وأطعمكم من كل الثمرات، التي تُجلب أو أرجاء الأرض ونواحيها، من كل بلد رزقًا منه لكم، ولكن أكثر أهل مكة جهلة، لا يفطنون إلى ما فيه خيرهم وسعادتهم، ومن ثم قالوا ما قالوا، وقد كان من حقهم أن يعلموا أن تلك الأرزاق إنما وصلت إليهم أو ربهم، فهو الذي يُخشى ويُتقى، لا سواه من المخلوقين.
٥٨ - وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾؛ أي: وأهلكنا كثيرًا من أهل قرية بطرت وطغت، وكفرت في معشيتا، وأساءت في حقوق نعم الله عليها من الشكر، تخويف (١) لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانوا في مثل حالهم بإنعام الله عليهم فلم يشكروا النعمة، وقابلوها بالبطر فأُهلكوا، ورد لقولهم (٢): ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ ...﴾ إلخ، فقد اعتقدوا أنهم ما داموا على دينهم فإنهم في أمن، وإن اتبعوا الرسول نزل بهم البلاء، فبيَّن الله لهم أو الأمر بالعكس، وهو إن تركوا دينهم وأسلموا أمنهم الله من عذاب الدنيا والآخرة، وإن داموا على دينهم، يؤمنهم الله أو عذاب الدارين، بدليل أنه أهلك كثيرًا أو القرى بأنواع العذاب لكفرهم.
وهذا هو الرد الثاني على شبهتهم، فإنه بعد أن بين ما خص به أهل مكة من النعم، أتبعه بما أنزله على الأمم الماضية، الذين كانوا في رغد أو العيش، فكذبوا الرسل، فازال عنهم تلك النعم، وأحل بهم النقم.
وفي أبي السعود: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ...﴾ إلخ، بيَّن الله (٣) بهذا أو الأمر بالعكس، وأنهم أحقاء بأن يخافوا بأس الله، ولا يغتروا بالأمن الحاصل لهم؛ أي: وكثيرًا من أهل القرى كان حالهم كحال هؤلاء في الأمن والمخصب، فبطروا وطغوا فدمرهم الله، وخرَّب ديارهم. اهـ.
قال عطاء: عاشوا في البطر فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام. اهـ وإجمال
стр. 9522
هذا: إن قولكم لا نؤمن خوفًا من زوال النعم ليس بحق، بل الإصرار على عدم قبول الإيمان هو الذي يزيل هذه النعم.
﴿فَتِلْكَ﴾ القرى التي تمرون عليها في أسفاركم إلى الشام، كديار ثمود وقوم شعيب، ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾؛ أي: مساكن الذين ظلموا - ومنازلهم قد خربت - باقية الآثار، تشاهدونها في ذهابكم وإيابكم، حالة كونها ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد هلاكهم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ من الزمن للمارة، فإنهم يلبثون فيها يومًا أو بعض يوم للاستراحة والعبرة، ويحتمل (١) أن شؤم معاصي المهلكين بقي أثره في ديارهم، فلم يبق أو يسكنها أو أعقابهم إلا قليلًا، إذ لا بركة في سُكنى الأرض الشؤم، وقال بعضهم: سكنها الهام والبوم، ولذا كان أو تسبيحها سبحان الحي الذي لا يموت، وقيل: لم يُعمر منها إلا أقلها، وأكثرها خراب.
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ منهم لتلك المساكن؛ لأنهم، يتركوا وارثًا يرث منازلهم وأموالهم، ولم يخلفوا أحدًا يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم، وصار أمرها إلى الله تعالى؛ لأنه الباقي بعد فناء الخلق، والشيء إذا لم يبق له مالك معين قيل أنه ميراث الله؛ لأنه هو الباقي بعد خلقه. ونحو الآية قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٣)﴾.
٥٩ - ثم أخبر سبحانه عن عدله، وأنه لا يُهلك أحدًا إلا بعد الإنذار، وقيام الحجة بإرسال الرسل، فقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾؛ أي: وما كانت عادة ربك يا محمد وسنته في كل زمان أن يُهلك أهل القرى قبل الإنذار ﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾؛ أي: في أصلها وكُبْراها التي تلك القرى سوادها وأتباعها، وخص الأصل والكبرى لكون أهلها أفطن وأشرف، والرسل إنما تبعث غالبًا إلى الأشراف، وهم غالبًا يسكنون المدن والقصبات - جمع قصبة - وهي العاصمة.
﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ الناطقة بالحق، ويدعوهم إليه بالترغيب حينًا
стр. 9523
والترهيب حينًا آخر، وذلك لإلزام الحجة وقطع المعذرة.
والمعنى (١): أي وما صح ولا استقام أو يكون الله سبحانه مهلك القرى الكافرة حتى يبعث في أمها رسولًا، يُنذرهم ويتلو عليهم آيات الله، الناطقة بما أوجبه الله عليهم، وما أعده من الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومعنى أمها أكبرها وأعظمها، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها؛ لأن فيها أشراف القيم، وأهل الفهم والرأي، وفيها الملوك والأكابر، فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى، وقال الحسن: أم القرى أولها.
وفي "التكملة": الأم هي مكة، والرسول محمد ﷺ ، وذلك لأن الأرض دُحيت أو تحتها، فيكون المعنى: وما كان ربك يا محمد مهلك البلدان التي هي حوالي مكة في عصرك وزمانك حتى يبعث في أمها؛ في: في أم القرى التي هي مكة رسولًا، هو أنت.
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى﴾ بالعقوبة بعد بعثنا في منها رسولًا يدعوهم إلى الحق، ويرشدهم إليه في حال أو الأحوال ﴿إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾؛ أي: إلا حال كون أهلها ظالمين بتكذيب رسولنا، والكفر بآياتنا، فالبعث غاية لعدم صحة الإهلاك بموجب السنة الإلهية، لا لعدم وقوعه حتى يلزم تحقق الإهلاك عقيب البعث، وهذه الجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ والاستثناء فيها مفرَّغ من أعم الإرواء، كما قدَّرنا.
ودلت الآية (٢): على أو الظلم سبب الهلاك، ولذا قيل: الظلم قاطع الحياة ومانع النبات، وكذا الكفران، يقال: النعم محتاجة إلى الأكفاء، كما تحتاج إليها الكرائم من النساء، وأهل البطر ليسوا من أكفاء النعم، كما أن الأراذل ليسوا أكفاء عقائل الحُرُم - جمع عقيلة - وعقيلة كل شيء أكرمه، وحرم الرجل أهله، فكما أن الكريمة أو النساء ليست بكفءٍ للرذيل من الرجال، فيفرَّق بينهما للحوق العار، فكذا النعمة تُسْلب من أهل البطر والكبر والغرور والكفران، وأما أهل
стр. 9524
الشكر فلا يضيع سعيهم بل يزداد حسن حالهم، ولله تعالى رزق واسع في البلاد، ولا فرق فيه بين الشاكر والكفور من العباد.
فعلى (١) العاقل أن يعرف الله تعالى، ويعرف قدر النعمة، فيقيِّدها بالشكر، ولا يضع الكفر موضع الشكر، فإنه ظلم صريح يحصل منه الهلاك مطلقًا، إما للقلب بالإعراض عن الله تعالى ونسيان أن العطاء منه، وإما للقالب بالبطش الشديد، وكم رأينا في الدهر من أمثاله من خرب قلبه، ثم خرب داره، ووجد آخر الأمر بواوه، ولكن الإنسان من النسيان، لا يتذكر ولا يعتبر، بل يمضي على حاله من لغفلة، أيقظنا الله وإياكم من نوم الغفلة في كل لحظة، وشرفنا في جميع الساعات باليقظة الكاملة المحضة.
٦٠ - ﴿وَمَا﴾ مبتدأ متضمنة لمعنى الشرط لدخول الفاء في خبرها، بخلاف الثانية، ﴿أُوتِيتُمْ﴾ أي: أُعطيتم، والخطاب لكفار مكة كما في "الوسيط"، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من أسباب الدنيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾، أي: فهو شيء شأنه أن يُتمتع ويُتزين به أيامًا قلائل، ثم أنتم وهو إلى فناء وزوال، سمي منافع الدنيا متاعًا؛ لأنها تفنى ولا تبقى كمتاع البيت.
أي (٢): وما أُعطيتم يا معشر قريش من أسباب الدنيا كالمال والخدم فهو شيء عادته أن يُنتفع به، ويُتزين به أيام حياتكم، وقُرىء: ﴿فمتاعًا الحياة الدنيا﴾ بنصب الكلمتين، الأولى على المصدرية، والثانية على الظرفية؛ أي: يتمتعون متاعًا في الحياة الدنيا.
﴿وَمَا﴾ موصولة؛ أي: والجزاء الذي ادُّخِر ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ، وهو الثواب ﴿خَيْرٌ﴾ لكم في نفسه من ذلك؛ لأنه لذة خالصة من شوائب الألم، وبهجة كاملة عارية من مسة الهمم ﴿وَأَبْقَى﴾ لأنه أبدي، وهذا ينقضي بسرعة؛ أي: فمنافع الآخرة لمن آمن بالله وبرسوله أعظم وأدوم مما لكم في الدنيا، فتصيب كل أحد في الآخرة بالقياس إلى منافع الدنيا كلها، كالذرة بالقياس إلى البحر، فكيف
стр. 9525
قلتم: تركنا الدين لئلا تفوتنا الدنيا؟!.
وقيل: ﴿مَا﴾ شرطية ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيان لها، وقوله: ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خبر مبتدأ محذوف، والجملة جوابها، أي: فهو متاع الحياة الدنيا. والمهزة في قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي، داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تتفكرون فلا تعقلون أن الدنيا فانية، والآخرة باقية؛ أي: ألا تتفكرون فلا تعقلون هذا الأمر الواضح، فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، وتؤثرون الشقاوة الحاصلة من الكفر والمعاصي على السعادة المتولدة من الإيمان والطاعات.
وقرأ الجمهور (١): ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بالتاء الفوقانية على خطابهم وتوبيخهم، في كونهم أهملوا العقل في العاقبة، ونسب هذه القراءة أبو علي في "الحجة" إلى أبي عمرو وحده، وفي "التحرير والتحبير" بين الياء والتاء عن أبي عمرو، وقرأ أبو عمرو: ﴿يعقلون﴾ بالياء إعراض عن خطابهم، وخطاب لغيرهم، كأنه قال انظروا إلى هؤلاء وسخافة عقولهم، وقراءة الجمهور أرجح لقوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾.
ومعنى الآية (٢): أي وما أُعطيتم أيها الناس من شيء من الأموال والأولاد فإنما هو متاع، تتمتعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون به فيها، وهو لا يُغني عنكم شيئًا عند ربكم، ولا يُجديكم شروى نقير لديه، وما عنده خير لأهل طاعته وولايته، لدوامه وبقائه، بخلاف ما عندكم، فإنه ينفد وينقطع بعد أمد قصير، ونحو الآية قوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، وقوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾. وفي الحديث: "والله ما الحياة الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر ماذا يرجع إليه".
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: أفلا عقول لكم أيها القوم، تتدبرون بها فتعوفوا الخير من الشر، وتختاروا لأنفسكم خير المنزلتين على شرهما، وتؤثروا الدائم الذي لا
стр. 9526
نفاد له على الفاني الذي ينقطع، ومن أجل هذا أثر عن الشافعي - رحمه الله تعالى - أنه قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس، صُرف ذلك الثلث للمشتغلين بطاعة الله تعالى، وكأنه ﵀ أخذه من هذه الآية.
قوله تعالى (١): ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ فإن قلت: لم قاله هنا بالواو وفي الشورى بالفاء، حيث قال: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾؟ قلت: لأن ما هنا لم يتعلق بما قبله كبير تعلق، فناسب الإتيان به بالواو المقتضية لمطلق الجمع، وما هناك متعلق بما قبله أشد تعلق، لأنه عقَّب مالهم من المخافة بما لهم من الأمنة، فناسب الإتيان به بالفاء المقتضية للتعقيب.
فإن قلت: قال هنا بزيادة ﴿وَزِينَتُهَا﴾ وفي الشورى بحذفه؟
قلت: لأن ما هنا لسبقه قصد ذكر جميع ما بُسط من رزق أعراض الدنيا، فذكر ﴿وَزِينَتُهَا﴾ مع المتاع، ليستوعب جميع ذلك، إذ المتاع ما لا بد منه في الحياة، من مأكول ومشروب وملبوس ومسكن ومنكوح، والزينة ما يتجمل به الإنسان، وحذفه في الشورى اختصارًا لعلمه من المذكور هنا.
٦١ - ثم أكد ترجيح ما عند الله على ما في الدنيا من زينة فقال: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ﴾ الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أمتاع الدنيا وزينتها كما عند الله، فمن وعدناه وعدًا حسنًا كمن متعناه متاع الحياة الدنيا.
وعبارة "أبي السعود" هنا: والفاء لترتيب إنكار التساوي بين أهل الدنيا وأهل الآخرة ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وبين ما عند الله. اهـ، و ﴿من﴾ (٢) موصولة مبتدأ؛ أي: فمن وعدناه على إيمانه وطاعته ﴿وَعْدًا حَسَنًا﴾ هو الجنة وما فيها من النعم التي لا تُحصى، فإن حسن الوعد بحسن الموعود به.
стр. 9527
﴿فَهُوَ﴾؛ أي: ذلك الموعود له ﴿لَاقِيهِ﴾؛ أي: لاقي ذلك الوعد الحسن، ورائيه ومصيبه ومدركه لا محالة، لاستحالة الخلف في وعده تعالى محمدًا وأصحابه، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة، ﴿كَمَنْ﴾ موصولة خبر للأولى؛ أي: كمن ﴿مَتَّعْنَاهُ﴾ وأعطيناه ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من المال والخدم، كأبي جهل وأضرابه.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للحساب أو النار والعذاب، معطوف (١) على قوله: ﴿مَتَّعْنَاهُ﴾ داخل معه في حيز الصلة، مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له.
والمعنى: ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار، وتخصيص المحضرين بالذين أُحضروا للعذاب اقتضاه المقام، والاستفهام للإنكار كما مر؛ أي: ليس حالهما سواء، فإن الموعود بالجنة لا بد أن يظفر بما وُعد به، مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا، وهذا حال المؤمن، وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلا مجرد التمتع بشيء من الدنيا، يستوي فيه هو والمؤمن، وينال كل واحد منهما حظه منه، وهو صائر إلى النار، فهل يستويان؟ لا.
وقرأ طلحة: ﴿أمن وعدناه﴾ بغير فاء، وقرأ الجمهور: ﴿ثم هو﴾ بضم الهاء، وقرأ الكسائي وقالون: بسكون الهاء إجراءً لثم مجرى الواو والفاء.
وعبارة البروسوي هنا قوله: ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٢) وثم للتراخي في الزمان؛ أي: لتراخي حال الإحضار عن حال التمتيع، أو في الرتبة. ومعنى الفاء في ﴿أَفَمَنْ﴾ ترتيب إنكار التشابه بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، على ما قبلها من ظهور التفاوت بين متاع الحياة الدنيا وبين ما عند الله؛ أي: أبعد هذا التفاوت الظاهر يسوى بين الفريقين؛ أي: لا يسوَّى بينهما، فليس من أكرم بالوعد الأعلى ووجدان المولى، وهو المؤمن، كمن أُهين بالوعيد والوقوع في الجحيم في العقبى، وهو الكافر، وذلك بإزاء شهوة ساعة وجدها في الدنيا،
стр. 9528
ويقال: رب شهوة ساعة أورثت صاحبها حزنًا طويلًا.
والمعنى (١): أي أفمن وعدناه من خلقنا على طاعته إيانا بالجنة وجزيل نعيمها، مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر، فآمن بما وعدناه وأطاعنا، فاستحق أن ننجز له وعدنا، فهو لاقيه حتمًا وصائر إليه، كمن متعناه الحياة الدنيا، ونسي العمل بما وعدنا به أهل الطاعة، وآثر لذة عاجلة على لذة آجلة لا تنفد، ثم هو يوم القيامة إذا ورد على الله كان من المحضرين لعذابه وأليم عقابه؟
وهذه الآية تبين حال كل كافر متمتع في الدنيا بالعافية والغنى، وله في الآخرة النار، وحال كل مؤمن صبر على بلاء الدنيا ثقة بوعد الله، وله في الآخرة الجنة، وخلاصة ذلك: أفمن سمع كتاب الله فصدق به، وآمن بما وعده الله فيه، كمن متعناه متاع الحياة الدنيا، وقد كفر بالله وآياته، ثم هو يوم القيامة من المحضرين لعذابه، الجواب الذي لا ثاني له أنهما لا يستويان في نظر العقل الراجح.
وتلخيص المعنى: أنهم لما قالوا: تركنا الدين للدنيا .. قيل لهم: لو لم يحصل عقب دنياكم مضرة العقاب لكان العقل يقضي بترجيح منافع الآخرة على منافع الدنيا، فكيف وبعد هذه اللذة فيها يحصل العقاب الدائم، وجاء الكلام بأسلوب الاستفهام ليكون أبلغ في الاعتراف بالترجيح.
٦٢ - قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ إما معطوف على يوم القيامة، أو منصوب باذكر المقدر، والمراد به يوم القيامة، والضمير للكفار؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة يوم ينادي الكفار ربهم، وهو عليهم غضبان ﴿فَيَقُولُ﴾ تفسير للنداء؛ أي (٢): فيقول الله سبحانه لهم توبيخًا وتقريعًا: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم ينصرونكم ويشفعون لكم، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان؛ أي: تزعمونهم شركائي، لدلالة الكلام عليهما؛ أي: أين الذين عبدتموهم من دوني، وأثبتم لهم شركة معي في استحقاق العبادة، وتزعمون في الدنيا أنهم يشفعون لكم في
стр. 9529
الآخرة، أين هم لينصروكم من هذا الذي نزل بكم.
والمعنى (١): أي واذكر أيها الرسول لقومك يوم ينادي رب العزة هؤلاء الذين يضلون الناس، ويصدون عن سبيل الله، فيقول لهم: أين شركائي من الملائكة والجن والكواكب والأصنام، الذين كنتم تزعمون في الدنيا أنهم لي شركاء؟ ليخلصوكم من هذا الذي نزل بكم من العذاب، وهذا السؤال للإهانة والتحقير، لأنهم عرفوا بطلان ما كانوا يفعلون، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾.
قال في "كشف الأسرار": وسؤالهم عن ذلك ضرب من ضروب العذاب، لأنه لا جواب لهم إلا ما فيه فضيحتهم، واعترافهم بجهل أنفسهم.
٦٣ - ثم ذكر جواب هؤلاء الرؤساء الدعاة إلى الضلال، فقال: ﴿قَالَ﴾ (٢) استئناف مبني على حكاية السؤال، كأنه قيل: فماذا صدر عنهم حينئذ فقيل: قال: ﴿الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ في الأزل بأن يكونوا من أهل النار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ...﴾ الآية، كما في "التأويلات النجمية".
وقال بعض أهل التفسير: معنى ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ثبت مقتضاه، وتحقق مؤداه، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وغيره من آيات الوعيد، والمراد بهم شركاؤهم من الشياطين، أو رؤساؤهم الذين اتخذوهم أربابًا من دون الله، بأن أطاعوهم في كل ما أمروهم به ونهوهم عنه.
وتخصيصهم بهذا الحكم مع شموله للأتباع أيضًا، لأصالتهم في الكفر، واستحقاق العذاب، ومسارعتهم إلى الجواب مع كون السؤال للعبدة، لتفطنهم أن السؤال عنهم لاستحقارهم وتوبيخهم بالإضلال، وجزمهم بأن العبدة سيقولون هؤلاء أضلونا ﴿رَبَّنَا﴾؛ أي: يا مالك أمرنا ﴿هَؤُلَاءِ﴾ الأتباع والعبدى، مبتدأ
стр. 9530
﴿الَّذِينَ﴾ خبره ﴿أَغْوَيْنَا﴾ صلة الموصول، حذف منها العائد، ومرادهم با لإشارة بيان أنهم يقولون ما يقولون بمحضر منهم، وأنهم غير قادرين على إنكاره ورده؛ أي: قال الرؤساء: يا ربنا هؤلاء الأتباع والعبدة هم الذين أغويناهم، وأضللناهم بتسويلنا لهم، ودعوناهم إلى الغي والضلال ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾؛ أي: أضللناهم كما ضللنا، فغووا غيًا مثل غيِّنا.
والمعنى: هؤلاء أتباعنا آثروا الكفر على الإيمان، كما آثرناه نحن، ونحن كنا السبب في كفرهم فقبلوا منا، وهو استئناف (١) للدلالة على أنهم غووا باختيارهم، وأنهم لم يفعلوا لهم إلا وسوسة وتسويلًا، وهذا هو الجواب في (٢) الحقيقة، وما قبله تمهيد له؛ أي: ما أكرهناهم على الغي، وإنما أغوينا بما قضيت لنا ولهم الغواية والضلالة، يعنون (٣) أنا لم نغو إلا باختيارنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم؛ لأن إغوائنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلًا، فلا فرق إذًا بين غيِّنا وغيِّهم، وإن كان تسويلنا داعيًا لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
ولم يقولوا: أغويناهم كما أغويتنا، كما قال إبليس: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ تأدبًا مع الرب سبحانه، وقرأ (٤) أبان عن عاصم وبعض الشاميين: ﴿كَمَا غَوَيْنَا﴾ كسر الواو، قال ابن خالويه، وليس ذلك مختارًا؛ لأن كلام العرب غويت من الضلالة، وغويت من البشم.
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ يا رب منهم، ومما اختاروه من الكفر والمعاصي هوًى منهم، وهو تقرير لما قبله، ولذا لم يُعطف عليه، قوله: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إيانا مفعول ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ أي: ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم،
стр. 9531
ويطيعون شهواتهم، والمعنى: أن رؤساء الضلال أو الشياطين تبرووا ممن أطاعهم، قال الزجاج: برىء بعضهم من بعض، وصاروا أعداء، كما قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
وحاصل معنى الآية: أي قال رؤساء الضلال والدعاة إلى الكفر - الذين حق عليهم غضب الله، ولزمهم الوعيد بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ فدخلوا النار -: ربنا هؤلاء الأتباع الذين أضللناهم أغويناهم باختيارهم، كما غوينا نحن كذلك، ولم يكن منا لهم إلا الوسوسة والتسويل، لا القسر والإلجاء، فهم كانوا مختارين حين أقدموا على تلك العقائد وهذه الأعمال.
وخلاصة ذلك: أن تبعة غيِّهم واقعة عليهم، لا علينا، إذ لم نلجئهم إلى ذلك، بل كان منا مجرد الوسوسة فحسب، فإن كان تسويلنا لهم داعيًا إلى الكفر فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان، بما وضع من الأدلة العقلية، وبعث إليهم من الرسل، وأنزل إليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد، والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفًا عن الكفر داعيًا إلى الإيمان.
ثم زاد الجملة الأولى توكيدًا بقوله: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم، ومما اختاروه من الكفر والمعاصي، اتباعًا لهوى أنفسهم، فلا لوم علينا في الحقيقة بسببهم، ونحو الآية ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾.
ثم ذكر ما هو كالعلة لنفي الشبهة عنهم، فقال: ﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ أي: هم ما كانوا يعبدوننا، وإنما كانوا يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم،
٦٤ - ثم طلب إليهم دعاء الشركاء توبيخًا لهم وتهكمًا بهم، فقال: ﴿وَقِيلَ﴾ من عبد غير الله تعالى توبيخًا وتهديدًا، والقائلون الخزنة ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: استغيثوا بآلهتكم التي كنتم تعبدونهم من دون الله في الدنيا لينصروكم ويدفعوا عنكم العذاب.
﴿فَدَعَوْهُمْ﴾؛ أي: فدعا العابدون معبوداتهم عند ذلك لشدة حيرتيهم ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾؛ أي: المعبودون ﴿لَهُمْ﴾ أي: للعابدين ولا نفعوهم بوجه من وجوه
стр. 9532
النفع، ضرورة عدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة، ﴿وَرَأَوُا﴾؛ أي: كل من العابدين والمعبودين ﴿الْعَذَابَ﴾ قد غشيهم، وتمنوا ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ في الدنيا؛ أي: وتمنوا عندئذٍ كونهم مهتدين في الدنيا، على أن ﴿لَوْ﴾ مصدرية معمولة لمحذوف، وقيل: إن ﴿لَوْ﴾ شرطية جوابها محذوف، تقديره: لو أنهم كانوا مهتدين في الدنيا لما رأوا العذاب في الآخرة، وقيل: ﴿لَوْ﴾ هنا للتمني؛ أي: تمنوا كونهم مهتدين، لا ضالين (١)، وقيل: المعنى لو أنهم كانوا يهتدون في الدنيا لأنجاهم ذلك ولم يروا العذاب.
وحال المعنى (٢): أي وقيل للمشركين بالله الآلهة والأنداد في الدنيا: ادعوا آلهتكم الذين زعمتم جهلًا منكم شركتهم لله، ليدفعوا العذاب عنكم، فدعوهم لفرط الحيرة وغلبة الدهشة، فلم يجيبوهم عجزًا منهم عن الإجابة، والمقصود من طلب ذلك منم فضيحتهم على رؤوس الأشهاد، بدعاء من لا نفع له، ولا فائدة منه.
ثم بيَّن حالهم حينئذٍ، وتمنِّيهم أن لو كانوا وُفِّقوا في الدنيا إلى سلوك طريق الهدى والرشاد، فقال: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: وأيقن الداعون والمدعوون أنهم صائرون إلى النار لا محالة، وودوا حين عاينوا لو أنهم كانوا من المهتدين المؤمنين في الدنيا، ونحو الآية قوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.
٦٥ - وبعد أن سُئِلوا عن إشراكهم بالله - توبيخًا لهم - سُئلوا عن تكذيبهم الأنبياء، كما أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة يوم ينادي الله الكفار نداء تقريع وتوبيخ ﴿فَيَقُولُ﴾ الله سبحانه تفسيرًا للنداء ﴿مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين أرسلتهم إليكم حين دعوكم إلى توحيدي وعبادتي، ونهوكم عن الشرك والمعاصي؛ أي: أي شيء كان جوابكم لمن أرسل إليكم من النبيين، حين بلَّغوكم رسالتي، أبالتصديق أم بالتكذيب؟ فهو معطوف
стр. 9533
على ما قبله، فسُئلوا أولًا عن إشراكهم، وثانيًا عن جوابهم الرسل الذين نهوهم عت ذلك. ذكره "أبو السعود".
والمعنى (١): أي واذكر يا محمد يوم ينادي المشركين ربُّهم، وقد برز الناس في صعيد واحد، منهم المطيع، ومنهم العاصي، وقد أخذ بأنفاسهم الزحام، وتراكبت الأقدام على الأقدام، فيقول لهم: ماذا أجبتم المرسلين، فيما أرسلناهم به إليكم من دعائكم إلى التوحيد والبراءة من الأوثان والأصنام.
٦٦ - ثم بيَّن أنهم لا يحارون جوابًا، ولا يجدون من الحجج ما يدافعون به عن أنفسهم، فقال: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ أي: فخفيت عليهم الأخبار يوم إذ سُئلوا عن ذلك، ولم يجدوا معذرة يُجيبون بها، فلم يكن لهم إلا السمكوت جوابًا، والمراد بالأنباء (٢) ما أجابوا به الرسل أو ما يعصها، وإذا كانت الرسل يفوِّضون العلم في ذلك المقام الهائل إلى علَّام الغيوب، مع نزاهتهم عن غائلة السؤال، كما قال: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١٠٩)﴾. فما ظنُّك بهؤلاء الضلال.
قال أهل التفسير: أي صارت الأنباء كالعمى عنهم لا تهتدي إليهم، وأصله فعموا عن الأنباء؛ أي: الأخبار، وقد عكس بأن أثبت العمى الذي هو حالهم للأنباء مبالغة، وتعدية الفعل بعلى لتضمنه معنى الخفاء والاشتباه.
ثم بيَّن أنه تخفي عليهم كل طرق العلم التي كانت تجديهم في الدنيا، فقال: ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: فلا يسأل بعضهم بعضًا عن الجواب النافع، كما يتساءل الناس في المشكلات؛ لأنهم يتساوون جميعًا في العجز عن الجواب المنجي، لما اعتراهم من الدهشة، وعظيم الهول فلا نطق ولا عقل، أو لعلمهم بأن الكل سواء في الجهل، وفي "الخازن": ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾؛ أي: لا يجيبون ولا يحتجون، وقيل: يسكتون فلا يسأل بعضهم بعضًا. اهـ.
стр. 9534
وقرأ الجمهور (١): ﴿فَعَمِيَتْ﴾ بفتح العين وتخفيف الميم، وقرأ الأعمش وجُناح بن حُبيش وأبو زرعة هرم بن عمرو بن جرير: بضم العين وتشديد الميم، والمعنى: أُظلمت عليهم الأمور فلم يستطيعوا أن يُخبروا بما فيه نجاة لهم. وأتى بلفظ الماضي لتحقق وقوعه، وقرأ طلحة: ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ بإدغام التاء في السين؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا فيما يتحاجون به، إذ أيقنوا أنه لا حجة لهم، فهم في عمى وعجز عن الجواب، والمراد بالنبأ الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله.
٦٧ - ولما ذكر تعالى أحوال الكفار يوم القيامة، وما يكون منهم فيه أخبر بأن من تاب من الشرك وآمن وعمل صالحًا، فإنه مرجوٌّ له الفلاح والفوز في الآخرة، وهذا ترغيب للكافر في الإِسلام، وضمان له بالفلاح، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾ بما جاء به النبي ﷺ ﴿وَعَمِلَ﴾ عملًا ﴿صَالِحًا﴾؛ أي: خالصًا لوجه الله ﴿فَعَسَى﴾؛ أي: فحق ﴿أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾؛ أي: من الفائزين بالمطلوب عند الله تعالى الناجين من المكروه.
و ﴿عَسَى﴾ وإن كانت في الأصل للرجاء فهو من الله سبحانه واجب، مفيد للتحقق، على ما هو عادة الكرام، وقيل: إن الترجي هو من التائب المذكور، لا من جهة الله سبحانه، بمعنى فليتوقع الفلاح، والمعنى (٢): فأما من تاب من المشركين وراجع الحق، وأخلص لله بالألوهية، وأفرد له العبادة وصدَّق نبيَّه، وعمل بما أمر به في كتابه على لسان نبيه فهو من الفائزين الذين أدركوا مطالبهم، وفازوا بجنات النعيم، خالدين فيها أبدًا.
قال في "كشف الأسرار": إنما قال: ﴿فَعَسَى﴾ (٣) يعني إن دام على التوبة والعمل الصالح، فإن المنقطع لا يجد الفلاح، ونعوذ بالله من الحور بعد الكور، فينبغي لأهل الآخرة أن يباشروا الأعمال الصالحة، ويدوموا على أورادهم، وللأعمال تأثير عظيم في تحصيل الدرجات، وجلب المنافع والبركات، ولها نفع
стр. 9535
لأهل السعادة في الدنيا والآخرة، ولأهل الشقاوة لكن في الدنيا فقط، فإنهم يجلبون بها المقاصد الدنيوية من المناصب والأموال والنعم، وقد عوَّض الله سبحانه عن عبادة الشيطان قبل كفره طول عمره، ورأى أثرها في الدنيا، فلا بد من السعي بالإيمان والعمل الصالح. اهـ.
٦٨ - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أن يخلقه ﴿وَيَخْتَارُ﴾ ما يشاء اختياره واصطفاءه من خلقه كمحمد ﷺ ؛ أي: فكما أن الخلق إليه فكذا الاختيار في جميع الأشياء له، لا يُسئل عما يفعل وهم يسألون، قال الزجاج: الوقف على ﴿وَيَخْتَارُ﴾ تام، و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ نافية؛ أي: ليس لهم أن يختاروا على الله شيئًا ما وله الخيرة عليهم، وهذا (١) متصل بذكر الشركاء الذين عبدوهم واختاروهم، وقيل: إن هذه الآية جواب عن قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، وقيل: هذه الآية جواب عن اليهود، حيث قالوا: لو كان الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنا به.
ولم يُدخل (٢) العاطف في ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ لأنه بيان لقوله: ﴿وَيَخْتَارُ﴾، إذ المعنى: أن الخيرة لله سبحانه، وهو أعلم بوجوه الحكمة في أفعاله، فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه، ومن جعل ﴿مَا﴾ موصولة ووصل الكلام على معنى: ويختار الذي لهم فيه الخيرة فقد أبعد، بل ﴿مَا﴾ لنفي اختيار الخلق، وتقرير اختيار الحق سبحانه، ومن قال معناه: ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح فهو مائل إلى الاعتزال، و ﴿الْخِيَرَةُ﴾ يستعمل بمعنى المصدر، وهو التخير، وبمعنى المتخير، كقولهم محمد خيرة الله من خلقه.
ومعنى الآية (٣): أي وربك يا محمد يخلق ما يشاء خلقه، وهو وحده سبحانه دون غيره يصطفي ما يريد أن يصطفيه ويختاره، فيختار أقوامًا لأداء الرسالة وهداية الخلق، وإصلاح ما فسد من نظم العالم، ويميز بعض مخلوقاته
стр. 9536
عن بعض، ويفضله بما شاء، ويجعله مقدمًا عنده، وليس لهم إلا اتباع ما اصطفاه، وهو لم يصطف شركاءهم، الذين اختاروهم للعبادة والشفاعة، فما هم إلا في ضلال مبين، صُدوا عن عمل ما يجب عليهم فعله طاعة لله ورسوله، وتصدوا لما ليس من حقهم أن يفعلوه بحال.
ونحو الآية قوله (١)؛ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وقال الشاعر:
الْعَبْدُ ذُوْ ضَجَرٍ وَالرَّبُّ ذُوْ قَدَرٍ ... وَالدَّهْرُ ذُوْ دُوَلٍ وَالرِّزْقُ مَقْسوْمُ
وَالْخَيْرُ أجْمَعُ فِيْمَا اخْتَارَ خَالِقُنَا ... وَفِيْ اخْتِيَارِ سِوَاهُ سِوَاهُ اللَّوْمُ وَالشُّوْمُ
وروت عائشة عن أبي بكر ﵄: أن النبي ﷺ كان إذا أراد أمرًا قال: "اللهم خر لي واختر لي". وروى أنس أن النبي ﷺ قال له: "يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى ما يسبق إليه قلبك، فإن الخير فيه"، ويُستحب أن لا يقدم أحد على أمر من الأمور حتى يسأل الله الخيرة فيه، وذلك بأن يصلي ركعتين صلاة الاستخارة يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾. وفي الركعة الثانية ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وعن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ك يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول:، إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسِّره لي، ثم بارك لي فيه، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني، واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به"، قال: ويسمي حاجته.
ثم أكد هذا وقرره بقوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: ليس لهم أن
стр. 9537
يختاروا على الله شيئًا، وله الخيرة عليهم، فله أن يرسل من يشاء رسولًا بحسب ما يعلمه من الحكمة والمصلحة، دون أن يكون ذلك منوطًا بمال أو جاء، كما خُيِّل إلى بعض المشركين، فقالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
ثم نزه سبحانه نفسه أن ينازعه في سلطانه أحد، فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: تنزه الله بذاته تنزهًا خاصًا به من أن ينازعه أحد، ويشاركه مشارك، ويزاحم اختيارُهُ اختيارَهُ ﴿وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أي: عن إشراكهم، أو عن الذين يجعلونهم شركاء له.
وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى مشيئته الأزلية في الخلق والاختيار، وأنه فاعل مختار، يخلق ما شاء، كيف يشاء، ممن يشاء، ولما يشاء، متى يشاء، وله اختيار في خلق الأشياء، فيختار وجود بعض الأشياء في العدم فيُبقيه فانيًا في العدم ولا يوجده، وله الخيرة في أنه يخلق بعض الأشياء جمادًا، وبعض الأشياء نباتًا، وبعض الأشياء حيوانًا، وبعض الأشياء إنسانًا، وأن يخلق بعض الإنسان كافرًا، وبعض الإنسان مؤمنًا، وبعضهم وليًا، وبعضهم نبيًا، وبعضهم رسولًا، وأن يخلق بعض الأشياء شيطانًا، وبعضها جنًا، وبعضها ملكًا، وبعض الملك كروبيًا وبعضهم روحانيًا، وله أن يختار بعض الخلق مقبولًا، وبعضهم مردودًا. انتهى.
والمعنى (١): أي تنزيهًا له وعلوًا عن إشراك المشركين، فليس لأحد أن ينازع اختياره أو يزاحمه فيه، لعلمه باستعداد خلقه وصلاحيتهم للاصطفاء، فإذا أراد النبي ﷺ أن يهدي أحدًا ممن يحب، أو أراد أهل مكة أن يرسل الله رسولًا من عظمائهم قال الله لهم: ليس لكم من الأمر شيء، فلا النبي ﷺ بقادر على هدي عمه، ولا أهل مكة يصلون إلى أن تكون الرسالة في عظمائهم.
٦٩ - ثم بيَّن أن اختياره تعالى مبني على العلم الصحيح، لا اختيارهم، فقال:
стр. 9538
﴿وَرَبُّكَ﴾ يا محمد يعلم ﴿مَا تُكِنُّ﴾؛ أي: تضمر وتخفي ﴿صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: قلوبهم من الشرك أو من عداوة النبي ﷺ ، وحقد المؤمنين، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يظهرون بألسنتهم وجوارحهم كالطعن في النبوة وتكذيب القرآن.
قرأ الجمهور (١): ﴿تُكِنُّ﴾ بضم التاء الفوقية وكسر الكاف، وقرأ ابن محيصن وحميد بفتح الفوقية وضم الكاف، أي: إن اختياره من يختار منهم للإيمان مبني على علم منه بسرائر أمورهم وبواديها، فيختار للخير أهله، فيوفقهم له، ويولي الشر أهله، ويخليهم وإياه. ونحو الآية قوله: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾.
٧٠ - ولما كان علمه بذلك جاء من كونه إلهًا واحدًا فردًا صمدًا، وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه، قال: ﴿وَهُوَ﴾ ﴿اللَّهُ﴾؛ أي: المستحق للعبادة ﴿لَا إِلَهَ﴾؛ أي: لا أحد يستحقها ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانه جل وعلا.
وفي "التأويلات النجمية": ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا﴾ يصلح للألوهية ﴿إِلَّا هُوَ﴾ وهو المتوحد بعز إلهيته، المتفرد بجلال ربوبيته، لا شبيه يساويه، ولا نظير يضاهيه، فلا معبود سواه، ولا يحيط الواصفون بكنه عظمته وهو العليم بكل شيء، القادر على كل شيء.
ثم ذكر بعض صفات كماله، فقال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾ استحقاقًا على عظمته والشكر استيجابًا على نعمته، ﴿فِي الْأُولَى﴾؛ أي: في الدنيا ﴿و﴾ في ﴿الْآخِرَةِ﴾؛ أي (٢): هو المحمود في جميع ما يفعل في الدنيا والآخرة؛ لأنه المعطي لجميع النعم كلها عاجلها وآجلها، والمفيض لها على الخلق كافة، يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، وبقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾. ابتهاجًا وفرحًا بفضله، والتذاذًا بحمده؛ أي: بلا كلفة.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ فيما يخلق ويختار، ويعز ويدل، ويحيي ويميت؛ أي: له
стр. 9539
القضاء النافذ في كل شيء، من غير مشاركة فيه لغيره، فلا معقب لحكمه، ولا راد لفضله، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكم العدل اللطيف الخبير ﴿وَإِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بالبعث من القبور يوم القيامة، فيجزي كل عامل جزاء عمله، إن خيرًا وإن شرًا، ولا يخفى عليه منهم خافية.
ويقال (١): ثمانية أشياء تعم الخلق كلهم: الموت، والحشر، وقراءة الكتاب، والميزان، والحساب، والصراط، والسؤال، والجزاء، فظهر أن الحكم النافذ بيد الله تعالى، ولو كان شيء منه في يد الخلق لمنعوا عن أنفسهم الموت، ودفعوا ملاقاة الأعمال في الحشر، وطريق النجاة التسليم والرضى، والرجوع إلى الله تعالى بالاختيار، فإنه إذا رجع العبد إلى الله تعالى بالاختيار لم يلق عنده شدة، بخلاف ما إذا رجع بالاضطرار، ومن علامات الرجوع إلى الله إصلاح السر والعلانية، والحمد له على كل حال، فإن الجزع والاضطراب من الجهل بمبدأ الأمر ومبديه، وليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله هو المبتلي، وقيل في الضراء والسراء: لا إله إلا هو، والتوحيد أفضل الطاعات، وخير الأذكار والحسنات، وصورته منجية، فكيف بمعناه.
وروي: أن الله أوحى إلى موسى ﵇: "يا موسى لا تسأل منى الغنى فإنك لا تجده، وكل خلق مفتقر إلي، وأنا الغني، ولا تسأل علم الغيب، فإنه لا يعلم الغيب غيري، ولا تسألني أن أكف لسان الخلق عنك، فإني خلقتهم ورزقتهم وأُميتهم وأُحييهم، وهم يذكرونني بالسوء، ولم أكف لسانهم عني، ولا أكف لسانهم عنك، ولا تسأل البقاء، فإنك لا تجده، وأنا الدائم الباقي".
٧١ - ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المشركين من أهل مكة وغيرهم ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني، عبر عن الإخبار بالرؤية؛ لأنها سببه؛ أي: أخبروني أيها القوم ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾؛ أي: دائمًا مستمرًا لا نهار معه
стр. 9540
من السرد، وهو المتابعة والاطراد، والميم زائدة، وقيل: إن ميمه أصلية ووزنه فعلل، لا فعمل، وهو الظاهر، وقدم ذكر الليل على ذكر النهار؛ لأن ذهاب الليل بطلوع الشميس أكثر فائدة من ذهاب النهار بدخول الليل، كذا في "برهان القرآن"؛ أي: دائمًا مستمرًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بإسكان الشمس تحت الأرض، أو تحريكها حول الأفق الغائر (١) ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفة لإله.
﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ صفة أخرى له، عليها يدور أمر التبكيت والإلزام، قصد انتفاء الموصوف بانتفاء الصفة؛ أي: أيُّ معبود غير الله سبحانه يأتيكم بضياء النهار، فتستضيئون به، ولم يقل (٢) هل إله، فذكر بمن لإيراد الإلزام على زعمهم أن غيره آلهة، وفي هذا الأسلوب من التقريع والتبكيت والإلزام ما لا يخفى، وأتى بضياء (٣)، وهو نور الشمس، ولم يجيء التركيب بنهار تتصرفون فيه، كما جاء بليل تسكنون فيه؛ لأن منافع الضياء متكاثرة، ليس التصرف في المعاش وحده، والظلام ليس بتلك المنزلة، ومن ثم قرن بالضياء ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؛ لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده.
بيَّن لهم سبحانه أنه مهد لهم أسباب المعيشة، ليقوموا بشكر النعمة، فإنه لو كان الدهر الذي يعيشون فيه ليلًا دائمًا إلى يوم القيامة لم يتمكنوا فيه من الحركة فيه، وطلب ما لا بد لهم منه مما يقوم به العيش من المطاعم والمشارب والملابس، ثم امتن عليهم فقال: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾؛ أي: هل لكم إله من الآلهة التي تعبدونها يقدر على أن يرفع هذه الظلمة الدائمة عنكم بضياء؛ أي: بنور تطلبون فيه المعيشة، وتبصرون فيه ما تحتاجون إليه، وتصلح به ثماركم وتزهو عنده زرائعكم، وتعيش فيه دوابكم، وعن ابن كثير (٤): ﴿بضئاء﴾ بهمزتين.
стр. 9541
﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ما يقال لكم سماع تدبر وتفكر، فتتعظوا وتعلموا أن ربكم هو الذي يأتي بالليل، ويزيل النهار إذا شاء، واذا أراد أتى بالنهار وأذهب الليل، ولا يقدر على ذلك سواه تعالى، والهمزة فيه للاستفهام التوبيخي المضمَّن للإنكار داخلة على محذوف، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف؛ أي: ألا تتفكرون فتسمعون ما يقال لكم.
وختم هذه الآية به بناء على الليل لا على الضياء. وقال بعضهم قرن بالضياء السمع، لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر، يعني استفادة العقل من السمع أكثر من استفادته من البصر.
٧٢ - ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾؛ أي: أخبروني ﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا﴾ أي: دائمًا، لا ليل معه أبدًا ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بإسكانها في وسط السماء، أو تحريكها فوق الأرض ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ أي: أيُّ معبود غير الله الذي له عباده كل شيء ﴿يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ استراحة من متابعة الأسفار وأشغال النهار؛ أي: تستقرون فيه وتهدؤون، والهمزة في قوله ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي الإنكاري، داخلة على محذوف والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أتعرضون عن هذه النعم العظيمة، فلا تبصرون الشواهد المنصوبة الدالة على القدرة الكاملة، فتعلموا بذلك أن العبادة لا تصلح إلا لمن أنعم عليكم بذلك، دون غيره، ومن له القدرة التي خالف بها بين الليل والنهار، واذا أقروا بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله فقد لزمتهم الحجة وبطل ما يستمسكون به من الشبه الساقطة، وقرن بالليل قوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لأن البصر يدرك ما لا يدركه السمع من ذلك.
وجاء تذييل الآيتين بقوله: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ و ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لبيان أنهم لما لم ينتفعوا بالسمع والبصر نزلوا منزلة من لا يسمع ولا يبصر، وعبارة "فتح الرحمن": هنا ختم آية الليل بقوله: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ وآية النهار بقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لمناسبة الليل المظلم الساكن للسماع، ومناسبة النهار النيِّر للأبصار، وإنما قدم الليل على النهار ليستريح الإنسان فيه، فيقوم إلى تحصيل ما هو مضطر
стр. 9542
إليه من عبادة وغيرها بنشاط وخفة، ألا ترى أن الجنة نهارها دائم، إذ لا تعب فيها يحتاج إلى ليل يستريح أهلها فيه. انتهى.
٧٣ - واعلم (١): أن ذلك الشمس يدور في بعض المواضع رحويًا لا غروب للشمس فيه، فنهاره سرمدي فلا يعيش الحيوان فيه، ولا ينبت النبات فيه من قوة حرارة الشمس فيه، وكذلك يدور ذلك الشمس في بعض المواضع بعكس هذا تحت الأرض ليس للشمس فيه طلوع فليله سرمدي، فلا يعيش الحيوان أيضًا فيه، ولا ينبت النبات ثمة، فلهذا المعنى قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ، و ﴿مِنْ﴾ هنا للسبب؛ أي: وبسبب (٢) رحمته إياكم ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: خلقهما لمنفعتكم.
ثم علل جعل كل واحد منهما، فبدأ بعلة الأول، وهو الليل، وهي ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾؛ أي: في الليل، ثم بعلة الثاني، وهو النهار، وهي ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: في النهار بأنواع المكاسب، وفي هذا مدح للسعي في طلب الرزق، كما ورد في الحديث: "الكاسب حبيب الله" وهو لا ينافي التوكل.
ثم ذكر بما يشبه العلة لجعل هذين الشيئين، وهو ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: لكي تشكروا الله على هذه الرحمة والنعمة العظيمتين، وهذا النوع من علم البديع يسمى التفسير، وهو أن تذكر أشياء ثم تفسرها بما يناسبها، كما سيأتي في مبحث البلاغة إن شاء الله سبحانه.
أي (٣): ومن رحمته بكم أيها الناس جعل لكم الليل والنهار، وخالف بينهما، فجعل الليل ظلامًا لتستقروا فيه، راحة لأبدانكم من تعب التصرف نهارًا في شؤونكم المختلفة، وجعل النهار ضياء لتتصرفوا فيه بأبصاركم لمعايشكم، وابتغاء رزقه الذي قسمه بينكم بفضله، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ أي: ولتستعدوا لشكره على إنعامه عليكم، وتخلصوا له الحمد؛ لأنه لم يشركه في إنعامه عليكم
стр. 9543
شريك، ومن ثم ينبغي أن لا يكون له شريك يُحمد.
والخلاصة: أن الليل والنهار نعمتان تتعقباقبان على مر الزمان، والمرء في حاجة إليهما، إذ لا غنى له عن الكدح في الحياة لتحصيل قوته، ولا يتسنى له ذلك على الوجه المرضي لولا ضوء النهار، كما لا يكمل له السعي على الرزق إلا بعد الراحة والسكون بالليل، ولا يقدر على شيء من ذلك إلا الله الواحد القهار، وقال الزجاج: يجوز أن يكون معنى الآية: لتسكنوا فيهما، ولتبتغوا من فضل الله فيهما، ويكون المعنى: جعل لكم الزمان ليلًا ونهارًا لتسكنوا فيه، ولتبتغوا من فضله فيه. انتهى.
واعلم (١): أنه وإن كان السكون في النهار ممكنًا، وطلب الرزق في الليل ممكنًا، وذلك عند طلوع القمر على الأرض، أو عند الاستضاءة بشيء مما له نور، كالسراج والكهرباء، لكن ذلك قليل نادر. مخالف لما يألفه العباد، فلا اعتبار به.
قال إمام الحرمين وغيره من الفضلاء (٢): لا خلاف أن الشمس تغرب عند قوم وتطلع عند قوم آخرين، والليل يطول عند قوم، ويقصر عند آخرين، وعند خط الاستواء يكون الليل والنهار مستويًا أبدًا. وسُئل الشيخ أبو حامد عن بلاد بلغار كيف يصلون؛ لأن الشمس لا تغرب عندهم إلا مقدار ما بين المغرب والعشاء، ثم تطلع فقال: يُعتبر صومهم وصلاتهم بأقرب البلاد إليهم. والأصح عند أكثر الفقهاء أنهم يقدرون الليل والنهار، ويكبرون بحسب الساعات. كما قال ﵇ في أيام الدجال: "يوم كسنة ويوم كشهر ويوم كجمعة" فيقدَّر الصيام والصلاة في زمنه، كذا ورد عن سيد البشر.
قال في "القاموس": بلغر كقرطق، والعامة تقول: بلغار، مدينة الصقالبة ضاربة في الشمال شديدة البرد. انتهى، والفجر يطلع في تلك الديار قبل غيبوبة الشفق في أقصر ليالي السنة، فلا يجب على أهاليها العشاء والوتر لعدم سبب
стр. 9544
الوجوب، وهو الوقت؛ لأنه كما أنه شرط لأداء الصلاة، فهو سبب لوجوبها، فلا تجب بدونه على ما تقرر في الأصول، وكذلك لا تجبان على أهالي بلدة يطلع فيها الفجر لما تغرب الشمس، فيسقط عنهم ما لا يجدون وقته، كما أن رجلًا إذا قطع يداه مع المرفقين أو رجلاه مع الكعبين ففرائض وضوئه ثلاث، لفوات محل الرابع، كذا في كتب الفقه.
٧٤ - ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ منصوب بـ ﴿اذكر﴾ أي (١): واذكر يا محمد لقومك يوم ينادي الله المشركين ﴿فَيَقُولُ﴾ توبيخًا لهم ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم شركاء لي، كرر التقريع والتوبيخ لهم على اتخاذ الشركاء، للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله سبحانه من الإشراك، كما لا شيء أدخل في مرضاة الله تعالى من توحيده، ولاختلاف الحالتين؛ لأنهم ينادون مرة فيدعون الأصنام، وينادون أخرى فيسكتون.
٧٥ - وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ عطف على ينادي، وجاء بصيغة الماضي للدلالة على التحقق؛ أي: وأخرجنا من كل أمة من الأمم شهيدًا عليهم بما كانوا عليه من الخير والشر، قال مجاهد: هم الأنبياء، وقيل: المراد بالشهيد: العدول من كل أمة، وذلك أنه سبحانه لم يخل عصرًا من الأعصار عن عدول يرجع إليهم في أمر الدين، ويكونون حجة على الناس يدعونهم إلى الدين، فيشهدون على الناس بما عملوا من العصيان. والأول أولى.
والمعنى (٢): أي وأحضرنا من كل أمة شهيدها، وهو نبيها الذي يشهد عليها
بما أجابته أمته فيما أتاهم به عن الله برسالته. ونحو الآية قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ وهذا في موقف من مواقف القيامة، وفي موقف آخر يكون الشهداء هم الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾.
ثم بين ما يطلب منهم بعد هذه الشهادة، فقال: ﴿فَقُلْنَا﴾ لكل من الأمم
стр. 9545
﴿هَاتُوا﴾ أي: جيبوا، وأصله آتوا ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾؛ أي: حجتكم ودليلكم على صحة ما ادعيتموه من أن معي شركاء مع إعذار الرسل إليكم، وإقامة الحجج عليكم، فعند ذلك خرسوا عن إقامة الحجة، فلم يجيبوا جوابًا، وأيقنوا حينئذٍ بعذاب دائم ونار تتلظى لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى، وحينئذ يستبين لهم خطأ ما كانوا يفعلون، كما قال: ﴿فَعَلِمُوا﴾ وأيقنوا يومئذ ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ في الألوهية ﴿لِلَّهِ﴾ وحده، لا يشاركه فيها أحد، ﴿وَضَلَّ﴾؛ أي: غاب ﴿عَنْهُمْ﴾ غيبة الضائع، وذهب وبطل ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: كانوا يختلقونه في الدنيا من الكذب بأن لله شركاء، يستحقون العبادة معه، وهم الأصنام والطواغيت، ولم ينتفعوا بعبادتهم.
قال بعضهم: واعلم أن الشركاء لا تنحصر في الأصنام الظاهرة، بل الأنداد ظاهرة وباطنة، فمنهم من صنمه نفسه، ومن صنمه زوجته، حيث يحبها محبة الله، ويطيعها إطاعة الله، ومنهم من صنمه تجارته، فيتكل عليها، ويترك طاعة الله لأجلها، فهذه كلها لا تنفع يوم القيامة.
حكي: أن مالك بن دينار رحمه الله تعالى كان إذا قرأ في الصلاة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ غشي عليه، فسئل فقال: نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونعبد أنفسنا؛ أي: نطيعها في أمرها، ونقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ونرجع إلى أبواب غيره.
روي: أن زكريا ﵇ لما هرب من اليهود بعد أن قُتل يحيى ﵇ وتوابعه ورائه تمثل له الشيطان في صورة الراعي، وأشار إليه بدخول الشجرة، فقال زكريا للشجرة: أكتميني فانشقت فدخل فيها، وأخرج الشيطان هدب ردائه، ثم أخبر به اليهود، فشقوا الشجرة بالمنشار، فهذا الشق إنما وقع له لالتجائه إلى الشجرة. واعلم أن الشرك أقبح جميع السيئات وأساسها، كما أن التوحيد أحسن جميع الحسنات وأساسها.
الإعراب
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.
стр. 9546
﴿إِنَّكَ﴾: ناصب واسمه، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَهْدِي﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على محمد، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة في محل الرفع خبر ﴿إنّ﴾، وجملة ﴿إنّ﴾ مستأنفة، ﴿أَحْبَبْتَ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: من أحببته. ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿لَكِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿يَهْدِي مَنْ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿لكن﴾، وجملة ﴿لكن﴾ معطوفة على جملة ﴿إِنَّكَ﴾، ﴿يَشَاءُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة، ﴿وَهُوَ﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ﴾: مبتدأ وخبر، ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾: متعلق بـ ﴿أَعْلَمُ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿يَهْدِي﴾.
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
﴿وَقَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة أو معطوفة على جملة ﴿إن﴾، ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى﴾: جازم وفعل مضارع مجزوم، وفاعل مستتر يعود على المتكلمين، ومفعول به، ﴿مَعَكَ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَتَّبِعِ﴾ ﴿نُتَخَطَّفْ﴾: فعل مضارع مجزوم على كونه جواب الشرط، ونائب فاعل مستتر، ﴿مِنْ أَرْضِنَا﴾: متعلق بنتخطف، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام التقريري داخلة على محذوف. و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم نعصمهم وأم نمكن لهم حرمًا آمنًا، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿لم﴾: حرف جزم، ﴿نُمَكِّنْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، ﴿حَرَمًا﴾: مفعول به، ﴿آمِنًا﴾: صفة لـ ﴿حَرَمًا﴾، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة المحذوفة، ﴿يُجْبَى﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق به، ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: نائب فاعل ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب صفة ثانية لـ ﴿حَرَمًا﴾ ﴿رِزْقًا﴾: حال من ﴿ثَمَرَاتُ﴾ لتخصصه بالإضافة، ولكنه على تأويل المشتق؛ أي:
стр. 9547
مرزوقًا، ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: صفة لـ ﴿رِزْقًا﴾ أو مفعول مطلق معنوي لـ ﴿يُجْبَى﴾؛ لأن معنى الجباية والرزق واحد؛ أي: يرزقون رزقًا. وقيل: مفعول لأجله لـ ﴿يُجْبَى﴾. ﴿وَلَكِنَّ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة أو حالية، ﴿لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾: خبره، والجملة الاستدراكية معطوفة على الجملة الاستفهامية أو حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾؛ أي: أولم نمكن لهم حرمًا آمنًا، حالة كون أكثرهم لا يعلمون ذلك.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾.
﴿وَكَمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿كَمْ﴾: خبرية بمعنى عدد كثير، في محل النصب مفعول مقدم وجوبًا لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾، ﴿أَهْلَكْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة مسوقة لتخويف قومه من سوء مغبة من كانوا في نعمة فغمطوها وقابلوها بالبطر، ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾: تمييز لـ ﴿كَمْ﴾ الخبرية مجرور بـ ﴿من﴾ الزائدة، ﴿بَطِرَتْ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة في محل الجر صفة لـ ﴿قَرْيَةٍ﴾، ﴿مَعِيشَتَهَا﴾: منصوب بنزع الخافض، والخافض المحذوف متعلق بـ ﴿بَطِرَتْ﴾، وقيل: منصوب على الظرفية الزمانية؛ أي: أيام معيشتها. ويجوز تضمين ﴿بَطِرَتْ﴾ معنى خسرت، فتكون ﴿مَعِيشَتَهَا﴾ مفعولًا به، واقتصر عليه أبو البقاء. ﴿فَتِلْكَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿تِلْكَ﴾: مبتدأ، ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾: خبر، والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية؛ أعني: أهلكنا، ﴿لَمْ تُسْكَنْ﴾: جازم وفعل مغير ونائب فاعل، ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ جار ومجرور متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿تِلْكَ﴾، أو في محل النصب حال من ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾، والعامل فيها معنى الإشارة، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿قَلِيلًا﴾: صفة لمصدر محذوف؛ أي: سكنى قليلًا، أو صفة لظرف محذوف؛ أي: إلا زمانًا قليلًا، أو مكانًا قليلًا، ﴿وَكُنَّا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة أو حالية ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿نَحْنُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْوَارِثِينَ﴾: خبره، والجملة إما معطوفة على جملة ﴿أَهْلَكْنَا﴾، أو حال من فاعل ﴿أَهْلَكْنَا﴾.
стр. 9548
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩) وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كَانَ رَبُّكَ﴾ فعل ناقص واسمه، ﴿مُهْلِكَ الْقُرَى﴾: خبره ومضاف إليه، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان عادة الله تعالى في عباده، ﴿حَتَّى﴾: حرف جر وغاية، ﴿يَبْعَثَ﴾: فعل مضارع، وفاعل مستتر يعود على الله، منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد ﴿حَتَّى﴾ الجارة، ﴿فِي أُمِّهَا﴾ متعلق بـ ﴿يَبْعَثَ﴾، ﴿رَسُولًا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿حَتَّى﴾ بمعنى إلى، تقديره: إلى بعثه رسولًا، الجار والمجرر متعلق بـ ﴿كَانَ﴾. ﴿يَتْلُوا﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على ﴿رَسُولًا﴾، ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق به، ﴿آيَاتِنَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب صفة لـ ﴿رَسُولًا﴾، ﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿ما﴾: نافية، ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿مُهْلِكِي الْقُرَى﴾: خبره ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة ﴿كَانَ﴾ الأولى، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء من أعم الأحوال، ﴿وَأَهْلُهَا﴾ ﴿الواو﴾: حالية، ﴿أَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿الْقُرَى﴾؛ لأن المضاف كان مما يقتضي العمل؛ أي: وما كنا نهلكهم في حال من الأحوال إلا في حال كونهم ظالمين. ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، أو عاطفة، ﴿ما﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط أو الجواب أو هما، ﴿أُوتِيتُمْ﴾: فعل ماض مغير الصيغة في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ على كونه فعل شرط لها، و ﴿التاء﴾: نائب فاعل، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾: حال من ﴿مَا﴾، أو من الضمير المحذوف الواقع مفعولًا ثانيًا لأتى؛ لأنه بمعنى أعطى، ﴿فَمَتَاعُ﴾: ﴿الفاء﴾ رابطة لجواب ﴿ما﴾ الشرطية وجوبًا، ﴿فَمَتَاعُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: فهو متاع الحياة الدنيا، ﴿الْحَيَاةِ﴾: مضاف إليه، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةِ﴾، ﴿وَزِينتُهَا﴾: معطوف على ﴿مَتَاعُ﴾، والجملة الاسمية في محل الجزم بـ ﴿ما﴾ الشرطية على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿ما﴾ الشرطية مستأنفة، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾. ﴿وَمَا﴾
стр. 9549
﴿الواو﴾: حالية، أو عاطفة، ﴿ما﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، ﴿خَيْرٌ﴾: خبر المبتدأ، ﴿وَأَبْقَى﴾: معطوف على ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب حال من ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولكنه على تقدير رابط؛ أي: حالة كون ما عند الله خيرًا منه وأبقى، أو معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾. ﴿أَفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف معلوم من السياق، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تتفكرون فلا تعقلون، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَعْقِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك المحذوفة، ومفعول ﴿تَعْقِلُونَ﴾ محذوف، تقديره: ﴿تَعْقِلُونَ﴾ أن الباقي خير من الفاني، يعني أن من لا يُرجِّح منافع الآخرة على منافع الدنيا فإنه يكون خارجًا عن حد العقل، ورحم الله سبحانه الإمام الشافعي حيث قال: من أوصى بثلث ماله لأعقل الناس صرف ذلك الثلث إلى المشتغلين بطاعة الله سبحانه، كما مر.
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾.
﴿أَفَمَنْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أمتاع الدنيا وزينتها كما عند الله سبحانه، فمن وعدناه وعدًا حسنًا من متعناه متاع الحياة الدنيا، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبتدأ، ﴿وَعَدْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿وَعْدًا﴾: مفعول مطلق، ﴿حَسَنًا﴾: صفة ﴿وَعْدًا﴾، والجملة الفعية صلة الموصول. ﴿فَهُوَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، هو: مبتدأ، ﴿لَاقِيهِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة معطوفة على جملة الصلة، ﴿كَمَنْ﴾: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على تلك المحذوفة، ﴿مَتَّعْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، ﴿مَتَاعَ﴾: مفعول مطلق، ﴿الْحَيَاةِ﴾ مضاف إليه، ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة للحياة، والجملة الفعلية صلة الموصول، ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف وتراخ، ﴿هُوَ﴾: مبتدأ،
стр. 9550
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿الْمُحْضَرِينَ﴾: ﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة الصلة. ﴿يَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يوم يناديهم، والجملة المحذوفة مستأنفة، ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ فعل، وفاعل مستتر يعود على الله، ومفعول به، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾، ﴿فَيَقُولُ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ على كونها مفسرة لها، ﴿أَيْنَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الظرفية المكانية مبني على الفتح، والظرف متعلق بواجب الحذف لوقوعه خبرًا مقدمًا، ﴿شُرَكَائِيَ﴾: مبتدأ مؤخر ومضاف إليه، والجملة الاسمية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل الرفع صفة لـ ﴿شُرَكَائِيَ﴾، ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَزْعُمُونَ﴾: خبره، ومفعولا ﴿تَزْعُمُونَ﴾ محذوفان، تقديرهما: تزعمونهم شركائي، وجملة ﴿كان﴾ صلة الموصول، والعائد الضمير المحذوف من ﴿تَزْعُمُونَ﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.
﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة، ﴿حَقَّ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الْقَوْلُ﴾: فاعل، والجملة صلة الموصول، ﴿رَبَّنَا﴾: منادى مضاف، وجملة النداء في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿هَؤُلَاءِ﴾: مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾: خبره، ﴿أَغْوَيْنَا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: هؤلاء أتباعنا الذين أغويناهم، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾ على كونها جواب النداء. ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة مستأنفة على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿كَمَا﴾ ﴿الكاف﴾: حرف جر، و ﴿ما﴾: مصدرية، ﴿غَوَيْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مع ﴿ما﴾ المصدرية في تأويل مصدر مجرور بالكاف، الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف، معمول لفعل محذوف، معطوف على ﴿أَغْوَيْنَا﴾، تقديره: أغويناهم فغووا غيًا كائنًا كغينا، وهذا الإعراب
стр. 9551
على ما جرى عليه أبو علي الفارسي، وإعراب الزمخشري بأن ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، ﴿الَّذِينَ﴾: صفته، ﴿أَغْوَيْنَا﴾: صلته، وجملة ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ﴾ خبره، وهذا الوجه فيه اعتراض، كما تعرفه بالمراجعة إلى المطولات.
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾.
﴿تَبَرَّأْنَا﴾: فعل وفاعل، والجملة مفسرة لما قبلها، مقررة لها، في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق بـ ﴿تَبَرَّأْنَا﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، ﴿إِيَّانَا﴾: في محل النصب مفعول مقدم لـ ﴿يَعْبُدُونَ﴾، وجملة ﴿يَعْبُدُونَ﴾ خبر ﴿كان﴾، وجملة ﴿كان﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾، ﴿وَقِيلَ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿قِيلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: نائب فاعل محكي لـ ﴿قِيلَ﴾، وجملة ﴿قيل﴾ معطوفة على جملة ﴿قَالَ﴾، وإن شئت قلت: ﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة في محل الرفع نائب فاعل لـ ﴿قِيلَ﴾. ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿دَعَوْهُم﴾: فعل ماض وفاعل ومفعول به. والجملة معطوفة مفرعة على جملة قوله: ﴿وَقِيلَ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم، ﴿يَسْتَجِيبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، ﴿لَهُمْ﴾: متعلق به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾. ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، معطوف على ﴿دَعَوْهُمْ﴾، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط، ﴿أَنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَهْتَدُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُوا﴾ في محل الرفع خبر ﴿أَنّ﴾، وجملة ﴿أَنّ﴾ في تأويل مصدر مرفوع على كونه فاعلًا لفعل محذوف، هو فعل شرط لـ ﴿لَوْ﴾، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف، تقديره: لو ثبت كونهم مهتدين في الدنيا لما رأوا العذاب في الآخرة، وجملة ﴿لَوْ﴾ مستأنفة لا محل لها من الإعراب.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾.
стр. 9552
﴿وَيَوْمَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿يَوْمَ﴾: منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يوم يناديهم، والجملة معطوفة على الجملة السابقة، ﴿يَوْمَ﴾: مضاف، وجملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ في محل الجر مضاف إليه، كما مر نظيره قريبًا، ﴿فَيَقُولُ﴾: فعل وفاعل مستتر، معطوف على ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ على وجه التفسير له، ﴿مَاذَا﴾ اسم استفهام مركب في محل النصب على المفعولية المطلقة، لا مفعول به، لأن أجاب لا يتعدى إلى الثاني بنفسه بل بالباء، وإسقاط الجار ليس بقياس، ﴿أَجَبْتُمُ﴾: فعل وفاعل، ﴿الْمُرْسَلِينَ﴾: مفعول به لـ ﴿أَجَبْتُمُ﴾، والمعنى: أي إجابة أجبتم المرسلين، والجملة الفعلية في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَعَمِيَتْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿عَمِيَتْ﴾: فعل ماض، ﴿عَلَيْهِمُ﴾: متعلق به، ﴿الْأَنْبَاءُ﴾: فاعل، والجملة معطوفة على جملة ريَقُولُ﴾، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾: ظرف مضاف إلى مثله متعلق بـ ﴿عَمِيَتْ﴾، والتنوين فيه عوض عن الجملة المحذوفة؛ أي: يوم إذ نودوا وقيل لهم ماذا أجبتم المرسلين، ﴿فَهُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾: خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿عَمِيَتْ﴾.
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.
﴿فَأَمَّا﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنا أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت حال المشركين، وأردت بيان حال المؤمنين فأقول لك أما، ﴿أَمَّا﴾: حرف شرط وتفصيل، ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ، ﴿تَابَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة صلة ﴿مَن﴾ الموصولة، ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ﴾: معطوفان عليه، ﴿صَالِحًا﴾: مفعول به، أو مفعول مطلق. ﴿فَعَسَى﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿أما﴾ واقعة في غير موضعها، ﴿عَسَى﴾: فعل ماض من أفعال الرجاء، واسمها ضمير مستتر، تقديره: هو يعود على ﴿مَنْ تَابَ﴾ ﴿أَنْ﴾: حرف نصب ومصدر، ﴿يَكُونَ﴾: فعل مضارع ناقص، واسمها ضمير مستتر يعود على ﴿مِنَ﴾، ﴿مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾: خبر ﴿يَكُونَ﴾، وجملة ﴿يَكُونَ﴾ في تأويل مصدر خبر ﴿عَسَى﴾، تقديره: فعسى كونه من
стр. 9553
المفلحين، وجملة ﴿عَسَى﴾ في محل الرفع خبر ﴿مَن﴾ الموصولة، والجملة الاسمية جواب ﴿أَمَّا﴾ الشرطية لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿أَمَّا﴾ الشرطية في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة. وجملة إذا المقدرة مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وإن أردت البسط عن إعراب ﴿أما﴾ الشرطية وفاء الفصيحة فراجع شرحنا "الباكورة الجنية في إعراب الآجرومية" عند قول المتن: فأما الضمة.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾.
﴿وَرَبُّكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿رَبُّكَ﴾: مبتدأ ومضاف إليه، وجملة ﴿يَخْلُقُ﴾ خبره، والجملة الاسمية مستأنفة، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَخْلُقُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته، والعائد محذوف؛ أي: ما يشاء خلقه، وجملة ﴿وَيَخْتَارُ﴾ في محل الرفع معطوفة على جملة ﴿يَخْلُقُ﴾، ﴿مَا﴾: نافية، ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص، ﴿لَهُمُ﴾: خبرها مقدم، ﴿الْخِيَرَةُ﴾: اسمها مؤخر، والجملة مفسرة لما قبلها مقررة لها، لا محل لها من الإعراب. ويجوز أن تكون مستأنفة. وهنا أوجه من الإعراب لا تخلو عن اعتراض. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾: مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا؛ أي: سبحوا الله أيها العباد تسبيحًا، أو أسبح الله سبحانًا، والجملة مستأنفة، ﴿وَتَعَالَى﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿اللَّهِ﴾، والجملة معطوفة على جملة التسبيح، ﴿عَمَّا﴾: متعلق بـ ﴿تعالى﴾، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، أو المصدرية، ﴿وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَعْلَمُ﴾ خبره، والجملة معطوفة على جملة ﴿وَرَبُّكَ﴾ الأول، ﴿مَا﴾ اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾، ﴿تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول، والعائد محذوف، تقديره: ما تكنه صدورهم، ﴿وَمَا﴾ عطف على ﴿مَا﴾ الأولى، وجملة ﴿يُعْلِنُونَ﴾ صلتها.
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.
стр. 9554
﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، أو معطوفة على جملة ﴿وَرَبُّكَ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، تعمل عمل إن، ﴿إِلَهَ﴾: في محل النصب اسمها، وخبر ﴿لَا﴾ محذوف جوازًا، تقديره: موجود، ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ، ﴿هُوَ﴾: ضمير للمفرد المنزه في محل الرفع بدل من الضمير المستكن في خبر ﴿لَا﴾، وجملة ﴿لَا﴾ في محل الرفع خبر ثان لـ ﴿هُوَ﴾، ﴿لَهُ﴾: خبر مقدم، ﴿الْحَمْدُ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة خبر ثالث لـ ﴿هُوَ﴾، ﴿فِي الْأُولَى﴾: حال من ضمير ﴿لَهُ﴾، ﴿وَالْآخِرَةِ﴾: معطوف على ﴿الْأُولَى﴾، ﴿وَلَهُ اَلحُكْمُ﴾ معطوفة على جملة ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل ونائب فاعل، والجملة الفعلية معطوفة على جملة قوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾ عطف فعلية على اسمية.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر، وفاعل مستتر يعود على محمد، والجملة مستأنفة، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الاستخباري، ﴿رَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿إن﴾ حرف شرط جازم، ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿سَرْمَدًا﴾، أو حال منه، ﴿اللَّيْلَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿سَرْمَدًا﴾: مفعوله الثاني، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿سَرْمَدًا﴾، لأنه بمعنى دائمًا، أو بـ ﴿جَعَلَ﴾، أو صفة لـ ﴿سَرْمَدًا﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة فأخبروني ماذا تفعلون، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين الفعل ومعموله، في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿إِلَهٌ﴾: خبره، ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿إِلَهٌ﴾، ﴿يَأْتِيكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به، ﴿بِضِيَاءٍ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية في محل الرفع صفة ثانية لـ ﴿إِلَهٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ معلقة عنها باسم
стр. 9555
الاستفهام، ﴿أَفَلَا﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تتفكرون فلا تسمعون ما يقال لكم، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَسْمَعُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة معطوفة على تلك الجملة المحذوفة.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فعل وفاعل والجملة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها، ﴿عَلَيْكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿سَرْمَدًا﴾، ﴿النَّهَارَ﴾: مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾، ﴿سَرْمَدًا﴾: مفعول ثان له، ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾: متعلق بـ ﴿سَرْمَدًا﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف، تقديره: فأخبروني ماذا تفعلون، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين الفعل ومعموله على كونها مقولًا لـ ﴿قُلْ﴾. ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، ﴿إِلَهٌ﴾: خبره، ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾: صفة لـ ﴿إِلَهٌ﴾، والجملة الاستفهامية في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، علقت عنها باسم الاستفهام، وجملة ﴿يَأْتِيكُمْ﴾ صفة ثانية لـ ﴿إِلَهٌ﴾، ﴿بِلَيْلٍ﴾: متعلق بـ ﴿يَأْتِيكُمْ﴾، وجملة ﴿تَسْكُنُونَ﴾ في محل الجر صفة لـ ﴿لَيْلٍ﴾ ولكنها سببية، ﴿فِيهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَسْكُنُونَ﴾، وهو الرابط بين الصفة والموصوف، ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿الهمزة﴾ للاستفهام الإنكاري التوبيخي داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألا تعتبرون فلا تبصرون، والجملة المحذوفة في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾، وجملة ﴿تُبْصِرُونَ﴾ معطوفة على تلك المحذوفة. كما مر نظير هذه الآية آنفًا.
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
﴿وَمِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾: جار ومجرور متعلق
стр. 9556
بـ ﴿جَعَلَ﴾، و ﴿مِن﴾ هنا بمعنى الباء السببية، كما مر، ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة، ﴿لَكُمُ﴾: متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ على كونه مفعولًا ثانيًا له، ﴿اللَّيْلَ﴾ مفعول أول له، ﴿وَالنَّهَارَ﴾ معطوف على ﴿اللَّيْلَ﴾، ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، ﴿تسكنوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد لام كي، ﴿فِيهِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام، تقديره: لسكونكم فيه، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَعَلَ﴾ ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾: معطوف على ﴿لِتَسْكُنُوا﴾، ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ متعلق بـ ﴿تَبْتَغُوا﴾، ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾: ناصب واسمه، وجملة ﴿تَشْكُرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿لَعَلَّ﴾ معطوفة على جملة ﴿تَسْكُنُوا﴾ على كونها في محل الجر بلام التعليل المقدرة.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.
﴿وَيَوْمَ﴾: ظرف متعلق بمحذوف، تقديره: واذكر يوم يناديهم، وجملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يوم﴾، وجملة ﴿فَيَقُولُ﴾ معطوفة على جملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾، ﴿أَيْنَ﴾ خبر مقدم، ﴿شُرَكَائِيَ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿شُرَكَائِيَ﴾، وجملة ﴿كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ صلة الموصول، وقد مر إعراب هذه الآية بلفظها تفصيلًا فجدد به عهدًا. ﴿وَنَزَعْنَا﴾: فعل وفاعل، ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه متعلق بـ ﴿نَزَعْنَا﴾، والجملة الفعلية في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ على كونها مضافًا إليه ليوم، ﴿شَهِيدًا﴾: مفعول به لـ ﴿نَزَعْنَا﴾، ﴿فَقُلْنَا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿نَزَعْنَا﴾، ﴿هَاتُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قلنا﴾، ﴿فَعَلِمُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿قُلْنَا﴾، ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ ناصب واسمه، ﴿لِلَّهِ﴾: خبره، وجملة ﴿أَنَّ﴾ في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي علم، ﴿وَضَلَّ﴾ فعل ماض معطوف على ﴿عَلِمُوا﴾، ﴿عَنْهم﴾: متعلق بـ ﴿ضَلَّ﴾، ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل الرفع فاعل ﴿ضَلَّ﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾
стр. 9557
الموصولة، والعائد محذوف، تقديره: ما كانوا يفترونه.
التصريف ومفردات اللغة
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ الهداية تارة يراد بها الدعوة والإرشاد إلى طريق الخير، وهي التي أثبتها الله سبحانه لرسوله في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وتارة يراد بها هداية التوفيق، وشرح الصدر بقذف نور يحيى به القلب، كما جاء في قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾، وهي بهذا المعنى نفيت عن رسول الله ﷺ في هذه الآية.
وفي "روح البيان": الهداية من الله عبارة عن تقليب القلب من الباطل - وهو ما سوى الله - إلى الحق، وهو جانب الله سبحانه، فليس هذا من شأن غير الله تعالى، وفي "عرائس البيان": الهداية مقرونة بإرادة الأزل، ولو كانت إرادة نبينا محمد ﷺ في حق أبي طالب مقرونة بإرادة الأزل لكان مهتديًا، ولكن كانت محبته وإرادته في حقه من جهة القرابة، ألا ترى أنه إذ قال: "اللهم أعز الإِسلام بعمر" كيف أجابه. انتهى.
﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾ معنى اتباع الهدى معه الاقتداء به ﵇ في الدين والسلوك إلى طريق الرشاد.
﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ التخطف الاختلاس والانتزاع بسرعة، ويراد به هنا الإخراج من البلاد، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾؛ أي: جمعه فيه، والجابية الحوض العظيم الجامع له.
﴿بَطِرَتْ﴾؛ أي: طغت وتمردت وتجبرت وكفرت، ﴿مَعِيشَتَهَا﴾، أي: في عيشها وحياتها، وفي "الكرخي": بطرت معيشتها؛ أي: كفرت نعمة معيشتها، والمعيشة ما يُعاش به من النبات والحيوان وغيرهما. اهـ، والبطر الطغيان في النعمة، قال بعضهم: البطر والأشر واحد، وهو دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة، وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها، ويقاربه الطرب، وهو خفة أكثر ما يعتري من الفرح، وفي "القاموس": البطر محرك النشاط، والأشر
стр. 9558
وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة والطغيان بالنعمة وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة، وفعل الكل كفرح، وبطر الحق أي: تكبر عنده فلا يقبله.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ﴾ بيان للعادة الربانية؛ أي: ما صح وما استقام، وما كان، وما ثبت في حكه الماضي، وقضائه السابق أن يُهلك القرى قبل الإنذار، بل حتى يبعث إلخ. اهـ "أبو السعود".
﴿فِي أُمِّهَا﴾؛ أي: في أعظمها وأكبرها بالنسبة إلى ما حواليها فعادة الله أن يبعث الرسل في المدائن؛ لأن أهلها أعقل وأنبل وأفطن، وغيرهم يتبعهم اهـ. شيخنا؛ أي: أكثر نبالة، وهي الفضل والشرف، يقال: نبل فلان فهو نبيل؛ أي: شرف فهو شريف.
﴿مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾؛ أي: الذين يحضرون للعذاب، وقد اشتهر ذلك في اصطلاح القرآن كما قال ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ لأن في ذلك إشعارًا بالتكليف والإلزام، ولا يليق ذلك بمجالس اللذات، بل هو أشبه بمجالس المكاره والمضار.
﴿تَزْعُمُونَ﴾ والزعم القول الفاسد، والحكم بلا دليل، ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ﴾؛ أي: وجب وثبت.
﴿الْقَوْلُ﴾؛ أي: مدلول القول ومقتضاه، وهو قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، كما مر في مبحث التفسير، ﴿أَغْوَيْنَا﴾ من أفعل الرباعي كأكرم ثلاثية غوى يغوي كضرب يضرب من الغواية، وهو الضلال.
﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ من استجاب السداسي، فهو من استفعل بمعنى أفعل الرباعي؛ أي: فلم يجيبوا لهم، فالسين والتاء فيه زائدتان، ﴿فَعَمِيَتْ﴾؛ أي: خفيت، ﴿الْأَنْبَاءُ﴾؛ أي: الحجج التي تنجيهم، ﴿فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ من التساؤل الذي يدل على المشاركة من الجانبين؛ أي: لا يسأل بعضهم بعضًا.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾؛ أي: الاختيار عليه، وهو نفي لاختيارهم الوليد
стр. 9559
وعروة. اهـ من "الروح"، والخيرة التخير كالطيرة بمعنى التطير، والخيرة الاختيار باصطفاء بعض الأشياء وترك بعض، وفي "المفردات": الخيرة الحالة التي تحصل للمستخير والمختار، نحو القعدة والجلسة لحال القاعد والجالس. انتهى، وفي "الوسيط": اسم من الاختيار يقام مقام المصدر، وهو اسم للمختار أيضًا. يقال: محمد خيرة الله من خلقه.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾؛ أي: تنزيهًا لله أن ينازعه أحد في الاختيار، ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾؛ أي: تخفي، يقال: أكننت الشيء إذا أخفيته في نفسك، وكننته إذا سترته في بيت أو ثوب أو غير ذلك من الأجسام، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؛ أي: يظهرونه للغير، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾؛ أي: القضاء النافذ في كل شيء دون مشاركة لغيره فيه، قال ابن عباس: حكم لأهل طاعته بالمغفرة، ولأهل معصيته بالشقاء والويل. اهـ.
﴿سَرْمَدًا﴾ السرمد الدائم المتصل، قال طرفة:
لَعَمْرُكَ مَا أَمْرِيْ عَلَيَّ بِغُمةٍ ... نَهَارِيْ وَلَا لَيْلِيْ عَلَيَّ بِسَرْمَدِ
وقد اختلف العلماء في اشتقاقه، فقيل: هو من السرد، وهو الاطراد والمتابعة، والميم مزيدة، ووزنه فعمل، كميم دلامص بضم الدال المهملة وكسر الميم من الدلاص، يقال درع دلاص؛ أي: ملساء متينة، وعبارة "زكريا": الدلامص درع براق، يقال: درع دلاص، وأدرع دلاص، الواحد والجمع على لفظ واحد. قاله الجوهري: اهـ، وهذا ما رجحه الزمخشري وغيره، واختار صاحب "القاموس" وبعض النحاة أن الميم فيه أصلية، ووزنه فعلل؛ لأن الميم لا تنقاس زيادتها في الوسط والآخر. اهـ "شهاب".
﴿وَنَزَعْنَا﴾ يقال: نزع الشيء إذا جذبه من مقره كنزع القوس من كبده.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنوعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: طباق السلب في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي﴾ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي﴾.
стр. 9560
ومنها: الجناس المغاير بين ﴿يَهْدِي﴾ و ﴿بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ حيث نسب الأمن إلى الحرم، وهو لأهله، ومثله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ لأن المراد أهلها، بدليل قوله فيما بعد: ﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ومنها: الكناية في قوله: ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لأن الكلية كناية عن الكثرة كقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
ومنها: أسلوب السخرية والتهكم في قوله: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
ومنها: التشبيه المرسل في قوله: ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾.
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ قال الشهاب: استعير العمى لعدم الاهتداء، بجامع عدم الوصول إلى المقصود في كل، ثم اشتق من العمى بمعنى عدم الاهتداء، عميت عليهم الأنباء بمعنى لا تهتدي إليهم الأنباء، على طريقة الاستعارة التصريحية التبعية، وقيل: إنه من باب القلب، وأصله فعموا عن الأنباء، والقلب من محسنات الكلام، وفيه أيضًا التضمين؛ لأنه ضمن العمى معنى الخفاء فعداه بعلى، ففيه ثلاثة أنواع من البلاغة: الاستعارة - والقلب - والتضمين.
ومنها: الطباق بين ﴿تُكِنُّ﴾ و ﴿يُعْلِنُونَ﴾، وبين ﴿الْأُولَى﴾ و ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ وهو من المحسنات البديعية.
ومنها: الإدماج في قوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ وحد الإدماج أن يدمج المتكلم، إما غرضًا في غرض، أو بديعًا في بديع، بحيث لا يظهر في الكلام إلا أحد الغرضين، أو أحد البديعين، والآخر مدج في الغرض الذي هو وجود في الكلام، فإن هذه الآية أدمجت فيها المبالغة في المطابقة؛ لأن انفراده سبحانه بالحمد في الآخرة - وهي الوقت الذي لا يحمد فيه سواه - مبالغة في وصف ذاته بالانفراد والحمد، وهذه وإن خرج الكلام فيها مخرج المبالغة في