الظلم وإفراطهم في العدوان؛ أي: ألا يخافون الله، ويصرفون عن أنفسهم عقابهم بالإيمان والطاعة. وقيل: المعنى: قل لهم: ألا تتقون. وجاء بالياء التحتية؛ لأنهم غيبٌ وقت الخطاب.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿أَلَا يَتَّقُونَ﴾ بالياء على الغيبة، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وشقيق بن سلمة وحماد بن سلمة وأبو قلابة وعبيد بن دمير وأبو حازم بتاء الخطاب على طريقة الالتفات إليهم إنكارًا وغضبًا عليهم وإن لم يكونوا حاضرين؛ لأنه مبلغهم ذلك ومكافحهم، قال ابن عطية: معناه: قل لهم، فجمع في هذه العبارة من المعاني نفي التقوى عنهم، وأمرهم بالتقوى اهـ.
стр. 8934
١٢ - ﴿قَالَ﴾؛ أي: موسى إظهارًا لعجزه، وطلبًا للمعونة، وهذا (١) استئناف بياني، أنه قيل: فماذا قال موسى؟ فقيل: قال موسى تضرعًا إلى الله تعالى يا ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ﴾ والخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة ﴿أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾؛ أي: أن ينكروا نبوتي وما أقول من أول الأمر. قال بعضهم: خوفه كان شفقة عليهم، وأصله يكذبوني، فحذفت ياء المتكلم استغناء بكسر نون الوقاية، ومثلها (٢): ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾، ﴿سَيَهْدِينِ﴾، ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨]، ﴿وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩]، ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٠٨]، ﴿كَذَّبُونِ﴾ [الشعراء: ١١٧]، فهذه ثمان آيات أثبت الياء في جميعها يعقوب في الحالين.
١٣ - ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ معطوفان على ﴿أَخَافُ﴾؛ أي: يضيق صدري لتكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بتأدية الرسالة، واللسان: الجارحة وقوّتها. قال تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ يعني من قوة لساني، فإن العقدة لم تكن في الجارحة، وإنما كانت في قوّتها التي هي النطق بها كما في "المفردات"، والمراد هنا القوّة التي هي النطق.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿وَيَضِيقُ﴾ و ﴿لا ينطلق﴾ بالرفع فيهما عطفًا على ﴿أَخَافُ﴾، فالمعنى: أنه يفيد ثلاث علل: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، أو على الاستئناف، وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى وزيد بن علي وأبو حيوة وزائدة عن الأعمش ويعقوب بنصبهما عطفًا على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، فيكون التكذيب وما بعده يتعلق بالخوف، قال الفرّاء: كلا القراءتين له وجه، قال النحاس: الوجه الرفع؛ لأن النصب عطف على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، وهذا بعيد اهـ. وحكى أبو عمرو الداني عن الأعرج أنه قرأ بنصب ﴿وَيَضِيقُ﴾ ورفع ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ﴾، وعدم انطلاق اللسان هو بما يحصل من الخوف وضيق الصدر؛ لأن اللسان إذ
стр. 8935
ذاك يتلجلج، ولا يكاد يبين عن مقصود الإنسان. وقال ابن عطية: وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ محررة، فإذا كان هذا في وقت ضيق الصدر لم ينطلق اللسان.
ومعنى الآية: أي (١) قال موسى: رب إني أخاف تكذيبهم إياي، فيضيق صدري تأثرًا منه، ولا ينطلق لساني بأداء الرسالة، بل يتلجلج بسبب ذلك كما يرى كثيرًا من ذوي اللسن والبلاغة إذا اشتدّ بهم الغمّ، وضاق منهم الصدر. تلجلجت ألسنتهم حتى لا تكاد تبين عن مقصدهم.
وفي هذا (٢): تمهيد العذر في استدعاء عون له على الامتثال وإقامة الدعوة على أتم وجه، فإن ما ذكر ربما أوجب الإخلال بالدعوة، وعدم إلزام الحجة، ومن ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ﴾ جبريل ﴿إِلَى﴾ أخي ﴿هَارُونَ﴾ ليكون رسولًا مصاحبًا لي في دعوة فرعون وقومه، فإنه أفصح منى لسانًا، وكان هارون إذ ذاك بمصر، وموسى في المناجاة في الطور.
١٤ - ثم ذكر سببًا آخر في الحاجة إلى طلب العون، وهو خوفه أن يقتل قبل تبليغ الرساله، فقال: ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أي: لقوم فرعون ﴿عَلَيَّ﴾؛ أي: بذمتي ﴿ذَنْبٌ﴾؛ أي: جزاء ذنب وموجبه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمراد به: قتل القبطي الذي هو خبّاز فرعون بالوكزة التي وكزها دفعًا عن القبطي، وإنما سماه ذنبًا على زعمهم ﴿فَأَخَافُ﴾ إن أتيتهم وحدي ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بمقابلته قبل أداء الرسالة كما ينبغي، فيفوت المقصود من الرسالة، وأما هارون فليس له هذا الذنب، وفيه دليل على أن الخوف قد يحصل مع الأنبياء فضلًا عن الفضلاء.
قال بعضهم (٣): ليس بعجب طريان خوف الطبيعة وصفات البشرية على الأنبياء، فالقلب ثابت على المعرفة. واعلم أن هذا وما قبله ليس تعللًا وتوقفًا من جانب موسى، وتركًا للمسارعة إلى الامتثال، بل هو استدفاع للبلية المتوقعة قبل
стр. 8936
وقوعها، واستظهار في أمر الدعوة، وحقيقته: أن موسى ﵇ أظهر التلوين من نفسه ليجد التمكين من ربه وقد أمنه الله،
١٥ - وأزال عنه كل كلفة حيث ﴿قَالَ﴾ تعالى ﴿كَلَّا﴾؛ أي: ارتع عما تظن يا موسى، فإنهم لا يقدرون على قتلك به؛ لأني لا أسلطهم عليك، بل أسلطك عليهم ﴿فَاذْهَبَا﴾؛ أي: اذهبب أنت والذي طلبت وهو هارون، فالخطاب إليهما على تغليب الحاضر، وفي ضمن هذا الجواب دليل على إجابة موسى إلى ما طلبه من ضم أخيه إليه؛ أي: إذهبا ولا تخافا من القبط حال كونكما متلبسين ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التسع التي هي دلائل القدرة، وحجة النبوة، وهو رمز إلى دفع ما يخافه ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ تعليل للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما بضمان كمال الحفظ والنصرة، وأجراهما مجرى الجمع حيث قال: ﴿مَعَكُمْ﴾؛ لكون الاثنين أقل الجمع على ما ذهب إليه بعض الأئمة، أو لكونه أراد موسى وهارون وفرعون وقومه، فمع موسى وهارون بالنصر والعون، ومع فرعون بالقهر والكسر، أو لكون المراد هما مع بني إسرائيل. و ﴿مَعَكُمْ﴾ خبر أول لـ ﴿إن﴾ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾؛ خبر ثان لها، أو هو الخبر وحده، و ﴿مَعَكُمْ﴾ ظرف لغو متعلق به، وحقيقة الاستماع طلب السمع بالإصغاء، وهو تعالى منزه عن ذلك، فاستعير للمسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات من غير إصغاء.
والمعنى: سامعون لما يجري بينكما وبينه، فأظهركما عليه. مثَّل حاله سبحانه بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة قوم يسمع ما يجري بينهم؛ ليمدّ الأولياء منهم، ويظهرهم على الأعداء مبالغة في الوعد بالإعانة، وجعل الكلام استعارة تمثيلية؛ لكون وجه الشبه هيئة منتزعة من عدة أمور، كما سيأتي في مبحث البلاغة.
١٦ - ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ﴾؛ أي: فائت أنت وأخوك هارون فرعون اللعين؛ وهو (١) الوليد بن مصعب، وكنيته أبو العباس. وقيل: اسمه مغيث، وكنيته أبو مرّة. قيل: إنه عاش أربع مئة وستين سنة. وقيل فوق ذلك ﴿فَقُولَا لَهُ﴾؛ أي: لفرعون ﴿إِنَّا﴾؛ أي: إنّ كل واحد منا ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إليك وإلى قومك. وإفراد الرسول لاتحادهما بسبب الأخوة واتفاقهما على شريعة واحدة، أو لأن المعنى:
стр. 8937
أن كل واحد منا رسول رب العالمين. وعبارة "النسفي" هنا (١): ولم يثنّ الرسول هنا كما ثنّى في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾؛ لأن الرسول يكون بمعنى المرسل، وبمعنى الرسالة، فجعل ثمة بمعنى المرسل، فلم يكن بدّ من تثنيته، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فيستوي في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كقول الشاعر:
لَقَدْ كَذَبَ الْوَاشُوْنَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُوْلِ
أي: برسالة، ولكن لا بد من تقدير مضاف على هذا التأويل، والتقدير: إنّا ذووا رسالة رب العالمين، أو لأنهما لاتحادهما واتفاقهما على شريعة واحدة كأنهما رسول واحد، أو أريد أن كل واحد منا. اهـ انتهت بزيادة من "البيضاوي".
١٧ - و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ مفسرة بمعنى: أي؛ لتضمن (٢) الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، والإرسال هنا التخلية والإطلاق، أي: أطلقهم وخلّ سبيلهم حتى يسيروا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكن آبائهم، وكان فرعون استعبدهم أربع مئة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ست مئة وثلاثين ألفًا، فانطلق موسى من محل المناجاة جبل الطور إلى مصر، وهارون كان بها، فلما تلاقيا ذهبا إلى باب فرعون ليلًا، ودقّ موسى الباب بعصاه، ففزع البوابون، وقالوا: من بالباب؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون، فقال: إن مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فأذن له في الدخول من ساعته - كما قاله السدي - أو ترك حتى أصبح ثم دعاهما، فدخلا عليه، وأدّيا رسالة رب العالمين.
وقال قتادة: إنهما انطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة، حتى قال البوّاب: هاهنا إنسان يزعم أنه رسول رب العالمين، فقال: ائذن له حتى نضحك منه، فأدّيا إليه الرسالة.
وروى وهب وغيره (٣): أنهما لمّا دخلا على فرعون وجداه وقد أخرج
стр. 8938
سباعًا من أسد ونمور وفهود يتفرج عليها، فخاف سوّاسها أن تبطش بموسى وهارون، فأسرعوا إليها، وأسرعت السباع إلى موسى وهارون، فأقبلت تلحس أقدامهما، وتُبصبِصُ إليهما بأذنابها، وتلصق خدودها بفخذيهما، فعجب فرعون من ذلك. فقال: من أنتما؟ قالا: إنا رسول رب العالمين، فعرف موسى؛ لأنه نشأ في بيته، فشتمه،
١٨ - فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى على سبيل الامتنان: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾؛ أي: في منازلنا وحجرنا حالة كونك ﴿وَلِيدًا﴾؛ أي: طفلًا صغيرًا، سمّي الصبي وليدًا لقربه من الولادة، وهو فعيل بمعنى مفعول، والاستفهام فيه للتقرير؛ أي: ألم تكن صغيرًا، فربّيناك في منازلنا وبيوتنا, ولم نقتلك في جملة من قتلنا ﴿وَلَبِثْتَ﴾؛ أي: جلست ﴿فِينَا﴾؛ أي: بيوتنا ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾ حال من ﴿سِنِينَ﴾؛ أي: جلست في بيوتنا سنين من عمرك وحياتك، وأنعمنا عليك ردحًا من الزمن، ثم تقابل الإحسان بكفران النعمة، وتواجهنا بمثل تلك المقالة، فمتى هذا الذي تدّعيه.
روي (١): أنه لبث فيهم ثماني عشرة سنة، وقيل: ثلاثين سنة، ثم خرج إلى مدين وأقام بها عشر سنين، ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله تعالى ثلاثين سنة، ثم بقي بعد الغرق خمسين سنة، فيكون عمر موسى مئة وعشرين سنة. قال الراغب: العمر اسم لمدة عمارة البدن بالحياة قليلة أو كثيرة كما سيأتي.
وقرأ أبو عمرو في رواية: ﴿من عمرك﴾ بإسكان الميم.
١٩ - ثم قرر بقتل القبطي، فقال: ﴿وَفَعَلْتَ﴾ يا موسى ﴿فَعْلَتَكَ﴾ القبيحة ﴿الَّتِي فَعَلْتَ﴾ ببعض خواصي. والفعلة - بالفتح - المرة الواحدة. يعني: قتل القبطي الذي كان خباز فرعون، واسمه: فاتون.
وبعدما عدد نعمته عليه من تربيته وتبليغه مبلغ الرجال .. نبهه بما جرى عليه من قتل خبازه وعظمه. قال ابن الشيخ: تعظيم تلك الفعلة يستفاد من عدم التصريح باسمها الخاص، فإن تنكير الشيء وإبهامه قد يقصد به التعظيم، وقوله:
стр. 8939
﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حال من إحدى التاءين؛ أي: والحال أنك من المنكرين لنعمتي، والجاحدين لحق تربيتي، حيث عمدت إلى رجل من خواصي، والمعنى: فجازيتنا على أن ربيناك أن كفرت نعمتنا، وقتلت منا نفسًا.
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَعْلَتَكَ﴾ - بفتح الفاء - إذ كانت وكزة واحدة، وقرأ الشعبي بكسر الفاء يريد الهيئة؛ لأن الوكزة نوع من القتل.
وخلاصة ما سلف (٢): أنه عدد نعماءه عليه أولًا من تربيته وإبلاغه مبلغ الرجال، ثم بتوبيخه بما جرى على يديه من قتل خبازه، وهو من خواصه، وهو بهذا أيضًا يكون قد كفر نعمته وجحد فضله،
٢٠ - فأجاب موسى عن الأمر الثاني، وترك أمر التربية؛ لأنها معلومة مشهورة، ولا دخل لها في توجيه الرسالة، فإن الرسول إذا كان معه حجة ظاهرة على رسالته تقدم بها إلى المرسل إليهم سواء أكانوا أنعموا عليه أم لم ينعموا ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿فَعَلْتُهَا﴾؛ أي: تلك الفعلة ﴿إِذًا﴾؛ أي: حين فعلت، وهو حرف جواب فقط؛ لأن ملاحظة المجازاة هاهنا بعيدة؛ أي: قال موسى مجيبًا لفرعون: فعلت هذه الفعلة التي ذكرت، وهي قتل القبطي وأنا إذ ذاك ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: من الجاهلين بأن وكزتي تأتي على نفسه، فإني إنما تعمدت الوكز للتأديب، لا القتل، فأدى ذلك إلى القتل. وقيل: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾ عن طريق الصواب، وقيل: من المخطئين.
وقرىء (٣): ﴿من الجاهلين﴾ والمعني: من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه، أو من المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله، أو من الذاهلين عما يؤول إليه الوكز؛ لأنه أراد به التأديب، أو الناسين، نظير قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾. وقيل: المعنى: من الضالين عما أتاني الله بعدها من العلم والرسالة، وربأ بمحل النبوة عن تلك الصفة التي أطلقها عليه فرعون، وهي قوله له: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، فقال: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾؛ أي: من المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل.
стр. 8940
٢١ - ﴿فَفَرَرْتُ﴾؛ أي: ذهبت من بيتكم هاربًا ﴿مِنْكُمْ﴾ إلى مدين حذرًا على نفسي ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ أن تصيبوني بمضرة، وتؤاخذوني بما لا أستحقه بجنايتي من العقاب؛ لأني قتلت القتيل خطأ، وأنا ابن اثنتي عشرة سنة مع كونه كافرًا، وروي عن حمزة: ﴿لما خفتكم﴾ - بكسر اللام، وبما المصدرية - أي: لتخوفي منكم، وقرأ الجمهور بتشديد الميم ظرفًا بمعنى حين.
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي﴾ حين رجعت من مدين ﴿حُكْمًا﴾؛ أي: علمًا وفهمًا، أو نبوةً، وقال الزجاج: المراد بالحكم تعليمه التوراة التي فيها حكم الله ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إليكم بعد تلك الفعلة. وفي "فتح الرحمن" ﴿حُكْمًا﴾؛ أي: نبوة، ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ درجة ثانية للنبوة، فرب نبي ليس برسول، وقرأ عيسى: ﴿حُكُمًا﴾ - بضم الكاف - والجمهور بالإسكان، والحكم: النبوة.
والمعنى: أي فخرجت هاربًا منكم حين توقعت مكروهًا يصيبني حين قيل لي: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ فوهب لي ربي علمًا بالأشياء على وجه الصواب، وجعلني من المرسلين من قبله لهداية عباده، وإرشادهم إلى النجاة من العذاب.
وخلاصة ما قال (١): إن القتل الذي توبخني به لم يكن مقصودًا لي، بل كنت أريد بوكزه التأديب فحسب، فلا أستحق التخويف الذي أوجب فراري، وإن أنتم أسأتم إلى فقد أحسن إلى ربي فوهب لي فهم الأمور على حقائقها، وجعلني من زمرة عباده المخلصين.
٢٢ - ثم بين له أنه وإن أسدى النعمة إليه فقد أساء إلى شعبه عامة، فقال: ﴿وَتِلْكَ﴾؛ أي: التربية المدلول عليها بقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾؛ أي: تمن بها عليّ ظاهرًا، وهي في الحقيقة ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾؛ أي: وسبب (٢) تلك النعمة في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل، وقصدك إياهم بذبح أبنائهم؛ أي: فإن السبب في وقوعي عندك، وحصولي في تربيتك تعبيدك بني إسرائيل، يعني:
стр. 8941
لو لم يفعل فرعون ذلك؛ أي: قهر بني إسرائيل وذبح أبناءهم .. لتكفلت أم موسى بتربيته، ولما قذفته في اليم، حتى يصل إلى فرعون، ويربى بتربيته، فكيف يمتن عليه بما كان بلاؤه سببًا له، فقوله: ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، و ﴿نِعْمَةٌ﴾: خبرها، و ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾: صفة، و ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: وهي في الحقيقة تعبيد قومى، يقال: عبدته إذا أخذته وقهرته وذللته.
رد موسى ﵇ أولًا ما وبخه فرعون قدحًا في نبوته، ثم يرجع إلى ما عده عليه نعمة، ولم يصرح برده حيث كان صدقًا غير قادح في دعواه، بل نبه على أن ذلك كان في الحقيقة نقمة لكونه مسببًا عنها، وهي تعبيد بني إسرائيل وذبح أبنائهم.
وقرأ الضحاك (١): ﴿وتلك نعمة ما لك أن تمنها﴾، وهذه قراءة تؤيد هذا التأويل، وهذا التأويل فيه مخالفة لفرعون، ونقض كلامه كله. وقيل: هذا الكلام إقرار من موسى ﵇ بالنعمة، كأنه يقول: وتربيتك لي نعمة علي من حيث أن عبدت غيري، وتركتني واتخذتني ولدًا, ولكن لا يدفع ذلك رسالتي، وإلى هذا التأويل ذهب السدي والطبري. وقيل: الكلام على تقدير (٢) همزة الاستفهام الإنكاري، والمعنى: أتمن علي أن ربيتني، وتنسى جنايتك على بني إسرائيل بالاستعباد والمعاملات القبيحة، أو يريد: كيف تمن علي بالتربية وقد استعبدت قومي، ومن أهين قومه فقد ذل، فتعبيد بني إسرائيل قد أحبط حسناتك إلي؛ ولو لم تستعبدهم، ولم تقتل أولادهم .. لم أرفع إليك حتى تربيني وتكفلني، ولكان من أهلي من يربيني، ولم يلقوني في اليم.
وخلاصة ذلك (٣): أفي إحسانك إلى رجل منهم بما أسألت به إلى مجموعهم؟ فهو ليس بشيء إذا قيس بما فعلته بالشعب أجمع، وكأنه قال: إن هذا ليس بنعمة؛ لأن الواجب عليك أن لا تقتلهم، ولا تستعبدهم، فإنهم قومي،
стр. 8942
فكيف تذكر إحسانك إليّ على الخصوص، وتنسى استعباد الشعب كله.
٢٣ - ولما دخل موسى وهارون على فرعون، وقالا له: إنا رسولا رب العالمين، أرسلنا إليك لهدايتك إلى الحق، وإرشادك إلى طريق الرشد، وغلباه بالحجة .. رجع فرعون إلى معارضة موسى في قوله: ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما بينه سبحانه بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى: إنك تدعي أنك رسول رب العالمين ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿ما﴾: استفهامية؛ أي: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله، وما حقيقته الخاصة، ومن أي جنس هو؟ منكرًا لأن يكون للعالمين رب سواه؛ إذ كان قد قال لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ولم يقل فرعون: ومن رب العالمين؛ لأنه كان منكرًا لوجود الرب، فلا ينكر عليه التعبير بـ ﴿مَا﴾؛ أي (١): يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه، وهو سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه عن الجنسية والماهية،
٢٤ - فلهذا عدل موسى عن جوابه، وأجابه بذكر أفعاله وآثار قدرته التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها، كما بينه سبحانه بقوله: ﴿قَالَ﴾ موسى مجيبًا له بما يصح في وصفه تعالى رب العالمين الذي أرسلني هو سبحانه ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: وما بين النوعين من الهواء؛ أي: هو خالق العالم العلوي، وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات والعالم السفلي، وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات، وما بين ذلك من هواء وطير ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أنه خالقهما، فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا أنه لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من الجواب.
والإيقان (٢): العلم الذي يستفاد بالاستدلال، ولذا لا يقال: الله موقن، فمعنى العلم بالله العلم به من حيث الارتباط بينه وبين الخلق، وإنشاء العالم منه بقدر الطاقة البشرية؛ إذ منه ما لا توفيه الطاقة البشرية، وهو ما وقع فيه الكمَّل في ورطة الحيرة، وأقروا بالعجز عن حق المعرفة. فإن قلت: كيف علق كونه رب
стр. 8943
السموات والأرض يكون فرعون وقومه موقنين، مع أن هذا الشرط منتف والربوبية ثابتة؟
قلت: معناه: إن كنتم موقنين أن السموات والأرض موجودات، وهذا الشرط موجود. أو المعنى (١): إن كنتم موقنين بالأشياء المحققين لها بالنظر الصحيح الذي يؤدّي إلى الإيقان .. علمتم أن العالم عبارة عن كل ما يعلم به الصانع من السموات والأرض وما بينهما، وأن ربها هو الذي خلقها، ورزق من فيها، ودبر أمورها، فهذا تعريفه، وجواب سؤالكم لا غير، والخطاب في ﴿كُنْتُمْ﴾ لفرعون وأشراف قومه الحاضرين؛ وهم القبط.
٢٥ - فلما قال ذلك موسى عجب فرعون من كلام موسى، والتفت إلى الملأ حوله معجبًا لهم من ذلك المقال، ومتحيرًا فيه، كما بيّنه سبحانه بقوله: ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾، من أشراف قومه القبطيين، قال ابن عباس: كانوا خمس مئة رجل، عليهم الأساور التي لا يلبسها إلا السلاطين ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ ما يقول في جوابه، فقد سألته عن حقيقته، وهو يذكر أفعاله وآثاره، أو (٢) لأنهم يزعمون قدمهما، وينكرون حدوثهما، وأن لهما ربًا،
٢٦ - فاحتاج موسى إلى أن يستدل بما شاهدوا حدوثه وفناءه، فاستدل به فـ ﴿قَالَ﴾ موسى - زيادة في البيان، وحطًا له عن مرتبة الربوبية إلى مرتبة المربوبية؛ لأنه كان يدّعي الربوبية -: رب العالمين هو ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين. قيل (٣): إن فرعون كان يدّعي الربوبية على أهل عصره وزمانه، فلم يدع ذلك على من كان قبله، فبين بهذه الآية أن المستحق للربوبية هو رب كل عصر وزمان.
وقد انتقل (٤) بهم موسى من النظر في الآفاق وما فيها من باهر الأدلة إلى النظر في الأنفس وما فيها من عجيب الصنع، فإن التناسل المستمر في النبات
стр. 8944
والحيوان والإنسان وما فيها من العجائب لأوضح دلالة من النظر في الآفاق.
٢٧ - ولما لم يستطع ردًا لما جاء به، وخاف من قومه تأثرًا بما يقول موسى أورد ما يشكك قومه في حسن تقديره للأمور، وفهمه لما يقول، فـ ﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون من سفاته، وصرفًا لقومه عن قبول الحق، مخاطبًا لخاصة قومه، وعليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أي: لا عقل له؛ إذ يقول قولًا لا نعرفه ولا نفهمه، فهو يدعي أن ثمة إلهًا غيري، وسماه رسولًا على السخرية، وأضافه إلى مخاطبيه ترفعًا من أن يكون مرسلًا إلى نفسه.
وقرأ مجاهد وحميد الأعرج: ﴿أَرسل إليكم﴾ بالبناء للفاعل؛ أي: أرسله ربه إليكم.
٢٨ - ثم وصف موسى الإله بأنه خالق الأكوان، ورب الزمان والمكان حيث ﴿قَالَ﴾؛ أي: موسى: رب العالمين هو ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ أي: هو خالق موضع طلوع الشمس وغروبها ووقتهما وما بينهما، فتشاهدون في كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق إلى المغرب على وجه نافع، تنتظم به أمور الكائنات، وكل ذلك أمور حادثة مفتقرة إلى محدث قادر عليم حكيم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ شيئًا من الأشياء، أو من جملة من له عقل وتمييز .. علمتم أن الأمر كما قلته، وأن لا جواب فوقه، واستدللتم بالأثر على المؤثر، وفيه تلويح بأنهم بمعزل من دائرة العقل، متصفون بما رموه بهِ ﵇ من الجنون، فمن كمال ضدّية موسى وفرعون، وكذا القلب والنفس، يعد كل منهما ما يصدر من الآخر من الجنون، والمعنى: إن كنت يا فرعون أنت ومن معك من العقلاء .. عرفت وعرفوا أنه لا جواب لسؤالك إلا ما ذكرت لك.
وقرأ عبد الله وأصحابه والأعمش: ﴿رب المشارق والمغارب﴾ على الجمع فيهما.
فإن قلت (١): ذكر السموات والأرض مستوعب جميع المخلوقات، فما
стр. 8945
فائدة قوله: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾، وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾؟
قلتُ: فائدتهما تمييزهما في الاستدلال على وجود الصانع، أما الأول: فإن أقرب ما للإنسان نفسه وما يشاهده من تغييراته وانتقاله من ابتداء ولادته، وأما الثاني: فلما تضمنه ذكر المشرق والمغرب وما بينهما من بديع الحكمة في تصريف الليل والنهار واختلافهما، وتغيير الفصول بطلوع الشمس من المشرق، وغروبها في المغرب على تقدير مستقيم في فصول السنة.
فإن قلت (١): لمَ قال أولًا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، وقال ثانيًا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟
قلتُ: لاطفهم أولًا بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾، فلما رأى عنادهم وشدة شكيمتهم خاشنهم وأغلظ عليهم في الرد، وعارضهم بمثل مقالهم بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ لأنه أوفق بما قبله من رد نسبة الجنون إليه في قول فرعون: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾.
٢٩ - ولما قامت الحجة على فرعون .. عدل إلى القهر واستعمال القوة، فتوعده بالسجن، ولم يقل: ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك؛ لأن فيه اعترافًا بأن ثم إلهًا غيره، كما بينه سبحانه بقوله: ﴿قَالَ﴾ فرعون لشدة تمرده، وميلًا إلى العقوبة كما يفعله الجبابرة، وعدولًا إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع، وغيظًا على نسبة الربوبية إلى غيره، ولعله (٢) كان دهريًا، أعتقد أن من ملك قطرًا، وتولى أمره بقوة طالعه .. استحق العبادة من أهله، فبألوهيتي وربوبيتي ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ﴾ وجعلت لنفسك ﴿إِلَهًا غَيْرِي﴾؛ أي: معبودًا غيري كما تدعيه ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ اللام فيه للعهد؛ أي: لأجعلنك من الذين عرفت أحوالهم في سجوني، فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا, ولذلك لم يقل: لأسجنك. وعبارة شيخ الإِسلام هنا (٣): فإن قلت: لم عدل إلى هذه العبارة عن قوله: لأسجنك، مع أنه
стр. 8946
أخصر منه؟
قلتُ: عدل إليه لإرادة تعريف العهد؛ أي: لأجعلنك ممن عرفت حالهم في سجني، وكان إذا سجن إنسانًا طرحه في هوة عميقة مظلمة، لا يبصر فيها ولا يسمع، انتهت.
والمعنى: أي: قال له: لأجعلنك في زمرة الذين في سجوني على ما تعلم من فظاعة أحوالها وشديد أهوالها، وكانت سجونه أشد من القتل؛ لأنه إذا سجن أحدًا لم يخرجه حتى يموت، وكان يطرحه في هوة عميقة تحت الأرض وحده، وفي توعده بالسجن ضعف منه؛ لما يروى أنه كان يفزع من موسى فزعًا شديدًا، حتى كان اللعين لا يمسك بوله بعد ذلك.
٣٠ - وحينئذ اضطر موسى أن يترك الأدلة العقلية وراءه ظهريًا، ويلجأ إلى المعجزات وخوارق العادات فـ ﴿قَالَ﴾؛ أي: موسى لفرعون حين توعده بالسجن ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، والواو للحال؛ أي: أتفعل بي ذلك السجن، ولو جئتك بشيء موضح لصدق دعواي، يعني: المعجزة، فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع، والدلالة على صدق مدعي نبوته؛ أي: أتفعل بي ذلك حالة كوني آتيًا بشيء مبين. وجعلها بعضهم للعطف على فعل محذوف؛ أي: أتفعل بي ذلك لو لم أجيء بشيء مبين، ولو جئتك به؛ أي: أتفعل به على كل حال من عدم المجيء والمجيء، وتقدم لنا الكلام على هذه ﴿الواو﴾ الداخلية على لو في مثل هذا السياق في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ فأغنى عن بسطه.
وقال الحوفي (١): واو العطف دخلت عليها همزة الاستفهام للتقرير، والمعنى: أتسجنني حتى في هذه الحالة التي لا تناسب أن أسجن وأنا ملتبس بها، اهـ والمعنى؛ أي: أتفعل هذا ولو جئتك بحجة بينة واضحة على صدق دعواي، وهي المعجزة الدالة على وجود الإله القادر وحكمته، وعلى صدق
стр. 8947
دعوى من ظهرت على يديه.
٣١ - ولما سمع فرعون هذا من موسى .. طمع أن يجد موضع معارضة من موسى فـ ﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون لموسى ﴿فَأْتِ بِهِ﴾؛ أي: بذلك الشيء ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعوى الرسالة، وأن لك برهانًا عليها، وكان (١) في يد موسى عصًا من شجر الآس من الجنة، وكان آدم جاء بها من الجنة، فلما مات قبضها جبريل، ودفعها إلى موسى وقت الرسالة،
٣٢ - فقال موسى لفرعون: ما هذه التي بيدي؟ قال فرعون: هذه عصا ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى من يده ﴿عَصَاهُ﴾ قال ابن عباس: عصا موسى اسمها ماشا. وقيل: نبعة؛ أي: طرح موسى عصاه من يده ﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: تلك العصا ﴿ثُعْبَانٌ﴾؛ أي: حية عظيمة صفراء ذكر ﴿مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر الثعبانية للناظرين بحركاته، وبسائر العلامات، وليس بتمويه كما يفعله السحرة.
وروي: أنها لما صارت حية ارتفعت في السماء قدر ميل، ثم انحطت مقبلة إلى فرعون، فقال: بالذي أرسلك إلا أخذتها، فأخذها موسى، فعادت عصًا كما كانت، ولا تناقض بين قوله هنا: ﴿ثُعْبَانٌ﴾، وبين قوله في موضع آخر: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، وهو الصغير من الحيات؛ لأن خلقها خلق الثعبان العظيم، وحركتها وخفتها كالجان، والحية جنس يشمل الصغير والكبير، كما في قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾.
٣٣ - وروي: أن فرعون لما رأى الآية الأولى قال: فهل لك غيرها؟ فأخرج موسى يده، فقال لفرعون. ما هذه؟ قال فرعون: هذه يدك فما فيها؟ فأدخلها في إبطه، ثم نزعها ﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: تلك اليد ﴿بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ إليها؛ ذات بياض من غير برص، تضيء الوادي من شدة بياضها, لها شعاع كشعاع الشمس، كاد يغشي الأبصار وسد الأفق، تعجب الناظرين إليها.
стр. 8948
٣٤ - ولما رأى فرعون هذه الحجج بادر بالتكذيب والعناد، وذكر لأشراف قومه أمورًا ثلاثة:
١ - ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِلْمَلَإِ﴾؛ أي: لأشراف قومه حال كونه مستقرين ﴿حَوْلَهُ﴾ فهو ظرف وضع موضع الحال، وحول الشيء جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه وينقلب كما سيأتي ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الرجل يعني موسى ﴿لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: فائق في علم السحر، والسحر تخيلات لا حقيقة لها، فالساحر المحتال المخيل بما لا حقيقة له.
فإن قلت: أسند القول هنا إلى فرعون حيث قال: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ﴾ وأسند في سورة الأعراف إلى الملأ حيث قال: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ فبين الآيتين معارضة، فما وجه الجمع بينهما؟
قلتُ: وجه الجمع بينهما أن فرعون قاله للحاضرين عنده، والحاضرون قالوه للغائبين عنه، فنظر هنا إلى قوله للحاضرين، وهناك إلى قول الحاضرين للغائبين، فبهذا يزول الإشكال. كما في "كشف الأسرار".
والمعنى: أي قال فرعون لرؤساء دولته وأشراف قومه الذين حوله ليروج عليهم بطلان ما يدعيه موسى: إن هذا الرجل لبارع في السحر، حاذق في الشعوذة، ومراده من هذا: أن ما ظهر على يديه إنما هو من قبيل السحر، لا من وادي المعجزات،
٣٥ - ثم هيجهم وحرضهم على مخالفته، والكفر به، والتنفير منه بقوله:
٢ - ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾؛ أي: من أرض مصر، ويتغلب عليكم ﴿بِسِحْرِهِ﴾؛ أي: يريد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا السحر، فيكثر أعوانه وأتباعه، ويغلبكم على دولتكم، فيأخذ البلاد منكم.
٣ - ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾؛ أي: فماذا تشيرون به علي في دفعه ومنعه، أو فأي شيء تأمرونني به في شأنه؟ قهره سلطان المعجزة، وحيره حتى حطه عن دعوى الربوبية إلى مقام مشاورة عبيده بعدما كان مستقلًا بالرأي والتدبير، وأظهر
стр. 8949
استشعار الخوف من استيلائه على ملكه. ونسبة الإخراج والأرض إليهم لأجل تنفيرهم عن موسى
٣٦ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملأ لفرعون ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾؛ أي: أخر أمر موسى وأخيه هارون حتى تنظر، ولا تعجل بقتلهما قبل أن يظهر كذبهما، حتى لا يسيء عبيدك الظن بك، وتصير معذورًا في القتل. من أرجأته إذا أخرته. وقيل: المعنى: احبسهما.
وقرأ قالون: ﴿أَرْجِهْ﴾ بغير همز، وباختلاس كسر الهاء، وورش والكسائي بإشباع كسرة الهاء، وابن كثير وهشام بالهمزة الساكنة وبصلة الهاء المضمومة، أبو عمرو بضم الهاء مع الاختلاس، وابن ذكوان بالهمز وكسر الهاء مع الاختلاس، وعاصم وحمزة بغير همز وإسكان الهاء.
﴿وَابْعَثْ﴾؛ أي: وأرسل ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾؛ أي: في الأمصار والبلدان وأقطار مملكتكم، وفي "فتح الرحمن": هي مدائن الصعيد من نواحي مصر ﴿حَاشِرِينَ﴾؛ أي: شُرَطًا يحشرون الناس، ويجمعونهم إليك. فـ ﴿حَاشِرِينَ﴾: صفة لموصوف محذوف هو مفعول ﴿ابعث﴾ كما قدرنا. والشُرَط - بضم أوله وفتح ثانيه - جمع شُرْطة - بالضم وسكون الراء وفتحها -، وهم طائفة من أعوان الولاة معروفة كما في "القاموس"، والشَّرط - بالفتح - العلامة، ومنه سمى الشرط, لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.
٣٧ - وذلك لظنهم أن السحرة إذا كثرت غلبوا موسى ﵇ وكشفوا حاله ﴿يَأْتُوكَ﴾؛ أي: الحاشرون ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾؛ أي: بليغ في صناعة السحر ﴿عَلِيمٍ﴾؛ أي: فائق في معرفتها، يعارضوا موسى بمثل سحره، بل يفضلوا عليه، ويتضح للعامة كذبه، فتقتله حينئذ، وهذا تدبير النفس وإلقاء الشيطان في دفع الحق الصريح، وكل تدبير هكذا في كل عمر فصاحبه مدمَّر البتة، وإنما يجيء خبث القول والفعل لمن خبث النفس؛ إذ كل إناء يترشح بما فيه، ولو ترك فرعون وقومه التدبير في أمر موسى، وقابلوه بالقبول .. لسلموا من كل آفة، لكن منعهم حب الجاه عن الانتباه، وحبك الشيء يعمي ويصم.
وقرأ الأعمش وعاصم في رواية: ﴿بكل ساحر﴾، وأمال ﴿سحار﴾ ابن
стр. 8950
عامر والكسائي وأبو عمرو.
ومعنى الآية: أي (١) قالوا له: أخر البت في أمرهما، ولا تعاجلهما بالعقوبة، حتى تجمع لهما من مدائن مملكتك وأقاليم دولتك كل سحار عليم، ثم تقابلهم به وجهًا لوجه، ويأتون من ضروب السحر ما يستطيعون به التغلب عليه، فتكون قد قابلت الحجة بالحجة، وقرعت الدليل بمثله، ويكون لك النصر والتأييد عليه، وتجتذب قلوب الشعب إليك.
وقد كان هذا من تسخير الله تعالى له؛ ليجتمع الناس في صعيد واحد، وتظهر آيات الله تعالى وحججه للناس في وضح النهار جهرة. روي أن فرعون أراد قتله، فقال له الملأ: لا تفعل فإنك إن قتلته أدخلت على الناس شبهة في أمره، وأشاروا عليه بإنفاذ حاشرين يجمعون له كل سحار عليم ظنًا منهم أنهم إذا كثروا غلبوه على أمره، وتم لفرعون الغلب فأخذ بمشورتهم وأجابهم إلى طلبتهم.
الإعراب
﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾.
﴿طسم (١)﴾: خبر لمبتدأ محذوف إن قلنا: إنه علم للسورة، تقديره: هذه طسَمَ؛ أي: سورة اسمها طسَمَ، والخبر مرفوع بالمبتدأ، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الأخير، منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف، والجملة مستأنفة استئنافًا نحويًا لا محل لها من الإعراب، وتقدمت فيه أوجه أخرى في مبحث التفسير فراجعها. ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: خبر ومضاف إليه. ﴿الْمُبِينِ﴾: صفة لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا. ﴿لَعَلَّكَ﴾: لعل حرف نصب
стр. 8951
وترجّ وإشفاق، و ﴿الكاف﴾: ضمير المخاطب في محل النصب اسمها. ﴿بَاخِعٌ﴾: خبرها. ﴿نَفْسَكَ﴾: مفعول به لـ ﴿بَاخِعٌ﴾، وجملة ﴿لعل﴾ مستأنفة. ﴿أَلَّا﴾ ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَكُونُوا﴾: فعل ناقص، واسمه منصوب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ خبره، وجملة يكون مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بإضافة المصدر المحذوف إليه المنصوب على أنه مفعول لأجله، تقديره: لعلك باخع نفسك خيفة عدم إيمانهم بهذا الكاتب، وبما جئت به من ربك. ﴿إِن﴾: حرف شرط جازم. ﴿نَشَأْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بـ ﴿إِن﴾ على كونه فعل شرط لها، ومفعول المشيئة محذوف تقديره: إيمانهم. ﴿نُنَزِّلْ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله مجزوم بـ ﴿إِن﴾ الشرطية على كونه جوابًا لها. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿نُنَزِّلْ﴾. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: حال من ﴿آيَةً﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿آيَةً﴾: مفعول به لـ ﴿نُنَزِّلْ﴾، وجملة ﴿إِن﴾ الشرطية مستأنفة مسوقة لتعليل الأمر بإشفاقه على نفسه من الاسترسال في التحسّر والغم على عدم إيمانهم. ﴿فَظَلَّتْ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ظلت﴾: فعل ماضٍ ناقص من أخوات كان. ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾: اسمها. ﴿لَهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَاضِعِينَ﴾، و ﴿خَاضِعِينَ﴾: خبر ﴿ظلت﴾، وجملة ﴿ظلت﴾ معطوفة على جملة ﴿نُنَزِّلْ﴾، وهي بمعنى فتظل أعناقهم.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَأْتِيهِمْ﴾: فعل مضارع ومفعول به. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿ذِكْرٍ﴾: فاعل مرفوع بضمة مقدرة. ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾: جار ومجرور صفة أولى لـ ﴿ذِكْرٍ﴾. ﴿مُحْدَثٍ﴾: صفة ثانية له، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إن﴾ الشرطية، أو مستأنفة. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ من أعم الأحوال. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿عَنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُعْرِضِينَ﴾. ﴿مُعْرِضِينَ﴾: خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب حال من مفعول ﴿يَأْتِيهِمْ﴾، والتقدير: وما يأتيهم من ذكر من الرحمن في حال من الأحوال إلّا
стр. 8952
حالة كونهم معرضين عنه. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا عرفت إعراضهم عن الذكر، وأردت بيان موقفهم بعد الإعراض .. فأقول لك. ﴿قد كذبوا﴾: ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿كَذَّبُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة وجملة ﴿إذا﴾ المقدرة مستأنفة. ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾: ﴿الفاء﴾ حرف عطف وتعقيب، و ﴿السين﴾: حرف تنفيس، ﴿يأتيهم﴾: فعل ومفعول ﴿أَنْبَاءُ مَا﴾: فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿كَذَّبُوا﴾ ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ صلة ﴿مَا﴾ الموصولة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري المضمّن للتعجب، داخلة على محذوف، والواو عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿يَرَوْا﴾: فعل مضارع وفاعل، من رأى البصرية، مجزوم بـ ﴿لم﴾. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾: متعلق بـ ﴿يَرَوْا﴾، وهو في محل المفعول، والجملة الفعلية معطوفة على تلك المحذوفة، والتقدير: أفعل المكذبون من أهل مكة ما فعلوا, ولم يروا إلى الأرض، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾. ﴿أَنْبَتْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿أنبت﴾: فعل ماض مبني على السكون. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿أَنْبَتْنَا﴾. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾: تمييز لـ ﴿كَمْ﴾ الخبرية، و ﴿مِن﴾: زائدة. ﴿كَرِيمٍ﴾: صفة ﴿زَوْجٍ﴾، وجملة ﴿أَنْبَتْنَا﴾ في محل النصب حال من ﴿الْأَرْضِ﴾، والتقدير: ألم يروا إلى الأرض حالة كونها أنبتنا فيها كثيرًا من كل زوج كريم. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب. ﴿فِي ذَلِكَ﴾ جار ومجرور خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَآيَةً﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿آية﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾ مؤخر، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل النصب حال من واو ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾،
стр. 8953
وقيل ﴿كَانَ﴾ زائدة عند سيبويه كما مر. ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إنّ ربك﴾: ناصب واسمه. ﴿لَهُوَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿هو﴾: ضمير فصل. ﴿الْعَزِيزُ﴾: خبر ﴿إِنَّ﴾. ﴿الرَّحِيمُ﴾: خبر ثان لها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة.
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾.
﴿وَإِذْ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ نادى، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿نَادَى رَبُّكَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مُوسَى﴾: مفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾ ﴿أَنِ﴾: مفسرة بمعنى أي، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: بأن. ﴿ائْتِ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود إلى ﴿مُوسَى﴾، مبني على حذف حرف العلة. ﴿الْقَوْمَ﴾: مفعول به. ﴿الظَّالِمِينَ﴾: صفة لـ ﴿الْقَوْمَ﴾، والجملة الفعلية جملة مفسرة لـ ﴿نَادَى﴾ لا محل لها من الإعراب. ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾: بدل من ﴿الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، أو عطف بيان منه، ولعله أولى؛ لأنهما عبارتان تعتقبان على مدلول واحد، ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك .. أتى بعطف البيان لإزالته. ﴿أَلَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التعجبي. ﴿لا﴾: نافية. ﴿يَتَّقُونَ﴾: فعل وفاعل، ومفعول ﴿يَتَّقُونَ﴾: محذوف؛ أي: ألا يتقون عقاب الله، والجملة مستأنفة. وقيل: ﴿أَلَا﴾: حرف تحضيض. وقيل: حرف عرض. وقيل: حرف تنبيه. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء للتخفيف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنِّي﴾: ناصب واسمه. ﴿أَخَافُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾، وجملة ﴿أَخَافُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَن﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿يُكَذِّبُونِ﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿أَنْ﴾، وعلامة نصبه حذف النون، والنون نون الوقاية، وياء المتكلم المحذوفة لرعاية الفواصل في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية، تقديره: إني أخاف تكذيبهم إياي. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾:
стр. 8954
فعل وفاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَخَافُ﴾، فهو مرفوع مثله، ويجوز عطفه على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، فهو منصوب مثله، وقد قرىء به، والفرق بين المعنيين أن الرفع يفيد فيه ثلاث علل أو معاذير، وهو خوف التكذيب وضيق الصدر وامتناع انطلاق اللسان، وأما النصب فيفيد أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة. ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿أَخَافُ﴾، أو على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾. ﴿فَأَرْسِلْ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر تقديره: إذا سمعت اعتذاري إليك، وأردت فعل ما هو الأصلح لهم .. فأقول لك. ﴿أرسل إلى هارون﴾: ﴿أرسل﴾ فعل أمر معناه الالتماس، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿إِلَى هَارُونَ﴾: متعلق بـ ﴿أرسل﴾، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَلَهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لهم﴾ خبر مقدم. ﴿عَلَيَّ﴾: حال من ﴿ذَنْبٌ﴾؛ لأنه صفة نكرة قدمت. ﴿ذَنْبٌ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قَالَ﴾. ﴿فَأَخَافُ﴾: ﴿الفاء﴾: حرف عطف وتفريع، ﴿أخاف﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿أَنْ يَقْتُلُونِ﴾: ناصب وفعل وفاعل ونون وقاية، وياء المتكلم المحذوفة لرعاية الفواصل في محل النصب مفعول به، والجملة في تأويل مصدر منصوب على المفعولية؛ أي: فأخاف قتلهم إياي، وجملة ﴿أخاف﴾ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها مفرّعة عليها.
﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض. ﴿كَلَّا﴾: حرف ردع وزجر نابت عن الفعل، وهو ارتدع يا موسى، ولذلك عطف عليها بالفاء في قوله: ﴿فَاذْهَبَا﴾: فعل أمر مبني على حذف النون، والألف ضمير التثنية في محل الرفع فاعل، والجملة معطوفة على الجملة التي دلت عليها حرف الردع، كأنه قيل: ارتدع عما تظن يا موسى فاذهب أنت وأخوك، وجملة ارتدع مستأنفة. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿اذهبا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿مَعَكُمْ﴾: حال من اسم ﴿إنّ﴾،
стр. 8955
أو متعلق بـ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾، أو خبر ثان لـ ﴿إن﴾ ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾: خبر ﴿إن﴾، ومفعول ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾ محذوف تقديره: مستمعون ما يدور بينكما وبين فرعون وقومه، وجله ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿فَأْتِيَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ائتيا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿فِرْعَوْنَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿اذهبا﴾. ﴿فَقُولَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿قولا﴾: فعل أمر وفاعل معطوف على ﴿ائتيا﴾. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خبره ومضاف إليه، وجملة ﴿إنّ﴾ في محل النصب مقول لـ ﴿قولا﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿أَرْسِلْ﴾: فعل أمر في محل النصب بـ ﴿أَنْ﴾ المصدرية، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، ويجوز أن تكون ﴿أَنْ﴾ مفسرة. ﴿مَعَنَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَرْسِلْ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية صلة ﴿أَنْ﴾ المصدرية، ﴿أَنْ﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف تقديره: فقولا: إنّا رسول رب العالمين بإرسالك معنا بني إسرائيل.
﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَلَمْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري، ﴿لم﴾: حرف نفي وجزم. ﴿نُرَبِّكَ﴾: فعل مضارع ومفعول به مجزوم بـ ﴿لمْ﴾، وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وفاعله ضمير مستتر تقديره: نحن، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فِينَا﴾: متعلق بـ ﴿نُرَبِّكَ﴾. ﴿وَلِيدًا﴾: حال من مفعول ﴿نُرَبِّكَ﴾. ﴿وَلَبِثْتَ﴾: فعل وفاعل. ﴿فِينَا﴾: متعلق بـ ﴿لبثت﴾. ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾: حال من ﴿سِنِينَ﴾. و ﴿سِنِينَ﴾: ظرف متعلق بـ ﴿لبثت﴾ أيضًا، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة الاستفهام على كونها مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَفَعَلْتَ﴾: فعل وفاعل معطوف على الجملة التي قبلها. ﴿فَعْلَتَكَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، أو مفعول مطلق. ﴿الَّتِي﴾: صفة لـ ﴿فَعْلَتَكَ﴾، وجملة ﴿فَعَلْتَ﴾ صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فعلتها. ﴿وَأَنْتَ﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل
стр. 8956
﴿فَعَلْتَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَعَلْتُهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب مهملة لا عمل لها. ﴿وَأَنَا﴾: مبتدأ. ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾: خبر، والجملة في محل النصب حال من فاعل ﴿فَعَلْتُهَا﴾؛ أي: من الضالين عما أتاني الله بعدها من الرسالة والعلم.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾.
﴿فَفَرَرْتُ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿فررت﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿فررت﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿فَعَلْتُهَا﴾. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين في محل النصب مبني على السكون، والظرف متعلق بـ ﴿فررت﴾، وقال سيبويه: إنها رابطة. ﴿خِفْتُكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿فَوَهَبَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿وهب﴾: فعل ماض. ﴿لِي﴾: متعلق به. ﴿رَبِّي﴾: فاعل ومضاف إليه. ﴿حُكْمًا﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿فررت﴾. ﴿وَجَعَلَنِي﴾: فعل وفاعل مستتر ونون وقاية ومفعول به أول معطوف على ﴿وهب﴾. ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿وَتِلْكَ﴾: مبتدأ. ﴿نِعْمَةٌ﴾: خبر، والجملة مستأنفة. ﴿تَمُنُّهَا﴾: فعل وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ومفعول به. ﴿عَلَيَّ﴾: متعلق به، والجملة في محل الرفع صفة لـ ﴿نِعْمَةٌ﴾. ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر. ﴿عَبَّدْتَ﴾: فعل وفاعل في محل النصب بـ ﴿أَن﴾ المصدرية. ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في تأويل مصدر مرفوع على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره: سببها تعبيدك بني إسرائيل، والجملة من المبتدأ المحذوف وخبره في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿نِعْمَةٌ﴾ و ﴿تمن﴾ يتعدى بالباء، فقيل: هي محذوفة؛ أي: تمنُّ بها، وقيل: ضمِّن تمنُّ فمعنى تذكر كما في "السمين".
وفي "السمين": قوله: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾ فيه سبعة أوجه:
أحدها: أنه في محل رفع عطف بيان لـ ﴿تِلْكَ﴾، موضح له، فتلك إشارة إلى
стр. 8957
شيء مبهم، وقد وضّح وبيّن بقوله: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ﴾، نظير قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ﴾.
والثاني: أنه في محل نصب مفعولًا من أجله.
والثالث: أنه بدل من ﴿نِعْمَةٌ﴾.
والرابع: أنه بدل من الهاء في ﴿تَمُنُّهَا﴾.
والخامس: أنه مجرور بباء مقدرة؛ أي: بأن عبّدت.
والسادس: أنه خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي.
والسابع: أنه منصوب بإضمار أعني.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾.
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة تعطف قول فرعون على قول موسى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو زائدة، أو استئنافية. ﴿مَا﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ. ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وإنما عبر بما؛ لأنه سأل عن صفاته وأفعاله، ولو أراد عينه .. لقال: ومن رب العالمين. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو رب السموات، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿السَّمَاوَاتِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف عليه. ﴿وَمَا﴾: معطوفة على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾: فعل ناقص واسمه وخبره في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن كنتم موقنين هذا الجواب، فهو كاف لكم في جواب سؤالكم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
стр. 8958
﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿حَوْلَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه صلة ﴿من﴾ الموصولة ﴿أَلَا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التعجبي، ﴿لا﴾: نافية، أو ﴿أَلَا﴾: حرف عرض، أو تحضيض. ﴿تَسْتَمِعُونَ﴾: فعل وفاعل ومفعول محذوف تقديره: جوابه الذي لا يطابق السؤال، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّكُمْ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو ربكم، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَرَبُّ﴾: معطوف على ﴿رَبُّكُمْ﴾. ﴿آبَائِكُمُ﴾: مضاف إليه. ﴿الْأَوَّلِينَ﴾: صفة لـ ﴿آبَائِكُمُ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾: ناصب واسمه. ﴿الَّذِي﴾: صفة لـ ﴿رَسُولَكُمُ﴾. ﴿أُرْسِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ضمير يعود على الموصول. ﴿إِلَيْكُمْ﴾: متعلق به، والجملة صلة الموصول. ﴿لَمَجْنُونٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء زحلقت إلى خبر ﴿إنَّ﴾ ﴿مجنون﴾: خبر ﴿إنَّ﴾، والجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿رَبُّ﴾: خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو رب، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿الْمَشْرِقِ﴾: مضاف إليه. ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾: معطوف على ﴿الْمَشْرِقِ﴾. ﴿وَمَا﴾: معطوف على ﴿الْمَشْرِقِ﴾. ﴿بَيْنَهُمَا﴾: ظرف ومضاف إليه صلة لـ ﴿ما﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿تَعْقِلُونَ﴾ خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف تقديره: إن كنتم تعقلون علمتم أن الأمر كما قلته، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب
стр. 8959
مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لَئِنِ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿اتَّخَذْتَ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها. ﴿إِلَهًا﴾: مفعول به. ﴿غَيْرِي﴾: صفة له، أو ﴿غَيْرِي﴾: مفعول أول ﴿إِلَهًا﴾: مفعول ثان قدّمه اعتناء به، والتقدير: لئن اتخذت غيري إلهًا. ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى، ﴿أجعلنك﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول أول، ونون توكيد في محل الرفع لتجرده من الناصب والجازم مبني على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾: جار ومجرور في محل المفعول الثاني لجعل، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، وجواب الشرط محذوف تقديره: أسجنك، وجملة الشرط في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها معترضة بين القسم وجوابه.
﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجملة مستأنفة. ﴿أَوَلَوْ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف تقديره: أتفعل ذلك. والواو: حالية، ﴿لو﴾: حرف شرط. ﴿جِئْتُكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول. ﴿بِشَيْءٍ﴾: متعلق بـ ﴿جِئْتُكَ﴾. ﴿مُبِينٍ﴾: صفة، وجواب ﴿لو﴾ الشرطية محذوف تقديره: ولو جئتك بشيء مبين تسجنني، وجملة ﴿لو﴾ الشرطية في محل النصب حال من مفعول الفعل المحذوف الداخل عليه همزة الاستفهام، والتقدير: أتسجنني حالة كوني جائيًا بشيء مبين على صدقي، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنُ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿فَأْتِ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت توعدي لك بالسجن، وأردت بيان ما هو المخلص لك .. فأقول لك:
стр. 8960
ائت. ﴿ائت﴾: فعل أمر، فاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾ مبني على حذف حرف العلة. ﴿بِهِ﴾: جار ومجرور متعلق به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنتَ﴾: فعل ناقص واسمه، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنَ الصَّادِقِينَ﴾: خبر كان، وجواب الشرط محذوف تقديره: إن كنت من الصادقين فائت به، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾.
﴿فَأَلْقَى﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت ما قاله فرعون لموسى، وأردت بيان ما فعله موسى فأقول لك: ألقى عصاه. ﴿ألقى﴾: فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَى﴾. ﴿عَصَاهُ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إذا﴾: فجائية، حرف لا محل لها من الإعراب. ﴿هِيَ ثُعْبَانٌ﴾: مبتدأ وخبر ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿ثُعْبَانٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿ألقى﴾. ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾: فعل ومفعول وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَى﴾، والجمله معطوفة على جملة ﴿ألقى﴾. ﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿إذا﴾: فجائية. ﴿هِيَ بَيْضَاءُ﴾: مبتدأ وخبر. ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾: جار ومجرور صفة لـ ﴿بَيْضَاءُ﴾، تقديره: بيضاء معجبة للناظرين، والجملة الاسمية معطوفة على جملة ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾، والجملة مستأنفة. ﴿لِلْمَلَإِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿حَوْلَهُ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بمحذوف حال من ﴿الملأ﴾؛ أي: حالة كونهم كائنين حوله. ﴿إِنَّ هَذَا﴾: ناصب واسمه. ﴿لَسَاحِرٌ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿لَسَاحِرٌ﴾: خبر ﴿إن﴾. ﴿عَلِيمٌ﴾: صفة لـ ﴿ساحر﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾.
стр. 8961
﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾.
﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَي﴾، والجملة في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿ساحر﴾. ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾: ناصب وفعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَي﴾ ومفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجَكُمْ﴾. ﴿بِسِحْرِهِ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريد إخراجه إياكم من أرضكم بسحره، وهذه الجملة بيت كامل من مجزوء الرجز، وليس شعرًا لانتفاء القصد. ﴿فَمَاذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر. ﴿تَأْمُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فما الذي تأمرونني به، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قَالَ﴾، أو ﴿فَمَاذَا﴾ اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول لـ ﴿تَأْمُرُونَ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ هَذَا﴾.
﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾.
﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَرْجِهْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ومفعول به مبني على حذف حرف العلة؛ وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها؛ لأنه من أرجيت. ﴿وَأَخَاهُ﴾: معطوف على ضمير المفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَابْعَثْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ معطوف على ﴿أَرْجِهْ﴾. ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: متعلق بـ ﴿وَابْعَثْ﴾. ﴿حَاشِرِينَ﴾: مفعول به. ﴿يَأْتُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف النون. ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَأْتُوكَ﴾. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ﴿سَحَّارٍ﴾.
стр. 8962
التصريف ومفردات اللغة
﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ لعل هنا للاستفهام الذي يراد به الإنكار، وقال العسكري: إنها للنهي، ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾؛ أي: مهلكها من شدة الحزن، قال ذو الرمة.
ألاَ أَيُّهَا الباخِعُ الوُجْدِ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتَهُ عن يديهِ المَقَادِيرُ
وأصل البخع: أن يبلغ بالذبح البخاع، وذلك أقصى حد الذبح، والبخاع - بكسر الباء -: عرق في الصلب غير النخاع - بالنون مثلثة - فإنه الخيط الذي في جوف الفقار، ينحدر من الدماغ، ويتشعب منه شعب في الجسم. وفي "المصباح": وبخع نفسه بخعا من باب نفع قتلها من وجد أو غيظ، وبخع لي بالحق بخوعًا انقاد وبذله.
﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ والأعناق: الجماعة، يقال: جاءت أعناق الناس؛ أي: جماعة منهم. ﴿ذِكْرٍ﴾؛ أي: موعظة. ﴿أَنْبَاءُ﴾ والمراد بالأنباء: ما سيحل بهم من العذاب. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والكريم من كل شيء مرضيه ومحموده، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم مرضي في معانيه وفوائده، وفارس كريم مرضي في شجاعته وبأسه.
﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ والمناداة والنداء: رفع الصوت، وأصله من الندى؛ وهو الرطوبة، واستعارته للصوت من حيث إنّ من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه، ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ أمر من الأتيان، والإتيان: المجيء بسهولة. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ والخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة.
﴿مُسْتَمِعُونَ﴾؛ أي: سامعون، والفرق بين السماع والاستماع أن السماع وكذا السمع مطلق إدراك الحروف والأصوات، فيوصف به سبحانه، والاستماع طلب السمع بالإصغاء بالأذن، وهو محال عليه تعالى؛ لأن سمعه ليس بالجارحة.
стр. 8963
﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ والإرسال هاهنا: التخلية والإطلاق، كما تقول: أرسلت الكلب إلى الصيد؛ أي: خلّهم وشأنهم ليذهبوا إلى أرض الشام مسكن آبائهم.
﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾ والعمر - بضمتين - مصدر عمر؛ أي: عاش وحيي، قال الراغب: العمر: اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، قليلة كانت أو كثيرة.
﴿فَعْلَتَكَ﴾ الفعلة - بالفتح -: المرّة الواحدة، والفِعلة - بالكسر - الهيئة، كما قال ابن مالك:
لِمَرَّةٍ فَعْلَةٌ، وَفِعْلَةٌ وَضَعُوْا ... لِهَيْئَةٍ غَالِبًا، كَمِشْيَةِ الْخُيَلاَ
﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يقال: ضل فلان الطريق أخطأه؛ أي: ضللت طريق الصواب وأخطأته من غير تعمّد، كمن رمى سهمًا إلى طائر وأصاب آدميًا، وذلك لأن مراد موسى كان تأديبه، لا قتله.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾؛ أي: ذهبت من بينكم إلى مدين، وهو من المضاعف اللازم، يجب كسر عين مضارعة، كما قال ابن مالك:
ذَا الْوَاوَ فَاءً أَوِ الْيَا عَيْنًا أَوْ كَأتَى ... كَذَا الْمُضَاعَفُ لاَزِمًا كَحَنَّ طَلاَ
تقول: فرّ يفرّ فرارًا، ودبّ يدبّ دبيبًا، وحنّ يحنّ حنينًا.
﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يقال: عبّدته إذا أخذته عبدًا وقهرته وذللته.
﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ والرب: المربي والمتكفل لمصلحة الموجودات، والعالم اسم لما سوى الله تعالى من الجواهر والأعراض، سمّي عالمًا؛ لأنه علامة على وجود صانعه وخالقه.
﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ والجنون: مرض حائل بين النفس والعقل، كما في "المفردات".
﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾؛ أي: من المحبوسين عندي، وفي "المصباح": سجنته
стр. 8964
سجنًا - من باب قتل - حبسته، والسِجن - بالكسر -: الحبس، والجمع سجون مثل حمل وحمول، اهـ.
﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ والإلقاء: طرح الشيء حيث تلقاه وتراه، ثم صار في التعارف اسمًا لكل طرح.
﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر الثعبانية حقيقة، لا متخيلًا بالسحر، كما تفعله السحرة، والثعبان أعظم الحيات، وهو مشتق من ثعب بمعنى جرى لجريه بسرعة من غير رجل، كأنه ماء سائل، وأما كونه من ثعبت الماء فانثعب إذا فجرته فانفجر، وإن كان مآله ذلك فليس بمراد، اهـ "شهاب"، والثعبان يطلق على الذكر والأنثى، ويجمع على ثعابين. ﴿بَيْضَاءُ﴾؛ أي: ذات بياض ونور من غير برص. ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ وحول الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه وينقلب، والملأ جماعة يجتمعون على رأي يملؤون العيون رواء، والنفوس جلالة وبهاء. ﴿لَسَاحِرٌ﴾ والسحر: تخيلات لا حقيقة لها، فالساحر المحتال المخيل بما لا حقيقة له. ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: من المؤامرة، لا من الأمر؛ وهي المشاورة، وقيل للتشاور: ائتمار؛ لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به.
﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخّرته، ومنه المرجئة، وهما لغتان، أي أخر أمرهما, ولا تباغتهما بالقتل خيفة الفتنة قبل أن يظهر كذبهما.
﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: جمع مدينة؛ أي: في الأمصار والبلدان، وأقطار مملكتك.
﴿حَاشِرِينَ﴾؛ أي: شرطًا يحشرون الناس ويجمعونهم.
﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ ولما قال فرعون أولًا: إن هذا لساحر عليم عارضوا بقولهم: بكل سحار عليم، فجاء بكلمة الاستغراق والبناء الذي للمبالغة؛ لينفسوا عنه بعض ما لحقه من الكرب، ذكره أبو حيان.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
стр. 8965
فمنها: الكناية اللطيفة في قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾؛ لأنه كناية عن الذل والهوان الذي يلحقهم بعد العز والكبرياء.
ومنها: المجاز العقلي في إسناد الخضوع للأعناق، فقد يقال: كيف صح مجيء خاضعين خبرًا عن الأعناق، والخضوع من خصائص العقلاء، وقد كان أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين؟ والسر في ذلك أنه لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء .. قيل: خاضعين، كما تقدم في قوله: ﴿لِي سَاجِدِينَ﴾، وههنا أقوال أخرى أوصلها علماء البيان إلى سبعة نلخصها فيما يلي:
١ - المراد الرؤساء، كما قيل: لهم وجوه وصدور، يقال لهم: أعناق.
٢ - أنه على حذف مضاف؛ أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل الحذف مراعاة للمحذوف.
٣ - أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة.
٤ - أن الأعناق جمع عنق من الناس؛ وهم الجماعة، يقال: جاءنا عنق من الناس؛ أي: فوج، وليس المراد الجارحة المعلومة.
٥ - إقحام الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله.
٦ - ما ذكرناه من أنها عوملت معاملة العقلاء لما أسند إليها ما يكون عادة من أفعال العقلاء على طريق المجاز العقلي.
٧ - أنه لما أضاف الأعناق إلى المذكورين، وكانت الأعناق متصلة بهم في الخلقة والتكوين .. أجرى عليها حكمهم.
ومنها: التتميم في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ حيث جمع بين ﴿كَمْ﴾ و ﴿كُلِّ﴾، مع إغناء أحدهما عن الآخر، وضابط التتميم أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه في ذاته أو في