← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.

стр. 8961

﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾. ﴿يُرِيدُ﴾: فعل مضارع، وفاعله ضمير يعود على ﴿مُوسَي﴾، والجملة في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿ساحر﴾. ﴿أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾: ناصب وفعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على ﴿مُوسَي﴾ ومفعول به. ﴿مِنْ أَرْضِكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُخْرِجَكُمْ﴾. ﴿بِسِحْرِهِ﴾: متعلق به أيضًا، والجملة الفعلية في تأويل مصدر منصوب على المفعولية تقديره: يريد إخراجه إياكم من أرضكم بسحره، وهذه الجملة بيت كامل من مجزوء الرجز، وليس شعرًا لانتفاء القصد. ﴿فَمَاذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿ذا﴾: اسم موصول بمعنى الذي في محل الرفع خبر. ﴿تَأْمُرُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف تقديره: فما الذي تأمرونني به، والجملة من المبتدأ والخبر في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ على كونها مقولا لـ ﴿قَالَ﴾، أو ﴿فَمَاذَا﴾ اسم استفهام مركب في محل النصب مفعول لـ ﴿تَأْمُرُونَ﴾، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿إِنَّ هَذَا﴾. ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَرْجِهْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ ومفعول به مبني على حذف حرف العلة؛ وهي الياء، والكسرة قبلها دليل عليها؛ لأنه من أرجيت. ﴿وَأَخَاهُ﴾: معطوف على ضمير المفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿وَابْعَثْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على ﴿فِرْعَوْنَ﴾ معطوف على ﴿أَرْجِهْ﴾. ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: متعلق بـ ﴿وَابْعَثْ﴾. ﴿حَاشِرِينَ﴾: مفعول به. ﴿يَأْتُوكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به مجزوم بالطلب السابق، وعلامة جزمه حذف النون. ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿يَأْتُوكَ﴾. ﴿عَلِيمٍ﴾: صفة ﴿سَحَّارٍ﴾.

стр. 8962

التصريف ومفردات اللغة ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ لعل هنا للاستفهام الذي يراد به الإنكار، وقال العسكري: إنها للنهي، ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾؛ أي: مهلكها من شدة الحزن، قال ذو الرمة. ألاَ أَيُّهَا الباخِعُ الوُجْدِ نَفْسَهُ ... لِشَيْءٍ نَحَتَهُ عن يديهِ المَقَادِيرُ وأصل البخع: أن يبلغ بالذبح البخاع، وذلك أقصى حد الذبح، والبخاع - بكسر الباء -: عرق في الصلب غير النخاع - بالنون مثلثة - فإنه الخيط الذي في جوف الفقار، ينحدر من الدماغ، ويتشعب منه شعب في الجسم. وفي "المصباح": وبخع نفسه بخعا من باب نفع قتلها من وجد أو غيظ، وبخع لي بالحق بخوعًا انقاد وبذله. ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ والأعناق: الجماعة، يقال: جاءت أعناق الناس؛ أي: جماعة منهم. ﴿ذِكْرٍ﴾؛ أي: موعظة. ﴿أَنْبَاءُ﴾ والمراد بالأنباء: ما سيحل بهم من العذاب. ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والكريم من كل شيء مرضيه ومحموده، يقال: وجه كريم؛ أي: مرضي في حسنه وجماله، وكتاب كريم مرضي في معانيه وفوائده، وفارس كريم مرضي في شجاعته وبأسه. ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ والمناداة والنداء: رفع الصوت، وأصله من الندى؛ وهو الرطوبة، واستعارته للصوت من حيث إنّ من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه، ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ أمر من الأتيان، والإتيان: المجيء بسهولة. ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ والخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة، كما أن الرجاء والطمع توقع محبوب عن أمارة مظنونة أو معلومة. ﴿مُسْتَمِعُونَ﴾؛ أي: سامعون، والفرق بين السماع والاستماع أن السماع وكذا السمع مطلق إدراك الحروف والأصوات، فيوصف به سبحانه، والاستماع طلب السمع بالإصغاء بالأذن، وهو محال عليه تعالى؛ لأن سمعه ليس بالجارحة.

стр. 8963

﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ والإرسال هاهنا: التخلية والإطلاق، كما تقول: أرسلت الكلب إلى الصيد؛ أي: خلّهم وشأنهم ليذهبوا إلى أرض الشام مسكن آبائهم. ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾ والعمر - بضمتين - مصدر عمر؛ أي: عاش وحيي، قال الراغب: العمر: اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، قليلة كانت أو كثيرة. ﴿فَعْلَتَكَ﴾ الفعلة - بالفتح -: المرّة الواحدة، والفِعلة - بالكسر - الهيئة، كما قال ابن مالك: لِمَرَّةٍ فَعْلَةٌ، وَفِعْلَةٌ وَضَعُوْا ... لِهَيْئَةٍ غَالِبًا، كَمِشْيَةِ الْخُيَلاَ ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يقال: ضل فلان الطريق أخطأه؛ أي: ضللت طريق الصواب وأخطأته من غير تعمّد، كمن رمى سهمًا إلى طائر وأصاب آدميًا، وذلك لأن مراد موسى كان تأديبه، لا قتله. ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾؛ أي: ذهبت من بينكم إلى مدين، وهو من المضاعف اللازم، يجب كسر عين مضارعة، كما قال ابن مالك: ذَا الْوَاوَ فَاءً أَوِ الْيَا عَيْنًا أَوْ كَأتَى ... كَذَا الْمُضَاعَفُ لاَزِمًا كَحَنَّ طَلاَ تقول: فرّ يفرّ فرارًا، ودبّ يدبّ دبيبًا، وحنّ يحنّ حنينًا. ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يقال: عبّدته إذا أخذته عبدًا وقهرته وذللته. ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ والرب: المربي والمتكفل لمصلحة الموجودات، والعالم اسم لما سوى الله تعالى من الجواهر والأعراض، سمّي عالمًا؛ لأنه علامة على وجود صانعه وخالقه. ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ والجنون: مرض حائل بين النفس والعقل، كما في "المفردات". ﴿مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾؛ أي: من المحبوسين عندي، وفي "المصباح": سجنته

стр. 8964

سجنًا - من باب قتل - حبسته، والسِجن - بالكسر -: الحبس، والجمع سجون مثل حمل وحمول، اهـ. ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ﴾ والإلقاء: طرح الشيء حيث تلقاه وتراه، ثم صار في التعارف اسمًا لكل طرح. ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: ظاهر الثعبانية حقيقة، لا متخيلًا بالسحر، كما تفعله السحرة، والثعبان أعظم الحيات، وهو مشتق من ثعب بمعنى جرى لجريه بسرعة من غير رجل، كأنه ماء سائل، وأما كونه من ثعبت الماء فانثعب إذا فجرته فانفجر، وإن كان مآله ذلك فليس بمراد، اهـ "شهاب"، والثعبان يطلق على الذكر والأنثى، ويجمع على ثعابين. ﴿بَيْضَاءُ﴾؛ أي: ذات بياض ونور من غير برص. ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ وحول الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحول إليه وينقلب، والملأ جماعة يجتمعون على رأي يملؤون العيون رواء، والنفوس جلالة وبهاء. ﴿لَسَاحِرٌ﴾ والسحر: تخيلات لا حقيقة لها، فالساحر المحتال المخيل بما لا حقيقة له. ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾: من المؤامرة، لا من الأمر؛ وهي المشاورة، وقيل للتشاور: ائتمار؛ لقبول بعضهم أمر بعض فيما أشار به. ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخّرته، ومنه المرجئة، وهما لغتان، أي أخر أمرهما, ولا تباغتهما بالقتل خيفة الفتنة قبل أن يظهر كذبهما. ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾: جمع مدينة؛ أي: في الأمصار والبلدان، وأقطار مملكتك. ﴿حَاشِرِينَ﴾؛ أي: شرطًا يحشرون الناس ويجمعونهم. ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ ولما قال فرعون أولًا: إن هذا لساحر عليم عارضوا بقولهم: بكل سحار عليم، فجاء بكلمة الاستغراق والبناء الذي للمبالغة؛ لينفسوا عنه بعض ما لحقه من الكرب، ذكره أبو حيان. البلاغة وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:

стр. 8965

فمنها: الكناية اللطيفة في قوله: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾؛ لأنه كناية عن الذل والهوان الذي يلحقهم بعد العز والكبرياء. ومنها: المجاز العقلي في إسناد الخضوع للأعناق، فقد يقال: كيف صح مجيء خاضعين خبرًا عن الأعناق، والخضوع من خصائص العقلاء، وقد كان أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين؟ والسر في ذلك أنه لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء .. قيل: خاضعين، كما تقدم في قوله: ﴿لِي سَاجِدِينَ﴾، وههنا أقوال أخرى أوصلها علماء البيان إلى سبعة نلخصها فيما يلي: ١ - المراد الرؤساء، كما قيل: لهم وجوه وصدور، يقال لهم: أعناق. ٢ - أنه على حذف مضاف؛ أي: فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل الحذف مراعاة للمحذوف. ٣ - أنه لما أضيف إلى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم، كما يكتسب التأنيث بالإضافة. ٤ - أن الأعناق جمع عنق من الناس؛ وهم الجماعة، يقال: جاءنا عنق من الناس؛ أي: فوج، وليس المراد الجارحة المعلومة. ٥ - إقحام الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. ٦ - ما ذكرناه من أنها عوملت معاملة العقلاء لما أسند إليها ما يكون عادة من أفعال العقلاء على طريق المجاز العقلي. ٧ - أنه لما أضاف الأعناق إلى المذكورين، وكانت الأعناق متصلة بهم في الخلقة والتكوين .. أجرى عليها حكمهم. ومنها: التتميم في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾ حيث جمع بين ﴿كَمْ﴾ و ﴿كُلِّ﴾، مع إغناء أحدهما عن الآخر، وضابط التتميم أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه في ذاته أو في

стр. 8966

صفاته، ولفظه تام، والمقصود من الآية آحاد الأزواج، ولو أسقطت ﴿كلًّا﴾، فقلت: انظروا إلى الأرض كم أنبت الله فيها من الصنف الفلاني .. لكنت مكنيًا عن آحاد ذلك الصنف المشار إليه، فإذا أدخلت كلًّا فقد أديت بذكره آحاد كل صنف، وفائدة الجمع بين ﴿كُلِّ﴾ و ﴿كَمْ﴾ أن ﴿كلًّا﴾ إنما دخلت للإحاطة بأزواج النبات، و ﴿كَمْ﴾ دلت على أن هذا المحاط مفرط بالكثرة، وفي ذلك تنبيه على تمام القدرة وكمالها، وهذا هو مقتضى التتميم الذي تقدمت الإشارة إليه. ومنها: الوعيد والتهديد في قوله: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. ومنها: التوبيخ والإنكار في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ﴾؛ لأن الاستفهام فيه للتوبيخ على تركهم النظر بعين الاعتبار. ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾؛ لأن النداء رفع الصوت مأخوذ من الندى؛ وهو الرطوبة، فاستعيرت للصوت من حيث إن من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه، ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق، ذكره في "روح البيان". ومنها: المقابلة اللطيفة بين قوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ حيث استعار الاستماع الذي هو طلب السمع بالإصغاء بالأذن للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات من غير إصغاء. والمعنى: إنا سامعون لما يجري بينكما وبينه، فأظهركما عليه. مثل حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة قوم يسمع ما يجري بينهم، ليمد الأولياء منهم، ويظهرهم على الأعداء مبالغة في الوعد بالإعانة، وجعل الكلام استعارة تمثيلية؛ لكون وجه الشبه هيئة منتزعة من عدة أمور اهـ "روح". ومنها: جناس الاشتقاق بين ﴿رَسُولُ﴾ و ﴿أَرْسِلْ﴾.

стр. 8967

ومنها: الإبهام في قوله: ﴿فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتل القبطي؛ لإفادة التعظيم والتفخيم، فإن في عدم التصريح باسمها الخاص تعظيم تلك الفعلة، فإن قوله: ﴿الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يذهب فيها الوهم كل مذهب، ويحتمل الكثير من المعاني، وهو كثير شائع في القرآن الكريم. ومنها: الجناس الناقص بين ﴿فَعَلْتَ﴾ و: ﴿فَعْلَتَكَ﴾ فقد اتفقت الحروف فيهما، واختلف الشكل، فصار جناسًا غير تام. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ دل على هذا الحذف السياق، تقديره: فأتيا فرعون فقولا له ذلك، فقال لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾. ومنها: إفادة التعجيب في قوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾، فكأنه قال: استمعوا ما يقول، وتعجبوا منه. ومنها: التخصيص في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بعد التعميم في قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فإنه استوعب به الخلائق كلها، ثم عاد إلى التخصيص بذكرهم وذكر آبائهم. ومنها: التأكيد بـ ﴿إن﴾ واللام واسمية الجملة في قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾؛ لأن السامع متشكك ومتردد. ومنها: الطباق بين ﴿الْمَشْرِقِ﴾ ﴿وَالْمَغْرِبِ﴾ في قوله: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾. ومنها: لام العهد في قوله: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾؛ أي: لأجعلنك من الذين عرفت أحوالهم في سجوني، فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة، ويتركهم حتى يموتوا, ولم يقل: لأسجنك للإشارة إلى أن ذلك ديدنه وعادته. ومنها: الاستغراق والمبالغة في قوله: ﴿بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾؛ لأن كلمة ﴿كل﴾ تفيد الإحاطة والاستغراق، وكلمتي ﴿سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ يفيدان المبالغة؛

стр. 8968

لأنهما من أوزان المبالغة. ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 8969

قال الله سبحانه جلَّ وعلا: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ المناسبة قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر في أول السورة شدة حزنه ﷺ على كفر قومه

стр. 8970

وعدم استجابتهم دعوته، ثم ذكر قصص موسى ﵇ ليكون في ذلك تسلية له، وليعلم أنه ليس ببدع في الرسل، وأن قومه ليسوا بأول الأمم عنادًا واستكبارًا، فقد أتى موسى بباهر المعجزات وعظيم الآيات، ولم يؤمن به من قومه إلا القليل، ولم يؤمن به من المصريين إلّا النذر اليسير .. أردف ذلك بقصص إبراهيم أبي الأنبياء، وخليل الرحمن؛ ليعلم أن حزنه لكفران قومه كان أشد، وآلامه كانت أمضى، فهو كان يرى أن أباه وقومه صائرون إلى النار، وهو ليس بمستطيع إنقاذهم، وقد أكثر حجاجهم حتى حجهم، ولم يجد ذلك فيهم شيئًا، بل ركنوا إلى التقليد بما ورثوه عن الآباء والأجداد، وقد أبان لهم أثناء حجاجه أن أصنامهم لا تغني عنهم شيئًا، فهي لا تسمع دعاءهم ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾، ولو سمعت لم تغن عنهم شيئًا، ثم ذكر لهم صفات الرب الذي ينبغي أن يعبد، وفصلها أتم التفصيل. التفسير وأوجه القراءة ٣٨ - ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ﴾؛ أي: بعث فرعون الشرط في المدائن لجمع السحرة، فجمعوا وهم اثنان وسبعون، أو سبعون ألفًا كما يدل عليه كثرة الحبال والعصي التي خيلوها، وكان اجتماعهم بالإسكندرية على ما رواه الطبري. ﴿لِمِيقَاتِ﴾ وميعاد ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ عندهم. والميقات (١): الوقت المضروب للشيء؛ أي: اجتمعت السحرة في الوقت الذي وقت به موسى، وعين لهم من ساعات يوم معين، وذلك الوقت وقت الضحى من يوم الزينة، وهو يوم عيد لهم، كانوا يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة، روي عن ابن عباس ﵄ أنه وافق يوم السبت في أول يوم من السنة؛ وهو يوم النيروز، وهو أول يوم من فرودين ماه، ومعنى نيروز بلغة القبط: طلع الماء؛ أي: علا ماء النيل، وبلغة العجم نوروز؛ أي: اليوم الجديد، وهو أول السنة المستأنفة عندهم. وإنما وقت لهم موسى وقت الضحى من يوم الزينة في قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ

стр. 8971

يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾، ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار، واختاره فرعون أيضًا، ليظهر كذب موسى بمحضر الجمع العظيم، فكان ما كان. ٣٩ - ﴿وَقِيلَ﴾ من طرف فرعون ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لأهل مصر وغيرهم ممن يمكن حضوره ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ لتنظروا ما يفعل الفريقان، ولمن تكون له الغلبة، وليس المراد بـ ﴿هَلْ﴾ حقيقة الاستفهام بقرينة عدم الجواب، بل المراد بالاستفهام الحث على المبادرة إلى الاجتماع والترجي للغلبة، لا لاتباع السحرة؛ لأنه مقطوع به. والمعنى؛ أي (١): احضروا لتشاهدوا ما يكون من الجانبين ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ في دينهم ﴿إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى، لا لموسى؛ أي: فإنا نرجو أن تكون الغلبة للسحرة، فنتبعهم في دينهم، لا نتبع موسى. قال ابن جرير: ﴿لعل﴾ هنا بمعنى كي. والمراد (٢) باتباع السحرة في دينهم: هو البقاء على ما كانوا عليه؛ لأن دين السحرة إذ ذاك هو دينهم، والمقصود المخالفة لما دعاهم إليه موسى. وقيل (٣): أرادوا بالسحرة موسى وهارون، وقالوا ذلك على طريقة الاستهزاء. والمعنى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ ...﴾ إلخ؛ أي (٤): إن الملأ بعد أن أشاروا على فرعون بتأخير البت في أمر موسى، وبأن من الخير له أن يجمع السحرة؛ ليظهر عند حضورهم فساد قوله .. رضي بما أشاروا به واستقروا عليه، وأحب أن تقع المناظرة في يوم عيد لهم؛ لتكون بمحضر الجمّ الغفير من الناس، ويتم الله نوره، ويظهر الحق على الباطل بلطفه وفضله ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾ حثًا لهم على المبادرة إلى الاجتماع، ومشاهدة ما يكون من الجانبين ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ في ذلك الميقات لتروا ما سيكون في ذلك اليوم المشهود، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وقد طلب أن يكون بمجمع من الناس؛ لئلا يؤمن بموسى أحد منهم، فوقع من موسى الموقع الذي يريده؛ لأنه يعلم أن حجة الله هي الغالبة، وحجة الكافرين هي

стр. 8972

الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين، وقهر للمبطلين ٤٠ - ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾؛ أي: إنا نرجوا أن يكون لهم الغلبة فنتبعهم ونستمر على دينهم، ولا نتبع دين موسى ٤١ - ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ﴾ فرعون ﴿قَالُوا﴾؛ أي: السحرة ﴿لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾؛ أي: جعلًا عظيمًا، أو لجزاء تجزينا به من مال أو جاء، وقيل: أرادوا إن لنا ثوابًا عظيمًا، ثم قيدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى، فقالوا: ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لا موسى، ٤٢ - ووافقهم فرعون على ذلك، و ﴿قَالَ نَعَمْ﴾ نعم ذلك عندي. وقرأ (١) الكسائي ﴿نعم﴾ بكسر العين، وهما لغتان. اهـ "بيضاوي". ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ مع ذلك ﴿إِذًا﴾؛ أي: إذا غلبتم ﴿لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ عندي، تكونون أول من يدخل علي، وآخر من يخرج من عندي. وكان (٢) ذلك من أعظم المراتب عندهم، وهكذا حال أرباب الدنيا في حب قربة السلطان ونحوه، وهو من أعظم المصائب عند العقلاء. ٤٣ - فلما تقابلوا مع موسى ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا﴾؛ أي: اطرحوا ﴿مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾؛ أي: ما أنتم تريدون إلقاءه، لم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه؛ لأن ذلك غير جائز، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلًا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل، قال في "كشف الأسرار": ظاهر الكلام أمر، ومعناه التهاون في الأمر، وترك المبالاة بهم وبأفعالهم، وتهديد لهم. وعبارة "الكرخي": هذا (٣) جواب سؤال صورته: كيف يجوز على النبي المعصوم الأمر بالكفر؟ وحاصل الجواب: أن صيغة الأمر ليست على حقيقتها، بل هي مجاز عن الإذن، فإن قيل: الإذن يستلزم الرضا فيعود الإشكال؟ فالجواب: أن الممتنع هو الرضا في حال كونه مستحسنًا، ولا يلزم ذلك هنا، بل اللازم هو الرضا به للتوسل إلى إبطاله، وهذا عين استقباحه، فليس فيه محظور، اهـ.

стр. 8973

فإن قلت: إن ما هنا يدل على أن البادىء بالكلام هو موسى ﵇، وفي سورة طه: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾، فيدل على أن البادىء هم السحرة، فبين الآيتين معارضة في تعيين البادىء، فبين وجه الجمع بينهما؟ قلتُ: يجمع بينهما يحمل ما هنا على أنه قال لهم: ألقوا، بعد أن قالوا هذا القول، فحينئذ البادىء بالكلام هم السحرة. ٤٤ - ﴿فـ﴾ بعد أن قال لهم موسى ألقوا ﴿أَلْقَوْا حِبَالَهُمْ﴾: جمع حبل ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾: جمع عصا، اثنين وسبعين ألف حبل، واثنتين وسبعين ألف عصا ﴿وَقَالُوا﴾ عند الإلقاء حالفين ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ وعظمته ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ على موسى وهارون. أقسموا (١) بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى من السحر، والقسم بغير الله من أيمان الجاهلية، وفي الحديث: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالطواغيت، ولا تحلفوا إلا بالله إلا وأنتم صادقون". وقال الشوكاني: قولهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ يحتمل وجهين: الأول: أنه قسم، وجوابه: ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، والباء للسببية؛ أي: نغلب بسبب عزته. قال بعضهم (٢): رأوا كثرة تمويهاتهم وقلة العصا، فنظروا إليها بنظر الحقارة، وظنوا غلبة الكثير على القليل، وما علموا أن القليل من الحق يبطل الكثير من الباطل، كما أن قليلًا من النور يمحو كثيرًا من الظلمة، اهـ. قال أبو حيان (٣): وعدلوا عن الخطاب إلى اسم الغيبة، في قولهم: ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ تعظيمًا له، كما يقال للملوك: أمروا بكذا، فيخبر عنه إخبار الغائب، وهذا من نوع أيمان الجاهلية، وقد سلك كثير من المسلمين في الأيمان ما هو

стр. 8974

أشنع من أيمان الجاهلية، لا يرضون بالقسم بالله، ولا يعتدون به، حتى يحلف أحدهم بنعمة السلطان، وبإغاثة شيخه، وبرأس المحلف، فحينئذ يستوثق منه. وقال ابن عطية: بعد أن ذكر أنه قسم قال: والأحسن أن يكون على جهة التعظيم والتبرك باسمه إذ كانوا يعبدونه، كما تقول إذا ابتدأت بعمل شيء: بسم الله وعلى بركة الله، ونحو هذا. والمعنى: أي (١) قال لهم موسى: ألقوا ما تريدون إلقاءه مما يكون حجة لكم على إبطال ما أدعيه من المعجزات، فألقوا ما معهم من الحبال والعصي، وقد كانت مطلية بالزئبق، والعصي مجوفة مملوءة به، وقالوا: بقوة فرعون وجبروته إنا لنحن الغالبون، فلما حميت حرارة الشمس اشتدت حركتها، وصارت كأنها حيات تدب من كل جانب، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم، وجاؤوا بسحر عظيم، وجاء في سورة طه: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾، وقد استفرغوا الوسع، وقاموا بما ظنوا أن فيه الكفاية، بل ما فوقها، وأن النصر قد كتب لهم ٤٥ - ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ﴾ بالأمر الإلهي ﴿فَإِذَا هِيَ﴾؛ أي: عصاه ﴿تَلْقَفُ﴾؛ أي: تبتلع بسرعة. وقرأ حفص: ﴿تَلْقَفُ﴾ بالتخفيف، اهـ. "بيضاوي" ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾؛ أي: ما يقلبونه؛ أي: وحين ألقى موسى عصاه ابتلعت ما كانوا يقلبون ويغيرون صورته وحاله الأولى من الجمادية بتمويههم وتخييل الحبال والعصي أنها حيات تسعى، وجاء في آية أخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾. والمأخوذ عند بعض المحققين (٢): أنها التقفت صور الحيات من حبال السحرة وعصيهم، حتى بدت للناس حبالًا وعصيًا كما هي في نفس الأمر، كما يبطل الخصم بالحق حجة خصمه، فيظهر بطلانها, لا نفس الحبال والعصي كما هو عند الجمهور، وإلا لدخل على السحرة الشبهة في عصا موسى، والتبس عليهم الأمر، فكانوا لم يؤمنوا، وكان الذي جاء به موسى حينئذ من قبيل ما

стр. 8975

جاءت به السحرة، إلا أنه أقوى منهم سحرًا، ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ ﴿تلقف ما صنعوا﴾، وما أفكوا الحبال وما صنعوا العصي بسحرهم، وإنما صنعوا وأفكوا في أعين الناظرين صور الحيات، وهي التي تلقفته عصا موسى، ذكره الإِمام الشعراني في "الكبريت الأحمر". ٤٦ - ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ على وجوههم حالة كونهم ﴿سَاجِدِينَ﴾ لله تعالى؛ أي: ألقوا إثر ما شاهدوا ذلك من غير تردد غير متمالكين، كأن ملقيًا ألقاهم لعلمهم بأن مثل ذلك خارج عن حدود السحر، وأنه أمر إلهي قد ظهر على يده لتصديقه. قال الزمخشري (١): فإن قلت: فاعل الإلقاء ما هو لو صرّح به؟ قلت: هو الله بما خولهم من التوفيق وإيمانهم، أو بما عاينوا من المعجزة الباهرة، انتهى. وفي هذا (٢): دليل على أن التبحر في كل فن نافع، فإن السحرة ما تيقنوا بأن ما فعل موسى معجزهم إلا بمهارتهم في فن السحر، وعلى أن منتهى السحر تمويه وتزوير وتخييل شيء لا حقيقة له، وجه الدلالة أن حقيقة الشيء لو انقلبت إلى حقيقة شيء آخر بالسحر .. لما عدوا انقلاب العصا حية من قبيل المعجزة الخارجة عن حد السحر، ولما خروا ساجدين عند مشاهدته، وقد سبق تفصيل السحر في سورة طه. قال بعضهم: السِّحر: مأخوذ من السَّحر، وهو ما بين الفجر الأول والفجر الثاني، وحقيقته اختلاط الضوء والظلمة، فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح، ولا هو بنهار لعدم طلوع الشمس للأبصار، فكذلك ما فعله السحرة ما هو باطل محقق فيكون عدمًا، فإن العين أدركت أمرًا لا تشك فيه، وما هو حق محض فيكون له وجود في عينه، فإنه ليس هو في نفسه كما تشهد العين ويظنه الرائي. قال الشعراني بعدما نقله: هو كلام نفيس ما سمعنا مثله قط.

стр. 8976

والمعنى: أي فخروا سجدًا لله؛ لأنهم قد علموا أن هذا الذي فعلوه هو منتهى التخييل السحري، فلما ابتلعت الحية ما زوروه أيقنوا أن هذا من قدرة فوق ما عرفوا، وما هو إلا من قوة آتية من السماء لتأييد موسى، وحينئذ خروا سجدًا لله القوي القاهر فوق عباده. ٤٧ - وفي التعبير بالإلقاء إشارة إلى أنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الدهش حتى كأنهم أخذوا فطرحوا، ثم فاهوا بما يجيش في صدورهم، وتنطوي عليه جوانحهم ﴿قَالُوا﴾؛ أي: السحرة، بدل اشتمال من ﴿فَأُلْقِيَ﴾، فلذلك لم يتخلل بينهما عاطف، أو (١) حال بإضمار قد ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي دعا إليه موسى أول ما تكلم مع فرعون، انظر كيف أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء مسلمين مؤمنين، فالمغرور من اعتمد على شيء من أعماله وأقواله وأحواله، ٤٨ - وقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بدل من (٢) ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لدفع توهم إرادة فرعون حيث كان قومه الجهلة يسمونه بذلك، ولو وقفوا على رب العالمين .. لقال فرعون: أنا رب العالمين؛ إياي عنوا، فزادوا ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، فارتفع الإشكال، وفي هذا إيماء إلى عزل فرعون عن الربوبية، وأن سبب إيمانهم ما أجراه الله تعالى على يدي موسى وهارون من المعجزات، وأضافوه سبحانه إليهما؛ لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحال، وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس برب، وأن الرب في الحقيقة هو هذا. وبعد أن حصحص الحق، ووضح الصبح لذي عينين .. لجأ فرعون إلى العناد والمكابرة، وشرع يهدد ويتوعد، ولكن ذلك لم يجد في السحرة شيئًا، ولم يزدهم إلا إيمانًا وتسليمًا إذ كان حجاب الكفرة قد انكشف، واستبان لهم نور الحق وعلمهم ما جهل قومهم، وأن القوة التي تؤيد موسى قوة غيبية، قد أيده الله بها وجعلها دليلًا على صدق ما يدعي. ٤٩ - فلما سمع فرعون ذلك منهم، ورأى سجودهم لله .. ﴿قَالَ﴾؛ أي: فرعون

стр. 8977

للسحرة ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾؛ أي: لموسى، وصدقتم به بصيغة الخبر، ويجوز تقدير همزة الاستفهام كما في الأعراف. وقرأ (١) حمزة والكسائي وأبو بكر وروح: ﴿أأمنتم﴾ بهمزتين أولاهما للاستفهام التقريري المضمن للتهديد ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾؛ أي (٢): بغير إذن لكم من جانبي، كما في قوله تعالى: ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ لا أن إذن الإيمان ممكن أو متوقع، ثم قال مغالطًا للسحرة الذين آمنوا، وموهمًا للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن موسى ﴿لَكَبِيرُكُمُ﴾؛ أي: لعالمكم وأستاذكم ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فعلمكم شيئًا دون شيء، ولذلك غلبكم أو فوادعكم على ما فعلتم وتواطأتم عليه قبل أن تخرجوا إلى هذا الموضع، كما قال في الأعراف: ﴿إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أراد بذلك التلبيس على قومه كيلا يعتقدوا أنهم آمنوا على بصيرة وظهور حق. وإنما (٣) اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحب الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى؛ لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم وان كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة .. فهو فعل كبيرهم ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الرب الذي يدعو إليه موسى، ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله، فقال: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: وبال ما فعلتم، واللام (٤) للتأكيد، لا للقسم، ولا للحال، فلذلك اجتمعت بحرف الاستقبال أجمل ما أوعدهم أولًا للتهويل، ثم فصله، فقال: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾؛ أي: أقسمت لكم بقهري وسلطاني لأقطعن منكم أكفكم وأقدامكم حالة كونها من خلاف؛ أي: متخالفات من كل شق طرفًا، وهو أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، وذلك زمانة من جانبي البدن، كما في "كشف الأسرار". وهو أول من قطع من خلاف وصلب كما في "فتح الرحمن".

стр. 8978

وصيغة التفعيل وهو التقطيع لكثرة الأيدي والأرجل، كما تقول: فتحت الباب، وفتحت الأبواب. وقال بعضهم: من للتعليل؛ أي: من أجل (١) خلاف ظهر منكم، وذلك (٢) لأن القطع المذكور لكونه تخفيفًا للعقوبة، واحترازًا عن تفويت منفعة البطش على الجاني لا يناسب حال فرعون ولما هو بصدده، إلا أن يحمل على حمقه حيث أوعد لهم في موضع التغليظ بما وضع للتخفيف، انتهى. وذلك وهم محض؛ لأنه يدفعه قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ على شاطىء البحر كلكم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ قال في "الكشف"؛ أي: أجمع عليكم التقطيع والصلب، روي أنه علقهم على جذوع النخل حتى ماتوا, ولكن ليس في الآية ما يدل على أن فرعون فعل ذلك أو لم يفعل، وفي الأعراف ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ فأوقع المهلة؛ ليكون هذا التصليب بعذابهم أشد. ويجمع بين ما في الموضعين بجعل ﴿الواو﴾ هنا بمعنى ثم؛ لأن المهلة أغلظ في التعذيب. وحاصل معنى الآية: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ﴾؛ أي (٣): قال لهم فرعون: أتؤمنون به قبل أن تستأذنوني، وقد كان ينبغي أن تفعلوا ذلك، وأن لا تفتاتوا علي، فإني أنا الحاكم المطاع، ثم التمس لايمانهم عذرًا آخر غير انبلاج الحق؛ ليعمي على العامة، ويصرفهم عن وجه الحق، فقال: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، فأنتم فعلتم ذلك عن مواطأة بينكم وبينه، ولا شك أن هذا تضليل لقومه، ومكابرة ظاهرة البطلان، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون هو كبيرهم الذي أفادهم صناعة السحر، ثم توعدهم، فقال: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وَبَال ما فعلتم، وسوء عاقبة ما اجترحتم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ الخ؛ أي: لأقطعن اليد اليمنى من كل منكم، والرجل اليسرى، ثم لأصلبنكم أجمعين بعد ذلك. ٥٠ - فأجابوه غير مكترثين بقوله، ولا عابئين بتهديده بأمرين كل منهما دليل على

стр. 8979

اطمئنان النفس وبرد اليقين: ١ - ﴿قَالُوا﴾؛ أي: السحرة المؤمنون ﴿لَا ضَيْرَ﴾؛ أي: لا ضرر علينا في تنفيذ وعيدك، ولا نبالي به؛ لأن كل حي لا محالة ميت: وَمَنْ لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ مَاتَ بِغَيْرِهِ ... تَعَدَّدَتِ الأسْبَابُ وَالْمَوْتُ وَاحِدُ ونحو ذلك قول علي - كرم الله وجهه -: لا أبالي أوقعت على الموت، أم وقع الموت عليّ ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أي: راجعون فيثيبنا بالصبر على ما فعلت، ويجازينا على الثبات على التوحيد، وفي الآية دلالة على أن للإنسان أن يظهر الحق وإن خاف القتل. والمعنى: أي (١) لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا، فإن ذلك يزول ويذهب، وننقلب بعده إلى ربنا فيعطينا من النعيم الدائم ما لا يحد ولا يوصف، قال الهروي: لا ضير، ولا ضرر، ولا ضرّ بمعنى واحد، وأنشد أبو عبيدة: فَإِنَّكَ لاَ يَضُرُّكَ بَعْدَ حَوْلٍ ... أَظَبْيٌ كَانَ أُمّكَ أَمْ حِمَارُ قال الجوهري: ضاره يضوره ويضيره ضيرًا وضورًا؛ أي: ضره، قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني. ٢ - ٥١ ﴿إِنَّا نَطْمَعُ﴾ ونرجوا ﴿أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا﴾ السالفة من الشرك وغيره، ثم عللوا هذا بقولهم: ﴿أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بفتح همزة ﴿أَن﴾، والجملة في المعنى تعليل ثان لنفي الضير، أو تعليل للعلة المتقدمة كما في "البيضاوي"؛ أي: لأن كنا أول المؤمنين بموسى من أتباع فرعون، أو من أهل المشهد بعد ظهور الآية، وقال الفراء: أول مؤمني زمانهم. وأنكره الزجاج وقال: قد روي أنه آمن معهم ست مئة ألف وسبعون ألفًا؛ وهم الشرذمة القليلون الذين عناهم فرعون بقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾، وأجاز الفراء والكسائي كسر همزة إن على أن يكون مجازاة، والمعنى؛ أي: ولأنا نأمل أن يغفر لنا ربنا ما فعلنا من

стр. 8980

السحر، واعتقدناه من الكفر من أجل أن كنا أول من آمن من الجماعة الذين شهدوا هذا الموقف انقيادًا للحق، وإعراضًا عن زخرف الدنيا وزينتها. وقرأ الجمهور (١): ﴿أن كنا﴾ بفتح الهمزة، وفيه الجزم بإيمانهم، وقرأ أبان بن تغلب وأبو معاذ ﴿إن كنا﴾ - بكسر الهمزة - قال صاحب "اللوامح": على الشرط، وجاز حذف الفاء من الجواب؛ لأنه متقدم، وتقديره: إن كنا أول المؤمنين فإنا نطمع، وحسن الشرط لأنهم لم يتحققوا مآلهم عند الله تعالى من قبول الإيمان. انتهى وهذا التخريج على مذهب الكوفيين وأبي زيد والمبرد حيث يجيزون تقديم جواب الشرط عليه، ومذهب جمهور البصريين أن ذلك لا يجوز، وجواب مثل هذا الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه. وقال البيضاوي (٢): وقرىء ﴿إن كنا﴾: على الشرط لهضم النفس وعدم الثقة بالخاتمة، أو على طريقة المدل بأمره: إن أحسنت إليك فلا تنس حقي اهـ. تنبيه: قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾ قاله هنا بحذف (٣) لام التأكيد، وفي الزخرف قاله بإثباتها ﴿لَمُنْقَلِبُونَ﴾ فإن قلت: فما الفرق بين الموضعين؟ قلت: لأن ما هنا كلام السحرة حين آمنوا, ولا عموم فيه، فناسب عدم التأكيد، وما في الزخرف عام لمن ركب سفينة أو دابة فناسبه التأكيد. قال ابن عطاء (٤): من اتصلت مشاهدته بالحقيقة احتمل معها كل وارد عليه من محبوب أو مكروه، ألا ترى أن السحرة لما صحت مشاهدتهم كيف قالوا: ﴿لَا ضَيْرَ﴾. وكان جعفر ابن عم النبي ﷺ آخذ اللواء في بعض الغزوات بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضده حتى قتل، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة،

стр. 8981

فأثابه الله تعالى بذلك جناحين في الجنة، يطير بهما حيث شاء، ولذلك قيل له: جعفر الطيار، وهكذا شأن من هو صادق في دعواه فليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله تعالى هو المبتلي، لكن هذا العلم إذا لم يكن من مرتبة المشاهدات لا يحصل التخفيف التام، فحال السحرة كانت حال الشهود والجذبة، وكان حال عمر ﵁ حين الإيمان كحال السحرة، وبالجملة أن الإيمان وسيلة الإحسان, فمن سعى في إصلاح حاله في باب الأعمال أوصله الله تعالى إلى ما أوصل إليه أرباب الأحوال، كما قال ﵇: "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم". ٥٢ - ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ بعد ثلاثين سنة ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: بمن آمن معك من بني إسرائيل، والإيحاء: إعلام في خفاء، ويقال: سرى يسري سُرًى إذا سار ليلًا، كما سيأتي في مبحث التصريف، وسماهم عباده؛ لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به، والمعنى (١): وقلنا لموسى بطريق الوحي: يا موسى اذهب ببني إسرائيل بالليل، وسر بهم حتى تنتهي إلى بحر القلزم، فيأتيك هناك أمري فتعمل به، وذلك بعد سنين أقام بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق، ويظهر لهم الآيات، فلم يزيدوا إلا عتوًا وفسادًا وعلم الانتهاء إلى البحر من الوحي؛ إذ من البعيد أن يؤمر بالمسير ليلًا وهو لا يعرف جهة الطريق، ومن قول جبريل حين خرجوا من مصر: موعد ما بيني وبينك يا موسى البحر؛ أي: شط بحر القلزم. تقدم (٢) الخلاف في ﴿أَسْرِ﴾، وأنه قرىء بوصل الهمزة، وبقطعها في سورة هود، وقرأ اليماني: ﴿أن سر﴾ أمر من سار يسير. وجملة قوله: ﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾؛ أي: يتبعكم فرعون وجنوده تعليل للأمر بالإسراء؛ أي: أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر، بل يكونون على أثركم حين تدخلون البحر، فيدخلون مداخلكم، فأطبقه عليهم فأغرقهم.

стр. 8982

ثم (١) إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: إن لنا في هذه الليلة عيدًا، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر. قال القرطبي: فخرج موسى ﵇ ببني إسرائيل سَحرًا، فترك الطريق إلى الشام على يساره، وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق، فيقول: هكذا أمرت، ٥٣ - فلما أصبح فرعون، وعلم بسري موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر، وقوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم، ووصف قوم نفسه بصفة المدح، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ حين أخبر بمسيرهم في الليل ﴿فِي الْمَدَائِنِ﴾؛ أي: في مدائن مصر وبلدانها ﴿حَاشِرِينَ﴾؛ أي: شرطًا جامعين للعساكر ليتبعوهم. قيل: كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية، ٥٤ - وقال لهم حين جمع عساكر المدائن ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: بني إسرائيل ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾؛ أي: لطائفة قليلة، وكانوا ست مئة ألف مقاتل، ليس فيهم من دون عشرين سنة، ولا من يبلغ ستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم؛ إذ روي أنه أرسل في أثرهم ألف ألف ملك وخمسة آلاف ملك إلخ. وخمس مئة ألف ملك مسور، ومع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبع مئة ألف رجل على حصان وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث. وروي أن فرعون خرج على حصان أدهم، وفي عسكره على لون فرسه ثلاث مئة ألف، والشرذمة الطائفة القليلة. وقال: قليلون دون قليلة باعتبار أنهم أسباط، كل سبط منهم سبط قليل ٥٥ - ﴿وَإِنَّهُمْ﴾؛ أي: وإن بني إسرائيل ﴿لَنَا لَغَائِظُونَ﴾؛ أي: لفاعلون ما يغيظنا ويغضبنا بمخالفتهم ديننا، وذهابهم بأموالنا التي استعاروها أن لهم عيدًا في هذه الليلة، وخروجهم من أرضنا بغير إذن منا، وهم منخرطون في سلك عبادنا ٥٦ - ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾؛ أي: لجماعة متيقظون غير مغفلين، يستعملون الحزم والاحتياط في الأمور.

стр. 8983

يريد أن بني إسرائيل لقلتهم وحقارتهم لا يبالي بهم، ولا يتوقع علوهم وغلبتهم، ولكنهم يفعلون أفعالًا تغيظنا وتضيق بها صدورنا، ونحن جمع وقوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرة فساده، قاله فرعون لأهل المدائن؛ لئلا يظن به أنه خاف من بني إسرائيل. وقيل: معنى ﴿حَاذِرُونَ﴾؛ أي: خائفون من شرهم. وقيل: ذووا قوة وأداة، شاكون السلاح؛ أي: متسلحون. وقرأ الكوفيون وابن ذكران وزيد بن علي ﴿حَاذِرُونَ﴾ بالألف بعد الحاء؛ أي: شاكون السلاح، وقرأ باقي السبعة ﴿حذرون﴾ بغير ألف؛ أي: متيقظون. وقال الزجاج: مؤدون؛ أي: متسلحون، وقرأ سميط بن عجلان وابن أبي عمار وابن السميقع: ﴿حادرون﴾ بالدال المهملة؛ أي: أقوياء أشداء. فصل في بيان كيفية خروجهم من مصر وقد جاء في سفر الخروج من التوراة في الإصحاح الحادي عشر: إن الرب أمر أن يطلب كل رجل من صاحبه، وكل امرأة من صاحبتها أمتعة ذهب وأمتعة فضة، وأن الله سبحانه سيميت كل بِكْرٍ في أرض مصر من الإنسان والحيوان، وأمرهم أن يذبح أهل كل بيت شاة في اليوم الرابع عشر من شهر الخروج، وأن يلطخوا القائمتين والعتبة العليا من الدار بالدم، وأن يأكلوا اللحم تلك الليلة مشوبًا بالنار مع فطير، وأمرهم أن يأكلوا بعجلة، ويأكلوا الرأس مع الأكارع والجوف، وهذا هو فصح الرب، وهذا الدم علامة على بيوت بني إسرائيل حتى يحفظ كل بكر معهم، ويتخطاهم إلى أبكار المصريين، ويكون أكل الفطير سبعة أيام، ويكون هذا فريضة أبدية تذكارًا بالخروج من مصر من يوم (١٤) من شهر أبيب إلى (٢١) من هذا الشهر كل سنة، وهكذا أمر موسى قومه بذلك، ففعلوا كل هذا، ونجا أولادهم، وصار ذلك سنة أبدية، ولما مات الأبكار من الإنسان والحيوان في جميع بلاد مصر في نصف الليل اشتغل الناس بالأموات، وأخذ بنوا

стр. 8984

إسرائيل غنمهم وبقرهم وعجينهم قبل أن يختمر، ومعاجنهم مصرورة في ثيابهم على أكتافهم، وفعللوا ما أمرهم به الرب، فارتحلوا من رَعْمَسِيس إلى سكوت، وكانوا ست مئة ألف ماشٍ من الرجال ما عدا الأولاد، وخبزوا العجين الذي أخرجوه من مصر خبز ملة، فطيرًا، اهـ. وكانت (١) إقامة بني إسرائيل في مصر (٤٣٠) سنة، وليلة الخروج هي عيد الفصح عندهم إلى الأبد، فلما أسرى بهم موسى، وأخبر فرعون بما صنعوا أرسل في مدائن مصر رجالًا من حرسه ليجمعوا الجند، فيتبعوهم ويردوهم إلى مصر، ويعذبوهم أشد التعذيب على ما فعلوا، ثم قوى فرعون جنده في اقتفاء آثارهم بأمور: ١ - ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾ فيسهل اقتفاؤهم وإرجاعهم، وكبح جماحهم في الزمن الوجيز. ٢ - ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾؛ أي: وإنهم بين آونة وأخرى يصدر منهم ما يخل بالأمن, فيحدثون الشغب والاضطراب في البلاد، إلى أنهم ذهبوا بأموالنا التي استعاروها. ٣ - ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾؛ أي: وإن لنا أن نحذر عاقبة أمرهم قبل أن يستفحل خطبهم، ويصعب رأب صدعهم، ونحن قوم من دأبنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور. وخلاصة مقاله: أنّ هؤلاء عدد لا يعبأ به، وأن في مقدورنا أن نبيدهم بأهون الوسائل، ولا خوف منهم إذا نحن اتبعنا آثارهم، ورددناهم على أعقابهم خاسئين، حتى لا يعودوا كرة أخرى إلى الإخلال بالأمن والهرج والمرج والاضطراب في البلاد، وهذا ما يقتضيه الحزم واليقظة في الأمور. والذي نقول به ونجزم: أن بني إسرائيل كانوا أقل من جند فرعون، لكنا لا

стр. 8985

نجزم بعدد معين، وما في كتب التاريخ والتوراة مبالغات يصعب تصديقها كما ذكرنا, ولا ينبغي التعويل عليها، فخير لنا أن لا نشغل أنفسنا باستقصاء تفاصيلها، وقد فند ابن خلدون في مقدمة تاريخه هذه الروايات، وأبان ما فيها من مغالاة لا يقبلها العقل، ولا تثبت أمام البحث العلمي الصحيح. ٥٧ - وقد جازى الله فرعون وجنوده بما أرادوا أن يجازوا به بني إسرائيل، فأهلكوا جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾؛ أي: (١) فأخرجنا فرعون وقومه بأن خلقنا فيهم داعية الخروج بهذا السبب، فحملتهم عليه، يعني أنهم وإن خرجوا باختيارهم إلا أنه أسند الإخراج إليه تعالى من حيث الخلق المذكور ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾؛ أي: من بساتين كانت ممتدة على حافتي النيل من أسوان إلى رشيد ﴿وَعُيُونٍ﴾ وأنهار جارية من الماء ٥٨ - ﴿وَكُنُوزٍ﴾؛ أي: وأموال ظاهرة من الذهب والفضة ونحوهما. سمّاها كنزًا؛ لأن ما لا يؤدي منه حق الله تعالى فهو كنز، وإن كان ظاهرًا على وجه الأرض، وما أدي منه فليس بكنز، وإن كان تحت سبع أرضين، والكنز: المال المجموع المحفوظ. فائدة: والفرق بين الكنز والركاز والمعدن أن الركاز: المال المركوز؛ أي: المدفون في الأرض مخلوقًا كان أو موضوعًا. والمعدن: ما كان مخلوقًا. والكنز: ما كان موضوعًا. قال في "خريدة العجائب": وفي أرض مصر كنوز كثيرة، ويقال: إن غالب أرضها ذهب مدفون حتى قيل: إنه ما فيها موضع إلا وهو مشغول من الدفائن. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾؛ أي: مجلس حسن. قيل (٢): أراد مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت لهم. قيل: إنه إذا قعد على سريره وضع بين يديه ثلاث مئة كرسي من ذهب، يجلس عليها الأشراف من قومه والأمراء، وعليهم أقبية الديباج مخوصة بالذهب. وقيل: أراد به المنازل الحسنة، وهذا أظهر، ومن ذلك قول الشاعر: وَفَيْهِمْ مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وَجُوْهُهَا ... وَأَنْدِيَةٌ يَنْتَابُهَا الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ

стр. 8986

٥٩ - وقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ إما (١) مصدر تشبيهي لـ ﴿أخرجنا﴾؛ أي: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه، فهو في محل نصب، أو في محل جر صفة لـ ﴿مقام﴾؛ أي: مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، أو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: إخراجنا كذلك؛ أي: كما وصفنا فيهم، أو الأمر كذلك، وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ معطوف على ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ﴾؛ أي: ملكنا تلك الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم بني إسرائيل على طريقة تمليك مال المورث للوارث، كأنهم ملكوها من حين خروج أربابها منها قبل أن يقبضوها ويتسلموها. والمعنى: جعلناهم متملكين لتلك النعيم بعد هلاك فرعون وقومه. وقيل: المعنى؛ أي: وملكنا بني إسرائيل جنات وعيونًا مماثلة لها في أرض الميعاد التى ساروا إليها، وفي هذا بيان أن حالهم تحول من الاستعباد والرق إلى الشرف والنعيم والعيون والمقام الكريم. والمعنى: أي (٢) فأخرجناهم من النعيم إلى الجحيم، وتركوا المنازل العالية، والبساتين والأنهار والأموال والملك والجاه العظيم الذي لم يسمع بمثله، وأورثنا تلك الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم بني إسرائيل ٦٠ - ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾؛ أي: لحق فرعون وقومه موسى وأصحابه حالة كون فرعون وقومه ﴿مُشْرِقِينَ﴾؛ أي: داخلين في وقت شروق الشمس وطلوعها، أو حالة كون موسى وأصحابه داخلين في الشروق، فهو حال إما من الفاعل، أو من المفعول، أو منهما جميعًا؛ لأن الدخول المذكور قائم بهم جميعًا، والمعنى: فجعلوا أنفسهم تابعة لبني إسرائيل وقت شروق الشمس وطلوعها. وقرأ الجمهور: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ بقطع الهمزة؛ أي: جعلوا أنفسهم تابعة. وقرأ الحسن والحارث الديناري بوصلها وتشديد التاء؛ أي: لحقوهم. والخلاصة: أي فخرجوا من مصر في حفل عظيم وجمع كثير من أولي الحل والعقد من الأمراء والوزراء والرؤساء والجند، فوصلوا إليهم حين شروق

стр. 8987

الشمس. ٦١ - ثم ذكر ما عَزَا بني إسرائيل من الخوف حين رؤيتهم فرعون وقومه، فقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾؛ أي: فلما رأى كل من الفريقين صاحبه. وقرأ الجمهور: ﴿تَرَاءَى﴾ بتخفيف الهمزة مثل تراعى، وقرأ ابن وثاب والأعمش: ﴿تراي الجمعان﴾ بغير همز على مذهب التخفيف، وقرأ حمزة: ﴿تريء﴾ بكسر الراء وبمد ثم همز، وروى مثله عن عاصم، وقرىء: ﴿تراءت الفئتان﴾، والصواب قراءة الجمهور؛ لأنه من باب تفاعل؛ أي: فلما رأى أحد الفريقين الآخر ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾؛ أي: ملحقون، قالوا ذلك حين رأوا العدو القوي وراءهم والبحر أمامهم، وساءت ظنونهم؛ أي: إنا لملحقون من ورائنا, ولا طاقة لنا بقوم فرعون، وهذا البحر أمامنا، لا منفذ لنا فيه. قرأ الجمهور (١): ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ بإسكان الدال اسم مفعول من أدرك، ومنه ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾، وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال مشددة وكسر الراء على وزن مفتعلون، وهو لازم بمعنى الفناء، والاضمحلال، يقال منه: أدرك الشيء بنفسه إذا فني تتابعًا، ولذلك كسرت الراء على هذه القراءة. وقال الزمخشري: إن معنى هذه القراءة: إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد، وقال الفراء: معناهما؛ أي: معنى القراءتين واحد. والخلاصة: أنا لمتابعون، وسنهلك على أيديهم، حتى لا يبقى منا أحد؛ لأنا قد انتهى بنا المسير إلى سيف البحر - ساحله -، وقد أدركنا فرعون وجنوده، ٦٢ - فأجابهم موسى وطمأنهم وقوى نفوسهم حيث ﴿قَالَ﴾ موسى ﵇ ﴿كَلَّا﴾؛ أي: ارتدعوا وانزجروا عن ذلك المقال، فإنهم لا يدركونكم فإن الله تعالى وعدكم الخلاص منهم ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بالحفظ والنصر والرعاية والعناية ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أي: سيدلني إلى طريق النجاة منهم البتة. أي: قال موسى لهم: إنه لن يصلكم شيء مما تحذرون، فإن الله هو الذي

стр. 8988

أمرني أن أسير بكم إلى هنا، وهو تعالى لا يخلف وعده، فهو سيهدين إلى طريق النجاة والخلاص وسينصرني عليهم ويتكفل بمعونتي. ٦٣ - روي (١): أن رجلًا مؤمنًا من آل فرعون يكتم إيمانه كان بين يدي موسى ﵇، فقال: يا كليم الله أين أمرت؟ قال هاهنا، فحرك فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحمه البحر، فارتسب في الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك، فلم يقدروا، فأوحى الله إليه بضرب البحر بعصاه، فإذا الرجل واقف على فرسه، ولم يبتل سرجه، ولا لبده، وذلك قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾؛ أي: قلنا له يا موسى اضرب بعصاك البحر. فـ ﴿أَنِ﴾ مفسرة بمعنى أي، و ﴿الْبَحْرَ﴾ (٢): هو بحر القلزم؛ وهو طرف من بحر فارس، والقُلْزُم - بضم القاف وسكون اللام وضم الزاي -: بليدة كانت على ساحل البحر من جهة مصر، بينها وبين مصر نحو ثلاثة أيام، وقد خربت، ويعرف موضعها اليوم بالسويس تجاه عجرود، منزل ينزله الحاج المتوجه من مصر إلى مكة، وبالقرب منها غرق فرعون، وبحر القلزم بحر مظلم وحش، لا خير فيه ظاهرًا وباطنًا، وعلى ساحل هذا البحر مدينة مدين؛ وهي خراب، وبها البئر التى سقى موسى ﵇ منها غنم شعيب، وهي معطلة الآن. و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَانْفَلَقَ﴾ عاطفة على محذوف تقديره: فضربه موسى فانفلق ماء البحر؛ أي: انشق فصار اثني عشر فرقًا بعدد الأسباط بينهن مسالك ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾؛ أي: كل جزء تفرق منه وتقطع ﴿كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾؛ أي: كالجبل المرتفع في السماء الثابت في مقره، فدخلوا في شعاب تلك الفرق، كل سبط في شعب منها، فقال كل سبط: قتل أصحابنا، فعند ذلك دعا موسى ربه، فجعل في تلك الجدران المائية مناظرة كالكوى حتى نظر بعضهم إلى بعض على أرض يابسة. قال الراغب: الطود: الجبلى العظيم، ووصفه بالعظم؛ لكونه فيما بين

стр. 8989

الأطواد عظيمًا، لا لكونه عظيمًا فيما بين سائر الجبال. وحكى (١) يعقوب عن بعض القراءة أنه قرأ: ﴿كل فلق﴾ باللام عوض الراء. قيل: لما انتهى موسى ومن معه إلى البحر هاجت الرياح، فصار البحر يرمي بموج كالجبال، قال يوشع: يا كليم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون من خلفنا، والبحر أمامنا؟ قال موسى: هاهنا، فخاض يوشع الماء لا يواري حافر دابته، وقال الذي يكتم إيمانه من آل فرعون: يا كليم الله أين أمرت؟ قال: هاهنا، فكبح فرسه، فصكه بلجامه حتى طار الزبد من شدقه، ثم أقحمه البحر فارتسب في الماء إلى آخر ما تقدم آنفًا. قيل: دخلوا البحر بالطول وخرجوا في الصفة التي دخلوا منها بعد مسافة، وكان بين موضع الدخول وموضع الخروج أوعار وجبال لا تسلك. ٦٤ - ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾؛ أي: قربنا ﴿ثَمَّ﴾؛ أي: هناك؛ أي: في موضع انفلاق البحر ﴿الْآخَرِينَ﴾؛ أي: فرعون وقومه حتى دخلوا عقب قوم موسى مداخلهم. وعن (٢) عطاء بن السائب أن جبريل ﵇ كان بين بني إسرائيل وبين قوم فرعون، يقول لبني إسرائيل: ليلحق آخركم بأولكم، ويقول للقبط: رويدكم ليلحق آخركم أولكم، فكان بنو إسرائيل يقولون: ما رأينا أحسن سياقة من هذا الرجل، وكان قوم فرعون يقولون: ما رأينا أحسن دعة من هذا الرجل. وقيل المعنى: وقربناهم إلى الموت؛ لأنهم قربوا من أجلهم في ذلك الوقت. وقيل: المعنى: وحبسنا فرعون وقومه في الضبابة عند طلبهم موسى بأن أظلمنا عليهم الدنيا بسحابة وقفت عليهم، فوقفوا حيارى. وقرأ الحسن وأبو حيوة (٣): ﴿وزلفنا﴾: بلا ألف ثلاثيًا، وقرأ أبي وابن عباس وعبد الله بن الحارث: ﴿وأزلقنا﴾ بالقاف بدل الفاء؛ أي: أزللنا وأهلكنا من قولهم: أزلقت الفرس إذا ألقت ولدها.

стр. 8990

والمعنى: أي (١) وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضرب فانفلق، فكان كل قطعة من الماء كالجبل العالي، وصار فيه اثنا عشر طريقًا، لكل سبط منهم طريق، وصار فيه طاقات ينظر منها بعضهم إلى بعض، وبعث الله الريح إلى قعر البحر فلفحته، فصار يبسًا كوجه الأرض، كما قال في آية أخرى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾. ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾؛ أي: وقربنا فرعون وجنوده من البحر، وأدنيناهم منه. ٦٥ - وقوله: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)﴾ قبله محذوف تقديره: ودخل موسى وبنو إسرائيل البحر، وأنجيناهم ومن اتبعهم على دينهم كلهم أجمعين، فلم يهلك منهم أحد؛ أي: أنجيناهم من الغرق بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا إلى البر ٦٦ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾؛ أي: فرعون وقومه بإطباق البحر عليهم، ولم نبق منهم أحدًا. والخلاصة: أنه لما خرج أصحاب موسى، وتتام أصحاب فرعون .. انطبق عليهم البحر، فأغرقهم جميعًا. ٦٧ - ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: إن في جميع ما فصل من قصة موسى وفرعون خصوصًا في الإنجاء والغرق ﴿لَآيَةً﴾؛ أي: لعبرة عظيمة للمعتبرين، وسطوة باهرة من أدل العلامات على قدرة الله سبحانه، وعظيم سلطانه؛ أي: إن في الذي حدث في البحر لعبرة دالة على قدرته تعالى، وعلى صدق موسى ﵇ من حيث كونه معجزة له، وتحذيرًا من الإقدام على مخالفة أمر الله، وأمر رسوله ﷺ ، ثم بين أنهم لم تجدهم الآيات والنذر شيئًا، فقال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾؛ أي: أكثر المصريين وهم قوم فرعون؛ أي: ما كان أكثر هؤلاء الذين مع فرعون ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلا القليل كحزقيل وابنته وآسية امرأة فرعون والعجوز التي دلت على قبر يوسف ﵇ حين الخروج من مصر، واسمها مريم بنت ناموشا, وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بموسى، فإنهم هلكوا

стр. 8991

في البحر جميعًا، بل المراد من كان معه من الأصل، ومن كان متابعًا له ومنتسبًا إليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال. وقال سيبويه: إن ﴿كَانَ﴾ زائدة، وإن المراد الإخبار عن المشركين بعدما سمعوا الموعظة. ٦٨ - ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب المنتقم من أعدائه كفرعون وقومه ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائه كموسى وبني إسرائيل. قال بعضهم: هذا التأويل هو الذي يقتضيه ظاهر السياق، فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ ...﴾ الخ. ذَكر في هذه السورة في ثمانية مواضع: أولها في ذكر النبي ﵇ وقومه كما سبق، وذكر النبي ﵇ وإن لم يتقدم صريحًا فقد تقدم كناية. والثاني في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب، عليهم الصلاة والسلام، فتعقيب القول المذكور بكل قصة من هذه القصص يدل على أن المراد بالأكثر هو من لم يؤمن من قوم كل نبي من الأنبياء المذكورين، وقد ثبت في غير هذه المواضع أيضًا أن أكثر الناس من كل أمة هم الكافرون، فكون كل قصة آية وعبرة إنما يعتبر بالنسبة إلى من شاهد الواقعة، ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، فيدخل فيهم قريش؛ لأنهم سمعوا قصة موسى وفرعون مثلًا من لسان النبي ﷺ ، فكانت آية لهم مع أن بيانها من غير أن يسمعها من أحد آية أخرى موجبة للإيمان، حيث دل على أنه ما كان إلا بطريق الوحي الصادق. وقد رجَّح بعضهم رجوع ضمير ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ إلى قومه ﷺ ، فيكون المعنى أن في ذلك المذكور لآية لأهل الاعتبار، كما في المذكور في أول السورة آية أيضًا، وما كان أكثر هؤلاء الذين يسمعون قصة موسى وفرعون - وهم أهل مكة - مؤمنين لعدم تدبرهم واعتبارهم، فليحذروا عن أن يصيبهم مثل ما أصاب آل فرعون، وإن ربك لهو العزيز الغالب على ما أراد من انتقام المكذبين، الرحيم البالغ في الرحمة، ولذلك يمهلهم ولا يعجل عقوبتهم بعدم إيمانهم بعد مشاهدة هذه الآيات العظيمة بطريق الوحي مع كمال استحقاقهم لذلك. وفي الآية (١): تسلية لرسول الله ﷺ ؛ لأنه كان يغتم قلبه المنير بتكذيب قومه

стр. 8992

مع ظهور المعجزات على يديه، فنبهه بذكر أمثال هذه القصص على أنه له أسوة بموسى وسائر الأنبياء ﵈، فإن ما ظهر على يد موسى من المعجزات التي تبهر العقول لم يمنع من تكذيب القبط له، وكفرهم به مع ما شاهدوه في البحر وغيره، وتكذيب بني إسرائيل، فإنهم بعد أن نجوا عبدوا العجل، وقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة؛ ليقتدي بهم في الصبر على عناد قومه، وفي انتظار الفرج والنصر، كما قيل: اصبروا تظفروا كما ظفروا. وفي قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ بشارة عظيمة لنبينا ﷺ بأن النصر سيكتب له، والظفر سيكون حليفه، كما قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾. فائدة: وأخرج (١) الفريابي بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا: ما يعلم أحد مكان قبره إلا عجوز لبني إسرائيل عاشت من العمر نحو سبع مئة سنة، فأرسل إليها موسى، فقال: دلينا على قبر يوسف، فقالت: لا والله حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها، فأعطاها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء، فقالت لهم: انضبوا عنها الماء، ففعلوا، قالت: احفروا، فحفروا، فاستخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار. قصص إبراهيم ﵇ ٦٩ - قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: واقرأ يا محمد على مشركي العرب، وأخبر أهل مكة ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇؛ أي: خبره العظيم الشأن، معطوف على العامل في قوله: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ وهو (اذكر) المقدر، ٧٠ - وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ إبراهيم منصوب بـ ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾؛ أي: واقرأ عليهم خبر إبراهيم الخليل وقصته

стр. 8993

وقت قوله: ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر، وهو تارخ ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أهل بابل، وهو كصاحب موضع بالعراق، وإليه ينسب السحر ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أي شيء تعبدونه؟ والاستفهام فيه للتقرير المضمن للتوبيخ، سألهم وقد علم أنهم عبدة الأوثان؛ لينبههم على ضلالهم، ويريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، وليلزمهم الحجة. فإن قلت (١): لم قال إبراهيم هنا في السؤال ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾، وقال في الصافات؛ ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ بزيادة (ذا)، فما الفرق بين الموضعين؟ قلتُ: الفرق بينهما أنه لما وقع الجواب منهم هنا بقولهم: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ سألهم بـ ﴿مَا﴾ الموضوعة لمجرد الاستفهام، وهناك لما لم يجيبوه سألهم بـ ﴿ماذا﴾ مبالغة في توبيخهم، ولهذا زاد هناك في التوبيخ، فقال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ فذكر في كل سورة ما يناسب ما ذكر فيها، والله أعلم بأسرار كلامه. والمعنى: أي (٢) واتل يا محمد على أمتك أخبار إبراهيم الخليل إمام الحنفاء؛ ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل على الله وعبادته وحده لا شريك له، والتبري من الشرك، وقد أوتي الرشد من صغره، فهو من حين نشأ وترعرع أنكر على قومه عبادة الأوثان، فقال لأبيه وقومه: ماذا تعبدون؟ وهو مشاهد راء له ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة في شرع ولا عقل، روي أن أصنامهم كانت من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب، ٧١ - فأجابوه إجابة المفتخر بما يفعل المزهو بجميل ما يصنع، كما ذكره بقوله سبحانه: ﴿قَالُوا﴾؛ أي: قال أبوه وقومه ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ وهي اثنان وسبعون صنمًا، جمع صنم، والصنم: ما كان على صورة ابن آدم من حجر أو غيره، كما في "فتح الرحمن" ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾؛ أي: فنقيم على عبادتها طول النهار، وإنما قالوا: ﴿فَنَظَلُّ﴾؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، أو معناه الدوام، وإنما لم يقتصروا على قولهم: ﴿أَصْنَامًا﴾ بل أطنبوا في الجواب بإظهار الفعل وعطف دوام عكوفهم على أصنافهم ابتهاجًا

стр. 8994

وافتخارًا بذلك، وصلة العكوف كلمة على، وإيراد اللام لإفادة معنى زائد، كأنهم قالوا: فنظل لأجلها مقبلين على عبادتها، ومستديرين حولها. وقال أبو الليث: إن إبراهيم ﵇ ولدته أمه في الغار، فلما خرج وكبر دخل المصر، وأراد أن يعلم على أي مذهب هم، وهكذا ينبغي للعاقل إذا دخل بلدة أن يسألهم عن مذهبهم، فإن وجدهم على الاستقامة دخل معهم، وإن وجدهم على غير الاستقامة أنكر عليهم. ٧٢ - فلما قال إبراهيم: ما تعبدون، وقالوا: نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين، وأراد أن يبين عيب فعلهم ﴿قَالَ﴾ إبراهيم، استئناف بياني ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾؛ أي: هل يسمعون دعاءكم؛ أي: هل تسمع تلك الأصنام دعاءكم، فهو على حذف المضاف، فإن ﴿كم﴾ ليس من قبيل المسموعات، والتعبير عنها بالواو بحسب زعمهم، فإنهم كانوا يجرون الأصنام مجرى العقلاء، وقرأ الجمهور: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ بفتح الياء من سمع الثلاثي، وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر بضم الياء وكسر الميم من أسمع الرباعي؛ أي: هل يسمعونكم أصواتهم في الاستجابة لكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾؛ أي: وقت دعائكم إياهم لحوائجكم فيستجيبون لكم، وقرىء بإظهار ذال ﴿إِذْ﴾، وبإدغامها في تاء ﴿تَدْعُونَ﴾ ٧٣ - ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ في معايشكم بسبب عبادتكم لها ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ في معايشكم بتركك لعبادتها؛ إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر. ٧٤ - ﴿قَالُوا﴾ ما رأينا منهم ذلك السمع أو النفع أو الضر ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ﴾: منصوب بقوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ وهو مفعول ثان لـ ﴿وَجَدْنَا﴾؛ أي: وجدناهم يعبدون مثل عبادتنا، فاقتدينا بهم، اعترفوا بأنها بمعزل من السمع والمنفعة والمضرة بالكلية، واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد. والاستفهام في قوله: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ للتقرير؛ أي: فإنها إذا كانت لا تسمع ولا تنفع ولا تضر فلا وجه لعبادتها، فإذا قالوا: نعم هي كذلك أقروا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة لم يجدوا لها جوابًا إلا رجوعهم إلى التقليد

стр. 8995

البحت، وهو أنهم وجدوا آباءهم كذلك؛ أي: يفعلون هذه العبادة لهذه الأصنام مع كونها بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها، وهذا الجواب هو العصي التي يتوكأ عليها كل عاجز، ويمشي بها كل أعرج، ويغتر بها كل مغرور، وينخدع لها كل مخدوع. ٧٥ - وفي الآية: دليل على إبطال التقليد في الدين وذمه، ومدح الأخذ بالاستدلال ﴿قَالَ﴾ إبراهيم متبرئًا من الأصنام ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف. ورأى؛ إما بصرية تتعدى لمفعول واحد، أو علمية بمعنى عرف تتعدى لمفعول واحد أيضًا، والتقدير: أنظرتم فأبصرتم، أو تأملتم فعلمتم ٧٦ - ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾؛ أي: الأولون حق الإبصار، أو حق العلم، فإن الباطل لا ينقلب حقًا بكثرة فاعليه، وكونه دأبًا قديمًا، و ﴿مَا﴾ موصولة عبارة عن الأصنام، ٧٧ - و ﴿الفاء﴾ في: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ تعليلية؛ أي: فأنا لا أعبدها؛ لأنها عدو لي؛ أي: هل تأملتم ما كنتم تعبدونه أنتم وآباؤكم، فعلمتم أنها لا تنفع ولا تضر، ولا تستحق العبادة، وأنا لا أعبدها معكم؛ لأنها عدو لي إلا رب العالمين. وقيل: أرأيتم بمعنى أخبروني؛ أي: أخبروني عن حال ما كنتم تعبدون هل هي تنفع، أو تضر، أم لا، أو أخبروني ما كنتم تعبدون هل هو حقيق بالعبادة أم لا، وهذا استهزاء بعبدة الأوثان. أي: لم تنظروا ولم تقفوا على حالها أنها لا تنفع ولا تضر، ولو وقفتم على حالها ما عبدتموها، فاعلموا أن الأصنام أعداء لعابديهم؛ لما أنهم يتضررون بهم يوم القيامة فوق ما يتضرر الرجل من عدوه، فسمى الأصنام أعداء، وهي جمادات على سبيل الاستعارة، وصور الأمر في نفسه حيث قال: ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ لا لكم تعريضًا لهم، فإنه أنفع في النصح من التصريح، وإشعارًا بأنها نصيحة بدأ بها نفسه ليكون أدعى إلى القبول. وقال الفراء: هو من المقلوب، ومعناه: فإني عدو لهم، فإن من عاديته عاداك، وأفرد العدو؛ لأنه يطلق بلفظه كالصديق على المفرد والمثنى والجمع والمذكر؛ لأنه في الأصل مصدر، أو بمعنى النسب؛ أي: ذووا

стр. 8996

عداوة كتامر لذي تمر. والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: إما (١) منقطع، فالمعنى عليه: فاعلموا أن معبوداتكم عدوّ لي، لا أعبدها, لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو وليي في الدنيا والآخرة، لا يزال يتفضل عليّ بمنافعهما فأعبده، أو متصل، فالمعنى عليه: فإن كل معبود عدوّ لي إلا رب العالمين، فإنه ليس بعدوّي بل هو وليي ومعبودي. والحاصل: أن إبراهيم ﵇ صوّر الأمر في نفسه كما مر آنفًا تعريضًا بهم، فالمعنى: إني تفكرت في أمري، فرأيت عبادتي للأصنام عبادة للعدو؛ لأن من يغري على عبادتها هو الشيطان؛ فإنه أعدى عدو الإنسان، فاجتنَبتها، وأراهم إبراهيم أن تلك الكلمة نصيحة نصح بها نفسه، فإذا تفكروا قالوا: ما نصحنا إبراهيم إلّا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى للقبول، وأبعث إلى الاستماع منه. ومعنى الآية: أي (٢) إن كانت هذه الأصنام لها تأثير كما تدعون، وتستطيع أن تضر وتنفع فتخلص إليّ بالمساءة، فإني عدو لها, لا أبالي بها, ولا آبَهُ بشأنها, ولكن رب العالمين هو وليي في الدنيا والآخرة، ولا يزال متفضلًا علي فيهما. ونحو الآية قول نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾، وقول هود: ﴿إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾. ٧٨ - ثم وصف معبوده رب العالمين الذي يستحق العبادة بأوصاف استحق لأجلها أن يعبد، فقال:

стр. 8997

١ - ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ وصورني من النطفة بالتكوين في القرار المكين، ﴿فَهُوَ﴾ وحده ﴿يهدينـ﴾ ـي ويرشدني إلى مصالح الدين والدنيا بضروب الهدايات في كل لحظة ولمحة. والاستقبال (١) في ﴿يهديني﴾ مع سبق العناية بالهداية؛ لأنه يحتمل يهديني للأهم الأفضل، والأتم الأكمل، أو الذي خلقني لأسباب خدمته، فهو يهديني إلى آداب خلته، أي: رب العالمين هو الخالق الذي خلقني وصوّرني فأحسن صورتي، فهو الذي يهديني إلى كل ما يهمني من أمور المعاش والمعاد هداية تتجدد على جهة الدوام والاستمرار. ٢ - ٧٩ ﴿و﴾ هو الإله ﴿الَّذِي هُوَ﴾ وحده ﴿يُطْعِمُنِي﴾؛ أي: طعام شاء ﴿وَيَسْقِينِ﴾ ـي أي شراب شاء؛ أي: هو وحده رازقي بكل منافع الرزق وأنواعها، فمن عنده طعامي وشرابي، وليس الإطعام والسقي عبارتين عن مجرد خلق الطعام والشراب له، وتمليكهما إياه، بل يدخل فيهما إعطاء جميع ما يتوقف الانتفاع بالطعام والشراب عليه، كالشهوة وقت المضغ والابتلاع والهضم والدفع ونحو ذلك، ومن دعاء أبي هريرة ﵁ اللهم اجعل لي ضرسًا طحونًا، ومعدة هضومًا، ودبرًا بشورًا. والمعنى (٢): وهو رازقي بما يسر من الأسباب السماوية والأرضية، فساق المزن، وأنزل الماء، فأحيا به الأرض، وأخرج به من كل الثمرات رزقًا للعباد، وأنزل الماء عذبًا زلالًا، يسقيه ما خلق من الأنعام والأناسي. فإن قلت: لِمَ زاد ﴿هُوَ﴾ عقب ﴿الَّذِي﴾ في الإطعام والسقي؟ قلت: لأنهما مما يصدران من الإنسان عادة، فيقال: زيد يطعم ويسقي، فذكر ﴿هُوَ﴾ تأكيدًا وإعلامًا بأن ذلك منه تعالى، لا من غيره بخلاف الخلق والموت والحياة، لا تصدر من غير الله تعالى: اهـ من "فتح الرحمن". وتكرير (٣) الموصول في المواضع الثلاثة المعطوفة للإيذان بأن كل واحد من

стр. 8998

الصلات نعت جليل مستقل في إيجاب الحكم. ٣ - ٨٠ ﴿و﴾ الذي ﴿إِذَا مَرِضْتُ﴾؛ أي: أصابني مرض ﴿فَهُوَ﴾ وحده ﴿يَشْفِينِ﴾ ـي؛ أي: يبرئني ويعافيني من المرض؛ أي: ينعم علي بالشفاء إذا حصل لي مرض، لا الأطباء، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض من الزمان، ومن الأغذية، والشفاء من الأطباء والأدوية، فأعلم إبراهيم أن الذي أمرض هو الذي يشفي، وهو الله تعالى. والخلاصة: أني إذا مرضت لا يقدر على شفائي أحد غيره مما يقدر من الأسباب الموصلة إلى ذلك، وحكي عن بعضهم أنه مرض وضعف حتى اصفر لونه، فقيل له: ألا ندعو لك طبيبًا يداويك من هذا المرض؟ فقال: الطبيب أمرضني. فإن قلت: لِمَ (١) نسب المرض إلى نفسه حيث قال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ ولم يقل: وإذا أمرضني، والشفاء إلى الله تعالى حيث قال ﴿فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ مع أنهما من الله تعالى؟ قلت: أراد الثناء على ربه، فأضاف إليه الخير المحض الذي هو الشفاء، وأضاف المرض الذي هو النقمة إلى نفسه لرعاية حسن الأدب؛ لأنه لو قال: وإذا أمرضني لعد قومه ذلك عيبًا، ونظيره قصة الخضر حيث قال في العيب: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾، وفي الخير المحض ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾، وكذا الجن راقبوا هذا الأدب بعينه، حيث قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾. فإن قيل: فهذا يرده قوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾؟. فالجواب: أن القوم كانوا لا ينكرون الموت، وإنما يجعلون له سببًا سوى تقدير الله تعالى، فأضافه إبراهيم إلى الله . اهـ. من "زاد المسير".

стр. 8999

وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ معطوف على ﴿يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾، وإنما نظمهما في سلك صلة واحدة، لما أن الصحة والمرض من متفرعات الأكل والشرب غالبًا، فإن البطنة تورث الأسقام والأوجاع، والخمصة أصل الراحة والسلامة، قالت الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم، وفي الحكمة: ليس للبطنة خير من خمصة تتبعها. ٤ - ٨١ ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي﴾ في الدنيا بقبض روحي عند انقضاء الأجل ﴿ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ ي بالبعث في الآخرة لمجازاة العمل. أدخل ﴿ثُمَّ﴾ هنا؛ لأن بين الإماتة الواقعة في الدنيا وبين الإحياء الحاصل في الآخرة تراخيًا، ونسبة الإماتة إلى الله تعالى؛ لأنها من النعم الإلهية في الحقيقة حيث إن الموت وصلة لأهل الكمال إلى الحياة الأبدية، والخلاص من أنواع المحن والبلية. ٥ - ٨٢ ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ﴾ وأرجو ﴿أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ بترك الأولى، أو هي كذباته الثلاث، وقد تقدم الكلام عليها ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾؛ أي: يوم الجزاء والحساب، روى مسلم عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، أكان ذلك نافعًا له؟ قال: لا ينفع؛ إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". وابن جدعان اسمه عبد الله، وهو ابن عم عائشة ﵂ وكان في ابتداء أمره فقيرًا، ثم ظفر بكنز استغنى به، فكان ينفق من ذلك الكنز، ويفعل المعروف. وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه أنه لا يصلح للإلهية إلا من يفعل هذه الأفعال. وخلاصة مقاله: أن جميع النعم التي يتمتع بها المرء من النشأة الأولى إلى آخر الدهر هي من الله وحده، ولا قدرة لأصنامكم على شيء منها. قرأ الجمهور: ﴿خَطِيئَتِي﴾ بالإفراد، والحسن ﴿خطاياي﴾ بالجمع. واستغفار الأنبياء ﵈ تواضع منهم لربهم، وتعليم لأممهم؛ ليكونوا على حذر وطلب, لأن يغفر الله سبحانه لهم ما فرط منهم.

стр. 9000

وبعدما ذكر فنون الألطاف الفائضة عليه من الله تعالى من مبدأ خلقه إلى يوم بعثه حمله ذلك على مناجاته تعالى، ودعائه لربط العتيد، وجلب المزيد، فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ إلى آخر ما سيأتي إن شاء الله تعالى. الإعراب ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾. ﴿فَجُمِعَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة على محذوف تقديره: فبعث فرعون في المدائن حاشرين، فجمع السحرة ﴿جُمِعَ السَّحَرَةُ﴾: فعل مغير ونائب فاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿جمع﴾. ﴿مَعْلُومٍ﴾: صفة ﴿يَوْمٍ﴾. ﴿وَقِيلَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿قيل﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿لِلنَّاسِ﴾: متعلق به. ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قيل﴾، والجملة معطوفة على جملة ﴿جمع﴾، وإن شئت قلت: ﴿هَلْ﴾: حرف للاستفهام الاستبطائي، فيه معنى الحث على الفعل. ﴿أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿لَعَلَّنَا﴾: ﴿لعل﴾: حرف ترج ونصب، و ﴿نا﴾: اسمها. ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لعل﴾، وجملة ﴿لعل﴾ في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾ على كونها معللة للاجتماع. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْغَالِبِينَ﴾: خبر كان، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية معلوم مما قبلها، تقديره: إن كانوا هم الغالبين نتبعهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قيل﴾. ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾. ﴿فَلَمَّا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر
следующие страницы →