والجملة مستأنفة. ﴿سِيرُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: متعلق به، والجملهّ في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿فَانْظُرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿سِيرُوا﴾. ﴿كَيْفَ﴾: اسم استفهام في محل النصب حال من مفعول ﴿بَدَأَ﴾. ﴿بَدَأَ الْخَلْقَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مفعول ﴿انْظُرُوا﴾ علق عنها باسم الاستفهام. وفي "البيضاوي": ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ حكاية كلام الله سبحانه لإبراهيم أو محمد ﵍، اهـ؛ أي: وليس من مقالة إبراهيم لقومه من عند نفسه، على تقدير أن تكون الآيات المذكورة من قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ من قصة إبراهيم، ومن مقالة محمد ﷺ من عند نفسه، على جعلها معترضة بين أجزاء قصة إيراهيم إذ لا وجه لهما أن يقولا من عند أنفسهما ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، بل الظاهر أنه كلام أحدهما لقومه على حكاية كلام الله لهم؛ أي: قال الله لي: قل لهم: سيروا في الأرض؛ أي قل لمنكري البعث يسيروا في الأرض ليشاهدوا كيف أنشأ الله جميع الكائنات، ومن قدر على إنشائها بدءًا يقدر على إعادتها. اهـ "زاده". ﴿ثُمَّ﴾: حرف عطف. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ. ﴿يُنْشِئُ﴾: فعل مضارع وفاعله ضمير يعود على الله. ﴿النَّشْأَةَ﴾: منصوب على المصدرية المحذوفة الزوائد، والأصل الإنشاءة. ﴿الْآخِرَةَ﴾: صفة لـ ﴿النَّشْأَةَ﴾، وجله ﴿يُنْشِئُ﴾ في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل النصب معطوفة على جملة ﴿سِيرُوا﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ناصب واسمه. ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ متعلق بقدير. ﴿قَدِيرٌ﴾ خبره، والجملة مستأنفة، مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾.
﴿يُعَذِّبُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مفعول به لـ ﴿يُعَذِّبُ﴾، وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلته، والعائد محذوف، تقديره من يشاء تعذيبه، وجملة ﴿يُعَذِّبُ﴾ في محل النصب حاله من الضمير المستكن في قدير، أو خبر ثان لـ ﴿إنَّ﴾ أو مستأنفة ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ معطوف على ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
стр. 9662
﴿وَإِلَيْهِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِلَيْهِ﴾: متعلق بـ ﴿تُقْلَبُونَ﴾. ﴿تُقْلَبُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة معطوفة على جملة ﴿يُعَذِّبُ﴾. ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية حجازية. ﴿أَنْتُمْ﴾: اسمها، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: خبرها. والباء: زائدة. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾: حال من الضمير المستكن في معجزين، ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: معطوف على في الأرض، و ﴿لَا﴾ زائدة لتأكيد النفي المستفاد من ﴿مَا﴾؛ أي: بفائتين الله هربًا، حالة كونكم في الأرض أو في السماء، والجملة الاسمية في محل النصب، معطوفة على جملة ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. ﴿وَمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿مَا﴾: نافية. ﴿لَكُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: حال من ولي الآتي. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿وَلِيٍّ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾: معطوف على ﴿وَلِيٍّ﴾ والجملة الاسمية معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿كَفَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿وَلِقَائِهِ﴾: معطوف على ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿يَئِسُوا﴾: فعل وفاعل. ﴿مِنْ رَحْمَتِي﴾: متعلق به والجملة الفعلية في محل الرفع خبر ﴿أُولَئِكَ﴾، وجملة ﴿أُولَئِكَ﴾ خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مستأنفة. ﴿وَأُولَئِكَ﴾: معطوف على ﴿أُولَئِكَ﴾ على كونه مبتدأ ثانيًا. ﴿لَهُمْ﴾: خبر مقدم. ﴿عَذَابٌ﴾: مبتدأ مؤخر. ﴿أَلِيمٌ﴾: صفة ﴿عَذَابٌ﴾، والجملة الاسمية في محل الرفع خبر ﴿أُولَئِكَ﴾.
التصريف ومفردات اللغة
﴿الم (١)﴾ حروف مقطعة، عجزت الخلائق عن معرفة حقائقها. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ الحسبان بالكسر، الظن كما في "القاموس". وقال في "المفردات": الحسبان هو أن يحكم لأحد النقيضين أحدهما على الآخر.
﴿أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الترك: الإهمال. ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾؛ أي: لا يختبرون من فتن
стр. 9663
فلان فلانًا، يفتنه من باب ضرب خبره وأحرقه، وأصله يقال فتن الصائغ الذهب، أذابه بالبوتقة ليختبره وليميز الجيد من الرديء، ويقال فتنه يفتنه، من باب ضرب أيضًا إذا أعجبه، واستماله وأوقعه في الفتنة.
﴿أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ السبق الفوت، والمراد الفوت عن المجازاة، وأصل السبق المتقدم في السير، ثم تجوز به في غيره من المتقدم. ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ الرجاء: ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، وتفسيره بالخوف؛ لأن الرجاء والخوف متلازمان، ولقاء الله عبارة عن القيامة وعن المصير إليه. ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ الأجل: عبارة عن غاية زمان ممتد، عينت لأمر من الأمور، وقد يطلق على كل ذلك الزمان، والأول هو الأشهر في الاستعمال.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ والمجاهدة استفراغ الجهد (بالضم)؛ أي: الطاقة في مدافعة العدو. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ قال أبو العباس المشتهر بزروق في شرح الأسماء الحسنى: الغني هو الذي لا يحتاج إلى شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، إذ لا يلحقه نقص، ولا يعترضه عارض، ومن عرف أنه الغني استغنى به عن كل شيء، ورجع إليه بكل شيء، وكان له بالافتقار في كل شيء، وللتقرب بهذا الاسم تعلق بإظهار الفاقة والفقر إليه أبدًا، وخاصية هذا الاسم وجود العافية في كل شيء، فمن ذكره على مرض أو بلاءً، أذهبه الله عنه، وفيه سر للغني، ومعنى الاسم الأعظم لمن استأهل به، انتهى.
وفي "الإحياء" يستحب أن يقول بعد صلاة الجمعة: اللهم يا غني يا حميد، يا مبدىء يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغني بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، فيقال: من داوم على هذا الدعاء، أغناه الله تعالى عن خلقه، ورزقه من حيث لا يحتسب. انتهى.
﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ وتكفير الإثم: ستره وتغطيته حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، قال بعضهم: التكفير إذهاب السيئة وإبطالها بالحسنة، وسترها وترك العقوبة عليها. ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ وصى: يجري مجرى أمر معنًى وتصرفًا غير أنه يُستعمل
стр. 9664
فيما إذا كان في المأمور به نفع عائد إلى المأمور وغيره، يقال: وصيت زيدًا بعمرو، أمرته بتعهده ومراعاته، قال الراغب: الوصية التقديم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ. ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ مصدر ميمي بمعنى الرجوع.
﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أوذي ماض مبني للمجهول، من آذى الرباعي، يقال: آذى يؤدي أذى وأذية، ولا تقل إيذاءً، كما في "القاموس"، والأذى ما يصل إلى الإنسان من ضرر، في نفسه أو في جسمه أو في قنياته، دنيويًا كان أو أخرويًا كما مر.
﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ والفتنة الامتحان والاختبار، تقول: فتثت الذهب، إذا أدخلته النار لتظهر جودته من رداءته، وأطلقت على المحنة؛ لأنها سبب نقاوة القلب.
﴿لَيَقُولُنَّ﴾ الجمهور على ضم اللام، ففيه إسناد الفعل لضمير الجماعة، حملًا على معنى: من بعد أن حمل على لفظها كما مر، وأصله ليقولونن بواو الضمير وثلاث نونات، إحداها نون الرفع، فحذفت نون الرفع لتوالي الأمثال، وواو الجماعة لالتقاء الساكنين فصار ليقولن.
﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ جمع خطيئة من الخطأ، وهو في الأصل العدول عن الجهة والطريق، وهي هنا الآثام. ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ جمع ثقل بكسر المثلثة وسكون القاف كحمل وأحمال، والثقل بكسر أوله وفتح ثانيه والخفة متقابلان، وكل ما يترجح على ما يوزن به، أو يقدر به، يقال: هو ثقيل، وأصله في الأجسام ثم يقال في المعاني أثقله الغرم والوزر، قال الراغب: أثقالهم؛ أي: آثامهم التي تثقلهم وتثبطهم عن الثواب.
﴿أَلْفَ سَنَةٍ﴾ الألف العدد المخصوص، سمي بذلك لكون الأعداد به ؤلفة، فإن الأعداد أربعة: آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، فإذا بلغ الألف، فقد إئتلف وما بعده ويكون مكررًا، قال بعضهم: الألف من ذلك؛ لأنه مبدأ النظام، كما مر والسنة أصلها سنهة لقولهم: سانهت فلانًا؛ أي: عاملته سنة
стр. 9665
فسنةً، وقيل: أصلها من الواو لقولهم: سنوات، والهاء للوقف. اهـ "الروح".
﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ والطوفان كل ما طاف؛ أي: أحاط بالإنسان لكثرته ماء كان أو غيره، كالظلمة، ولكنه غلب في الماء، كما هو المراد هنا، اهـ "شهاب". ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ والسفينة من سفنه يسفنه قشره ونحته، كأنها تسفن الماء؛ أي: تقشره فهي فعيلة، بمعنى: فاعلة.
﴿أَوْثَانًا﴾ جمع وثن، والفرق بين الصليب والصنم والوثن، أن الصليب: ما نحت على صورة آدمي وعبد، سواء كان من ذهب أو فضة أو غيرهما، والصنم: ما نُحِت على صورة حيوان كعجل وعبد، سواء من شجر أو حجر أو غيرهما، والوثن: كل ما عُبد من دون الله، سواء كان منحوتًا على أي صورة، أو غير منحوت كشجر وحجر وقبر وإنسان، فكل أخص مما بعده، هكذا عرفه بعضهم.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾؛ أي: وتكذبون كذبًا، حيث سميتموها آلهة، قال الراغب: الخلق لا يُستعمل في كافة الناس إلا على وجهين، أحدهما في معنى التقدير، والثاني في الكذب، انتهى. يقال: خلق واختلق؛ أي: افترى لسانًا أو يدًا كنحت الأصنام، والإفك أسوأ الكذب، وسمي الكذب إفكًا؛ لأنه مأفوك؛ أي: مصروف عن وجهه، ويجوز في الإفك هنا أن يكون مصدرًا وأن يكون صفة؛ أي خلقًا إفكًا؛ أي: ذا إفكٍ وباطل.
﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ يقال: ملكت الشيء إذا قدرت عليه، ومنه قول موسى: ﴿لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾؛ أي: لا أقدر إلا على نفسي وأخي، ورزقًا مصدر، وتنكيره للتقليل، كما سيأتي، والمعنى: لا يقدرون على أن يرزقوكم شيئًا من الرزق، كما مر.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ قال الراغب: الإنشاء إيجاد الشيء وتربيته، وأكثر ما يقال ذلك في الحيوان، انتهى. يقال: نشأ نشأة إذا حيى وربا وشب، والنشاة مصدر مؤكد لينشىء بحذف الزوائد، والأصل الإنشاءة أو بحذف العامل؛ أي: ينشىء فينشأون النشأة الآخرة، كما مر.
стр. 9666
﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ قال بعضهم: الفرق بين الولي والنصير، أن الولي هو الذي يدفع المكروه عن الإنسان بنفسه لولايته ومباشرته الدفع، والنصير هو الذي يأمر بدفعه عنه لمناصرته ومعاونته في الدفع، والولي أخص من النصير، إذ قد ينصر من ليس بولي. ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ واليأس انتفاء الطمع وانقطاعه.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: الاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار في قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾.
ومنها: الطباق بين ﴿صَدَقُوا﴾ و ﴿الْكَاذِبِينَ﴾، وبين ﴿آمَنُوا﴾ و ﴿الْمُنَافِقِينَ﴾، وبين ﴿يُعَذِّبُ﴾ و ﴿وَيَرْحَمُ﴾ وبين ﴿يُبْدِئُ﴾ و ﴿يُعِيدُ﴾.
ومنها: مغايرة الأسلوب في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ حيث عبر في الأول: بصيغة الفعل الماضي، وهي ﴿صَدَقُوا﴾ وفي الثاني: بصيغة اسم الفاعل وهي ﴿الْكَاذِبِينَ﴾. والنكتة في هذه المخالفة كما مر، أن اسم الفاعل يدل على ثبوت المصدر في الفاعل ورسوخه فيه، والفعل الماضي لا يدل عليه؛ لأن الآية وقت نزولها كانت حكايةً عن قوم قريبي عهد بالإِسلام، وعن قوم مستمرين على الكفر، فعبر عن حق الأولين بلفظ الفعل، وفي حق الآخرين بالصيغة الدالة على الثبات والدوام.
ومنها: الحذف في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ فإن جواب الشرط فيه محذوف، كما سبق.
ومنها: التأكيدبـ ﴿إن﴾ و ﴿اللام﴾، في قوله: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾؛ لأن المخاطب منكر.
ومنها: صيغة المبالغة في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
стр. 9667
ومنها: تغيير الأسلوب في قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ حيث عبر في الأول: بالفعل، وفي الثاني: باسم الفاعل، تفننًا لرعاية الفاصلة. كما في "البيضاوي".
ومنها: الاستعارة التصريحية التبعية في قوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ حيث استعار الإتباع الذي هو المشي خلف ماش، لسلوك طريقتهم في الدين، فاشتق من الإتباع الذي هو بمعنى السلوك، اتبعوا، بمعنى: اسلكوا على طريقة الاستعارة التبعية.
ومنها: مجيء الأمر بمعنى الخبر في قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ والأصل فيه: إن تتبعونا نحمل خطاياكم، فعدل عنه إلى ما ذكر مما هو خلاف الظاهر من أمرهم بالحمل، إفادةً للمبالغة.
ومنها: التشبيه المرسل المجمل في قوله: ﴿فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ حذف منه وجه الشبه، فهو مجمل.
ومنها: التفنن في التعبير في قوله: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾، لم يقل إلا خمسين سنة تفننًا؛ لأن التكرار في الكلام الواحد مخالف للبلاغة، إلا إذا كان لغرض من تفخيم أو تهويل، نحو ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)﴾.
ومنها: الاستعارة اللطيفة في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ شبه الذنوب بالأثقال؛ لأنها تُثقل كاهل الإنسان.
ومنها: تنكير الرزق في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ ثم تعريفه، بقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾؛ لأن الأول مقصور عليهم، فاستوجب أن يكون ضئيلًا قليلًا، فنكره تدليلًا على قلته وضآلته، ولما كان الثاني مبتغًى عند الله، استوجب أن يكون كثيرًا؛ لأنه كله عند الله فعرَّفه تدليلًا على كثرته وجسامته.
ومنها: الإضمار ثم الإظهار اهتمامًا بشان الأمر الأخير، في قوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ألا ترى أنه صرح باسمه تعالى، في
стр. 9668
قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ لتفخيم شأن النشأة، وكان القياس أن يقول: كيف بدأ الله الخلق ثم ينشيء النشأة الآخرة، فأفصح باسمه بعد إضماره، للتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة.
والأصل في الكلام: الإظهار ثم الإضمار، ويليه لقصد التفخيم الإظهار بعد الإظهار، ويليه وهو أفخم الثلاثة الإظهار بعد الإضمار، كما في الآية.
ومنها: الجناس غير التام في قوله: ﴿يَسِيرٌ﴾ و ﴿سِيرُوا﴾.
ومنها: أسلوب الإطناب في قوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ لغرض التشنيع عليهم في عبادة الأوثان.
ومنها: التكرار في قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.
ومنها: الجناس المماثل في قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ﴾.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
ومنها: الاستفهام التوبيخي في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾.
ومنها: التعبير بصيغة الماضي عما في المستقبل في قوله: ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾؛ أي: يأسوا منها يوم القيامة.
ومنها: إضافة الرحمة إلى نفسه دون العذاب في قوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ إشعارًا بسبق رحمته على غضبه، وإعلامًا لعباده بعمومها لهم. اهـ. أبو السعود.
стр. 9669
ومنها: تقديم التعذيب على الرحمة في قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لما أن الترهيب أنسب بالمقام من الترغيب، كما مر.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.
ومنها: الإسناد العقلي في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾؛ أي: أهلكهم من إسناد الشيء إلى سببه.
ومنها: الإضافة لأدنى ملابسة في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾.
ومنها: التعبير عن الإعادة بالنشأة، في قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ للتنبيه على أن البدء يسمى نشأة كإعادة، التغاير بينهما بالوصف، حيث قالوا: نشأة أولى، ونشاة أخرى. اهـ "رازي" اهـ. من "الفتوحات".
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
والله سبحانه جل وعلا أعلم
* * *
بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.
المناسبة
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن إبراهيم ﵇، لما أقام لهم الحجج والبراهين على الوحدانية، وإرسال الرسل، والحشر، والجزاء .. أردف (١) ذلك ببيان أنهم جحدوا وعاندوا، ودفعوا الحق بالباطل، بعد أن ألزمهم الحجة ولم يجدوا للدفاع سبيلًا، وحينئذ عدلوا إلى استعمال القوة كما هو دأب المحجوج المغلوب على أمره، فقالوا لقومهم: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ فأنجاه الله من كيدهم، وجعلها عليه بردًا وسلامًا فعاد إلى لومهم بعد أن أُخرج من النار، وقال: إن تَمسُّككم بما أنتم عليه لم يكن عن دليل وبرهان، بل عن تقليد وحفظ للمودة بينكم، فلا يريد أحدكم أن يفارقه صاحبه في السيرة والطريقة، ولكنكم يوم القيامة تتحاجون حين يزول عمى القلوب وتستبين الأمور للَّبيب الأريب، ويكفر بعضكم بعضًا، فيقول العابد: ما هذا معبودي، ويقول المعبود: ما هؤلاء بعبدتي، ويلعن بعضكم بعضًا، فيقول هذا لذاك: أنت الذي أوقعتني في العذاب حيث عبدتني، ويقول ذاك لهذا: أنت الذي أوقعتني فيه حيث أضللتني بعبادته، ويود كل منكم أن يبعد عن صاحبه، وأنى لهما ذلك وهما مجتمعان في النار، وما لهما ناصر يخلِّصهما منها، كما خلَّصني ربي من النار التي ألقيتموني فيها.
وعبارة أبي حيان (٢): لما أمرهم إبراهيم بعبادة الله، وبيَّن سفههم في عبادة الأوثان، وظهرت حجته عليهم .. رجعوا إلى الغلبة، فجعلوا القائم مقام جوابه فيما أمرهم به قولهم: اقتلوه أو حرقوه، والآمرون بذلك إما بعضهم لبعض، أو كبراؤهم، قالوا لأتباعهم اقتلوه فتستريحوا منه عاجلًا، أو حرقوه بالنار، فإما أن
стр. 9672
يرجع إلى دينكم إذا أو مضته النار، وإما أن يموت بها إن أصر على قوله ودينه، انتهت.
قوله تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ...﴾ الآيتين، مناسبتهما لما قبلهما: أن الله سبحانه لما ذكر إنجاء إبراهيم من النار، وأن ذلك معجزة له، لا يفقه قدرها إلا من كان ذكي الفؤاد، قوي الفطنة، يفهم الدلائل التي أودعها الله في الكون .. أردف ذلك ببيان أنه لم يصدق بما رأى إلا لوط ﵇، فقد آمن به واستقر الإيمان في قلبه، ثم بيَّن أن إبراهيم لما أيس من إيمان قومه، هاجر إلى بلاد الشام فرارًا بدينه، وقصدًا إلى إرشاد الناس وهدايتهم، ثم عدد نعمه العاجلة عليه في الدنيا، بأن آتاه بنين وحفدة، وجعل فيهم النبوة وأنزل عليهم الكتب، وآتاه الذكر الحسن إلى يوم القيامة، ونعمه الآجلة أنه مكتوب في عداد الكملة في الصلاح والتقوى.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أن الله سبحانه لما قص علينا قصص إبراهيم ﵇، وما لاقاه من قومه من العتو والجبروت، ثم نصره له نصرًا مؤزرًا .. أعقبه بقصص لوط، إذ كان معاصرًا له، وسبقه إلى الدعوة إلى الله، وقد افتنَّ قومه في فعلة لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، ولأن الملائكة الذين أنزلوا بقرية سذوم العذاب جاؤوا ضيوفًا لإبراهيم ﵇.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا ...﴾ الآيات، مناسبتها لما قبلها (١): أنه لما استنصر لوط ﵇ بربه، بقوله: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ استجاب دعاءه، وبعث لنصرته ملائكة وأمرهم بإهلاك قومه، وأرسلهم من قبل بالبشرى لإبراهيم فجاؤوا وبشروه بذرية طيبة، ثم قالوا له: إنا مهلكوا أهل هذه القرية لتمادي أهلها في الشر، وإصرارهم على الكفر والمعاصي، فأشفق إبراهيم على لوط، وقال: إن في القرية لوطًا، فقالوا:
стр. 9673
إنا منجوه وأهله إلا امرأته، ثم ننزل عليهم من السماء عذابًا بما اجترحوا من السيئات، واجترموا من الذنوب والآثام، ثم ندعهم عبرةً وآيةً بينةً لقوم يعقلون.
قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما أسلف أنه أهلك من أشرك به بعاجل العقاب، وسيعذبه بشديد العذاب، ولا ينفعه في الدارين معبوده، ولا يجديه ركوعه وسجوده .. أردف هذا بتمثيل حال من اتخذ معبودًا دون الله بحال العنكبوت، وقد اتخذت لها بيتًا لا يريحها إذا هي أوت، ولا يجيرها من حر وبرد إذا هي ثوت، ثم زاد الإنكار توكيدًا، فذكر أن ما يدعونه ليس بشيء، فكيف يتسنى للعاقل أن يترك القادر الحكيم ويشتغل بعبادة من ليس بشيء، ثم أردف هذا ببيان فائدة ضرب الأمثال للناس، وأنه لا يُدرك مغزاها إلا ذوو الألباب الذين يفهمون خبىء الكلام، وظاهره وسره وعلانيته.
ثم ذكر أنه لم يخلق السموات والأرض إلا لحكمة يعلمها المؤمنون، ويدركها المستبصرون، وهي ما أرشد إليها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ وبعد أن أمر سبحانه عباده بما تقدم بيانه، وأظهر الحق ببرهانه، ولم يهتد بذلك المشركون، سلَّى رسوله بأمره بتلاوة كتابه وعبادته تعالى طرفي النهار وزلفًا من الليل، وإرشاده إلى أن الله عليم بما يصنع عباده، وسيجازيهم كفاء ما يعملون من خير وشر.
التفسير وأوجه القراءة
٢٤ - قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ...﴾ إلخ، رجوع (١) إلى خطاب إبراهيم بعد الاعتراض، بما تقدم من خطاب محمد ﷺ على قول من قال إن قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ خطاب لمحمد ﷺ ، وأما على قول من قال: إنه خطاب لإبراهيم ﵇، فالكلام في سياقه سابقًا ولاحقًا؛ أي: قال إبراهيم ﵇ لقومه: اعبدوا الله واتقوه، فما كان جواب قومه آخر الأمر، وهو بالنصب على أنه خبر
стр. 9674
كان، واسمها قوله: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾؛ أي: إلا قول بعضهم لبعض عند المشاورة بينهم: لا تجيبوا إبرايم عن براهينه الثلاثة، الدالة على التوحيد والنبوة والحشر.
﴿اقْتُلُوهُ﴾؛ أي: اقتلوا إبراهيم بسيف أو نحوه، فتستريحوا منه عاجلًا ﴿أَوْ حَرِّقُوهُ﴾؛ أي: حرقوا إبراهيم بالنار، فإما أن يرجع إلى دينكم إذا أوجعته النار، وإما أن يموت بها إذا أصر على دينه، وفيه (١) تسفيه لهم، حيث أجابوا من احتج عليهم بأن يُقتل أو يحرق، وهكذا ديدن كل محجوج مغلوب، وإنما أجابوه بذلك لعدم قدرتهم على الجواب الصحيح، كما قاله الرازي.
والفاء في قوله: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ بجعلها بردًا، عاطفة على محذوف، تقديره: فألقوه في النار فانجاه الله سبحانه من أذاها، بأن جعلها عليه بردًا وسلامًا.
رُوي أنه لم ينتفع أحد بالنار يومئذ في موضع أصلًا، وذلك لذهاب حرها؛ أي: تشاوروا فيما بينهم، وقالوا: افعلوا بإبراهيم أحد الأمرين المذكورين، ثم اتفقوا على تحريقه فأضرموا نارًا عظيمة، فألقوه فيها، فأنجاه الله سبحانه منها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الإنجاء؛ أي: في إنجاء الله تعالى إبراهيم من تلك النار ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ أي: لدلالات عجيبة، وآيات واضحة، وعلامات ظاهرة، وبراهين ساطعة على عظيم قدرة الله، وبديع صنعه، حيث أضرموا تلك النار العظيمة وألقوه فيها ولم تحرقه ولا أثرت فيه أثرًا إلا ما أحرقت من وثاقه، بل صارت إلى حالة مخالفة لما هو شأن عنصرها من الحرارة والإحراق.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: يصدقون بوجود الله وكمال قدرته، حيث أخمدها في زمن يسير، وأنشأ في مكانها روضًا زاهرًا، وبستانًا فاخرًا وأنيسًا بارًا على ما قيل، وإنما خص المؤمنين بالذكر؛ لأنهم المنتفعون بآيات الله سبحانه بالتفحص عنها، والتأمل فيها، وأما الكافرون فمحرومون من الفوز بمغانم آثارها، وغافلون عن التفكر في حقائقها.
стр. 9675
فإن قلت: لِمَ جمع (١) الآيات هنا، حيث قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وأفردها فيما بعدُ في قوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾؟
قلت: إن ما هنا إشارة إلى إثبات النبوة القائمة بالنبيين، وهم كثيرون فناسبه الجمع، وما بعدُ إشارة إلى التوحيد القائم بواحد، وهو الله لا شريك له فناسبه الإفراد. اهـ. "زكريا".
وعبارة أبي حيان: وجمع هنا (٢) فقال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأن الإنجاء من النار وجعلها بردًا وسلامًا، وأنها أثرت في الحبل الذي كانوا أوثقوه به دون الجسم، وأن مكانها حالة الرمي صار بستانًا يانعًا إن صح، هو مجموع آيات، فناسب الجمع بخلاف الإنجاء في السفينة فإنه آية واحدة، فلذلك أفرد آية هناك، انتهت.
وقرأ الجمهور: ﴿جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بالنصب على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ مقدم على اسمها، وما بعده اسمها، وقرأ الحسن وسالم الأفطس وعمرو بن دينار برفعه على أنه اسم ﴿كَانَ﴾، وما بعده في محل نصب على الخبر.
٢٥ - ثم ذكر ما قاله إبراهيم ﵇ لهم، بعد إنجائه من النار، بقوله: ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم مخاطبًا لقومه، ومؤنبًا لهم، وموبخًا على سوء صنيعهم بعبادة الأوثان ﴿اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾؛ أي (٣): إنما اتخذتموها آلهة، لا لحجة قامت بذلك، بل ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾؛ أي: بل لأجل أن تتوادوا وتتحابوا بينكم، وتتلاطفوا بسبب اجتماعكم على عبادتها ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: مدة بقائكم في الدنيا.
والمعنى (٤): أي إنما اجتمعتم على عبادتها في الدنيا، للصداقة والألفة التي بين بعضكم وبعض، فأنتم تتحابون على عبادتها، وتتوادون على خدمتها، كما يتفق الناس على مذهب، فيكون ذلك سبب ألفتهم ومودتهم، لا لقيام الدليل
стр. 9676
عندكم على صحة عبادتها.
وقصارى ذلك: أن مودة بعضكم بعضًا هي التي دعتكم إلى عبادتها، إذ قد رأيتم بعض من تودون عبدوها، فعبدتموها موافقةً لهم لمودتكم إياهم، كما يرى الإنسان أو يوده يفعل شيئًا فيفعله مودةً له ثم ذكر أو حالهم في الآخرة ستكون على نقيض هذا، فقال: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ بعد الخروج من الدنيا تنقلب الأمور، ويتبدل التواد تباغضًا، والتلاطف تلاعنًا، حيث ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ﴾ وهم العبدة ﴿بِبَعْضٍ﴾ وهم الأوثان ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؛ أي: يلعن ويشتم كل فريق منكم ومن الأوثان - حيث ينطقها الله - الفريق الآخر.
﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾؛ أي: مثواكم جميعًا لعابدون والمعبودون والتابعون والمتبوعون ﴿النَّارُ﴾؛ أي: هي منزلكم الذي تأوون إليه، ولا تُرجعون منه أبدًا ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾؛ أي: من مانعين يخلصونكم منها ما خلصني ربي أو النار التي ألقيتموني فيها، وجمع الناصر لوقوعه في مقابلة الجمع؛ أي: وما لأحد منكم من ناصر أصلًا، والخطاب فيه لعبدة الأوثان جميعًا القادة والأتباع.
والمعنى: أي ثم تنعكس الحال يوم القيامة، فتنقلب الصداقة والمودة بغضًا وشنآنًا، وتتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن بعضكم بعضًا، فيلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع، كما قال ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ ثم مرجعكم إلى النار، وما لكم من ناصر ينصركم، ولا منقذ ينقذكم من عذاب الله تعالى.
وقرأ الحسن (١) وأبو حيوة وابن أبي عبلة، وأبو عمرو في رواية الأصمعي والأعمش عز أبي بكر، وابن وثاب وابن عباس وسعيد بن المسيب وعكرمة: ﴿مودةٌ﴾ برفعها منونة، ﴿بينَكم﴾ بالنصب، فالرفع على أنها خبر إن، وما موصولة، ومودة إما مصدر بمعنى اسم المفعول، أو على حذف مضاف؛ أي: من
стр. 9677
الأوثان التي اتخذتموها آلهة مودودة محبوبة بينكم، أو سبب مودةٍ وصلة ولقاء بينكم، واجتماع عندها، أو ما مصدرية؛ أي: إن اتخاذكم أوثانًا مودة وصلة واجتماع بينكم؛ أي: سببها.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ﴿مودةُ بينكم﴾ برفع مودة غير منونة وإضافتها إلى بينكم، وروى عن عاصم (١): ﴿مودةُ﴾ بالرفع أو غير تنوين و ﴿بينَكم﴾ بالفتح؛ أي: بفتح النون جعله مبنيًا لإضافته إلى مبني، وهو في موضع خفض بالإضافة، ولذلك سقط التنوين من مودة.
وقرأ نافع وابن عامر، وأبو بكر عز عاصم بنصب (٢): ﴿مودةً﴾ منونًا ونصب ﴿بينَكم﴾ على الظرفية، والعامل فيه المودة، قال أبي علي: المعنى اتخذتم الأصنام للمودة، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ بنصب مودة مع إضافته إلى بينكم، وهذا على الاتساع في جعل الظرف اسمًا لما أضيف إليه. قال المفسرون: معنى الكلام إنما اتخذتموها لتتصل المودة بينكم واللقاء والاجتماع في الحياة الدنيا، وأنتم تعلمون أنها لا تنفع ولا تضر.
٢٦ - والفاء في قوله: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ عاطفة على محذوف تقديره: فكذبه قومه فآمن له، أي: لإبراهيم لوط. يقال: آمن له وآمن به متقارب في المعنى. قال (٣) ابن إسحاق: أول من آمن بإبراهيم لوط، وكان ابن أخيه هاران، وآمنت به سارة، وكانت بنت عمه.
والمعنى (٤): صدَّقه في جميع مقالاته لا في نبوته وما دعا إليه أو التوحيد فقط، فإن كان منزهًا عز الكفر؛ لأن الأنبياء لا يتصور فيهم الكفر، وما قيل: هذه آمن له حين رأى النار، تحرقه، ينبغي أو يُحمل على ما ذكرنا، أو على أنه يراد بالإيمان الرتبة العالية منه، وهي التي لا يرتقي إليها إلا همم الأفراد.
أي: فقال لوط لإبراهيم: صدقتك يا إبراهيم. ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم للوط
стр. 9678
وسارة، وهي ابنة عمه، وكانت آمنت به، وكانت تحت نكاحه ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾؛ في: تارك لقومي وذاهب ﴿إِلَى رَبِّي﴾ أي إلى مكان أمرني روح بالتوجه إليه. قال قتادة: هاجر إبراهيم أو كوثي، وهي قرية أو سواد الكوفة إلى حران مع لوط وسارة زوجته، ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين، ونزل لوط سذوم، وكان عمر إبراهيم إذ ذاك خمسًا وسبعين سنة، وهو أول أو هاجر من أرض الكفر.
وقال زاده (١): يجب الوقف على لوط؛ لأن قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ﴾ من مقول إبراهيم، فلو وُصل لتوهم أن الفعل الثاني للوط فيفسد المعنى. اهـ وهذا على قتل الجمهور، إن الضمير في ﴿قَالَ﴾ لإبراهيم، وقيل: إنه للوط؛ أي: وقال لوط إني مهاجر إلى روح، إلخ، حكاه القرطبي، وعلى هذا فلا يتعين الوقف على لوط، بل يصح وصله بما بعده، اهـ. والأول أولى لرجوع الضمير في ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ إلى إبراهيم.
﴿إِنَّهُ﴾ ﴿هُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب على أمره فيمنعني أو أعدائي ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة ومصلحة، فلا يأمرني إلا بما فيه صلاحي، ومن لم يقدر في بلدة على طاعة الله، فليخرج إلى بلدة أخرى، وفي "التأويلات النجمية" ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾؛ أي: من الله أعز أو أن يصل إليه أحد، إلا بعد مفارقته لغيره ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يقبل بمقتضى حكمته إلا طيبًا من لوث أنانيته.
٢٧ - ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾؛ أي: لإبراهيم أو عجوز عاقر، وهي سارة ﴿إِسْحَاقَ﴾ ولدًا لصلبه؛ أي: من بعدما وهبنا له إسماعيل أو هاجر بأربع عشرة سنة. ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ نافلة، وهي ولد الولد حين أيس من الولادة، قال القاضي (٢): ولذلك لم يذكر إسماعيل، يعني أن المقام مقام الامتنان، والامتنان بهما أكثر لما ذكر، روي أن الله تعالى وهب له أربعة أولاد، إسحاق أو سارة، وإسماعيل من هاجر، ومدين ومداين من غيرهما.
стр. 9679
﴿وَجَعَلْنَا في ذُرِّيَّتِهِ﴾؛ أي في ذرية إبراهيم ونسله، يعني: في بني إسماعيل وبني إسرائيل ﴿النُّبُوَّةَ﴾ والرسالة، فكثر منهم الأنبياء، يقال أخرج من ذريته ألف نبي، وكان شجرة الأنبياء ﴿وَالْكِتَابَ﴾؛ أي: جنس الكتاب المتناول الكتب الأربعة، يعني التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فلم ينزل بعده كتاب إلا على ذريته. ﴿وَآتَيْنَاهُ﴾؛ أي: أتينا إبراهيم وأعطيناه ﴿أَجْرَهُ﴾ وجزاءه بمقابلة هجرته إلينا ﴿في الدُّنْيَا﴾ بإعطاء الولد في غير أوانه، والمال والذرية الطيبة، واستمرار النبوة فيهم، وانتماء أهل الملل إليه، والثناء الحسن، والصلاة عليه إلى آخر الدهر.
أي (١): فبدل الله سبحانه وحدته بكثرة الذرية، وبدل قومه الضالين بقوم مهتدين، وهم ذريته الذين جعل فيهم النبوة والكتاب، وكان لا مال له ولا جاء، وهما غاية اللذة في الدنيا، فأكثر ماله وعظم جاهه، فصارت تقرن الصلاة عليه بالصلاة على سائر الأنبياء، وصار معروفًا بأنه شيخ الأنبياء، بعد أو كان خاملَ الذكر حتى قال قائلهم: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ وهذا لا يقال إلا في المجهول بين الناس، إلى أنه تعالى اتخذه خليلًا وجعله للناس إمامًا، وقيل (٢): أعطاه في الدنيا عملًا صالحًا وعاقبةً حسنةً.
﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: وإن إبراهيم ﴿في الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ أي: لفي عداد الكاملين في الصلاح والتقوى، والمستحقين لتوفير الأجر، وكثرة العطاء، والفوز بالدرجات العلى أو لدن رب العلمين، وهم الأنبياء وأتباعهم صلوات الله وسلامه عليهم، وقصارى أمره أنه سبحانه جمع له بين سعادة الدارين، وآتاه الحسن في الحياتين.
ثم اعلم (٣): بأن الله منَّ على إبراهيم ﵇ بهبة الولد، والولد الصالح الذي يدعى لوالديه أو الأجور الباقية الغير المنقطعة،
стр. 9680
كالأوقاف الجارية، والمصاحف المتلوة، والأشجار المنتفع بها ونحوها، وكذلك منَّ عليه بأن جعل في ذريته النبوة.
ومن الإشارة في الآية أو السعادات أو يكون في ذرية الرجل أهل الولاية الذين هم ورثة الأنبياء، فإن بهم تقدم الدنيا والدين، وتظهر الترقيات الصورية والمعنوية للمسلمين، وتسطع الأنوار إلى جانب أرواح المقربين وأعلى عليين، فيحصل الفخر التام، والشرف الشامل، والانتفاع العام، وهؤلاء من كانوا من النسب الطيني فذاك، وان كانوا من النسب المديني فالأولاد الطيبون، والأحفاد الطاهرون مطلقًا من نعم الله الجليلة:
نِعَمُ الإِلهِ عَلَى الْعِبَادِ كَثِيْرَةٌ ... وَأَجَلُّهُنَّ نَجَابَةُ الأَوْلاَدِ
ربنا هب لنا أو أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا، آمين.
فإن قلت (١): قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ في الدُّنْيَا﴾ الآية، ذكر ذلك في معرض المدح لإبراهيم ﵇ أو الامتنان عليه، وأجر الدنيا فانٍ منقطع بخلاف أجر الآخرة، فكيف ذكره دون أجر الآخرة؟
قلت: بل ذكره أيضًا في قوله: ﴿وَإِنَّهُ في الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إذ المعنى إن له في الآخرة أجر الصالحين وافيًا كاملًا، لكن آخره موافقةً للفواصل.
قصص لوط ﵇
٢٨ - قوله: ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بالعطف على نوحًا، أو على إبراهيم أو بتقدير أذكر. و ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظرف للعامل في لوطًا، قال الكسائي: والمعنى: ولقد أرسلنا لوطًا من قبلك يا محمد، أو أنجينا لوطًا بين قال لقومه من أهل المؤتفكات ﴿إِنَّكُمْ﴾ يا قوم ﴿لَتَأْتُونَ﴾ وتفعلون ﴿الْفَاحِشَةَ﴾؛ أي: الخصلة المتناهية في القبح والفحش، وهي اللِّواطة.
قرأ أبي عمروحمزة والكسائي وأبو بكر (٢) ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بالاستفهام الإنكاري
стр. 9681
التوبيخي، وقرأ الباقون بلا استفهام. وجملة قوله: ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾؛ أي: بتلك الفاحشة ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال الزمخشري: جملة (١) مستأنفة، مقررة لكمال قبح تلك الخصلة، وأنهم منفردون بها، يسبقهم إلى عملها أحد من الناس، على اختلاف أجناسهم، كأن سائلًا قال: لم كانت فاحشة؟ فقيل: لأن أحدًا قبلهم لم يقدم عليها اشمئزازًا منها في طباعهم، لإفراط قبحها، حتى أقدم عليها قوم لوط لخبث طينتهم، قالوا: لم ينز ذكر على ذكر قبل قوم لوط قط؛ أي: مع طول الزمان وكثرة القرون، انتهى. ويظهر (٢) أن ﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا﴾ جملة حالية كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها، غير مسبوقين بها.
والمعنى: أي (٣) واذكر يا محمد لقومك قصص لوط حين أرسلناه إلى أهل سذوم، الذين سكن فيهم وصاهرهم، وانقطع إليهم فصاروا قومه فأنكر عليهم سوء صنيعهم، وقبيح أفعالهم التي اختصوا بها، ولم يسبقهم إليهم أحد من قبلهم لفظاعتها، ونفرة الطباع السليمة منها.
٢٩ - ثم فصل وبيَّن هذه الفاحشة، وكرر الإنكار عليها فقال:
١ - ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ إتيان الشهوة وتلوطونهم، وتستمتعون بهم الاستمتاع بالنساء، والاستفهام هذا وفيما سبق على قراءة، للإنكار والتوبيخ والتقريع.
٢ - ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾؛ أي: تقطعون المارة والمسافرين عن مرورهم في الطريق، قيل إنهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم، فقطعوا السبيل بهذا السبب، قال الفراء: كانوا يعترضون الناس في الطرق بعملهم الخبيث، وقيل: كانوا يقطعون الطريق على المارة بقتلهم ونهبهم، والظاهر أنهم كانوا يفعلون ما يكون سببًا لقطع الطريق أو غير تقييد بسبب خاص، قيل: كانوا يفعلون ذلك لكيلا يدخل الناس في بلدهم،
стр. 9682
ولا يتناولوا من ثمارهم.
والمعنى: أي وتقفون في الطرقات تتعرضون للمارة تقتلونهم وتأخذون أموالهم، وقيل المعنى: تقطعون سبيل الولد، بتعطيل الفرج ووطء أدبار الرجاء.
٣ - ﴿وَتَأْتُونَ﴾؛ أي: تفعلون وتتعاطون أو غير مبالاة ﴿في نَادِيكُمُ﴾؛ أي: في متحدثكم ومجلسكم، ومجتمعكم الجامع لأصحابكم، وهو اسم جنس (١) إذا أنديتهم في مدائنهم كثيرة، ولا يسمى ناديًا إلا ما دام فيه أهله، فإذا قاموا عنه لم يُطلق عليه ناد إلا مجازًا ﴿الْمُنْكَرَ﴾ وهو كل ما تنكره العقول السليمة، والشرائع، والمروءات، وتحكم بقبحه، كاللواطة، والجماع بحضرة الناس، والضراط، وحل الإزار في المجالس، وحل أزراء القباء، والحذف بالبندق، وضرب الأوتار والمزامير، قيل: إنهم كانوا يجلسون في مجالسهم، وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه، فأيهم أصابه، كان يأخذ ما معه ويلوطه ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض يقضي بينهم بذلك، ومنه (هواجور) من قاضي سذوم، ومن أخلاقهم الصفير، وتطريف الأصابع بالحناء، والفرقعة؛ في: مد الأصابع؛ أي: جرها حتى تصوِّت، ولذا كُرهت في الصلاة وخارجها لئلا يلزم التشبه بهم، ومن أخلاقهم مضغ العلك - اللبان -. ولا يكره (٢) للمرأة إن لم تكن صائمةً لقيامه مقام السواك في حقهن، لأن سنها أضعف من سن الرجال، كسائر أعضائها، فيخاف من السواك سقوط سنها، وهو ينقِّي الأسنان ويشد اللثة كالسواك، ويكره للرجل إذا لم يكن من علة كالبخر، لما فيه من التشبه بالنساء، ومن أخلاقهم السباب والفحش في المزاح، يقال المزاح يجلب صغيرة الشرك، وكبيرة الحرب، ومن أخلاقهم اللعب بالحمَام، قيل: كانوا يناقرون بين الديكة ويناطحون بين الكباش، وقيل: كانوا يلعبون بالنرد والشطرنج، ويلبسون المصبغات، ومن اْخلاقهم لباس النساء للرجاء، والمكوس على كل عابر، وهم أول من لاط ومن ساحق، ولا مانع أنهم كانوا يفعلون جميع ذلك.
стр. 9683
وفي هذا إعلام، أنه لا ينبغي أو يتعاشر الناس على المناكير، ولا ينبغي لهم أن يجتمعوا على الهزء والمناهي والملاهي.
وحاصل المعنى (١): أي وتفعلون من الأفعال والأقوال في أنديتكم ومجتمعاتكم ما لا يليق، ويخجل منه أرباب الفطر السليمة، والعقول الراجحة الحصيفة.
زعمت الهند (٢): أن حبس الضراط داء، وإرساله دواء، ولا يحبسون في مجالسهم ضرطة، ولا يرون ذلك عيبًا، وأفلتت من معاوية ريح على المنبر فقال: أيها الناس إن الله خلق أبدانًا وجعل فيها أرياحًا، فمتى يتمالك الناس أن لا تخرج منهم، فقام صعصعة بن صوحان فقال: أما بعد فإن خروج الأرياح في المتوضاة سنة، وعلى المنابر بدعة، وأستغفر الله لي ولكم.
ثم ذكر جوابهم عن نصحه لهم، فقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾؛ أي: فلما أنكر عليهم لوط ما يأتونه من القبائح، ما كان جوابهم إذ نهاهم عما يكرهه الله سبحانه، من إتيان الفواحش التي حرمها الله عليهم ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ له استهزاءً؛ أي: إلا قولهم ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللهِ﴾ الذي تعدنا ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما تعدنا أو نزول العذاب؛ أي: إن كنت صادقًا فيما تقول، ومنجزًا ما تعد، وكان قد أوعدهم بالعذاب على ذلك.
وهذا الجواب (٣) صدر منهم في أول مواعظه، فلما ألحق عليهم في الإنكار والنهي، قالوا: أخرجوهم أو قريتكم إنهم أناس يتطهرون، كما جاء في سورة الأعراف، وفي هذا إيماء إلى شديد كفرهم، وعظيم عنادهم؛ أي: فما أجابوا بشيء إلا بهذا القول رجوعًا إلى التكذيب واللجاج والعناد.
وقد تقدم في سورة النمل ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ وتقدم في سورة الأعراف ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا
стр. 9684
أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ فما بين ما هنا وما في السورتين السابقتين معارضة. وقد جُمع (١) بين هذه الثلاثة المواضع، بأن لوطًا كان ثابتًا على الإرشاد، ومكررًا للنهي لهم، والوعيد عليهم، فقالوا له أولًا: ائتنا بعذاب الله، كما في هذه الآية، فلما كثر منه ذلك، ولم يسكت عنهم قالوا: أخرجوهم، كما في الأعراف والنمل، وقيل: إنهم قالوا أولًا: أخرجوهم، من قريتكم، ثم قالوا ثانيًا: ائتنا بعذاب الله،
٣٠ - ثم إن لوطًا لما أيس من إيمانهم وقبولهم نصحه طلب من الله سبحانه نصره عليهم فـ ﴿قَالَ﴾؛ أي لوط بطريق المناجاة والدعاء يا ﴿رَبِّ﴾ ويا ناصري ﴿انْصُرْنِي﴾ اَننم بإنزال العذاب الموعود ﴿عَلَى﴾ هؤلاء ﴿الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين ابتدعوا الفواحش ورسخوا فيها، وجعلوها سنةً لمن بعدهم، وأصروا عليها، وجعلوا وعيدك لهم تهكمًا وسخرية.
وإنما (٢) وصفهم بالإفساد، ولم يقل عليهم، أو على قومي، مبالغةً في استنزال العذاب عليهم، وإشعارًا بانهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب. قال الطيبي: الكافر إذا وُصف بالفسق أو الإفساد كان محمولًا على غلوه في الكفر.
٣١ - فاستجاب الله سبحانه دعاءه، وبعث لعذابهم ملائكته، وأمرهم بتبشير إبراهيم قبل عذابهم، ولهذا قال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ من الملائكة، وهم جبريل ومن معه ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ الخليل ﴿بِالْبُشْرَى﴾ أي: بالبشارة بالولد، وهو إسحاق، وبالنافلة، وهو يعقوب، وبإهلاك قيم لوط فبشروه بأمرين، بالذرية الطيبة، وبإهلاك قوم لوط، فجاؤوه مبشريق ومنذرين، لكن لما كانت البشارة أثر الرحمة، والإنذار بالإهلاك أثر الغضب، ورحمته سبقت غضبه قدم البشارة على الإنذار، ولما كان في الإهلاك إخلاء الأرض من العباد، قدم على ذلك بشارة إبراهيم بأنه يملأ الأرض أو العباد الصالحين اهـ "أبو السعود" بتصرف.
﴿قَالُوا﴾؛ أي: قالت الرسل لإبراهيم في تضاعيف الكلام ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ التي هي قرية سذوم، التي كان فيها لوط، والإضافة فيه لفظية؛ لأن
стр. 9685
المعنى على الاستقبال. ﴿إِنَّ أَهْلَهَا﴾؛ أي: أصحاب هذه القرية ﴿كَانُوا ظَالِمِينَ﴾؛ أي: مستمرين على الظلم بإصرارهم على الكفر والتكذيب وأنواع المنكرات، والجملة تعليل للإهلاك؛ أي: إهلاكنا لهم بهذا السبب
٣٢ - ولما قالت الملائكة لإبراهيم ذلك: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم للرسل إشفاقًا على المؤمنين ومجادلةً عنهم ﴿إِنَّ فِيهَا﴾؛ أي: من في هذه القرية التي تريدون إهلاكها ﴿لُوطًا﴾ رسول الله، وهو غير ظالم، فكيف تهلكونها؟ قيل سمي بلوط لأن حبه ليط بقلب عمه إبراهيم، أي علق ولصق، وكان إبراهيم يحبه حبًا شديدًا. ﴿قَالُوا﴾؛ أي: الملائكة في جواب إبراهيم ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك يا إبراهيم ﴿بِمَنْ فِيهَا﴾؛ أي: بمن في تلك القرية أو لوط وغيره، ولسنا بغافلين عن حال لوط، فلا تخف أو يقع حيف على مؤمن، وعزة الله وكبريائه ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾؛ أي: لننجين لوطًا ﴿وَأَهْلَهُ﴾؛ أي: ابنتيه زاعورا ورويثا من العذاب.
قرأ الأعمش وحمزة والكسائي ويعقوب (١): ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ بالتخفيف، مضارع أنجى الرباعي أو باب أعلم، وقرأ باقي السبعة بالتشديد مضارع نجى المضعف، وقرأ الجمهور بتشديد النون، وفرقة بتخفيفها.
﴿إلَّا امْرَأَتَهُ﴾ أي: إلا امرأة لوط وزوجته المنافقة واعلة ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: كانت في علم الله وحكمه الأزلي من الباقين في العذاب، المنغمسين فيه بسبب أو للدال على الشر نصيبًا من العذاب كفاعله، وهي كانت تدل القوم على أضياف لوط، وقيل: المعنى من الباقين في القرية، التي سينزل بها العذاب، فتعذب من جملتهم، ولا تنجو فيمن نجا.
ومعنى الآية (٢): أي قال إبراهيم إشفاقًا على لوط ليعلم حاله: إن في القرية لوطًا، وهو ليس من الظالمين لأنفسهم، بل هو رسل الله تعالى وأهل الإيمان به، والطاعة له، فقال الرسل: نحو أعلم منك بمن فيها من الكافرين، وبأن لوطًا ليس منهم.
стр. 9686
ثم زادوا ما سلف إيضاحًا، وطمأنوه بذكر ما يسره من نجاته بقولهم: لننجينه وأهله ... إلخ؛ أي: لننجين لوطًا وأتباعه من الهلاك، الذي هو نازل بأهل القرية إلا امرأته، فإنها من الباقين في العذاب لممالأتها إياهم على الكفر والبغي، وفعل الخبائث.
٣٣ - ثم ذكر ما كان من أمر لوط، حين مجيء الرسل ضيوفًا لديه، فقال: ﴿وَلَمَّا﴾: حرف شرط لا ظرف، خلافًا للفارسي، كما هو مذكور في علم النحو.
﴿أَنْ﴾ زائدة زيدت بعد لما، وهو قياس مطرد، وقال الزمخشري (١): (أن) صلة أكدت وجود الفعلين، مترتبًا أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما، كأنهما وجدا في جزء واحدٍ من الزمان، كأنه قيل: لما أحس بمجيئهم، فاجأت المساءة من غير وقت خيفةً عليهم من قومه، انتهى.
أي: ولما ﴿جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ المذكورون بعد مفارقة إبراهيم ﴿لُوطًا سِيءَ﴾؛ أي: حزن ﴿بِهِمْ﴾؛ أي: بسببهم؛ أي (٢): اعتراه المساءة والحزن بسببهم مخافة أن يتعرض لهم قومه بسوء؛ أي: بفاحشة؛ لأنهم كانوا يتعرضون للغرباء، ولم يعرف لوط أنهم ملائكة، وإنما رأى شبانًا مردًا، حسانًا، بثياب حسان، وريح طيبة، فظن أنهم من الإنس ﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾؛ أي: بشأنهم ﴿ذَرْعًا﴾؛ أي: قلبًا؛ أي: ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه؛ أي: طاقته؛ أي: عجز عن تدبير شأنهم، فلم يدر أيأمرهم بالخروج أم بالنزول، كقولهم: ضاقت يده، وبإزائه رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقًا به، قادرًا عليه، وذلك أن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع.
وقرأ الجمهور (٣): ﴿سِيءَ﴾ بكسر السين، وضمها نافع وابن عامر والكسائي، وقرأ عيسى وطلحة: ﴿سوء﴾ بضمها، وهي لغة بني هذيل وبني وبير يقولون في قيل وبيع ونحوهما قول وبوع.
стр. 9687
﴿وَ﴾ لما شاهدت الملائكة ما حل به من الحزن والتضجر ﴿قَالُوا﴾ للوط: ﴿لَا تَخَفْ﴾ علينا من قومك ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ لأجلنا فإنا ملائكة لا يقدرون علينا، أو المعنى: لا تخف علينا، ولا تحزن على هلاك قومك.
والمعنى: أي ولما جاءت الملائكة من عند إبراهيم إلى لوط على صورة بشر حسان الوجوه، خاف عليهم من قومه، وحصلت له مساءة وغم بسببهم، مخافة أن يقصدهم أحد بسوء، وهو عاجز عن مدافعة قومه، وتدبير الحيلة لحمايتهم، ودفع الأذى عنهم، وحين رأوه على هذه الحال من القلق والاضطراب قالوا له: هوِّن على نفسك، ولا تخف علينا، ولا تحزن بما نفعله بقومك، فإنهم قد بلغوا في الخبث مبلغًا لا مطمع في رجوعهم عنه، مهما نصحْت وألحفت في الإرشاد.
ثم ذكروا ما يوجب زوال خوفه وحزنه، وما يشيرون به إلى أنهم ملائكة، فقالوا: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ من العذاب الذي سينزل بقومك ﴿و﴾ منجو ﴿أَهْلَكَ﴾ وأتباعك معك، فلن يصيبكم ما يصيبهم منه ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ فإنها ﴿كَانَتْ﴾ في سابق علم الله وحكمه الأزلي ﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾؛ أي: من الهالكين لمظاهرتها إياهم، والميل إلى شد أزرهم، والدفاع عنهم، فقد كانت تدلهم على ضيوفه، فيقصدونهم بالسوء، فصارت شريكة لهم في الجرم.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر ونافع وحفص (١): ﴿مُنَجُّوكَ﴾ بالتشديد، وقرأ حمزة والكسائي وشعبة ويعقوب والأعمش ﴿منجوك﴾ بالتخفيف والكاف في مذهب سيبويه في موضع جر، ولا يجوز عطف الظاهر على الضمير المخفوض، وحينئذ (أهلك) منصوب على إضمار فعل؛ أي: وننجي أهلك، ومن راعى هذا الموضع عطفه على موضع الكاف، والكاف على مذهب الأخفش وهشام في موضع نصب، وأهلك معطوف عليه؛ لأن هذه النون كالتنوين، وهما على مذهبهما يحذفان، للطافة الضمير وشدة طلبه الاتصال بما قبله.
стр. 9688
٣٤ - وبعد أن بشروه بالنجاة قالوا له: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني سذوم، وكانت مشتملة (١) على سبع مئة ألف رجل، كما في "كشف الأسرار". ﴿رِجْزًا﴾ أي: عذابًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾؛ أي: نازلًا من جهتها، وهذه الجملة مستأنفة لبيان هلاكهم المفهوم من تخصيص التنجية به وبأهله، والرجز: العذاب الذي يقلق المعذب؛ أي: يزعجه، وهو الرمي بالحجارة، وقيل: إحراقهم بنار نازلة من السماء، وقيل: هو الخسف والحصب، كما في غير هذا الموضع، ومعنى كون (٢) الخسف من السماء: أن الأمر به نزل من السماء.
وقرأ ابن عامر ﴿منزّلون﴾ بالتشديد، وبها قرأ ابن عباس. وقرى الباقون بالتخفيف، وقرأ ابن محيصن ﴿رُجزًا﴾ بضم الراء، والباء في قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ للسببية؛ أي: بسبب فسقهم المستمر، وفعلهم الخبيث، وقرأ أبو حيوة والأعمش بكسر سين ﴿يَفْسُقُونَ﴾ فانتسف جبريل المدينة وما فيها بأحد جناحيه، فجعل عاليها سافلها، وانصبت الحجارة على من كان غائبًا عنها؛ أي: بعد خروج لوط مع بناته منها.
وأشهر الآراء (٣) أن الزلزلة خسفت بهم الأرض، وابتعلتهم في باطنها، وصار مكان قريتهم بحيرةً ملِحة (البحر الميِّت).
٣٥ - ثم بيَّن أن ما حل بهم عبرة لمن اعتبر وادَّكر، فقال: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: ولقد أبقينا من القرية، و ﴿من﴾ (٤) للتبيين، لا للتبعيض؛ لأن المتروك الباقي ليس بعض القرية بل كلها. ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾؛ أي: علامة ودلالة واضحة ظاهرة، وهي قصتها العجيبة، وحكايتها السابقة، أو آثار ديارها الخربة، أو الحجارة الممطورة التي رُجموا بها، التي على كل واحد منها اسم صاحبها، فإنها كانت باقية بعدها، وأدركها أوائل هذه الأمة.
وقال مجاهد: ظهور الماء الأسود الباقي على وجه أرضيهم حين خسف
стр. 9689
بهم، وهي بين القدس والكرك، وكان منتنًا يتأذى الناس برائحته من مسافة بعيدة، ولا مانع من حمل الآية على جميع ما ذكر.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: يستعملون عقولهم في الاعتبار، وهو متعلق إما بتركنا أو بينة، وفيه إشارة إلى شرف العقل، فإنه هو الذي يعتبر ويردع الإنسان عن الذنب، والوقوع في الخطر، وخص من يعقل؛ لأنه الذي يفهم أن تلك الآثار عبرة يعتبر بها من يراها.
قيل: كل شيء إذا كثر رخص غير العقل، فإنه إذا كثر غلا، قال أعرابي: لو صُوِّر العقل لأظلمت معه الشمس، ولو صُوِّر الحمق لأضاء معه الليل؛ أي: لكان الليل مضيئًا بالنسبة إليه، مع أنه لا ضوء فيه من حيث إنه ليل.
والخلاصة: أي وعزتي وجلالي، لقد أبقينا بما فعلنا بهم عبرةً بينة، وعظة زاجرة، لقوم يستعملون عقولهم في الاستبصار، وجعلناها مثلًا للآخرين. ونحو الآية قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قصة شعيب ﵇
٣٦ - وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ متعلق بمحذوف، تقديره: ولقد أرسلنا إلى أهل مدين ﴿أَخَاهُمْ﴾ من النسب ﴿شُعَيْبًا﴾ عطف بيان، أو بدل من أخاهم؛ لأنه من نسبهم؛ أي: ولقد أرسلنا إلى مدين نبيهم شعيبًا. ﴿فَقَالَ﴾ شعيب بطريق الدعوة ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ﴾ سبحانه وحده؛ أي: أفردوه بالعبادة، وخصوه بها، وأخلصوها له ﴿وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾؛ أي: وارجوا بعبادتكم إياه اليوم جزاء اليوم الآخر وثوابه، وقيل: المعنى خافوا اليوم الآخر، وافعلوا اليوم من الأعمال ما يدفع عذابه عنكم.
قال يونس النحوي: معناه: اخشوا الآخرة، التي فيها الجزاء على الأعمال، اهـ. والمراد به يوم القيامة؛ لأنه آخر الأيام، والمعنى؛ أي: توقعوه وما سيقع فيه من فنون الأحوال، وافعلوا اليوم من الأعمال ما تنتفعون به في
стр. 9690
العاقبة، وتأمنون من عذاب الله، وقيل: معناه وارجوا يوم الموت؛ لأنه آخر عمرهم.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مدين؛ أي: لا تفسدوا فيها، ولا تبغوا على أهلها، فتنقصوا المكيال والميزان، وتقطعوا الطريق على الناس حال كونكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ فيها؛ أي: مظهرين ومجاهرين الفساد فيها بالتطفيف؛ أي: لا تعتدوا حال إفسادكم، بل توبوا إلى ربكم، وأنيبوا إليه، وإنما قيد (١) العثو بالإفساد وإن غلب فيه؛ لأنه قد يكون فيه ما ليس بفساد، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله، ومنه ما يتضمن صلاحًا راجحًا، كقتل الخضر الغلام، وخرقه السفينة، ويمكن (٢) أن يقال: نصب ﴿مفسدين﴾ على المصدر، كما يقال: قم قائمًا؛ أي: قيامًا، واجلس قاعدًا؛ أي: قعودًا.
فائدة: قال الفخر الرازي (٣): وأضيف شعيب هنا إلى قومه حيث قال: ﴿أخاهم شعيبًا﴾ بخلاف ما ذكره في قصة نوح وإبراهيم ولوط، فإنه أضاف القوم إليهم حيث قال: قوم نوح، وقوم إبراهيم، وقوم لوط؛ لأن الأصل في جميع المواضع أن يُذكر القوم، ثم يُذكر رسولهم؛ لأن الله سبحانه لا يبعث رسولًا إلى غير معين، غير أن قوم نوح وإبراهيم ولوط لم يكن لهم اسم خاص، ولا نسبة مخصوصة يعرفون بها، فعرفوا بالإضافة لنبيهم، فقيل: قوم نوح وقوم لوط وقوم إبراهيم، وأما قوم شعيب وهود وصالح فكان لهم نسب معلوم اشتهروا به عند الناس، فجرى الكلام على أصله، فقال: وإلى مدين أخاهم شعيبًا، وإلى عاد أخاهم هودًا ﵁. اهـ.
وقال الرازي أيضًا: قوله: ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ في قصة شعيب لم يُذكر عن لوط أنه أمر قومه بالعبادة والتوحيد، وذُكر عن غيره ذلك؛ لأن لوطًا كان في زمن إبراهيم، وإبراهيم سبقه بذلك حتى اشتهر الأمر بالتوحيد عند الخلق، وإنما ذكر عنه ما اختص به من النهي عن الفاحشة، وأما غيره فجاؤوا في زمن غير
стр. 9691
مشتهر بالتوحيد فأمروا به، اهـ.
٣٧ - ثم ذكر ما أعقب هذا النصح فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ أي: فكذبوا شعيبًا فيما جاءهم به من عند ربهم، ولم يمتنعوا من الفساد.
فإن قيل (١): كيف يكذب شعيب في قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا﴾ مع أنه لا يكذب الآمر ولا الناهي، وإنما يكذب المخبر لكون الكذب معناه: عدم مطابقة الخبر للواقع؟
قلنا: ما ذكره من الأمر والنهي يتضمن جملًا إخباريةً، فكأنه قال: الله واحد فاعبدوه، والحشر كائن فارجوه، والفساد محرم فلا تقربوه، فالتكذيب يرجع إلى الإخبارات الضمنية. اهـ زاده.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ﴾ أي: أهلكتهم ﴿الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الشديدة حتى تهدمت عليهم دورهم، فإن قيل (٢): قال هنا وفي الأعراف: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي هود ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: صيحة جبريل، فإنها الموجبة للرجفة بسبب تمويجها للهواء وما يجاوره من الأرض، والقصة واحدة؟ قلنا: يجوز أن يجتمع على إهلاكهم سببان الزلزلة والصيحة، وقيل: لا معارضة؛ لأن المعنى: إن جبريل صاح فتزلزلت الأرض من صيحته، فرجفت في قلوبهم، والإضافة إلى السبب لا تنافي الإضافة إلى سبب السبب. اهـ. "زاده".
﴿فَأَصْبَحُوا﴾؛ أي: صاروا ﴿فِي دِيَارِهِمْ﴾؛ أي: في بلدهم أو في منازلهم، ولم يجمع (٣) هنا بأن يقال في ديارهم لأمن اللبس ﴿جَاثِمِينَ﴾؛ أي: باركين على الركب، ميِّتين مستقبلين بوجوههم الأرض؛ أي: فصاروا في مجمعهم ميِّتين لا يتحركون، وذلك بسبب عدم استماعهم إلى داعي الحق، وتزلزل باطنهم، فالجزاء من جنس العمل، وقد تقدمت هذه القصة مبسوطة في هذه السور الأعراف وهود والشعراء.
стр. 9692
قصص هود وصالح ﵉
٣٨ - قوله: ﴿وَعَادًا﴾ منصوب بإضمار فعل دل عليه ما قبله، وهو قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أي: وأهلكنا عادًا قوم هود ﴿وَثَمُودَ﴾ قوم صالح، وهو غير مصروف على تأويل القبيلة ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾؛ أي: وقد ظهر لكم يا أهل مكة إهلاكنا إياهم ﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾؛ أي: من جهة بقية منازلهم الكائنة باليمن ديار عاد، والحجر ديار ثمود، وهو واد بين المدينة والشام، إذا نظرتم إليها عند مروركم بها في أسفاركم إلى الشام واليمن.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾؛ أي: وما سبب ذلك الإهلاك إلا أن زين لهم الشيطان أعمالهم القبيحة، من فنون الكفر والمعاصي، وحسنها في أعينهم بوسوسته وإغوائه ﴿فَصَدَّهُمْ﴾ الشيطان، وصرفهم بهذا التزيين ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾؛ أي: عن الطريق السوي، الذي وجب عليهم سلوكه، الموصل إلى الحق الذي هو التوحيد والطاعة.
﴿وَ﴾ الحال أنهم ﴿كَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾؛ أي: والحال أن عادًا وثمود قد كانوا ذوي بصيرة، عقلاء، متمكنين من النظر والاستدلال بواسطة الرسل التي أرسلت إليهم، ولكنهم لم يفعلوا ذلك لمتابعتهم الشيطان، فلم ينتفعوا بعقولهم في تمييز الحق من الباطل، فكانوا كالحيوان الغير العاقل، وقيل: المعنى: وكانوا مستبصرين في كفرهم وضلالتهم، معجبين بها، يحسبون أنهم على هدى، ويرون أن أمرهم حق، فوصفهم بالاستبصار على هذا، باعتبار ما عند أنفسهم.
وقرأ ثمود بغير تنوين حمزة والحسن وحفص، وباقي السبعة بالتنوين. وقرأ ابن وثاب ﴿وعاد وثمود﴾ بالخفض فيهما والتنوين عطفًا على مدين؛ أي: وأرسلنا إلى عاد وثمود، وقرأ الأعمش مساكنهم بالرفع من غير من، فيكون فاعلًا لـ ﴿تَبَيَّنَ﴾ ذكره أبو حيان في "البحر".
ومعنى الآية (١): أي وأهلكنا أيضًا عادًا قوم هود ﵇، وكانوا
стр. 9693
يسكنون الأحقاف، وهي قريبة من بلاد اليمن، وثمود قوم صالح، وكانوا يسكنون الحجر قريبًا من وادي القرى مع ما كانوا عليه من العتو والتكبر، وكانت العرب تعرف مساكنهم معرفة تامة، وتمر عليهم كثيرًا، وترى ما حل بهم، وما سبب ما جرى عليهم، إلا أن زين لهم الشيطان أعمالهم من عبادة غير الله تعالى، وصدهم عن الطريق السوي الذي يوصلهم إلى النجاة، وقد كانوا متمكنين من النظر والاستبصار، فلم يكن لهم عذر في الغفلة، وعدم التدبر في العواقب.
قصص موسى ﵇
٣٩ - قوله: ﴿وَقَارُونَ﴾ معطوف على عادًا؛ أي: وأهلكنا قارون ابن عم موسى، وقدمه على فرعون لشرف نسبه بقرابته من موسى، ففيه (١) تنبيه لكفار قريش على أن شرف نسمبهم لا يخلِّصهم من العذاب، كما لم يخلص قارون.
﴿و﴾ أهلكنا ﴿فِرْعَوْنَ﴾ اللعين ﴿وَهَامَانَ﴾ وزير فرعون؛ أي: أهلكنا هؤلاء بعد أن جاءتهم الرسل فاستكبروا عن الحق، كما ذكره بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: وعزتي وجلالي، لقد جاء هؤلاء الثلاثة المذكورين، وأتباعهم، موسى ﵇ بالبينات، والدلالات الواضحة، والمعجزات الباهرة. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن عبادة الله ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: في أرض مصر، وتعظموا عن قبول الحق الذي جاء به موسى.
وفي قوله (٢): ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أي: عن الإقرار بالصانع وعبادته في الأرض، إشارة إلى قلة عقولهم؛ لأن من في الأرض يشعر بالضعف، ومن في السماء يُشعر بالقوة، ومن في السماء لا يستكبرون عن عبادة الله سبحانه، فكيف من في الأرض.
﴿وَمَا كَانُوا﴾؛ أي: وما كان هؤلاء وأتباعهم ﴿سَابِقِينَ﴾ عذابنا فائتين مفلتين منه، بل أدركهم أمر الله فهلكوا، من قولهم: سبق طالبه، إذا فاته ولم
стр. 9694
يدركه، وقيل: المعنى وما كانوا سابقين غيرهم إلى الكفر، بل قد سبقهم إليه قرون كثيرة؛ أي تلك عادة الأمم مع رسلهم.
ومعنى الآية: أي وأهلكنا أيضًا قارون صاحب الأموال الطائلة والكنوز الكثيرة، وفرعون ملك الملوك في عصره ومصره، ووزيره هامان، ولقد جاءهم موسى بآيات بينات، تدل على صدق رسالته، فاستكبروا في الأرض، وأبوا أن يصدقوه، وأن يؤمنوا به، وما كانوا فائتين الله ولا هاربين من عقابه، بل هو قادر عليهم، وآخذهم أخذ عزيز مقتدر.
عاقبة الأمم المكذبة لرسلها
٤٠ - والفاء في قوله: ﴿فَكُلًّا﴾ من الأمم المكذبة ﴿أَخَذْنَا﴾ وعاقبنا ﴿بِذَنْبِهِ﴾؛ أي: بكفره وتكذيبه، تفسيرية؛ لأنها دخلت على الكلام المفسر، لما يُنبىء عنه عدم سبقهم بطريق الإبهام؛ أي: كل واحد من الأمم المذكورة أخذنا بذنبه، أي عاقبناه بجنايته، لا بعضهم دون بعض، كما يُشعر به تقديم المفعول.
وفيه دليل على أنه تعالى لا يعاقب أحدًا إلا بذنبه، وأنهم يقولون إنه تعالى لو عاقب ابتداءً جاز، والجواب: نحن لا ننكر أنه تعالى يعاقب الكفار على كفرهم، والمذنبين بذنبهم، وإنما الكلام في أنه لو عاقب ابتداء لا يكون ظالمًا؛ لأنه يفعل ما يشاء بحكم الملك المطلق، والفاء في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ تفصيلية؛ لأنها دخلت على الجملة المفصلة للأخذ المذكور؛ أي (١): أهلك الله سبحانه الأمم المكذبة بأربعة ألوان من العذاب:
١ - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا﴾ وسلطنا ﴿عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾؛ أي: ريحًا عاصفًا فيه حصباء، وهي الحصى الصغار، كقوم عاد إذا قالوا: مَن أشد منا قوة، فجاءتهم ريح صرصر، عاتية، باردة، شديدة الهبوب، تحمل الحصباء فألقتها عليهم، أو أرسل عليهم ملكًا رماهم بها، وهم قوم لوط.
стр. 9695
٢ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ﴾ وأهلكته ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ أي: صيحة جبريل كمدين وثمود، حين قامت عليهم الحجة، ولم يؤمنوا، بل استمروا في طغيانهم وكفرهم، وتهددوا نبي الله صالحًا ومن آمن معه، فصاح بهم جبريل صيحة واحدة فانشقت قلوبهم، وزهقت أرواحهم، وأخمدت منهم الأصوات والحركات.
٣ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون وأصحابه الذي طغى وبغى، وعصى الرب الأعلى، ومشى في الأرض مرحًا، وتاه بنفسه عجبًا، فخسف الله به وبداره الأرض، وهو الجزاء الوفاق لعمله؛ لأن المال الكثير يوضع غالبًا تحت الأرض.
٤ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ في الماء، كقوم نوح أغرقوا بالطوفان، وفرعون وهامان وجنودهما، أغرقوا في صبيحة يوم واحد.
ثم بيَّن أن هذه العقوبة جزاء ما اجترحوا من الآثام والذنوب، ولم تكن ظلمًا لهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ﴾ سبحانه ﴿لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بما فعل بهم، بأن يضع العقوبة في غير موضعها، فإن ذلك محال في جهته تعالى؛ لأنه قد أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبين لهم طريق الحق والنجاة ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ باستمرارهم على الكفر، وتكذيبهم للرسل، وعملهم بالمعاصي الموجبة للعقوبة والعذاب.
والمعنى: أي ولم يكن الله ليهلكهم بغير جرم اجترموه؛ لأن ذلك ليس من سننه تعالى، وهو لا يوافق منهج الحكمة، فلا يصدر عن الحكيم، ولكنه أهلكهم بذنوبهم وكفرهم بربهم، وجحودهم نعمه عليهم، وتقلبهم في آلائه، وعبادتهم غيره، ومعصيتهم من أنعم عليهم.
قال وهب بن منبه (١): قرأت في بعض الكتب حلاوة الدنيا مرارة الآخرة، ومرارة الدنيا حلاوة الآخرة، وظمأ الدنيا ريُّ الآخرة، وريُّ الدنيا ظمأ الآخرة، وفرح الدنيا حزن الآخرة، وحزن الدنيا فرح الآخرة، ومن قدَّم شيئًا من خير أو
стр. 9696
شر وجده، والأمر بآخره، ألا ترى أن هؤلاء المذكورين، لما صار آخر أمرهم التكذيب أوخذوا عليه، ولو صار آخر أمرهم التصديق لسومحوا فيما صدر عنهم أولًا.
والحاصل: أنهم لما عاشوا على الإصرار هلكوا على العذاب، ويحشرون على ما ماتوا عليه، ولذا يقولون عند القيام من قبورهم: واويلاه، فقد وعظ الله سبحانه بهذه الآيات أهل مكة، ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة، ليعتبروا وينتفعوا بعقولهم، ويجتنبوا عن الظلم والأذى والاستكبار والإفساد، فإن فيه الصلاح والنجاة والفوز بالمراد، لكن التربية والإرشاد إنما تؤثر في المستعد من العباد، والقرآن كالبحر، وإنما يتطهر به من كان من شأنه ذلك، كالإنسان، وأما الكلب فلا. نسأل الله سبحانه الخروج من موطن النفس، والإقامة في حظيرة القدس.
٤١ - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ وجعلوا لأنفسهم ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ سبحانه ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ وآلهة وأنصارًا يوالونهم، ويتكلون عليهم في حاجاتهم من دون الله سبحانه، سواء كانوا من الجماد أو الحيوان، ومن الأحياء أو من الأموات؛ أي: صفتهم العجيبة فيما اتخذوه معتمدًا وملجأً ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ﴾ التي ﴿اتَّخَذَتْ﴾ ونسجت لنفسها ﴿بَيْتًا﴾؛ أي: كمثلها فيما نسجته في الوهن، بل ذلك أوهن من هذا؛ لأن له حقيقة وانتفاعًا في الجملة.
فالآية (١) من قبيل تشبيه الهيئة بالهيئة لتشبيه حال من اتخذ الأصنام أولياء وعبدها، واعتمد عليها راجيًا نفعها وشفاعتها بحال العنكبوت التي اتخذت بيتًا، فكما أن بيتها لا يدفع عنها حرًا ولا بردًا، ولا مطرًا ولا أذًى، وينتقض بأدنى ريح، فكذلك الأصنام لا تملك لعابديها نفعًا لا ضرًا، ولا خيرًا ولا شرًا.
ومن تخيل السراب شرابًا، لم يلبث إلا قليلًا حتى يعلم أنه كان تخييلًا، ومن اعتمد شيئًا سوى الله، فهو هباء لا حاصل به، وهلاكه في نفس ما اعتمد. ومن اتخذ سواه ظهيرًا، قطع من نفسه سبيل العصمة، ورد إلى حوله وقوته.
стр. 9697
وقيل (١): معنى هذا المثل: إن المشرك الذي يعبد الأصنام بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد الله، مثل العنكبوت تتخذ بيتًا من نسجها بالإضافة إلى رجل بني بيتًا بآجر وجص، أو تحته من صخر له حائط، يحول عن تطرق الشرور إلى من فيه، وسقف مظل يدفع عنه البرد والحر، فكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتًا بيتًا بيت العنكبوت، فكذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينًا دينًا عبادة الأوثان؛ لأنها لا تضر ولا تنفع.
قال الفراء (٢): ولا يحسن الوقف على العنكبوت؛ لأنه لما قصد بالتشبيه بيتها الذي لا يقيها من شيء، شُبهت الآلهة التي لا تنفع ولا تضر به، وقد جوز الوقف على العنكبوت الأخفش، وغلَّطه ابن الأنباري، قال؛ لأن ﴿اتخذت﴾ صلة للعنكبوت، كأنه قال: كمثل العنكبوت التي اتخذت بيتًا، فلا يحسن الوقف على الصلة دون الموصول، والعنكبوت هي الدويبة الصغيرة التي تنسج نسجًا رقيقًا، كما سيأتي في التصريف.
وحاصل المعنى (٣): أي مثل الذين اتخذوا الأصنام والأوثان من دون الله أولياء، يرجون نصرهم ونفعهم لدى الشدائد في قبيح احتيالهم وسوء اختيارهم لأنفسهم، كمثل العنكبوت في ضعفها وقلة حيلتها، اتخذت لنفسها بيتًا يكنها من حر وبرد، ويدفع أذى، فلم يُغن عنها شيئًا حين حاجتها إليه، فكذلك هؤلاء المشركون، لم يُغن عنهم أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحله الله بهم، من سوء العذاب بكفرهم به وعبادتهم سواه.
وخلاصة ذلك: أن بيت العنكبوت لا يكن ولا يمنع أذى الحر والبرد، كما هو شأنها فيما ترون، فكذلك المعبود، ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق، وجر المنافع ودفع المضار، وما عبده الكافرون لم يفدهم شيئًا من ذلك، فكيف يُصرون على عبادتهم؟
стр. 9698
ثم ذكر جهلهم وسوء تقديرهم لما صنعوا، فقال: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ وأضعفها ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لا بيت أضعف منه، وأوهن فيما يتخذه الهوام بيتًا، ولا يدانيه في الوهي والوهن شيء من ذلك؛ لأنه بلا أساس، ولا جدار، ولا سقف، لا يدفع الحر والبرد، ولذا كان سريع الزوال، وفيه إشارة إلى أنه لا أصل لموالاة ما سوى الله، فإنه لا أس لبنيانها.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: شيئًا من الأشياء لجزموا أن هذا مثلهم وابتعدوا عن اعتقاد ما هذا مثله، أو لو كانوا يعلمون أن اتخاذهم الأولياء من دون الله، كاتخاذ العنكبوت بيتًا، ما اتخذوهم أولياء.
والمعنى: أي لو كان هؤلاء الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعلمون أن أولياءهم لا يجدونهم فتيلًا ولا قطميرًا، كما لا يجدي بيت العنكبوت عنها شيئًا .. ما فعلوا ذلك الاتخاذ، لكنهم قد بلغ بهم الجهل وسوء التقدير حدًا لا يستطيعون معه العلم بعواقب ما يفعلون، ومن ثم فهم يحسبون أنهم ينفعونهم ويقربونهم إلى الله زلفى.
٤٢ - ثم زاد الإنكار توكيدًا وتثبيتًا، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ فهو على تقدير القول؛ أي: قل يا محمد لهؤلاء الكفرة، تهديدًا لهم أن الله سبحانه يعلم ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ ويعبدون، وما استفهامية منصوبة بـ ﴿يَدْعُونَ﴾، ويعلم معلق عنها؛ أي: يعلم أي شيء يعبدون ﴿مِنْ دُونِهِ﴾؛ أي: من دون الله ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من للتبيين؛ أي: سواء كان ما يدعون صنمًا أو نجمًا أو ملكًا أو جنيًا أو غيره لا يخفى عليه ذلك، فهو يجازيهم على كفرهم؛ أي: إن الله يعلم حال ما تعبدون من دونه من الأصنام والأوثان والجن والإنس، وإنها لا تنفعكم ولا تضركم، إن أراد الله بكم سوءًا، وإن مثلها في قلة غنائها لكم كمثل بيت العنكبوت في قلة غنائه لها، ويحتمل كون ﴿مَا﴾ موصولة؛ أي: إن الله يعلم الذين تدعونهم من دونه، وكونها نافية، والمعنى؛ أي: إن الله يعلم أنه ليس الذين يدعون من دونه شيئًا، إذ هو لحقارته وقلة الاعتداد به لا يسمى شيئًا.
стр. 9699
وقرأ أبو عمرو وسلام (١): ﴿يعلم ما﴾ بالإدغام، والجمهور بالفك. وقرأ الجمهور: ﴿تدعون﴾ بتاءالخطاب، وقرأ أبو عمرو وعاصم بخلاف عنه بياء الغيبة، واختار هذه القراءة أبو عبيدة لذكر الأمم قبل هذه الآية.
﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿الْعَزِيزُ﴾؛ أي: الغالب، القادر على الانتقام ممن كفر به، وأشرك معه في عبادته غيره، فاتقوا أيها المشركون به عقابه بالإيمان به، قبل نزوله بكم، كما نزل بالأمم الذين قص الله قصصهم في هذه السورة، فإنه إن نزل بكم، لم تغن عنكم أولياؤكم الذين اتخذتموهم من دونه شيئًا، وهو سبحانه ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ أي: ذو الحكمة البالغة في ترك المعاجلة بالعقوبة، أو الحكيم في تدبير خلقه، فمهلك من استوجب عمله الهلاك، ومؤخر من رأى فيه الرجاء للصلاح والاستقامة.
٤٣ - ولما كان (٢) الجهلة والسفهاء من قريش يقولون: إن رب محمد لا يستحيي أن يضرب مثلًا بالذباب والبعوضة والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، بيَّن فائدة ضرب الأمثال، فقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ والأشباه؛ أي: هذا المثل وغيره من الأمثال المذكورة في القرآن، والمثل كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول؛ أي: تشبيه حال الثاني بالأول.
﴿نَضْرِبُهَا﴾؛ أي: نذكرها ونبينها ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ أي: لأهل مكة وغيرهم تقريبًا لما بعد عن أفهامهم، وإيضاحًا لما أشكل عليهم أمره واستعصى عليهم حكمه، ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾؛ أي: وما يفهم حسن تلك الأمثال، وفائدتها التي ضربناها لأجلها ﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ بالله، الراسخون في العلم، المتدبرون في الأشياء على ما ينبغي، المتفكرون فيما يُتلى وما يشاهدونه، وهم الذين عقلوا عن الله؛ أي: ما صدر عنه، فعملوا بطاعته، واجتنبوا سخطه، والعالم في الحقيقة من حجزه علمه عن المعاصي، فالعاصي جاهل وإن كان عالمًا صورة.
стр. 9700
فإن قيل: لِمَ (١) لَمْ يقل وما يعلمها إلا العاقلون، والعقل يسبق العلم؟
قلنا: لأن العقل آلة، تُدرك بها معاني الأشياء بالتأمل فيها، ولا يمكن التأمل فيها والوصول إليها بطريقها إلا بالعلم، ودلت الآية على فضل العلم على العقل، ولا عالم منا إلا وهو عاقل، فأما العاقل فقد يكون غير عالم.
٤٤ - ولما قدم سبحانه أن لا معجز له سبحانه، ولا ناصر لمن خذله، أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿خَلَقَ اللَّهُ﴾؛ أي: أنشا وأوجد ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ﴾ على غير مثال سابق، حالة كونه سبحانه متلبسًا ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي (٢): مراعيًا للحكم والمصالح، على أنه حال من فاعل خلق، أو حالة كونها متلبسة بالحق الذي لا محيد عنه، مستتبعةً للمنافع الدينية والدنيوية، على أنه حال من مفعوله، فإنها مع اشتمالها على جميع ما يتعلق به معاشهم شواهد دالة على وحدانيته، وعظم قدرته، وسائر صفاته، كما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ أي: في خلقهما ﴿لَآيَةً﴾ دالة على شؤونه؛ أي: لدلالة عظيمة وعلامة ظاهرة على قدرته، وتفرده بالإلهية ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خص المؤمنين بالذكر مع عموم الهداية، والإرشاد في خلقهما للكل؛ لأنهم المنتفعون بذلك.
والمعنى: أي: خلق الله السموات والأرض لحكم وفوائد دينية ودنيوية، ولم يخلقهما عبثًا ولهوًا، فبخلقها أمكن إيجاد كل ممكن تعلق به العلم، واقتضت الإرادة إيجاده، وأمكن معرفة الخالق الذي أوجدها، وعبادته كفاء نعمه، كما جاء في الحديث القدسي، حكايةً عن الله : "كنت كنزا مخفيًا، فأردت أن أعرف، فخلقت الخلق فبي عرفوني" وفيه مقال.
ولا يفهم هذه الأسرار إلا من آمنوا بالله وصدقوا رسوله؛ لأنهم هم الذين يستدلون بالآثار مؤثرها، كما أثر عن بعض العرب: البعرة تدل على البعير، وآثار الأقدام تدل على المسير.
٤٥ - ثم خاطب رسوله مسليًا له بقوله: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾؛ أي: اقرأ يا محمد