← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

لأنَّ المشرق المغرب وما بينهما له تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ وقرىء بفتح التاء واللام؛ أي: ففي أي مكانٍ فعلتم تولية وجوهكم القبلة. قال الإمام الراغب: ولَّى: إذا أقبل، ولَّى إذا أدبر، وهو من الأضداد، والمراد ها هنا: الإقبال. اهـ. ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: هناك (١) جهته التي أمر بها، ورضيها لكم قبلةً، فإنَّ إمكان التولية غير مختص بمسجدٍ دون مسجدٍ، أو مكانٍ دون آخر، أو فثمَّة ذاته تعالى، بمعنى: الحضور العِلْميِّ، فيكون الوجه مجازًا من قبل إطلاق اسم الجزء على الكل، والمعنى عليه: ففي أيِّ مكان فعلتم التولية، فهو سبحانه موجودٌ فيه، ويمكنكم الوصول إليه، إذْ ليس هو جوهرًا، ولا عرضًا حتى يكون بكونه في جانب مفرِّغًا جانبًا، ولمَّا امتنع عليه أن يكون في مكانٍ، أريد أنَّ علمه محيطٌ لما يكون في جميع الأماكن والنواحي؛ أي: فهو عالم بما يُفعل فيه، ومثيب لكم على ذلك. اهـ. من "الروح". واعلم (٢): أنَّ ﴿أين﴾ اسم شرط في المكان، وهو ها هنا منصوب بتُوَلُّوا؛ لأنّه فعل شرطه، و ﴿ما﴾ مزيدةٌ؛ للتأكيد، و ﴿ثمَّ﴾ ظرف مكانٍ بمنزلة هناك، تقول لِمَا قَرُب من المكان هنا، ولِمَا بَعُد ثَمَّ وهناك، وهو خبر مقدَّمٌ، و ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ مبتدأٌ مؤخَّر، والجملة الإسمية في محل الجزم على أنّها جواب الشرط، كما سيأتي في مبحث الإعراب. والمعنى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾؛ أي (٣): ففي أيِّ مكانٍ وبقعةٍ، تحوِّلوا، وتوجِّهوا فيه وجوهكم في الصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالاستقبال إليها ﴿فَثَمَّ﴾؛ أي: هناك في الجهة التي أمرتم بالاستقبال إليها ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ ؛ أي: جهته التي ارتضاها لكم قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن إمكان التولية والتحوّل لا

стр. 912

يختصُّ بمكانٍ ولا مسجدٍ، فإنَّها ممكنةٌ في كُلِّ مكانٍ. وفي "المختار"؛ الوجه والجهة بمعنًى، والهاء عوضٌ من الواو. ومعنى الآية (١): إنَّ لله المشرق والمغرب وما بينهما خلقًا وملكًا، وإنّما خصَّ المشرق والمغرب؛ اكتفاءً بهما عن جميع الجهات؛ لأنَّ له تعالى كُلَّها، وما بينهما خلقه وعبيده، وإنَّ على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه، فالجهة التي أمرهم باستقبالها، فهي القبلة، فإنَّ القبلة ليست قبلةً لذاتها؛ بل لأنَّ الله سبحانه جعلها قبلةً، وأمر بالتوجُّه إليها، فإن جعل الكعبة قبلةً، فلا تنكروا ذلك؛ لأنّه تعالى يُدبِّر عباده كيف يريد ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: فَهُنَالِكَ قبلة الله التي وَجَّهَكُمْ إليها. وقيل معناه: فثمَّ وجه الله بلا تأويلٍ، والوجه صفةٌ ثابتة لله تعالى، نثبتها، ونعتقدها من غير تشبيه ولا تمثيل، وهذا القول هو الصحيح الأسلم الذي ينبغي الاعتماد عليه. وقيل: المعنى: فثمَّ رضا الله؛ أي: يريدون بالتوجه إليه رضاه تعالى. وقال ابن العربي: مقتضى التوحيد أنَّ الصلاة لأيِّ جهةٍ تصحُّ، وإنّما أُمِرنا بجهةٍ مخصوصةٍ؛ تعبدًا، ولم نعقل له معنى. وقال ابن عباس (٢) - رضي الله تعالى عنهما -: (لمَّا حُوِّلت القبلة عن بيت المقدس، أنكر اليهود ذلك، فنزلت هذه الآية ردًّا عليهم). وقال أبو مسلم: إنَّ اليهود إنّما استقبلوا بيت المقدس؛ لأنّهم اعتقدوا أنَّ الله تعالى صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق؛ لأنَّ عيسى ﵇ ولد هناك، فردَّ الله سبحانه عليهما بهذه الآية. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿وَاسِعٌ﴾ بفضله، ورحمته، جميع الخلائق، يريد التوسعة على عباده في القبلة، وغيرها، أو واسعٌ بإحاطته بالأشياء ملكًا وخلقًا، فيكون تذييلًا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وكذا إن فسرت السعة بسعة الرحمة، فإنَّ قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ لمَّا اشتمل على معنى قولنا: لا

стр. 913

تختصُّ العبادة والصلاة ببعض المساجد، بل الأرض كلُّها مسجدٌ لكم، فصلُّوا في أيِّ بقعة شئتم من بقاعها فُهِم منه أنَّه واسع الشريعة بالترخيص والتوسعة على عباده في دين، لا يضطرُّهم إلى ما يعجزون عن أدائه، والمقصود: التوسعة على عباده والتيسير عليهم في كُلِّ ما يحتاجون إليه، فيدخل فيه التوسعة في أمر القبلة دخولًا أوّليًّا، وهذا التعليم مستفادٌ من إطلاق ﴿وَاسِعٌ﴾، حيث لم يقيَّد بشيء دون شيء. قال الغزاليُّ في "شرح الأسماء الحسنى": الواسع مشتقٌّ من السعة، والسَّعة تضاف مرَّةً إلى العلم إذا اتَّسع، وأحاط بالمعلومات الكثيرة، وتضاف مرة أخرى إلى الإحسان، وبسط النعم، وكيفما قُدِّر، وعلى أيِّ شيءٍ نزِّل، فالواسع المطلق هو الله ؛ لأنّه إن نُظِر إلى علمه، فلا ساحل لبحر علمه، بل تنفد البحار لو كانت مدادًا لكلماته، وإن نظر إلى إحسانه ونعمه، فلا نهاية لقدرته، وكُلُّ سعةٍ وإن عظمت، فتنتهي إلى طرفٍ، والذي لا يتناهى إلى طرف، فهو أحقُّ باسم السعة، والله تعالى هو الواسع المطلق؛ لأنَّ كُلَّ واسع بالإضافة إلى ما هو أوسع منه ضيِّقٌ، وكُلُّ سعة تنتهي إلى طرف، فالزيادة عليها متصوَّرة، وما لا نهاية له ولا طرف، فلا يتصوَّر عليه زيادةٌ، فهو تعالى الواسع المطلق الذي ليس لسعته نهايةٌ ولا طرفٌ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بمصالحهم ونياتهم في جميع الأماكن والجهات كلِّها، وهذا لا يخلو عن إفادة التهديد؛ ليكون المصلِّي على حذر من التفريط، والتساهل، كما أنَّه يتضمَّن الوعد بتوفية ثواب المصلِّين في جميع الأماكن. فقد ظهر أنَّ هذه الآية مرتبطةٌ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية، وأنَّ المعنى: إنَّ بلاد الله تعالى أيها المؤمنون! تسعكم، فلا يمنعكم تخريب من خرَّب مساجد الله، أن تُولُّوا وجوهكم نحو قبلة الله تعالى أينما كنتم من أرضه. فائدةٌ فقهيَّةٌ تتعلَّق بحكم الآية وهي: أنَّ المسافر إذا كان في مفازة، أو بلاد الشرك، واشتبهت عليه القبلة، فإنّه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل، ويصلّي إلى الجهة التي أدَّى إليها اجتهاده، ولا إعادة عليه، وإن لم يصادف القبلة، فإنّ جهة

стр. 914

الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح، فإنَّه يصلي على حسب حاله، وتصحُّ صلاته، وكذلك المشدود على جذع، بحيث لا يمكنه الاستقبال. اهـ. "خازن". قالوا: وكذلك راكب الطائرة إذا علم أنه لا يدرك الوقت بعد نزوله من الطائرة، يجتهد، ويصلِّي إلى أيِّ جهة ظنَّها قبلةً، ولا إعادة عليه إن لم يدرك الوقت بعد نزوله منها. وعبارة "المراغي" هنا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؛ أي: له (١) تعالى هاتان الجهتان المعلومتان لكل أحد، والمراد ربُّ الأرض كلِّها، فهو كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾؛ أي: أي مكانٍ تستقبلونه في صلاتكم، فهناك القبلة التي يرضاها الله لكم، ويأمركم بالتوجُّه إليها، فأينما توجه المصلِّي في صلاته، فهو متوجِّه إلى الله لا يقصد بصلاته غيره، والله تعالى راضٍ عنه، مقبلٌ عليه، والحكمة في استقبال القبلة: أنّه لما كان من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود، وهو بهذه الطريقة محال على الله تعالى، شرع للناس مكانًا مخصوصًا يستقبلونه في عبادتهم إيّاه، وجعل استقباله كاستقبال وجهه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾؛ أي: إنّه تعالى لا يُحْصَر، ولا يتحدَّد، فيصحُّ أن يُتوجَّه إليه في كل مكان، وهو عليم بالمتوجِّه إليه أينما كان، فاعبدوه حيثما كنتم، وتوجَّهوا إليه أينما حللتم، ولا تتقيدوا بالأمكنة، والمعبود غير مقيَّد، وقد نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه إلى استقبال الكعبة في الصلاة، وفيها إبطالٌ لما كان يعتقده أرباب الملل السابقة، من أنَّ العبادة لا تصحُّ إلّا في الهياكل، والمعابد، وإزالةٌ لما قد يتوهَّم من أنَّ الوعيد إنما كان على إبطالها في الأماكن المخصوصة، فأبان بها أنَّ الوعيد إنما كان لإبطالها مطلقًا؛ لأنَّ الله تعالى لا تحدِّده الجهات، ولا تحصره الأمكنة. انتهت. وروي (٢) عن ابن عباس ومقاتل: أنّه عبَّر عن الذات بالوجه، كقوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ وقيل المعنى: العمل

стр. 915

لله، قاله الفرَّاء، قال: أسْتَغْفِرُ الله ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيهِ ... رَبَّ العِبَادِ إلَيْه الوَجْهُ والعَمَلُ ١١٦ - ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ نزلت في اليهود، إذ قالوا: عزير ابن الله، أو في النصارى، إذ قالوا: المسيح ابن الله، أو في المشركين، إذ قالوا: الملائكة بنات الله، أو في النصارى والمشركين أقوالٌ أربعة، والأخير قاله الزجاج، ولاختلافهم في سبب النزول، اختلفوا في مرجع الضمير في ﴿قالوا﴾ على من يعود، فقيل: عائدٌ على الجميع من غير تخصيص، فإنَّ كلًّا منهم قد جعل لله ولدًا، قاله ابن إسحاق، فحينئذٍ ضمير ﴿قالوا﴾ راجع إلى الفرق الثلاثة المذكورة سابقًا، أمَّا اليهود والنصارى، فقد ذُكِروا صريحًا، وأمّا المشركون، فقد ذُكِروا بقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾. وقرأ الجمهور (١). ﴿وَقَالُوا﴾ بواو العطف، وهو آكد في الربط، فيكون عطف جملة خبرية على جملة مثلها؛ أي: معطوفًا على قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾، أو على منع، أو على مفهوم قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾؛ أي: على معناه، وكأنّه قيل: لا أحد أظلم ممَّن منع مساجد الله، ولا ممَّن قال؛ اتخذ الله ولدًا، وإن كان الثاني أظلم من الأول. وقيل: هو معطوف على قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ فيكون معطوفًا على معطوف على الصلة، وفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وهذا بعيدٌ جدًّا ينزَّه القرآن عن مثله. وقرأ ابن عباس، وابن عامر، وغيرهما: ﴿قالوا﴾ بغير واو، استئنافًا وملحوظًا فيه معنى العطف، واكتفى على هذا بالضمير، والربط به عن الربط بالواو. وقال الفارسيُّ: وبغير واوٍ هي في مصاحف أهل الشام، فالقراءتان سبعيتان، وأمَّا آية يونس، فبترك الواو لا غير؛ لعدم ما يناسب العطف؛ أي: وقالت اليهود، والنصارى، ومشركوا العرب ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ﴾؛ أي: صنع الله، وجعل لنفسه ﴿وَلَدًا﴾ ذكرًا أو أنثى، والاتخاذ (٢): إمّا بمعنى الصنع والعمل، فلا

стр. 916

يتعدَّى إلّا إلى واحد، وإمّا بمعنى: التصيير، والمفعول الأول محذوف؛ أي: صيَّر بعض مخلوقاته ولدًا، وادَّعى أنَّه ولده، لا أنّه ولده حقيقةً، وكما يستحيل عليه تعالى أن يلد حقيقةً، كذا يستحيل عليه التبني واتخاذ الولد؛ أي: قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، فنزَّه تعالى نفسه عمّا قالوا في حقه، فقال ردًّا عليهم ﴿سُبْحَانَهُ﴾؛ أي: تنزيهًا له تعالى عمَّا يقول هؤلاء الكفرة، فهي كلمة تنزيه، نزَّه الله تعالى بها نفسه عن اتخاذ الولد، ومن قولهم، وافترائهم عليه؛ أي: منزَّهٌ (١) سبحانه عن السبب المقتضي للولد، وهو الاحتياج إلى من يعينه في حياته، ويقوم مقامه بعد مماته، وعمّا يقتضيه الولد وهو التشبيه، فإنّ الولد لا يكون إلّا من جنس والده، فكيف يكون للحقّ سبحانه ولدٌ وهو لا يشبهه شيءٌ؟ روى البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: قال الله : (كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له، فأمَّا تكذيبه إيَّاي، فزعم أنِّي لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمَّا شتمه إيَّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أن أتَّخذ صاحبةً أو ولدًا) ولا فارق بين أن يكون هذا القول قد صدر من جميع أفراد الأمَّة، أو من بعضها، فإنَّ أفرادها متكافلون في كلّ ما يعملون، وما يقولون ممَّا يعود أثره من خيرٍ أو شرٍّ إلى الجميع ﴿بَل﴾ ليس الأمر كما زعموا ﴿لَهُ﴾ عبيدًا وملكًا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: جميع ما فيهما، والملكية تنافي الولدية، فكيف ينسب إليه الولد، وهو داخل فيهما؟ بل هو خالق جميع الموجودات علويًّا وسفليًّا، التي من جملتها عزيرٌ، والمسيح، والملائكة، وهذا ردٌّ لما قالوه، واستدلالٌ على فساده، فإنَّ الإضراب عن قول المبطلين معناه: الردُّ، والإنكار، وفي "الوسيط" ﴿بَلْ﴾؛ أي: ليس الأمر كما زعموا، والمعنى: إنه خالق ما في السموات والأرض جميعًا، الذي يدخل فيه الملائكة، وعزيرٌ، والمسيح، دخولًا أوّليًّا، فكان المستفاد من الدليل، امتناع أن يكون شيءٌ ما مما في السموات والأرض ولدًا، سواءً كان ذلك ما زعموا أنّه

стр. 917

ولدٌ، أم لا ﴿كُلٌّ﴾؛ أي: كُلُّ ما فيهما من أولي العلم، وغيرهم ﴿لَهُ﴾؛ أي: لله ﴿قَانِتُونَ﴾ جمع الخبر اعتبارًا لمعنى كلٍّ؛ أي: منقادون، ولا يمتنع شيءٌ منهم، ولا يستعصي على مشيئته، وتكوينه، وتقديره، ومطيعون له طاعة تسخير وقهرٍ، فالجماد مسخَّر لما أراد الله منه، فالطاعة هنا: طاعة الإرادة والمشيئة، لا طاعة العبادة، أو مقروُّن له بالعبوديَّة والتوحيد، وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكوِّنه الواجب لذاته، فلا يكون له ولدٌ؛ لأنّه من حقّ الولد أن يجانس والده، وإنّما عبَّر عن (١) جميع الموجودات أوّلًا بما يعبَّر به عن غير ذوي العلم، وعبَّر عنه آخرًا بما يختصُّ بالعقلاء وهو لفظ ﴿قَانِتُونَ﴾؛ تحقيرًا لشأن العقلاء الذين جعلوا ولدًا لله سبحانه ﴿قَانِتُونَ﴾ خبرٌ (٢) عن كلٌّ؛ وجمع حملًا على المعنى، وكلٌّ إذا حذف ما تضاف إليه جاز فيها مراعاة المعنى فتجمع، ومراعاة اللفظ فتفرد، وإنّما حسنت مراعاة الجمع هنا؛ لأنّها فاصلة رأس آية؛ ولأنَّ الأكثر في لسانهم؛ أنّه إذا قطعت عن الإضافة، كان مراعاة المعنى أكثر وأحسن. قال: ﴿وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقد جاء إفراد الخبر، كقوله: كلٌّ يعمل على شاكلته، وسيأتي هناك إن شاء الله تعالى، ذكر ما حسَّن إفراد الخبر. والخلاصة (٣): أي ليس الأمر كما زعموا، بل جميع ما في السموات والأرض ملك له، قانت لعزته، خاضع لسلطانه، منقاد لإرادته، فما وجه تخصيص واحد منهم بالانتساب إليه، وجعله ولدًا مجانسًا له ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ ثمَّ إن الله سبحانه، يخصُّ من يشاء من عباده بما شاء من الفضل، كالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولكن هذا لا يرتقي بالمخلوق إلى أن يصل إلى مرتبة الخالق. ١١٧ - ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: هو مبدعهما، وموجدهما،

стр. 918

وخالقهما، ومنشئهما على غير مثال سبق، ولم يكونا شيئًا، على أنَّ (١) البديع بمعنى: المبدع وهو الذي يبدع الأشياء؛ أي: يحدثها، أو ينشئها، على غير مثال سبق، والإبداع: اختراع الشيء لا عن شيء دفعةً؛ أي: من غير مادّةٍ ومُدّةٍ، أو المعنى: بديع سمواته وأرضه؛ أي: بدعت لمجيئهما على شكلٍ فائقٍ، حسنٍ غريبٍ، فعلى الأول: من أبدع، والإضافة معنويةٌ، وعلى الثاني: من بدع إذا كان على شكلٍ فائق، وحسنٍ رائقٍ، والإضافة لفظيةٌ، فهو من باب إضافة الصفة إلى منصوبها الذي كان فاعلًا في الأصل؛ لأنَّ الأصل بديعٌ سمواته وأرضه. وهذه حجة أخرى لإبطال مقالتهم الشنيعة (٢)، تقريرها: إنّ الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادّته عنه، والله تعالى مبدع الأشياء كلها على الإطلاق، منزَّهٌ عن الانفعال، فلا يكون والدًا، ومن قدر على خلق السموات والأرض من غير شيء، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أب؟! والمعنى: هو ، موجدهما اختراعًا وابتكارًا لا على مثال سابق، وإذا كان هو المبدع لهما، والموجد لجميع من فيهما، فكيف يصحُّ أن ينسب إليه شيءٌ منهما على أنّه مجانسٌ له؟! تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا. وقرأ الجمهور (٣): ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بالرفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، وقرأ المنصور بالنصب على المدح، وقرىء بالجر على أنّه بدل من الضمير في ﴿لَهُ﴾ ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾؛ أي: وإذا أراد إيجاد أمر من الأمور، وإحداث شيء من الأشياء ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ﴾ سبحانه ﴿لَهُ﴾؛ أي: لذلك الذي أراد إيجاده ﴿كُنْ﴾؛ أي: احْدُث ﴿فيكون﴾؛ أي: فذلك الأمر المأمور، يكون، ويحدث من غير توقُّفٍ، ولا إباءٍ، وبلا مهلةٍ، وتأخُّرٍ، وأصل القضاء: الأحكام، أطلق هنا على الإرادة الإلهيَّة المتعلقة بوجود الشيء؛ لإيجابها إيّاه ألبتة، والأمر واحد الأمور، و ﴿كُنْ﴾ و ﴿يكون﴾ هنا: من كان التامة بمعنى:

стр. 919

أحدث يحدث. ففي هذه الجملة: تقرير (١) معنى الإبداع، وذلك أنَّ اتخاذ الولد ممَّا يكون بأطوار، ومهلةٍ، وفعله تعالى يستغني عن ذلك، وقوله ﴿كُنْ﴾ تمثيلٌ لسهولة حصول المقدورات بحسب تعلُّق مشيئته تعالى، وتصويرٌ لسرعة حدوثها من غير توقُّفٍ، ولا تأخُّرٍ، كطاعة المأمور المطيع للأمر القويِّ المطاع، ولا يكون من المأمور الإباء. والمعنى: أي (٢) وإذا أراد سبحانه إحداث أمرٍ وإيجاده، فإنَّما يأمره أن يكون موجودًا، فيكون والكلام تمثيلٌ وتشبيهٌ؛ لتعلُّق إرادته بإيجاد الشيء، فيعقبه وجوده بأمرٍ يصدر، فيعقبه الامتثال، والإيجاد، والتكوين من أسرار الألوهية عبَّر عنهما بما يُقَرِّبُهما من الفهم، وهو أن يقول للشيء: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقرأ ابن عامر (٣) ﴿كُنْ فَيَكُونَ﴾ بالنصب في كلِّ القرآن إلّا في موضعين: في أوّل آل عمران في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وفي الأنعام في قوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ فإنّه رفعه فيهما، وقرأ الكسائي بالنصب في النحل ويس، وبالرفع في سائر القرآن، والباقون بالرفع في كُلِّ القرآن، أمَّا النصب فعلى جواب الأمر، وأمّا الرفع فإمّا على أنّه خبر مبتدأ محذوفٍ؛ أي: فهو يكون، أو معطوفٌ على ﴿يَقُولُ﴾ أو معطوفٌ على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى، كما هو قول الفارسي. واعلم: أنَّ (٤) أهل السنة لا يرون تعلُّق وجود الأشياء بهذا الأمر وهو ﴿كُنْ﴾ بل وجودها متعلِّق بخلقه، وإيجاده وتكوينه، وهو صفةٌ أزليةٌ، وهذا الكلام عبارةٌ عن سرعة حصول المخلوق بإيجاده، وكمال قدرته على ذلك، لكن لا يتعلق علم أحدٍ بكيفية تعلُّق القدرة بالمعدومات، فيجب الإمساك عن بحثها، وكذا عن بحث كيفية وجود الباري سبحانه، وكيفية العذاب بعد الموت، وأمثالها، فإنّها من الغوامض، والأمور المغيبة عنّا.

стр. 920

ثمّ اعلم: أنَّ السبب في هذه الضلالة، وهي نسبة الولد إلى الله تعالى، والقول بأنّه اتخذ ولدًا؛ أنَّ أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على الباري تعالى اسم الأب، وعلى الكبير منهم اسم الإله، حتى قالوا: إنَّ الأب هو الربُّ الأصغر، وإنّ الله تعالى هو الأب الأكبر، وكانوا يريدون بذلك أنّه تعالى هو السبب الأوّل في وجود الإنسان، وأنَّ الأب هو السبب الأخير في وجوده، فإنَّ الأب هو معبود الابن من وجهٍ؛ أي: مخدومه، ثم ظنت الجهلة منهم أنَّ المراد به: معنى الولادة الطبيعية، فاعتقدوا ذلك تقليدًا ولذلك كفر قائله، ومنع منه مطلقًا؛ أي: سواءٌ قصد به معنى السببية، أو معنى الولادة الطبيعية؛ حسمًا لمادة الفساد. واتخاذ الحبيب أو الخليل جائزٌ من الله تعالى؛ لأنّ المحبّة تقع على غير جوهر المحبِّ، قالوا: أوحى (١) الله تعالى إلى عيسى ﵇: ولَّدتك، أي أوجدتك بلا والدٍ، وأنت نبيٌّ، فخفَّف النصارى التشديد الذي في ولَّدتك؛ لأنه من التوليد وصحفوا بعض إعجام النَّبيِّ بتقديم الباء على النون، فقالوا: ولدتك وأنت بُنيَّ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون؟! وقال تعالى: يا أحباري! ويا أبناء رسلي! فغيَّره اليهود، وقالوا: يا أحبائي! ويا أبنائي! فكذَّبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ فالله سبحانه منزَّه عن الحدود والجهات، ومتعالي عن الأزواج، والبنين والبنات، ليس كمثله شيء في الأرض ولا في السموات، وفي الحديث الصحيح كما مرَّ لك، قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: (كذَّبني ابن آدم)، أي: نسبني إلى الكذب (ولم يكن له ذلك)؛ أي: لم يكن التكذيب لائقًا به، بل كان خطأً (وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمَّا تكذيبه إيّايَ، فزعم أن لا أقدر أن أعيده كما كان، وأمَّا شتمه إيّاي، فقوله: لي ولدٌ، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا) وإنّما كان هذا شتمًا؛ لأنّ التولُّد هو انفصال الجزء عن الكل بحيث ينمو، وهذا إنّما يكون في المركَّب، وكُلُّ مركّب محتاجٌ. فإن قلت: قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ تكذيبٌ أيضًا؛ لأنّه تعالى أخبر أنّه لا

стр. 921

ولد، وقولهم: لن يعيدنا، شتمٌ أيضًا؛ لأنّه نسبةٌ له إلى العجز؛ فَلِمَ خصَّ أحدهما بالشتم، والآخر بالتكذيب؟. قلت: نفي الإعادة نفي صفة كمالٍ، واتخاذ الولد إثبات صفة نقصانٍ له، والشتم أفحش من التكذيب، والكذب على الله فوق الكذب على النبي ﷺ . وفي الحديث: "إنّ كذبا عليَّ ليس ككذب على أحد"؛ يعني: الكذب على النبي ﷺ ، أعظم أنواع الكذب سوى الكذب على الله؛ لأنّ الكذب على النبي ﷺ يؤدِّي إلى هدم قواعد الإِسلام، وإفساد الشريعة والأحكام. وفي الصحيح أيضًا: (من كذب عليّ متعمّدًا، فليتبوَّأ مقعده من النار). فعلى المؤمن أن يتجنب عن الزيغ والضلال، وأشنع الفعال، وأسوإِ المقال، وأن يداوم على التوحيد في الأسحار والآصال، إلى أن لا يبقى للشرك الخفي أيضًا مجالٌ. وفي الحديث: "لو يعلم الأمير ماله في ذكر الله لترك إمارته، ولو يعلم التاجر ماله في ذكر الله لترك تجارته، ولو أنَّ ثواب تسبيحة قسم على أهل الأرض لأصاب كُلَّ واحد منهم عشرة أضعاف الدنيا" ولكن لا أصل له. وفي الحديث: "للمؤمن حصونٌ ثلاثة: ذكر الله، وقراءة القرآن، والمسجد" والمراد بالمسجد: مُصلَّاه، سواء كان في بيته، أو في الخارج، ولا بُدَّ من الصدق والإخلاص حتى يظهر أثر التوحيد في الملك والملكوت، اللهمّ! أوصلنا إلى اليقين، وهيِّىءْ لنا مقامًا من مقامات التمكين! آمين. ١١٨ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله؛ أي: جهلة المشركين من كفار مكة لمحمد ﷺ ؛ أي: قال مشركوا العرب الجاهلون حقيقةً، وأهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم؛ لعدم انتفاعهم بعلمهم؛ لأنَّ المقصود هو العمل ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ مشافهةً بأنّك رسوله؛ أي: هلا يكلِّمنا مشافهةً من غير واسطة بالأمر والنهي، كما يُكلِّم الملائكة، أو موسى، وهلّا يَنُصُّ لنا على نبوّتك، وهذا منهم استكبارٌ. و ﴿لَوْلَا﴾ (١) هنا: للتحضيض، وحرف التحضيض إذ دخلت على

стр. 922

الماضي كان معناها التوبيخ، واللوم على ترك الفعل بمعنى: لِمَ لَمْ يفعله، ومعناها في المضارع تحضيض الفاعل على الفعلِ، والطلبِ له في المضارع بمعنى: الأمر، والمعنى: هلَّا يُكلِّمنا الله عيانًا بأنّك رسوله، كما يُكلِّم الملائكة بلا واسطة، أو يرسل إلينا ملكًا، ويكلِّمنا بواسطة ذلك، إنّك رسوله، كما كلَّم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه، وهذا القول من الجهلة استكبارٌ يعنون به: نحن عظماء، كالملائكة، والنبيين، فلم اختصُّوا به دوننا ﴿أَوْ﴾ هلّا ﴿تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ وحجةٌ، ومعجزةٌ، تدلُّ على صدقك مما اقترحناه من الأمور الأربعة المذكورة في سورة الإسراء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ...﴾ الآيات. و (أَوْ) هنا: للتخيير؛ أي: فإن كان الله لا يكلِّمنا، فلم لا يخصك بآيةٍ ومعجزةٍ تأتينا بها، وهذا جحودٌ منهم لأن يكون ما آتاهم به من القرآن، وسائر المعجزات آيات؛ لأنهم لو أقروا بكونه معجزة، لاستحال أن يقولوا ذلك، والجحود: هو الإنكار مع العلم، والعجب أنّهم عظَّموا أنفسهم وهي أحقر الأشياء، واستهانوا بآية الله وهي أعظمها، ثم أجاب الله عن هذه الشبهة، فقال: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل قول هؤلاء الشنيع الصادر عن عنادهم واستكبارهم ﴿قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ أي: شبه قول هؤلاء لمحمد ﷺ في التشديد، وطلب الآيات المقترحة، فقالت اليهود لموسى ﵇: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ وقالوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ وقالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وقالت النصارى لعيسى ﵇: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ ونحو ذلك ممَّا اقترحوه من أنبيائهم. وقوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ﴾ مع قوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ على (١) تشبيهين، تشبيه المقول بالمقول في المؤدَّى، والمحصول، وتشبيه القول بالقول في الصدور بلا رويّةٍ، بل بمجرد التشهي، واتباع الهوى، والاقتراح على سبيل التعنّت والعناد، لا على سبيل الإرشاد، وقصد الجدوى، والكاف في كذلك منصوب

стр. 923

المحل على أنّه مفعول ﴿قَالَ﴾ وقوله: ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ مفعول مطلق؛ أي: قال كفار الأمم الماضية، مثل ذلك القول الذي قالوه قولًا مثل قولهم فيما ذكر، فظهر أنَّ أحد التشبيهين لا يغني عن الآخر ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ تماثلت قلوب هؤلاء ومَن قبلهم في العمى، والقسوة، والعناد، وهو استئنافٌ على وجه تعليل، تشابه مقالتهم بمقالة مَن قبلهم، فإنَّ الألسنة ترجمان القلوب، والقلب إن استحكم فيه الكفر، والقسوة، والعمى، والسفه، والعناد، لا يجري على اللسان إلّا ما ينبىء عن التَّعلُّل، والتَّباعد عن الإيمان. وقرأ ابن إسحاق (١)، وأبو حيوة ﴿تشَّابهت﴾ بتشديد الشين وقال: أبو عمرو الدانيُّ، وذلك غير جائز؛ لأنّه فعل ماض، يعني: أنّ اجتماع التائين المزيدتين لا يكون في الماضي، إنّما يكون في المضارع، نحو: تتشابه، وحينئذٍ يجوز فيه الإدغام، أمَّا الماضي، فليس أصله: تتشابه، وقد مرَّ نظير هذه القراءة في قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ وخرَّجنا ذلك على تأويلٍ لا يمكن هنا؛ فليطلب تأويلٌ لهذه القراءة. والمعنى (٢): أي تشابهت، وتماثلت، وتوافقت، قلوب هؤلاء المكذبين لك يا محمد! مع قلوب كفار الأمم الماضية المكذِّبين لأنبيائهم؛ أي: أشبهت قلوبهم بعضها بعضًا في الكفر، والقسوة، وطلب المحال، وإلّا لما تشابهت أقاويلهم الباطلة، وفي هذا تسليةٌ له ﷺ ﴿قَدْ بَيَّنَّا﴾ ووضَّحنا ﴿الْآيَاتِ﴾؛ أي: الدلالات والمعجزات الدالَّة على صدقك، وصدق ما جئت به من الآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: لقوم ينصفون، فيوقنون، ويصدِّقون أنها آياتٌ يجب الاعتراف بها، والإذعان لها، والاكتفاء بها عن غيرها، أو المعنى ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ أي (٣): قد نزلناها بيّنة بأن جعلناها كذلك في أنفسها، كما في قولهم: سبحان من صغر البعوض، وكبَّر الفيل، لا أنّا بيَّناها بعد أن لم تكن بينةً ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أي: لقوم يطلبون اليقين، واليقين أبلغ العلم،

стр. 924

وأوكده بأن يكون جازمًا؛ أي: غير محتمل للنقيض، وثابتًا؛ أي: غير زائل بالتشكيك بعد أن يكون مطابقًا للواقع، فالإيقان هنا مجازٌ عن طلب اليقين على طريق ذكر السبب وإرادة المسبَّب، ولا بُعْد في نصب الدلائل لطلَّاب اليقين ليحصِّلوه بها، وإنّما حمل على المجاز؛ لأنّ الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج إلى نصب الدلائل، وبيان الآيات، فبيان الآيات له طلبٌ لتحصيل الحاصل. وفي الآيات (١): إشارةٌ إلى أنَّهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات، أو لطلب مزيد اليقين، وإنّما قالوه؛ عتوًّا وعنادًا، وحاصل (٢) الجواب من الله تعالى: إنّا قد أيَّدْنا نبوة محمد ﷺ بالمعجزات، وبَيَّنَّا صدق ما جاء به بالآيات القرآنية، والمعجزات الباهرة، فكان طلب هذه الزوائد من باب التَّعنُّت، فإذا كان كذلك لم تجب إجابتها. ١١٩ - ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد! كافَةً للناس حالة كونك ملتبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالدِّين الحق، والهدى المستقيم، والقرآن العظيم، وحالة كونك ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: مبشِّرًا للمؤمنين بالثواب الجسيم، وجنات النعيم ﴿وَنَذِيرًا﴾؛ أي: ومنذرًا ومخوِّفًا للكافرين من العقاب الأليم، وعذاب الجحيم، فلا بأس عليك إن أصرُّوا، أو كابروا. والمعنى: إنَّ شأنك بعد إظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل، والمعجزات، ليس إلّا الدعوة والإبلاغ، والتبشير والإنذار، لا أنْ تجبرهم على القبول والإيمان، فلا عليك إن أصرُّوا على الكفر والعناد، فإنَّ الأحوال أوصافٌ لذي الحال، والأوصاف مقيِّدةٌ للموصوف ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ ما لَهُمْ يؤمنوا بعد أن بَلَّغْتَ، والجحيم: المكان الشديد الحرِّ، والمتأجِّجُ من النار؛ أي: ولست يا محمد! بمسؤولٍ عن أصحاب النار؛ أي: وليس عليك عهدةٌ وتبعةٌ في عدم إيمانهم بعد ما بلَّغت ما أرسلت به، وبذلت جهدك في دعوتهم، إنَّما عليك البلاغ، وعلينا الحساب، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لو أنَّ الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا" فأنزل الله هذه الآية.

стр. 925

وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ بضمّ التاء واللام. وقرأ أُبيٌّ ﴿وما تُسألُ﴾ بضمّ التاء واللام. وقرأ ابن مسعود: ﴿ولن تُسأَل﴾ وهذا كُلَّه على الخبر والنفي، فالقراءة الأولى، وقراءة أُبيٍّ، يحتمل أن تكون الجملة فيهما مستأنفةً، وهو الأظهر، ويحتمل أن تَكون في موضع الحال، وأمَّا قراءة ابن مسعود، فيتعيَّن فيها الاستئناف، والمعنى: على الاستئناف إنَّك لا تسأل عن الكفار ما لهم لم يؤمنوا؛ لأنَّ ذلك ليس إليك ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ في ذلك تسليةٌ له ﷺ ، وتخفيف ما كان يجده من عنادهم، فكأنَّه قيل: لست مسؤولًا عنهم، فلا يحزنك كفرهم، وفي ذلك دليلٌ: على أنَّ أحدًا لا يسأل عن ذنب أحدٍ، ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى، وأمَّا الحال، فعطفٌ على ما قبلها من الحال، أي: وغير مسؤول عن الكفار ما لهم لا يؤمنون، فيكون قيدًا في الإرسال بخلاف الاستئناف. وقرأ نافعٌ، ويعقوبٌ ﴿ولا تَسْأَلْ﴾ بفتح التاء وجزم اللام على النهي؛ أي: (٢) لا تسأل يا محمد! عن حال كفار أهل الكتاب التي تكون لهم يوم القيامة، ولا يمكنك في هذه الدار الاطلاع عليها، وذلك إعلامٌ بكمال شدّة عقوبة الكفار، فلا يستطيع السامع أن يسمع خبرها، ولا يصبر على استماعه لشدّتها ١٢٠ - ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ﴾ يا محمد! ﴿الْيَهُودُ﴾ ولن تحب دينك، ولو خلَّيتهم وشأنهم حتى تتبع دينهم وقبلتهم ﴿وَلَا﴾ ترضى يا محمد! ﴿النَّصَارَى﴾ ولن تحبّ دينك، ولو تركتهم ودينهم ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وتصلِّي إلى قبلتهم. قال الواحديُّ: الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أنّ اليهود والنصارى كانوا يرجون أن يرجع محمدٌ ﷺ إلى دينهم، فلمَّا صرف الله القبلة إلى الكعبة، شقَّ عليهم، وأيسوا منه أن يوافقهم، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ يعني: دينهم وتُصلِّي إلى قبلتهم، وفي الآية مبالغةٌ في إقناط الرسول ﷺ ، من طمعه في إسلامهم، حيث علَّق رضاهم عنه بما لا سبيل إليه، وما يستحيل وجوده، فإنَّهم إذا لم يرضوا عنه حتّى يتَّبع ملتهم، فكيف يتَّبعون ملَّته؟ أي: دينه، فكأنَّهم قالوا:

стр. 926

لن نَرْضى عنك، وإن أبلغْتَ في طلب رضانا حتى تتَّبعَ ملتنا إقْناط منهم لرسول الله ﷺ دخولهم في الإِسلام، فذكر الله سبحانه كلامهما، والمعنى: أي: لن ترضى عنك اليهود إلّا بالتهوُّد والصلاة إلى قبلتهم وهي المغرب، ولا النصارى إلّا بالتنصُّرِ والصلاة إلى قبلتهم وهي المشرق، ووحَّدَ الملّة؛ لأنّ الكفر ملّةٌ واحدةٌ. ﴿قُل﴾ لهم يا محمد! ردًّا لقولهم لك: لن نرضى عنك حتى تَتَّبع ملّتنا، وتصلي إلى قبلتنا، بطريق قصر القلب ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾؛ أي: إنّ دين الله الذي هو الإِسلام، وقبلته التي هي الكعبة ﴿هُوَ الْهُدَى﴾؛ أي: هو الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ليس وراءه هدى، والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى، إنّما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾؛ أي: وعزّتي وجلالي: لئن اتبعت، وسايرت يا محمد! على سبيل الفرض والتقدير ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ الفاسدة، وآراءَهم الزائغة، ومللهم الباطلة، وقبلتهم العاطلة، وهي التي عبَّر عنها فيما قَبْلُ بملّتهم، إذ هي التي ينتمون إليها، وأمّا ما شرعه الله تعالى من الشرعة على لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي المعنى الحقيقيُّ للملَّة، فقد غيروها تغييرًا، والأهواء: جمع هوًى: وهو رأيٌ عن شهوة داعٍ إلى الضلال، وسُمِّي بذلك؛ لأنّه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل واهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية. وإنّما قال: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ بلفظ الجمع، ولم يقل: هواهم؛ تنبيهًا على أنَّ لكل واحد هوًى غير هوى الآخر، ثم هوى كُلِّ واحد منهم لا يتناهى، فلذلك أخبر سبحانه أنّه لا يرضى الكُلُّ إلّا باتباع أهواء الكل. واعلم: أنّ الطريقة المشروعة تسمَّى ملّة باعتبار أنَّ الأنبياء الذين أظهروها قد أملوها، وكتبوها لأُمَّتهم، كما أنَّها تسمَّى دينًا باعتبار طاعة العباد لمن سنَّها، وانقيادهم لحكمه، وتسمَّى أيضًا شريعة باعتبار كونها موردًا للمتعطِّشين إلى زُلاَلِ ثوابه ورحمته. ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ والبيان بأنَّ دين الله هو الإِسلام، وأنَّ ما هم عليه ضلالٌ، أو بعد ما ظهر لك الحقُّ بالبراهين الساطعة، والحجج القاطعة، أو بعد القرآن الموحى إليك، وهو حالٌ من فاعل جاءك ﴿مَا لَكَ﴾ يا محمد! ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛

стр. 927

أي: من عذاب الله، أو من جهته العزيزة، وهو جواب لئن ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريب ينفعك ويحفظكَ منْ عَذَابِه، من الولي، وهو القرب ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أي: ولا ناصر ينصرك ويدفع عنك عذابه، وتقدَّم لك، أنَّ الفرق بين الولي، والنصير: العموم والخوص من وجهٍ؛ لأنَّ الوليَّ قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبيًّا عن المنصور، كما يكون من أقرباء المنصور، وهو مادَّة اجتماعهما، وقوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ مرفوع على الابتداء، و ﴿لَكَ﴾ خبره، و ﴿مِنَ﴾ صلةٌ، وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ منصوب المحلِّ على أنّه حال؛ لأنّه لما كان متقدِّمًا على قوله ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ امتنع أن يكون صفةً له، ونظيره قوله: لِمَيَّة موحشًا طللُ والخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ متوجِّهٌ إلى النبي ﷺ في الحقيقة، وقيل: المراد به: أمّته، والمعنى: حينئذٍ إيّاكم أُخاطب، ولكم أُؤَدِّب وأنهى، فقد علمتم أنَّ محمدًا ﷺ قد جاءكم بالحق والصدق، وقد عصمته، فلا تتبعوا أنتم أهواء الكافرين، ولئن اتبعتم أهواءَهم بعد الذي جاءكم من العلم والبيان، ما لكم من الله من وليّ ولا نصير، وما قيل على القول الأوّل (١): من أنّه تعالى حكم بعصمة الأنبياء، وعلم منهم أنّهم لا يعصون له، ولا يخالفون، ولا يرتكبون ما نهى عنه، فكانت عصمتهم واجبةً، فلا وجه لتحذيرهم عن اتباع هوى الكفرة، فوجب أن يكون التحذير متوجِّهًا إلى الأمّة لا إلى أنفسهم، فالجواب عنه: أنّ التكليف والتحذير؛ إنّما يعتمد على كون المكلف به محتملًا، ومتصوَّرًا في ذاته من حيث تحقُّق ما يتوقف عليه وجوده من الآلات، والقوى، والامتناع الحاصل من حكمه تعالى، بعصمتهم، وعلمه بها، امتناعٌ بالغير، وهو لا ينافي الإمكان الذاتي الذي هو شرط التكليف، والتحذير، فثبت أنّ الخطاب متوجِّهٌ إليه ﷺ حقيقةً، فلا اعتراض. ولمَّا ذكر سبحانه قبائح المتعنِّتين الطالبين للرئَاسة من اليهود والنصارى،

стр. 928

أتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وحبَّ الرئَاسة منهم، وطلب مرضاة الله تعالى، وحسن ثواب الآخرة، وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية، فقال: ١٢١ - ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ من قبلك يا محمد! من مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، وبحيرا الراهب وأصحابه، والنجاشيِّ وأصحابه، من الذين أسلموا من اليهود والنصارى، وإنّما خصَّهم بذكر الإيتاء؛ لأنّهم هم الذين عملوا به فخُصُّوا به، والكتاب التوراة والإنجيل، واسم الموصول مبتدأ أول، خبره جملة قوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي: الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل حال كونهم ﴿يَتْلُونَهُ﴾، أي: يتلون ذلك الكتاب ويقرؤونه ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ بمراعاة لفظه عن التحريف، وبالتدبُّر في معانيه، والعمل بما فيه، وهو حال مقدَّرةٌ من الضمير المنصوب في آتيناهم، أو من الكتاب؛ لأنّهم لم يكونوا تالين له وقت الإيتاء، وقوله (١): ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ نعتٌ لمصدر محذوف دلَّ عليه الفعل المذكور؛ أي: يتلونه تلاوةً حقَّ تلاوته، واختار الكواشيُّ كونه منصوبًا على المصدرية على تقدير تلاوة حقًّا، فإنَّ نعت المصدر إذا قدم عليه، وأضيف إليه نصب المصادر، نحو: ضربت أشدَّ الضرب، بنصب أشدَّ على المصدرية، والمعنى: أي: يقرؤونه قراءةً حقَّةً، كما أنزل، لا يغيّرونه، ولا يحرّفونه، ولا يبدّلون ما فيه من نعت محمد ﷺ . وقيل المعنى: أي يتبعونه حقَّ اتباعه، فيحلُّون حلاله، ويحرِّمون حرامه، ويبيِّنون أمره ونهيه لمن سألهم ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يتلونه حقَّ تلاوته هو مبتدأٌ ثان، خبره قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، أي: بكتابهم المستلزم إيمانهم به الإيمان بمحمد ﷺ دون المحرِّفين، فإنّ بناء الفعل على المبتدأ، وإن كان اسمًا ظاهرًا يفيد الحصر، مثل: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أو يؤمنون بمحمد ﷺ ، وبالقرآن المنزَّل عليه ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ أي: بالكتاب المؤتى له بأن يغيِّره، ويحرِّفه، ويجحد ما فيه من فرائض الله، ونبَّوة محمدٍ ﷺ ؛ أي: سواءٌ كان كفرهم بنفس التحريف، أو بغيره، كالكفر بالكتاب الذي يصدِّقه، أو يكفر بمحمد ﷺ ، وبالقرآن ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الذين كفروا بكتابهم، أو بمحمدٍ ﷺ ﴿هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الهالكون، المغبونون

стр. 929

الذين خسروا في الدنيا والآخرة، حيث اشتروا الكفر بالإيمان؛ لمصيرهم إلى النار المؤبَّدة عليهم. ١٢٢ - ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ لمّا صدر (١) قصّتهم بالأمر بذكر النعم، والقيام بحقوقها، والحذر من إضاعتها، والخوف من الساعة وأهوالها، كرَّر ذلك وختم به الكلام معهم؛ مبالغةً في النصح لهم؛ وإيذانًا بأنّه فذلكة القصة، والمقصود من القصة، والمعنى: يا بني إسرائيل! اذكروا أيادييّ لديكم، وصنعي بكم، واستنقاذي إيّاكم من أيدي العدو في نعم كثيرة أنعمت بها عليكم، ومن جملة النعم: التوراة، وذكر النعمة إنّما يكون بشكرها، وشكرها الإيمان بجميع ما فيها، ومِنْ لازم الإيمان بها الإيمان بمحمد ﷺ ؛ لأنَّ نعت النبي ﷺ من جملة ما فيها ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: واذكروا تفضيلي إيّاكم على عالمي زمانكم بكثرة الأنبياء فيكم، وإعطاء التوراة لكم. ١٢٣ - ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا﴾؛ أي: واخشوا، وخافوا عذاب يوم رهيب، وهو يوم القيامة ﴿لَا تَجْزِي﴾ ولا تدفع فيه، تقول: جزى عنّي هذا الأمر يجزي، كما تقول: قضى عنّي يقضي وزنًا، ومعنى؛ أي: لا تقضي في ذلك اليوم ﴿نَفْسٌ﴾ من النفوس، أو نفسٌ مؤمنةٌ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ أخرى أو كافرةٍ ﴿شَيْئًا﴾ من الحقوق التي لزمتها؛ أي: لا تقضي نفسٌ ليس عليها شيءٌ شيئًا من الحقوق التي وجبت على نفسٍ أخرى؛ أي: لا تؤخذ نفسٌ بذنب أخرى، ولا تدفع شيئًا، وأمّا إذا كان عليها شيءٌ، فإنّها تجزي وتقضي بغير اختيارها، بما لها من حسناتها ما عليها من الحقوق، كما في حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "من كانت له مظلمة لأخيه من عرض، أو غيره، فليستحلل منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عملٌ صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه، فحمل عليه". ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾؛ أي: من النفس الأولى أو الكافرة ﴿عَدْلٌ﴾؛ أي: فداءٌ، وهو بفتح العين: الفدية، وهي ما يماثل الشيء قيمةً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْل بالكسر: ما يساوي، الشيء في الوزن والجرم من جنسه. والمعنى: لا يؤخذ منها فديةٌ تنجو بها من النار، ولا تجد ذلك لتفتدي به،

стр. 930

وسميت الفدية عدلًا؛ لأنّها تعادل ما يقصد إنقاذه وتخليصه، يقال: فداه إذا أعطى فداءه فأنقذ ﴿وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ شافع؛ لأنّها كفرت بالله ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾؛ أي: يمنعون من عذاب الله تعالى؛ أي: ولا الكفار ينصرون فيه؛ أي: يمنعون فيه ممَّا يريد الله بهم من الانتقام الأليم؛ أي: لا يدفع عنهم أحدٌ عذاب الله، ولا يجيرهم من سطوة عذابه. والمعنى: أي: واتقوا يا معشر بني إسرائيل! المبدِّلين كتابي، المحرِّفين له عن وجهه، المكذّبين برسولي محمد ﷺ عذاب يوم لا تقضي فيه نفسٌ عن نفس شيئًا من الحقوق التي لزمتها، فلا تؤخذ نفسٌ بذنب أخرى، ولا تدفع عنها شيئًا. وفي "الصحيحين": "يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت! لا أغني عنك من الله شيئًا" ولا يؤخذ فيه من نفسٍ فديةٌ تنجو بها من النار، إذ هي لا تجد ذلك لتفتدي به، ولا يشفع فيما وجب عليها من حقٍّ شافع، وقد كانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ فديةٌ عمَّا فرَّطوا فيه، وبشفاعة أنبيائهم لهم، فأخبرهم الله تعالى أنّه لا يقوم مقام الاهتداء به شيءٌ آخر، وأنّهم لا يأتيهم ناصر ينصرهم، فيمنع عذاب الله عنهم إذا نزل بهم، وهذا ترهيبٌ لمن سلفت عظتهم في الآية قبلها. ١٢٤ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد! لقومك قصّة ﴿إذ ابتلى﴾ اختبر وكلَّف ﴿إبراهيم﴾ ﵇، وهو اسم أعجميٌّ معناه: أبٌ رحيمٌ، قال السهيليُّ: وكثيرًا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، أو تقاربه في اللفظ ألا ترى: أن إبراهيم تفسيره: أب رحيم؛ لمرحمته بالأطفال ﴿رَبُّهُ﴾ ، والضمير لإبراهيم، وقُدّم المفعول لفظًا وإن كان مؤخّرًا رتبةً؛ لاتصال الفاعل بضميرٍ يعود عليه؛ وللاهتمام به، فإنّ الذهن يتشوَّق، ويطلب معرفة المبتلى، والابتلاء في الأصل: الامتحان والاختبار، والتكليف بالأمر الشاقِّ؛ ليُعلم ما جُهل من حال الإنسان، من جودته، أو رداءته، ولكن ابتلاء الله سبحانه لعباده ليس ليعلم ما خفي عليه من أحوالهم؛ لأنّه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد؛ ولكن ليعلم العباد أحوالهم من ظهور جودة أو رداءة، فالمراد هنا: عامله معاملة المختبر؛ ليظهر ذلك للخلق، فاختبر إبراهيم، فظهر صدقه، وإبليس، فظهر كذبه؛ أي: واذكر وقت اختباري إبراهيم، والمقصود من ذكر

стр. 931

الوقت، ذكر ما، وقع فيه من الحوادث؛ لأنَّ الوقت مشتملٌ عليها، فإذا استحضر كانت حاضرةً بتفاصيلها، كأنّها مشاهدةٌ عيانًا ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾؛ أي: اختبره، وكلَّفه بأوامر ونواهٍ ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ إبراهيم، وأدَّاهُنَّ أحسن التأدية، وقام بهنّ حقَّ القيام من غير تفريط، ولا تقصير، ولا توان، ولذا قيل: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدين، فأقامه كلَّه إلا إبراهيم، فكتب الله له البراءة، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ والقرآن الكريم لم يعيِّن تلك الكلمات، ولذلك اختلف المفسّرون في تفسير تلك الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم ﵇، فقال عكرمة عن ابن عباس: هي ثلاثون من شرائع الإسلام: عشرٌ في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ...﴾ إلخ. وعشرٌ في الأحزاب ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ...﴾ إلخ. وعشرٌ في المؤمنون إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وفي سأل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾. وقال طاووس عن ابن عباس: ابتلاه الله بعشرة أشياء هي: الفطرة: خمسٌ في الرأس الشامل للوجه: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء؛ أي: غسل مكان الغائط والبول بالماء، وأمَّا بالحجر، فهو من خصائص هذه الأمّة. كانت فرضًا في شرعه، وهي سنة في شرعنا، وقال قتادة: هي مناسك الحج؛ أي: فرائضه، وسننه، كالطواف، والسعي، والرَّمى، والإحرام، والتعريف، وغيرهنَّ. وقال الحسن: ابتلاه الله بذبح ولده، فصبر على ذلك، وابتلاه بالنظر في الكواكب، والشمس والقمر، إقامةً للحجة على قومه، فأحسن النظر في ذلك، وعرف أن ربّه دائم لا يزول، ثمّ ابتلاه بالهجرة من وطنه، فخرج مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالإلقاء في النار، فصبر عليها، وبالختان بعد الكبر، فصبر عليه، وهذا القول الأخير أرجح ما قيل هنا، وفي الخبر: أنّ إبراهيم أوّل من قصّ الشارب، وأوّل من اختتن، وأوّل من قلّم الأظفار، وأوّل من رأى الشيب، فلمّا رآه قال: يا ربّ! ما هو؟ قال: الوقار، قال: يا ربّ! زدني وقارًا. وقرأ الجمهور ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ بالألف والياء. وقرأ ابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان في البقرة بألفين، زاد هشام أنّه قرأ كذلك في إبراهيم والنحل ومريم

стр. 932

والشورى والذاريات والنجم والحديد وأول الممتحنة وثلاثةٍ آخر النساء وآخر التوبة وآخر الأنعام والعنكبوت وقرأ المفضّل إبراهام بألفين إلّا في التوبة والأعلى. وقرأ ابن الزبير (إبراهام) أيضًا، وقرأ أبو بكرة (إبراهم) بألفٍ وحذف الياء وكسر الهاء. وقرأ الجمهور: بنصب ﴿إبْرَاهِيمَ﴾ ورفع ﴿رَبُّهُ﴾، وقرأ ابن عباس، وأبو الشعثاء، وأبو حنيفة: برفع ﴿إبراهيمُ﴾ ونصب ﴿ربَّهُ﴾، والمعنى حينئذٍ: وإذا دعا إبراهيم ربَّه بكلمات؛ أي: بدعواتٍ، فأتَّمهنّ الله تعالى؛ أي: فأجابهنّ، وأعطاه إياهنّ، وتلك الدعوات، كقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وقولهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ وقوله ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾، وإبراهيم الخليل ﵇، هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا محمد ﷺ ، وهو خليل الله بن تارخ، وهو آزر بن ناخور، بن شاروخ بن أرغو، بن فالغ، بن عابر، وهو هود النبيِّ ﷺ ، بن شالح، بن أرفَخْشَذْ، بن سام، بن نوح ﵇، ومولده بأرض الأهواز، وقيل: بكوثى، وقيل: ببابل، وقيل: بنجران، ونقله أبوه إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان، وقوله: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ﴾ كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدّر، كأنّه قيل: فماذا قال له ربُّه حين أتمَّ الكلمات؟ فقيل: ﴿قَالَ﴾ الله تعالى لإبراهيم بعدما أتمهنَّ ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ﴾ ومُصَيِّرُكَ ﴿لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ يأتمون به في هذه الخصال، ويقتدى به الصالحون، فهو نبي في عصره، ومقتدًى به لكافة الناس إلى يوم القيامة؛ أي: جاعلك قدوة لهم في الدين إلى يوم القيامة، إذ لم يبعث بعده نبيٌّ إلّا كان من ذريته مأمورًا باتباعه في الجملة، والمعنى: أي؛ ثُمَّ قال له ربّه: يا إبراهيم! إنّي مصيِّرك إمامًا للناس في الخيرات، يقتدون بأفعالك، ويهتدون بهديك، ويستنون بسنتك، فلذلك اجتمعت أهل الأديان كلُّهم على تعظيمه، وجميع أمّة محمد ﷺ يقولون في آخر صلاتهم: اللهمّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وقوله: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدر، كأنّه قيل: فماذا قال إبراهيم عنده؟ فقيل: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم ﴿و﴾ اجعل يا ربّ! ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾؛ أي: من بعض أولادي أئمّةً يقتدى بهم في الدين؛ أي: أنبياء وملوكًا عدولًا، وعلماء يقتدى بهم، وتخصيص البعض بذلك؛ لبداهة استحالة

стр. 933

إمامة الكل، وإن كانوا على الحق، وقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ عطفٌ على الكاف في ﴿جَاعِلُكَ﴾ و ﴿من﴾ تبعيضية متعلِّقة بجاعل؛ أي: وجاعل بعض ذريتي إمامًا يقتدى به؛ أي: اجعل، لكنَّه راعى الأدب بالاحتراز عن صورة الأمر. وقرأ زيد بن ثابت ﴿ذُرِّيَّتِي﴾ بكسر الذال. وقرأ أبو جعفر بفتحها وليست في المتواتر عنه. وقرأ الجمهور بالضمّ، وهي لغاتٌ فيها، وقوله: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ﴾ كلام مستأنف أيضًا واقعٌ في جواب سؤال مقدّر، كأنّه قيل: فماذا قال الرب ﷻ ؟ فأجيب: ﴿قال﴾ الله لإبراهيم ﴿لَا يَنَالُ﴾ ولا يصيب ﴿عَهْدِي﴾؛ أي: لا يصل ما عهدته، ووعدته لك من الإمامة، والنبوة في أولادك إلى ﴿الظَّالِمِينَ﴾ والكافرين منهم، يعني: أنّ أولادك منهم مسلمون، وكافرون، فلا تصل الإمامة والاستخلاف بالنبوة الذي عهدت إليك من كان ظالمًا من أولادك، وغيرهم، وإنما ينال عهدي من كان بريئًا من الظلم؛ لأنَّ الإِمام لمنع الظلم، فكيف يجوز أن يكون ظالمًا؟! وإن جاز، فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب الغنم ظلم. ودلَّت الآية بمفهومها على أنّه ينالها ويصيبها غير الظالم؛ يعني: من كان ظالمًا من أولادك، لا يكون إمامًا وقدوة للناس؛ لأنّ الإمامة في أوليائه لا في أعدائه. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء ﴿الظالمون﴾ بالرفع على الفاعلية و ﴿عَهْدِي﴾ مفعول به؛ لأنّ العهد يَنال كما يُنال، أي: عهدي لا يصل إلى الظالمين، أو لا يصل الظالمون إليه، ولا يُدْرِكُونَهُ، ومعنى: عهدي نبوّتي، وفي هذا دليلٌ على عصمة الأنبياء ﵈ من الكبائر. وفي (١) ذكر الظلم مانعًا من الإمامة، تنفيرٌ لذرية إبراهيم منه، وتبغيضٌ لهم فيه ليتحاموه، ويُنَشِّئُوا أولادهم على كراهته كيلا يَقَعُوْا فيه ويُحرَموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، كما هو تنفيرٌ من الظالمين، وعن مخالطتهم، فالإمامة الصالحة لا تكون إلّا لذوي النفوس الفاضلة التي تَسوق صاحبهَا إلى خير العمل، وتَزَعُهُ عن الشرورِ والآثام، ولا حظَّ للظالمين في شيء من هذا.

стр. 934

والخلاصة: أنَّ الإمامة والنبوة لا ينالها من دنس نفسه، ودسّاها بالظلم، وقبيح الخلال، وإنّما ينالها من شرفت خلاله، وكملت أخلاقه، وصفت نفسه؛ لأنَ أهمَّ أعمال الإِمام رفع الظلم والفساد، حتى ينتظم العمران، وتَسُود السكينةُ بين الناس. ١٢٥ - ﴿و﴾ اذكر يا محمد! لقومك قصة ﴿إذ جعلنا البيت﴾؛ أي: الكعبة، أو جميع الحرم، فإنَّه تعالى وصفه بكونه آمنًا، وهذا صفة جميع الحرم ﴿مَثَابَةً﴾ أي: مرجعًا ومعادًا ﴿لِلنَّاسِ﴾ يعودون إليه، ويقضون منه وطرًا، كلما انصرفوا اشتاقوا إليه، فإنّهم يثوبون إليه كل عام بأعيانهم، وبأمثالهم، كما قاله الحسن، أو المراد: لا ينصرف عنه أحد إلّا وهو يتمنّى العود إليه، كما قاله ابن عباس ومجاهد، أو المعنى: جعلنا الكعبة موضع ثواب، يثابون بحجِّهِ واعتماره، وعبارة "الروح" هنا: أي: (١) واذكر يا محمد! لقومك قصة وقت تصييرنا الكعبة المعظَّمة ﴿مَثَابَةً﴾ كائنةً للناس؛ أي: مباءةً، ومرجعًا للحجَّاج والمعتمرين، يتفرَّقون عنه، ثم يثوبون إليه؛ أي: يرجع إليه أعيان الذين يزورونه بأن يحجوه مرّةً بعد أخرى، أو يرجع أمثالهم وأشباههم في كونهم وفد الله، وزوار بيته، فإنَّهم لما كانوا أشباهًا للزائرين أوَّلًا، كان ما وقع منهم من الزيارة ابتداءً بمنزلة عود الأوَّلين، فتعريف الناس؛ للعهد الذهنيِّ، وهم الزوار؛ أو للاستغراق، كما سيأتي، والتاء في ﴿مثابة﴾؛ للمبالغة لكثرة ما يثوب إليه، قاله الأخفش؛ أو لتأنيث المصدر؛ أو لتأنيث البقعة، كما يقال: مقامٌ ومقامةٌ، قال الشاعر: ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةْ ... فَهَلْ يُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِنْ بِقَاعِها ذكَّرَ رَحْبًا على مراعاة المكان، وأنث فسيحةً على اللفظ، وقرأ الأعمش، وطلحة: ﴿مثاباتٍ﴾ على الجمع، وقال ورقة بن نوفل: مَثابًا لأفناء القبائل كُلِّها ... تَخِبُّ إلَيْهَا اليَعْمُلاتُ الطَّلائِحُ ويروى الذَّوابل، ووجه قراءة الجمع: أنَّه مثابةٌ لكل من الناس لا يختصُّ

стр. 935

به واحدٌ منهم، سواء العاكف فيه والباد. وقال مجاهد وابن جبير معناه: يثوبون إليه من كل جانب؛ أي: يحجونه في كل عام، فهم يتفرقون، ثم يثوبون إليه أعيانهم، أو أمثالهم، ولا يقضي أحدٌ منهم وطرًا، وقال الشاعر: جَعَلَ البَيْتَ مَثَابًا لَهُمُ ... لَيسَ مِنْهُ الدَّهْرَ يَقْضُونَ الوَطَرْ وقال ابن عباس: معاذًا وملجأً، وقال قتادة والخليل: مجمعًا، والألف واللام في قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ إمّا لاستغراق الجنس على مذهب من يرى أنَّ الناس كلهم مخاطبون بفروع الإيمان، وإمَّا للجنس الخاص على مذهب من لا يرى ذلك. ﴿وَأَمْنًا﴾؛ أي: محلَّ أمنٍ لمن يسكنه ويلجأ إليه من الأعداء، والخسف، والمسخ، فإنّ المشركين كانوا لا يتعرَّضون لسكان الحرم، ويقولون: البيت بيت الله، وسكَّانه أهل الله، بمعنى: أهل بيته، وكان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم، فلا يتعرَّض له، ويتعرَّضون لمن حوله، وهذا شيء توارثوه من دين إسماعيل ﵇، فبقوا عليه إلى أيام النبي ﷺ ، أو يأمن لمن حجَّه من عذاب الآخرة من حيث إنّ الحج يجبُّ ما قبله؛ أي: يقطع ويمحو ما وجب قبله من حقوق الله تعالى غير الماليَّة، مثل: كفارة اليمين، وأمَّا حقوق العباد، فلا يجبُّها الحجُّ. ﴿و﴾ قلنا ﴿اتخذوا﴾؛ أي: اجعلوا يا أمّة محمد! لأنفسكم ﴿مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ﵇؛ أي: عند مقام إبراهيم ﴿مُصَلًّى﴾؛ أي: موضع صلاة، فمن هنا بمعنى: عند، والعندية تصدق بجهاته الأربع، والتخصيص بكون المصلى خلفه، إنّما استفيد من فعله ﷺ ، وفعل الصحابة بعده؛ أي: واذكر إذ جعلنا البيت مثابةً، وقلنا لكم: اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، فهو على تقدير القول؛ لئلا يلزم عطف الإنشاء على الإخبار، ومقام إبراهيم: الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت، وفيه أثر قدميه، أو الموضع الذي كان فيه حين قام عليه، ودعا الناس إلى الحج، أو حين رفع بناء البيت، والذي يسمى اليوم مقام إبراهيم هو موضع ذلك الحَجَر. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بكسر الخاء على صيغة الأمر، فلا بدّ على هذه القراءة من تقدير

стр. 936

القول، كما مرّ آنفًا. وقرأ نافع، وابن عامر ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ بفتحها، جعلوه فعلًا ماضيًا عطفًا على ﴿جَعَلْنَا﴾؛ أي: واتَّخذ الناس مقامه الموسوم به؛ يعني: الكعبة قبلةً يصلُّون إليها، فهو إخبار عن قوم إبراهيم أنّهم اتخذوا من مقامه مصلى. وفي "الفتوحات" قرأ نافع، وابن عامر: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ فعلًا ماضيًا على لفظ الخبر، والباقون على صيغة الأمر، فأمَّا قراءة الخبر، ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنّه معطوف على ﴿جَعَلْنَا﴾ المخفوض بإذ تقديرًا، فيكون الكلام جملة واحدة. الثاني: أنّه معطوف على مجموع قوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا﴾ فيحتاج إلى تقدير: إذ؛ أي، وإذ اتخذوا، ويكون الكلام جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء: أن يكون معطوفًا على محذوف، تقديره: فثابوا واتخذوا. وأمّا قراءة الأمر ففيها أربعة أوجه: أحدها: أنّه عطف على ﴿اذْكروا﴾ إذ قيل إنَّ الخطاب هنا لبني إسرائيل؛ أي: اذكروا نعمتي، واتخذوا. الثاني: أنها عطفٌ على الأمر الذي تضمنه قوله ﴿مَثَابَةً﴾ كأنَّه قال: ثوبوا، واتخذوا، ذكر هذين الوجهين المهدويّ. الثالث: أنّه معمولٌ لقول محذوف؛ أي: وقلنا اتخذوا بأن قيل: إنّ الخطاب لإبراهيم وذرّيته، أو لمحمد ﷺ وأمّته. الرابع: أن يكون مستأنفًا. اهـ. "سمين". وروي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (أنّ إبراهيم ﵇ كان يبني البيت، وإسماعيل يناول الحجارة، ويقول: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾! فلمَّا ارتفع البنيان، وضعف إبراهيم عن وضع الحجارة، قام على حجرٍ وهو مقام إبراهيم ﵇ فبناء البيت كان متأخرًا من بناء مكة، وكُلّ منهما في زمن إبراهيم، أمّا الأول، فبناء إبراهيم، وأمّا الثاني، فبناء طائفة من جرهم، كما في تاريخ مكة.

стр. 937

وروي: أنّه لمَّا أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر، ووضعهما بمكة، وأتت على ذلك مُدّةٌ، ونزلها الجرهميُّون، وتزوَّج إسماعيل منهم امرأة، وماتت هاجر، استأذن إبراهيم سارة في أن يأتي هاجر، فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فقدم إبراهيم، وقد ماتت هاجر، فذهب إلى بيت إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيَّد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم، فيصيد، فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ قالت: ليست عندي، وسألها عن عيشهم؟ فقالت: نحن في ضيق وشدّةٍ، فشكت إليه، فقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: فليغيِّر عتبة بابه، والمراد: ليطلِّقكِ، فإنّك لا تصلحين له امرأةً، وذهب إبراهيم، فجاء إسماعيل، فوجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحدٌ؟ قالت: جاءني شيخٌ صفته كذا وكذا، كالمستخفَّة بشأنه، قال: فما قال لك؟ قالت: قال: أقرئي زوجك السلام وقولي له: فليغيِّر عتبة بابه، قال: ذلك أبي، وقد أمرني أن أُفارقك، ألحقي بأهلك، فطلَّقها وتزوَّج منهم أخرى، فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثُمَّ استأذن سارة في أن يزور إسماعيل، فأذنت له، وشرطت عليه أن لا ينزل، فجاء إبراهيم حتى انتهى إلى باب إسماعيل، فقال لامرأته: أين صاحبك؟ قالت: ذهب يتصيَّد، وهو يجيء الآن إن شاء الله، فأنزل رحمك، قال: هل عندك ضيافةٌ؟ قالت: نعم، فجاءت باللبن، واللحم، وسألها عن عيشهم؟ قالت: نحن في خير وسعة، فدعا لهما بالبركة، ولو جاءت يومئذٍ بخبز بُرٍّ، أو شعيرٍ، أو تمرٍ لكانت أكثر أرض الله بُرًّا، أو شعيرًا، أو تمرًا، وقالت له: انزل حتى أغسل رأسك، فلم ينزل، فجاءت بالمقام فوضعته على شقِّه الأيمن، فوضع قدمه عليه وهو راكبٌ، فغسلت شقَّ رأسه الأيمن، ثمّ حوَّلته إلى شقه الأيسر، فغسلت شقَّ رأسه فبقي أثر قدميه عليه، وقال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد استقامت بابك، فلمَّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه، فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، جاء شيخٌ أحسن الناس وجهًا، وأطيبهم ريحًا، فقال لي: كذا وكذا، وغسلت رأسه، وهذا موضع قدميه، فقال: ذلك إبراهيم، وأنت عتبة بابي، أمرني أن أمسكك، ثُمَّ لبث عنهم ما شاء الله، ثُمَّ جاء بعد ذلك، وإسماعيل يبري نبلًا تحت دوحة قريبة من زمزم، فلمَّا رآه قام

стр. 938

إليه، فصنع كما يصنع الولد بالوالد، ثمّ قال: يا إسماعيل! إنّ الله أمرني بأمرٍ، أتعينني عليه؟ قال: أعينك عليه، قال: أمرني أن أبني ها هنا بيتًا، فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر، فوضعه له، فقام إبراهيم على حجر المقام وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجر، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ثمَّ لمَّا فرغ من بناء الكعبة قيل له: أَذِّنْ في الناس بالحج، فقال: أنادي وأنا بين الجبال! ولم يحضرني أحدٌ! فقال الله: عليك النداء، وعليَّ البلاغ، فصعد أَبَا قُبيسٍ، وصعد هذا الحجر، وكان قد خُبىءَ في أبي قُبيسٍ أيامَ الطوفان، فارتفع هذا الحجر حتى علا كُلَّ حجر في الدنيا، وجمع الله له الأرض كالسفرة، فنادى: يا معشر المسلمين! إنّ ربّكم بنى لكم بيتًا، وأمركم أن تحجُّوه، فأجابه الناس من أصلاب الآباء، وأرحام الأمهات، فمن أجابه مرّةً حجَّ مرة ومن أجابه عشرًا حج عشرًا. وفي الحديث: "إنَّ الركنَ والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، ولولا مماسة أيدي المشركين لأضاءتا. ما بَيْنَ المشرقِ والمغربِ" والمرادُ منهما: الحجر الأسود والحجر الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت. ﴿و﴾ اذكر يا محمد! لأمّتك قصّة إذ ﴿عهدنا﴾ وأوصينا ﴿إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ وأمرناهما بـ ﴿أن﴾ أسِّسا بيتي على التقوى و ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ من الأوثان والأنجاس كُلِّها؛ يعني: الكعبة وأضافه إليه؛ تشريفًا له؛ أي: عهدنا إليهما، وأمرناهما أمرًا مؤكَّدًا، ووصَّينا إليهما، فإنَّ العهد قد يكون بمعنى الأمر والوصيّة، يقال: عهد إليه؛ أي: أمره ووصَّاه، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ وسمَّاه بيته؛ لأنّه جعله معبدًا للعبادة الصحيحة، وأمر المُصلِّين بأن يتوجَّهُوا إليها، وفي إبراهيم (١) سبع لغات: أشهرها إبراهيم بألفٍ وياءٍ، وإبراهام بألفين، والثالثة: إبراهم بألف بعد الراء وكسر الهاء دون ياء، الرابعة: كذلك إلّا أنّه بفتح الهاء، والخامسة: كذلك إلّا أنّه بضمّ الهاء، السادسة: أبْرَهَم بفتح الهاء

стр. 939

من غير ألف وياء، السابعة: أبراهوم بالواو. اهـ. "سمين". وإسماعيل: اسم أعجمي، وفيه لغتان: اللام والنون، ويجمع على سماعلة، وسماعيل، وأساميع، ومن أغرب ما نقل في تسميته: أنَّ إبراهيم لما دعا الله تعالى أن يرزقه ولدًا، كان يقول في دعائه: اسمع إيل! اسمع إيل! وإيل: اسم الله تعالى بالسريانية، فلمَّا ولد سمَّاه بذلك؛ أي: أمرناهما، وألزمناهما، وأوجبنا عليهما أن طهِّرا بيتي؛ أي: أن أسساه وابنياه على التوحيد، وطهِّراه من الأوثان والأنجاس، وعن كُلِّ ما لا يليق به من كُلِّ رجسٍ حسيٍّ ومعنوي، كاللغو، والرَّفث، والتنازع فيه حين أداء العبادات، كالطواف، والسعي بين الصفا والمروة، والعكوف فيه، وكالشرك، والرياء، والسمعة، إلى غير ذلك، والمراد: احفظاه من أن ينصب حوله شيءٌ منها، وأقراه على طهارته، وإلّا لم يكن هناك إذ ذاك أوثانٌ عند البيت حتى يطهَّر منها، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ فإنّهنّ لم يُطهَّرن من نجس، بل خلقهن طاهراتٍ، كقولك للخياط: وسِّع كم القميص، فإنّك لا تريد أن تقول: أزل ما فيه من الضِّيق، بل المراد: اصنعه ابتداءً واسع الكمّ. والحكمة في جعل الله سبحانه معبدًا لعباده، وهو هذا البيت؛ لأنَّ الخلق في حاجةٍ إلى التوجّه إلى خالقهم بشكر، والثناء عليه، والتوسّل إليه لاستمداد رحمته، ومعونته، وهم يعجزون عن التوجه إلى موجودٍ غيبيٍّ، لا يتقيَّد بمكان، ولا ينحصر في جهة، فعيَّن لهم مكانًا نسبه إليه رمزًا إلى أنَّ ذاته المقدَّسة تحضره والحضور الحقيقيُّ مَحالٌ عليه، فالمراد: أنَّ رحمته الإلهية تحضره، ومن ثمَّ كان التوجُّه إلى هذا المكان، كالتوجُّه إلى تلك الذات العليَّة لو وجد العبد إلى ذلك سبيلًا، وانظر حكمة تخصيص هذه البقعة من بين بقاع الأرض باتخاذه معبدًا، فإنَّه من الذخائر المدفونة في قلوب خواص عباده. ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾؛ أي: للزائرين الدائرين حوله ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ أي: المقيمين عنده، والمعتكفين فيه؛ أي: المجاورين الذين عكفوا عنده؛ أي: أقاموا عنده لا يرجعون، ولا يذهبون، ولا يرتحلون منه، وهذا في أهل الحرم، والأول؛ أعني: الطائفين في الغرباء القادمين إلى مكة للزيارة والطواف، وإن كان الطواف لا

стр. 940

يختصُّ بهم، إلّا أن له مزيد اختصاص بهم من حيث إن مجاوزة الميقات لا تجوز لهم إلّا بالإحرام ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾؛ أي: المصلِّين إليه من سائر البلدان جمع راكعٍ وساجدٍ؛ لأن القيام، والرُّكوع، والسجود من هيئات المصلِّي، ولتقارب الركوع والسجود ذاتًا وزمانًا، ترك العاطف بين موصوفيهما، والجلوس في المسجد الحرام ناظرًا إلى الكعبة من جملة العبادات الشريفة المرضية، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنّ لله تعالى في كُلِّ يوم مائةً وعشرين رحمةً، تنزل على هذا البيت ستون للطائفين، وأربعون للمصلّين، وعشرون للناظرين". واعلم: أنّه تعالى لمّا قال: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ دخل فيه بالمعنى: جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه في التطهير، والنظافة، وإنّما خصَّ الكعبة بالذكر؛ لأنّه لم يكن هناك غيرها، وفي الآية: إيماء إلى أنَّ إبراهيم كان مأمورًا هو ومن بعده بهذه العبادات، ولكن لا دليل إلى معرفة الطريق التي كانوا يؤدُّونها بها. فالمراد بالطائفين: من يقصد البيت حاجًّا، أو معتمرًا، فيطوف به، وبالعاكفين: من يقوم هناك ويجاور فيه، وبالركع السجود: من يصلّي إليه الصلوات الخمس، وغيرها. وروي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء: إنّ الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. ١٢٦ - ﴿و﴾ واذكر يا محمد! لأمّتك قصّة ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ ﵇؛ أي: قصّة إذ دعا إبراهيم ربَّه، فقال: في دعائه يا ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا﴾ الوادي الأقفر الخالي عن الأنيس، الذي ليس فيه زرعٌ، ولا ماءٌ، ولا بناءٌ ﴿بَلَدًا﴾ مَسْكنًا ﴿آمِنًا﴾ أي: ذا أمنٍ يأمن فيه أهله من القحط، والجدب، والخسف، والمسخ، والزَّلازل، والجذام، والبرص، ونحو ذلك من المَثُلاَتِ التي تَحُلُّ بالبلاد غيرها، فهو من باب النَّسب؛ أي: بلدًا منسوبًا إلى الأمن كلابن، وتامر، فإنّهما لنسبة موصوفهما إلى مأخذهما، كأنّه قيل: لبنيٌّ وتمريٌّ، فالإسناد حقيقيٌّ، أو المعنى: بلدًا آمنًا أهله، فيكون من قبيل الإسناد المجازي؛ لأنَّ الأمن الذي هو صفةٌ لأهل البلد حقيقةً، قَدْ أُسْنِدَ إلى مكانهم للملابسة بينهما. وكان هذا الدعاء في أوَّلِ ما قَدِم إبراهيم ﵇ مكة؛ لأنّه لما أسكن إسماعيل وهاجر هناك، وعاد مُتوجِّهًا إلى الشام تبعته هاجر، فجعلت تقول: إلى مَنْ تكلنا في هذا البَلْقَعِ؛ أي: المكانِ الخالي من الماء، والنبات،

стр. 941

وهو لا يردُّ عليها جوابًا، حتى قالت: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم، قالت: إذًا لا يُضيِّعنا، فرضِيَتْ، ومضَى، حتى إذا استوى على ثنية كداء، أقبل على الوادي، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ...﴾ إلى آخر الآية، وإنما (١) دعا إبراهيم له بالأمن؛ لأنه ليس فيه زرع، ولا ثمرٌ، فإذا لم يكن آمنًا، لم يجلب إليه شيءٌ من النَّواحي، فيتعذَّر المقام فيه، فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم، فجعله بلدًا آمنًا لا يُسْفَك فيه دم إنسان، ولا يظلم أحد، ولا يصاد صيده، ولا يُخْتَلَى خلاه، فما قصده جَبَّارٌ إلّا قصَمَه الله تعالى، كما فعل بأصحاب الفيل، وغيرهم من الجبابرة. فإن قُلْتَ: ما الفائدة في قول إبراهيم ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ مع قوله تعالى أوّلًا: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾؟ قلت: المراد من الأمن المذكور: أوّلًا الأمن من الأعداء، والخسف، والمسخ، ومن المذكور في دعاء إبراهيم: الأمن من القحط، والجوع، وقيل: معنى بلدًا آمنًا؛ أي: كثير الخصب، يؤمن فيه من الجوع، والقحط، فإن الدنيا إذا طلبت ليُتقوَّى على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمنًا، وحصل فيه الخصب تفرَّغ أهله لطاعة الله، وأيضًا إنَّ الخصب مما يدعو الناس إلى تلك البلدة، فهو سبب اتصاله في الطاعة. والمعنى (٢): أي قال إبراهيم: ربّ اجعل هذا الوادي من البلاد الآمنة! وهذا دعاء منه أن يكون البيت آمنًا في نفسه من الجبابرة، وغيرهم، أن يسلَّطوا عليه، ومن عقوبة الله أن تناله، كما تنال سائر البلدان من خسف، وزلزال، وغرق، ونحو ذلك ممَّا يُنْبِىءُ عن سخط الله، ومثلاته التي تصيب سائر البلاد، وقد استجاب الله دعاءه، فلم يقصده أحدٌ بسوءٍ إلا قصم ظهره، ومن تعدَّى عليه لم يطل زمن تعدِّيه، بل يكون تعدّيًا عارضًا ثمَّ يزول.

стр. 942

﴿وارزق﴾ يا ربّ! ﴿أَهْلَهُ﴾؛ أي: أهل هذا البلد وسُكَّانه مواطنًا كان، أو مقيمًا ﴿مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾؛ أي: من أنواع الثمرات، وحمل الشجر: جمع ثمرة وهي المأكولات مما يخرج من الأرض والشجر، فهو سؤال الطعام والفواكه، وقيل: هي الفواكه، وإنّما خصَّ هذا بالسؤال؛ لأنّ الطعام المعهود مما يكون في كُل موضع، وأمّا الفواكه، فقد تندر، فسأل لأهله الأمن والسعة، مما يطيب العيش، ويدوم، وقد تحصل في مكَّة الفواكه الربيعيَّة، والصيفيَّة، والخريفيَّة في يوم واحد، فاستجاب له في ذلك؛ لما روي أنّه لما دعا هذا الدعاء، أمر الله سبحانه جبريل بنقل قرية من قرى فلسطين كثيرة الثمار إليها، فأتى جبريل فقلعها، وجاء بها، وطاف بها حول البيت سبعًا، ثم وضعها على ثلاث مراحل من مكة وهي الطائف، ولذلك سُمِّيت به، ومنها أكثر ثمرات مكة، ويجيءُ إليها أيضًا من الأقطار الشَّاسِعَة، والبلاد النَّائية، شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، خصوصًا في هذا الزمان بالطائرات، والباخرات، والسيَّارات، وهذا آية من آيات الله، فسبحانه فعالًا لما يريد، وخصّ الثمرات حيث لم يقل من الحبوب؛ لما في تحصيلها من الذلّ الحاصل بالحرث، وغيره، فاقتصاره على الثمرات؛ لتشريفهم، ثم أبدل قوله: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ من أهله بدل بعض من كل؛ مراعاة لحسن الأدب، وترغيبًا لقومه في الإيمان؛ أي: وارزق المؤمنين باللهِ وباليوم الآخر من أهله خاصة ﴿قَالَ﴾ ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ معطوف على محذوف، تقديره: أي: ارزق من آمن منهم ومن كفر أيضًا. قاس إبراهيم ﵇ الرزق على الإمامة، حيث سأل الرزق لأجل المؤمنين خاصة، كما خصّ الله تعالى الإمامة بهم في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فلمّا ردّ سؤال الإمامة في حقّ ذرّيته على الإطلاق، حسب أن يردَّ سؤاله الرزق في حقّ أهل مكة على الإطلاق، فلذلك قيد بالإيمان تأدُّبًا بالسؤال الأول، فنبَّه سبحانه على أنَّ الرزق رحمةٌ دنيويَّةٌ تعمُّ المؤمن والكافر، بخلاف الإمامة والتقدُّم؛ أي: وأَرْزُقُ أيضًا من كفر باللهِ واليوم الآخر ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾؛ أي: أمدُّ له ليتناول من لذات الدنيا؛ إثباتًا للحجة عليه، وأمتعه تمتيعًا ﴿قَلِيلًا﴾ فإنّ الدنيا بكليتها قليلةٌ، وما يتمتَّع الكافر به منها قليلٌ من القليل، فإنَّ نعمته تعالى في الدنيا

стр. 943

وإن كانت كثيرة بإضافة بعضها إلى بعض، فإنّها قليلةٌ بإضافتها إلى نعمة الآخرة، وكيف لا يقلُّ ما يتناهى بالإضافة إلى ما لا يتناهى، فقليلًا: صفة لمصدر محذوف، كما قدَّرنا، ويجوز أن يكون صفة لظرف محذوف؛ أي: أُمتِّعُه زمانًا قليلًا، وهو مدَّة حياته ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾؛ أي: ثمّ بعد تمتيع ذلك الكافر مدّة حياته أضطرُّه؛ أي: ألجئه، وأرجعه، وأسوقه في الآخرة ﴿إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ فلا يجد عنها محيصًا، والاضطرار في اللُّغة: حمل الإنسان على ما يضرُّه، وهو في المتعارف: حمل الإنسان بكفره على أن يفعل ما أكره عليه باختياره، فلا يكون اضطرارهم إلى عذاب النار مستعملًا في معناه العرفي، فهو مستعارٌ لِلَزِّهِمْ، وإلصاقِهِم به، بحيث يتعذَّر عليهم التخلّصُ منه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ فإنَّه صريحٌ في أن لا مدخل لهم في لحوق عذاب الآخرة بهم، ولا اختيار إلّا أنّهم سُمُّوا مضطرين إليه مختارين إيّاه على كُره، تشبيهًا لهم بالمضطر الذي لا يملك الامتناع عمَّا اضطرّ إليه، فالمعنى: أَلُزُّهُ إليه لَزُّ المضطرِّ لكُفْرِه، وتضييعهِ ما متَّعتُهُ به من النِعَم بحيث لا يمكن الامتناعَ منه ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: قَبُح المرجع مرجعُه المخصوص بالذمّ محذوف؛ أي: بئس المرجع الذي يرجع إليه للإقامة فيه النارُ، أو عذابها، فللعبد في هذه الدنيا الفانية الإمهالُ أيّامًا لا لإهمالٍ، إذ كُلُّ نفس تُجزى بما كسبت، ولا تغرَّنك الزخارف الدنيوية، فإنَّ للمطيع والعاصِي نصيبًا منها، وليس ذلك من موجبات الرفعة في الآخرة، فعلى العاقل أن لا يغترَّ بالزخارف الدُّنيوية، بل لا يفرح بشيء سوى الله تعالى، فإنَّ ما خلا الله باطلٌ وزائلٌ، والاغترار بالزائل الفاني ليس من قضيّة كمال العقل، والفهم، والعرفان. وقرأ الجمهور (١) من السبعة ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ مشدَّدًا على الخبر. وقرأ ابن عامر ﴿فأمتعه﴾ مخفَّفًا على الخبر. وقرأ هؤلاء ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ خبرًا، وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿فأُمْتِعهُ﴾ مخفَّفًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ بكسر الهمزة، وهما خبران. وقرأ ابن محيصن ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ بإدغام الضاد في الطاء خبرًا. وقرأ يزيد بن أبي حبيب ﴿ثُمَّ

стр. 944

أَضْطَرُّهُ﴾ بضمّ الطاء خبرًا. وقرأ أبيُّ بن كعب ﴿فنُمتِّعُه ثمّ نضطرُّه﴾ بالنون فيهما. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما: ﴿فأَمْتِعْهُ قليلًا ثم اضْطرُّه﴾ على صيغة الأمر فيهما، فأمَّا على هذه - القراءة، فيتعيَّن أن يكون الضمير في ﴿قَالَ﴾ عائدًا على إبراهيم لمَّا دعا للمؤمنين بالرزق، دعا على الكافرين بالإمتاع القليل، والإلزاز إلى العذاب، ومَنْ على هذه القراءة يحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء على أن تكون موصولة، أو شرطية، وفي موضع نصب على الاشتغال على الوصل أيضًا وأمّا على قراءة الباقين، فيتعيَّن أن يكون الضمير في قال عائدًا على الله تعالى، ومَنْ يحتمل أن يكون في موضع نصب على إضمار فعل، تقديره: قال الله: وأرزق مَنْ كفر فأمتعه، ويكون ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ معطوفًا على ذلك الفعلِ المحذوف الناصب لِمَنْ، ويحتمل أن تكون ﴿مَنْ﴾ في موضع رفع على الابتداء إمّا موصولًا، وإمّا شرطًا، والفاء فاءُ جواب الشرط، أو الداخلة في خبر الموصول؛ لشبهه باسم الشرط. انتهى. ملخصًا من "البحر". وحاصل مَعنى الآية: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾. الخ. أي: وارزق (١) أهله من أنواع الثمار، إمّا بزرعها بالقرب منه، وإمّا بأن تجبى إليه من الأقطار الشاسعة، وقد حصل كلاهما استجابةً لدعوة إبراهيم، كما هو مشاهدٌ، وقد جاء في سورة القصص ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وخصَّ إبراهيم بدعائه المؤمنين، وإن كان سبحانه لواسع رحمته، جعل رزق الدنيا عامًّا للمؤمنين والكافرين ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾؛ لأن تمتيع الكافرين قصيرٌ محدودٌ بذلك العمر القصير، ثمَّ إلى النار وبئس المصير، وهذا ما بيَّنه عز اسمه بقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ ...﴾ إلخ. أي: قال الله سبحانه: يا إبراهيم! قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمن أهل البلد من الثمرات، ورزقت كفارهم أيضًا، وأمتعهم بهذا الرزق أمدًا قليلًا، وهو مدّة وجودهم في الدنيا، ثم أسوقهم إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًّا لا اختيار لهم فيه، ولا يعلمون أنَّ عملهم ينتهي بهم إليه.

стр. 945

ذاك أنَّ أعمال البشر التي تقع باختيارهم، لها آثارٌ وغاياتٌ اضطراريَّةٌ تنتهي بهم إليها، وتكون نتيجةً لها، بحسب ما وضعه الله سبحانه في نظام الكون، من وجود المسببات عقب وجود أسبابها، فالإسراف في الشهوات يفضي إلى بعض الأمراض في الدنيا، كذلك الكفار، والفساق، مختارون في كفرهم، وفسوقهم، وتكون نتيجة ذلك سوقهم إلى عذاب النار بمقتضى السُّنن الموضوعة. وكُل أعمال الإنسان النفسانية، والبدنية، لها الأثر الذي يفضي بصاحبها إلى السعادة، أو الشقاء، وهي أعمال كسبية اختيارية، فالإنسان متمكّن من اختيار الحق، وترك الباطل، وترك الخبيث، وفعل الطيّب بما أعطاه الله من العقل، وبما نزَّل عليه من الوحي، فإذا حاد عن ذلك يكون قد ظلم نفسه، وعرَّضها للعذاب، والشَّقاء بأعماله التي مبدؤها كسبي، وأثرها اضطراريٌّ، وهذه السُّنن بقضاء الله وتقديره، ومن ثَمّ يصحُّ أن يقال: إن الله قد اضطرّ الكافر إلى العذاب، وأَلْجَأَهُ إليه، وجعل الأرواح المدنَّسة بالأخلاق الذميمة، أو بالعقائد الفاسدة محلَّ سخطه، وموضع انتقامه في الآخرة، كما جعل أصحاب الأمراض القذرة عرضةً للأمراض في الدنيا. الإعراب ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. ﴿وَلِلَّهِ﴾ الواو استئنافية ﴿لله﴾ خبر مقدّم ﴿الْمَشْرِقُ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿وَالْمَغْرِبُ﴾ معطوف على ﴿الْمَشْرِقُ﴾ والجملة الاسمية مستأنفة، ولكنّها مرتبطة من حيث المعنى بقوله: ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ يعني: أنّه إن سعى ساع في المنع من ذكره تعالى، وفي خراب بيوته، فليس ذلك مانعًا من أداء العبادة في غيرها؛ لأنّ المشرق والمغرب وما بينهما له تعالى. ذكره في "الفتوحات" ﴿فَأَيْنَمَا﴾ الفاء فاء الفصيحة، مبنية على الفتح؛ لأنّها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم أن المشرق والمغرب لله تعالى، وأردتم بيان ما هو الأصلح لكم، فأقول لكم: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ ﴿أين﴾ اسم شرط جازم يجزم فعلين في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الفتح، والظرف متعلق بفعل الشرط؛ أعني:

стр. 946

تولّوا ﴿ما﴾ زائدة زيدت، لإفادة العموم ﴿تُوَلُّوا﴾ فعل مضارع مجزوم بأين على كونه فعل شرط لها، وعلامة جزمه حذف النون، والواو ضمير لجماعة المخاطبين في محل الرفع فاعل ﴿فَثَمَّ﴾ الفاء رابطة لجواب أين الشرطية وجوبًا؛ لكون الجواب جملة اسمية ﴿ثَمَّ﴾ اسم إشارة يشار به للمكان البعيد في محل النصب على الظرفية المكانية، مبني على الفتح، والظرف متعلق بواجب الحذف؛ لوقوعه خبرًا مقدّمًا ﴿وَجْهُ اللَّهِ﴾ مبتدأ مؤخّر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل الجزم بأين على كونها جوابًا لها، وجملة أين الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدّرة مستأنفة ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه ﴿وَاسِعٌ﴾ خبر أوّل له ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ثان، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة؛ لتعليل ما قبلها. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾: ﴿وَقَالُوا﴾ الواو عاطفة، أو استئنافية ﴿قالوا﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾. ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة في محل النصب مقول ﴿قالوا﴾ و ﴿اتَّخَذَ﴾ هنا بمعنى: صنع، يتعدّى إلى مفعول واحد ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ﴿سبحان﴾ مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبّح سبحانه؛ أي: أنزّه الله تعالى عن اتخاذ الولد تنزيهًا، والهاء ضمير للمفرد المنزه عن الذكورة والأنوثة في محل البحر مضاف إليه، وجملة التسبيح معترضة، فهو تعالى نزّه نفسه بنفسه ﴿بَل﴾ حرف عطف وإضراب، أو حرف ابتداء وإضراب ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور خبر مقدّم ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخّر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ متعلق بمحذوف صلة الموصول ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ والجملة الإسمية معطوفة على جملة ﴿قالوا﴾ عطف اسمية على فعلية، أو مستأنفة ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ وسوّغ الابتداء بالنكرة؛ ما فيه من العموم، والتنوين عوض عن مضاف إليه محذوف؛ أي: كل فرد من أفراد المخلوقات ﴿لَهُ﴾ متعلق بقانتون، و ﴿قَانِتُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة

стр. 947

الإسمية مستأنفة، وجمع الخبر؛ مراعاة لمعنى كل، وجمعه جمع العقلاء؛ تغليبًا لهم على غيرهم ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو بديع السموات، والجملة مستأنفة ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مضاف إليه ﴿وَالْأَرْضِ﴾ معطوف على السموات، وهو من باب إضافة الصفة المُشبَّهة إلى فاعلها، والأصل: بديعٌ سمواته ﴿وَإِذَا﴾ الواو استئنافية ﴿إذا﴾ ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه متعلِّق بالجواب ﴿قَضَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على الله ﴿أَمْرًا﴾ مفعولٌ به، والجملة الفعلية في محل البحر مضاف إليه لإذا على كونها فعل شرط لها ﴿فَإِنَّمَا﴾ الفاء رابطة لجواب إذا جوازًا ﴿إنما﴾ أداة حصر ﴿يَقُولُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور متعلِّق بيقول، والجملة الفعلية جواب ﴿إذا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إذا﴾ مستأنفة ﴿كن﴾ مقولٌ محكي ليقول منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الحكاية، وهو أمر من كان التامة، بمعنى: أُحْدُثْ، وكذلك قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أي: يحدث ﴿فَيَكُونُ﴾ الفاء استئنافية ﴿يكون﴾ فعل مضارع تام، وفاعله ضمير يعود على ﴿أَمْرًا﴾ والجملة الفعلية مستأنفة، أو في محل الرفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو يكون، والجملة الإسمية مستأنفة أيضًا، ويعزى هذا القول إلى سيبويه، وقال الزجاج، والطبري: إنّ جملة قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ معطوف على جملة ﴿يَقُولُ﴾ والفاء حينئذٍ عاطفة، وقال الفارسي: معطوفة على ﴿كُنْ﴾ من حيث المعنى. ذكره في "الفتوحات". ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ﴾ هو فعل وفاعل معطوف على جملة قوله: ﴿وقالوا﴾ أو مستأنفة، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ مقول محكي، لقال، منصوب بفتحة مقدرة على الأخير، وإن شئت قلت: ﴿لَوْلَا﴾ حرف تحضيض بمعنى: هلّا، والتحضيض: الطلب بحثّ وإزعاج ﴿يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾ فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل النصب مقول قال ﴿أَوْ﴾

стр. 948

حرف عطف وتفصيل، ﴿تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ فعل ومفعول وفاعل والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿يُكَلِّمُنَا﴾. ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف اسم بمعنى: مثل، في محل النصب على أنّه صفة لمصدر محذوف قدّم على عامله؛ لإفادة الحصر، تقديره: قولًا مثل قول الذين لا يعلمون، ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿مِن قَبْلِهِم﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف صلة الموصول، تقديره: قال الذين كانوا من قبلهم ﴿مِثْلَ﴾ بدل من الكاف في ﴿كَذَلِكَ﴾ بدل كل من كل، جيء به؛ لتأكيد معنى المثلية، وهو مضاف ﴿قَوْلِهِمْ﴾ مضاف إليه مجرور ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة؛ لتقرير ما قبلها ﴿قَدْ﴾ حرف تحقيق ﴿بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة مستأنفة ﴿لِقَوْمٍ﴾ متعلق ببينا، وجملة ﴿يُوقِنُونَ﴾ صفة لقوم. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. ﴿إِنَّا﴾ ناصب واسمه ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ فعل وفاعل ومفعول، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، والجملة الإسمية مستأنفة ﴿بِالْحَقِّ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من المفعول في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ أي: حال كونك ملتبسًا بالحق، أو من الفاعل؛ أي: حالة كوننا ملتبسين بالحق، والأوّل أولى؛ لموافقة ما بعده ﴿بَشِيرًا﴾ حال ثانية من الكاف أيضًا، تقديره: حالة كونك مبشرًا بالجنة لمن اتبعك ﴿وَنَذِيرًا﴾ معطوف على ﴿بَشِيرًا﴾؛ أي: وحالة كونك منذرًا لمن خالفك بالعذاب ﴿وَلَا﴾ الواو استئنافية على الأرجح، أو عاطفة ﴿لَا﴾ نافية ﴿تُسْأَلُ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بالضمّة، ونائب فاعله ضمير يعود على محمد ﷺ ، والجملة الفعلية مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿إن﴾ ﴿عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بتسأل. ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾. ﴿وَلَنْ﴾: الواو استئنافية ﴿لن﴾ حرف نصب ونفي ﴿تَرْضَى﴾ فعل مضارع منصوب بلن ﴿عَنْكَ﴾ متعلق بترضى، ﴿الْيَهُودُ﴾ فاعل ﴿وَلَا النَّصَارَى﴾ معطوف على

стр. 949

﴿الْيَهُودُ﴾ والجملة مستأنفة ﴿حَتَّى﴾ حرف جرّ وغاية بمعنى: إلى ﴿تَتَّبِعَ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد ﷺ ، منصوب بأن مضمرة وجوبًا، بَعْدَ حتى بمعنى: إلى ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ مفعول به ومضاف إليه، وجملة أن المضمرة مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحتى بمعنى: إلى، تقديره إلى اتباعك ملّتهم، الجار والمجرور متعلق بترضى ﴿قُلْ﴾ فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة ﴿إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ مقول محكي لقل، وإن شئت قلت: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ﴾ ناصب واسمه ومضاف إليه ﴿هُوَ﴾ ضمير فصل ﴿الْهُدَى﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَلَئِنِ﴾ الواو استئنافية، واللام موطئة للقسم ﴿إنْ﴾ حرف شرط ﴿اتَّبَعْتَ﴾ فعل وفاعل في محل الجزم بإن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ مفعول به، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه جواب القسم، تقديره: إن اتبعت أهواءهم فما لك من ولي ولا نصير، وجملة ﴿إنْ﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه ﴿بَعْدَ الَّذِي﴾ ظرف ومضاف إليه متعلق باتبعت ﴿جَاءَكَ﴾ فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير الفاعل ﴿مِنَ الْعِلْمِ﴾ حال من فاعل ﴿جاءَك﴾ ﴿مَا﴾ نافية ﴿لَكَ﴾ خبر مقدم، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ جار ومجرور تنازع فيه، كل من ولى ونصير ﴿مِنَ﴾ زائدة ﴿وَلِيٍّ﴾ مبتدأ مؤخّر ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾، والتقدير: ما ولي ولا نصير من عذاب الله كائنان لك، والجملة الإسمية جواب القسم لا محل لها من الإعراب؛ جريًا على القاعدة المشهورة عندهم: من أنّه إذا اجتمع شرط وقسم، يحذف جواب المتأخر منهما، كما قال ابن مالك: واحذف لدى اجتماع شرط وقَسَمْ ... جواب ما أخرّت فهو ملتَزَمْ وجملة القسم مع جوابه مستأنفة. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾. ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ أول ﴿آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ فعل وفاعل ومفعولان، والجملة صلة الموصول، والعائد ضمير المفعول ﴿يَتْلُونَهُ﴾ فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب حال من ضمير المفعول في ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾ ولكنّها حال

стр. 950

مقدّرة؛ لأنّهم لم يكونوا تالين حال إيتائه، تقديره: حالة كونهم تالين إياه ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ منصوب على المفعولية المطلقة ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ثَانٍ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ فعل وفاعل مرفوع بالنون ﴿بِهِ﴾ متعلق بيؤمنون، والجملة الفعلية خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر المبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة استئنافًا نحويًّا ﴿وَمَنْ﴾ الواو استئنافية، أو عاطفة ﴿من﴾ اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما ﴿يَكْفُرْ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على مَن مجزوم بمَن الشرطية على كونه فعل شرط لها ﴿بِهِ﴾ متعلق بيكفر ﴿فَأُولَئِكَ﴾ الفاء رابطة لجواب الشرط وجوبًا ﴿فَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿هُمُ﴾ ضمير فصل ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ خبر المبتدأ، والجملة الإسمية في محل الجزم بمن الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿من﴾ الشرطية مستأنفة، أو معطوفة على ما قبلها ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يا حرف نداءه ﴿بني إِسْرَائيلَ﴾ منادى مضاف منصوب بالياء ﴿إِسْرَائِيلَ﴾ مضاف إليه مجرور بالفتحة، وجملة النداء مستأنفة ﴿اذْكُرُوا﴾ فعل أمر وفاعل مبني على حذف النون، والجملة الطلبية جواب النداء لا محل لها من الإعراب ﴿نِعْمَتِيَ﴾ مفعول به ومضاف إليه ﴿الَّتِي﴾ اسم موصول صفة لنعمتي، ﴿أَنْعَمْتُ﴾ فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: التي أنعمتها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ متعلق بأنعمت ﴿وَأَنِّي﴾ الواو عاطفة ﴿أنى﴾ ناصب واسمه ﴿فَضَّلْتُكُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول به ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ متعلق بفضّلت، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر أن، وجملة أن في تأويل مصدر معطوف على ﴿نِعْمَتِيَ﴾ تقديره: اذكروا نعمتي التي أنعمتها عليكم، وتفضيلي إياكم على العالمين. ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾. ﴿وَاتَّقُوا﴾ فعل أمر معطوف على ﴿اذْكُرُوا﴾ على كونها جواب النداء ﴿يَوْمًا﴾ مفعول به ﴿لَا﴾ نافية ﴿تَجْزِي نَفْسٌ﴾ فعل وفاعل، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ليومًا، ولكنّها سببية، والرابط محذوف، تقديره: لا تجزي فيه نفس ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾ متعلق بتجزي ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به لتجزي ﴿وَلَا﴾ الواو عاطفة ﴿لَا﴾ زائدة زيدت؛ لتأكيد نفي ما قبلها ﴿يُقْبَلُ﴾ فعل مضارع مغيّر الصيغة ﴿مِنْهَا﴾ متعلق بيقبل
следующие страницы →