بـ ﴿جَعَلَ﴾، و ﴿مِن﴾ هنا بمعنى الباء السببية، كما مر، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، ﴿اللَّيْلَ﴾ مفعول أول له، ﴿وَالنَّهَارَ﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾، ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تسكنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لسكونكم فيه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾: معطوف على ﴿لِتَسْكُنُوا﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَبْتَغُوا﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿تَسْكُنُوا﴾ على كونها في محل الجر بلام التعليل المقدرة.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يوم يناديهم، وجملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، وجملة ﴿فَيَقُولُ﴾ معطوفة على جملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾، ﴿أَيْنَ﴾ خبر مقدم، ﴿شُرَكَائِيَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿شُرَكَائِيَ﴾، وجملة ﴿كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ صلة الموصول، وقد مر إعراب هذه الآية بلفظها تفصيلًا فجدد به عهدًا. ﴿وَنَزَعْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَزَعْنَا﴾، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ على كونها مضافًا إليه ليوم، ﴿شَهِيدًا﴾: مفعول به لـ ﴿نَزَعْنَا﴾، ﴿فَقُلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَزَعْنَا﴾، ﴿هَاتُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قلنا﴾، ﴿فَعَلِمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قُلْنَا﴾، ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ ناصب واسمه، ﴿لِلَّهِ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم، ﴿وَضَلَّ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿عَلِمُوا﴾، ﴿عَنْهم﴾: متعلق بـ ﴿ضَلَّ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿ضَلَّ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾
стр. 9557
الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما كانوا يفترونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ الهداية تارة يراد بها الدعوة والإرشاد إلى طريق الخير، وهي التي أثبتها الله سبحانه لرسوله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتارة يراد بها هداية التوفيق، وشرح الصدر بقذف نور يحيى به القلب، كما جاء في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾، وهي بهذا المعنى نفيت عن رسول الله ﷺ في هذه الآية.
وفي "روح البيان": الهداية من الله عبارة عن تقليب القلب من الباطل - وهو ما سوى الله - إلى الحق، وهو جانب الله سبحانه، فليس هذا من شأن غير الله تعالى، وفي "عرائس البيان": الهداية مقرونة بإرادة الأزل، ولو كانت إرادة نبينا محمد ﷺ في حق أبي طالب مقرونة بإرادة الأزل لكان مهتديًا، ولكن كانت محبته وإرادته في حقه من جهة القرابة، ألا ترى أنه إذ قال: "اللهم أعز الإِسلام بعمر" كيف أجابه. انتهى.
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ معنى اتباع الهدى معه الاقتداء به ﵇ في الدين والسلوك إلى طريق الرشاد.
﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ التخطف الاختلاس والانتزاع بسرعة، ويراد به هنا الإخراج من البلاد، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾؛ أي: جمعه فيه، والجابية الحوض العظيم الجامع له.
﴿بَطِرَتْ﴾؛ أي: طغت وتمردت وتجبرت وكفرت، ﴿مَعِيشَتَهَا﴾، أي: في عيشها وحياتها، وفي "الكرخي": بطرت معيشتها؛ أي: كفرت نعمة معيشتها، والمعيشة ما يُعاش به من النبات والحيوان وغيرهما. اهـ، والبطر الطغيان في النعمة، قال بعضهم: البطر والأشر واحد، وهو دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة، وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها، ويقاربه الطرب، وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح، وفي "القاموس": البطر محرك النشاط، والأشر
стр. 9558
وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وفعل الكل كفرح، وبطر الحق أي: تكبر عنده فلا يقبله.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ بيان للعادة الربانية؛ أي: ما صح وما استقام، وما كان، وما ثبت في حكه الماضي، وقضائه السابق أن يُهلك القرى قبل الإنذار، بل حتى يبعث إلخ. اهـ "أبو السعود".
﴿فِي أُمِّهَا﴾؛ أي: في أعظمها وأكبرها بالنسبة إلى ما حواليها فعادة الله أن يبعث الرسل في المدائن؛ لأن أهلها أعقل وأنبل وأفطن، وغيرهم يتبعهم اهـ. شيخنا؛ أي: أكثر نبالة، وهي الفضل والشرف، يقال: نبل فلان فهو نبيل؛ أي: شرف فهو شريف.
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾؛ أي: الذين يحضرون للعذاب، وقد اشتهر ذلك في اصطلاح القرآن كما قال ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ لأن في ذلك إشعارًا بالتكليف والإلزام، ولا يليق ذلك بمجالس اللذات، بل هو أشبه بمجالس المكاره والمضار.
﴿تَزْعُمُونَ﴾ والزعم القول الفاسد، والحكم بلا دليل، ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: وجب وثبت.
﴿الْقَوْلُ﴾؛ أي: مدلول القول ومقتضاه، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، كما مر في مبحث التفسير، ﴿أَغْوَيْنَا﴾ من أفعل الرباعي كأكرم ثلاثية غوى يغوي كضرب يضرب من الغواية، وهو الضلال.
﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ من استجاب السداسي، فهو من استفعل بمعنى أفعل الرباعي؛ أي: فلم يجيبوا لهم، فالسين والتاء فيه زائدتان، ﴿فَعَمِيَتْ﴾؛ أي: خفيت، ﴿الْأَنْبَاءُ﴾؛ أي: الحجج التي تنجيهم، ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ من التساؤل الذي يدل على المشاركة من الجانبين؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختيار عليه، وهو نفي لاختيارهم الوليد
стр. 9559
وعروة. اهـ من "الروح"، والخيرة التخير كالطيرة بمعنى التطير، والخيرة الاختيار باصطفاء بعض الأشياء وترك بعض، وفي "المفردات": الخيرة الحالة التي تحصل للمستخير والمختار، نحو القعدة والجلسة لحال القاعد والجالس. انتهى، وفي "الوسيط": اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، وهو اسم للمختار أيضًا. يقال: محمد خيرة الله من خلقه.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: تنزيهًا لله أن ينازعه أحد في الاختيار، ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: تخفي، يقال: أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك، وكننته إذا سترته في بيت أو ثوب أو غير ذلك من الأجسام، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يظهرونه للغير، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾؛ أي: القضاء النافذ في كل شيء دون مشاركة لغيره فيه، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة، ولأهل معصيته بالشقاء والويل. اهـ.
﴿سَرْمَدًا﴾ السرمد الدائم المتصل، قال طرفة:
لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِيْ عَلَيَّ بِغُمةٍ ... نَهَارِيْ وَلَا لَيْلِيْ عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
وقد اختلف العلماء في اشتقاقه، فقيل: هو من السرد، وهو الاطراد والمتابعة، والميم مزيدة، ووزنه فعمل، كميم دلامص بضم الدال المهملة وكسر الميم من الدلاص، يقال درع دلاص؛ أي: ملساء متينة، وعبارة "زكريا": الدلامص درع براق، يقال: درع دلاص، وأدرع دلاص، الواحد والجمع على لفظ واحد. قاله الجوهري: اهـ، وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره، واختار صاحب "القاموس" وبعض النحاة أن الميم فيه أصلية، ووزنه فعلل؛ لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر. اهـ "شهاب".
﴿وَنَزَعْنَا﴾ يقال: نزع الشيء إذا جذبه من مقره كنزع القوس من كبده.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنوعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: طباق السلب في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾.
стр. 9560
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ حيث نسب الأمن إلى الحرم، وهو لأهله، ومثله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ لأن المراد أهلها، بدليل قوله فيما بعد: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لأن الكلية كناية عن الكثرة كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
ومنها: أسلوب السخرية والتهكم في قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ قال الشهاب: استعير العمى لعدم الاهتداء، بجامع عدم الوصول إلى المقصود في كل، ثم اشتق من العمى بمعنى عدم الاهتداء، عميت عليهم الأنباء بمعنى لا تهتدي إليهم الأنباء، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، وقيل: إنه من باب القلب، وأصله فعموا عن الأنباء، والقلب من محسنات الكلام، وفيه أيضًا التضمين؛ لأنه ضمن العمى معنى الخفاء فعداه بعلى، ففيه ثلاثة أنواع من البلاغة: الاستعارة - والقلب - والتضمين.
ومنها: الطباق بين ﴿تُكِنُّ﴾ و ﴿يُعْلِنُونَ﴾، وبين ﴿الْأُولَى﴾ و ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: الإدماج في قوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ وحد الإدماج أن يدمج المتكلم، إما غرضًا في غرض، أو بديعًا في بديع، بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين، أو أحد البديعين، والآخر مدج في الغرض الذي هو وجود في الكلام، فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة؛ لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخرة - وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه - مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد، وهذه وإن خرج الكلام فيها مخرج المبالغة في
стр. 9561
الظاهر، فالأمر فيها حقيقة في الباطن؛ لأنه أولى بالحمد في الدارين، ورب الحمد والشكر والثناء الحبسن في المحلين حقيقة، وغيره من جميع خلقه إنما يُحمد في الدنيا مجازًا، وحقيقة حمده راجعة إلى ولي الحمد سبحانه.
ومنها: التبكيت والتوبيخ في قوله: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾، ومثله ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ﴾.
ومنها: فن المناسبة في قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ إلى قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ والمناسبة قسمان: مناسبة في المعاني، ومناسبة في الألفاظ، فالمعنوية هي أن يبتدىء المتكلم بمعنى ثم يتمم كلامه بما يناسبه معنى دون لفظ، فإنه سبحانه لما أسند جعل الليل سرمدًا إلى يوم القيامة لنفسه، وهو القادر الذي جعل الشيء لا يقدر غيره على مضادته قال: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ لمناسبة السماع للطرف المظلم من جهة صلاحية الليل للسماع دون الإبصار، لعدم نفوذ البصر في الظلمة، ولما أسند جعل النهار سرمدًا إلى يوم القيامة لنفسه، كأن لم يُخلق فيه ليل البتة قال في فاصلة هذه الآية: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لمناسبة ما بين النهار والإبصار. وأما المناسبة اللفظية فستأتي في غير هذا الموضع.
ومنها: اللف والنشر المرتب في قوله: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ فإنه جمع الليل والنهار، ثم قال: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ فأعاد السكون إلى الليل، والابتغاء لطلب الرزق إلى النهار، وسماه علماء البديع باللف والنشر المرتب؛ لأنه أعاد الأول على الأول والثاني على الثاني.
وضابطه: أن يذكر متعدد على وجه التفصيل، أو الإجمال، ثم يذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين، ثقة بأن السامع يميز ما لكل منها، ويرده إلى ما هو له، فقد زاوج بين الليل والنهار لأغراض ثلاثة: أولها ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ في أحدهما، وهو الليل، و ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ في ثانيهما، وهو النهار، ولإرادة شكركم في ثالثهما، وهذا النوع من علم البديع يسمى التفسير أيضًا، وهو أن يذكر
стр. 9562
أشياء، ثم تفسرها بما يناسبها.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ للدلالة على التحقق، وفيه الالتفات أيضًا، لإبراز كمال الاعتناء بشأن النزع.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله أعلم
* * *
ويبيِّن لهم سوء مغبتهم .. أعقبه بقصص قارون، ليبين عاقبة أهل البغي والجبروت في الدنيا والآخرة، فقد أهلك قارون بالخسف، وزُلزلت به الأرض، وهوت من تحته، ثم أصبح مثلًا يضرب للناس في ظلمه وعتوه، ويستبين لهم به سوء عاقبة البغاة، وما يكون لهم من النكال والوبال في الدنيا والآخرة، فيندمون على ما فعلوا.
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) فيما سلف بغي قارون وعتوه وجبروته، وكثرة ما أوتيه من المال، الذي تنوء به العصبة أولو القوة .. أردف ذلك تفصيل بعض مظاهر بغيه وكبريائه، فذكر أنه خرج على قومه وهو في أبهى حليِّه وحلله، والعدد العديد من أعوانه وحشمه، قصدًا للتعالي على العشيرة، وأبناء البلاد، وفي ذلك كسر للقلوب وإذلال للنفوس، وتفريق للكلمة فلا تربطم رابطة، ولا تجمعهم جامعة فيذلون في الدنيا بانقضاض الأعداء عليهم، وقد غرَّت هذه المظاهر بعض الجهال، الذين لا همَّ لهم إلا زخرف الحياة وزينتها، فتمنوأ أن يكون لهم مثلها، فرد عليهم من وفَّقهم الله لهدايته: بأن ما عنده من النعيم لمن اتقى خير مما أوتي قارون، ولا يناله إلا من صبر على الطاعات واجتنب المعاصي، ثم أعقب ذلك بذكر ما آل إليه أمره من خسف الأرض به وبداره، ولم يجد معينًا ينصره، ويدفع العذاب عنه، وقد انقلب حال المتمنين المعجبين بحاله إلى متعجبين مما حل به، قائلين: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ لا لفضل منزلته عنده، وكرامته لديه كما بسط لقارون، ويضيَّق على من يشاء، لا لهوانه عليه، ولا لسخط عمله، ولولا أن تفضل علينا فصرف عنا ما كنا نتمناه بالأمس لخسف بنا الأرض.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين، مناسبة هاتين الآيتين لما قبلهما: أن الله لما ذكر قول أهل
стр. 9565
العلم بالدين ﴿ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ أعقب ذلك بذكر محل هذا الجزاء - وهو الدار الآخرة - وجعله لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يترفعون على الناس، ولا يتجبرون عليهم، ولا يفسدون فيهم بأخذ أموالهم بغير حق، ثم بيَّن بعدئذٍ ما يحدث في هذه الدار جزاء على الأعمال في الدنيا .. فذكر أن جزاء الحسنة عشرة أضعافها إلى سبع مئة ضعف إلى ما لا يحيط به إلا علَّام الغيوب، فضلًا من الله ورحمة، وجزاء السيئة مثلها لطفًا منه بعباده وشفقة عليهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر (١) قصص موسى وقومه مع قارون، وبيَّن بغي قارون واستطالته عليهم، ثم هلاكه ونصرة أهل الحق عليه .. أردف هذا قصص محمد ﷺ وأصحابه مع قومه وإيذائم إياه، وإخراجهم له من مسقط رأسه، ثم إعزازه إياه بالإعادة إلى مكة وفتحه إياها منصورًا ظافرًا.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه لما حكم بأن العاقبة للمتقين .. أكد ذلك بوعد المحسنين، ووعيد المسيئين، ثم وعده بالعاقبة الحسنى في الدارين. ذكره في "الفتوحات".
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ...﴾ الآية (٢)، سبب نزول هذه الآية: ما أخرجه ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال: لما خرج النبي ﷺ من مكة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة، فأنزل الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ...﴾.
стр. 9566
التفسير وأوجه القراءة
٧٦ - ﴿إِنَّ قَارُونَ﴾ على (١) وزن فاعول اسم أعجمي، كهارون، ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وليس بعربي اشتق من قرن. قال الزجاج: لو كان قارون من قرنت الشيء لانصرف.
﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ أي: من بني إسرائيل، قال النخعي وقتادة وغيرهما: كان ابن عم موسى، وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى هو ابن عمران بن قاهث. وقال ابن إسحاق: كان عم موسى لأب وأم، فجعله أخًا لعمران، وهما ابنا قاهث، وقيل: هو ابن خالة موسى، وكان ممن آمن بموسى، وكان من السبعين الذين اختارهم موسى للمناجاة فسمع كلام الله، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، وأحفظهم لها، وكان يسمى المنور لحسن صوته، ثم تغير حاله بسبب الغنى، فنافق كما نافق السامري، وخرج عن طاعة موسى، وهو معنى قوله: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي (٢): فتطاول قارون وتكبر على موسى وهارون وقومهما، وطلب الفضل عليهم، وحسدهما، وذلك أنهم لما عبروا البحر جُعلت الحبْوَرَة لهارون، وقال يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، وهي رياسة مذبح القرابين، ولست في شيء، وأنا أقرأ بني إسرائيل للتوراة، وليس لي على هذا صبر، ولا أرضى بهذا، ورد على موسى نبوته، فقال موسى: ما أنا جعلتها لهارون، بل الله جعلها له من فضله، قال قارون: والله لا أصدقك في ذلك حتى تريني آية تدل عليه، فأمر موسى رؤساء بني إسرائيل بوضع عصيهم في القبة التي كان يعبد الله فيها، وينزل الوحي عليه فيها، ففعلوا وباتوا يحرسونها فأصبحت عصا هارون مورقة خضراء تهتز؛ أي: صارت ذات ورق أخضر، وكانت من شجرة اللوز، فقال موسى: يا قارون أما ترى ما صنع الله لهارون؛ فقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، فاعتزل قارون ومعه ناس كثير من أتباعه من بني إسرائيل، وما كان يأتي موسى ولا يجالسه،
стр. 9567
وجعل موسى يداريه لما بينهما من القرابة، وهو لا يلتفت إليه، بل يؤذيه، ولا يزيد إلا تجبرًا وبغيًا.
وقال قتادة: بغيه بنسبته ما آتاه الله من المال إلى نفسه لعلمه وحيلته، وقيل: كان عاملًا لفرعون على بني إسرائيل فتعدى عليهم وظلمهم، وقيل: كان بغيه بغير ذلك، مما لا يناسب معنى الآية.
ثم ذكر سبب بغيه وعتوه بقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: وأعطينا قارون ﴿مِنَ الْكُنُوزِ﴾؛ أي: من الأموال المدخرة ﴿مَا﴾ موصولة بمعنى الذي، وهي في محل النصب على أنها ثاني مفعولي آتينا؛ أي: أعطيناه من الأموال المدَّخرة المال الكثير الذي ﴿إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾؛ أي: إن مفاتح صنادقه ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾؛ أي: لتثقل على الجماعة الكثيرة ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾؛ أي: أصحاب القوة؛ أي: لتثقلهم وتميل بهم إذا حملوها لثقلها؛ أي: وأعطينا قارون المال المذخور، الذي يثقل حمل مفاتيح خزائنه على العدد الكثير من أقوياء الناس، قال أبو حيان: ذكروا من كثرة مفاتحه ما هو كذب أو يقارب الكذب فلم أكتبه.
قيل: كان قارون أينما ذهب يحمل معه مفاتح كنوزه، وكانت من حديد، فلما ثقلت عليه جعلها من خشب، فثقلت عليه، فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، روي عن ابن عباس ﵄: أن مفاتح خزائنه كان يحملها أربعون رجلًا من الأقوياء، وكانت أربع مئة ألف، يحمل كل رجل عشرة آلاف، ولا شك أن مثل هذا التحديد يحتاج إلى سند قوي يعسر الوصول إليه، ومثل هذا الأسلوب يدل على إرادة الكثرة دون تحديد شيء معين.
وقرأ الأعمش (١)؛ ﴿مفاتيحه﴾ بياء جمع مفتاح، وقرأ بديل بن ميسرة: ﴿ما إن مفتاحه﴾ بالإفراد، وقرأ أيضًا: ﴿لينوء﴾ بالياء التحتانية، وضمير الفاعل يعود على المفتاح، وقال أبو مسلم: المراد من المفاتح العلم والإحاطة، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾، والمعنى حينئذٍ: وآتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع
стр. 9568
عليها ليثقل على العصبة؛ أي: هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها يُتعب حفظها القائمين بحفظها، انتهى.
والظرف في قوله ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ متعلق بمحذوف، ويظهر أن يكون تقديره: فأظهر التفاخر والفرح بما أوتي من الكنوز، ﴿إِذْ قَالَ لَهُ﴾؛ أي: لقارون قومُه؛ أي: المؤمنون من بني إسرائيل على طريق النصيحة، وقال الفراء: هم موسى وحده، فهو جمع أريد به الواحد.
﴿لَا تَفْرَحْ﴾ أي: لا تبطر ولا تأشر بكثرة المال والأولاد، فإن الفرح بالدنيا من حيث إنها دنيا مذموم مطلقًا؛ لأنه نتيجة حبها والرضى بها، والذهول عن ذهابها، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقه لا محالة يوجب الترح (١) حتمًا، ولذا قال تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ولم يرخص في الفرح إلا قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ تعالى، والفرح انشراح الصدر بلذة عاجلة، وأكثر ما يكون ذلك في اللذات البدنية الدنيوية، والعرب تمدح بترك الفرح عند إقبال الخير، وقال الشاعر:
وَلَسْتُ بِمِفْرَاحٍ إذَا الدَّهْرُ سَرَّنِيْ ... وَلَا جَازعٍ مِنْ صَرْفِهِ الْمُتَحَوِّلِ
وقال أبو الطيب:
أشَدُّ الْغَمِّ عِنْدِيْ فِيْ سُرُوْرٍ ... تَيَقَّنَ عَنْهُ صَاحِبُهُ انْتِقَالَا
أي: إنه أظهر التفاخر والفرح بما أوتي، حين قال له قومه من بني إسرائيل: لا تُظهر الفرح والبطر بكثرة مالك، فإن ذلك يجعلك تتكالب على جمع حطام الدنيا، وتتلهى عن شؤون الآخرة وفعل ما يُرضي ربك.
ثم علل النهي عن الفرح بكونه مانعًا محبة الله تعالى، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾؛ أي (٢): بزخارف الدنيا، فإن الدنيا مبغوضة عند الله تعالى، وإنما
стр. 9569
يحب من يفرح بإقامة العبودية وطلب السعادة الأخروية؛ أي: لا يحب البطرين الأشرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، قال الزجَّاج: المعنى لا تفرح بالمال، فإن الفرح بالمال لا يؤدي حقه.
وقرىء (١): ﴿الفارحين﴾ حكاه عيسى بن سليمان الحجازي، قال الزجاج: الفرحين والفارحين سعواء، وقال الفراء: معنى الفرحين الذين هم في حال الفرح، والفارحين الذين يفرحون في المستقبل، وقال مجاهد: معنى لا تفرح لا تبغ، إن الله لا يحب الفرحين الباغين، وقيل معناه: لا تبخل إن الله لا يحب الباخلين، وقيل (٢) معناه: أي إنه تعالى لا يُكرم الفرحين بزخارف الدنيا، أو يقربهم من جواره، بل يبغضهم ويبعدهم من حضرته.
٧٧ - ثم نصحوه بعدة نصائح فقالوا:
١ - ﴿وَابْتَغِ﴾؛ أي: واطلب، ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾؛ أي: فيما أعطاك الله ، لم يقل (٣): با آتاك الله؛ لأنه لم يُرد بمالك، وإنما أراد: وابتغ في حال تملكك، وفي حال قدرتك بالمال والبدن، كما في "كشف الأسرار".
﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾؛ أي: ثواب الله فيها، بصرفه إلى ما يكون وسيلة إليه، من مواساة الفقراء، وصلة الأرحام، وفك الأسارى، ونحوها من أبواب الخير (٤)، وقرىء: ﴿واتبع﴾ والمعنى؛ أي: واستعمل ما وهبك من هذا المال الجزيل والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا والآخرة.
٢ - ﴿وَلَا تَنْسَ﴾؛ أي: لا تترك ترك المنسي ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ وهو أن تُحصِّل بها آخرتك، أو تأخذ منها ما يكفيك وتُخرج الباقي؛ أي: ولا تترك أن تعمل في الدنيا للآخرة حتى تنجو من العذاب؛ لأن حقيقة نصيب الإنسان من
стр. 9570
الدنيا أن يعمل فيها للآخرة بالصدقة وصلة الرحم، وقيل: لا تنسى صحتك وقوتك وشبابك وغناك أن تطلب بها الآخرة.
وعن عمرو بن ميمون الأودي قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". وهذا حديث مرسل، وعمرو بن ميمون لم يلق النبي ﷺ .
وقيل المعنى: أي ولا تترك حظك من لذات الدنيا في مآكلها ومشاربها وملابسها، فإن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، وهذا ألصق بمعنى النظم القرآني، كما ذكره "الشوكاني".
وعن ابن عمر: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا". وعن الحسن: قدِّم الفضل وأمسك ما يُبلِّغ.
٣ - ﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله إحسانًا ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿إِلَيْكَ﴾ فيما أنعم به عليك، فأعن خلقه بمالك وجاهك وطلاقة وجهك وحسن لقائهم، والثناء عليهم في غيبتهم.
٤ - ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ولا تطلب الفساد بعمل المعاصي في الأرض؛ أي (١): ولا تصرف همتك بما أنت فيه إلى الفساد في الأرض، والإساءة إلى خلق الله، وكل من عصى الله فقد طلب الفساد في الأرض، ثم أتبعوا هذه المواعظ بعلتها، فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ سبحانه ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لسوء أفعالهم، بل يُحب المصلحين لحسن أعمالهم، أي: إن الله لا يكرم المفسدين، بل يهينهم ويُبعدهم من حظيرة قربه وقيل مودته ورحمته، ويعاقبهم بسوء أفعالهم.
٧٨ - ثم بيَّن أنه مع كل هذه المواعظ أبى وزاد في كفران النعمة فقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾؛ أي: إنما أعطيت هذا المال حالة كوني ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾؛ أي (٢):
стр. 9571
متصفًا بالعلم الذي عندي، وفُضِّلت به على الناس بالمال والجاه، فكان ذلك لفضل علمي بالتوراة واستحقاقي لذلك؛ أي: لأني أقرأ بني إسرائيل للتوراة، كما قاله قتادة ومقاتل والكلبي؛ أي: فهذا العلم الذي جعله سببًا لما ناله من الدنيا، قيل: هو علم التوراة، وقيل: علمه بوجوه المكاسب والتجارات، وقيل: معرفة الكنوز والدفائن، وقيل: علم الكيمياء.
قال سعيد بن المسيب والضحاك: كان موسى ﵇ أُنزل عليه علم الكيمياء من السماء، فعلم قارون ثلث العلم، ويوشع ثلثه، وغالب ثلثه، فخدعهما قارون حتى ضم علمهما إلى علمه، فكان يأخذ الرصاص فيجعله فضة، والنحاس فيجعله ذهبًا، وكان ذلك سبب كثرة أمواله، وقيل (١) المعنى: إن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها، لفضل علمه منى، واختار الزجاج هذا المعنى، وأنكر ما عداه. وتلخيص ذلك: إني إنما أعطيته لعلم الله أني له أهلٌ.
وقال في "روح البيان": والمعنى أوتيته حال كوني مستحقًا لما فيَّ من علم التوراة، وكان أعلمهم بها، ادعى استحقاق التفضيل على الناس واستيجاب التفوق بالمال والجاه بسبب العلم، ولم ينظر إلى منة الله تعالى وفضله، ولذا هلك، وهكذا كل من كان على طريقه في الادعاء والافتخار والكفران، فإنه يهلك يومًا بشؤم معصيته وصنيعه. انتهى.
قال الزجاج (٢): علم الكيمياء لا حقيقة له، وفي "الكواشي": ومتعاطي هذا العلم الكثير كذبه، فلا يلتفت إليه، قال بعضهم: وهذا أولى من قول الزجاج، فإن فيه إقرارًا بأصله في الجملة، وكذا بوجوده، والكيمياء له حقيقة صحيحة، وقد عمل به بعض الأنبياء، وكُمل الأولياء، فإنه لا شك في الاستحالة والانقلاب بعد تصفية الأجساد، وتطهيرها من الكدورات، وقد بُيِّن في موضعه، ورأيت من وصل إليه بلا تكبر، والله العلم الخبير.
стр. 9572
ونحو الآية قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾، والمرة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ (١) للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف؛ والواو عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعلم ما ادعاه ونسي، ولم يعلم حيق زعم أنه أوتي الكنوز لفضل علم عنده، فاستحق بذلك أن يؤتى ما أوتي.
﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل قارون ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ الكافرة والأمم الماضية ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ بالعدد والعدد؛ أي: من هم أشد من قارون بطشًا ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للأموال كنمرود وغيره.
وقال بعضهم: وأكثر جمعًا للعلم والطاعة، مثل إبليس، ولو كان الله سبحانه يؤتي الأموال من يؤتيه لفضل فيه، وخير عنده، ورضاه عنه .. لم يُهلك من أهلك من أرباب الأموال، الذين كانوا أكثر منه مالًا؛ لأن من يرضي الله عنه فمحال أن يهلكه وهو عنه راض، وإنما يُهلك من كان عليه ساخطًا، ألم يشاهد فرعون وهو في أبهة ملكه وحقق أمره يوم هلكه، وفي هذا (٢) الأسلوب تعجيب من حاله، وتوبيخ له من جهته تعالى على اغتراره بقوته وكثرة ماله، مع علمه بذلك الإهلاك، قراءة في التوراة وتلقينًا من موسى، وسماعًا من حُفَّاظ التواريخ، فالمعنى: ألم يقرأ التوراة، ويعلم ما فعله الله سبحانه بأضرابه من أهل القرون السابقة، حتى لا يغتر بما اغتر به.
وبعد (٣) أن هدد سبحانه بذكر إهلاك من قبله من أضرابه في الدنيا أردف ذلك تهديد المجرمين كافة بما هو أشد من عذاب الآخرة، وهو عدم سؤالهم، إذ إنه يؤذن بشدة الغضب عليهم، والإيقاع بهم لا محالة؛ فقال: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ عند إهلاكهم، لئلا يشتغلوا بالاعتذار، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾؛ أي: لا يسألهم الله عن كيفية ذنوبهم وكميتها إذا أراد أن يعاقبهم، اهـ "رازي".
стр. 9573
أي: إنه تعالى حين أراد عقابهم لا يسألهم عن مقدار ذنوبهم، ولا عن كنهها؛ لأنه عليم بها، ولا يعاتبهم عليها، كما قال تعالى: ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾، ونحو الآية قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ وهذا لا يمنع أنهم يسألون سؤال تقريع وإهانة، كما جاء في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
وقرأ الجمهور (١): ﴿وَلَا يُسْأَلُ﴾ مبنيًا للمفعول، و ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ رُفع به، وهو متصل بما قبله، قاله محمد بن كعب، والضمير في ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ عائد على من أُهلك من القرون؛ أي: لا يسأل غيرهم ممن أجرم، ولا ممن لم يجرم عمن أهلكه الله، بل كل نفس بما كسبت رهينة، وقيل: هو مستأنف مسوق لبيان حال يوم القيامة، قال قتادة: لا يُسألون عن ذنوبهم لظهورها وكثرتها؛ لأنهم يدخلون النار بغير حساب، وقال قتادة أيضًا ومجاهد: لا تسألهم الملائكة عن ذنوبهم، لأنهم يعرفونهم بسيماهم من السواد والتشويه، كقوله: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾.
وقرأ أبو جعفر في روايته: ﴿ولا تسأل﴾ بالتاء والجزم ﴿المجرمين﴾ بالنصب، وقرأ ابن سيرين وأبو العالية كذلك في: ﴿ولا تسأل﴾ على النهي للمخاطب، وكان ابن أبي إسحاق لا يجوِّز ذلك إلا أن يكون المجرمين بالياء في محل النصب بوقوع الفعل عليه، قال صاحب "اللوامح": فالظاهر ما قاله، ولم يبلغني في نصب المجرمين شيء، فإن تركناه على رفعه فله وجهان:
أحدهما: أن يكون هاء الضمير في ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾ عائدة إلى ما تقدم من القرون، وارتفاع المجرمين بإضمار المبتدأ، تقديره: هم المجرمون، أو أولئك المجرمون، ومثله التائبون العابدون في سورة التوبة.
والثاني: أن يكون بدلًا من أصل الهاء ﴿ذُنُوبِهِمُ﴾ لأنها وإن كانت في محل الجر بالإضافة إليها فإن أصلها الرفع؛ لأن الإضافة إليها بمنزلة إضافة
стр. 9574
المصدر إلى اسم الفاعل، ذكره أبو حيان.
٧٩ - والفاء في قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِه﴾ (١) للعطف على ﴿قَالَ﴾ وما بينهما اعتراض، وقوله: ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ إما متعلق بخرج أو بمحذوف، هو حال من فاعله؛ أي: خرج قارون من بيته حالة كونه كائنًا في زينته الدنيوية من المال والأثاث والجاه.
قيل (٢): خرج قارون يوم السبت، وكان آخر يوم من عمره، متزينًا على بغلته مع أتباعه، وكانوا أربعة آلاف على زيه، وكان عن يمينه ثلاث مئة غلام، وعن يساره ثلاث مئة جارية بيض عليهن الحلي والديباج، وكانت بغلته شهباء - بيضاء - سرجها من ذهب، وكان على سرجها الأرجوان بضم الهمزة والجيم، وهو قطيفة حمراء، وكانت خيولهم وبغالهم متحلية بالديباج الأحمر، ومعهم ألوان السلاح.
وقال ابن زيد: خرج في تسعين ألفًا عليهم المعصفرات، وهو أول يوم رؤي فيه اللباس المعصفر، وهو المصبوغ بالعصفر، وهو صبغ أحمر معروف، وقد نُهي الرجال عن لبس المعصفر؛ لأنه من لباس الزينة وأسباب الكبر، ولأن له رائحة لا تليق بالرجال، وهذا الذي ذكره مفسرو السلف في قصة قارون من الإسرائيليات التي لا أصل لها ولا نقل فيها.
﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وزينتها من مؤمني بني إسرائيل، على طريقة الجبلة البشرية من الرغبة في السعة واليسار: ﴿يَا﴾ قوم ﴿لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ من هذه الأموال وهذه الزينة؛ أي: نتمنى أن يكون لنا مثل ما أعطي قارون من هذه الزينة، قالوه (٣) غبطة، والغابط هو الذي يتمنى مثل نعمة صاحبه من غير أن تزول عنه كهذه الآية، والحاسد هو الذي يتمنى أن تكون له
стр. 9575
نعمة صاحبه دونه، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وقيل لرسول الله ﷺ : هل تضر الغبطة؟ قال: "لا، إلا كما يضر العضاه الخبط".
والمعنى (١): أي قال من كان همه الدنيا وزينتها: يا ليت لنا من الأموال والمتاع مثل ما لقارون منها، حتى نُنعم عيشًا، ونتمتع بزخارف الحياة، كما يتمتع هو بها.
وإن مثل هذا التمني ليشاهد كل يوم وفي كل بلد وفي كل قرية، فترى الرجل والشاب والمرأة والفتاة يتمنى كل منهم أن يكون له مثل ما أوتي فلان وفلانة من ثوب جميل، أو دابة فارهة، أو مزرعة يحصد غلتها، أو قصر مشيد، أو نحو ذلك. ثم عللوا تمنيهم وأكدوه بقولهم: ﴿إِنَّهُ﴾؛ أي: إن قارون ﴿لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾؛ أي: لصاحب نصيب وافر من الدنيا؛ أي: إن الله سبحانه قد تفضل عليه وآتاه من بسطة الرزق حظًا عظيمًا، ونصيبًا كبيرًا يغبط عليه، والقائلون هذه المقالة إما جماعة من المؤمنين، قالوا ذلك جريًا على الجبلة البشرية من الرغبة في السعة واليسار، وإما عصبة من الكفار والمنافقين تمنوا مثل ماله، ولم يتمنوا زوال نعمته، ومثل هذا لا ضرر فيه كما مر.
٨٠ - ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بما أعد الله لعباده في الآخرة، وصدقوا به ردًا على أولئك المتمنين ﴿وَيْلَكُمْ﴾ أي: تبًا لكم وخسرًا، كيف تتغالون في طلب الدنيا، ويسيل لعابكم عليها، وهو (٢) دعاء بالإهلاك بمعنى ألزمكم الله ويلًا؛ أي: عذابًا وهلاكًا، وقد شاع استعماله في الزجر عما لا يُرتضى، وقد سبق في سورة طه، قال الزمخشري: ويلك أصله الدعاء بالهلاك، ثم استُعمل في الزجر والردع، والحث على ترك ما لا يرتضى، اهـ.
﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ﴾ مما تتمنون ﴿لِمَنْ آمَنَ﴾ بالله وصدق به، وآمن برسله ﴿وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾ فلا يليق بكم أن تتمنوه غير مكتفين بثوابه
стр. 9576
ونعيمه، فإن هذا باق، وذاك فان، وهذا خالص مما يشوبه وينغصه من الأكدار، وذلك مشوب بالأحزان والمنغصات.
ثم بين من يعمل بهذه النصيحة فقال: ﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾؛ أي: ولا يوفق إلى هذه الكرامة، والمراد بالكرامة الثواب والجنة، أو لا يُعطى هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء، وهي ثواب الله خير، أو لا يُعطى هذه الطريقة التي هي الإيمان والعمل الصالح، ﴿الصَّابِرُونَ﴾ على مخالفات النفس وموافقات الشريعة.
والمعنى (١): أي ولا يتبع هذه النصيحة، ولا يعمل بها إلا من صبر على أداء الطاعات، واجتنب المحرمات، ورضي بقضاء الله في كل ما قُسم له من المنافع والمضار، وأنفق ماله في كل ما فيه سعادة لنفسه وللمجتمع، وكان قدوة صالحة في حفظ مجد أمته، ورفع صيتها بين الأمم، ببذل كل ما فيه نفعها وقوتها وإعلاء شأنها، وبذا ينال حسن الأحدوثة بين الناس، ويلقى المثوبة من ربه.
٨١ - ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾؛ أي: بقارون ﴿وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾؛ أي: زلزلنا به وبمنزله الأرض، وابتلعته جزاء بطره وعتوه؛ أي: إن الله سبحانه غيَّبه وغيَّب داره في الأرض.
وفي هذا (٢): عبرة لمن اعتبر، فيترك التعالي والتغالي في الزينة، لئلا يخسف الله به وبماله الأرض، وفي هذا تحذير لنا أيما تحذير، فكثير ممن يُظهرون النعم إنما يريدون التعالي والتفاخر، وكم ممن يقيم الزينات أو يصنع الولائم لعرس، أو مأتم، لا يريد بذلك إلا إظار ثرائه وسعة ماله بين عشيرته وبني جلدته، فيكون قارون زمانه، وتكون عاقبته الخسف لما أوتيه من مال، ويذهب ثراؤه، ويجعله عبرة لمن اعتبر.
فالكتاب الكريم ما قص علينا هذا القصص إلا ليرينا أن الكبرياء والتعالي ليس وبالهما في الآخرة فحسب، بل يحصل شؤما في الدنيا قبل الآخرة، كما حصل لكثير من المسلمين اليوم، وقد غفل كثير من الناس عن المقصد من
стр. 9577
المال، فأنفقوه قاصدين به الرياء والمباهاة، فضاعت دورهم وأموالهم وأصبحت ملكًا لغيرهم، وهذا هو الخسف العظيم، وما خُسف قارون بشيء إذا قيس بهذا، فإن الخسف الآن خسف الأمم، لا خسف الأفراد، فكل بلد من بلاد الإسلام يدخله الغاصب يصبح أهله عبيدًا له، وضحية مطامعه، وخسف أمة أدهى من خسف فرد، فليخسف الفرد ولتبق الأمة، وهكذا دخلت البلاد تباعًا في ملك الغاصب واحدة إثر أخرى، ولم يبق منها إلا ما رحم الله، وما ذاك إلا بجهلها لدينها، وعدم اتباعها أحكامه، وغفلتها عن مقاصده.
ذكر قصة قارون
قال أهل العلم بالأخبار والسير (١): كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون، وأقرأهم للتوراة، وأجملهم وأغناهم، وكان حسن الصوت فبغى وطغى، وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأمر قومه أن يُعلِّقوا في أرديتهم خيوطًا أربعة، في كل طرف خيطًا أخضر كلون السماء، يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء، ويعلمون أني منزل منها كلامي، فقال موسى: يا رب أفلا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرًا، فإن بني إسرائيل تستصغر هذه الخيوط، فقال له ربه: يا موسى إن الصغير من أمري ليس بصغير، فإذا لم يُطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير، فدعاهم موسى فقال: إن الله يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطًا خضرًا كلون السماء، لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، ففعل بنو إسرائيل ما أمرهم به موسى، واستكبر قارون، فلم يطعه، وقال: إنما فعل هذا الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا عن غيرهم، فكان هذا بدء عصيانه وبغيه، فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جُعلت الحبورة لهارون، وهي رئاسة المذبح، فكان بنو إسرائيل يأتون بقربانهم إلى هارون، فيضعها على المذبح، فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون من ذلك في نفسه، فأتى إلى موسى فقال له: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة، ولست في شيء من
стр. 9578
ذلك، وأنا أقرأ التوراة، لا صبر لي على هذا، فقال؛ أما أنا ما جعلتها لهارون، بل الله جعلها له، فقال له قارون: والله لا أصدقك حتى تريني بيانه، فجمع موسى رؤساء بني إسرائيل، فقال: هاتوا عصيكم فحزمها وألقاها في قبته التي يتعبد فيها، وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟ فقال له قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل قارون موسى باتباعه، وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه كل وقت، ولا يزيد إلا عتوًا وتجبرًا ومعاداة لموسى، حتى بني دارًا، وجعل لها بابًا من الذهب، وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون، فيُطعمهم الطعام، ويحدثونه ويضاحكونه.
قال ابن عباس: فلما نزلت الزكاة على موسى أتاه قارون فصالحه على كل ألف دينار عنها دينار، وعلى كل ألف درهم عنها درهم، وكل ألف شاة عنها شاة، وكذلك سائر الأشياء، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده شيئًا كثيرًا، فلم تسمح نفسه بذلك، فجمع بني إسرائيل وقال لهم: إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه، وهو يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا: أنت كبيرنا فمرنا بما شئت، قال: آمركم أن تجيؤوا فلانة البغيَّ، وتجعلوا عليكم لها جُعلًا على أن تقذف موسى بنفسها، فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل فرفضوه، فدعوها، فجعل لها قارون ألف دينار وألف درهم، وقيل: طستًا من ذهب، وقيل: قال لها قارون: انزلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدًا إذا حضر بنو إسرائيل، فلما كان من الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى، فقال: إن بني إسرائيل ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم، فخرج إليهم موسى وهم في مرج من الأرض، فقام فيهم، فقال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده، ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليست له امرأة جلدناه مئة جلدة، ومن زنى وله امرأة رجمناه إلى أن يموت، فقال قارون: وإن كنت أنت، قال: وإن كنت أنا، قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة البغي، قال: ادعوها، فلما جاءت قال لها موسى: بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وأنزل التوراة إلا صدقت،
стр. 9579
فتداركها الله بالتوفيق، فقالت في نفسها أُحدث توبة أفضل من أن أوذي رسول الله، فقالت: لا والله، ولكن قارون جعل لي جعلًا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدًا يبكي، ويقول: اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي، فأوحى الله إليه: أني أمرت الأرض أن تطيعك فمرها بما شئت، فقال موسى: يا بني إسرائيل إن الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزلوا فلم يبق مع قارون إلا رجلان، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم فأخذتهم بأقدامهم، وقيل: كان على سريره وفرشه فأخذته الأرض حتى غيبت سريره، ثم قال موسى: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وأصحابه في ذلك يتضرعون إلى موسى، ويناشده قارون الله والرحم، حتى قيل: إنه ناشده أربعين مرة، وقيل: سبعين مرة، وموسى في ذلك لا يلتفت إليه لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيهم، فأطبقت عليهم الأرض، فأوحى الله سبحانه إلى موسى: ما أغلظ قلبك! يستغيث بك قارون سبعين مرة فلم تُغثه، أما وعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة لأغثته، وفي بعض الآثار: لا أجعل الأرض بعدك طوعًا لأحد.
قال قتادة: خُسف به الأرض فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل، لا يبلغ قرارها إلى يوم القيامة، حتى إذا بلغ قعر الأرض السفلى نفخ إسرافيل في الصور، والله أعلم.
حكى المفسرون في أسباب الخسف أمورًا كثيرة، هي غاية في الغرابة، يبعد أن تصدقها العقول، ومن ثم قال الرازي: إنها مضطربة متعارضة، فالأولى طرحها، والاكتفاء بما دل عليه نص القرآن، وتفويض سائر التفاصيل إلى عالم الغيب. اهـ.
وأصبح بنو إسرائيل يقولون فيما بينهم: إنما دعا موسى على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله، فدعا الله موسى حتى خسف بداره وكنوزه وأمواله الأرض، ثم بيَّن سبحانه أنه لم يجد له شفيعًا ولا نصيرًا يدفع عنه العذاب حينئذٍ فقال: ﴿فَمَا كَانَ لَه﴾؛ أي: لقارون ﴿مِنْ فِئَةٍ﴾؛ أي: من جماعة ﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ
стр. 9580
اللَّهِ﴾؛ أي: يمنعونه من عذاب الله سبحانه حين نزل به، ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾؛ أي: من الممتنعين بأنفسهم من عذاب الله بوجه من الوجوه، أو من (١) المنتقمين من موسى.
أي: ما أغنى عنه ماله ولا خدمه ولا حشمه، ولا دفعوا عنه نقمة الله ولا نكاله، ولا استطاع أن ينتصر لنفسه.
وقصارى ذلك: أنه لا ناصر له من غيره ولا من نفسه، فكيف يكون للأمة الغافلة عن أوامر دينها، الجاهلة بمقاصد شريعتها في إنفاق الأموال أن تجد مناصًا من خراب الديار، وإضاعة المجد الطارف والتالد، ولا بد أن تقع فريسة للغاصبين الذين يسومونها الخسف دون شفقة ولا رحمة، وقد كان ذلك جزاء وفاقًا لجهلها وسوء تصرفها وظلمها لأنفسها، ولا يظلم ربك أحدًا، وهكذا حال من تصرف في ماله تصرف السفهاء وركب رأسه، وصار يبعثوه يمنة ويسرة، فإنه سيندم ولات ساعة مندم.
وقد أبان الكتاب الكريم أن النصر للصابرين، فهو أثر لازم للصبر على حفظ المال وحفظ الشهوات والعقول، وكل الفضائل التي حث عليها الدين وسلك سبيلها السلف الصالح.
٨٢ - ولما شاهد قوم قارون ما نزل به من العذاب صار ذلك زاجرًا لهم عن حب الدنيا ومخالفة موسى، وداعيًا إلى الرضى بقضاء الله تعالى وبما قسمه، وإلى إظهار الطاعة والانقياد لأنبيائه ورسله، كما أشمار إلى ذلك بقوله: ﴿وَأَصْبَحَ﴾؛ أي: وصار ﴿الَّذِينَ تَمَنَّوْا﴾ واغتبطوا ﴿مَكَانَهُ﴾؛ أي: مثل منزلته ورتبة وجاهه، والكلام على حذف مضاف ﴿بِالْأَمْسِ﴾؛ أي: بالوقت القريب منه، وهو ظرف لتمنوا، ولم يرد بالأمس خصوص اليوم الذي قبل يومه، بل الوقت القريب، وجملة ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر ﴿أَصْبَحَ﴾.
﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ و ﴿وي﴾: كلمة تعجب، والكاف للتعليل؛ أي (٢): وصار
стр. 9581
الذين تمنوا مثل رتبة قارون من الدنيا من زمان قريب يقولون منتبهين على خطئهم في تمنيهم، لما شاهدوا الخسف به؛ أي: يقول كل واحد منهم: أعجب أنا من خطئي في ذلك التمني، وأندم عليه؛ لأن الله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ويوسع المال ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ البسط عليه ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهو مكر منه تعالى كما كان لقارون.
﴿وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيِّق الرزق ويقلله على من يشاء من عباده، اختبارًا منه تعالى، يقال: قدر على عياله بالتخفيف مثل قتر؛ إذا ضيَّق عليهم بالنفقة، فإن القوم لما شاهدوا ما نزل بقارون من الخسف ندموا على تمنيهم، حيث علموا أن بسط الرزق لا يكون لكرامة الرجل على الله، ولا تضييقه لهوانه عنده، فالكل بمشيئة الله ، فتعجبوا من أنفسهم كيف وقعوا في مثل هذا الخطأ، و ﴿وَيْ﴾ اسم فعل بمعنى أعجب أنا، والكاف للتعليل، وأن حرف نصب ومصدر.
وقال أبو الحسن: ﴿وَيْ﴾ اسم فعل، والكاف حرف خطاب، وأن على إضمار اللام، وقيل: ﴿وَيْ﴾ اسم فعل، وكأن للتحقيق بمعنى قد؛ أي: أعجب أنا، وقد علمت أن كلًّا من البسط والقبض بمقتضى مشيئته تعالى، وليس البسط للكرامة، والقبض للهوان.
وعبارة الخازن هنا (١): أي وصار أولئك الذين تمنوا ما رزقه الله من الأموال والزينة يندمون على ذلك التمني ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾؛ أي: ألم تعلم أن الله، وقيل: ألم تر أن الله، وقيل: هي كلمة تقرير معناها: أما ترى صنع الله وإحسانه، يبسط الرزق لمن يشاء، وقيل: ويك بمعنى ويلك اعلم أن الله، وروي أن ﴿وَيْ﴾ مفصولة من ﴿كان﴾، والمعنى: أن القوم ندموا فقالوا متندمين علي ما سلف منهم: وَيْ وكأن، معناها: أظن وأُقَدِّر أن الله يبسط الرزق. انتهت.
وعبارة "الفتوحات" هنا: قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ و ﴿وَيْكَأَنَّه﴾ فيه (٢) مذاهب:
стр. 9582
أحدها: أن ﴿وَيْ﴾ كلمة برأسها، وهي اسم فعل معناها أعجب؛ أي: أن والكاف للتعليل، وأن وما في حيزها مجرورة بها؛ أي: أعجب؛ لأن الله يبسط الرزق إلخ، وقياس هذا القول أن يوقف على ﴿وَيْ﴾ وحدها، وقد فعل ذلك الكسائي.
الثاني: قال بعضهم: كأن هنا للتشبيه، إلا أنه ذهب منها معناه، وصارت للخبر واليقين، وهذا أيضًا يناسبه الوقف على ﴿وَيح﴾.
الثالث: أن ﴿وَيْكَ﴾ كلمة برأسها، والكاف حرف خطاب، وأن معمولة لمحذوف؛ أي: أعلم أن الله يبسط ... إلخ، قاله الأخفش، وهذا يناسبه الوقف على ﴿ويك﴾، وقد فعله أبو عمرو.
الرابع: أن أصلها ويلك، فحُذفت اللام، وهذا يناسبه الوقف على الكاف أيضًا، كما فعل أبو عمرو.
الخامس: أن ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ كلها كلمة مستقلة بسيطة، ومعناها ألم تر، وربما نُقل ذلك عن ابن عباس، ونقل الفراء والكسائي أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله، وحكى ابن قتيبة أنها بمعنى رحمة لك في لغة حمير، ولم يُرسم في القرآن إلا ويكان وويكأنه متصلة في الموضعين، فعامة القراء اتبعوا الرسم، والكسائي وقف على ﴿وَيْ﴾، وأبو عمرو على ﴿وَيْكَ﴾. اهـ "سمين".
والمعنى (١): أي فلما خسف الله بقارون الأرض أصبح قومه يقولون: إن كثرة المال والتمتع بزخارف الدنيا لا تدل على رضا الله عن صاحبه، فالله يُعطي ويمنع ويوسع ويضيق، ويرفع ويخفض، وله الحكمة التامة، والحجة البالغة لا معقب لحكمه، وقد روي عن ابن مسعود مرفوعًا: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وان الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب".
стр. 9583
ولما لاح لهم من واقعة أمره أن الرزق بيد الله، يصرفه كيف يشاء أتبعوه بما يدل على أنهم اعتقدوا أن الله قادر على كل ما يريد من رزق وغيره، فقالوا: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ﴾ وأنعم ﴿عَلَيْنَا﴾ فلم يعطنا ما تمنينا ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ الأرض، كما خسف بقارون، لتوليد الاستغناء فينا مثل ما ولده فيه من الكبر والبغي، ونحوهما من أسباب الهلاك والعذاب، أو المعنى: لولا أن من الله علينا بالإيمان، ولطف بنا برحمته، وعصمنا من مثل ما كان عليه قارون من البطر والبغي، ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك التمني لخسف بنا، كما خسف به؛ لأنا وددنا أن نكون مثله.
وقرأ الأعمش: ﴿لولا منَّ الله﴾ بحذف ﴿أن﴾، وهي مرادة؛ لأن لولا هذه لا يليها إلا المبتدأ، وعنه أيضًا: ﴿لولا منُّ الله﴾ برفع النون وجر الجلالة، وهي واضحة. اهـ "سمين".
﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ قيل: ﴿وَيْ﴾ كلمة للزجر، والكاف حرف خطاب، وأن معمولة لمحذوف، والتقدير؛ انزجروا عن تمنيكم، واعلموا أن الشأن والحال ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ولا يفوزون بمطلب من مطالبهم؛ أي: لا ينجو الكافرون لنعمه، المكذبون برسله، وبما وُعدوا به من ثواب الآخرة، كما كان شأن قارون، قال في "كشف الأسرار": حب الدنيا حمل قارون على جمعها، وجمعها حمله على البغي عليهم، وصارت كثرة ماله سبب هلاكه، وفي الخبر: "حب الدنيا رأس كل خطيئة"، وأعاد (١) ﴿ويكأن﴾ هنا لاتصال كل منهما بما لم يتصل به الآخر، والقصد منه تأكيد ما قبله.
وقرأ الجمهور (٢): ﴿لخسف بنا﴾ مبنيًا للمفعول. وقرأ حفص وعصمة وأبان عن عاصم وابن أبي حماد عن أبي بكر: مبنيًا للفاعل، وقرأ ابن مسعود وطلحة والأعمش: ﴿لا نخسف بنا﴾ كقولك: انقطع بنا، كأنه فعل مطاوع، والمقام مقام الفاعل، هو ﴿بنا﴾، ويجوز أن يكون المصدر؛ أي: لا نخسف الانخساف،
стр. 9584
ومطاوع فعل لا يتعدى إلى مفعول به، فلذلك بُني إما لـ ﴿بنا﴾ وإما للمصدر، وعن ابن مسعود أيضًا: ﴿لتُخسِّف﴾ بتاء وشد السين مبنيًا للمفعول.
٨٣ - والإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى الجنة، أشار إليها بإشارة البعيد، لقصد التعظيم لها، والتفخيم لشأنها، وهي مبتدأ ﴿الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ صفة لها، وجملة ﴿نَجْعَلُهَا﴾ خبر المبتدأ، كأنه قال: تلك الجنة التي اسمعت خبرها، وبلغك شأنها نجعلها ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: ارتفاعًا وغلبة وتسلطًا على المؤمنين، كما أراد فرعون، كما قال تعالى في أول السور: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
﴿وَلَا فَسَادًا﴾؛ أي: عملًا بمعاصي الله سبحانه فيها، أو ظلمًا وعدوانًا على الناس، كما أراد قارون، كما قال تعالى في حقه على لسان الناصح: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ وفي (١) تعليق الوعد بترك إرادتهما، لا بترك أنفسهما مزيد تحذير منهما.
وذكْر (٢) العلو والفساد مُنكَّريْن في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يُطلق عليه أنه علوٌّ، وأنه فساد من غير تخصيص بنوع خاص، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شيء منه كائنًا ما كان، وأما العلو فالمنوع منه ما كان على طريق التكبر على الغير، والتطاول على الناس، وليس منه طلب العلو في الحق والرئاسة في الدين، ولا محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن.
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: للذين يتقون العلو والفساد في الأرض، وما لا يرضاه الله سبحانه من الأقوال والأفعال، والمعنى؛ أي: تلك (٣) الدار التي سمعت خبرها، وبلغك وصفها نجعل نعيها للذين لا يريدون تكبرًا عن الحق، ولا إعراضًا عنه، ولا ظلم الناس ومعصية الله.
стр. 9585
وثبت في "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: "إنه أُوحي إليَّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد"، وروى مسلم وأبو داود أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، فقال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس".
وروى أبو هريرة: أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ، وكان جميلًا فقال: يا رسول الله إني رجل حُبِّب إليَّ الجمال، وأُعطيت منه ما ترى، حتى ما أُحبُّ أن يفوقني أحد بشراك نعل، أفمن ذلك؟ قال: "لا، ولكن المتكبر من بطر الحق وغمط الناس".
وعن عدي بن حاتم قال: لما دخل على النبي ﷺ ألقى إليه وسادة، وجلس على الأرض، فقال: أشهد أنك لا تبغي علوًا في الأرض ولا فسادًا، فأسلم، أخرجه ابن مردويه، وكان النبي ﷺ يحلب الشاة، ويركب الحمار، ويُجيب دعوة المملوك، ويجالس الفقراء والمساكين، قال بعضهم: واحذر أن (١) تتزهد أو تتعبد أو تتكرم وفي نفسك استجلاب ذلك، لكونه يرفعك على أقرانك، فإن ذلك من إرادة العلو في الأرض، وما استكبر مخلوق على آخر إلا لحجابه عن معية مع الحق ذلك المخلوق الآخر، ولو شهدها لذل وخضع.
وقال بعضهم: العلو النظر إلى النفس، والفساد النظر إلى الدنيا، والدنيا خمر إبليس، من شرب منها شربة لا يفيق إلا يوم القيامة، وقيل العلو الخطرات في القلب، والفساد في الأعضاء، فمن كان في قلبه حب الرياسة والجاه وحظوظ الدنيا، وفي أعماله الرياء والسمعة فهو لا يصل إلى مقام القرب، وكذا من في قلبه سوء العقيدة، وفي جوارحه عبادة غير الله، والدعوة إليها، وأخذ الأموال، وكسر الأعراض، واستحلال المعاصي فهو لا يصل إلى الجنة أيضًا، وهو قرين الشيطان، والشياطين في النار مع قرنائهم.
стр. 9586
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة وهي الجنة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أي: لمن اتقى عذاب الله بعمل الطاعات، وترك المحرمات، ولم يكن كفرعون في الاستكبار على الله بعدم امتثال أوامره والارتداع عن زواجره، ولا كقارون في إرادة الفساد في الأرض.
٨٤ - ثم بيَّن ما يكون في تلك الدار من الجزاء على الأعمال، فقال: ﴿وَمَنْ جَاءَ﴾ الله يوم القيامة متصفًا ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ المقبولة الأصلية المعمولة ﴿فَلَهُ﴾ بمقابلتها ﴿خَيْرٌ مِنْهَا﴾؛ أي: ثواب خير منها، ذاتًا ووصفًا وقدرًا بالمضاعفة (١)، أما الخيرية ذاتًا فظاهرة في أجزية الأعمال البدنية؛ لأنها أعراض وأجزيتها جواهر، وكذا في المالية إذ لا مناسبة بين زخارف الدنيا ونفائس الآخرة في الحقيقة، وأما وصفًا فلأنها أبقى وأنقى من الآلام والأكدار، وأما قدرًا فللمقابلة بعشر أمثالها لا أقل، يعني: أنه يجازي بالحسنة الواحدة عشرًا، فيكون الواحد ثوابًا مستحقًا، والتسعة تفضلًا وجودًا، والتسعة خير من الواحد من ذلك الجنس.
ومثل المعمولة ما في حكمها (٢)، كما لو تصدق عنه غيره، فخرج بالمعمولة ما لو هم بحسنة فلم يعملها لمانع، فإنه يجازى عليها من غير تضعيف، وخرجت الحسنة المأخوذة في نظير الظلامة، فلا تضاعف له، كما لو ضرب زيد عمرًا ضربة، وكان لزيد حسنات موجودة، فيؤخذ منها وُيُعطى لعمرو، وخرج بالأصلية الحسنات الحاصلة بالتضعيف فلا تضاعف، والتضعيف خاص بهذه الأمة، وأما غير هذه الأمة من بقية الأمم فلا تضعيف لهم.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ وهي ما يذم فاعلها شرعًا، كالشرك والرياء والجهل ونحوها ﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ وضع فيه الظاهر موضع الضمير لتهجين حالهم بتكرير إسناد السيئة إليهم، وفائدة هذه الصورة انزجار العقلاء عن ارتكاب السيئات، ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أي: إلا مثل ما كانوا يعملونه، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه مبالغة في المماثلة، ومن فضله العظيم أن لا
стр. 9587
يجزي السيئة إلا بمثلها، ويجزي الحسنة بعشر أمثالها وبسبع مئة.
٨٥ - ﴿إِنَّ الَّذِي﴾؛ أي: إن الله الذي ﴿فَرَضَ﴾ وأنزل ﴿عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْقُرْآنَ﴾ وأوجب عليك تلاوته وتبليغه، والعمل به ﴿لَرَادُّكَ﴾ ومرجِّعك بعد الموت ﴿إِلَى مَعَادٍ﴾؛ أي: إلى مرجع عظيم، يغبطك به الأولون والآخرون، وهو المقام المحمود الموعود ثوابًا على إحسانك في العمل، وتحمُّل هذه المشقات التي لا تحملها الجبال.
وأكثر أهل التفسير على أن المراد بالمعاد مكة، تقول العرب: رُدَّ فلان إلى معاده، يعني إلى بلده، يتصرف في الأرض، ثم يعود إلى بلده، والآية نزلت (١) بالجحفة بتقديم الجيم المضمومة على الحاء الساكنة، موضع بين مكة والمدينة، وهو ميقات أهل الشام، وكانت قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلًا من مكة، وكانت تسمى مهيعة، فنزلها بنو عبيد، وهم أخوة عاد، وكان أخرجهم العماليق من يثرب، فجاءهم سيل فأجحفهم؛ أي: ذهب بهم، فسُمِّيَتْ جحفة.
وروى مقاتل: أنه ﷺ لما خرج من الغار مهاجرًا إلى المدينة ومعه أبو بكر ﵁ عدل عن الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق، ونزل بالجحفة وعرف الطريق إلى مكة، واشتاق إليها، وذكر مولده وموطنه، ومولد آبائه، وبها عشيرته، وحرم إبراهيم ﵇ فنزل عليه الملك فقال له: أتشتاق إلى بلدك، ومولدك، فقال النبي ﷺ : نعم، فقال جبريل: فإن الله سبحانه يقول لك: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾؛ أي: لراجعك إلى مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العود إليه كل من خرج منه، وهو مكة المشرَّفة وطنك الدنيوي.
والمعنى عليه (٢): أي إن الذي أوجب عليك العمل بأحكام القرآن وفرائضه لرادك إلى محل عظيم القدر، اعتدته وألفته، وهو مكة، والمراد بذلك عوده إليها يوم الفتح، وقد كان للعود إليها شأن عظيم، لاستيلاء رسول الله ﷺ عليها عنوة،
стр. 9588
وقهره أهلها، وإظهار عز الإِسلام، وإذلال المشركين، وهذا وعد من الله سبحانه لرسول الله ﷺ ، وهو بمكة في أذى، وغلبة من أهلها، أنه يهاجر منها، ويعيده إليها ظاهرًا ظافرًا، وهذه إحدى معجزاته ﷺ ؛ لأنه أخبر عن الغيب، ووقع كما أخبر؛ أي: فلا تظن أنه يسلك بك سبيل أبويك إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر إلى الأرض القدسة فلم يعد إليها، إسماعيل من الأرض المقدسة إلى أقدس منها فلم يعد إليها.
ولما قال المشركون لرسول الله ﷺ : إنك لفي ضلال مبين .. نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمن خالفك وكذبك من قومك المشركين ومن تبعهم ﴿رَبِّي أَعْلَمُ﴾؛ أي: يعلم ﴿مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى﴾ من عنده وما يستحقه من الثواب في المعاد، والإعزاز والنصرة في الدنيا منى ومنكم، يريد به نفسه، ﴿وَ﴾ يعلم ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ أي: بيِّن، وما يستحقه من العقاب في الآخرة والإذلال في الدنيا، يريد به المشركين.
ودلت الآية الكريمة (١) على أن الله تعالى يفتح على المهتدي ويقهر الضال، ولكل عسر يسر، فسوف يراه من يصبر، فلا ينبغي للعاقل أن ييأس من روح الله، روي أن رجلًا ركب البحر فانكسرت السفينة فوقع في جزيرة فمكث ثلاثة أيام لا يرى أحدًا، ولم يذق شيئًا فتمثل بقوله:
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِيْ ... وَصَارَ الْقِيْرُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيْبِ
وَصَارَ الْبَرُّ مَسْكَنَ كُلِّ حُوْتٍ ... وَصَارَ الْبَحْرُ مَرْتَعَ كُلِّ ذِيْبِ
فسمع هاتفًا يهتف:
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِيْ أَمْسَيْتَ فِيْهِ ... يَكُوْنُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيْبُ
فَيُأْمَنُ خَائِف وَيُفَكُّ عَانٍ ... وَيَأتِيْ أَهْلَهُ الرَّجُلُ الْغَرِيْبُ
قال: فما لبث ساعة إلا فرج الله عنه.
стр. 9589
وفي تفسير الآية إشارة إلى أن حب الوطن من الإيمان، وكان رسول الله ﷺ يقول كثيرًا: الوطن الوطن، فحقق الله سبحانه سؤله، ويقال: الإبل تحن إلى أعطانها، وإن كان عهدها بعيدًا، والطير إلى وكره وإن كان موضعًا مجدبًا، والإنسان إلى وطنه وإن كان غيره أكثر له نفعًا.
واعلم (١): أن الميل إلى الأوطان، وإن كان لا ينقطع عن الجنان، ولكن يلزم للمرء أن يختار من البقاع أحسنها دينًا، حتى يتعاون بالإخوان، قيل لعيسى ﵇: من نجالس يا روح الله، قال: من يزيد في علمكم منطقه، ويذكركم الله رؤيته، ويرغبكم في الآخرة عمله، والعاقل يختار الفراق عن الأحباب والأوطان، ولا يجترىء على الفراق عن الملك الديان:
لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا فَارَقْتَهُ عِوَضٌ ... وَلَيْسَ لِلَّهِ إِنْ فَارَقْتَ مِنْ عِوَضِ
فاقطع الألفة عما سوى الله اختيارًا قبل الانقطاع اضطرارًا.
٨٦ - ثم ذكره سبحانه نعمه، ونهاه عن معاونة المشركين ومظاهرتهم، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿تَرْجُو﴾ وتطمع قبل إرسالك ﴿أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: أن يوحى إليك القرآن، والمعنى: سيردك يا محمد إلى معادك وبلدك، كما ألقى إليك القرآن وما كنت ترجوه، فهو تقرير للوعد السابق.
وقوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: ولكن ألقاه إليك رحمة لك منه، فأعمل به، خصك بهذه الرحمة عن جميع الأنبياء؛ لأن كتبهم أنزلت في الألواح والصحف على صورتهم وذاتهم، وكتابك نزل به الروح الأمين على قلبك، ويجوز أن يكون متصلًا حملًا على المعنى، كأنه قيل: وما ألقي إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة من ربك، والأول أولى، وبه جزم الكسائي والفراء.
والمعنى (٢): أي وما كنت يا محمد قبل مجيء الرسالة إليك ترجو أن تكون نبيًا، وينزل عليك القرآن، فتعلم أخبار الماضين من قبلك وما سيحدث من بعدك، وما فيه من تشريع فيه سعادة البشر في معاشهم ومعادهم، وآداب هي
стр. 9590
منتهى ما تسمو إليه نفوسهم، وتطمح إليها عقولهم، ثم تتلو ذلك على قومك، فإنزاله عليك ليس عن ميعاد، وكونك نبيًا ليس عن تطلب سابق منك، ولكن أنزل إليك القرآن، وجعلك نبيًا لأجل الترحم من ربك.
ثم بيَّن ما يجب أن يعمله كفاء هذه النعم المتظاهرة، فقال: ﴿لَا تَكُونَنَّ﴾ يا محمد ﴿ظَهِيرًا﴾ أي: معينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ على دينهم بمداراتهم، والتجمل معهم، والإجابة إلى طلبتهم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه، فذكره بنعمه عليه، ونهاه عن مظاهرتهم على ما هم عليه، وقيل: هو تعريض بغيره من الأمة.
والمعنى (١): أي فأحمد ربك على ما أنعم به عليك بإنزاله الكتاب إليك، ولا تكونن عونًا لمن كفروا به، ولكن فارقهم ونابذهم.
٨٧ - ثم شدد عزمه وقواه بأن لا يأبه بمخالفتهم، فقال: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾؛ أي: لا يصرفنك ويمنعنك الكافرون ﴿عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: عن قراءتها، والعمل بها ﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ﴾ تلك الآيات القرآنية ﴿إِلَيْكَ﴾ وقرئت عليك، وذلك حين دعوه ﷺ إلى دين آبائهم، وتعظيم أوثانهم، والموافقة إلى أباطيلهم؛ أي: ولا تبال بهم، ولا تهتم بمخالفتهم لك، وصدهم الناس عن طريقتك، فإن الله معك، ومؤيدك، ومظهر دينك وما أرسلك به على سائر الأديان.
قرأ الجمهور (٢): بفتح الياء وضم الصاد من صده يصده، وشددوا النون، ويعقوب كذلك، إلا أنه خففها، وقرىء: ﴿يصدنك﴾ بضم الياء وكسر الصاد، من أصده بمعنى صده، حكاه أبو زيد عن رجل من كلب. وقال الشاعر:
أُنَاسٌ أَصَدُّوْا النَّاسَ بِالْسَّيْفِ عَنْهُمُ ... صُدُوْدَ السَّوَاقِيْ عَنْ أُنُوْفِ الْحَوَائِمِ
ثم أمره أن يصدع بالدعوة، ولا يألوا جهدًا في تبليغ الرسالة. فقال: ﴿وَادْعُ﴾ الناس كافة ﴿إِلَى رَبِّكَ﴾؛ أي: إلى توحيده، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ أي: وبلغ رسالة ربك إلى من أرسلك إليهم، واعبده وحده لا شريك له ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بمساعدتهم في الأمور، وفيه تعريض بغيره، كما
стр. 9591
تقدم، لأنه ﷺ يكون من المشركين بحال من الأحوال لكونه معصومًا، والمعنى: ولا تتركن الدعاء إلى ربك، وتبليغ المشركين رسالتك، فتكون ممن فعل فعل المشركين بمعصيته، ومخالفة أمره.
٨٨ - ثم فسر هذا، وبينه بقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي: ولا تعتمد على غير الله، ولا تتخذ غيره وكيلًا في أمورك، وهذا تعريض أيضًا لغيره من الأمة.
فإن قلت (١): النبي ﷺ كان معصومًا من أن يدعو مع الله إلهًا آخر فما فائدة هذا النهي؟
قلت: الخطاب معه ﷺ المراد به غيره، وقيل معناه لا تتخذ غيره وكيلًا على أمورك كلها ولا تعتمد غيره، كما مر آنفًا في حلِّنا.
﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا نافع ولا ضار ولا معطي ولا مانع ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه وحده ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾ من الإنسان والحيوان والجن والشياطين والملك ونحوها ﴿هَالِكٌ﴾؛ أي: معدوم فان زائل في حد ذاته، فإن وجوده كلا وجود؛ لأن وجوده ليس ذاتيًا ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ أي: ذاته ، فإنه تعالى واجب الوجود وكل ما عداه ممكن في حد ذاته عرضة للهلاك والعدم، والوجه يعبر به عن الذات، وقال أبو العالية وسفيان (٢): كل شيء فان إلا ما أريد به وجهه من الأعمال؛ أي: ما يقصد إليه بالقربة. قال الشاعر:
أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
والمستثنى من الهلاك والفناء ثمانية أشياء نظمها السيوطي في قوله:
ثَمَانِيَةٌ حُكْمُ الْبَقَاءِ يَعُمُّهَا ... مِنَ الْخَلْقِ وَالْبَاقُوْنَ فِيْ حَيِّزِ الْعَدَمْ
هِيَ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَنَارٌ وَجَنَّةٌ ... وَعَجْبٌ وَأَرْوَاحٌ كَذَا اللَّوْحُ وَالْقَلَمْ
﴿لَهُ﴾ سبحانه لا لغيره ﴿الْحُكْمُ﴾؛ أي: القضاء النافذ في الخلق في
стр. 9592
الأولى والآخرة ﴿وَإِلَيْهِ﴾ تعالى، لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تردون أيها الخلائق عند البعث من القبور، وليجزى المحسن لإحسانه، والمسيء لإساءته.
وقرأ عيسى (١): ﴿تُرْجَعُونَ﴾ مبنيًا للفاعل. والجمهور مبنيًا للمفعول، ومعنى الآية: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾؛ أي (٢): ولا تعبد أيها الرسول مع الله - الذي له عبادة كل شيء - معبودًا آخر سواه.
ثم علل هذا بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: لأنه لا معبود تصلح له العبادة إلا الله، ونحو الآية قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾.
ثم بيَّن صفاته تعالى، فقال:
١ - ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾؛ أي: هو الدائم الباقي الحي القيوم الذي لا يموت إذا ماتت الخلائق، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾.
وقد ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول ﷺ : "أصدق كلمة قالها لبيد":
ألَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ ... وَكُلُّ نَعِيْمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ
٢ - ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾؛ أي: له الملك والتصرف والقضاء النافذ في الخلق.
٣ - ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يوم معادكم، فيجزيكم بأعمالكم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
الإعراب
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾.
﴿إِنَّ﴾: حرف نصب، ﴿قَارُونَ﴾: اسمها منصوب، ولم ينون لأنه إسم لا ينصرف للعلمية والعجمة، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص واسمه ضمير يعود على
стр. 9593
﴿قَارُونَ﴾، ﴿مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾: جار ومجرور ومضاف إليه خبر ﴿كَانَ﴾، وجملة ﴿كَانَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لبيان قصة قارون وما تنطوي عليه من عظات وعبر. ﴿فَبَغَى﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿بغى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿قَارُونَ﴾، والجملة الفعلية في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿بَغَى﴾، ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿آتَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾، ﴿مِنَ الْكُنُوزِ﴾: متعلق بـ ﴿آتَيْنَاهُ﴾.
﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾.
﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿آتَيْنَاهُ﴾، ﴿إنَّ﴾: حرف نصب، ﴿مَفَاتِحَهُ﴾: اسمها، ﴿لَتَنُوءُ﴾: ﴿اللام﴾ حرف ابتداء، ﴿تَنُوءُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود على المفاتح، ﴿بِالْعُصْبَةِ﴾ متعلق بـ ﴿تَنُوءُ﴾، ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: صفة لـ ﴿الْعُصْبَةِ﴾ مجرور بالياء المحذوفة لالتقاء الساكنين لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، ﴿الْقُوَّةِ﴾: مضاف إليه، وجملة ﴿تَنُوءُ﴾ في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، والعائد ضمير ﴿مَفَاتِحَهُ﴾. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ ﴿تَنُوءُ﴾، وقيل: باذكر مقدرًا، وقال أبو البقاء: ظرف لآتيناه، ويجوز أن يكون ظرفًا لفعل محذوف دل عليه الكلام؛ أي: بغى، ﴿قَالَ﴾: فعل ماض، ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿قَالَ﴾، ﴿قَوْمُهُ﴾: فاعل، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذ﴾، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة، ﴿تَفْرَحْ﴾: فدل مضارع مجزوم بلا الناهية، وفاعله ضمير يعود على ﴿قَارُونَ﴾، وجملة ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُحِبُّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿الْفَرِحِينَ﴾: مفعول به منصوب بالياء، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿إنَّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ مسوقة لتعليل ما قبلها.
стр. 9594
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾.
﴿وَابْتَغِ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر مجزوم بحذف حرف العلة، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة قوله: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾، ﴿فِيمَا﴾ ﴿في﴾ حرف جر وسبب، ﴿ما﴾: مصدرية أو موصولة في محل الجر بفي، ﴿آتَاكَ اللَّهُ﴾: فعل ومفعول أول وفاعل، والمفعول الثاني محذوف تقديره: فيما آتاكه الله؛ ﴿ابْتَغِ﴾: وابتغ بإنفاق ما أعطاك الله في سبيل الخير، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿ابْتَغِ﴾، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل ﴿ابْتَغِ﴾؛ أي: متقلبًا فيما آتاك، ﴿الدَّارَ﴾: مفعول ﴿ابْتَغِ﴾، ﴿الْآخِرَةَ﴾: صفة له، ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: ناهية، ﴿تَنْسَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر، ﴿نَصِيبَكَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿لَا تَفْرَحْ﴾، ﴿مِنَ الدُّنْيَا﴾: جار ومجرور حال من ﴿نَصِيبَكَ﴾. ﴿وَأَحْسِنْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر معطوف على ﴿وَابْتَغِ﴾، ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: حرف جر وتشبيه، ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿أَحْسَنَ اللَّهُ﴾ فعل وفاعل، ﴿إِلَيْكَ﴾ متعلق بـ ﴿أَحْسِنْ﴾، والجملة الفعلية صلة ﴿ما﴾ المصدرية، ﴿ما﴾ مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، تقديره: وأحسن إحسانًا مثل الإحسان الذي أحسن الله به إليك. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَا﴾: ناهية، ﴿تَبْغِ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بلا الناهية، ﴿الْفَسَادَ﴾: مفعول به، ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق بتبغ أو بالفساد؛ لأنه بمعنى الإفساد، والجملة في محل النصب معطوفة على ما قبلها، ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه، ﴿لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ في محل النصب مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.
﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿قَارُونَ﴾، والجملة مستأنفة
стр. 9595
مسوقة للإجابة عن قولهم: إن ما عندك تفضل وإنعام من الله فأنفق منه شكرًا لمن أنعم به عليك، ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، ﴿أُوتِيتُهُ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل ومفعول ثان، ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾: جار ومجرور حال من نائب فاعل، ﴿أوتيت﴾، ﴿عِنْدِي﴾ ظرف ومضاف إليه صفة لعلم؛ أي: إنما أوتيته حال كوني متصفًا بعلم كائن عندي، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف. و ﴿الواو﴾ عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أعلم ما ادعاه ولم يعلم، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يَعْلَمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿قَارُونَ﴾ مجزوم بـ ﴿لم﴾، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿أَنَّ اللَّه﴾: ناصب واسمه، ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿أَهْلَكَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَهْلَكَ﴾، ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾: جار ومجرور حال. ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ﴾ مقدمة عليه، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿أَهْلَكَ﴾، ﴿هُوَ أَشَدُّ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿مِنْهُ﴾: متعلق بـ ﴿أَشَدُّ﴾، ﴿قُوَّةً﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب باسم التفضيل، وجملة ﴿أَهْلَكَ﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنَّ﴾؛ وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿يَعْلَمْ﴾، ﴿وَأَكْثَرُ﴾: معطوف على ﴿أَشَدُّ﴾، ﴿جَمْعًا﴾: تمييز محول عن المبتدأ منصوب بـ ﴿أَشَدُّ﴾. ﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة لتربط الجملة بما قبلها على سبيل التهديد والوعيد، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿يُسْأَلُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿عَنْ ذُنُوبِهِمُ﴾: متعلق بـ ﴿يُسْئلُ﴾، ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾: نائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿أَنَّ﴾؛ أي: ألم يعلم أنه لا يُسأل عن ذنوبهم المجرمون.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾.
﴿فَخَرَجَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿خرَجَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على قارون، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾، وما بينهما اعتراض، ﴿عَلَى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿خَرَجَ﴾، ﴿فِي زِينَتِهِ﴾: جار ومجرور حال من