← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 9626–9665 · переход к 9631.

стр. 9626

العالية والضحاك وابن مسعود: ﴿حسنا﴾ بفتحهما، وقرأ أبي بن كعب وأبو مجلز وعاصم الجحدري: ﴿إحسانا﴾ قال الزجاج (١): من قرأ حسنا بضم الحاء وإسكان السين فمعناه: ووصينا الإنسان أن يفعل بوالديه ما يحسن، ومن قرأ إحسانًا، فمعناه: ووصينا الإنسان أن يحسن إلى والديه. وكان (حسنا) أعم في البر. فإن قلت: ذكر هنا (٢) ﴿حُسْنًا﴾ وفي الأحقاف ﴿إِحْسَانًا﴾ حيث قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ الآية، وحذفه في لقمان، حيث قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ مع أن الثلاثة نزلت في سعد بن مالك، وهو سعد ابن أبي وقاص على خلاف فيه، فما الفرق بينه وبينهما؟ قلت: ذكر هنا وفي الأحقاف؛ لأن الوصية فيهما جاءت في سياق الإجمال فحسن ذكره، وفي لقمان جاءت مفصلة لما تقدمهما من تفصيل كلام لقمان لابنه، ولأن قوله بعدها: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ قائم مقامه، فحسن حذفه. فائدة: ويجب على الأبوين أن لا يحملا الولد على العقوق بسبب الجفاء وسوء المعاملة، ويعيناه على البر، فمن البر وهما حيان أن ينفق عليهما، ويمتثل أمرهما في الأمور المشروعة، ويجامل في معاملتهما، ومن البر بعد موتهما التصدق لهما، وزيارة قبرهما في كل جمعة، والدعاء لهما في أدبار الصلاة، وتنفيذ عهودهما ووصاياهما. وقوله: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ مقول لقول محذوف، تقديره؛ أي (٣): وقلنا له: وإن جاهداك وكلفاك أيها الإنسان ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ أي: على أن تشرك بي ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾؛ أي: بآلهيته، وهذا القيد (٤) لموافقة الواقع فلا مفهوم له؛ لأنه ليس ثم إله لك به علم وإله لا علم لك به، بل الإله واحد، وقيل: عبَّر بنفي العلم عن

стр. 9627

نفي الإله؛ لأن ما لا يُعلم صحته لا يجوز اتباعه، فكيف بما عُلم بطلانه. والمعنى: وقلنا له: وإن طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلهًا ليس لك به علم بكونه إلهًا ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾؛ أي: لا توافقهما في الإشراك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كما ورد في الحديث الصحيح، ويدخل فيه الأستاذ والأمير إذا أمر بغير معروف وهو ما أنكره الشرع، فلا طاعة لهما. والخلاصة: أي وإن حرَّضاك على أن تتعابعهما على دينهما إذا كانا مشركين فإياك أن تفعل ذلك. فإن قلت (١): لِمَ قال هنا ﴿لِتُشْرِكَ بِي﴾ باللام، وقال في لقمان: ﴿عَلَى أَنْ تُشْرِكَ﴾ بعلى؟ قلت: قال هنا باللام، موافقةً للفظ اللام في قوله: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ وقال في لقمان بعلى، حملًا على المعنى بطريق التضمين، إذ التقدير: وإن حملاك على أن تشرك بي. وإذا لم تجز (٢) طاعة الوالدين في هذا المطلب، مع المجاهدة منهما له، فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى، ويُلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه، فلا طاعة لهما فيما هو معصية لله، كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ . ﴿إِلَيَّ﴾ لا إلى غيري ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أي: رجوعكم يوم القيامة جميعًا؛ أي: مرجع من آمن منكم ومن أشرك، ومرجع من برَّ بوالديه ومن عقّ بهما، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي: فأخبركم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا، ثم أجازيكم على أعمالكم المحسن بحسانه، والمسيء بإساءته، فلا تظنوا أني غائب عنكم، وآباؤكم حاضرون فتوافقوا الحاضرين في الحال، فإني حاضر معكم، أعلم ما تفعلون ولا أنسى، فأنبئكم بجميعه، فأجازيكم عليه إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

стр. 9628

عبَّر (١) عن إظهاره بالتنبئة لما بينهما من الملابسة في أنهما سببان للعلم؛ أي: أظهر لكم على رؤوس الأشهاد، وأعلمكم أي شيء كنتم تفعلون في الدنيا على الاستمرار، وأرتب عليه جزاءه اللائق به. ٩ - ففي الآية بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين، والموصول في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ في محل رفع على الابتداء خبره ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: في زمرة الراسخين في الصلاح، ولنحشرنهم معهم، وهم الأنبياء والأولياء، وكل من صلحت سيرته مع الله، والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين، وغاية مأمول الأنبياء والمرسلين. والمعنى: أي والذين آمنوا بالله، وصدقوا رسوله، وعملوا ما يصلح نفوسهم، ويزكي أرواحهم ويطهرهلالندخلنهم في زمرة الصالحين، ونجعلهم في عدادهم، فندخلهم الجنة معهم. ١٠ - وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ مبتدأ باعتبار مضمونه، والخبر جملة يقول في قوله: ﴿مَنْ يَقُولُ﴾؛ أي: وبعض الناس يقول: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾؛ أي: أقررنا بواحدانية الله ﴿فَإِذَا أُوذِيَ﴾ مجهول آذى يؤدي، كما سيأتي في مباحث الصرف؛ أي: إذا فُتن ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أي: في شأن الله تعالى ولأجله. والأذى (٢): ما يصل إلى الإنسان من ضرر، إما في نفسه أو في جسمه، أو في حرمه أو في ماله، كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات، من إيقاع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ سبحانه في الآخرة في الشدة والهول، ويستولي عليه خوف البشرية، إذ من لم يكن في حماية خوف الله وخشيته، يفترسه خوف الخلق، فيساوي بين العذابين، فيخاف العاجل الذي هو ساعة، ويهمل الآجل الذي هو باق لا ينقطع، فيرتد عن

стр. 9629

الدين، ولو علم شدة عذاب الله، وأن لا قدر لعذاب الناس عند عذابه تعالى لما ارتد، ولو قطع إربًا إربًا، ولما خاف من الناس وعذابهم، وفي الحديث "من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله يخوِّفه الله من كل شيء". وقال بعضهم: جعل فتنة الناس في الصرف عن الإيمان كعذاب الله في الصرف عن الكفر. وحاصل المعنى (١): أي ومن الناس فريق يقول: آمنا بالله وأقررنا بوحدانيته، فإذا آذاه المشركون لأجل إيمانه جعل فتنة الناس في الدنيا كعذاب الله في الآخرة، فارتد عن إيمانه ورجع إلى كفره، وكان يمكنه أن يصبر على الأذى، ويجعل قلبه مطمئنًا بالإيمان، ولكنه جعل فتنة الناس صارفةً له عن الإيمان، كما أن عذاب الله صارف للمؤمنين عن الكفر، وعذاب الناس له دافع، وعذاب الله ليس له دافع، وعذاب الناس يترتب عليه ثواب عظيم، وعذاب الله بعده العقاب الأليم. والمشقة إذا كانت مستتبعة للراحة العظيمة تطيب النفس لها ولا تعدها عذابًا، كما تُقطع السلعة المؤذية ولا تُعدُّ عذابًا، واعلم أن الأقسام ثلاثة: مؤمن ظاهرًا وباطنًا، ومؤمن ظاهرًا لا باطنًا، وكافر ظاهرًا وباطنًا. اهـ "رازي" كما مر. قال الزجاج: ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذى في الله، أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه وأبو يعلي وابن حبان وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم، عن أن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أُخفتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثالثة، وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا ما وارى إبط بلال". وخلاصة ذلك: أن من الناس من يدَّعون الإيمان بألسنتهم، فإذا جاءتهم محنة وفتنة في الدنيا، اعتقدوا أن هذا من نقمة الله تعالى منهم، فارتدوا عن الإِسلام، ورجعوا إلى الكفر الذي كان متغلغلًا في حنايا ضلوعهم، وشغاف

стр. 9630

قلوبهم، ونحو الآية قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾. ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لئن جاء نصر قريب من عند ربك للمؤمنين، وفتح وغلبة للأعداء، وكنيمة يغنمونها منهم، فالآية مدنية ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بضم اللام (١) نظرًا إلى معنى من، كما أن الإفراد فيما سبق بالنظر إلى لفظه، وقرىء: ﴿ليقولن﴾ بفتح اللام، ذكره أبو معاذ النحوي والزمخشري، ذكره أبو حيان في "البحر". أي: ليقولن هؤلاء المنافقون: ﴿إِنَّا كُنَّا﴾ داخلين ﴿مَعَكُمْ﴾ في دينكم ومعاونين لكم على عدوك فأشركونا في المغنم، وهم كاذبون فيما يدعون. ونحو الآية ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وهم ناس من ضعفة المسلمين، كانوا إذا مسهم أذى من الكفار وافقوهم، وكانوا يكتمونه من المسلمين، فرد الله عليهم وتوعدهم، وذكر أنه عليم بما في صدورهم، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، فقال: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿بِأَعْلَمَ﴾ منهم ﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾؛ أي: بما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق حتى يفعلوا ما يفعلون من الارتداد والإخفاء، وادعاء كونهم منهم لنيل الغنيمة. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَيْسَ﴾ لاستفهام التقريري، المضمن للتوبيخ، داخلة على محذوف تقديره: أيحسبون أن الله لا يعلم ما في صدورهم من النفاق، وليس الله سبحانه باعلم بما في صدور العالمين، وبما في قلوب المنافقين وما تكنه صدورهم، وإن أظهروا لكم الموافقة على الإيمان، فكيف يخادعون من لا تخفى عليه خافية، ولا يستتر عنه سر، والمعنى: قد علم ما انطوت عليه الضمائر من خير أو شر.

стр. 9631

والظاهر (١): أن هذا النظم من قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ نازل في المنافقين، لما يظهر من السياق، ١١ - ولقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالإخلاص ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ سواء كان نفاقهم بأذية الكفرة أو لا، فإنها لتقرير ما قبلها وتأكيده؛ أي: ليميزن الله بين الطائفتين، ويُظهر إخلاص المخلصين ونفاق المنافقين، فالمخلص الذي لا يتزلزل بما يصيبه من الأذى. ويصبر في حق الله الصبر، ولا يجعل فتنة الناس كعذاب الله، والمنافق الذي يميل هكذا وهكذا، فإن أصابه أذى من الكافرين وافقهم وتابعهم، وكفر بالله ، وإن خفقت ريح الإِسلام وطلع نصره ولاح فتحه رجع إلى الإِسلام، وزعم أنه من المسلمين. والمعنى: أي وعزتي وجلالي، ليختبرن الله (٢) عباده بالسراء والضراء، ليميز صادق الإيمان من المنافق، من يطيع الله في كل حال يصبر على اللاواء إذا مسته، ويعدها اختبارًا له، وأنه سيثاب عليها إذا هو فوَّض فيها إليه. ومن يعصيه إذا حزبه الأمر، واشتد به الخطب لا يجد الصبر إلى قلبه سبيلًا، ونحو الآية قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فإن قلت (٣): لِمَ غاير بين أسلوب الجملتين، حيث عبر في الأولى بالفعل حيث قال: ﴿اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وفي الثانية باسم الفاعل، حيث قال: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾؟ قلت: للتفنن أو لرعاية الفاصلة، كما في "البيضاوي". واعلم (٤): أن حقيقة الإيمان نور، إذا دخل قلب المؤمن لا تخرجه أذية الخلق، بل يزيد بالصبر على أذاهم، والتوكل على الله، فإنه نور حقيقي، أصلي ذاته، لا يتكدر بالعوارض، كنور الشمس والقمر فإنهما إذا طلعا يزداد نورهما

стр. 9632

بالارتفاع، ولا يقدر أحد أن يطفىء نورهما. وكنور الحجر الشفاف المضيء بالليل، فإنه لا يقبل الانطفاء مثل الشمعة؛ لأن نوره أصلي، ونور الشمعة عارضي. ثم إن في المحن والأذى تفاوتًا، فمن كانت محنته بموت قريب من الناس، أو فقد حبيب من الخلق أو نحوه .. فحقير قدره وكثير من الناس مثله، ومن كانت محنته لله وفي الله .. فعزيز قدره وقليل مثله، وقد كان كفار مكة يؤذون النبي ﷺ بأنواع الأذى فصبر. ١٢ - ولما ذكر حال المؤمنين والمنافقين ذكر مقالة الكافريق قولًا واعتقادًا، وهم رؤساء قريش فقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالله ورسوله، يعني: كفار مكة كالوليد بن المغيرة وأبي جهل وأصحابهما ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله كعلي وسلمان وغيرهما، واللام للتبليغ؛ أي: قال كفار مكة مخاطبين للمؤمنين استمالة ليرتدوا ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾؛ أي: اسلكوا طريقتنا التي نسلكها في الدين من عبادة الأوثان، عبر عن ذلك بالاتباع الذي هو المشي خلف ماش آخر، تنزيلًا للمسلك منزلة السالك فيه. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أي: ذنوبكم عنكم يوم القيامة، إن كان اتباع سبيلنا خطيئةً، تؤاخذون بها عند البعث والنشور، كما تقولون؛ أي: لا بعث ولا مؤاخذة، وإن وقع فرضًا نحمل آثامكم منكم. واللام: في ﴿لْنَحْمِلْ﴾ لام الأمر، كأنهم أمروا أنفسهم بذلك، وقال الفراء والزجاج: هو أمر في تأويل الشرط والجزاء؛ أي: إن تتبعوا سبيلنا نحمل خطاياكم، وقرأ الحسن وعيسى بكسر لام الأمر، وهو لغة الحجاز. ثم رد الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرأ (١) الجمهور: ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾ وقرأ داوود ابن أبي هند، فيما ذكر أبو الفضل الرازي ﴿من خطيئتهم﴾ بالإفراد، قال: ومعناه الجنس، ودل على ذلك إضافته لضمير

стр. 9633

الجمع، وذكر ابن خالويه وأبو عمرو الداني، أن داوود هذا قرأ: ﴿من خطيئاهم﴾ بجمع خطيئة جمع السلامة، بالألف والتاء، وذكر ابن عطية عنه أنه قرأ: ﴿من خطيئهم﴾ بفتح الطا وكسر الياء، وينبغي أن يُحمل كسر الياء على أنها همزة سُهِّلت بين بين فأشبهت الياء؛ لأن قياس تسهيلها هو ذلك. أي: والحال أنهم ليسوا بحاملين شيئًا من خطاياهم التي التزموا أن يحملوها كلها، فمن الأولى بيانية، والثانية مزيدة للاستغراق، ثم وصفهم الله سبحانه بالكذب في هذا التحمل، فقال: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في مقالتهم فيما ضمنوا به من حمل خطاياهم. ومعنى الآية (١): أي وقال الكافرون من قريش، لمن آمن منهم، واتبعوا الهدى: ارجعوا إلى ديننا الذي كنتم عليه، واسلكوا طريقنا، وإن كانت عليكم آثام فعلينا تبعتها، وهي في رقابنا، كما يقول القائل: افعل هذا وخطيئتك في رقبتي، فرد الله عليهم كذبهم، فقال: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ أي: وإن الكفرة لا يحملون ذنوب المؤمنين إذا اتبعوهم في الكفر يوم القيامة، فإن أحدًا لا يحمل وزر أحد، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وقال: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾. ثم أكد ما سبق وقرره بقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما قالوا من أنهم يحملون عنهم الخطايا. قال صاحب "الكشاف": وترى (٢) من المتسمين بالإِسلام من يستن بأولئك، فيقول لصاحبه، إذا أراد أن يشجعه على ارتكاب بعض العظائم كالقتل: افعل هذا وإثمه في عنقي، وكم من مغرور بمثل هذا الضمان من ضعفة العامة وجهلتهم. اهـ. ١٣ - وبعد أن بين عدم منفعة كلامهم لمخاطبيهم. بيَّن ما يستتبعه ذلك القول من المضرة لأنفسهم، فقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، ليحملن هؤلاء القائلون ذنوب أنفسهم التي عملوها يوم القيامة، والتعبير عنها بالأثقال

стр. 9634

للإيذان بأنها ذنوب عظيمة ﴿و﴾ يحملون ﴿أَثْقَالًا﴾ وذنوبًا أخرى لإضلالهم ﴿مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أي: مع أثقال ضلالهم، فيعذبون بضلال أنفسهم وإضلال غيرهم، من غير أن ينقص من أثقال من أضلوه شيء ما أصلًا، فتكون أثقال المضلين زائدةً على أثقال الضالين؛ لأن من دعا إلى ضلالة فاتُّبع، فعليه حمل أوزار الذين اتبعوه، وكذا من سن سنةً سيئة، كما ورد في حديث أبي هريرة الثابت في "صحيح مسلم" وغيره. ثم ذكر أنهم يُسألون يوم القيامة عن افترائهم على ربهم، فقال: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ سؤال تقريع وتبكيت لِمَ فعلوه، ولأيِّ حجة ارتكبوه ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أي: عما كانوا يختلقونه من الأكاذيب والأباطيل التي أضلوا بها من قولهم، ولنحمل خطاياكم، فإنه صادر من اعتقادهم أن لا خطيئة في الكفر، ومن اعتقادهم أن لا حشر، ويقال لهم: احملوا خطاياهم فلا يحملون، ويقال لهم: افتريتم في الدنيا بحملها، فأين ذلك الوعد والافتراء الآن. قصص نوح ﵇ ١٤ - ثم أجمل سبحانه قصة نوح ﵇ تصديقًا لقوله في أول السورة: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ للدعوة إلى التوحيد وطريق الحق، من قبل إرسالنا إياك يا محمد ﴿نُوحًا﴾ واسمه عبد الغفار، كما ذكره السهيلي في كتاب "التعريف"، وعبد الشاكر، كما ذكره أبو الليث في "البستان"، وسمي نوحًا لكثر نوحه وبكائه من خوف الله تعالى، وُلد بعد مضيّ ألف وست مئة واثنتين وأربعين سنة من هبوط آدم ﵇، قال في "التحبير" (١) روى ابن جرير عن ابن عباس، أن نوحًا بعث وهو ابن ثلاث مئة وخمسين، وهو نوح بن لمك بفتح اللام وسكون الميم والكاف ابن متوشلخ - بضم الميم وفتح التاء الفوقية، والواو وسكون الشين وكسر اللام وبالخاء المعجمة، كما ضبطه ابن الأثير - بن إدريس بن بزد بن أهاليل بن قيتان بن أنوش بن شيث بن آدم، وبين

стр. 9635

آدم ونوح ألف سنة، اهـ. وفي "القرطبي": وكان اسم نوح السكن، وإنما سمي السكن؛ لأن الناس بعد آدم سكنوا إليه، فهو أبوهم. ووُلد له سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم، وفي كل هؤلاء خير، وولد حام القبط والسودان وبربر، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، وليس في كل هؤلاء خير، وقال ابن عباس: في ولد سام بياض وأدمة، وفي ولد حام سواد وبياض قليل، وفي ولد يافث الصفرة والحمرة، وكان له ولد رابع وهو كنعان الذي غرق، والعرب تسميه يام. ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ وهم أهل الدنيا كلها، والفرق (١) بين عموم رسالته وبين عموم رسالة نبينا ﷺ : أن نبينا ﷺ مبعوث إلى من في زمانه، وإلى من بعده إلى يوم القيامة، بخلاف نوح، فإنه مرسل إلى جميع أهل الأرض في زمانه لا بعده. كما في "إنسان العيون". وهو أول نبي بُعث إلى عبدة الأصنام؛ لأن عبادة الأصنام أول ما حدثت في قومه، فأرسله الله إليهم ينهاهم عن ذلك، وأيضًا أول نبي بُعث إلى الأقارب والأجانب، وأما آدم فأول رسل الله إلى أولاده بالإيمان به وتعليم شرائعه، وهو؛ أي: نوح ﵇ أبونا الأصغر، وقبره بكرك (بالفتح) من أرض الشام، كما في "فتح الرحمن". وفي "الخطيب": (٢) وأما قبره: فقد روح ابن جرير والأزرقي حديثًا مرسلًا، أن قبره بالمسجد الحرام، وقيل: ببلد البقاع يُعرف اليوم بكرك نوح، وهناك جامع قد بُني بسبب ذلك، اهـ. ﴿فَلَبِثَ﴾ نوح ﵇؛ أي: مكث وأقام ﴿فِيهِمْ﴾؛ أي: في قومه بعد الإرسال ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته فلم يجيبوه، والألف العدد المخصوص، سمي بذلك لكون الأعداد فيه مؤلفة، فإن الأعداد أربعة آحاد وعشرات ومئون وألوف، فإذا بلغ الألف فقد ائتلف وما بعده ويكون مكررًا، قال

стр. 9636

بعضهم: الألف من ذلك؛ لأنه مبدأ النظام ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، قال ابن عباس: كان عمر نوح ﵇ ألفًا وخمسين سنة بُعث على رأس أربعين سنة، ولبث في قومه تسع مئة وخمسين سنة، وعاش بعد الطوفان ستين سنة. والعام (١) كالسنة، لكن كثيرًا ما تُستعمل السنة في الحول الذي فيه الشدة والجدب، ولهذا يعبر عن الجدب بالسنة، والعام فيما فيه الرخاء. فإن قلت: لِم غاير بين تمييز العددين، فقال في الأول: سنة، وفي الثاني عامًا؟ قلت: فرارًا من ثقل التكرار؛ لأن التكرار في الكلام الواحد مجتنب في البلاغة، إلا إذا كان لغرض من تفخيم أو تهويل أو تنويه، ذكره أبو حيان. فإن قلت: لِمَ خص لفظ العام بالخمسين والألف بالسنة ولم يعكس؟ قلت: إيذانًا بأن نوحًا عاش بعد إغراق قومه ستين سنة في طيب زمان وصفاء عيش، وراحة بال، والعرب تعبر عن الخصب بالعام، وعن الجدب بالسنة. اهـ. "سمين". وقيل: سمى السنة عامًا لعوم الشمس في جميع بروجها. والعوم السباحة، ويدل على معنى العوم قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. فإن قلت: ما الفائدة في ذكر مدة لبثه؟ قلت: كان رسول الله ﷺ يضيق صدره بسبب عدم دخول الكفار في الإِسلام، فقال الله سبحانه له: إن نوحًا لبث هذا العدد الكثير، ولم يؤمن من قومه إلا القليل، فصبر وما ضجر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك وكثرة عدد أمتك. اهـ "رازي". فإن قلت (٢): ما فائدة العدول إلى ما قاله عن تسع مئة وخمسين مع أنه عادة الحُسَّاب؟ قلت: عدل إلى ما قاله؛ لأن: الاستثناء يدل على التحقيق، وتركه قد يُظنُّ

стр. 9637

به التقريب، فهو كقول القائل: عاش فلان مئة سنة، فقد يُتوهم السامع أنه يريد مئة سنة تقريبًا لا تحقيقًا. فإن قال: مئة سنة إلا شهرًا .. زال ذلك التوهم وفُهم منه التحقيق، الاستثناء من الألف استُدل به على جواز الاستثناء من العدد، وفي كونه ثابتًا من لسان العرب خلاف مذكور في النحو، وقد عمل الفقهاء المسائل على جواز ذلك. ومعنى الآية (١): فلبث بين أظهرهم تسع مئة وخمسمين سنة يخوِّفهم من عذاب الله، ولا يلتفتون إليه، وإنما ذكر الألف تخييلًا لطول المدة إلى السامع؛ أي: ليكون أفخم في أذنه، ثم أخرج منها الخمسين إيضاحًا لمجموع العدد. والفاء في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ للتعقيب؛ أي: أغرقهم عقيب تمام، المدة المذكورة الماء الكثير، المحيط بهم، المرتفع على أعلى جبل أربعين ذراعًا، أو خمسة عشر ذراعًا. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم مستمرون على ظلمهم وكفرهم. قال ابن عباس: مشركون، والطوفان - كما سيأتي - يُطلق على كل ما يطوف بالشيء ويحيط به، على كثرة وشدة وغلبة، من السيل والريح والظلام والقتل والموت والطاعون والجدري والحصبة والمجاعة، وقد غلب على طوفان الماء، وقد طاف الماء ذلك اليوم بجميع الأرض، والحال أنهم مستمرون على الظلم والكفر، لم يستمعوا إلى داير الحق هذه الدة المتمادية، ولم ينجع فيهم ما وعظهم به نوح، وذكَّرهم هذه المدة بطولها ١٥ - ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾؛ أي: فأنجينا نوحًا من الغرق والابتلاء بمشاق الكفرة ﴿وَ﴾ أنجينا ﴿أَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ أي: ومن ركب معه فيها من أولاده وأتباعه. واختُلف في عددهم على أقوال: قيل (٢): كانوا ثمانين، وقيل: ثمانيةً وسبعين، وقيل: عشرة، نصفهم ذكور ونصفهم أناث. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾؛ أي: السفينة ﴿آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾؛ أي: عبرةً عظيمةً لمن بعدهم من الأهالي يتعظون بها، أو دلالة

стр. 9638

يستدلون بها على قدرة الله سبحانه، وقيل: إن الضمير في جعلناها عائد إلى الواقعة، أو إلى النجاة، أو إلى العقوبة بالغرق، قال أبو الليث في "تفسيره": وقد بقيت السفينة على الجودي إلى قريب من وقت خروج النبي ﷺ ، وبين الطوفان والهجرة الشريفة ثلاثة آلاف وتسع مئة وأربع وسبعون سنة، على ما في "فتح الرحمن"، وكان ذلك علامة وعبرة لمن رآها ولمن لم يرها؛ لأن الخبر قد بلغه، وقال بعضهم: سفينة نوح أول سفينة في الدنيا، فأبقيت السفن آيةً وعبرةً للخلائق وعلامةً من سفينة نوح، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾. روي (١): أن نوحًا بُعث على رأس الأربعين، ودعا قومه تسع مئة وخمسين عامًا، وعاش بعد الطوفان ستين عامًا حتى كثر الناس وفشوا، وذلك من أولاد حام وسام ويافث؛ لأنهم لما خرجوا من السفينة ماتوا كلهم إلا أولاد نوح، كما في "البستان"، فيكون عمره ألفًا وخمسين عامًا، وهو أطول الأنبياء عمرًا، فلما حضره الموت قال له ملك الموت: يا أطول الأنبياء عمرًا، كيف وجدت الدنيا؟ قال: وجدتها كدار لها بابان دخلت وخرجت،، وما أحسن ما قيل فيها: أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا كَظِلِّ سَحَابَةٍ ... أَظَلَّتْكَ يَوْمًا ثُمَّ عَنْكَ اضْمَحَلَّتِ فَلاَ تَكُ فَرْحَانًا بِهَا حِيْنَ أَقْبَلَتْ ... وَلا تَكُ جَزْعَانًا بِهَا حِيْنَ وَلَّتِ قال الحسن: أفضل الناس يوم القيامة المؤمن المعمر، انتهى. اللهم أركبنا جواري الشريعة، وأوصلنا بها إلى صحارى الجنة، فليجِدَّ مَنْ وقع في طوفان نفسه حتى يجد الخلاص، وإليه الملجأ والمناص. وحاصل معنى الآيتين: أن الله أرسل (٢) نوحًا إلى قومه فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله ليلًا ونهارًا سرًا وجهرًا، وما زادهم ذلك إلا فرارًا من الحق، وإعراضًا عنه، وتكذيبًا له، وما آمن معه إلا قليل منهم، فأنزل الله عليهم الطوفان، فأهلكهم وهم مستمرون في الظلم، لم

стр. 9639

يتأثروا بما سمعوا من نوح من الآيات، ولم يرعووا عما هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة، فأنجى الله نوحًا ومن معه ممن ركب السفينة من أتباعه، وكانت تلك السفينة عبرةً وموعظة أمدًا طويلًا مدة بقائها على جبل الجودي، ينظر إليها الناس، وترشدهم إلى نعمته على خلقه بالنجاة من الطوفان، كما قال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾. وقد تقدم تفصيل هذا في سورة هود. العبرة من هذا القصص: لا يحزننك أيها الرسول ما تلقى من هؤلاء المشركين أنت وأصحابك من الأذى، فإني وإن أمليت لهم وأطلت إملاءهم، فإن مصيرهم إلى البوار، ومصيرك ومصير أصحابك إلى العلو والنصر كفعلنا بقوم نوح، إذ أغرقناهم بالطوفان، وأنجينا نوحًا وأتباعه من راكبي السفينة، وجعلناها عبرة للعالمين، وفي ذلك إيماء إلى أن نوحًا قد لبث هذا الأمد الطويل، يدعو قومه ولم يؤمن إلا القليل فصبر وظفر، فأنت أولى بالصبر لقلة مدة لبثك، وكثرة عدد أمتك. قصة إبراهيم ﵇ ١٦ - وقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ منصوب عطفًا على نوحًا؛ أي: ولقد أرسلنا إبراهيم ﵇، من قبل إرسالنا إياك يا محمد، أو منصوب باذكر مقدرًا، وقوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ (١) بدل اشتمال من إبراهيم؛ لأن الأحيان تشتمل على ما فيها؛ أي: واذكر إبراهيم وقت قوله لقومه، أو ظرف لأرسلناك المقدر؛ أي: ولقد أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن، أو العلم مبلغًا صلح فيه لأن يعظ قومه، ويأمرهم بالعبادة والتقوى. قرأ الجمهور (٢): ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ بالنصب، ووجهه ما قدمنا، وقرأ النخعي وأبو جعفر وأبو حنيفة: بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، تقديره؛ أي: ومن المرسلين إبراهيم.

стр. 9640

وهذه القصة تمثيل لقريش، وتذكير لحال أبيهم إبراهيم، من رفض الأصنام، والدعوى إلى عبادة الله سبحانه؛ أي: واذكر يا محمد لقومك قصة إبراهيم إذ قال: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ أهل بابل، ومنهم نمرود، وكان نمرود وأهل مدينته عباد أصنام، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده ولا تشركوا به شيئًا ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي: خافوا عقابه بامتثال أوامره وأجتناب نواهيه، فقوله (١): ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إشارة إلى إثبات الإله الواحد، وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ إشارة إلى نفي غيره. وقيل: فاعبدوا الله، إشارة إلى الإتيان بالواجبات، فيدخل فيه الاعتراف بالله، واتقوه: إشارة إلى الامتناع من المحرمات، فيدخل فيه الامتناع من الشرك. ﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور من عبادة الله وتقواه ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: أفضل لكم مما أنتم عليه من الشرك والمعاصي، ومعنى التفضيل مع أنه لا خير قطعًا باعتبار زعمهم الباطل ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير والشر، وتميزون أحدهما عن الآخر، أو كنتم تنظرون في الأمور بنظر الحلم دون نظر الجهل، أو إن كان لكم علم بما هو خير لكم، مما هو شر لكم فاعبدوه واتقوه. ومعنى الآية (٢): أي واذكر يا محمد لقومك قصص إبراهيم حين كمل عقله، وقدر على النظر والاستدلال، وترقى من مرتبة الكمال إلى مرتبة إرشاد الخلق، وتصدى للدعوة إلى طريق الحق، فدعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والإخلاص له في السر والعلن، واتقاء لسخطه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه. ثم بين لهم فائدة ذلك، فقال: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أي: فذلك الذي آمركم به خير لكم مما أنتم عليه، إن كان لديكم ذرة من الإدراك والعلم، تميزون بها الخير من الشر، وتعلمون ما ينفعكم في مستأنف حياتكم الدنيوية والأخروية. ١٧ - ثم أرشدهم إلى فضل ما يدعوهم إليه، وفساد ما هم عليه بقوله: ﴿إِنَّمَا

стр. 9641

تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾؛ أي: أحجارًا لا تستحق العبادة ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾؛ أي: وتكذبون حيث تسمونها آلهة، وتدعون أنها شفعاؤكم؛ أي: ما تعبدون من دون الله إلا تماثيل هي مصنوعة بأيديكم لا تنفع ولا تضر، ولا تسمع ولا تبصر، وتفترون كذبًا حين تسمونها آلهة، وتدعون أنها تشفع لكم عند ربكم، والأوثان هي الأصنام. وقال أبو عبيدة: الصنم ما يتخذ من ذهب أو فضة أو نحاس، والوثن ما يتخذ من جص أو حجارة، وقال الجوهري: الوثن الصنم، والجمع أوثان، وقال بعضهم (١): الصنم هو الذي يؤلف على صورة الإنسان سواء كانت من ذهب أو فضة أو حجر أو غيرها، والوثن هو ما يؤلف من حجر أو شجر على غير صورة الإنسان، يقال خلق واختلق؛ أي: افترى لسانًا أو يدًا كنحت الأصنام، كما في "كشف الأسرار". والإفك: أسوأ الكذب، والمعنى: وتكذبون كذبًا حيث تسمونها آلهة، وتدعون أنها شفعاؤكم عند الله، وهو استدلال على شرارة ما هم عليه، من حيث إنه زور وباطل. وقرأ الجمهور (٢): ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ مضارع خلق الثلاثي ﴿إِفْكًا﴾ بكسر الهمزة وسكون الفاء، وقرأ علي والسلمي وعون العقيلي وعبادة وابن أبي ليلى وزيد بن علي ﴿تخلقون﴾ بفتح التاء والخاء واللام مشددة، قال ابن مجاهد: رويت عن ابن الزبير، وأصله تتخلقون، بتاءين فحذفت إحداهما على الخلاف الذي في المحذوفة، وقرأ زيد بن علي فيما ذكر الأهوازي ﴿تُخَلِّقون﴾ من خلَّق المضعف، وقرأ ابن السميفع وأبو المتوكل: ﴿تختلقون﴾ بزيادة التاء، من اختلق من باب افتعل الخماسي، وقرأ ابن الزبير وفضيل بن زرقان ﴿إِفْكًا﴾ بفتح الهمزة وكسر الفاء، وهو مصدر مثل الكذب. قال ابن عباس: وتخلقون إفكا هو نحت الأصنام وخلقا، سماها إفكًا توسعًا من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة.

стр. 9642

ثم استدل على شرارة ذاك، من حيث إنه لا يجدي بطائل، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأوثان ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾؛ أي: لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئًا من الرزق. ﴿فَابْتَغُوا﴾؛ أي: فاطلبوا يا قوم ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ كله فإنه القادر على إيصال الرزق إليكم؛ أي: اصرفوا رغبتكم في أرزاقكم إلى الله سبحانه، فهو الذي عنده الرزق كله، فاسألوه من فضله ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ دون غيره لكونه مستحقًا للعبادة لذاته، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على نعمائه متوسلين إلى مطالبكم بعبادته، مقيدين للنعمة بالشكر، ومستجلبين بالمزيد، فإن الشكر موجب لبقائها، وسبب للمزيد عليها، قال (١) ابن عطاء: اطلبوا الرزق بالطاعة والإقبال على العبادة، وقال سهل: اطلبوا الرزق في التوكل، لا في الكسب، وهذا سبيل العوام. ﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: تردون بالموت ثم بالبعث، فافعلوا ما أمرتكم به فهو خير لكم. فائدة (٢): ذكر الرزق أولًا، ثم عرَّفه ثانيًا، في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؛ لأنه أراد بذلك أن الذين تعبدون من دون الله لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، فابتغوا عند الله الرزق كله، فإنه هو الرازق لا غيره، ١٨ - وقوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ من قول إبراهيم ﵇ لقومه، والمعنى عليه أي (٣): وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به، من أنكم إليه تعالى ترجعون بالبعث، فلا تضروني بتكذيبكم، فإن من قبلكم من الأمم قد كذبوا من قبلي من الرسل، وهم شيث وإدريس ونوح ﵈، فلم يضروهم بتكذيبهم شيئًا، أو من قول الله سبحانه في شأن رسول الله ﷺ ، وشأن قريش، معترض بين أول قصة إبراهيم وآخرها، والمعنى عليه أي: وإن تكذبوا محمدًا ﷺ ، فذلك عادة الكفار مع من سلف من الرسل ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ الذي أُرسل إلى أمة من الأمم ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: إلا التبيلغ الواضح الذي لا يبقى معه شك ولا إشكال، ولا شبهة

стр. 9643

إلى القوم الذي أرسل إليهم، وليس عليه هدايتهم وليس ذلك في وسعه. وحاصل معنى الآيتين (١): أي إن أوثانكم التي تعبدونها لا تقدر أن ترزقكم شيئًا من الرزق، الذي لا قوام لكم بدونه، فكيف تعبدونها، ثم ذكر لهم من ينبغي أن يعبد ويبتغى منه الرزق، فقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ إلخ؛ أي: فالتمسوا الرزق عند الله لا عند أوثانكم، تدركوا ما تطلبون، واعبدوه وحده، واشكروا له نعمه عليكم، مستجلبين بذلك المزيد من فضله، وبعد أن ذَكَر أنه هو الرازق في الدنيا والمنعم على عباده، بيَّن أن المرجع إليه في الآخرة، فهو الذي يُطلب رضاه، والتقرب إليه والزلفى عنده، فقال: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ أي: واستعدوا للقائه تعالى بالعبادة والشكر له، فإنكم إليه ترجعون فيسألكم عما أنتم عليه من عبادتكم غيره، وأنتم عباده وخلقه، وفي نعمه تتقلبون، ومن رزقه تأكلون. ولما فرغ من إرشادهم إلى الدين الحق .. حذرهم من تركه وهددهم بما حل بمن قبلهم من المكذبين للرسل، فقال: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ إلخ؛ أي: وإن تصدقوني فقد فزتم بسعادة الدارين، وإن تكذبوني فيما أخبرتكم به فلا تضروني بتكذيبكم، فقد كذب أمم من قبلكم رسلهم، كقوم إدريس ونوح، فجرى الأمر على ما سنه الله تعالى في الخلق، من نجاة المصدقين للرسل وهلاك العاصين لهم. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ أي: وما ضر ذلك الرسل شيئًا، بل هم قد ضروا أنفسهم، فما على الرسول إلا التبليغ الذي لا يبقى معه شك، وهو المقترن بآيات الله ومعجزاته، وما عليه أن يصدقه قومه، وقد خرجت من عهدة التبليغ، ولا عليَّ بعد ذلك أصدقتم أم كذبتم. ١٩ - ولما بين الله (٢) الأصل الأول وهو التوحيد، وأشار إلى الثاني وهو الرسالة، بقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ شرع في بيان الأصل الثالث وهو الحشر، وهذه الأصول الثلاثة لا ينفك بعضها عن بعض في

стр. 9644

الذكر الإلهي، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ والهمزة فيه للاستفهام الإنكاري؛ أي (١): لإنكار عدم رؤيتهم، الموجب لتقريرها داخلة على محذوف، والواو عاطفة على كذلك المحذوف، والتقدير: ألم ينظروا؛ أي: أهل مكة وكفار قريش، ولم يروا؛ أي: ولم يعلموا علمًا، جاريًا مجرى الرؤية في الجلاء والظهور ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ أي: يخلقهم ولم يكونوا شيئًا مذكورًا، ويخلقهم من نطفة من غذاء، هو ماء وتراب، وهذا القدر كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة، فإن الإعادة مثل البدء؛ أي: ألم يعلموا كيفية خلق الله ابتداء من مادة ومن غير مادة؛ أي: قد علموا. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ أي: ثم هو يعيد الخلق، ويردهم إلى الوجود في الآخرة عند البعث، وهو معطوف (٢) على قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ لا على يبدأ، لعدم وقوع الرؤية عنيه، فهو إخبار بأنه تعالى يعيد الخلق، قياسًا على الإبداء. فإن قلت: أوليس هذا من عطف الخبر على الإنشاء؟ أجيب: بأن الاستفهام فيه لما كان للإنكار، وتقرير الرؤية، كان إخبارًا من حيث المعنى؛ أي: قد رأوا ذلك وعلموه. اهـ "زاده". وقد جُوِّز العطف على (يبدأ) بتاويل الإعادة، بإنشائه تعالى كل سنة ما أنشأه في السنة السابقة، من النبات والثمار وغيرهما، فإن ذلك مما يستدل به على صحة البعث، ووقوعه من غير ريب. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور من الإعادة، أو من الخلق الأول والخلق الثاني ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾؛ أي: سهل لا نصب فيه، إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء من الاْسباب؛ لأنه إذا أراد أمرًا قال: له كن، فيكون. وحاصل المعنى (٣): أن إبراهيم خليل الرحمن ﵇، أرشد قومه إلى إثيات المعاد الذي ينكرونه، بما يشاهدونه في أنفسهم من خلقهم، بعد أن لم

стр. 9645

يكونوا شيئًا مذكورًا، ثم إعطائهم السمع والبصر والأفئدة وتصرفهم في الحياة إلى حين، ثم موتهم بعد ذلك، والذي بدأ هذا قادر على أن يعيده بل هو أهون عليه، كما قال في آية أخرى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾. وخلاصة هذا: أنتم قد علمتم ذلك، فكيف تنكرون الإعادة، وهي أهون عليه. وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بخلاف عنه (١): ﴿تروا﴾ بتاء الخطاب، وباقي السبعة بالياء، والجمهور ﴿يُبْدِئُ﴾ مضارع أبدأ الرباعي، وقرأ الزبير وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه ﴿يبدأ﴾ مضارع بدأ الثلاثي، وقرأ الزهري ﴿كيف بدا الخلق﴾ بتخفيف الهمزة بإبدالها ألفًا، فذهبت في الوصل، وهو تخفيف غير قياسي وقياس تخفيف هذا التسهيل بين بين. والمعنى: ألم يروا كيف يخلقهم الله ابتداء نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم ينفخ فيه الروح، ثم يخرجه إلى الدنيا، ثم يتوفاه بعد ذلك، وكذلك سائر الحيوانات، وسائر النباتات، فإذا رأيتم قدرة الله سبحانه على الابتداء والإيجاد أولًا، فهو القادر على الإعادة. ٢٠ - ثم أمر الله سبحانه إبراهيم (٢) أن يأمر قومه بالمسير في الأرض، ليتفكروا ويعتبروا، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا إبراهيم، لقومك المنكرين للبعث ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: سافروا في أقطار الأرض ونواحيها ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؛ أي: فانظروا إلى الأشياء المخلوقة، كيف خلقها ابتداء على كثرتها، واختلاف ألوانها وطبائعها، وألسنتها وأفعالها ومعيشتها، وانظروا إلى مساكن القرون الماضية، والأمم الخالية وآثارهم، لتعلموا بذلك كمال قدرة الله ، وقيل: إن المعنى: قل يا محمد لمشركي العرب، ومنكري البعث: سيروا في نواحي الأرض فانظروا بأعينكم كيف خلق الله الخلق ابتداء على تلك الأشكال العجيبة، والأحوال الغريبة، لتعلموا قدرة الصانع الحكيم والمدبر العلم.

стр. 9646

﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ الذي بدأ النشاة الأولى وخلقها على تلك الكيفية العجيبة والأشكال الغريبة ﴿ينشئـ﴾ ـها ﴿النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾؛ أي: نشأة ثانية عند البعث. والنشأة (١) مصدر مؤكد لينشىء بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة، قال الراغب: الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته، وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان، اهـ. أو على حذف العامل؛ أي: ينشىء فينشؤون النشأة الآخرة، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ أي: فنبتت نباتًا حسنًا، والنشاة الآخرة هي النشأة الثانية، وهي نشأة القيام من القبور، والجملة معطوفة على جملة سيروا في الأرض، داخلة معها في حيز القول، وعطف الإخبار على الإنشاء جائز فيما له محل من الإعراب، وإنما لم تُعطف على قوله: ﴿بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؛ لأن النظر غير واقع على إنشاء النشأة الآخرة، فإن الفكر يكون في الدليل، لا في النتيجة. والمعنى: ثم الله يوجد الإيجاد الآخر، ويحيي الحياة الثانية؛ أي: بعد النشاة الأولى التي شاهدتموها، وهي الإبداء، فإنه والإعادة نشأتان من حيث إن كلًّا إبداع وإخراج من العدم إلى الوجود. وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تعليل لما قبلها؛ لأن قدرته لذاته، ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على حد سواء، فيقدر على النشاة الأخرى، كما قدر على النشأة الأولى، فمن علم قدرته تعالى على جميع الأشياء التي منها النشاة الآخرة، لا يتصور أن يتردد في وقوع الإعادة بعدما أخبر الله به. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (٢): ﴿النشآءة﴾ هنا، وفي النجم والواقعة على وزن فعالة، وباقي السبعة النشأة على وزن فعلة، وهما كالرآفة والرأفة وهما لغتان، والقصر أشهر، وفي الآية الأولى صرح سبحانه باسمه في قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ ثم أضمر في قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهنا عكس أضمر في بدأ، ثم أبرزه في قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ حتى لا تخلو الجملتان من صريح اسمه، ودل إبرازه هنا على تفخيم النشأة الآخرة وتعظيم أمرها، وتقرير وجودها إذ كان نزاع

стр. 9647

الكفار فيها، فكأنه قيل: ثم ذلك الذي بدأ الخلق هو الذي ينشأ النشأة الآخرة، فكان التصريح باسمه أفخم في إسناد النشأة إليه. وحاصل معنى الآية (١): أي سيروا في الأرض وشاهدوا السموات وما فيها من الكواكب النيِّرة ثوابتها وسياراتها، والأرض، وما فيها من جبال ومهاد وبراري وقفار وأشجار وثمار وأنهار وبحار، فكل ذلك شاهد على حدوثها في أنفسها، وعلى وجود صانعها الذي يقول للشيء كن فيكون، أوليس من فعل هذا بقادر على أن ينشئه نشأة أخرى، ويوجده مرة ثانية. وهو القادر على كل شيء، وشبيه بالآية قوله في الآية الأخرى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. ٢١ - ولما أقام الدليل على الإعادة، رتب عليها ما سيكون بعدها، فقال: ﴿يُعَذِّبُ﴾ سبحانه بعد النشأة الآخرة ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ ويريد تعذيبه من الكفار والعصاة، ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمته من المؤمنين به، المصدقين لرسله، العاملين بأوامره ونواهيه، وتقديم (٢) التعذيب لما أن الترهيب أنسب بالمقام من الترغيب؛ لأن الكلام مع الكفار مكذبي الرسل. ﴿وَإِلَيْهِ﴾ تعالى لا إلى غيره ﴿تُقْلَبُونَ﴾؛ أي: تردون بالبعث، فيفعل بكم ما يشاء من التعذيب والرحمة، مجازاة على أعمالكم. والمعنى: أي يعذب سبحانه من يشاء منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة، بعدله في حكمه بحسب سننه في خلقه، ويرحم من يشاء بفضله ورحمته، فهو الحاكم المتصرف يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون. ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾؛ أي: وإليه سبحانه تردون بعد موتكم. والمراد: أنه إن تأخر ذلك عنكم، فلا تظنوا أنه قد فات، فإن إليه إيابكم وعليه حسابكم، وعنده يُدَّخر ثوابكم وعقابكم ٢٢ - ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أي:

стр. 9648

بممتنعين عن إجراء حكمه وقضائه عليكم، وإن هربتم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ الواسعة بالتواري فيها ﴿وَلَا﴾ بالتحصن ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ التي هي أوسع من الأرض، لو استطعتم الترقي فيها، يعني كنتم في الأرض أو في السماء لا تقدرون أن تهربوا منه، فهو يُدرككم لا محالة، ويُجرى عليكم أحكام تقديره، والخطاب فيها لجميع الناس. والمعنى (١): أنه تعالى لا يعجزه أحد من أهل سمواته ولا أرضه، بل هو القاهر فوق عباده، فكل شيء فقير إليه، فلو صعد إلى السماكين أو هبط إلى موضع السُّمولِ في الماء ما خرج من قبضته، وما استطاع الهرب منه، وقيل (٢): هذا خطاب لقوم فيهم النموود الذي حاول الصعود إلى السماء، وزاد هنا لفظة ﴿ولا في السماء﴾، واقتصر في الشورى على ﴿في الأرض﴾؛ لأن ما هنا خطاب لقوم فيهم النمرود، الذي حاول الصعود إلى السماء فأخبرهم بعجزهم، وأنهم لا يفوتون الله لا في الأرض ولا في السماء، وما في الشورى خطاب للمؤمنين بقرينة قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقد حذفا معًا للاختصار في قوله في الزمر ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾. اهـ زكريا. ولما بيَّن أنهم مقدور عليهم جميعًا، لا يفلتون منه، ذكر إنه لا يستطيع أحد نصرهم، فقال: ﴿وَمَا﴾ كان ﴿لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ أي: قريب يلي أموركم ويحرسكم من أن يصيبكم بلاء أرضي أو سماوي ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عذاب الله عنكم إن قُدِّر عليكم، يعني ليس غيره تعالى يحرسكم مما يصيبكم من بلاء يظهو من الأرض أو ينزل من السماء، ويدفعه عنكم إن أراد بكم ذلك، قال بعضهم: الولي (٣) الذي يدفع المكروه عن الإنسان والنصير الذي يأمر بدفعه عنه، والولي أخص من النصير، إذ قد ينصر من ليس بولي، انتهى. ٢٣ - ولما قرر التوحيد والبعث، هدد من خالفهما وتوعده فقال: ﴿وَالَّذِينَ

стр. 9649

كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ سبحانه؛ أي: بدلائله التكوينية والتنزيلية، الدالة على ذاته وصفاته وأفعاله، فيدخل فيها النشاة الأولى الدالة على تحقق البعث، والآيات الناقة دخولًا أوليًا، قال في "كشف الأسرار": الكفر بآيات الله أن لا يستدل بها عليه، وتُنسب إلى غيره، ويجحد موضع النعمة فيها. ﴿وَلِقَائِهِ﴾ الذي تنطق به تلك الآيات، ومعنى (١) الكفر بلقاء الله: جحود الورود عليه، وإنكار البعث وقيام الساعة والحساب والجنة والنار. ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذُكر من الكفر بآياته تعالى ولقائه ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ قنطوا منها في الدنيا، لإنكارهم البعثث والجزاء، فلا يرجون الجنة؛ لأنه لم ينجع فيهم ما نزل من كتب الله، ولا ما أخبرتهم به رسله، أو ييأسون منها يوم القيامة، والتعبير بصيغة الماضي للدلالة على تحققه، واليأس: انقطاع الطمع، كما في "المفردات". ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بالكفر بالآيات واللقاء، وباليأس من الرحمة الممتازون بذلك عن سائر الكفرة ﴿لَهُمْ﴾ بسبب تلك الأوصاف القبيحة ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ أي: وجيع لا يقادر قدره في الشدة والإيلام. وقرأ الجمور: ﴿يَئِسُوا﴾! بالهمز، وقرأ الذماري وأبو جعفر بغير همز، بل بياء بدل الهمز، ذكره أبو حيان. كرر سبحانه الإشارة للتأكيد (٢)، ووصف العذاب بكونه أليمًا للدلالة على أنه في غاية الشدة، وأضاف (٣) الرحمة إلى نفسه، ولم يُضف العذاب إليها لسبق رحمته، وإعلامًا لعباده بعمومها لهم، ويأسهم من رحمة الله تعالى؛ لأنه سبحانه له في كل شيء آية دالة على وحدانيته، فإذا أشرك أحد كفر بآيات الله، وإذا أنكر الحشر كفر بلقاء الله، وأخرج نفسه عن محل رحمة الله، وإذا جعل له آلهة لم يقر

стр. 9650

بالحاجة إلى طريق متعين، فييأس من رحمة الله، ولما أنكر الحشر وقال: لا عذاب عذبه الله سبحانه تحقيقًا للأمر عليه، فعدم الرحمة يناسب الإشراك، والعذاب الأليم يناسب إنكار الحشر. وقال في "الخازن" قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ آخر الآيات في تذكير أهل مكة، ثم عاد إلى قصة إبراهيم ﵇ فقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ إلخ. قال أبو حيان (١): والظاهر أن قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من كلام الله حكاية عن إبراهيم إلى قوله: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وقيل: هذه الآيات اعتراض من كلام الله تعالى، بين كلام إبراهيم والإخبار عن جواب قومه؛ أي: وإن تكذبوا محمدًا، فتقدير هذه الجمل اعتراضًا يردُّ على أبي علي الفارسي، حيث زعم أن الاعتراض لا يكون جملتين فأكثر. وفائدة هذا الاعتراض: أنه تسلية للرسول ﷺ ، حيث كان قد ابتلي بمثل ما كان أبوه إبراهيم قد ابتلي به، من شرك قومه، وعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم إياه، ومحاولتهم قتله، وجاءت الآيات بعد الجملة الشرطية، مقررة لما جاء به الرسول من توحيد الله ودلائله، وذكر آثار قدرته والمعاد، انتهى. ومعنى الآية: أي والذين كفروا بالدلائل التي نصبها سبحانه في الكون، دالةً على توحيده، والدلائل التي أنزلها على رسله مرشدة إلى ذلك، وجحدوا لقاءه والورود إليه يوم تقوم الساعة، أولئك لا أمل لهم في رحمته؛ لأنهم لم يخافوا عقابه، ولم يرجوا ثوابه، ولهم عذاب مؤلم موجع في الدنيا والآخرة، ونحو الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾. الإعراب ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾.

стр. 9651

﴿الم (١)﴾ خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هذ ألَمَ، أو مبتدأ خبره محذوف، تقديره: ألَمَ هذا محله، أو مفعول به لفعل محذوف، تقديره: اقرأ ألَمَ، أو مفعول لاسم فعل محذوف، تقديره: هاك ألَمَ، أو مجرور بحرف جر محذوف، تقديره: انظر في ألَمَ، وإعرابه على كل من الأوجه الخمسة، بحركة مقدرة منع من ظهورها سكون الوقف، هذه الأوجه كلها إن قلنا إنه علم للسورة، وإن قلنا إنه من الحروف التي استأثر الله سبحانه بعلمها، فلا محل لها من الإعراب؛ لأن الإعراب فرع عن إدراك المعنى، وقد تقدم لنا مرارًا بيان ما فيه من الأقوال المتلاطمة فيه من جهة المعنى والإعراب فجدد العهد بها. ﴿أَحَسِبَ﴾: الهمزة: فيه للاستفهام التقريري المضمن للتوبيخ. ﴿حَسِبَ النَّاسُ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿أَنْ﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يُتْرَكُوا﴾: فعل مغير، ونائب فاعل منصوب بـ ﴿أن﴾ المصدرية، والجملة الفعلية مع ﴿أَنْ﴾ المصدرية، في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿حَسِبَ﴾. ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾: ناصب وفعل وفاعل، والجملة مع ﴿أَنْ﴾: المصدرية في تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، تقديره أن يتركوا لأجل قولهم آمنا، والجار المحذوف متعلق بـ ﴿يُتْرَكُوا﴾. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُوا﴾. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: واو الحال. ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يُفْتَنُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية في محل النصب حال من واو لا يتركوا. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿واللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق، ﴿فَتَنَّا﴾: فعل وفاعل، ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: جار ومجرور صلة الموصول. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة، ﴿واللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يعلمن﴾ فعل مضارع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. ﴿اللَّهُ﴾: فاعل. ﴿الَّذِينَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم وجملة القسم معطوفة على الجملة التي قبلها. وجملة ﴿صَدَقُوا﴾ صلة الموصول. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿واللام﴾ موطئة للقسم. ﴿يَعْلَمَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿الْكَاذِبِينَ﴾: مفعول به، والجملة معطوفة على جملة ﴿يَعْلَمَنَّ﴾.

стр. 9652

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾. ﴿أَمْ﴾: منقطعة تقدر ببل التي للإضراب الانتقالي، وبهزة الاستفهام التقريري، المضمن للتوبيخ. ﴿حَسِبَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة ﴿يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة صلة الموصول. ﴿أَن﴾ حرف نصب ومصدر. ﴿يَسْبِقُونَا﴾: فعل وفاعل ومفعول منصوب بـ ﴿أن﴾؛ لأن أصله يسبقوننا، والجملة الفعلية مع ﴿أَن﴾ المصدرية في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي ﴿حَسِبَ﴾؛ أي: أم حسب الذين يعملون السيئات سبقهم إيانا. ﴿سَاءَ﴾: فعل ماض من أفعال الذم، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا، تقديره: هو. ﴿مَا﴾: نكرة موصوفة في محل النصب على التمييز، وجملة ﴿يَحْكُمُونَ﴾ في محل النصب صفة لـ ﴿ما﴾، والرابط محذوف، تقديره: ساء هو شيئًا محكومًا لهم، والمخصوص بالذم محذوف وجوبًا، تقديره: حكمهم. ويجوز أن تعرب ما اسما موصولًا فاعل ﴿سَاءَ﴾، وجملة ﴿يَحْكُمُونَ﴾: صلتها. ويجوز أن تكون ﴿مَا﴾ مصدرية؛ أي: حكمهم، وعلى هذين الوجهين يكون التمييز محذوفًا؛ أي: ساء الذي يحكمونه حكمًا، أو ساء حكمهم حكمًا، وعلى كل التقادير فجملة ﴿سَاءَ﴾ مستأنفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم، في محل الرفع، مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿كَانَ﴾: فعل ماض ناقص في محل الجزم بـ ﴿مَن﴾ على كونه فعل شرط لها، واسمها ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿يَرْجُو﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿لِقَاءَ اللَّهِ﴾: مفعول به ومضاف إليه، والجملة الفعلية في محل النصب خبر ﴿كَانَ﴾، وجواب الشرط محذوف، تقديره: فليعمل عملًا صالحًا، ولا يشرك بعبادة ربه، كما صرح به في سورة الكهف، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية مستأنفة. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾: ﴿الفاء﴾: تعليلية. ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾: ناصب واسمه ومضاف إليه. ﴿لَآتٍ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿آت﴾: خبر ﴿إنَّ﴾ مرفوع بضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين؛ لأنه اسم منقوص. وجملة ﴿إن﴾ في محل الجر يلام التعليل المقدرة، المدلول عليها بالفاء التعليلية، المتعلقة بالجواب المحذوف ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ ﴿السَّمِيعُ﴾ خبر أول. ﴿الْعَلِيمُ﴾:

стр. 9653

خبر ثان، والجملة الاسمية في محل النصب حال من الجلالة، أو مستأنفة. ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾. ﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾ عاطفة. ﴿مَنْ﴾: اسم شرط جازم في محل الرفع مبتدأ، والخبر جملة الشرط، أو الجواب، أو هما. ﴿جَاهَدَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾ في محل الجزم بـ ﴿من﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَإِنَّمَا﴾: الفاء: رابطة الجواب. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر، أو يقال: حرف كاف ومكفوف. ﴿يُجَاهِدُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾. ﴿لِنَفْسِهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل الجزم بـ ﴿من﴾ على كونها جواب الشرط، وجملة ﴿مَنْ﴾ الشرطية معطوفة على جملة ﴿مَنْ﴾ الأولى. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب، واسمه. ﴿لَغَنِيٌّ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ متعلق بـ ﴿غَنِيٌّ﴾، وجملة ﴿إنَّ﴾ مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها، من تقرير أن جهاد الشخص لا يصل منه إلى الله نفع. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ﴾: ﴿اللام﴾ موطئة للقسم. ﴿نُكَفِّرَنَّ﴾: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿عَنْهُمْ﴾: متعلق به. ﴿سَيِّئَاتِهِمْ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية معطوفة على جملة قوله ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نَجْزِيَنّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿والهاء﴾: مفعول أول. ﴿أَحْسَنَ الَّذِي﴾ مفعول ثان ومضاف إليه، والجملة الفعلية جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم قبلها.

стр. 9654

﴿كَانُوا﴾: فعل نا قص واسمه، وجملة ﴿يَعْمَلُونَ﴾ خبره، وجملة ﴿كَانَ﴾ صلة الموصول، لا محل لها من الإعراب. ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾. ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿وَصَّيْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿الْإِنْسَانَ﴾: مفعول به. ﴿بِوَالِدَيْهِ﴾ متعلق بـ ﴿وَصَّيْنَا﴾. ﴿حُسْنًا﴾: نعت لمصدر محذوف، ولكنه على حذف مضاف؛ أي: إيصاءً ذا حسن، أو هو في نفسه حسن على المبالغة، والجملة الفعلية مستأنفة مسوقة لبيان حق الوالدين، وتحديد طاعتهما بعدم معصية الله تعالى. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿جَاهَدَاكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿لِتُشْرِكَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل. ﴿تُشْرِكَ﴾: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، وفاعله ضمير يعود على الإنسان. ﴿بِي﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿تُشْرِكَ﴾، والجملة الفعلية مع أن المضمرة في تأويل مصدر مجرور باللام؛ أي: لإشراكك بي، الجار والمجرور متعلق بـ ﴿جَاهَدَ﴾. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به ﴿لِتُشْرِكَ﴾. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿لَكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿لَيْسَ﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿عِلْمٌ﴾. ﴿عِلْمٌ﴾: اسم ﴿لَيْسَ﴾ مؤخر، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة. ﴿فَلَا﴾ ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إِنْ﴾ الشرطية وجوبًا لكون الجواب جملة طلبية، ﴿لَا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُطِعْهُمَا﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به مجزوم بـ ﴿لَا﴾ الناهية، والجملة الفعلية في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية، على كونها جوابًا لها، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معطوفة على جملة قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾. ﴿إِلَيَّ﴾: جار ومجرور خبر مقدم. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾: مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة. ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة تفريعية. ﴿أُنَبِّئُكُمْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿بِمَا﴾: جار وجرور متعلق بـ ﴿أُنَبِّئُكُم﴾، والجملة الفعلية معطوفة على الجملة الاسمية مفرعة عليها. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه. وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾ خبر ﴿كَان﴾، وجملة

стр. 9655

﴿كاَن﴾ صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة لا محل لها من الإعراب. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، أو منصوب على الاشتغال كما في "السمين". ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نُدْخِلَنّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة. والهاء مفعول به. ﴿فِي الصَّالِحِينَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية مستأنفة. ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾: خبر مقدم. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان حال المنافقين. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر صلة الموصول. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل. ﴿بِاللَّهِ﴾: متعلق به، والجملة في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿فَإِذَا﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿أُوذِيَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعله ضمير يعود على ﴿مَنْ﴾ ﴿فِي اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿أُوذِيَ﴾، والجملة الفعلية في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إذا﴾ على كونها فعل شرط لـ ﴿إذا﴾. والظرف متعلق بالجواب الآتي. ﴿جَعَلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتتر. ﴿فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ مفعول أول لـ ﴿جَعَلَ﴾. ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، في محل المفعول الثاني لـ ﴿جَعَلَ﴾، وجملة ﴿جَعَلَ﴾ جواب ﴿إِذَا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾ معطوفة على صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿إِنَّ﴾: حرف شرط جازم. ﴿جَاءَ نَصْرٌ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ صفة ﴿نَصْرٌ﴾. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى. ﴿يَقُولُن﴾: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، وعلامة رفعه ثبات

стр. 9656

النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكتين، في محل الرفع فاعل، والنون الثقيلة نون التوكيد؛ لأن أصله ليقولونن، كما سيأتي في مبحث التصريف، والجملة الفعلية جواب القسم، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية محذوف لدلالة جواب القسم عليه، تقديره: وإن جاء نصر من ربك يقولون، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة بين القسم وجوابه، وجملة القسم مع جوابه معطوفة على جملة ﴿إِذَا﴾ الشرطية. ﴿إِنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿كُنَّا﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿مَعَكُمْ﴾: خبره، وجملة ﴿كاَن﴾ في محل الرفع خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿يَقُولُ﴾. ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾. ﴿أَوَ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري المضمن للتوبيخ، داخلة على محذوف، والواو: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيحسبون أن الله لا يعلم ما في صدورهم وليس الله إلخ، والجملة المحذوفة مستأنفة ﴿لَيْسَ اللَّهُ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿بِأَعْلَمَ﴾: خبره. والباء: زائدة. ﴿بِمَا﴾: متعلق بـ ﴿أعلم﴾. ﴿فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه، صلة لـ ﴿ما﴾ الموصولة، وجملة ﴿لَيْسَ﴾ معطوفة على تلك المحذوفة. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾: فعل مضارع ونون توكيد وفاعل. ﴿الَّذِينَ﴾ مفعول به، وجملة ﴿آمَنُوا﴾ صلة الموصول، والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم في قوله: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾. ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَعْلَمَنَّ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر في محل الرفع، مبني على الفتح، والنون للتوكيد. ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾: مفعول به، والجملة جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم قبلها. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.

стр. 9657

﴿وَقَالَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قَالَ الَّذِينَ﴾: فعل وفاعل، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿لِلَّذِينَ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿قَالَ﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿اتَّبِعُوا﴾: فعل أمر وفاعل، ﴿سَبِيلَنَا﴾: مفعول به، والجملة الفعلية مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: لام أمر وجزم. ﴿نَحْمِلْ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر مجزوم بلام الأمر. ﴿خَطَايَاكُمْ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب معطوفة على جملة ﴿اتَّبِعُوا﴾. ﴿وَمَا هُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿مَا﴾: حجازية تعمل عمل ﴿ليَسَ﴾. ﴿هُمْ﴾: في محل الرفع اسمها. ﴿بِحَامِلِينَ﴾: خبرها، والباء: زائدة، والجملة الاسمية في محل النصب حال من فاعل ﴿قَالَ﴾. ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾: جار ومجرور حال من شيء؛ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِنْ﴾: زائدة. ﴿شَيْءٍ﴾: مفعول به لـ ﴿حَامِلِينَ﴾: مجرور لفظًا منصوب تقديرًا. ﴿إِنَّهُمْ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿كَاذِبُونَ﴾ خبرها، وجملة ﴿إِنَّ﴾ مستأنفة لتعليل الجزم بعدم حملهم شيئًا من خطاياهم. ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يحملن﴾: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، والنون المشددة للتوكيد. ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾: مفعول به ومضاف إليه. ﴿وَأَثْقَالًا﴾: معطوف على ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾. ﴿مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: ظرف متعلق بمحذوف صفة لـ ﴿أَثْقَالًا﴾، وجملة القسم مستأنفة. ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ﴾: الواو: عاطفة، و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يسألن﴾: فعل مضارع مغير الصيغة، مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين في محل الرفع نائب فاعل، والنون المشددة للتوكيد. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ظرف متعلق بـ ﴿يسألن﴾. والجملة الفعلية جواب القسم، وجملة القسم معطوفة على جملة القسم في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾. ﴿عَمَّا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يسألن﴾ وهو في موضع المفعول الثاني لـ ﴿سأل﴾، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص وأسمه، وجملة ﴿يَفْتَرُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾ صلة لما الموصولة. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ

стр. 9658

الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾. ﴿وَلَقَدْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿قد﴾: حرف تحقيق. ﴿أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مستأنفة، مسوقة لتأييد التكليف الذي ألزم محمد ﷺ به أتباعه؛ أي: إنه ليس مختصًا بمحمد وأتباعه. ﴿إِلَى قَوْمِهِ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿فَلَبِثَ﴾: ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿لَبِثَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿أَرْسَلْنَا﴾. ﴿فِيهِمْ﴾: متعلق به. ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿لَبِثَ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء. ﴿خَمْسِينَ﴾: منصوب على الاستثناء. ﴿عَامًا﴾ تمييز لـ ﴿خَمْسِينَ﴾ منصوب به. ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾: فعل ومفعول به وفاعل، معطوف على محذوف، تقديره: فكذبوه فأخذهم الطوفان. ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة في محل النصب حال من مفعول ﴿أَخَذَهُمُ﴾. ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾. ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ معطوف على الضمير، أو مفعول معه. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾: فعل وفاعل ومفعول أول معطوف على ﴿أَنْجَيْنَاهُ﴾ ﴿آيَةً﴾ مفعول ثان لـ ﴿جعل﴾. ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿آيَةً﴾. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾. ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾: منصوب بفعل محذوف، تقديره: واذكر إبراهيم، والجملة مستأنفة، مسوقة لسوق قصة ثانية بعد قصة نوح. ﴿إِذْ﴾: ظرف لما مضى من الزمان، بدل اشتمال من إبراهيم، ويصح أن يكون إبراهيم معطوفًا على نوحًا، و ﴿إِذْ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والمعنى حينئذٍ: ولقد أرسلنا إبراهيم حين بلغ من السن مبلغًا، يخاطب فيه قومه بعبارات الوعظ والإرشاد. ﴿قَالَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر. ﴿لِقَوْمِهِ﴾: متعلق به، والجملة في

стр. 9659

محل الجر مضاف إليه لـ ﴿إِذْ﴾. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾: فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَاتَّقُوهُ﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿اعْبُدُوا﴾. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة الاسمية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه فعل شرط لها، وجملة ﴿تَعْلَمُونَ﴾: خبرها، وجواب الشرط محذوف، دل عليه ما قبله، تقديره: إن كنتم تعلمون خيرية ذلك، فاعبدوا الله واتقوه، والجملة الشرطية في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من فاعل ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ أي: حالة كونكم مجاوزين الله. ﴿أَوْثَانًا﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿تَعْبُدُونَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾: ناصب واسمه. ﴿تَعْبُدُونَ﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ حال من فاعل تعبدون ﴿لَا﴾: نافية. ﴿يَمْلِكُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿لَكُمْ﴾: متعلق بـ ﴿رِزْقًا﴾. و ﴿رِزْقًا﴾: مفعول به. لـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾؛ لأنه بمعنى المرزوق، أو مصدر مؤول من أن والفعل؛ أي: لا يقدرون أن يرزقوكم، ويجوز نصبه على المصدر وناصبه لا يملكون؛ لأنه في معناه، وجملة لا يملكون في محل الرفع خبر ﴿إن﴾. وجملة ﴿إن﴾ في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿فَابْتَغُوا﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم، وأردتم بيان ما هو اللازم لكم فأقول لكم: ابتغوا عند الله الرزق. ﴿ابْتَغُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: متعلق به. ﴿الرِّزْقَ﴾: مفعول به، والجملة في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة في محل النصب مقول ﴿قَالَ﴾. ﴿اعْبُدُوا﴾: فعل وفاعل ومفعول معطوف على ﴿ابْتَغُوا﴾. ﴿وَاشْكُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿ابْتَغُوا﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿اشكروا﴾. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾. و ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة في محل النصب مقول قال. ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)

стр. 9660

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾. ﴿وَإِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، إن قلنا إنه من كلام إبراهيم، أو اعتراضية إن قلنا إنه من كلام الله سبحانه، يخاطب قريشًا في شأن محمد ﷺ . ﴿إن﴾: حرف شرط. ﴿تُكَذِّبُوا﴾: فعل وفاعل مجزوم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونه فعل شرط لها. ﴿فَقَدْ﴾: ﴿الفاء﴾: رابطة لجواب ﴿إن﴾ الشرطية وجوبًا لاقترانه بقد. ﴿قَدْ﴾: حرف تحقيق. ﴿كَذَّبَ أُمَمٌ﴾: فعل وفاعل في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ على كونه جواب الشرط ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ صفة لـ ﴿أُمَمٌ﴾، وقيل جواب الشرط محذوف، و ﴿الفاء﴾: تعليلية للمحذوف؛ أي: فلا يضرني تكذيبكم فقد كذب أمم من قبلكم أنبياءهم ورسلهم، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية في محل النصب معطوفة على ما قبلها على كونها مقول ﴿قَالَ﴾، أو معترضة لاعتراضها بين كلام إبراهيم وجواب قومه. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾: خبر مقدم. ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿الْبَلَاغُ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿الْمُبِينُ﴾: صفة لـ ﴿الْبَلَاغُ﴾، والجملة الاسمية معطوفة على الجمل الشرطية. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإتكاري، داخلة على محذوف. و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير ألم ينظر كفار مكة ولم يروا كيف. ﴿لَمْ يَرَوْا﴾: جازم وفعل وفاعل معطوف على ذلك المحذوف، والجملة المحذوفة مستأنفة. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب على الحال. من ﴿الْخَلْقَ﴾. ﴿يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب سادة مسد مفعولي ﴿يَرَوْا﴾؛ لأنها علقت عن العمل في اللفظ بالاستفهام، والرؤية هنا قلبية. ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿يُعِيدُهُ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة معطوفة على جملة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ لا على ﴿يُبْدِئُ﴾. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾: ناصب واسمه. ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿يَسِيرٌ﴾. و ﴿يَسِيرٌ﴾: خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ مستأنفة. ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر يعود إما إلى ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾، أو إلى محمد ﷺ ،

стр. 9661

والجملة مستأنفة. ﴿سِيرُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملهّ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَانْظُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب حال من مفعول ﴿بَدَأَ﴾. ﴿بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾ علق عنها باسم الاستفهام. وفي "البيضاوي": ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حكاية كلام الله سبحانه لإبراهيم أو محمد ﵍، اهـ؛ أي: وليس من مقالة إبراهيم لقومه من عند نفسه، على تقدير أن تكون الآيات المذكورة من قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ من قصة إبراهيم، ومن مقالة محمد ﷺ من عند نفسه، على جعلها معترضة بين أجزاء قصة إيراهيم إذ لا وجه لهما أن يقولا من عند أنفسهما ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، بل الظاهر أنه كلام أحدهما لقومه على حكاية كلام الله لهم؛ أي: قال الله لي: قل لهم: سيروا في الأرض؛ أي قل لمنكري البعث يسيروا في الأرض ليشاهدوا كيف أنشأ الله جميع الكائنات، ومن قدر على إنشائها بدءًا يقدر على إعادتها. اهـ "زاده". ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُنْشِئُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿النَّشْأَةَ﴾: منصوب على المصدرية المحذوفة الزوائد، والأصل الإنشاءة. ﴿الْآخِرَةَ﴾: صفة لـ ﴿النَّشْأَةَ﴾، وجله ﴿يُنْشِئُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سِيرُوا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بقدير. ﴿قَدِيرٌ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾. ﴿يُعَذِّبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مفعول به لـ ﴿يُعَذِّبُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته، والعائد محذوف، تقديره من يشاء تعذيبه، وجملة ﴿يُعَذِّبُ﴾ في محل النصب حاله من الضمير المستكن في قدير، أو خبر ثان لـ ﴿إنَّ﴾ أو مستأنفة ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ معطوف على ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.

стр. 9662

﴿وَإِلَيْهِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُقْلَبُونَ﴾. ﴿تُقْلَبُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعَذِّبُ﴾. ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية حجازية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسمها، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: خبرها. والباء: زائدة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: حال من الضمير المستكن في معجزين، ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: معطوف على في الأرض، و ﴿لَا﴾ زائدة لتأكيد النفي المستفاد من ﴿مَا﴾؛ أي: بفائتين الله هربًا، حالة كونكم في الأرض أو في السماء، والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من ولي الآتي. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿وَلِقَائِهِ﴾: معطوف على ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿يَئِسُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ رَحْمَتِي﴾: متعلق به والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، وجملة ﴿أُولَئِكَ﴾ خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: معطوف على ﴿أُولَئِكَ﴾ على كونه مبتدأ ثانيًا. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿أُولَئِكَ﴾. التصريف ومفردات اللغة ﴿الم (١)﴾ حروف مقطعة، عجزت الخلائق عن معرفة حقائقها. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الحسبان بالكسر، الظن كما في "القاموس". وقال في "المفردات": الحسبان هو أن يحكم لأحد النقيضين أحدهما على الآخر. ﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الترك: الإهمال. ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾؛ أي: لا يختبرون من فتن

стр. 9663

فلان فلانًا، يفتنه من باب ضرب خبره وأحرقه، وأصله يقال فتن الصائغ الذهب، أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء، ويقال فتنه يفتنه، من باب ضرب أيضًا إذا أعجبه، واستماله وأوقعه في الفتنة. ﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ السبق الفوت، والمراد الفوت عن المجازاة، وأصل السبق المتقدم في السير، ثم تجوز به في غيره من المتقدم. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ الرجاء: ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، وتفسيره بالخوف؛ لأن الرجاء والخوف متلازمان، ولقاء الله عبارة عن القيامة وعن المصير إليه. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ الأجل: عبارة عن غاية زمان ممتد، عينت لأمر من الأمور، وقد يطلق على كل ذلك الزمان، والأول هو الأشهر في الاستعمال. ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ والمجاهدة استفراغ الجهد (بالضم)؛ أي: الطاقة في مدافعة العدو. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو العباس المشتهر بزروق في شرح الأسماء الحسنى: الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، إذ لا يلحقه نقص، ولا يعترضه عارض، ومن عرف أنه الغني استغنى به عن كل شيء، ورجع إليه بكل شيء، وكان له بالافتقار في كل شيء، وللتقرب بهذا الاسم تعلق بإظهار الفاقة والفقر إليه أبدًا، وخاصية هذا الاسم وجود العافية في كل شيء، فمن ذكره على مرض أو بلاءً، أذهبه الله عنه، وفيه سر للغني، ومعنى الاسم الأعظم لمن استأهل به، انتهى. وفي "الإحياء" يستحب أن يقول بعد صلاة الجمعة: اللهم يا غني يا حميد، يا مبدىء يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، فيقال: من داوم على هذا الدعاء، أغناه الله تعالى عن خلقه، ورزقه من حيث لا يحتسب. انتهى. ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ وتكفير الإثم: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، قال بعضهم: التكفير إذهاب السيئة وإبطالها بالحسنة، وسترها وترك العقوبة عليها. ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ وصى: يجري مجرى أمر معنًى وتصرفًا غير أنه يُستعمل

стр. 9664

فيما إذا كان في المأمور به نفع عائد إلى المأمور وغيره، يقال: وصيت زيدًا بعمرو، أمرته بتعهده ومراعاته، قال الراغب: الوصية التقديم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ مصدر ميمي بمعنى الرجوع. ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أوذي ماض مبني للمجهول، من آذى الرباعي، يقال: آذى يؤدي أذى وأذية، ولا تقل إيذاءً، كما في "القاموس"، والأذى ما يصل إلى الإنسان من ضرر، في نفسه أو في جسمه أو في قنياته، دنيويًا كان أو أخرويًا كما مر. ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ والفتنة الامتحان والاختبار، تقول: فتثت الذهب، إذا أدخلته النار لتظهر جودته من رداءته، وأطلقت على المحنة؛ لأنها سبب نقاوة القلب. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ الجمهور على ضم اللام، ففيه إسناد الفعل لضمير الجماعة، حملًا على معنى: من بعد أن حمل على لفظها كما مر، وأصله ليقولونن بواو الضمير وثلاث نونات، إحداها نون الرفع، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين فصار ليقولن. ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ جمع خطيئة من الخطأ، وهو في الأصل العدول عن الجهة والطريق، وهي هنا الآثام. ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف كحمل وأحمال، والثقل بكسر أوله وفتح ثانيه والخفة متقابلان، وكل ما يترجح على ما يوزن به، أو يقدر به، يقال: هو ثقيل، وأصله في الأجسام ثم يقال في المعاني أثقله الغرم والوزر، قال الراغب: أثقالهم؛ أي: آثامهم التي تثقلهم وتثبطهم عن الثواب. ﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الألف العدد المخصوص، سمي بذلك لكون الأعداد به ؤلفة، فإن الأعداد أربعة: آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، فإذا بلغ الألف، فقد إئتلف وما بعده ويكون مكررًا، قال بعضهم: الألف من ذلك؛ لأنه مبدأ النظام، كما مر والسنة أصلها سنهة لقولهم: سانهت فلانًا؛ أي: عاملته سنة

стр. 9665

فسنةً، وقيل: أصلها من الواو لقولهم: سنوات، والهاء للوقف. اهـ "الروح". ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ والطوفان كل ما طاف؛ أي: أحاط بالإنسان لكثرته ماء كان أو غيره، كالظلمة، ولكنه غلب في الماء، كما هو المراد هنا، اهـ "شهاب". ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ والسفينة من سفنه يسفنه قشره ونحته، كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره فهي فعيلة، بمعنى: فاعلة. ﴿أَوْثَانًا﴾ جمع وثن، والفرق بين الصليب والصنم والوثن، أن الصليب: ما نحت على صورة آدمي وعبد، سواء كان من ذهب أو فضة أو غيرهما، والصنم: ما نُحِت على صورة حيوان كعجل وعبد، سواء من شجر أو حجر أو غيرهما، والوثن: كل ما عُبد من دون الله، سواء كان منحوتًا على أي صورة، أو غير منحوت كشجر وحجر وقبر وإنسان، فكل أخص مما بعده، هكذا عرفه بعضهم. ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾؛ أي: وتكذبون كذبًا، حيث سميتموها آلهة، قال الراغب: الخلق لا يُستعمل في كافة الناس إلا على وجهين، أحدهما في معنى التقدير، والثاني في الكذب، انتهى. يقال: خلق واختلق؛ أي: افترى لسانًا أو يدًا كنحت الأصنام، والإفك أسوأ الكذب، وسمي الكذب إفكًا؛ لأنه مأفوك؛ أي: مصروف عن وجهه، ويجوز في الإفك هنا أن يكون مصدرًا وأن يكون صفة؛ أي خلقًا إفكًا؛ أي: ذا إفكٍ وباطل. ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ يقال: ملكت الشيء إذا قدرت عليه، ومنه قول موسى: ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾؛ أي: لا أقدر إلا على نفسي وأخي، ورزقًا مصدر، وتنكيره للتقليل، كما سيأتي، والمعنى: لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، كما مر. ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ قال الراغب: الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته، وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان، انتهى. يقال: نشأ نشأة إذا حيى وربا وشب، والنشاة مصدر مؤكد لينشىء بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل؛ أي: ينشىء فينشأون النشأة الآخرة، كما مر.
следующие страницы →