← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

تولّوا ﴿ما﴾ زائدة زيدت، لإفادة العموم ﴿تُوَلُّوا﴾ فعل مضارع مجزوم بأين على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير لجماعة المخاطبين في محل الرفع فاعل ﴿فَثَمَّ﴾ الفاء رابطة لجواب أين الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿ثَمَّ﴾ اسم إشارة يشار به للمكان البعيد في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الفتح، والظرف متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه خبرًا مقدّمًا ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ مبتدأ مؤخّر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل الجزم بأين على كونها جوابًا لها، وجملة أين الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿وَاسِعٌ﴾ خبر أوّل له ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثان، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾: ﴿وَقَالُوا﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾. ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ و ﴿اتَّخَذَ﴾ هنا بمعنى: صنع، يتعدّى إلى مفعول واحد ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ﴿سبحان﴾ مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبّح سبحانه؛ أي: أنزّه الله تعالى عن اتخاذ الولد تنزيهًا، والهاء ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة في محل البحر مضاف إليه، وجملة التسبيح معترضة، فهو تعالى نزّه نفسه بنفسه ﴿بَل﴾ حرف عطف وإضراب، أو حرف ابتداء وإضراب ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بمحذوف صلة الموصول ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾ عطف اسمية على فعلية، أو مستأنفة ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة؛ ما فيه من العموم، والتنوين عوض عن مضاف إليه محذوف؛ أي: كل فرد من أفراد المخلوقات ﴿لَهُ﴾ متعلق بقانتون، و ﴿قَانِتُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة

стр. 947

الإسمية مستأنفة، وجمع الخبر؛ مراعاة لمعنى كل، وجمعه جمع العقلاء؛ تغليبًا لهم على غيرهم ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو بديع السموات، والجملة مستأنفة ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مضاف إليه ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السموات، وهو من باب إضافة الصفة المُشبَّهة إلى فاعلها، والأصل: بديعٌ سمواته ﴿وَإِذَا﴾ الواو استئنافية ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه متعلِّق بالجواب ﴿قَضَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ﴿أَمْرًا﴾ مفعولٌ به، والجملة الفعلية في محل البحر مضاف إليه لإذا على كونها فعل شرط لها ﴿فَإِنَّمَا﴾ الفاء رابطة لجواب إذا جوازًا ﴿إنما﴾ أداة حصر ﴿يَقُولُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور متعلِّق بيقول، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة ﴿كن﴾ مقولٌ محكي ليقول منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الحكاية، وهو أمر من كان التامة، بمعنى: أُحْدُثْ، وكذلك قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: يحدث ﴿فَيَكُونُ﴾ الفاء استئنافية ﴿يكون﴾ فعل مضارع تام، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَمْرًا﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو يكون، والجملة الإسمية مستأنفة أيضًا، ويعزى هذا القول إلى سيبويه، وقال الزجاج، والطبري: إنّ جملة قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ معطوف على جملة ﴿يَقُولُ﴾ والفاء حينئذٍ عاطفة، وقال الفارسي: معطوفة على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى. ذكره في "الفتوحات". ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾ هو فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿وقالوا﴾ أو مستأنفة، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ مقول محكي، لقال، منصوب بفتحة مقدرة على الأخير، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى: هلّا، والتحضيض: الطلب بحثّ وإزعاج ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿أَوْ﴾

стр. 948

حرف عطف وتفصيل، ﴿تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يُكَلِّمُنَا﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم بمعنى: مثل، في محل النصب على أنّه صفة لمصدر محذوف قدّم على عامله؛ لإفادة الحصر، تقديره: قولًا مثل قول الذين لا يعلمون، ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِن قَبْلِهِم﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، تقديره: قال الذين كانوا من قبلهم ﴿مِثْلَ﴾ بدل من الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ بدل كل من كل، جيء به؛ لتأكيد معنى المثلية، وهو مضاف ﴿قَوْلِهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة؛ لتقرير ما قبلها ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق ببينا، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ صفة لقوم. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المفعول في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: حال كونك ملتبسًا بالحق، أو من الفاعل؛ أي: حالة كوننا ملتبسين بالحق، والأوّل أولى؛ لموافقة ما بعده ﴿بَشِيرًا﴾ حال ثانية من الكاف أيضًا، تقديره: حالة كونك مبشرًا بالجنة لمن اتبعك ﴿وَنَذِيرًا﴾ معطوف على ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: وحالة كونك منذرًا لمن خالفك بالعذاب ﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية على الأرجح، أو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿تُسْأَلُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بالضمّة، ونائب فاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿إن﴾ ﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتسأل. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾. ﴿وَلَنْ﴾: الواو استئنافية ﴿لن﴾ حرف نصب ونفي ﴿تَرْضَى﴾ فعل مضارع منصوب بلن ﴿عَنْكَ﴾ متعلق بترضى، ﴿الْيَهُودُ﴾ فاعل ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ معطوف على

стр. 949

﴿الْيَهُودُ﴾ والجملة مستأنفة ﴿حَتَّى﴾ حرف جرّ وغاية بمعنى: إلى ﴿تَتَّبِعَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، منصوب بأن مضمرة وجوبًا، بَعْدَ حتى بمعنى: إلى ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، وجملة أن المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى: إلى، تقديره إلى اتباعك ملّتهم، الجار والمجرور متعلق بترضى ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ مقول محكي لقل، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْهُدَى﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَئِنِ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم ﴿إنْ﴾ حرف شرط ﴿اتَّبَعْتَ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ مفعول به، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه جواب القسم، تقديره: إن اتبعت أهواءهم فما لك من ولي ولا نصير، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق باتبعت ﴿جَاءَكَ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ حال من فاعل ﴿جاءَك﴾ ﴿مَا﴾ نافية ﴿لَكَ﴾ خبر مقدم، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور تنازع فيه، كل من ولى ونصير ﴿مِنَ﴾ زائدة ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾، والتقدير: ما ولي ولا نصير من عذاب الله كائنان لك، والجملة الإسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب؛ جريًا على القاعدة المشهورة عندهم: من أنّه إذا اجتمع شرط وقسم، يحذف جواب المتأخر منهما، كما قال ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقَسَمْ ... جواب ما أخرّت فهو ملتَزَمْ وجملة القسم مع جوابه مستأنفة. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ أول ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول ﴿يَتْلُونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ولكنّها حال

стр. 950

مقدّرة؛ لأنّهم لم يكونوا تالين حال إيتائه، تقديره: حالة كونهم تالين إياه ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثَانٍ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بالنون ﴿بِهِ﴾ متعلق بيؤمنون، والجملة الفعلية خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿يَكْفُرْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على مَن مجزوم بمَن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿بِهِ﴾ متعلق بيكفر ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء رابطة لجواب الشرط وجوبًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يا حرف نداءه ﴿بني إِسْرَائيلَ﴾ منادى مضاف منصوب بالياء ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة الطلبية جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول صفة لنعمتي، ﴿أَنْعَمْتُ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: التي أنعمتها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بأنعمت ﴿وَأَنِّي﴾ الواو عاطفة ﴿أنى﴾ ناصب واسمه ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ متعلق بفضّلت، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ تقديره: اذكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم، وتفضيلي إياكم على العالمين. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾. ﴿وَاتَّقُوا﴾ فعل أمر معطوف على ﴿اذْكُرُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَجْزِي نَفْسٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ليومًا، ولكنّها سببية، والرابط محذوف، تقديره: لا تجزي فيه نفس ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ متعلق بتجزي ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به لتجزي ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ زائدة زيدت؛ لتأكيد نفي ما قبلها ﴿يُقْبَلُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بيقبل

стр. 951

﴿عَدْلٌ﴾ نائب فاعل، والجملة الفعلية في محل النصب معطوفة على جملة لا تجزي، والرابط أيضًا محذوف، تقديره: فيه ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا﴾ فعل ومفعول به ﴿شَفَاعَةٌ﴾ فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَجْزِي﴾. ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية مهملة ﴿هُمْ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يُنْصَرُونَ﴾ من الفعل المغيّر، ونائب فاعله في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿لَا تَجْزِي﴾. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾. ﴿وَإِذِ﴾ الواو استئنافية ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! لأمتك قصة إذ ابتلى إبراهيم، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿ابْتَلَى﴾ فعل ماض ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ مفعول مقدّم على فاعله وجوبًا؛ لاتصال الفاعل بضميره، فلو قدم الفاعل عليه لزم عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، قال ابن مالك: وشاع نحو خاف ربَّه عمرْ ... وشذّ نحو زان نوره الشجر ﴿رَبُّهُ﴾ فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل البحر مضاف إليه لإذ، وهذا على القراءة المشهورة، وأمّا على القراءة غير المشهورة فـ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ فاعل و ﴿رَبَّهُ﴾ مفعول به، والتركيب جار على أصله ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ متعلق بابتلى ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ الفاء عاطفة ﴿أتمهن﴾ فعل وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، ومفعول به معطوف على ابتلى، ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الربّ، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قال ربّه حين أتمّ الكلمات؟ فقيل: قال: ﴿إِنِّي﴾ ناصب واسمه ﴿جَاعِلُكَ﴾ خبره ومضاف إليه، وهو من إضافة اسم الفاعل إلى مفعوله الأول ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بجاعلك، أو بمحذوف حال من ﴿إِمَامًا﴾؛ لأنّه صفة نكرة قدمت عليها، والأصل إمامًا كائنًا للناس ﴿إِمَامًا﴾ مفعول ثانٍ لجاعلك، وجملة إنّ من اسمها وخبرها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على إبراهيم، والجملة مستأنفة واقعة

стр. 952

في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قال إبراهيم بعد قول الربّ: إني جاعلك للناس إمامًا. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ الواو عاطفة في المعنى على معنى ﴿جَاعِلُكَ﴾ عطفًا تلقينيًّا ﴿من ذريتي﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بمحذوف، تقديره: واجعل من ذرّيتي إمامًا للناس، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة واقعة في جواب سؤال مقدر أيضًا، كأنّه قيل: ماذا قال ربّه؟ فقيل: قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي ...﴾ الخ؛ ﴿لَا﴾ نافية ﴿يَنَالُ﴾ فعل مضارع ﴿عَهْدِي﴾ فاعل ومضاف إليه ﴿الظَّالِمِينَ﴾ مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قال﴾. ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! قصة ﴿إذ قال ربّك﴾، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أو مستأنفة ﴿جَعَلْنَا﴾ فعل وفاعل ﴿الْبَيْتَ﴾ مفعول أول ﴿مَثَابَةً﴾ مفعول ثان ﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بجعلنا، أو محذوف صفة لـ ﴿مَثَابَةً﴾. ﴿وَأَمْنًا﴾ معطوف على ﴿مَثَابَةً﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ الواو عاطفة لقول محذوف، تقديره: وقلنا لهم، قلنا: فعل وفاعل، والجملة في محل البحر معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿اتخذوا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق باتخذوا ﴿مُصَلًّى﴾ مفعول ﴿اتخذوا﴾. ﴿وَعَهِدْنَا﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿جَعَلْنَا﴾. ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ متعلق بعهدنا ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ معطوف على ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿أَن﴾ مفسرة، بمعنى: أي، مبني على السكون ﴿طَهِّرَا﴾ فعل أمر مبني على حذف النون، والألف فاعل ﴿بَيتِيَ﴾ مفعول به، والجملة الفعلية جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ متعلق بطهِّرًا ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ معطوف على ﴿الطائفين﴾ ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ معطوف أيضًا على ﴿الطائفين﴾ ﴿السُّجُودِ﴾ معطوف عليه أيضًا، ولما كان الركوع

стр. 953

والسجود بمثابة كلمة واحدة؛ لأنّ الركوع والسجود ركنان متّصلان، أسقط حرف العطف من بينهما، ونزّلهما منزلة الكلمة الواحدة، ولو عطف السجود بالواو، ولأوهم أنهما عبادتان منفصلتان. ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! قصة ﴿إذ قال إبراهيم﴾، والجملة المحذوفة معطوفة على جملة ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ فعل وفاعل، والجملة في محل البحر مضاف إليه لإذ ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ﴾ مقول محكي لقال إبراهيم، وإن شئت قلت: ﴿رَبِّ﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اجْعَلْ﴾ فعل دعاء سلوكًا مسلك الأدب مع الباري سبحانه، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة في محل النصب مفعول أوّل لاجْعل ﴿بَلَدًا﴾ مفعول ثان ﴿آمِنًا﴾ صفة لبلدًا، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ﴾ فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به معطوف على ﴿اجْعَلْ﴾. ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ متعلق بارزق ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل النصب بدل من ﴿أَهْلَهُ﴾ بدل بعض من كل، والرابط ضمير ﴿مِنْهُمْ﴾ ﴿آمَنَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿مِنْهُمْ﴾ متعلق بمحذوف حال من فاعل ﴿آمَنَ﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بآمن ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ معطوف على لفظ الجلالة ﴿قَالَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة مستأنفة ﴿وَمَنْ كَفَرَ ...﴾ إلى آخر الآية مقول محكي لقال، وإن شئت قلت: ﴿وَمَن﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة عطفًا تلقينيًّا على محذوف، تقديره: من آمن أرزقه من الثمرات، ومن كفر أمتعه قليلًا، والجملة المحذوفة مع ما عطف عليها في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم موصول، أو اسم شرط في محل الرفع مبتدأ ﴿كَفَرَ﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ في محل الجزم بمن الشرطية على كونه فعل شرط لها، إن قلنا:

стр. 954

﴿مَّنْ﴾ اسم شرط، وجملة الشرط في محل الرفع خبر ﴿مَنْ﴾ الشرطية، أو الخبر جملة الجواب، أو هما. إن قلنا: ﴿مَنْ﴾ شرطية، أو الجملة الفعلية صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة إن قلنا: ﴿مَنْ﴾ موصولة، والعائد ضمير الفاعل في ﴿كَفَرَ﴾ ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ الفاء رابطة لجواب ﴿مَنْ﴾ الشرطية جوازًا. إن قلنا: ﴿مَنْ﴾ شرطية، أو زائدة في خبر المبتدأ، لما في المبتدأ من شبه الشرط إن قلنا ﴿مَنْ﴾ موصولة ﴿أمتّعه﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به ﴿قَلِيلًا﴾ منصوب على المفعولية المطلقة؛ أي: تمتيعًا قليلًا، أو على الظرفية، أي: زمانًا قليلًا، والجملة الفعلية في محل الجزم بمن الشرطية. إن قلنا: إنّها اسم شرط، أو خبر المبتدأ. إن قلنا: إنها موصولة، ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب مع تراخ ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿أمتّعه﴾ ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بأَضطّره ﴿وَبِئْسَ﴾ الواو استئنافية، ولا يصحّ هنا كونها عاطفة؛ لئلّا يلزم علينا عطف الإنشاء على الإخبار، كما في المغني ﴿بئس﴾ فعل ماض لإنشاء الذمّ ﴿الْمَصِيرُ﴾ فاعل بئس، والجملة مستأنفة لإنشاء الذمّ، والمخصوص بالذمّ محذوف، تقديره: النار أو عذابها. التصريف ومفردات اللغة ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ هما من الألفاظ الشاذة التي انفردت بالكسر على الشذّوذ، لما علم عند الصرفيين أنّه إذا لم تكسر عين المضارع، فحق اسم المصدر، والمكان، والزمان، فتح العين قياسًا لا تلاوة ﴿أينما تولوا﴾ أصل تولّوا: تُولِّيُون، حذفت منه نون الرفع للجازم، ثم استثقلت الضمة على الياء؛ فحذفت تخفيفًا، فسكنت فالتقى ساكنان، الياء، والواو، فحذفت الياء، وصُحِّحت حركة اللام بجعلها ضمة، لتناسب الواو، فصار تولّوا ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وثَمَّ: اسم إشارة للمكان البعيد خاصَّة، مثل: هَنَّا وهِنَّا بتشديد النون، وهو مبني؛ لتضمّنه معنى حرف الإشارة، وفي "المختار": الوجه والجهة بمعنًى، والهاء عِوضٌ عن الواو؛ أي: فثمّ جهته التي ارتضاها قبلةً، وأمر بالتوجه نحوها ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ واتخذ افتعَلَ من تَخِذَ بكسر العين يَتْخَذُ، بفتحها، في المضارع،

стр. 955

فأدغمت فاءُ الفعلِ التي هي التاء الأولى في تاء الافتعال، والمادةُ معناها بمعنى: أخذ، فتَخِذَ وأخذ بمعنى واحدٍ، خلافًا لابن الأثير القائل: بأنّها مادّة مستقلّة، وليست من الأخذ في شيء محتجًّا بأنّ فاء الأخذ همزة، والهمزة لا تدغم في التاء؛ يعني: أنّ افتعل من أخذ قياسه ائتخذ. قلت: قول ابن الأثير: إنّ فاء الكلمة إذا كان همزة لا يبدل تاء إن كان يعني قياسًا، فمسلَّمٌ، وإلّا فإبدال الهمزة ياءً، وإبدال الياء تاءً، وإدغامها في تاء الافتعال واردٌ، لكنّه شاذٌّ كما عقد ذلك ابن مالك في باب التصريف بقوله: ذو اللِّيْنِ فَاتَا في افْتِعالٍ أُبْدِلا ... وَشذّ في ذي الهمز نَحْوُ ائْتَكَلا يعني: أنَّ فاء الكلمة إذا كان همزةً شذَّ إبدالها تاءً، كما قالوا: اتكل، واتَّزَرَ بإبدال الياء المبدلة من الهمزة تاءً، ولكن الأشمونيَّ وافق ابن الأثير، ونسب الجوهريَّ إلى الوهم في دعواه أنّها من الأخذ، كما نسبه ابن الأثير في النهاية، أمّا صاحب "القاموس": فقد وافق الجوهري في مذهبه مصدِّرًا به كلامه، ثم ذكر كلام ابن الأثير الذي نقَلْتُه، وعلى كل حالٍ اتخذ وزنه افتعل، سواء أكان من الأخذ، أو من تخذ، وذهب بعض المتأخّرين إلى أنَّ اتخذ أصله: وخذ واويُّ الفاء، وعليه يكون إبدالها تاءً جاء على اللغة الفصحى من إبدال فاء الكلمة تاء إذا كان حرف لين، وبني منها افتعالٌ، والله أعلم. ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من باب الصفة المشبهة التي أضيفت إلى منصوبها الذي كان فاعلًا في الأصل، والأصل: بديعٌ سمواته؛ أي: بدعت لمجيئها على شكلٍ فائق حسنٍ غريب، ثمّ شبّهت هذه الصفة باسم الفاعل، فتنصب ما كان فاعلًا، ثُمَّ أضيفت إليه تخفيفًا، وهكذا كل ما جاء من نظائره بالإضافة لا بدّ، وأن تكون من نصبٍ؛ لئلا يلزم إضافة الصفة إلى فاعلها، وهو لا يجوز، كما لا يجوز في اسم الفاعل الذي هو الأصل. اهـ. "سمين". وفي "القاموس": وبَدُعَ، ككرم بداعةً وبدوعًا. اهـ. ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أصله: قَضَيَ بوزن فعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا، والقضاء له معانٍ كثيرةٌ، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، فيكون

стр. 956

بمعنى خلق، نحو: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ وبمعنى: أعلم، نحو: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، وبمعنى: أمر، نحو: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وبمعنى: وفي، نحو: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ وبمعنى: ألزم، نحو: قضى بكذا، وبمعنى: أراد، نحو: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ وبمعنى: قدر وأمضى تقول: قضى يقضي قضاء. اهـ. من "السمين". ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ أمرٌ من كان التامة، فأصل كن: يَكْوُن بوزن يفعل، نقلت حركة الواو إلى الكاف، فسكنت فالتقى ساكنان، الواو، وآخر الفعل المسكن لبناء الأمر، فحذفت الواو، فصار كن بوزن فل ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أصله: ييقنون من اليقين، أبدلت الياء واوًا؛ لسكونها إثر ضمة، كما قال ابن مالك في باب الإبدال من "الخلاصة": ووجب: إبدالُ واوٍ بَعْدَ ضمٍ مِنْ ألِفْ ... وَيا كَمُوقِنٍ بِذَالِها اعْتَرِف بمعنى: أنَّ الألف إذا كانت قبلها ضمَّة أبدل واوًا، كوارى إذا بُني للمجهول، يقال: وُوِري، وأنَّ الياء إذا سُكِّنت بعد ضمٍّ أُبدلت واوًا، كما في يوقنون، يُيْقنون من اليقين، وكذلك موسرٌ، أصله: مُيْسِرٌ من اليسار ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ وفي "القاموس": الجحيم: النار الشديدة التأجُّج، وكُلُّ نار بعضها فوق بعض، وجحمها كمنعها أوقدها، فجَحُمَت، ككَرُمت جحومًا، وجَحِمت، كفَرِح جحمًا وجحمًا وجحومًا اضطرمت، والجاحم: الجمر الشديد الاشتعال، ومن الحرب معظمها. اهـ. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ﴾ أصل ترضى: ترضَي بوزن تفعَل، قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، والرضا ضدُّ الغضب، وهو من ذوات الواو لقولهم: الرضوان، والمصدر رِضًى ورضاءً بالقصر والمدّ، ورضوانٌ بكسر الراء وضمّها، وقد يضمَّن معنى عطف، فيتعدَّى بعلى، كقوله: إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ يتلون مضارع من تلا يتلو واويُّ اللام، وأصل يتلون: يتلوون بواوين الأولى لام الكلمة، والثانية واو الجماعة، فحذفت حركة الواو

стр. 957

الأولى لام الكلمة؛ للتخفيف، فسكنت فالتقى ساكنان، فحذفت لام الكلمة، وبقيت واو الجماعة، فوزنه يفعون. ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أصله: ابتلَيَ بوزن افتعل، تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفًا ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أصله: أتممهنَّ بوزن أفعل، نقلت حركة الميم الأولى إلى التاء، فسكنت فأدغمت في الميم الثانية ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ جاعلك: اسم فاعل من جعل بمعنى صيَّر، فيتعدَّى لاثنين أحدهما الكاف، وفيها الخلاف المشهور، والإمام: اسمٌ لكل ما يُؤْتمُّ به؛ أي: يقصد ويتَّبع، كالإزار: اسمٌ لما يؤتزر به، ومنه قيل لخيط البناء: إمام. اهـ. "سمين". ﴿يَنَالُ عَهْدِي﴾ أصله: يَنْيَل بوزن يفعل؛ لأنَّ نال أصله نيل بكسر العين في الماضي يائيُّ العين، نقلت حركة الياء إلى النون، ثمّ قلبت الياء ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن. فقيل: ينال. ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أصله: مَثْوُبةٌ بوزن مفعلة: اسم مكان من ثاب يثوب، نقلت حركة الواو إلى الثاء، فسكنت الواو، وتحركت الثاء بالفتح، لكن الواو قلبت ألفًا؛ نظرًا لتحركها في الأصل، ونظرًا إلى فتح ما قبلها في الحال، ويحتمل أن تكون من الثواب؛ لأنَّ الناس يثابون عند البيت على الطواف به، والصلاة حوله، أمَّا على المعنى الأول، فلأنَّ الناس يثوبون إلى البيت؛ أي: يرجعون إليه لا يقضون وطرهم منه ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ اسم مكان من قام يقوم ووزنه مفعلٌ بفتح العين، نقلت حركة الواو إلى القاف، فسكنت ثمّ أبدلت ألفًا؛ لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن ﴿مُصَلًّى﴾ أصله: مصلوٌ؛ لأنّ ألفه منقلبةٌ عن واو؛ لأنّ الصلاة من ذوات الواو ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ أصله: للطاوفين من طاف يطوف، وأصل طاف: طَوَف، أعِلَّت بقلب الواو في الفعل ألفًا؛ لتحركها بعد فتح، ولمّا أُعلّ الفعل حمل عليه الوصف، فأُعِلَّ بإبدال الواو همزةً، وهو جمع طائف اسم فاعل من طاف يطوف، ويقال: أطاف رباعيًّا، وهذا من باب فعل وأفعل بمعنًى ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ جمع عاكف من العكوف، وهو لغة: اللزوم واللُّبْث، يقال: عكف يعكف، ويعكف بالفتح في الماضي، والضمّ والكسر في المضارع ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ أصله: اضطرره بوزن افتعل، أبدلت تاء الافتعال طاء، ثمّ أدغمت الراء الأولى في الثانية ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصدرٌ ميميٌّ من صار،

стр. 958

أصله: مَصْيِر بوزن مَفْعِل بكسر العين، نقلت حركة الياء إلى الصاد، فسكنت الياء إثر كسرة فصارت حرف مدّ، والله أعلم. البلاغة وقد تضمَّنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنوعًا من الفصاحة والبيان والبديع: فمنها: الجملة الاعتراضية في قوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾، لغرض بيان بطلان دعوى الظالمين الذين زعموا أن لله ولدًا. ومنها: تغليب العقلاء على غيرهم في قوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ لأنَّ غيرهم لا يجمع هذا الجمع؛ لأن التغليب من المحسنات البديعيَّة. ومنها: الاستعارة التمثيلية في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بأن شبِّهت الحال التي تتصوَّر من تعلق إرادته تعالى بشيء من المكوَّنات، وسرعة إيجاده إياه بحالة أمر الآمر النافذ تصرُّفه في المطيع، لا يتوقَّف في الامتثال، فأطلق على هذه الحالة ما كان يستعمل في تلك، من غير أن يكون هناك أمر ولا قولٌ. ومنها: التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة أصحاب الجحيم في قوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾؛ إيذانًا بأنَّ أولئك المعاندِيْنَ من المطبوع على قلوبهم، فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر والضلال، إلى الإيمان والإذعان. ومنها: إيراد الهدى معرَّفًا باللام، مع اقترانه بضمير الفصل في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾؛ لإفادة القصر؛ أي: قصر الهداية على دين الله، فهو من باب قصر الصفة على الموصوف، فالإِسلام هو الهدى كلُّه، وما عداه فهو هوًى وعمًى. ومنها: التكرير في قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ...﴾ إلخ. حيث كرَّره في أوّل السورة وهنا؛ لإفادة التوكيد، وتذكيرًا للنعم. ومنها: التعرض بعنوان الربوبية في قوله: ﴿إذ ابتلى إبراهيم ربُّه﴾؛ إيذانًا بأنّ ذلك الابتلاء تربيةٌ له، وترشيحٌ لأمرٍ خطيرٍ، إذ المعنى: عامله معاملة

стр. 959

المختبر، كلَّفه بأوامر ونواهي يظهر بها استحقاقه للإمامة العظمى. ومنها: الإضافة في قوله: ﴿رَبُّهُ﴾؛ لتشريف المضاف إليه الذي هو ضمير الخليل ﵇. ومنها: الإيجاز بالحذف في قوله: ﴿وَأَمْنًا﴾؛ أي: ذا أمْنٍ، وهو أظهر من جعله بمعنى: اسم الفاعل؛ أي: آمنا على سبيل المجاز. ومنها: الإضافة لتشريف المضاف في قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ نظير ناقة الله. ومنها: عطف أحد الوصفين على الآخر في قوله: ﴿لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ إفادةً لتباين ما بينهما. ومنها: ترك عطف إحدى الصفتين على الأخرى في قوله: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؛ إفادة بأنَّ المراد منهما شيءٌ واحدٌ وهو الصلاة، إذ لو عطف لتوهّم أنَّ كلا منهما عبادةٌ مستقلة. ومنها: جمع الصفتين الأوليين جمع سلامة، والأخريين جمع تكسير؛ لغرض المقابلة، وهو نوع من الفصاحة. ومنها: تأخير صيغة فُعول عن فعَّلٍ؛ لكونها فاصلةً. ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ حيث أسند الأمن إلى البلد؛ للمبالغة، مع أنّ المقصود: أمن المتلجىء إليه من إسناد ما للحال إلى المحل. ومنها: الاستعارة التصريحية التبعيّة في قوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ حيث شبه حالة الكافر المذكور، بحالة من لا يملك الامتناع مما اضطر إليه، فاستعمل في المشبَّه ما استعمل في المشبه به. ومنها: الزيادة والحذف في عدَّة مواضع. والله أعلم * * *

стр. 960

قال سبحانه جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله ، لمَّا (١) ذكر العرب بما أنعم عليهم من بناء البيت، وجَعْلِهِ مثابةً للناس وأمْنًا، وبدعاء إبراهيم ﵇ لقاطن هذا البلد الحرام باستجابته تعالى دعاءَه، إذ جعله بلدًا آمنًا تجبى إليه الثمرات من شاسع الأقطار؛ ليتمتَّع بها أهله، وبعهده إلى إبراهيم وإسماعيل بأن طهّرا بيته للطائفين، والعاكفين، والركّع السجود؛ تنبيهًا لهم إلى أنه لا ينبغي أن يعبد فيه غيره، فيجب تنزيهه عن الأصنام، والتماثيل، وعبادتها الفاسدة انتقل بهم إلى التذكير بأنَّ الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم الخليل، بمعونة ابنه إسماعيل ﵉؛ ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه، ويفاخرون به، وقد كانت قريشٌ تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل، وتدِّعي أنها على ملّة إبراهيم، وسائر العرب في ذلك تَبَعٌ لقريش.

стр. 961

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أنَّ الله ، لما ذكر (١) أنّه ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمَّهنّ، وأنّه عهد إليه ببناء البيت، وتطهيره للعبادة، فصدع بما أمر .. أردف ذلك بذكر أنَّ ملّة إبراهيم التي كان يدعو إليها، وهي التوحيد، وإسلام القلب لله، والإخلاص له في العمل لا ينبغي التحوُّل عنها، ولا يرضى عاقلٌ أن يتركها إلّا إذا ذلَّ نفسه، واحتقرها، وبها وصَّى يعقوب بنيه، ووصَّى بها من قبله إبراهيم بنيه، ثم ردَّ على شُبْهةٍ لليهود، إذْ قالوا للنبيِّ ﷺ : إنَّ يعقوب كان يهوديًّا وكذَّبهم بما قال له بنوه حين موته: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ ... إِلَهًا وَاحِدًا﴾. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ...﴾ الآية، قد روي في سبب نزول هذه الآية: أنَّ عبد الله بن سلام، دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرًا إلى الإِسلام، قال لهما: قد علمتما أنَّ الله تعالى قال في التوراة: إنّي باعثٌ من ولد إسماعيل نبيًّا اسمه أحمد، من آمن به فقد اهتدى، ومن لم يؤمن فهو ملعون، فأسلم سلمة، وأَبَى مهاجرٌ الإِسلام، فنزلت فيه هذه الآية، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هي القاعدة، عندهم وفيه تعريضٌ لليهود، والنصارى، ومشركي العرب. التفسير وأوجه القراءة ثُمَّ قال تعالى: حكايته عن قصة بناء البيت العتيق: ١٢٧ - ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ فيه (٢) حكايته حالٍ ماضيةٍ، حيث عبَّر بلفظ المضارع عن الرفع الواقع في الزمان المتقدِّم على زمان نزول الوحي، بأن يقدَّر ذلك الرفع السابق واقعًا في الحال، كَأنَّكَ تُصَوِّرُه للمخاطب، وتُرِيْهِ على وَجْهِ المشاهدةِ والعِيان ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ جمع

стр. 962

قاعدة، وهي في الأصل: صفةٌ بمعنى الثابتة، ثُمَّ صارت بالغلبة من قبيل الأسماء بحيث لا يذكر لها موصوفٌ، ولا يقدَّر، ولعل لفظ القعود حقيقةٌ في الهيئة: المقابلة للقيام، ومستعارٌ للثبات والاستقرار؛ تشبيهًا له بها في أنَّ كُلًّا منهما حالةٌ مباينةٌ للانتقال والنزول، وقوله: ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ حالٌ من القواعد، وكلمة من ابتدائية لا بيانية؛ لعدم صحّة أن يقال: الَّتي هي البيت. فإن قلت: رفع الشيء أن يفصل عن الأرض، ويجعل عاليًا مرتفعًا، والأساس أبدًا ثابتٌ على الأرض، فما معنى رفعه؟ قلت: المراد برفع الأساس: البناء عليه، وعبَّر عن البناء على الأساس برفعه؛ لأنَّ البناء ينقله عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، فيوجد الرفع حقيقةً إلّا أنَّ أساس البيت واحدٌ، وعبَّر عنه بلفظ القواعد باعتبار أجزائه، كأنَّ كُلَّ جزء من الأساس أساسٌ لما فوقه، والمعنى: واذكر يا محمد! وقت رفع إبراهيم أساس البيت؛ أي: الكعبة ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ولده، وكان له أربعة بنين: إسماعيل من هاجر، وإسحاق من سارة، ومدين، ومداين من امرأة أخرى، وهو عطفٌ على إبراهيم، وتأخيره عن المفعول مع أنَّ حقَّ ما عطف على الفاعل أن يُقدَّم على المفعول؛ للإيذان بأنَّ الأصل في الرفع هو إبراهيم وإسماعيل تبعٌ له. قيل: إنّه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها. واعلم: أنَّ رفع الأساس الذي هو البناء عليه، يدلّ على أنَّ البيت كان مؤسَّسا قبل إبراهيم، وأنّه إنما بنى على الأساس الموجودة قبله، واختلف الناس فيمن بنى البيت أوّلًا، وأسَّسَه؟ فقيل: هو الملائكة، وذلك أنَّ الله تعالى لما قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فغضب عليهم، فعاذوا بعرشه، وطافوا حوله سبعة أطواف يسترضون ربهم حتى رضي عنهم، وقال لهم: (ابْنُوا لي بيتًا في الأرض، يتعوَّذ به من سخطت عليه من بني آدم، ويطوف حوله كما طفتم حول عرشي، فأرضى عنهم) فبنوا هذا البيت. وقيل: إنّ الله بنى في السماء

стр. 963

بيتًا وهو البيت المعمور، ويسمَّى ضراحًا، وأمر الملائكة أن يبنوا الكعبة في الأرض بحياله على قدره ومثاله. وقيل: أوّل من بنى الكعبة: آدم، واندرست زمن الطوفان، ثُمَّ أظهرها الله تعالى لإبراهيم ﵇. وروي عن ابن عباس ﵄ أنّه قال: (لمّا أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض، قال له: (يا آدم! اذهب فَابْنِ لي بيتًا، وطف به، واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي) فأقبل آدم يتخطَّى، وطويت له الأرض، وقيِّضت له المفاوز، فلا يقع قدمه على شيء من الأرض إلّا صار عامرًا، حتى انتهى إلى موضع البيت الحرام، وأنَّ جبريل ضرب بجناحه الأرض، فأبرز عن الأسِّ الثابت على الأرض السابعة السفلى، وقدَّمت إليه الملائكة بالصخر، فما يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلًا، وأنَّه بناه من خمسة أجبل: طور سيناء؛ وطور زيتاء، ولبنان وهو جبلٌ بالشام، والجوديِّ هو جبلٌ بالجزيرة، وحراء وهو جبلٌ بمكة، وكان رَبَضُهُ من حراء؛ أي: الأساس المستدير بالبيت من الصخر، فهذا بناء آدم) وروي أنَّ الله خلق موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، وكانت زُبَيْدةً بيضاء على الماء، فدحيت الأرض من تحته، فلما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض استوحش، فشكا إلى الله، فأنزل الله البيت المعمور من ياقوتةٍ من يواقيت الجنة، له بابان من زمرد أخضر، بابٌ شرقيٌّ، وبابٌ غربيٌّ، فوضعه على موضع البيت، وقال (يا آدم! إنّي أهبطت لك بيتًا، فطف به كما يطاف حول عرشي، وصلّ عنده كما يُصلَّى عند عرشي، وأنزل الحجر، وكان أبيض، فاسودَّ من لمس الحيَّض في الجاهلية. فتوجَّه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيًا، وقيَّض الله له ملكًا يدله على البيت، قيل لمجاهد: لِمَ لَمْ يركب قال: وأيُّ شيء كان يحمله إنَّ خُطْوَتَهُ مسيرة ثلاثة أيام، فأتى مكة، وحجَّ البيت، وأقام المناسك، فلمَّا فرغ تلقَّته الملائكة، فقالوا: برَّ حجُّك يا آدم! لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام). قال ابن عباس ﵄: (حَجَّ آدم أربعين حجةً من الهند إلى مكة على رجليه، فبقي البيت يطوف به هو والمؤمنون من ولده إلى أيام الطوفان، فرفعه الله تعالى في تلك الأيام إلى السماء الرابعة، يدخله كُلَّ يوم سبعون ألف ملك، ثمّ لا يعودون إليه، وبعث الله جبرائيل حتى خبأ الحجر الأسود في جبل

стр. 964

أبي قبيس؛ صيانةً من الغرق، وكان موضع البيت خاليًا إلى زمن إبراهيم ﵇، ثُمَّ إنّ الله تعالى أمر إبراهيم ببناء بيت يذكر فيه، فسأل الله تعالى أن يُبيِّن له موضعه، فبعث الله السكينة لتدلَّه على موضع البيت، وهي ريحٌ حجوجٌ لها رأسان شبه الحيَّة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث استقرَّت السكينة، فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة، فتطوَّت السكينة على موضع البيت؛ أي: تحوت، وتجمَّعت، واستدارت، كتطوِّي الحجفة، ودورانها، فقالت لإبراهيم: ابن علي موضعي الأساس، فرفع البيت هو وإسماعيل حتى انتهى إلى موضع الحجر الأسود، فقال لابنه: يا بني! ائتني بحجرٍ أبيض يكون للناس علمًا، فأتاه بحجر، فقال: ائتني بأحسن من هذا، فمضى إسماعيل يطلبه، فصاح أبو قبيسٍ، يا إبراهيم! إنّ لك عندي وديعةً، فخذها، فإذا هو بحجرٍ أبيض من ياقوت الجنة، كان آدم قد نزل به من الجنة، كما وجد في بعض الروايات، أو أنزله الله تعالى حين إنزال البيت المعمور، كما مرَّ، فأخذ إبراهيم ذلك الحجر فوضعه مكانه، فلما رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت، جاءت سحابة مربَّعة فيها رأسٌ فنادت: أن ارفعا على تربيعي، فهذه بناء إبراهيم ﵇. وروي أنَّ إبراهيم وإسماعيل لمَّا فرغا من بناء البيت، أعطاهما الله تعالى الخيل جزاء معجَّلًا على رفع قواعد البيت، وكان الخيل قبل ذلك وحشيَّةً كسائر الوحوش، فلمَّا أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد، قال الله تعالى: (إنّي معطيكما كنزًا ادّخرته لكما، ثُمّ أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد، فادع يأتك الكنز) فخرج إلى أجياد ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز، فألهمه الله تعالى، فدعا، فلم يبق على وجه الأرض فرسٌ بأرض العرب إلّا جاءته، فأمكنه من ناصيتها، وذلَّلها له وقال النبي ﷺ : "فاركبوها واعلفوها، فإنّها ميامين، وهي ميراث أبيكم إسماعيل" وإنّما سمّي الفرس عربيًّا؛ لأنَّ إسماعيل هو الذي أمر بدعائه، وهو أتى إليه، والعربيُّ: نسبةٌ إلى عربة بفتحتين، وهي باحة العرب؛ لأنَّ أباهم إسماعيل نشأ بها. قيل: كان إبراهيم يتكلَّم بالسريانية، وإسماعيل بالعربية، وكُلُّ واحد منهما يفهم ما يقوله صاحبه، ولا يمكنه التَّفوُّه به. وأمَّا بنيان قريش إياه فمشهور، فخبر الحيَّة في ذلك مذكور، وكانت تمنعهم من هدمه إلى أن

стр. 965

اجتمعت قريش، فعجُّوا إلى الله تعالى؛ أي: رفعوا أصواتهم، وقالوا: لم تراع وقد أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإنْ كنت ترضى بذلك، وإلّا فما بدا لك فافعل، فأُسمِعوا خوّاتًا في السماء، والخوَّات: دَوِيُّ جناح الطير الضَّخم؛ أي: صوته، فإذا هم بطائر أعظم من النَّسر، أسود الظهر، أبيض البطن والرجلين، فغمز مخالبه في قفا الحيَّة، ثمّ انطلق بها تَجُرُّ ذَنبَها أَعْظَمَ مِنْ كذا وكذا، حتى انطلق بها إلى أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريشٌ على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا. وذكر عن الزهري: أنّهم بنوها حتى إذا بلغوا موضع الركن، اختصمت قريشٌ في الرُّكْن، أيُّ القبائل تلي رفعه؟ حتى شجر بينهم، فقالوا: حتى نحكِّم أوّل من يطلع علينا من هذه السكَّة، فاصطلحوا على ذلك، فاطَّلع عليهم رسول الله ﷺ ، فحكَّموه، فأمر بالركن، فوضع في ثوب، ثُمَّ أمر سيّد كُلِّ قبيلة، فأعطاه ناحيةً من الثوب، ثمّ ارتقى هو على البناء، فرفعوا إليه الركن، فأخذه من الثوب، فوضعه في مكانه. قيل: إنّ قريشًا وجدوا في الركن كتابًا بالسريانية، فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجلٌ من اليهود، فإذا فيه: أنا الله ذو مكة، خلقتها يوم خلقت السموات والأرض، وصوَّرت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاكٍ احتفاءً لا يزول حتى يزول أخشباها، مبارك لأهلها في الماء، واللبن. وعن أبي جعفر: كان باب الكعبة على عهد العماليق، وجرهم، وإبراهيم بالأرض، حتى بنته قريش. وعن عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن الجدار، أمن البيت هو؟ قال: "نعم" قلت: فلم لَمْ يدخلوه؟ قال: "إنّ قومك قصرت بهم النفقة" قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك، ولو حِدْثَانُهُمْ بالجاهليَّة لهدمت الكعبة، فأُلَزِقُ بابها بالأرض، وجعلت له بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيه ستَّ أذرع من الحِجْر، فإنَّ قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة، فهذا بناء قريش. ثُمَّ لمّا غزا أهل الشام عبد الله بن الزبير، ووهنت الكعبة من حريقهم، هدَّمها ابن الزبير وبناها على ما أخبرته عائشة، فجعل لها بابين بابًا يدخلون منه، وبابًا يخرجون منه، وزاد فيه مما يلي الحجر ستَّ أذرعٍ، وكان طولها قبل ذلك ثماني أذرع، ولمَّا زاد في البناء مما يلي الحجر، استقصر ما كان من طولها تسع أذرع، فلمَّا

стр. 966

قتل ابن الزبير، أمر الحجَّاج أن يُقرَّر ما زاده ابن الزبير في طولها، وأن يُنَقص ما زاده من الحجر، ويردَّها إلى ما بناها قريشٌ، وأن يسدَّ الباب الذي فتحه إلى جانب الغرب. وروي: أنَّ هارون الرشيد ذكر لمالك بن أنس، أنَّه يريد هدم ما بني الحجاج من الكعبة، وأن يردَّها إلى بناء ابن الزبير، لِمَا جاء عن النبي ﷺ ، وامتثلَه ابن الزبير، فقال له مالكٌ: ناشدتُك اللهَ يا أمير المؤمنين! أن لا تجعل هذا البيت ملعبةً للملوك، لا يشاء أحدٌ منهم إلّا نقض البيت بناءه، فتذهب الهيبة من صدور الناس. وفي "القسطلاني على البخاري": ما نصُّه: وبنيت الكعبة عشرة مرات. الأول: بناء الملائكة. روي أنّ الله أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتًا، وفي كل أرض بيتًا. قال مجاهد: هي أربعة عشر بيتًا. روي أنَّ الملائكة حين أسست الكعبة، انشقت الأرض إلى منتهاها، وقذفت الملائكة فيها حجارة، كأمثال الإبل، فتلك القواعد من البيت التي وضع عليها إبراهيم وإسماعيل بناءهما. الثاني: بناء آدم. روي أنّه قيل له: أنت أوّل الناس، وهذا أوّل بيتٍ وضع للناس. الثالث: بناء ابنه شيثٍ بالطين والحجارة، فلم يزل معمورًا به، وبأولاده، ومَن بعدهم حتى كان زمن نوح، فأغرقه الطوفان، وغيَّر مكانه. الرابع: بناء إبراهيم، وقد كان المُبلِّغ له ببنائه جبريل من الملك الجليل، ومن ثمَّ قيل: ليس ثمَّ في هذا العالم بيت أشرف من الكعبة؛ لأنَّ الآمر ببنائها الملك الجليل، والمبلِّغ، والمهندس جبريل، والباني الخليل، والمعين إسماعيل. الخامس: بناء العمالقة. السادس: بناء جرهم، والذي بناه منهم هو الحارث بن مضَّاض الأصفر. السابع: بناء قصيٍّ خامس جدِّ النبي ﷺ . الثامن: بناء قريش وحضره النبيُّ ﷺ وهو ابن خمسٍ وثلاثين سنة. التاسع: بناء عبد الله بن الزبير، وسببه: توهين الكعبة من حجارة المنجنيق

стр. 967

التي أصابتها، حين حوصر ابن الزبير بمكة في أوائل سنة أربعٍ وستين، بمعاهدة يزيد بن معاوية، فهدمها بعد أن استخار واستشار، وكان يوم السبت منتصف جمادى الآخرة سنة أربعٍ وستين، وبلغ بالهدم قامةً ونصفًا حتى وصل قواعد إبراهيم، فوجدها كالإبل المسنَّمة، وبعضها متصلٌ ببعضٍ، حتى إن من ضرب بالمعول طرف البناء تحرَّك طرفه الآخر، فبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها ما أخرجته منها قريشٌ من الحجر بكسر الحاء، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما: بابها الموجود الآن، والآخر: المقابل له المسدود، وكان ابتداء البناء في جمادى الآخرة، وختمه في رجب سنة خمسٍ وستين، ثمَّ ذبح مائة بدنةٍ للفقراء وكساهم. العاشر: بناء الحجاج، وكان بناؤه للجدار الذي من جهة الحجر بكسر الحاء، والباب الغربيُّ المسدود عند الركن اليماني، وما تحت عتبة الباب الشرقيّ، وهو أربع أذرع وشبر، وترك بقية الكعبة على بناء ابن الزبير، واستمرَّ بناء الحجاج إلى الآن. انتهى ملخصًا. وهذا بحسب ما اطلع عليه رحمه الله تعالى، وإلّا فقد بناه بعد ذلك بعض الملوك سنة ألفٍ وتسعٍ وثلاثين، كما نقله بعض المؤرِّخين. اهـ. وقد نظم العشرة الأولى بعضهم، فقال: بَنَى بَيْتَ ربِّ العَرْشِ عَشْرٌ فخذْهُمُ ... ملائكةُ الله الكِرامِ وآدَمُ فَشِيثٌ فَإبْرَاهِيْمُ ثُمَّ عَمَالِقٌ ... قُصَيٌّ قُرَيْشٌ قَبْلَ هَذَينِ جُرْهُمُ وَعَبْدُ الإلهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَى كَذَا ... بِنَاءٌ لِحَجَّاجٍ وَهَذَا مُتمِّمُ والمعنى: أي واذكر يا محمد! لأمّتك قصّة إذ يرفع ويبني إبراهيم الخليل، وولده إسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، القواعد، والأساس، والجدار المستتر في الأرض التي هي من بعض جدران البيت الموجودة قبله، والمراد برفعهما: البناء عليها، فإنَّها كانت موجودةً من قبل بنائه، غائصةً في الأرض إلى منتهاها، وإنما بنى عليها ورفع البناء فوقها؛ لأنَّها إذا بُنِيَ عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتطاولت بعد التقاصر، وبناؤهما أنَّ إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة، ولكنَّه لمّا كان له دخلٌ في البناء عطف

стр. 968

عليه، وقيل كانا يبنيان في طرفين، أو على التناوب يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ وقد أظهر عبد الله (يقولان) في قراءته؛ أي: يرفعانها حالة كونهما قائلين ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ الدعاء، وغيره من القرب، والطاعات التي من جملتها ما هما بصدده من البناء؛ أي: حالة كونهما قائلين: ربّنا واقبل منّا ما عملنا لك! وطاعتنا إياك، وعبادتنا لك، وبناءَنا بيتك، وفُرِّق (١) بين القبول والتقبُّل: بأنَّ التَّقبُّل لكونه على بناء التكلُّف، إنّما يطلق حيث يكون العمل ناقصًا لا يستحق أن يقبل إلا على طريق التفضُّل، والكرم، ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى، فاختيار لفظ التقبُّل اعتراف منهما بالعجز، والانكسار، والقصور في العمل ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ لجميع المسموعات التي من جملتها دعاؤُنا، وتضرُّعنا إليك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بكل المعلومات التي من زُمْرَتها نياتنا في جميع أعمالنا، ودلَّ هذا القول، على أنّه لم يقع منهما تَقْصِير بوجه في إتيان المأمور به، بل بذلا في ذلك غاية ما في وسعهما، فإنَّ المقصِّر المتساهل كيف يتجاسر على أن يقول بأطلق لسانٍ، وأرقِّ جنانٍ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾؟! ودلت الآية أيضًا (٢) على أنَّ الواجب على كُلِّ مأمور بعبادةٍ وقربةٍ إذا فرغ منها، وأدَّاها كما أمر بها، وبذل في ذلك ما في وسعه أن يتضرَّع إلى الله سبحانه، ويبتهل ليتقبَّل منه، ولا يردَّ عليه، فيضيع سعيه، وأن لا يقطع القول بأنَّ من أدَّى عبادةً وطاعةً تقبل منه لا محالةٍ، إذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنًى، فالقبول والردُّ إليه تعالى، ولا يجب عليه شيءٌ ١٢٨ - ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ﴾؛ أي: منقادين لحكمك مخلصين ﴿لَكَ﴾ بالتوحيد والعبادة، لا نعبد إلّا إياك فالمراد بالمسلم: من يجعل نفسه وذاته خالصًا لله تعالى، بأن يجعل التذلُّلَ، والتعظيم الواقع منه لِلِّسانِ، والأركانِ، والجَنَان خالصًا له تعالى، ولا يُعظِّم معه تعالى غيره، ويعتقد بأنَّ ذاتَه، وصفاتِه، وأفعالَه خالصةٌ له تعالى، خلقًا، وملكًا، لا مدخل في شيءٍ منها لأحدٍ سواه، أو المعنى: واجعلنا

стр. 969

مستسلمين لك، منقادين بالرضى بكل ما قدَّرت، وبترك المنازعة في أحكامك، فإنّ الإِسلام إذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد، والرضا بالقضاء. فإنْ قلت (١): لا شكَّ أنَّهما كانا مخلصين، ومستسلمين في زمان صدور هذا الدعاء منهما. قلت: المراد طلب الزيادة في الإخلاص، والإذعان، أو الثبات عليه، فهذا تعليمٌ منهما الناس الدعاء؛ للتثبيت على الإيمان، فإنّهما لمّا سألا ذلك مع أمنهما من زواله عنهما، فكيف غيرهما مع خوفه، وسألا أيضًا الثبات على الانقياد، فأجيبا إلى ذلك حتى أسلم إبراهيم للإلقاء في النار، إسماعيل للأمر بالذبح. ﴿وَ﴾ اجعل ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾؛ أي: بعض أولادنا ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾؛ أي: جماعةً منقادة لأمرك، مخلصةً لك بالتوحيد، والطاعة، والعبادة، خاضعةً لعظمتك؛ وإنَّما خصَّا الذريَّة بالدعاء مع أنَّ الأنسب بحال أصحاب الهمم، لا سيما الأنبياء أن لا يخصُّوا ذرّيَّتهم بالدعاء، لكنهما خصّاهم لوجهين: الأول: كونهم أحقَّ بالشفقة، كما في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فدعوا لأولادهما؛ ليكثر ثوابهما بهم، وفي الحديث: "ما مِن رجلٍ من المسلمين، يخلف من بعده ذريةٌ يعبدون الله تعالى، إلّا جعل الله له مثل أجورهم ما عبد الله منهم عابدٌ حتى تقوم الساعة". والثاني: إنّه وإن كان تخصيصًا صورةً، إلّا أنّه تعميمٌ معنى؛ لأنَّ صلاح أولاد الأنبياء سببٌ وطريقٌ لصلاح العامَّة، فكأنَّهما قالا: وأصلح عامة عبادك بإصلاح بعض ذريّتنا. وخصَّا البعض من ذريّتهما (٢)؛ لما علما أنَّ من ذريّتهما محسنٌ، وظالمٌ

стр. 970

لنفسه مبينٌ، وطريق علمهما بذلك أمران، تنصيص الله تعالى بذلك بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ والاستدلال بأنَّ حكمته تعالى تقتضي أن لا يخلو العالم عن أفاضل، وأواسط، وأراذل، فالأفاضل: هم أهل الله الذين أخلصوا أنفسهم لله تعالى، بالإقبال الكليِّ عليه. والأواسط: هم أهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات، ويواظبون على الطاعات؛ رغبةً في نيل المثوبات. والأراذل: هم أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون، جُلُّ همَّتهم عمارة الدنيا، وتهيئة أسبابها. وقد قيل: عمارة الدنيا بثلاثة أشياء: أحدها: الزراعة والغرس، والثاني: الحماية والحرب، والثالث: جلب الأشياء من مصرٍ إلى مصر، ومن أكبَّ على هذه الأشياء، ونسي الموت، والبعث، والحساب، وسعى لعمارة الدنيا سعيًا بليغًا، ودقَّق في إعمال فكره تدقيقًا عجيبًا، فهو متوغِّلٌ في الجهل، والحماقة، ولهذا قيل: لولا الحمقى لخربت الدنيا. ﴿وَأَرِنَا﴾ أي بصرنا، أو عرفنا ﴿مَنَاسِكَنَا﴾؛ أي: مواضع نسكنا، أو أعمال نسكنا، والمناسك: جمع منسكٍ بفتح السين وكسرها، ويحتمل أن يكون المراد به: اسم مكان، فتكون الرُّؤية حنيئذٍ بصريةً، والمعنى: بصّرنا مواضع نسكنا؛ أي: المواضع التي يتعلَّق بها النسك؛ أي: أفعال الحج، نحو: المواقيت التي يحرم منها، والموضع الذي يوقف بعرفة، ومزدلفة، وموضع الطواف، والصفا والمروة، وما بينهما من المسعى، وموضع رمي الجمار، ويحتمل أن يكون المراد به: مصدرًا لا اسم مكان؛ أي: أفعال الحج نفسها لا مواضعها، ويكون جمعه حينئذٍ لاختلاف أنواعه، وتكون الرُّؤية حينئذٍ علميَّةً؛ لأنَّ نفس الأفعال لا تدرك بالبصر بل ترى بعين القلب، والمعنى حينئذٍ: وعرِّفنا أفعال حجنا، وكيفيتها من الطواف، والوقوف، والرمي، والنُّسُك: كُلُّ ما يُتعبَّد به إلى الله تعالى، وشاع في أعمال الحج؛ لكونها أشقَّ الأعمال بحيث لا تتأتَّى إلّا بمزيد سعيٍ واجتهادٍ، فأجاب (١)

стр. 971

الله تعالى دعاءَهما، فبعث جبريل، فأراهما المناسك في يوم عرفة، فلمَّا بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم! قال إبراهيم: نعم، فَسمِّي ذلك الوقت عرفة، والموضع عرفات. وفي قراءة ابن مسعود ﴿وأرهِم مناسكَهم﴾ بإعادة الضمير إلى الذرية. وقرأ (١) ابن كثير، والسُّوسيُّ عن أبي عمرو، ويعقوب ﴿أرْنَا﴾ بإسكان الراء قياسًا على فخذ في فخذٍ، ولكن أبو عمرو يُشِمُّ الكسرة، وقد سمع الإسكان في هذا الحرف نصًّا عن العرب، قال الشاعر: أَرْنَا إدَاوَةَ عَبْدِ الله نَمْلَؤُهَا ... مِنْ مَاءِ زَمْزَمٍ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا ولا اعتبار بإنكار من أنكرها؛ لأنّها قراءةٌ متواترةٌ، فإنكارها ليس بشيءٍ ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾ عمَّا فَرَط منا سَهْوًا من الصغائر، ومن ترك الأولى، ولعلهما قالا ذلك؛ هضمًا لأنفسهما، وإرشادًا لذريتهما؛ أي: سامح لنا تقصيرنا في طاعتك، وتجاوز عنَّا، فإنّ العبد وإن اجتهد في طاعة ربّه، فإنّه لا ينفكُّ عن التقصير من بعض الوجوه، إمّا على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى، والأفضل، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك لا لذنبهما؛ لأنّهما معصومان، أو المعنى: وتب على ظلمة أولادنا حتى يرجعوا إلى طاعتك، فيكون ظاهر الكلام الدعاء لأنفسهما، والمراد به ذريتهما، فإنّهما لمَّا بنيا البيت أرادا أن يَسنَّا للناس، ويعرِّفاهم أنَّ ذلك البيت، وما يتبعه من المناسك، والمواقف، أمكنة التفصِّي من الذنوب، وطلب التوبة من علام الغيوب ﴿إِنَّكَ﴾ يا ربّنا ﴿أَنْتَ التَّوَّابُ﴾؛ أي: كثير القبول لتوبة من تاب ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أي: كثير الرحمة والإنعام على عباده. وأصل التوبة: الرجوع، وتوبة الله على العبد قبوله توبته، وأن يخلق الإنابة والرجوع في قلب المسيء، ويزيِّن جوارحه الظاهرة بالطاعات، بعد ما لوَّثها بالمعاصي والخطيئات، وتوّابٌ: من صيغة المبالغة، أُطلق عليه تعالى في صدور الفعل منه، وكثرة قبوله توبة المذنبين؛ لكثرة من يتوب إليه يا ١٢٩ - ﴿رَبَّنَا﴾ ﴿و﴾ يا مَالِكَ أمرِنا ﴿ابعث﴾ وأرسل ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في جماعة الأمة المسلمة من أولادنا، وهم

стр. 972

العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵉ ﴿رَسُولًا﴾ ونبيًّا ﴿مِنْهُمْ﴾؛ أي: من أنفسهم ونسبهم، ولم يبعث من ذريتهما غير محمد ﷺ ، فهو المجاب به دعوتهما، كما قال ﷺ : "أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أُمي التي رأت حين وضعتني، وقد خرج لها نور ساطع أضاءت لها منه قصور الشام" أخرجه أحمد من حديث العرباض بن سارية. وقال: ﴿مِنْهُمْ﴾ ولم يقل: فيهم؛ لأنَّ البعث فيهم لا يستلزم البعث منهم، بل يكون منهم، ومن غيرهم. وجملة قوله: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: يقرأ عليهم ﴿آيَاتِكَ﴾؛ أي: آيات القرآن صفةٌ لرسولًا؛ أي: رسولًا يملي عليهم آياتك القرآنية ليأخذوها منه، ويتعلَّموها، أو يأمرهم بتلاوة القرآن، وحفظ ألفاظه، أو يقرؤها عليهم ويبلِّغها إياهم بلا كتمان شيءٍ منها. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ معطوف على يتلو؛ أي: يعلِّمهم بحسب قوَّتهم النظريَّة معاني الكتاب والقرآن، بتعليمهم ما فيه من دلائل التوحيد، والنبوة، والأحكام الشرعية، فلمَّا ذكر الله تعالى أوَّلًا أمر التلاوة، وهي حفظ القرآن، ودراسته؛ ليبقى مصونًا من التحريف والتبديل، وفيه إشارةٌ إلى فنِّ القراءة، وما يتعلَّق به، ذكر بعده تعليم معانيه، وحقائقه، وأسراره، وفيه إشارةٌ إلى فنِّ التفسير، وما يتعلَّق به ﴿وَ﴾ يعلمهم ﴿الحكمة﴾؛ أي: السنة والحديث، وفهم ما في القرآن، قاله قتادة، وفيه إشارةٌ إلى فنِّ الحديث، وما يتعلَّق به درايةً وروايةً، أو يعلِّمهم ما يُكمّل به نفوسهم من المعارف الحقّة، والأحكام الشرعيَّة. قال أبو بكر ابن دريد: وكُلُّ كلمةٍ وَعَظَتْك، أودعتك إلى مكرمةٍ، أو نَهَتْك عن قبيحٍ، فهي حكمةٌ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ بحسب قوّتهم العمليَّة؛ أي: يطهِّرهم عن دنس الشرك والوثنيَّة، وفنون المعاصي، سواء كانت بترك الواجبات، أو بفعل المنكرات، وفيه إشارةٌ إلى علم العقائد. ثمَّ إنّ إبراهيم لمَّا ذكر هذه الدعوات الثلاث، ختمها بالثناء على الله تعالى؛ لأنّه أرجى للقبول، فقال: ﴿إِنَّكَ﴾ يا ربَّنا! ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب الذي لا يغالب ويقهر على ما يريد ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل إلّا ما تقتضيه الحكمة البالغة، والمصلحة العامَّة لعباده، فهو سبحانه عزيزٌ حكيمٌ بذاته، وكُلُّ ما سواه ذليلٌ جاهلٌ في نفسه.

стр. 973

فائدة: فإن قلت (١): ما الحكمة في ذكر إبراهيم، وآله مع محمد ﷺ في باب الصلاة حيث يقال: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم دون سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؟. قلت: أجيب عنها بأجوبة كثيرة: منها: أنّ إبراهيم دعا لمحمد بهذه الدعوات، فأجرى الله سبحانه ذكر إبراهيم على ألسنة أمَّة محمد ﷺ إلى يوم القيامة، أداءً لحقٍّ واجبٍ على محمد لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. ومنها: أنَّ إبراهيم سأل ربَّه بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾؛ أي: أبق لي ثناءً حسنًا في أمّة محمد ﷺ . ومنها: أنّ إبراهيم كان منادي الشريعة في الحجِّ، ومحمدًا كان منادي الإيمان، فجمع الله بينهما في الذكر الجميل إلى غير ذلك من الأجوبة. ١٣٠ - ومَن في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخيِّ، فهو بمعنى: النفي؛ أي: لا يرغب، ولا يعرض ﴿عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇، ولا يترك دينه، وشريعته التي منها ما أرسل به محمدٌ ﷺ ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ أي: إلا من استخفَّ، وأذلَّ، وامتهن نفسه، وأهلكها، وخسَّرها، وجهل قدرها بأن لم يعلم أنّها مخلوقةٌ لله، يجب عليها عبادة خالقها؛ لأن من عبد غير الله فقد جهل نفسه؛ لأنّه لم يعترف بأنَّ الله خالقها، وقد ورد: (من عرف نفسه فقد عرف ربّه). وعنى بذلك اليهود، والنصارى، ومشركي العرب لاختيارهم اليهوديَّة، والنصرانيَّة، والوثنية، على الإسلام. فائدة: فالمِلَّة والدّين والشريعة بمعنى واحد، وهي: الأحكام التي شرعها الله تعالى لعباده للتَّعبُّد بها، فمن حيث إملاء الرسول إيَّاها علينا تسمَّى ملَّةً، ومن حيث إنَّها شرعها الله على لسان رسوله تسمَّى شريعةً، ومن حيث إنّا نتديَّن بها

стр. 974

تسمى دينًا، كما مرَّ لك ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي، لقد اصطفينا إبراهيم واخترناه ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ من بين سائر الخلق، للرسالة والخلَّة، وعرَّفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد، والعدل، والشرائع ﴿وَإِنَّهُ﴾؛ أي: إنّ إبراهيم ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي: في اليوم الآخر ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: لمن الفائزين بالرضا والكرامة مع الأنبياء، والمرسلين، وسائر عباد الله الصالحين، ففيه بيان (١) لخطأ من رغب عن ملَّته؛ لأنَّ من جمع كرامة الدارين لم يكن أحدٌ يرغب عن طريقته إلا من سفيه. وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق (٢) بقوله: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: لمن المشهود لهم بالثبات على الاستقامة، والخير، والصلاح، فمن كان صفوة العباد في الدنيا، مشهودًا له في الآخرة بالصلاح، كان حقيقًا بالاتباع، لا يرغب عن مِلَّتَهِ إلّا سفيهٌ؛ أي: في أصل الخلقة، أو متسفِّهٌ يتكلَّف السَّفاهة بمباشرة أفعال السفهاء باختياره، فيذلُّ نفسه بالجهل، والإعراض عن النظر، والتأمُّل، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ بشارةٌ عظيمةٌ له في الدنيا بصلاح الخاتمة، ووعد له بذلك، وكم من صالحٍ في أوَّل حاله ذهب صلاحه في ماله، وكان في الآخرة لعذابه، ونكاله، كبلعم بن باعوراء، وبرصيصا، وقارون. والمعنى (٣): أي: إنّ ملتكم هي ملة أبيكم إبراهيم الذي إليه تنسبون، وبه تفخرون، فكيف ترغبون وتحتقرون عقولكم، وتدعون أولياء من دون الله لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا؟! ولقد اجتبيناه من بين خلقنا، وجعلنا في ذريته أئمةً يهدون بأمرنا، وجعلناه في الآخرة من المشهود لهم بالخير، والصلاح، وإرشاد الناس للعمل بهذه الملّة، ولا شكّ (٤) أنَّ ملّةً هذا شأنها، وبها كانت له المكانة عند ربّه، لا يرغب عنها إلّا سفيهٌ يعرض عن التأمل في ملكوت السموات والأرض، ورؤية الآثار الكونية

стр. 975

والنفسية الدالَّة على وحدانية الله تعالى وعظيم قدرته، والظرف في ١٣١ - قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ متعلِّق باصطفيناه، وتعليلٌ له؛ أي: اصطفيناه واخترناه ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾؛ أي: أخلص دينك لربّك، واستقم على الإِسلام، واثبت عليه، وذلك حين كان في الرب، ونظر إلى الكواكب، والقمر، والشمس، فألهمه الله الإخلاص ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أخلصت ديني له، كقوله: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. وقد امتثل ما أمر به من الإخلاص والاستسلام، وأقام على ما قال، فسلَّم القلب، والنفس، والولد، والمال، ولمَّا قال له جبريل حين ألقي في النار: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فقال: ألا تسأل ربَّك؟ فقال: حسبي بسؤالي علمه بحالي. وقيل: الظرف متعلق بمحذوف، كنظائره، تقديره: واذكر يا محمد! لأمَّتك قصة ﴿إذ قال له﴾؛ أي: لإبراهيم ﴿رَبُّهُ﴾ سبحانه وتعالي ﴿أَسْلِمْ﴾؛ أي: أخلص دينك وعملك لله ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: أخلصت ديني وعملي لمالك الخلائق، ومدبِّرها، ومحدثها، ويقال: قال له ربُّه حين ألقي في النار: أسلم نفسك إليَّ. قال: أسلمت نفسي لله ربِّ العالمين؛ أي: فوَّضْتُ أمري إليه، وقد حقَّق ذلك حيث لم يستعن بأحدٍ من الملائكة حين ألقي في النار. قال أهل التفسير (١): إنّ إبراهيم ولد في زمن النمروذ بن كنعان، وكان النمروذ أوّل من وضع التاج على رأسه، ودعا الناس إلى عبادته، وكان له كُهَّانٌ ومنجِّمون، فقالوا له: إنّه يولد في بلدك في هذه السنة غلامٌ يغيِّر دين أهل الأرض، ويكون هلاكك، وزوال ملكك على يديه. قالوا: فأمر بذبح كُلِّ غلام يولد في ناحيته في تلك السنة، فلمَّا دنت ولادة أُمّ إبراهيم، وأخذها المخاض خرجت هاربةً مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها، فولدته في نهرٍ يابسٍ، ثُمَّ لفَّته في خرقةٍ، ووضعته في حلفاء، وهو نبتٌ في الماء، يقال له بالتركي: حَصِير قَمشَي، ثُمَّ رجعت فأخبرت زوجها بأنَّها ولدت، وأنَّ الولد في موضع كذا، فانطلق أبوه، فأخذه من ذلك المكان، وحفر له سُرْبًا؛ أي: بيتًا في الأرض

стр. 976

كالمغارة، فواراه فيه، وسدَّ عليه بابه بصخرةٍ مخافة السباع، وكانت أمُّه تختلف إليه فترضعه، وكان اليوم على إبراهيم في الشباب والقوّة، كالشهر في حقّ سائر الصبيان، والشهر كالسنة، فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلّا خمسة عشرة شهرًا، أو سبع سنين، أو أكثر من ذلك فلمَّا شبَّ إبراهيم في السرب قال لأمّه: من ربّي؟ قالت: أنا. قال: فمن ربّك؟ قالت: أبوك. قال: فمن ربُّ أبي؟ قالت: أسكت. ثمَّ رجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي كنَّا نحدَّث أنّه يغيِّر دين أهل الأرض؟ فإنَّه ابنك، ثُمَّ أخبرته بما قال، فأتى أبوه، وقال له إبراهيم: يا أبتاه! من ربي؟ قال: أمُّك. قال: فمن ربُّ أمي؟ قال: أنا. قال فمن ربُّك؟ قال: النمروذ. قال: فمن ربُّ نمروذ؛ فلطمه لطمةً، وقال له: اسكت، فلمَّا جنَّ عليه الليل، دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة، فرأى السماء، وما فيها من الكواكب، ففكَّر في خلق السموات والأرض، فقال: إنَّ الذي خلقني ورزقني، وأطعمني وسقاني، ربّي الذي مالي إلهٌ غيره، ثمّ نظر في السماء، فرأى كوكبًا، فقال: هذا ربّي، ثُمَّ أتبعه بصره ينظر إليه حتى غاب، فلمَّا أفل قال: لا أحبُّ الآفلين، ثم رأى القمر، ثمّ الشمس، فقال فيهما كما قال في حقِّ الكواكب، وقد نشأ إبراهيم في قومٍ عبدة أصنام وكواكب، فأنار الله بصيرته، وألهمه الحق والصواب، فأدرك أنَّ للعالم ربًّا واحدًا يدبِّره في شؤونه، وإليه مصيره، وحاجَّ قومه في ذلك، وبهرهم بحجته، فقال: ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ الخ. والحاصل (١): أنّ إبراهيم مستسلم للربّ الكريم، وأنّه على الصراط المستقيم، لا يرغب عن طريقته إلّا من سفه نفسه؛ أي: لم يتفكَّر فيها كما تفكَّر إبراهيم في الأنفس، والآفاق، قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ والسَّفاهة: الجهل وضعف الرأي، وكلُّ سفيه جاهلٌ، وذلك أنَّ من عبد غير الله فقد جهل نفسه؛ لأنّه لم يعرف الله خالقها، ولمَّا كمل إبراهيم في نفسه كمَّل غيره بالتوصية المذكورة في قوله: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾. قرأ نافع وابن عامر ﴿وأوصى﴾ بالهمزة

стр. 977

المفتوحة. وقرأ الباقون ١٣٢ - ﴿وَوَصَّى﴾ وبها متعلق بوصَّى، والضمير عائدٌ على الملَّة المذكورة في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وبه قال الزمخشري، أو الكلمة التي هي قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والتوصية: هي التقديم إلى الغير بما فيه خيرٌ وصلاحٌ من قول، أو فعل على وجه التفضُّل والإحسان، سواءٌ كان أمرًا دينيًّا، أو دنيويًّا، وأصلها: الوصل، يقال: وصَّاه إذا أَوْصَلَه، وهي أبلغ من الإيصاء؛ أي: وأوصى إبراهيم ﵇ بالملّة المذكورة في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أو بكلمة: أسلمت لله ربّ العالمين، أو بكلمة: لا إله إلّا الله ﴿بَنِيهِ﴾؛ أي: أولاده الذُّكور، وقد سبق أنّهم كانوا أربعة: إسماعيل، وإسحاق، ومدين، ومدائن. وقيل (١): هم ثمانية: إسماعيل وهو أكبر أولاده، وأُمُّهُ هاجر القبطية، وإسحاق وأمّه سارةُ، ومدين، ومداين، وبُقْشَانُ، وزُمْرَانُ، وشَبقٌ، ونُوحٌ، وأمُّهم قنَطْوُراءُ بنتُ يَقْطَنَ الكنعانيةُ، تزوَّجها إبراهيم بعد وفاة سارة. وقيل أولادهُ: أربعة عشرة، والذي بقي نسله من هؤلاء الثمانية: إسماعيل، وإسحاق والمعنى: أي: أمر إبراهيم ﵇ بنيه عند موته باتباع هذه الملة الحنيفية، وإنّما خصَّهم بهذه الوصية؛ لأنّ شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم، وقيل: لأنّهم كانوا أئمّة يقتدى بهم، وكان صلاحهم صلاحًا لغيرهم. ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بن إسحاق بالرفع عطفًا على إبراهيم؛ أي: ووصّى يعقوب بنيه عند موته بهذه الملة، كوصيّة إبراهيم، وقرىءَ بالنصب عطفًا على بنيه، والمعنى: ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب نافلته بهذه الملة عند موته. وقرأ الجمهور ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ بالرفع. وقرأ إسماعيل بن عبد الله المكيُّ الضرير، وعمر بن فائد الأسواريُّ بالنصب، فأمَّا قراءة الرفع فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون معطوفًا على إبراهيم، ويكون دَاخِلًا في حكم توصية بنيه؛ أي: ووصى يعقوب بنيه. الثاني: أن يكون مرفوعًا على الابتداء، وخبره محذوف، تقديره: ويعقوب

стр. 978

قال يا بَنيّ: إن الله اصطفى لكم الدين، والأوّل أظهر. وأمّا قراءة النصب فيكون عليها معطوفًا على بنيه؛ أي: ووصَّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب نافلته؛ أي: ابن ابنه إسحاق، وكان (١) جملة أولاد يعقوب اثني عشر: روبين، وشمعون، ولاوى، ويهوذا، وشنوخون، وزبولون، وزَوَابِي، ونَفْتُونِي، وكُوْدا، وأوشيز، وبنيامين، ويوسف، وسُمّي يعقوب؛ لأنّه مع أخيه عَيْصُو كانا توأمين، فتقدَّم عيصو في الخروج من بطن أمِّه، وخرج يعقوب على أثره آخذًا بعقبه، وذلك أنَّ أُمَّ يعقوب حملَتْ في بطنٍ واحد بولدين توأمين، فلمَّا تكامل عدَّةٌ أشهر الحمل، وجاء وقت الوضع تكلَّما في بطنها وهي تسمع، فقال: أحدهما للآخر: طرِّق لي حتى أخرج قبلك، وقال الآخر: لئن خرجت قبلي لأشُقَّن بطنها حتى أخرج من خصرها، فقال الآخر: اخرج قبلي، ولا تقتل أمي. قال: فخرج الأول فسمَّته عيصو؛ لأنَّه عصاها في بطنها، وخرج الثاني وقد أمسك بعقبه فسمَّته يعقوب، فنشأ عيصو بالغلظة والفظاظة، صاحب صَيْدٍ وقَنَصٍ، ويعقوب بالرحمة واللين، صاحب زرع وماشية. وروي: أنّهما ماتا في يوم واحد، ودُفنا في قبر واحد. قيل: عاش يعقوب مائةً وسبعًا وأربعين سنة بمصر، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدَّسة، ويدفن عند أبيه إسحاق، فحمله يوسف فدفنه عند أبيه. وقال المؤرِّخون: نقل إبراهيم ولده إسماعيل إلى مكة وهو رضيعٌ، وقيل: ابن سنتين، وقيل: ابن أربع عشرة سنة، وولد قبل إسحاق بأربع عشرة سنة، ومات إسماعيلُ وله مائةٌ وثلاثون سنة، وكان لإسماعيل حين مات أبوه إبراهيم تسعٌ وثمانون سنةً، وعاش إسحاق مائةً وثمانين سنةً، ومات بالأرض المقدَّسة، ودفن عند أبيه، وكان بين وفاة إبراهيم الخليل ومولد محمد ﷺ نحوٌ من ألف سنةٍ وستمائة سنة، على ما قيل واليهود تنقص من ذلك نحوًا من أربعمائة سنة، وقوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ على إضمار القول عند البصريين، تقديره: ووصَّى بها بنيه، وقال ﴿يَا بَنِيَّ﴾ الخ. وذلك؛ لأنّ يا بني

стр. 979

جملةٌ، والجملة لا تقع مفعولًا إلّا لأفعال القلوب، أو فعل القول، وأمَّا عند الكوفيين فمنصوبٌ بفعل الوصية؛ لأنّها في معنى القول على رأيهم. وفي "الفتوحات" قوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنّه مقول إبراهيم، وذلك على القول بعطف يعقوب على إبراهيم، وهو الأظهر كما مرّ، ومقول يعقوب محذوفٌ؛ لدلالة مقول إبراهيم عليه، والتقدير: ووصَّى بها إبراهيم بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ الخ. ووصى بها يعقوب بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ الخ. والثاني: أنه من مقول يعقوب؛ إن قلنا رفعه بالابتداء، ومقول إبراهيم محذوف؛ لدلالة مقول يعقوب عليه، والتقدير: ووصَّى بها إبراهيم بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ ...﴾ الخ. ويعقوب وصَّى بها بنيه، وقال: ﴿يَا بَنِيَّ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿اصْطَفَى﴾ واختار ﴿لَكُمُ﴾ من بين الأديان ﴿الدِّينَ﴾؛ أي: دين الإِسلام الحنيفي الذي هو صفوة الأديان، ولا دين عنده غيره، والألف واللام في الدين للعهد؛ لأنهم كانوا قد عرفوا، كما في "الكرخي" ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾؛ أي: لا يصادفنكم الموت في الظاهر، وفي الحقيقة: نهى عن ترك الإِسلام؛ لأنَّ الموت ليس في أيديهم، فكأنَّه قال: لا تموتوا على حالةٍ غير حالة الإِسلام، فليس فيه نهيٌ عن الموت الذي هو قَهْريٌّ، والاستثناء مفرَّغٌ من أعمِّ الأحوال ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محلِّ النصب على الحال، والعامل فيها ما قبل ﴿إِلَّا﴾، كأنه قال: لا تموتنَّ على حالٍ من الأحوال إلّا على هذه الحالة التي هي اتصافكم بالإِسلام. والمعنى: أي فاثبتوا على الإِسلام حتى تموتوا مسلمين مخلصين له تعالى بالتوحيد والعبادة، والمراد: نهيهم عن ترك الإِسلام، وأمرهم بالثبات عليه إلى مصادفة الموت، وإلَّا فالموت قهريٌّ ليس باختيارهم. وذلك حين دخل يعقوب مصر، فرأى أهلها يعبدون الأصنام، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإِسلام، فإنَّ موتهم لا على حال الثبات على الإِسلام موتٌ لا خير فيه، وأنَّه ليس بموت السعداء، وأنَّ من حقّ هذا الموت أن لا يحلَّ فيهم. وتخصيص الأبناء بهذه

стр. 980

الوصية مع أنّه معلومٌ من حال إبراهيم إنَّه كان يدعو الكُلَّ أبدًا إلى الإِسلام والدين، للدلالة على أنَّ أمر الإِسلام أولى الأمور بالاهتمام، حيث وصَّى به أقرب الناس إليه، وأحراهم بالشفقة، والمحبَّة، وإرادة الخير، مع أنَّ صلاح أبنائه سببٌ لصلاح العامَّة؛ لأنَّ المتبوع إذا صلح في جميع أحواله صلح التابع. وروي أنَّ اليهود قالوا لرسول الله ﷺ : ألست تعلم أنَّ يعقوب أوصى بنيه باليهوديَّة يوم مات؟ فنزلت هذه الآية: ١٣٣ - ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾ وأم فيه منقطعةٌ مقدَّرةٌ ببل الإضرابية، وهمزة الاستفهام الإنكاري. قال في "التيسير": أم إذا لم يتقدَّمها ألف الاستفهام كانت بمنزلة مجرَّد الاستفهام، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، والشهداء: جمع شهيد بمعنى حاضر؛ أي: بل كنتم يا معشر اليهود! حاضرين وصيّة يعقوب، ﴿إِذْ حَضَر﴾ وقرىء بكسر (١) الضاد ﴿يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ وقرأ الجمهور (٢) بنصب يعقوب، ورفع الموت، وقرىء بالعكس، والمعنيان متقاربان، أي: أكنتم حاضرين يعقوب حين حضره أسباب الموت ومقدّماته؟ أي: (٣) إنّكم لم تحضروا ذلك فلا تدَّعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل، وتنسبوهم إلى اليهوديَّة، فإنّي ما ابتعثت خليلي إبراهيم، وولده، وأولاده إلا بدين الإِسلام، وبذلك وصّوا أولادهم، وبه عهدوا إليهم. ثُمَّ بيَّن ما قال يعقوب لبنيه بقوله سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ﴾ يعقوب، ﴿إِذْ﴾ بدلٌ من إذ الأولى بدل اشتمال، والعامل فيهما شهداء، أو ظرفٌ لحضر، أي: أكنتم حاضرين وصيّته؟ إذ قال: ﴿لِبَنِيهِ﴾؛ أي: لأولاده الاثني عشر ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: أيَّ شيء تعبدونه؟ ﴿مِنْ بَعْدِي﴾؛ أي: من بعد موتي، أراد به تقريرهم على التوحيد والإِسلام، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما؛ أي: فأنتم لم تحضروا وصيته، فكيف تنسبونه إلى اليهودية؟ قيل: إنّ الله تعالى لم يقبض نبيًّا حتى يخيّره بين الحياة والموت، فلمَّا خيِّر يعقوب، وكان قد رأى أهل مصر يعبدون الأوثان والنيران، قال: أنظروني حتى أسأل أولادي، وأوصيهم، فأمهل، فجمع أولاده،

стр. 981

وأولاد أولاده، وقال لهم: قد حضر أجلي، ما تعبدون من بعدي؟ قال الراغب: لم يَعْنِ بقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ العبادة المشروعة فقط، وإنَّما عنى أن يكون مقصودهم في جميع الأعمال وجه الله تعالى ومرضاته، وأن يتباعدوا عمَّا لا يتوسَّل به إليهما، وكأنَّه دعاهم إلى أن لا يتحرَّوا في أعمالهم غير وجه الله تعالى، ولم يَخَفْ عليهم الاشتغالَ بعبادة الأصنام، وإنّما خاف أن تشغلهم دنياهم، ولهذا قيل: ما قطعك عن الله فهو طاغوتٌ، ولهذا قال في دعائه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾؛ أي: أن نخدم ما دون الله تعالى. قال النحرير التفتازانيُّ: و (ما) عامٌّ؛ أي: يصحُّ إطلاقه على ذي العقل، وغيره عند الإبهام، سواءٌ كان للاستفهام، أو غيره، وإذا علم أنَّ الشيء من ذي العقل والعلم، فُرِّقَ (بمَنْ) و (ما)، فيخُصُّ (مَنْ) بذي العلم، و (ما) بغيره، وبهذا الاعتبار يقال: إنَّ (ما) لغير العقلاء. انتهى كلامه. وتمَّ الإنكار عليهم عند قوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ ثُمَّ استأنف وبيَّن أنَّ الأمر قد جرى على خلاف ما زعموا، فقال: و ﴿قَالُوا﴾ كأنَّه قيل: فماذا قال أولاد يعقوب؟ فقيل: قالوا: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ ربَّ العالمين ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ معبود الأولين والآخرين، وأعيد ذكر الإله؛ لئلَّا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار. وقرأ الجمهور ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾. وقرأ أُبيٌّ ﴿وإلهَ إبراهيم﴾ بإسقاط آبائك. وقرأ ابن عباس، والحسن، وابن يعمر، والجحدريُّ وأبو رجاء ﴿وإله أبيك﴾ وقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ عطف بيان لآبائك، أو بدل تفصيل له؛ أي: نعبد الإله المتفق على وجوده، وإلهيته، ووجوب عبادته، وقدَّم إسماعيل؛ لأنّه كان أكبر من إسحاق، وجعله من جملة آبائه مع كونه عمًّا له؛ تغليبًا للأب والجدِّ؛ ولأنَّ العمَّ أبٌ، والخالة أُمٌّ؛ لانْخِرَاطِهما في سلكٍ واحدٍ، وهو الأخوَّة لا تفاوت بينهما، ولقوله ﷺ في العباس: "هذا بقيَّة آبائي" وفي "الصحيحين": "عمُّ الرجل صنو أبيه"؛ أي: مثله في أنَّ أصلهما واحدٌ؛ أي: لا تفاوت بينهما، كما لا تفاوت بين صنوي النخلة. وقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ بدلٌ من ﴿إله آبائك﴾ كقوله تعالي: ﴿بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ وفائدته: التصريح بالتوحيد، ودفع التوهُّم الناشىء من تكرار المضاف لتعذّر العطف على المجرور، والتأكيد، أو

стр. 982

منصوبٌ على الاختصاص، كأنّه قيل: نريد ونعني بإله آبائك إلهًا واحدًا، وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾ وحده ﴿مُسْلِمُونَ﴾ حالٌ من فاعل نعبد؛ أي: مقرُّون له بالتوحيد وبالعبادة، منقادون. قال تعالى: مشيرًا إلى تلك الذرية الطيبة ١٣٤ - ﴿تِلْكَ﴾ الجماعة المذكورة التي هي إبراهيم، ويعقوب، وبنوهما المُوحِّدون ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أي: جماعةٌ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ ومضت وسلفت بالموت، والأمَّة في الأصل: المقصود، كالعهدة بمعنى: المعهود، وسمّي بها الجماعة؛ لأنَّ فِرَقَ الناس تؤمُّها؛ أي يقصدونها، ويقتدون بها، وهي خبر تلك، وجملة قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نعتٌ لأمّةٍ؛ تلك الجماعة المذكورة أمّةٌ قد خلت ومضت بالموت، وانفردت عمَّن عداها، وأصله: صارت إلى الخلاء، وهي الأرض التي لا أنيس بها ﴿لَهَا﴾؛ أي: لتلك الأمة ﴿مَا كَسَبَتْ﴾؛ أي: جزاء ما عملت من الخيرات، ودَعُوا يا معشر اليهود والنصارى! ذِكْرهم، ولا تقولوا عليهم ما ليس فيهم، وتقديم المسند؛ لقصره على المسند إليه؛ أي: لها كسبها لا كسب غيرها ﴿وَلَكُمْ﴾ يا معشر اليهود والنصارى ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ لا كسب غيركم؛ أي: جزاء ما كسبتموه من العمل، أي: إنَّ أحدًا من الناس لا ينفعه كسب غيره متقدِّمًا كان أو متأخرًا، فكما أنَّ أولئك لا ينفعهم إلّا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلّا ما اكتسبتم، فلا ينفعكم الانتساب إليهم، بل إنّما ينفعكم موافقتهم واتباعهم ﴿وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: لا تؤاخذون بسيئات الأمّة الماضية، كما أنهم لا يؤاخذون بسيئاتكم، بل كُلُّ فريق يسأل عن عمله لا عن عمل غيره، ففي الكلام حذفٌ، تقديره ولا يسألون عما كنتم تعملون، ودلَّ على المحذوف قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ وذلك لمَّا ادعى اليهود أنَّ يعقوب ﵇ مات على اليهودية، وأنه ﵇، وصَّى بها بنيه يوم مات، ورُدُّوا بقوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ ...﴾ الآية، قالوا: هب أنَّ الأمر كذلك، أليسوا آباءنا، وإليهم ينتمي نسبنا؟ فلا جرم ننتفع بصلاحهم، ومنزلتهم عند الله تعالى. قالوا ذلك: مفتخرين بأوائلهم، فرُدُّوا بأنّهم لا ينفعهم انتسابهم إليهم، وإنَّما ينفعهم اتباعهم في الأعمال، فإنَّ أحدًا لا ينفعه كسب غيره، كما روي عن النبي ﷺ : "يا صفية عمة محمد! يا فاطمة بنت محمد! ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم، فإنّي لا أغني عنكم من الله

стр. 983

شيئًا" وقال ﷺ أيضًا: "مَنْ أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" يعني: من أخره في الآخرة عمله السيىء، أو تفريطه في العمل، لم ينفعه شرف نسبه، ولم تنجبر نقيصته به. قال الشاعر: أَتَفْخَرُ باتّصالِكَ مِنْ عَلِيٍّ ... وَأصْلُ البَوْلَةِ الماءُ القَراحُ وَلَيْسَ بِنَافِعٍ نسَبٌ زكّي ... يُدَنِّسُهُ صَنَائِعُكَ القِبَاحُ والأبناء وإن كانوا يتشرَّفون في الدنيا بشرف آبائهم، إلّا أنّه إذا نفخ في الصور فلا أنساب، والافتخار بمثل هذا، كالافتخار بمتاع غيره، وإنّه من المجنون، فلا بُدَّ من كسب العمل والإخلاص فيه، فإنَّه المنجي بفضل الله تعالى، فالقربى لا تغني شيئًا إذا فسد العمل، وأمَّا قول من قال: إذا طَابَ أصْلُ المَرْءِ طَابَتْ فُرُوعُهُ فباعتبار الغالب، فمن عادته تعالى أن يخرج الحيَّ من الميت، والميت من الحيّ. الإعراب ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾: ﴿وَإِذْ﴾ الواو عاطفة ﴿إذ﴾ ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يا محمد! قصّة ﴿إذ يرفع إبراهيم﴾، والجملة معطوفة على جملة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾. ﴿يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لإذ ﴿مِنَ الْبَيْتِ﴾ جار ومجرور حال من ﴿الْقَوَاعِدَ﴾. ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ معطوف على إبراهيم ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف حذف منه حرف النداء، وجملة النداء وما بعدها في محل النصب مقول لقول محذوف، تقديره: يقولان: ربّنا تقبّل منا، وجملة القول المحذوف حال من إبراهيم وإسماعيل، كما أشرنا إليه في الحلّ ﴿تَقَبَّلْ﴾ فعل دعاء وفاعل مستتر يعود على الله سبحانه ﴿مِنَّا﴾ جار

стр. 984

ومجرور متعلق بتقبل، والجملة الفعلية في محل النصب مقول للقول المحذوف ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أوّل؛ لأنَّ ﴿الْعَلِيمُ﴾ خبر ثانٍ لها، وجملة ﴿إنّ﴾ مسوقة؛ لتعليل ما قبلها على كونها مقولًا للقول المحذوف. ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾: ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول للقول المحذوف ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ الواو عاطفة ﴿اجعلنا﴾ فعل ومفعول أوّل، وفاعل مستتر يعود على الله ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ مفعول ثان ﴿لَكَ﴾ جار ومجرور متعلق بمسلمين، والجملة الفعلية معطوفة على جملة ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على المفعول الأول في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾؛ أي: على كونه متعلقًا بمحذوف، تقديره: واجعل من ذرّيتنا أمّة مسلمة، وإن شئت قلت: الواو عاطفة ﴿مِنْ﴾ اسمٌ بمعنى بعض في محل النصب معطوفٌ على المفعول الأول في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا﴾ ﴿منْ﴾ مضافٌ ﴿ذريّة﴾ مضافٌ إليه ﴿ذرية﴾ مضافٌ (نا) مضاف إليه، ﴿أُمَّةً﴾ مفعول ثانٍ ﴿مُسْلِمَةً﴾ صفةٌ لأمة ﴿لَكَ﴾ متعلِّق بمسلمة ﴿وَأَرِنَا﴾ الواو عاطفة ﴿أرنا﴾ فعل ومفعول أوّل، وفاعله ضمير يعود على الله ﴿مناسكنا﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾ على كونها مقولًا للقول المحذوف، ﴿وَتُبْ﴾ الواو عاطفة ﴿تب﴾ فعل دعاءٍ، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾، ﴿عَلَيْنَا﴾ جار ومجرور متعلق بتب ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿أَنتَ﴾ ضمير فصل ﴿التَّوَّابُ﴾ خبر أول، لـ ﴿إنَّ﴾ ﴿الرَّحِيمُ﴾ خبر ثان لها، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها على كونها مقولًا للقول المحذوف. ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾. ﴿رَبَّنَا﴾ منادى مضاف، والجملة في محل النصب مقول للقول المحذوف، ﴿وَابْعَثْ﴾ الواو عاطفة ﴿بعث﴾ فعل دعاء سُلُوكًا مسلك الأدب مع الباري جلَّ

стр. 985

وعلا، وفاعله ضمير يعود على الله، والجملة معطوفة على جملة ﴿تقبل﴾ ﴿فِيهِمْ﴾ متعلق بابعث ﴿رَسُولًا﴾ مفعول به ﴿مِنْهُمْ﴾ صفة أولى لرسولًا ﴿يَتْلُو﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على رسولًا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ متعلق به ﴿آيَاتِكَ﴾ مفعول به ومضاف إليه، وجملة ﴿يَتْلُو﴾ في محل النصب صفة ثانية لرسولًا ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾ فعل ومفعول أوّل، وفاعل مستتر يعود على ﴿رَسُولًا﴾، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ ﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ معطوف على ﴿الْكِتَابَ﴾ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَتْلُو﴾ ﴿إِنَّكَ﴾ ناصب واسمه ﴿أَنْتَ﴾ ضمير فصل ﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر أول؛ لأنَّ ﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثان له، وجملة ﴿إن﴾ مسوقة؛ لتعليل ما قبلها على كونها مقولًا للقول المحذوف ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الواو استئنافية ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿يرغب﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿من﴾ والجملة الفعلية في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿عن ملّة إبراهيم﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بيرغب. ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: ﴿إِلَّا﴾ أداة استثناء ﴿مَن﴾ اسم موصول في محل الرفع بدل من فاعل ﴿يَرْغَبُ﴾، أو في محل النصب على الاستثناء ﴿سَفِهَ﴾ فعل ماض، وفاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾، ﴿نَفْسَهُ﴾ مفعول به ومضاف إليه، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَلَقَدِ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم، ﴿قد﴾ حرف تحقيق، ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة جواب القسم، وجملة القسم مستأنفة ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ جار ومجرور متعلق باصطفينا ﴿وَإِنَّهُ﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿إِنَّهُ﴾ ناصب واسمه ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ متعلق بالصالحين، أو حال من الضمير المستكن في الظرف الخبري ﴿لَمِنَ﴾ اللام حرف ابتداء ﴿من الصالحين﴾ جار ومجرور خبر ﴿إنّ﴾؛ أي: وإنّه لكائن من الصالحين؛ أي: الفائزين في الآخرة، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، أو معطوفة على جملة القسم المذكور قبلها. ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ
следующие страницы →