← Тафсир

Тафсир · id 17375

تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن

محمد الأمين الهرري

Полный текст (15 280 стр.). Показаны 9731–9770 · переход к 9736.

стр. 9731

وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾. المناسبة قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله لما بين (١) طريق إرشاد المشركين وجدالهم بالخشن من القول، والمبالغة في تسفيه آرائهم، وتوهين شبههم .. أردف ذلك بذكر طريق إرشاد أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بأن يسلك معهم طريق الحجاج بالحسن، ولا يسفه آراءهم، ولا ينسب إلى الضلال آباءهم. ذلك أن المشركين جاؤوا بالمنكر من القول، ونسبوا إلى الله سبحانه ما لا ينبغي من الشريك والولد، أما أهل الكتاب فقد اعترفوا بالله وأنبيائه، لكنهم أنكروا نبوة محمد ﷺ وقالوا: إن شريعتهم باقية على وجه الدهر، لا تنسخ بشريعة أخرى، فينبغي إقناع مثل هؤلاء بالحسن من القول، ولفت أنظارهم إلى الأدلة الباهرة الدالة على نبوته، وصدق رسالته، بما يكون لهم فيه مقنع، وبما لو

стр. 9732

تأملوا فيه .. وصلوا إلى الصواب، وأدركوا الأمر على الوجه الحق، إلا من ظلموا منهم وعاند، ولم يقبلوا النصح والإرشاد، فاستعملوا معهم الغلظة في القول، والأسلوب الجاف في الحديث، لعلهم يتوبون إلى رشدهم، ويتأملون فيما يقنعهم من الحجج والبراهين، ثم أمر رسوله أن يقول لهم: آمنا بالذي أنزل إلينا من القرآن، وأنزل إليكم من التوراة والإنجيل، وإن إلهنا وإلهكم واحد، ونحن مطيعون له. ثم ذكر أن من أهل الكتاب من يؤمن بالقرآن، كما أن من أهل مكة من يؤمن به، وما يجحد به إلا من توغل في الكفر، وعدم حسن التأمل والفكر، إذ لا ريب في صدق رسوله، وأن كتابه منزل من عند ربه، فإن رجلًا أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ولم يتعلم العلم، ولم يدارس إنسانًا مدى حياته، يأتي بهذه الحكم والأحكام، وجميل الآداب ومكارم الأخلاق، مما لم يكن له مثيل في محيط نشأ به، ولا في بلد كان يأويه، لمن أكبر الأدلة على أنه ليس من عند بشر، بل أوتيه من لدن حكيم خبير. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ ...﴾ الآية، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر الدليل على أن القرآن من عند الله تعالى، وليس بمفترًى من عند محمد ﷺ .. أردف هذا شبهةً أخرى لهم، وهي أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يأتي لهم بمعجزة محسوسة، كما أتى بذلك الأنبياء السابقون، كناقة صالح وعصا موسى، فأجابهم بأن أمر ذلك إلى الله سبحانه، لا إليه، فلو علم اْنكم تهتدون بها .. لأجابكم إلى ما طلبتم، ثم بين سخف عقولهم، وطلبهم الآيات الدالة على صدقه، بعد أن جاءهم بالمعجزة الباقية على وجه الدهر، وهي القرآن يتلى عليهم آناء الليل وأطراف النهار، فيه خبر من قبلهم، ونبأ من بعدهم، وحكم ما بينهم، وفيه بيان الحق ودحض الباطل، وفيه ذكرى حلول العقاب بالمكذبين والعاصين. ثم أبان أن الله شهيد على صدقه، وهو العلم بما في السماوات والأرض، ثم هدد الكافرين بأن كل من يكذب رسل الله بعد قيام الأدلة على صدقهم،

стр. 9733

ويؤمن بالجبت والطاغوت .. فقد خسرت صفقته، وسينال العقاب من ربه، جزاءً وفاقًا على جحوده وانكاره. قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله (١) سبحانه لما أنذر المشركين بالعذاب، وهددهم أعظم تهديد .. قالوا له تهكمًا واستهزاءً: إن كان هذا حقًا فائتنا به، وهم يقطعون بعدم حصوله، فأجابهم بأنه لا يأتيكم بسؤالكم، ولا يعجل باستعجالكم؛ لأن الله أجله لحكمة، ولولا ذلك الأجل المسمى الذي اقتضته حكمته، وارتضته رحمته .. لعجله لكم، ولأوقعه بكم، وانه ليأتيكم فجأةً وأنتم لا تشعرون به، ثم تعجب منهم في طلبهم الاستعجال، وهو سيحيط بهم في جميع نواحيهم، ويقال لهم على طريق الإهانة والتوبيخ: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون. قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه (٢) لما ذكر أحوال المشركين، وأنذرهم بالخسران، وجعلهم من أهل النار .. اشتد عنادهم للمؤمنين، وكثر أذاهم لهم، ومنعوهم من العبادة، فأمرهم الله بالهجرة إلى دار أخرى، إن تعذرت عليهم العبادة في ديارهم. ولما كانت مفارقة الأوطان عزيزة على النفس، كريهة لديها .. بين لهم أن المكروه واقع لا محالة، إن لم يكن بالهجرة فهو حاصل بالموت، فأولى لكم أن يكون ذلك في سبيل الله، لتنالوا جزاءه، ومرجعكم إلى ربكم، وحينئذ تنالون من النعيم المقيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فهنالك الغرف التي تجري من تحتها الأنهار، ونعم هذا الأجر جزاء للعاملين الصابرين، المتوكلين على ربهم، الذين يعلمون أن الله قد تكفل بأرزاقهم، كما تكفل بأرزاق جميع مخلوقاته، وهو السميع لدعائهم، العليم بحاجتهم.

стр. 9734

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما (١) بين الأمر للمشركين، وذكر لهم سوء مغبة أعمالهم .. خاطب المؤمنين بما فيه ذكر لهم، وإرشاد للمشرك لو تأمله، وفكر فيه، ومثل هذا مثل الوالد له ولدان: أحدهما رشيد، والآخر مفسد، فهو ينصح للمفسد أولًا، فإن لم يسمع .. يعرض عنه ويلتفت إلى الرشيد قائلًا: إن هذا لا يستحق أن يخاطب، فاسمع أنت، ولا تكن كهذا المفسد، فيكون في هذا نصيحة للمصلح، وزجر للمفسد، ودعوة له إلى سبيل الرشاد. قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر فيما سلف أنهم يعترفون بأن الله هو الخالق، وأنه هو الرازق، وهم بعد ذلك يتركون عبادته، ويعبدون من دونه شركاء، اغترارًا بزخرف الدينا وزينتها .. أردف ذلك أن ما في هذه الدنيا باطل، وعبث زائل، وإنما الحياة الحقة هي الحياة الآخرة، التي لا فناء بعدها، فلو أوتوا شيئًا من العلم .. ما آثروا تلك على هذه. ثم أرشد إلى أنهم - مع إشراكهم بربهم - سواء في الدعاء والعبادة، إذا هم ابتلوا بالشدائد، كما إذا ركبوا البحر، وعلتهم الأمواج من كل جانب، وخافوا الغرق .. نادوا الله معترفين بوحدانيته، وأنه لا منجي سواه، وليتهم استمروا على ذلك، ولكن سرعان ما يرجعون القهقرى، ويعودون سيرتهم الأولى، كما هو دأب من يعمل للخوف لا للعقيدة. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه لما ذكر أن المشركين حين يشتد بهم الخوف إذا ركبوا في الفلك ونحوه لجؤوا إلى الله وحده، مخلصين له العبادة .. ذكر هنا أنهم حين الأمن، كما إذا كانوا في حصنهم الحصين، وهو مكة التي يأمن من دخلها من الشرور والأذى يكفرون به، ويعبدون معه سواه، وتلك حال من التناقض لا

стр. 9735

يرضاها لنفسه عاقل، فإن دعاءهم إياه حال الخوف مع الإخلاص، ما كان إلا ليقينهم بأن نعمة النجاه منه لا من سواه، فكيف يكفرون به حين الأمن، وهم يوقنون بأن الأصنام حين الخوف لا تجديهم فتيلاً ولا قطميرًا. أسباب النزول قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، والدارمي في "مسنده"، وأبو داود من طريق عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة قال: جاء أناس من المسلمين بكتب قد كتبوا فيها بعض ما سمعوه من اليهود، فقال النبي ﷺ : "كفى بقوم ضلالةً أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إليهم إلى ما جاء به غيره إلى غيرهم" فنزلت: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ...﴾ الآية. وعن عبد الله بن الحارث الأنصاري قال (٢): دخل عمر بن خطاب على النبي ﷺ بكتاب فيه مواضع من التوراة، فقال: هذه أصبتها مع رجل من أهل الكتاب أعرضها عليك، فتغير وجه رسول الله ﷺ تغيرًا شديدًا، لم أر مثله قط، فقال عبد الله بن الحارث لعمر: أما ترى وجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، فسرى عن رسول الله ﷺ وقال: "ولو نزل موسى فاتبعتموه وتركتموني .. لضللتم، أنا حظكم من النبيين، وأنتم حظي من الأمم" أخرجه عبد الرزاق. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ...﴾ الآية، سبب نزولها (٣): ما أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم والبيهقي، وابن عساكر بسند ضعيف، عن ابن عمر قال: خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل بعض حيطان المدينة، فجعل يلتقط من التمر ويأكل، فقال لي: "يا ابن عمر مالك لا تأكل؟ " قلت: لا أشتهيه، قال: "لكني أشتهيه، وهذا صبح رابعةٍ لم أذق طعامًا، ولم أجده، ولو

стр. 9736

شئت لدعوت روح فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا لقيت قومًا يخبئون رزق سنتهم، ويضعف اليقين". قال: فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا، ولا باتباع الشهوات، ألا وإني لا أكنز دينارًا ولا درهمًا، ولا أخْبَأ رزقًا لغدٍ". وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون: "اخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوروا الظلمة" قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار، ولا من يطعمنا، ولا من يسقينا، فنزلت الآية. قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ...﴾ الآية، سبب نزولها: ما أخرجه جويبر عن الضحاك عن ابن عباس أنهم قالوا: يا محمد ما يمنعنا أن ندخل في دينك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس لتقتلنا، والأعراب أكثر منا، فمتى ما يبلغهم أنا قد دخلنا في دينك .. اختطفتنا فكنا أكلة رأس، فأنزل الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ...﴾. التفسير وأوجه القراءة ٤٦ - ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أي: ولا تخاصموا اليهود والنصارى أيها المؤمنون ﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾ إلا بالخصلة التي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ وأسهل (١) كمعاملة الخشونة باللين، والغضب بالحلم، والمشاغبة - أي: تحريك الشر وإثارته - بالنصح؛ أي: بتحريك الخير وإثارته، والعجلة بالتاني والاحتياط، على وجه لا يؤدي إلى الضعف، ولا إلى إعظام الدنيا الدنية، يعني: جادلوهم على سبيل الدعاء لهم إلى الله ، والتنبيه لهم على حججه وبراهينه، رجاء إجابتهم إلى الإِسلام، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة. وقرأ الجمهور (٢): ﴿إِلَّا بِالَّتِي﴾ حرف استثناء، وقرأ ابن عباس: ﴿ألا﴾:

стр. 9737

حرف تنبيه واستفتاح، تقديره: ألا جادلوهم بالتي هي أحسن. ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ (١) بالإفراط في الاعتداء والعناد، فإن الكافر إذا وصف بمثل الفسق والظلم .. حمل على المبالغة فيما هو فيه، أو بإثبات الولد لله، وهم أهل نجران، أو بنبذ العهد ومنع الجزية ونحو ذلك، كقولهم: يد الله مغلولة، فلا بأس بالإغلاظ عليهم، والتخشين في مجادلتهم، فإنه يجب حينئذ الموافقة بما يليق بحالهم، من الغلظة باللسان، وبالسيف والسنان. وعبارة "المراح" هنا: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾؛ أي: ولا تخاصموا (٢) اليهود والنصارى إلا بالأحسن؛ أي: بعدم استخفاف آرائهم، وبعدم نسبة آبائهم إلى الضلال؛ لأنهم جاؤوا بكل حسن، غير الاعتراف بالنبي ﷺ فإنهم آمنوا بإنزال الكتب، وارسال الرسل، وبالحشر، ففي مقابلة إحسانهم يجادلون بالأحسن، إلا الذين أشركوا منهم، بإثبات الولد لله، وبالقول بثالث ثلاثة، فيجادلون حينئذٍ بالأخشن، من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم، كالمشرك الذي جاء بالمنكر من غيرهم، فاللائق أن يجادل بالأخشن، ويبالغ في تهجين مذهبه، وتوهين شبهه. اهـ. وعبارة "الخازن" هنا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾؛ أي: أبوا أن يعطوا الجزية، ونصبوا الحرب ففاجؤوهم بالسيف، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ومعنى الآية: إلا الذين ظلموكم؛ لأن جميعهم ظالم بالكفر، وقيل: هم أهل الحرب ومن لا عهد له، وقيل: الآية منسوخة بآية السيف اهـ. هكذا (٣) فسر الآية أكثر المفسرين، بأن المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، وقيل: معنى الآية: لا تجادلوا من آمن بمحمد ﷺ من أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وسائر من آمن منهم، إلا بالتي هي أحسن، يعني بالموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أهل الكتاب، ويكون المراد بالذين ظلموا

стр. 9738

على هذا القول: هم الباقون على كفرهم، وقيل: هذه الآية منسوخة بآيات القتال، وبذلك قال قتادة ومقاتل، قال النحاس: من قال: هي منسوخة، احتج بأن الآية مكيّة، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض، ولا طلب جزية ولا غير ذلك، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: إن المراد بـ ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ الذين نصبوا القتال للمسلمين بالسيف، حتى يسلموا أو يعطوا الجزية. فإن قلت (١): كيف قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مع أن جميع أهل الكتاب ظالمون؛ لأنهم كافرون، وقال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾؟ قلتُ: المراد بالظلم هنا: الامتناع عن قبول عقد الذمة، أو نقض العهد بعد قبوله. ﴿وَقُولُوا﴾ أيها المؤمنون للذين قبلوا الجزية، إذا حدثوكم بشيء مما في كتبهم ﴿آمَنَّا﴾ بالصدق والإخلاص ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من التوراة والإنجيل؛ أي: آمنّا بأنهما منزلان من عند الله تعالى، وأنهما شريعة ثابتة إلى قيام الشريعة الإِسلامية، والبعثة المحمدية، ولا يدخل في ذلك ما حرفوه وبدلوه، ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له في الألوهية، ولا ضد له ولا ند، ﴿وَنَحْنُ﴾ معاشر أمة محمد ﴿لَهُ﴾ ، لا لغيره ﴿مُسْلِمُونَ﴾؛ أي: مطيعون له منقادون خاصةً، ولا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله، ولا نتخذ أحبارنا ورهباننا أربابًا من دون الله. ويحتمل أن يراد (٢): ونحن جميعًا منقادون له، ولا يقدح في هذا الوجه كون انقياد المسلمين أتم من انقياد أهل الكتاب، وطاعتهم أبلغ من طاعاتهم، وفيه تعريض الفريقين، حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله تعالى. وأخرج البخاري، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه،

стр. 9739

والبيهقي في "الشعب" عن أبي هريرة ﵁ قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإِسلام، فقال رسول الله ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون". وفي رواية: وقولوا: "آمنا بالله وبكتبه وبرسله، فإن قالوا باطلًا .. لم تصدقوهم، وإن قالوا حقًا .. لم تكذبوهم". قال ابن الملك (١): إنما نهى عن تصديقهم وتكذيبهم؛ لأنم حرفوا كتابهم، وما قالوه إن كان من جملة ما غيروه، فتصديقهم يكون تصديقا بالباطل، وإن لم يكن كذلك .. يكون تكذيبهم تكذيبًا لما هو حق، وهذا أصل في وجوب التوقف فيما يشكل من الأمور والعلوم، فلا يقضى فيه بجواز ولا بطلان، وعلى هذا كان السلف رحمهم الله تعالى. والمعنى (٢): أي إذا حدثكم أهل الكتاب عن كتبهم، وأخبروكم عنها بما يمكن أن يكونوا صادقين فيه، وأن يكونوا كاذبين، ولم تعلموا حالهم في ذلك .. فقولوا لهم: آمنا بالقرآن الذي أنزل إلينا، والتوراة والإنجيل اللذين أنزلا إليكم، ومعبودنا ومعبودكم واحد، ونحن خاضعون له، منقادون لأمره ونهيه. ٤٧ - ثم بين أنه لا عجيب في إنزال القرآن على الرسول، فهو على مثال ما أنزل من الكتب من قبل، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ خطاب للرسول ﷺ والإشارة فيه إلى مصدر الفعل الذي بعده، كما بيناه في مواضع كثيرة؛ أي: ومثل ذلك الإنزال البديع الموافق لإنزال سائر الكتب، أنزلنا عليك القرآن، وقيل: المعنى كما أنزلنا الكتب على من قبلك أيها الرسول، أنزلنا إليك هذا الكتاب؛ أي: القرآن. و ﴿الفاء﴾ (٣) في قوله: ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ من الطائفتين، لترتيب ما

стр. 9740

بعدها على ما قبلها، فإن إيمانهم به مترتب على إنزاله. على الوجه المذكور، ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بالقرآن، يعني مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأضرابه من أهل الكتاب خاصة، وخصهم بإيتائهم الكتاب، لكونهم العاملين به، وكان غيرهم لم يؤتوه، لعدم عملهم بما فيه، وجحدهم لصفات رسول الله ﷺ المذكورة. وقيل: المراد بهم، من تقدم عهد الرسول ﷺ حيث كانوا مصدقين بنزوله حسبما شاهدوا في كتابهم، ومنهم قس بن ساعدة، وبحيرا، ونسطورا، ورقة وغيرهم، وتخصيصهم بإيتاء الكتاب: للإيذان بأن من بعدهم من معاصري رسول الله ﷺ قد نزع منهم الكتاب بالنسخ، فلم يؤتوه. والإشارة في قوله: ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ إلى أهل مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾؛ أي: بهذا القرآن، وهم من أسلم منهم، وقيل: الإشارة إلى جميع العرب. والمعنى: أي كما أنزلنا الكتب من قبلك أيها الرسول، أنزلنا إليك هذا الكتاب، فالذين آتيناهم الكتب ممن تقدم عهدك من اليهود والنصارى، يؤمنون به إذ كانوا مصدقين بنزوله، بحسب ما علموا عندهم من الكتاب، ومن كفار قريش وغيرهم من يؤمن به. ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ أي: بالكتاب (١) المعظم بالإضافة إلينا، يعني: القرآن، عبر عنه بالآيات: للتنبيه على ظهور دلالته على معانيه، وعلى كونه من عند الله. ﴿إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ المتوغلون في الكفر، والمصممون عليه من المشركين وأهل الكتاب، ككعب بن الأشرف وأصحابه، وأبي جهل وأضرابه، فإن ذلك يصدهم عن التأمل فيما يؤديهم إلى معرفة حقيقتها. والمعنى (٢): أي وما يكذب بآياتنا ويجحد بحقيقتها، إلا من يستر الحق بالباطل، ويغطي ضوء الشمس بالوصائل، ويغمط حق النعمة عليه، وينكر التوحيد عنادًا واستكبارًا.

стр. 9741

واعلم (١): أن المجادلة في الدين، تبطل ثواب الأعمال إذا كانت تعنتًا وترويجًا للباطل، وأما الجدال بالحق لإظهاره، فمأمور به، وقد جادل علي ﵁ شخصًا قال: إني أملك حركاتي وسكناتي، وطلاق زوجتي، وعتق أمتي، فقال علي ﵁: أتملكها دون الله، أو مع الله؟ فإن قلت: أملكها دون الله .. فقد أثبت مالكًا دون الله، وإن قلت أملكها مع الله .. فقد أثبت له شريكًا، كذا في "شرح المواقف". ٤٨ - ثم ذكر ما يؤيد إنزاله، ويزيل الشبهة في افترائه، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿تَتْلُو﴾ وتقرأ ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾؛ أي: من قبل القرآن؛ أي: وما كانت عبادتك يا محمد قبل إنزالنا إليك القرآن، أن تتلو تقرأ شيئًا. ﴿مِنْ كِتَابٍ﴾ من الكتاب المنزلة، ﴿وَلَا تَخُطُّهُ﴾؛ أي: ولا أن تكتب كتابًا من الكتب المذكورة ﴿بِيَمِينِكَ﴾؛ أي: بيدك، وذكر اليمين (٢) لكون الكتابة غالبًا باليمين، لا أنه لا يخط بيمينه ويخط بشماله، فإن الخط بالشمال من أبعد النوادر. قال الشيعة: إنه ﷺ كان يحسن الخط قبل الوحي، ثم نهي عنه بالوحي، وقالوا: إن قوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ﴾ نهي، فليس بنفي الخط. قال في "كشف الأسرار": قرىء ﴿ولا تخطه﴾ بالفتح على النهي، وهو شاذ، والصحيح: أنه لم يكتب. انتهى. وفي "الأسئلة المقحمة" قول الشيعة مردود؛ لأن ﴿وَلَا تَخُطُّهُ﴾ لو كان نهيًا .. لكان بنصب الطاء، أو قال: لا تخططه بطريق التضعيف. ﴿إِذًا﴾: لو كنت ممن يقدر على التلاوة والخط، أو ممن يعتادهما .. ﴿لَارْتَابَ﴾ وشك في نبوتك ﴿الْمُبْطِلُون﴾ أي: المشركون، وقالوا: لعله التقط ما يتلوه علينا من كتب الله المنزلة على الأنبياء، أو من الكتب المدونة في أخبار الأمم، فلما كنت أميًّا لا تقرأ ولا تكتب، لم يكن هناك موضع للريبة، ولا محل للشك أبدًا، بل إنكار من أنكر، وكفر من كفر مجرد عنادٍ وجحود بلا شبهة.

стр. 9742

وخلاصة ما سلف (١): أنك قد لبثت يا محمد في قومك عمرًا طويلًا، قبل أن تأتي بهذا القرآن لا تقرأ ولا تكتب، وكل واحد من قومك يعرف أنك أمي لا تقرأ ولا تكتب، وهذه صفتك في الكتب المتقدمة، كما قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ في التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾. فلا وجه إذًا للشك في أن هذا القرآن منزل من عند الله، وليس مفتعلًا من صنع يدك، تعلمته من الكتب المأثورة عمن قبلك، كما حكى سبحانه عنهم من نحو قولهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾. فإن قلت (٢): لم سماهم المبطلين، ولو لم يكن أميًا وقالوا: ليس بالذي نجده في كتبنا لكانوا محقين، ولكان أهل مكة أيضًا على حق في قولهم: لعله تعلمه أو كتبه، فإنه رجل قارىء كاتب؟ قلت: لأنهم كفروا به، وهو أمي بعيد من الريب، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون في كفرهم به، لو لم يكن أميًا .. لارتابوا أشد الريب، فحيث إنه ليس بقارىءٍ ولا كاتب، فلا وجه لارتيابهم، قيل: وسماهم مبطلين؛ لأن ارتيابهم على تقدير أنه ﷺ يقرأ ويكتب ظلم منهم لظهور نزاهته، ووضوح معجزاته. قال في "الأسئلة المقحمة": كيف منّ الله على نبيه بأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة، وهما من قبيل الكمال، لا من قبيل النقص؟ والجواب: إنما وصفه بعدم القراءة والكتابة؛ لأن أهل الكتاب كانوا يجدون من نعته في التوراة والإنجيل، بأنه لا يقرأ ولا يكتب، فأراد تحقيق ما وعدهم به على نعته إياه، ولأن الكتابة في قبيل الصناعات، فلا توصف بالمدح ولا بالذم، ولأن المقصود من الكتابة والخط: هو الاحتراز عن الغفلة والنسيان، وقد خصه الله تعالى بما فيه غنية عن ذلك، كالعين بها غنية عن العصا والقائد. انتهى.

стр. 9743

وقال في "أسئلة الحكم": كان ﵇ يعلم الخطوط ويخبر عنها، فلماذا لم يكتب؟ والجواب: أنه لو كتب لقيل: قرأ القرآن من صحف الأولين. انتهى. قال النيسابوري: إنصا لم يكتب، لأنه إذا كتب وعقد الخنصر يقع ظل قلمه وإصبعه على اسم الله تعالى وذكره، فلما كان ذلك قال الله تعالى: لا جرم يا حبيبي لَمَّا لَمْ ترد أن يكون قلمك فوق اسمي، ولم ترد أن يكون ظل القلم على اسمي، أمرت الناس أن لا يرفعوا أصواتهم فوق صوتك تشريفًا لك وتعظيمًا، ولا أدع بسبب ذلك ظلك يقع على الأرض صيانةً له أن يوطأ بالأقدام. انتهى. فائدة: قيل أول من كتب الكتاب العربي، والفارسي، والسرياني، والعبراني، وغيرها من بقية الاثني عشر، وهي: الحميري، واليوناني، والرومي، والقبطي، والبربري، والأندلسي، والهندي، والصيني - آدم ﵇، كتبها في طين وطبخه، فلما أصاب الأرض وانفرق .. وجد كل قوم كتابًا فكتبوه، فأصاب إسماعيل ﵇ الكتاب العربي، وأما ما جاء "أول من خط بالقلم: إدريس ﵇ ". فالمراد به: خط الرمل. ٤٩ - ثم أكد ما سلف، وبين أنه منزل من عند الله حقًا، فقال: ﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أي: بل هذا القرآن ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾؛ أي: آيات واضحات الإعجاز، ثابتات راسخات ﴿في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ به، يعني: المؤمنين الذين حفظوا القرآن على عهده ﷺ وحفظوه بعده. أي (١): بل القرآن آيات واضحات، ثابتة راسخة في قلوب الذين أعطوا العلم بالقرآن، فليس مما يشك فيه، لكونه محفوظًا، من غير أن يلتقط من كتاب، بحيث لا يقدر على تحريفه أحد، بخلاف غيره من الكتب، فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف.

стр. 9744

والمعنى: أن المؤمنين يقرؤون القرآن بالحفظ عن قلب تلقيًا منك، وبعضهم من بعض، وأنت تلقيته من جبريل عن اللوح المحفوظ، فلم تأخذه من كتاب بطريق تلقيه منه. يعني (١): كونه محفوظًا في الصدور من خصائص القرآن؛ لأن من تقدم كانوا لا يقرؤون إلا نظرًا، فإذا أطبقوها .. لم يعرفوا منها شيئًا، سوى الأنبياء، وما نقل عن قارون: من أنه كان يقرأ التوراة على ظهر قلب فغير ثابت. وقال قتادة ومقاتل (٢): إن الضمير يرجع إلى النبي ﷺ ؛ أي: بل محمد آيات بينات؛ أي: ذو آيات. وقرأ ابن مسعود: ﴿بل هي آيات بينات﴾. قال الفراء: معنى هذه القراءة: بل آيات القرآن آيات بينات، واختار ابن جرير ما قاله قتادة ومقاتل، وقد استدل لما قالاه بقراءة ابن السميفع ﴿بل هذا آيات بينات﴾ ولا دليل في هذه القراءة على ذلك؛ لأن الإشارة يجوز أن تكون إلى القرآن، كما جاز أن تكون إلى النبي ﷺ بل رجوعها إلى القرآن أظهر، لعدم احتياج ذلك إلى التأويل، والتقدير وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ (٣) إضراب عن ارتيابهم؛ أي: ليس القرآن مما يرتاب فيه، لكونه في الصدور، وكونه محفوظًا بخلاف غيره من الكتب، فإنه لا يقرأ إلا في المصاحف، ولذا جاء في وصف هذه الأمة: صدورهم أناجيلهم. اهـ. "شهاب". وهو جمع إنجيل، والمعنى: أنهم يقرؤون كتاب الله عن ظهر قلب، وهو مثبت محفوظ في صدورهم، كما كان كتاب النصارى مثبتًا في أناجيلهم؛ أي: كتبهم اهـ. "زاده". وفي بعض الآثار: "ما حسدتكم اليهود والنصارى على شيء كحفظ القرآن" قال أبو أمامة: إن الله لا يعذب بالنار قلبًا وعى القرآن. وقال ﵇: "القلب الذي ليس فيه شيء من القرآن، كالبيت الخراب". وفي الحديث

стр. 9745

الصحيح: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتًا من الإبل من عقالها"؛ أي: من الإبل المعقلة إذا أطلقها صاحبها، والتعاهد والتعهد، التحفظ؛ أي: المحافظة وتجديد الأمر به، والمراد هنا، الأمر بالمحافظة على تلاوته، والمداومة على تكراره. فمن سنة القارىء (١): أن يقرأ القرآن كل يوم وليلة، كيلا ينساه، وعن النبي ﷺ : "عرضت علي ذنوب أمتي، فلم أو ذنبًا أكبر من آية أو سورة أوتيها الرجل، ثم نسيها". والنسيان أن لا يمكنه القراءة من المصحف، كذا في "القنية". وكان ابن عيينة يذهب إلى أن النسيان الذي يستحق صاحبه اللوم، ويضاف إليه الإثم: ترك العمل به، والنسيان في "لسان العرب": الترك. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾؛ أي: تركوا. وقال تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ﴾ أي: تركوا طاعته، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾؛ أي: فترك رحمتهم. قال شارح "الجزرية": وقراءة القرآن من المصحف أفضل من قراءته من حفظه. هذا هو المشهور عن السلف، ولكن ليس هذا على إطلاقه، بل إن كان القارىء من حفظه يحصل له التدبر والتفكر، وجمع القلب والبصر، أكثر مما يحصل له من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن تساويا فمن المصحف أفضل؛ لأن النظر في المصحف عبادة، واستماع القرآن من الغير في بعض الأحيان من السنن. قال إبراهيم الخواص - رحمه الله تعالى -: دواء القلب خمسة: قراءة القرآن بالتدبر والخلاء، وقيام الليل، والتضرع إلى الله عند السحر، ومجالسة الصالحين. جعلنا الله وإياكم من أهل الصلاح والفلاح، إنه القادر الفتاح فالق الإصباح، خالق المصباح. ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾ وما ينكر ﴿بِآيَاتِنَا﴾ مع كونها كما ذكر ﴿إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾؛ أي: المتجاوزون للحدود في الشر والمكابرة والفساد والعناد؛ أي (٢): وما يكذب

стр. 9746

بآياتنا، ويبخس حقها، ويردها إلا المعتدون المكابرون، الذين يعلمون الحق ويحيدون عنه، ونحو الآية قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾. وإنما قال أولًا: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ وثانيًا: ﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ وثالثًا: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ مع أن المراد بكل من الثلاثة: اليهود والمشركون، للتفتن وتسجيلًا عليهم باسم كل من الثلاثة. ٥٠ - ﴿وَقَالُوا﴾؛ أي: قال كفار قريش ﴿لَوْلَا﴾ تحضيضية بمعنى هلا؛ أي: هلا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي: على محمد ﴿آيَاتٌ﴾ تكوينية ﴿مِنْ﴾ عند ﴿رَبِّهِ﴾ سبحانه؛ أي: آيات كآيات الأنبياء قبله، وذلك كعصا موسى ويده، وناقة صالح، ومائدة عيسى ﵈. وقرأ (١) نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص: ﴿آيَاتٌ﴾ بالجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لقوله بعد: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾ وقرأ ابن كثير، وأبو بكر، وحمزة والكسائي: ﴿آية من ربه﴾ بالإفراد. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾؛ أي: إنما أمرها وشأنها ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ سبحانه؛ أي: في قدرته وحكمه، ينزلها على من يشاء من عباده، ولا قدرة لأحد على إنزالها، فليس بيدي شيء من أمرها فآتيكم بما تقترحونه ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ﴾؛ أي: ما أنا إلا مخوف لكم من عذاب الله سبجانه ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بين الإنذار والتخويف، أنذركم كما أمرت، وأبين لكم كما ينبغي، ليس قدرتي غير ذلك؛ أي: ليس (٢) من شأني إلا الإنذار والتخويف من عذاب الله، بما أعطيت من الآيات. قال في "كشف الأسرار": والحكمة في ترك إجابة النبي ﷺ إلى الآيات المقترحة: أنه يؤدي إلى ما لا يتناهى؛ وأن هؤلاء طلبوا آيات تضطرهم إلى الإيمان، فلو أجابهم إليها، ولم يؤمنوا .. لاستؤصلوا، وعذاب الاستئصال مرفوع عن هذه الأمة ببركة النبي ﷺ .

стр. 9747

ومعنى الآية: أي (١) وقال كفار قريش تعنتًا وعنادًا: هلا أنزل على محمد آية من الآيات التي أنزل مثلها على رسل الله الماضين، كناقة صالح وعصا موسى وأشباههما من المعجزات المحسوسة، التي ترى رأي العين، فيكون ذلك أقبل لدى النفوس، وأدهش للعقول، فتلجىء إلى التصديق بمن تظهر على يده المعجزة، فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أي: قل لهم: إنما أمر الآيات ونزول المعجزات إلى الله، ولو علم أنكم تهتدون .. لأجابكم إلى ما سألتم؛ لأن ذلك سهل يسير عليه، ولكنه يعلم أنكم إنما قصدتم بذلك التعنت والامتحان، فهو لا يجيبكم إلى ما طلبتم، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾؛ أي: وليس من شأني إلا الإنذار بما أوتيت من الآيات، إلا الإتيان بما اقترحتموه منها، فعلي أن أبلغكم رسالة روح، وليس علي هداكم، كما قال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. ٥١ - ثم بيّن سبحانه سخفهم وجهلهم، إذ كيف يطلبون الآيات مع نزول القرآن عليهم، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ كلام (٢) مستأنف وارد من جهته تعالى ردًا على اقتراحهم، وبيانًا لبطلانه. و ﴿الهمزة﴾ فيه: للإنكار، والنفي داخلة على محذوف يقتضيه المقام، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أقصر هذا القرآن عن درجة الإعجاز، ولم يكفهم آية مغنية عن سائر الآيات. ﴿أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الناطق بالحق، المصدق لما بين يديه من الكتب السماوية، وأنت بمعزل من مدارستها وممارستها؛ أي: إنزالنا عليك هذا الكتاب.

стр. 9748

وفي "القرطبي": ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ هذا (١) جواب لقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾؛ أي: أولم يكف المشركين من الآيات هذا الكتاب المعجز، الذي قد تحداهم بأن يأتوا بمثله أو سورة منه فعجزوا، ولو أتيتهم بآيات موسى وعيسى .. لقالوا: هذا سحر، ونحن لا نعرف السحر، والكلام مقدور لهم، ومع ذلك عجزوا عن المعارضة اهـ. حال كون ذلك الكتاب ﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ بلغتهم (٢) في كل زمان ومكان، فلا يزال معهم آية ثابتة، لا تزول ولا تضمحل، كما تزول كل آية بعد كونها، وتكون في مكان دون مكان، فهو معجزة ظاهرة باقية، أتم من كل معجزة، وقد وصل إلى المشرق والمغرب وسمعه كل أحد، بخلاف قلب العصا ثعبانًا، فإنه لم يبق لنا منه أثر، ولم يره من لم يكن في ذلك المكان. والمعنى: أي أما كفاهم دليلًا على صدقك، إنزالنا الكتاب عليك، يتلونه ويتدارسونه ليلًا ونهارًا، وأنت رجل أمي لا تقرأ ولا تكتب، ولم تخالط أحدًا من أهل الكتاب، وقد جئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، وبينت الصواب فيما اختلفوا فيه، كما قال: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾. ثم بين فضائل هذا الكتاب ومزاياه فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الكتاب العظيم الشأن، الباقي على ممر الدهور والأزمان ﴿لَرَحْمَةً﴾ أي: نعمة عظيمة في الدنيا والآخرة ﴿وَذِكْرَى﴾؛ أي: تذكرةً في الدنيا يتذكرون بها، وترشدهم إلى الحق، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: يصدقون بما جئت به من عند الله، فإنهم هم الذين ينتفعون بذلك؛ أي: لقوم همّهم الإيمان، لا التعنت كأولئك المقترحين. والمعنى: أي (٣) إن في هذا الكتاب الباقي على وجه الدهر، لرحمةً لمن

стр. 9749

آمن به، ببيان الحق وإزالة الباطل، وتذكرةً بعقاب الله الذي حل بالمكذبين قبلكم، وبما سيحل بهم من النكال والوبال، وبما سيكون لمن اتبع سنتهم، وكذب بالآيات بعد وضوحها. ٥٢ - وبعد أن أقام الأدلة على صدق رسالته، وبين أن المعاندين من أهل الكتاب والمشركين، لم يؤمنوا به، أمره أن يكل علم ذلك إلى الله، وهو العلم بصدقه وكذبه، فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المكذبين من اليهود والمشركين ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾؛ أي: كفى الله سبحانه، و ﴿الباء﴾: صلة. ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ بما صدر عني وعنكم؛ أي: كفى الله سبحانه عالمًا بما صدر منى، من التبليغ والإنذار، وبما صدر منكم، من مقابلة ذلك بالتكذيب والإنكار، وهو المجازي كلًّا بما يستحق، وإني لو كنت كاذبًا عليه .. لانتقم منى، كما قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ بل إني صادق فيما أخبرتكم به، ومن ثم أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات، ثم علل كنايته وأكدها بقوله: ﴿يَعلَمُ﴾ سبحانه ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: من الأمور التي من جملتها شأني وشأنكم، لا تخفى عليه من ذلك خافية. أي: هو العلم بكل ما فيهما، ومن جملته شأني وشأنكم، فيعلم ما تنسبونه إلى من التقول عليه، وبما أنسبه إليه من القرآن الذي يشهد لي به عجزكم عن الإتيان بمثله، فهو حجتي الفالجة عليكم، التي لم تستطيعوا لها ردًا ولا دفعًا. ولما بين طريق الجدل، مع كل من أهل الكتاب والمشركين .. عاد إلى تهديد المشركين، وبين مآل أمرهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ الذي لا يجوز الإيمان به، كالصنم والشيطان وغيرهما ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ الذي يجب الإيمان به مع تعاضد موجبات الإيمان ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفة ﴿هُمُ﴾ لا غيرهم ﴿الْخَاسِرُونَ﴾ أي: الجامعون بين خسران الدنيا والآخرة، المغبونون في صفقتهم الأخروية، حيث اشتروا الكفر بالإيمان، وضيعوا الفطرة الأصلية، والأدلة

стр. 9750

السمعية الموجبة للإيمان؛ أي: والذين يعبدون الأوثان والأصنام، ويكفرون بالله مع تظاهر الأدلة التي في الآفاق والأنفس على الإيمان به، ويكفرون برسوله، مع تعاضد البراهين على صدقه، أولىك هم الأخسرون أعمالًا، المغبونون في صفقتهم، من حيث أنهم اشتروا الكفر بالإيمان، فاستوجبوا العقاب حين الوقوف بين يدي الملك الديان. وخلاصة ذلك (١): أن الله سيجزيهم على ما صنعوا، من تكذيبهم بالحق واتباعهم للباطل، وتكذيبهم برسول الله، مع قيام الأدلة على صدقه، نارًا تلظى، لا يصلاها إلا الأشقى، الذي كذب وتولى. فإن قلت: من آمن بالباطل فقد كفر بالله، فهل لهذا العطف فائدة غير التأكيد؟ قلت: نعم، فائدته: أنه ذكر الثاني لبيان قبح الأول، فهو كقول القائل: أتقول الباطل، وتترك الحق، لبيان أن الباطل قبيح. ٥٣ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ يا محمد استهزاءً وتكذيبًا منهم بذلك، كقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أي: معين قد جعله الله لعذابهم وعينه، وهو القيامة. وقال الضحاك: الأجل: مدة أعمارهم؛ لأنهم إذا ماتوا .. صاروا إلى العذاب. ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾؛ أي: لولا ذلك الأجل المضروب .. لجاءهم العذاب الذي يستحقونه بذنوبهم عاجلًا. وقيل (٢): المراد بالأجل الممسمى: النفخة الأولى، وقيل: الوقت الذي قدره الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر يوم بدر.

стр. 9751

والحاصل: أن لكل عذاب أجلًا، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، كما في قوله سبحانه: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ وفي الآية (١) إشارة إلى أن الاستعجال في طلب العذاب في غير وقته المقدر لا ينفع، وهو مذموم، فكيف الاستعجال في طلب مرادات النفس وشهواتها في غير أوانها. والمعنى: أي: ويستعجلك كفار قريش بنزول العذاب بنحو قولهم: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ وقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولولا أجل مسمى ضربه الله لعذابهم لجاءهم حين استعجالهم إياه. وجملة قوله: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ مستأنفة مبينة لمجيء العذاب المذكور قبلها، ومعنى بغتة: فجأة؛ أي: وعزتي وجلالي ليأتينهم العذاب الذي عين لهم عند حلول الأجل فجأة، كوقعة بدر، فإنها أتتهم بغتة، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾؛ أي: والحال أنهم لا يعلمون بإتيانه، بل يكونون في غفلة عنه، واشتغال بما ينسيهموه. وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه تأكيد لمعنى قوله: ﴿بَغْتَةً﴾ كما يقول القائل: أتيته على غفلةٍ منه بحيث لم يدر، فقوله: بحيث لم يدر: أكد معنى الغفلة. والثاني: يفيد فائدةً مستقلةً، وهي أن العذاب يأتيهم بغتةً، وهم لا يشعرون هذا الأمر، ويظنون أن العذاب لا يأتيهم أصلًا اهـ."كرخي". فإن قلت (٢): عذاب الآخرة ليس من قبيل المفاجأة، فكيف يأتي بغتةً؟ قلت: الموت يأتيهم بغتةً؛ أي: في وقت لا يظنون أنهم يموتون فيه، وزمانه متصل بزمان القيامة، ولذا عد القبر أول منزل من منازل الآخرة، ويدل عليه قوله ﷺ : "من مات فقد قامت قيامته". وفي البرزخ عذاب، ولو كان نصفًا من حيث أنه حظ الروح فقط.

стр. 9752

٥٤ - ثم زاد في التعجيب من جهلم بقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ في الدنيا، كرره للتأكيد، أو ذكره أولًا إخبارًا عنهم، وثانيًا تعجيبًا منهم. اهـ. "كرخي"؛ أي: يطلبون منك يا محمد إيقاع العذاب ناجزًا في غير ميقاته، ويلحون في ذلك، ولو علموا ما هم صائرون إليه .. لتمنوا أنهم لم يخلقوا، فضلًا عن أن يستعجلوا، ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه. ثم بين السبب في جهلم وحمقهم فقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: والحال أن محل العذاب الذي لا عذاب فوقه ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ المستعجلين للعذاب يوم القيامة، أي: سيحيط بهم عن قريب؛ لأن ما هو آت قريب. قال في "الإرشاد": وإنما جيء بالاسمية دلالةً على تحقق الإحاطة واستمرارها، وتنزيلًا لحال السبب منزلة المسبب، فإن الكفر والمعاصي الموجبة لدخول جهنم محيطة بهم. انتهى. وقال بعضهم: إن الكفر والمعاصي هي النار في الحقيقة، ظهرت في هذه النشأة بهذه الصورة. والمعنى عليه (١): هي كالمحيطة بهم الآن، لإحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم. واللام: في قوله: ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾ للعهد على وضع الظاهر موضع المضمر، للدلالة على موجب الإحاطة، أو للجنس، فيكون استدلالًا بحكم الجنس على حكمهم. ٥٥ - قوله: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾ ظرف لقوله: محيطة، كما في "السمين" أو ظرف لمحذوف، تقديره: يوم يعلوهم العذاب الذي أشير إليه بإحاطة جهنم بهم ويسترهم ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾. والمراد: من جميع جهاتهم يكون من الأحوال والأهوال ما لا يفي به المقال.

стр. 9753

فإن قيل (١): لم خصَّ الجانبين، ولم يذكر اليمين ولا الشمال، ولا الخلف ولا الأمام؟ فالجواب: أن المقصود ذكر ما تتميز به نار جهنم عن نار الدنيا، ونار الدنيا تحيط بالجوانب الأربع، فإن من دخلها تكون الشعلة قدامه وخلفه، ويمينه وشماله، وأما النار من فوق فلا تنزل، وإنما تصعد من أسفل في العادة، وتحت الأقدام لا تبقى الشعلة التي تحت القدم، بل تطفأ، ونار جهنم تنزل من فوق، ولا تطفأ بالدوس عليها بوضع القدم. ﴿وَيَقُولُ﴾ معطوف على ﴿يَغْشَاهُمُ﴾ أي: يقول الله، أو بعض الملائكة بأمره لهم على سبيل التوبيخ والتقريع ﴿ذُوقُوا﴾ وباشروا ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أي: جزاء ما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من السيئات، التي من جملتها الاستعجال بالعذاب، فلا تفوتونا. وقرأ (٢) الكوفيون، ونافع ﴿وَيَقُولُ﴾؛ أي: الله أو بعض الملائكة، بياء الغيبة، واختار أبو عبيد هذه القراءة لقوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ﴾ وباقي السبعة: بالنون، نون العظمة، أو نون جماعة الملائكة. وقرأ أبو البرهشيم: ﴿وتقول﴾ بالتاء الفوقية؛ أي: جهنم، كما نسب القول إليها في ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ وقرأ ابن مسعود، وابن أبي عبلة: ﴿ويقال﴾ مبنيًا للمفعول. ٥٦ - وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خطاب تشريف لبعض المؤمنين، الذين لا يتمكنون من إقامة أمور الدين كما ينبغي، لممانعة من جهة الكفار، وإرشاد لهم إلى الطريق الأسلم، وأضافهم إليه بعد خطابهم تشريفًا لهم، وتكريمًا، و ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صفة موضحة، أو مبينة.

стр. 9754

وقرأ ابن عامر (١) بفتح الياء، والباقون بتسكينها. ﴿إِنَّ أَرْضِي﴾ أي: إن بلاد المواضع التي خلقتها ﴿وَاسِعَةٌ﴾ لا مضايقة لكم فيها، ففيه تحريض على الهجرة من دار الكفر إلى دار الإِسلام؛ أي: يا من شرفكم الله بالعبودية له، هاجروا من مكة إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان فيها، ولا تجاوروا الظلمة، فأرض الله واسعة. قال مقاتل (٢): نزلت في ضعفاء مسلمي مكة، كانوا في ضيق من إظهار الإِسلام بها، وأما اليوم، فإنا بحمد الله لم نجد أعون على قهر النفس وأجمع للقلب، وأحث على القناعة، وأطرد للشيطان، وأبعد من الفتن، وأظهر لأمر الدين من مكة حرسها الله تعالى. اهـ. "قاري". ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾؛ أي: فخصوني بالعبادة، ولا تعبدوا أحدًا سواي، فـ ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط محذوف، حذف الشرط وعوض عنه تقديم المفعول، مع إفادة تقديم المفعول معنى الاختصاص والإخلاص؛ أي: فإن لم تخلصوا لي العبادة في أرض، فأخلصوها لي في غيرها. وقرأ يعقوب (٣): ﴿فاعبدوني﴾ بالياء. وقيل المعنى: إن أرضي التي هي أرض الجنة واسعة، فاعبدوني حتى أورثكموها. ٥٧ - ولما أخبر تعالى (٤) عن سعة أرضه، وكان ذلك إشارة إلى الهجرة، وأمر بعبادته، فكان قد يتوهم متوهم: أنه إذا خرج من أرضه التي نشأ فيها لأجل من حلها من أهل الكفر، إلى دار الإِسلام، لا يستقيم له فيها ما كان يستقيم له في أرضه، وربما أدى ذلك إلى هلاكه .. أخبر أن كل نفس لها أجل تبلغه، وتموت في أي مكان حل، وأن رجوع الجميع إلى جزائه يوم القيامة، فقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من النفوس، سواء كانت نفس إنسان أو غيرها، وهو مبتدأ، وجاز الابتداء

стр. 9755

بالنكرة لما فيها من العموم. ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾؛ أي: واجدة مرارة الموت، ومتجرعة غصص المفارقة، كما يجد الذائق ذوق المذوق، وهذا مبني على أن الذوق يصلح للقليل والكثير، كما ذهب إليه الراغب، وقال بعضهم: أصل الذوق بالفم فيما يقل تناوله، فالمعنى إذًا: إن النفوس تذوق بملابسه البدن جزءًا من الموت. واعلم (١): أن للإنسان روحًا وجسدًا، وبخارًا لطيفًا بينهما هو: الروح الحيواني، فما دام هذا البخار باقيًا على الوجه الذي يصلح أن يكون علاقةً بينهما، فالحياة قائمة، وعند إنطفائه وخروجه عن الصلاحية تزول الحياة، ويفارق الروح البدن مفارقةً اضطرارية، وهو الموت الصوري، ولا يعرف كيفية ظهور الروح في البدن ومفارقته له وقت الموت إلا أهل الانسلاخ التام. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا﴾ لا إلى غيرنا؛ أي: إلى حكمنا وجزائنا ﴿تُرْجَعُونَ﴾ تردون (٢) من الرجع، وهو: الرد، فمن كانت هذه عاقبته .. ينبغي أن يجتهد في التزود والاستعداد لها، ويرى مهاجرة الوطن سهلةً، واحتمال الغربة هونًا، هذا إذا كان الوطن دار الشرك، وكذا إذا كان أرض المعاصي والبدع، وهو لا يقدر على تغييرها، والمنع منها، فيهاجر إلى أرض المطيعين من أرض الله الواسعة. والمعنى: كل نفس من النفوس واجدة مرارة الموت لا محالة، فلا يصعب عليكم ترك الأوطان، ومفارقة الإخوان والخلان، ثم إلى الله المرجع بالموت والبعث لا إلى غيره، فكل حي في سفر إلى دار القرار، وإن طال لبثه في هذه الدار، فيوفيكم جزاء ما تعملون، فقدموا له خير العمل تفوزوا بنعيم مقيم، وجنة عرضها السماوات والأرض. وقرأ علي (٣): ﴿ترجعون﴾ مبنيًا للفاعل من الرجوع، والجمهور: مبنيًا للمفعول بتاء الخطاب، وروى عن عاصم: بياء الغيبة، وقرأ أبو حيوة: ﴿ذائقة﴾

стр. 9756

بالتنوين، ﴿الْمَوْتِ﴾ بالنصب. والخلاصة: أي أينما تكونوا يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وافعلوا ما أمركم به، فذلك خير لكم فإن الموت لا محالة آتٍ، ولله در القائل: الْمَوْتُ فِي كُلِّ حِيْنٍ يُنْشِدُ الْكَفَنَا ... وَنَحْنُ فِيْ غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِنَا لَا تَرْكَنَنَّ إلَى الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا ... وَإنْ تَوَشَّحْتَ مِنْ أثْوَابِهَا الْحَسَنَا أَيْنَ الأَحَبَّةُ وَالْجِيْرَانُ مَا فَعَلُوْا ... أَيْنَ الَّذِيْنَ هُمُ كَانُوْا لَهَا سَكَنَا سَقَاهُمُ ألْمَوْتُ كَأسًا غَيْرَ صَافِيَةٍ ... صَيَّرَتْهُمْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى رَهَنَا ثم إلى الله موجعكم، فمن كان مطيعًا له .. جازاه خير الجزاء، وآتاه أتم الثواب. ٥٨ - ثم بين جزاء المؤمن بربه، المهاجر بدينه فرارًا من شرك المشركين، فقال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله، وصدقوا رسوله فيما جاء به من عنده ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ومن الصالحات: الهجرة للدين؛ أي: وعملوا بما أمرهم به، فأطاعوه، وانتهوا عما نهاهم عنه. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ أي: وعزتي وجلالي لننزلنهم ﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ مفعول ثان لـ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ أي: قصورًا (١) عالية من الدر والزبرجد والياقوت، وإنما قال ذلك؛ لأن الجنة في جهة عالية، والنار في سافلة، ولأن النظر من الغرف إلى المياه والخضر أشهى وألذ. ﴿تَجْرِي﴾ وتسيل ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها ﴿الْأَنْهَارُ﴾ الأربعة صفة لـ ﴿غُرَفًا﴾ حال كونهم ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾ أي: في تلك الغرف مكثًا موبدًا لا نهاية له، جزاءً لهم على ما عملوا ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الأعمال الصالحة، والمخصوص بالمدح محذوف؛ أي: نعم أجر العاملين أجرهم. وقرأ ابن مسعود (٢)، والأعمش، ويحيى بن وثاب، وحمزة، والكسائي،

стр. 9757

والربيع بن خثيم، وزيد بن علي: ﴿لنثوينهم﴾ بالثاء المثلثة الساكنة، مكان الباء الموحدة بعد النون، وياء مفتوحة بعد الواو المكسورة المخففة، من الثواء، وهو: الإقامة؛ أي: لنقيمنهم وننزلنهم منزلًا يقيمون فيه. وقرأ الباقون: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ بالباء الموحدة من المباءة؛ أي: لنجعلن لهم مكانًا مباءةً؛ أي: مرجعًا يأوون إليه، وبوأ: يتعدى لاثنين، قال تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾. وروي عن ابن عامر: ﴿غرفًا﴾ بضم الراء، وقرأ ابن وثاب [فنعم] بالفاء. والجمهور: بغير فاء. ٥٩ - ثم بين صفات هؤلاء العاملين، الذين استحقوا تلك الجنات بقوله: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على مفارقة أوطانهم والهجرة، وجميع المشاق، من امتثال الأوامر واجتناب المناهي، والموصول: صفة لـ ﴿الْعَامِلِينَ﴾، أو نصب على المدح. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾ لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يعتمدون في أمورهم دينًا ودنيا؛ أي: يفوضون أمورهم إليه تعالى في كل إقدام وإجحام. وهذا التوكل من قوة الإيمان، فإذا قوي الإيمان .. يخرج من القلب ملاحظة الأوطان والأموال والأرزاق وغيرها، وتصير الغربة والوطن سواءً، ويكفي ثواب الله بدلًا من الكل، وفي الحديث: "من فر بدينه من أرض إلى أرض، ولو كان شبرًا .. استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد" .. ﵉. أما استيجابه الجنة والغرف، فلتركه المسكن المألوف لأجل الدين، وامتثال أمر رب العالمين، وأما رفاقته لهما فلمتابعتهما في باب الهجرة، وإحياء سنتهما، فإن إبراهيم ﵇ هاجر إلى الأرض المقدسة، ونبينا ﵇ هاجر إلى أرض المدينة، وفيه إشارة إلى أن السالك ينبغي له أن يهاجر من أرض الجاه - وهو قبول الخلق - إلى أرض الخمول.

стр. 9758

والمعنى (١): أي هؤلاء العاملون، هم الذين صبروا على أذى المشركين، وشدائد الهجرة، وغيرهما من الجهود والمشاق، وتوكلوا على ربهم فيما يأتون وما يذرون، كأرزاقهم، وجهاد أعدائهم، فلا ينكلون عنهم، ولا يتراجعون ثقةً منهم بأن الله معلي كلمتهم، وموهن كيد الكافرين، وأن ما قسم لهم من الرزق لن يفوتهم. ٦٠ - ثم ذكر سبحانه: أن مما يعين على التوكل عليه: معرفة أنه كافي أمر الرزق في الوطن والغربة، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ اسم مركب من كاف التشبيه، وأي، آخره نون بمعنى كم الخيرية، في محل الرفع مبتدأ. ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تمييز له، وهي كل ما يدب على الأرض عاقلًا كان أم لا، من الطيور والسباع والهوام، وجملة: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ صفة لدابة، وجملة ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾: خبر المبتدأ؛ أي (٢): وكثير من دابة ذات حاجة إلى الغذاء، لا تطيق حمل رزقها لضعفها، أو لا تدخر، وإنما تصبح ولا معيشة عندها، الله يرزقها؛ أي: يعطيها رزقها يومًا فيومًا، حيث توجهت، ﴿و﴾ يرزق ﴿إياكم﴾ حيث كنتم؛ أي: ثم إنها مع ضعفها وتوكلها، وإياكم مع قوتكم واجتهادكم، سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله؛ لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده، فلا تخافوا الفقر بالمهاجرة والخروج إلى دار الغربة؛ أي: فكيف لا يتوكلون على الله مع قوتهم وقدرتهم على أسباب العيش، كتوكلها على الله مع ضعفها وعجزها. ﴿وَهُوَ﴾ سبحانه ﴿السَّمِيعُ﴾ الذي يسمع كل مسموع، أو المبالغ في السمع، فيسمع قولكم هذا في أمر الرزق ﴿الْعَلِيمُ﴾ بكل معلوم، أو المبالغ في العلم فيعلم ضمائركم. ومعنى الآية: أي (٣) هاجروا أيها المؤمنون بالله ورسوله وجاهدوا أعداءَه، ولا تخافوا عيلةً ولا إقتارًا، فكم من دابة ذات حاجة إلى الغذاء والمطعم، لا تطيق جمع قوتها، ولا حمله، فترفعه من يومها لغدها، عجزًا منها عن ذلك، الله يرزقها وإياكم، يومًا بيوم، وساعةً فساعةً، وهو السميع لقولكم: فلا نخشى من

стр. 9759

فراق أوطاننا العيلة، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في أنفسكم، وإليه يصير أمركم وأمر عدوكم، من إذلال الله إياه ونصرتكم عليه، ولا تخفى عليه خافية من أمور خلقه. وقال ابن عباس: لا يدخر الرزق إلا الآدمي والنمل والفأرة والعقعق. وقيل عن بعضهم: رأيت البلبل يحتكر في حضنيه، وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال للمؤمنين بمكة حين آذاهم المشركون: "اخرجوا إلى المدينة، وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة". قالوا: ليس لنا بها دار ولا عقار ولا من يطعمنا، ولا من يسقينا، فنزلت الآية. ٦١ - ثم إنه سبحانه ذكر حال المشركين من أهل مكة وغيرهم، وعجب السامع من كونهم يقرون بأنه خالقهم ورازقهم ولا يوحدونه، ولا يتركون عباده غيره، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾؛ أي: أهل مكة ﴿مَنْ﴾ استفهام ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ السبع ﴿وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لمصالح العباد، حيث يجريان على الدوام، أتى (١) بشيئين: أحدهما: يتعلق بالذوات، وهو خلق السماوات والأرض. والثاني: يتعلق بالصفات، وهو تسخير الشمس والقمر لإصلاح الأقوات، ومعرفة الأوقات، وغير ذلك من المنافع. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ أي: وعزتي وجلالي ليقولن أهل مكة: خلقهن الله إذ لا سبيل لهم إلى الإنكار لما تقرر في العقول، من وجوب انتهاء الممكنات، إلى واحد واجب الوجود، ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أي (٢): فكيف يصرفون عن الإقرار بتفرده في الإلهية، مع إقرارهم بتفرده فيما ذكر من الخلق والتسخير، فهو إنكار واستبعاد لتركهم العمل بموجب العلم، وتوبيخ وتقريع عليه، وتعجيب منه.

стр. 9760

والمعنى (١): أي ولئن سألت هؤلاء المشركين بالله: من خلق السماوات والأرض فسواهن، وسخر الشمس، والقمر يجريان دائبين لمصالح خلقه، ليقولن: الذي خلق ذلك وفعله هو الله، فانى يؤفكون؛ أي: فكيف يصرفون عن توحيده، وإخلاص العبادة له بعد إقرارهم بأن خالق كل ذلك. تنبيه: ذكر في السماوات والأرض الخلق، وفي الشمس والقمر التسخير، لأن مجرد خلق الشمس والقمر ليس حكمةً، فإن الشمس لو كانت مخلوقة بحيث تكون في موضع واحد، لا تتحرك .. ما حصل الليل والنهار، ولا الصيف والشتاء، فحينئذٍ الحكمة إنما هي في تحركهما وتسخيرهما. اهـ. "كرخي". والخلاصة (٢): أنهم يعترفون بأنه هو الخالق للسماوات والأرض، والمسخر للشمس والقمر، ثم هم مع ذلك يعبدون سواه، ويتوكلون على غيره، فكما أنه الواحد في ملكه، فليكن الواحد في عبادته، وكثيرًا ما يقرر القرآن توحيد الألوهية بعد الاعتراف بتوحيد الربوبية، التي كانوا يدينون بها، نحو قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك. ٦٢ - ولما ذكر اعترافهم بالخلق .. ذكر حال الرزق من قبل أن كمال الخلق ببقائه، ولا بقاء له إلا بالرزق، فقال: ﴿اللَّهُ﴾ ﴿يَبْسُطُ﴾ ويوسع ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يبسط له ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ مؤمنين وكافرين ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يضيق ويقتر ﴿لَهُ﴾؛ أي: لمن يشاء أن يقدر عليه منهم، كائنًا من كان، على أن (٣) الضمير مبهم حسب إبهام مرجعه، ويحتمل أن يكون الموسع له، والمضيق عليه واحدًا، على أن البسط والقبض على التعاقب؛ أي: يقدر لمن يبسط له على التعاقب.

стр. 9761

وقرأ علقمة الحمصي: ﴿ويقدر﴾ بضم الياء وفتح القاف وشد الدال، ذكره في "البحر". قال الحسن: يبسط الرزق لعدوه مكرًا به، ويقدر على وليه نظرًا له، فطوبى لمن نظر الله إليه؛ أي: إن الله سبحانه يوسع رزقه على من يشاء من خلقه، ويقتر على من يشاء، فالأرزاق وقسمتها بيده تعالى، لا بيد أحدٍ سواه، فلا يؤخرنكم عن الهجرة، وجهاد عدوكم، خوف العيلة والفقر، فمن بيده تكوين الكائنات، لا يعجز عن أرزاقها، ونحو الآية قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾. ثم علل التفاوت في الرزق بين عباده بعلمه بالمصلحة في ذلك، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم ما فيه صلاح عباده وفسادهم، ويعلم مقادير الحاجات ومقادير الأرزاق، فيعلم من يليق ببسط الرزق فيبسط له، ويعلم من يليق بقبضه فيقبض له، أو فيعلم أن كلًّا من البسط والقبض في أي وقتٍ يوافق الحكمة والمصلحة، فيفعل كلًّا منهما في وقته، وفي الحديث القدسي: "إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته .. لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته .. لأفسد ذلك". ٦٣ - ثم ذكر اعترافهم بهذا بقوله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: وعزتي وجلالي، لئن سألت يا محمد مشركي العرب ﴿مَنْ نَزَّلَ﴾ مرة بعد مرة ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من السحاب ﴿مَاءً﴾؛ أي: مطرًا ﴿فَأَحْيَا﴾ وأخصب ﴿بِهِ﴾؛ أي: بسبب ذلك الماء ﴿الْأَرْضَ﴾ بإخراج الزرع والنبات والأشجار منها ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ أي: يبسها وقحطها ﴿لَيَقُولُنَّ﴾؛ أي: ليقولن المشركون جوابًا لك، نزله ﴿اللَّهُ﴾ سبحانه، وأحيا به الأرض، إذ لا جواب غيره؛ أي: يعترفون بأنه الموجد للممكنات بأسرها، أصولها وفروعها، يجدون إلى إنكاره سبيلًا، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته، الذي لا يكاد يتوهم منه القدرة على شيء ما أصلًا. والمعنى: أي ولئن سألتهم: من ينزل من السحاب ماءً، فيحيي به الأرض القفر، فتصير خضراء تهتز بعد أن لم تكن كذلك، لم يجدوا في الجواب إلا سبيلًا واحدةً هي الاعتراف الذي لا محيص عنه بأنه الله، فهو الموجد لسائر

стр. 9762

المخلوقات، ومن عجبٍ أنهم بعد ذلك يشركون به بعض مخلوقاته، التي لا تقدر على شيء من ذلك. فإن قلت: لِمَ (١) زاد ﴿مَنْ﴾ هنا في قوله ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ وحذفها في البقرة، حيث قال هناك: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وفي الجاثية أيضًا، حيث قال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾؟ قلت: زادها هنا موافقةً لما قبله من قوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ بخلاف ذلك في البقرة والجاثية. ثم لما اعترفوا (٢) هذا الاعتراف في هذه الآيات، وهو يقتضي بطلان ما هم عليه من الشرك، وعدم إفراد الله سبحانه بالعبادة .. أمر رسوله ﷺ أن يحمد الله على إقرارهم، وعدم جحودهم مع تصلبهم في العناد، وتشددهم في رد كل ما جاء به رسول الله من التوحيد، فقال: ﴿قُلِ﴾ يا محمد متعجبًا من حالهم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ والشكر له على إظهار الحجة، واعترافهم بأن النعم كلها منه تعالى؛ أي: أحمد الله على أن جعل الحق معك، وأن أظهر حجتك عليهم. وعبارة "القرطبي" هنا: قل الحمد لله على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته، وقيل: قل الحمد لله على إقرارهم بذلك، وقيل: قل الحمد لله على إنزال الماء، وإحياء الأرض بالنبات. اهـ. ثم ذمهم فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾؛ أي: شيئًا من الإشياء، فلذلك لا يعملون بمقتضى قولهم، فيشركون به سبحانه أخس مخلوقاته، وهو الصنم؛ أي: ولكن أكثر المشركين لا يعقلون ما لهم فيه النفع في دينهم، وما فيه الضر لهم، فهم لجهلهم يحسبون أنهم لعبادتهم الأصنام دون الله ينالون بها الزلفى والقرب عنده تعالى.

стр. 9763

والخلاصة: أن اْقوالهم تخالف أفعالهم، فهم يقرون بوحدانية الله، وعظيم قدرته وجلاله، ثم هم يعبدون معه سواه، مما هم معترفون بأنه خلقه. قال بعضهم (١): قد ذكر الله تعالى آية الرزق، ثم آية التوحيد، ثم كررهما في صورتين أخريين، تنبيهًا منه لعباده المؤمنين على أنه سبحانه لا يقطع أرزاق الكفار، مع وجود الكفر والمعاصي، فكيف يقطع أرزاق المؤمنين مع وجود الإيمان والطاعات، وأنه سبحانه لا يسأل من العباد إلا التوحيد والتقوى والتوكل، فإنما الرزق على الله الكريم، وقد قدر مقادير الخلق قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وما قدر في الخلق والرزق والأجل لا يتبدل بقصد القاصدين، ألا ترى إلى الوحوش والطيور، لا تدخر شيئًا إلى الغد، تغدو خماصًا، وتروح بطانًا؛ أي: ممتلئة البطون والحواصل، لاتكالها على الله تعالى، بما وصل إلى قلوبها من نور معرفة خالقها، فكيف يهتم الإنسان لأجل رزقه، ويدخر شيئًا لغده، ولا يعرف حقيقة رزقه وأجله، فربما يأكل ذخيرته غيره، ويصل إلى غده، ولذلك كان ﷺ لا يدخر لغد إذ الأرزاق مجددة كالأنفاس المجددة في كل لمحة، والرزق يطلب الرجل كما يطلبه أجله. انتهى. ٦٤ - ثم أشار سبحانه إلى تحقير الدنيا، وأنها من جنس اللعب واللهو، وأن الدار على الحقيقة هي دار الآخرة فقال: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ إشارة تحقير للدنيا، وكيف لا وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، قال الإِمام الراغب: الحياة (٢) باعتبار الدنيا والآخرة ضربان: الحياة الدنيا، والحياة الآخرة، فهي إشارة إلى أن الحياة الدنيا بمعنى الحياة الأولى بقرينة المقابلة بالآخرة، فإنه قد يعبر بالأدنى عن الأول المقابل للآخر، والمراد بالحياة الأولى ما قبل الموت، لدنوه؛ أي: لقربه، وبالآخرة: ما بعد الموت لتأخره. ﴿إِلَّا لَهْوٌ﴾ أي: إعراض عن الآخرة ﴿وَلَعِبٌ﴾؛ أي: شغل بما لا يعني ولا يهم، قال الرازي: اللهو: هو الإعراض عن الحق بالكلية، واللعب: الإقبال

стр. 9764

على الباطل اهـ. وقيل (١): اللهو: الاشتغال بما فيه نفع عاجل، واللعب: الاشتغال بما لا نفع فيه أصلًا. وقيل: اللهو: هو الاستمتاع بلذات الدنيا، وقيل: هو الاشتغال بما لا يعنيه وما لا يهمه، واللعب: هو العبث، فاللهو: كل ما يشغل الإنسان عما يهمه ويعنيه، والملاهي: آلة اللهو، ويقال: لعب فلان: إذا لم يقصد بفعله مقصدًا صحيحًا؛ أي: إن (٢) الدنيا سريعة الزوال، فالاشتغال بلذاتها كاشتغال الصبيان بلهوهم وعبثهم، فإنهم يجتمعون عليه، ويفرحون به ساعةً، ثم يتفرقون عنه، فالإعراض عن الحق لهو، والإقبال على الباطل لعب. وفي "التأويلات النجمية": يشير إلى أن هذه الحياة التي يعيش بها المرء في الدنيا، بالنسبة إلى الحياة التي يعيش بها أهل الآخرة في الآخرة، وجوار الحق تعالى لهو ولعب، وإنما شبها باللهو واللعب لمعنيين: أحدهما: أن أمر اللهو واللعب سريع الانقضاء، لا يداوم عليه؛ فالمعنى: أن الدنيا وزينتها، وشهواتها لظل زائل، لا يكون لها بقاء، فلا تصلح لاطمئنان القلب بها، والركون إليها. والثاني: أن اللهو واللعب من شأن الصبيان والسفهاء، دون العقلاء وذوي الأحلام، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: "ما أنا من ددٍ ولا الدد مني". والدد: اللهو واللعب، فالعاقل يصون نفسه منه. انتهى. قال في "كشف الأسرار": فإن قيل: لما سماها لهوًا ولعبًا، وقد خلقها لحكمةٍ ومصلحةٍ؟ قلنا: إنه سبحانه بني الخطاب على الأعم الأغلب، وذلك أن غرض أكثر الناس من الدنيا اللهو واللعب. انتهى.

стр. 9765

وورد في الخبر النبويّ، حين سُئل عن الدنيا، فقال: "دنياك ما يشغلك عن ربك". قيل: الشر (١) كله في بيت واحد، ومفتاحه حب الدنيا. وما أحسن من شبهها بخيال الظل حيث قال: رَأَيْتُ خَيَالَ الظِّلِّ أَعْظَمَ عِبْرَةٍ ... لِمَنْ كَانَ فِيْ عِلْمِ الْحَقَائِقِ رَاقِيْ شُخُوْصٌ وَأَصْوَاتٌ يُخَالِفُ بَعْضُهَا ... لِبَعْضٍ وَأَشْكَالٌ بِغَيْرِ وِفَاقٍ تَمُرُّ وَتَقْضِي أَوْبَةً بَعْدَ أَوْبَةٍ ... وَتَفْنَى جَمِيْعًا وَالْمُحَرِّكُ بَاقِيْ والمعنى: أي وما هذه الحياة الدنيا التي يتمتع بها هؤلاء المشركون، إلا شيء يتعلل به، ثم هو منقض عما قريب، لا بقاء له ولا دوام، ومن ثم قيل: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها، وأنشدوا: تَرُوْحُ لَنَا الدُّنْيَا بِغَيْرِ الَّذِيْ غَدَتْ ... وَتَحْدُثُ مِنْ بَعْدِ الأمُوْرِ أُمُوْرُ وَتَجْرِيْ الليَالي بِاجْتِمَاعٍ وَفِرْقَةٍ ... وَتَطْلُعُ فِيْهَا أَنْجُمٌ وَتَغُوْرُ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الدَّهْرَ بَاقٍ سُرُوْرُهُ ... فَذَاكَ مُحَالٌ لَا يَدُوْمُ سُرُوْرُ عَفَا الله عَمَّنْ صَيَّرَ الْهَمَّ وَاحِدًا ... وَأَيْقَنَ أنَّ الدَّائِرَاتِ تَدُوْرُ ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: وإن الحياة الثانية ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾؛ أي: لهي الحياة الدائمة، التي لا موت فيها، ولا زوال ولا انقطاع ﴿لَوْ كَانُوا﴾؛ أي: لو كان هؤلاء المشركون ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أن الحياة المعتبرة هي حياة الآخرة .. لما آثروا عليها الحياة الدنيا، السريعة الزوال، الوشيكة الاضمحلال. وقيل المعنى (٢): وإن الدار الآخرة لهي الحياة الدائمة الخالدة، التي لا موت ولا فناء فيها، ذهب المفسرون إلى أن معنى الحيوان هنا: الحياة، وأنه مصدر بمنزلة الحياة، فيكون كالنزوان، والغليان، واللهيان، والجولان، والطوفان، وقد قيل في شأن الدنيا: أَحْلاَمُ نَوْمٍ أَوْ كَظِلٍّ زَائِلٍ ... إِنَّ اللَّبِيْبَ بِمِثْلِهَا لَا يُخْدَعُ

стр. 9766

٦٥ - ثم أخبر سبحانه، بأن تلك حال المشركين في الرخاء، فإذا ابتلوا بالشدائد .. دعوا الله وحده ليخلصهم منها، كما قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة، لتجاراتهم وتصرفاتهم، وهاجت الرياح، واضطربت الأمواج، وخافوا الغرق .. ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ إنجاءَهم من الغرق، حالة كونهم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الدعاء والتضرع والاستغاثة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ليخلصوهم من تلك الشدة، لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله . أو المعنى: دعوا الله كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون مع الله آخر، وفي المخلصين ضرب من التهكم. ثم بين (١) سرعة رجوعهم وعودتهم إلى ما كانوا عليه وشيكًا فقال ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ وخلصهم مما كانوا فيه من الضيق، ونجاهم من الهلاك والغرق، ووصلوا ﴿إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ جواب ﴿لما﴾ أي: فاجأ التنجية إشراكهم بالله، ورجعوا القهقرى، وعاودوا سيرتهم الأولى، وجعلوا مع الله الشركاء، ودعوا الآلهة والأنداد، ونحو الآية قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾. روى محمد بن إسحاق في "السيرة" عن عكرمة بن أبي جهل، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة .. ذهبت فارًا منها، فلما ركبت البحر إلى الحبشة .. اضطربت بنا السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا منجي ها هنا إلا هو. فقال عكرمة: لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في البر أيضًا غيره، اللهم لك عليّ عهد، لئن خرجت .. لأذهبن، فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فكان كذلك. وقال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر .. حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتد عليهم الريح .. ألقوها فيه، وقالوا: يا رب يا رب. قال

стр. 9767

الرازي في "اللوامع": وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء .. فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء. اهـ. ٦٦ - واللام (١) في قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ لام كي، معللة بمحذوف معلوم من السياق، تقديره: فاجؤُوا المعاودة إلى الشرك ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ أي: ليكونوا كافرين بما آتيناهم، وأعطيناهم من نعمة النجاة، التي حقها أن يشكروها ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾؛ أي: ولينتفعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادّهم عليها، ويجوز أن تكون في كليهما لام أمر، ومعناه التهديد، كما في ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾؛ أي: اكفروا بما أعطيناكم من النعمة، وتمتعوا، ويدل على هذا الوجه الأخير، قراءة أبيّ ﴿وتمتعوا﴾ واحتمالها للأمرين، إنما هو على قراءة أبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وورش: بكسر اللام، وأما على قراءة الجمهور: بسكونها فلا خلاف أنها لام الأمر، وقولنا: لام كي فيه شيء، لأنه ليس الحامل لهم على الإشراك قصد الكفر، والظاهر: أنها لام العاقبة والمآل، كما أشار له "الشهاب". فائدة (٢): قال الشيخ الشهير، بزورق الفارسي في "شرح حزب البحر": ومن أوراد البحر: الحي القيوم، ويقول عند ركوب السفينة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. فإنه أمان من الغرق. انتهى. اقتداة بنوح ﵇ وكذا يقال في كل مركوب غير حيوان، كالسيارة، والباخرة، والطائرة إلى غير ذلك. وفي قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد عظيم لهم؛ أي: فسيعلمون عاقبة ذلك، وما فيه من الوبال عليهم، حين يرون العذاب يوم القيامة.

стр. 9768

وقرأ ابن مسعود (١): ﴿فتمتعوا فسوف تعلمون﴾ بالتاء فيهما؛ أي: قيل لهم: ﴿تمتعوا فسوف تعلمون﴾، وكذا في مصحف أبيّ، وقرأ أبو العالية ﴿فيتمتعوا﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، ومن قرأ: ﴿وليتمتعوا﴾ بسكون اللام، وكان عنده ﴿اللام﴾ في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ لام كي، فـ ﴿الواو﴾: عاطفة كلامًا على كلام، لا عاطفة فعل على فعلٍ، وحكى ابن عطية عن ابن مسعود: ﴿لسوف تعلمون﴾ باللام. ٦٧ - ثم ذكرهم (٢) الله تعالى نعمه، حيث أسكنهم بلدةً أمنوا فيها، لا يغزوهم أحد مع كونهم قليلي العدد، قارين في مكان غير ذي زرع، وهذه من أعظم النعم التي كفروا بها، وهي نعمة لا يقدر عليها إلا الله تعالى، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ و ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يشاهد هؤلاء المشركون من قريش، ولم يروا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم ﴿حَرَمًا﴾؛ أي: محترمًا ﴿آمِنًا﴾؛ أي: مصونًا من النهب والتعدي، سالمًا أهله، آمنًا من كل سوء ﴿وَ﴾ الحال أنه ﴿يُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾ والعرب؛ أي (٣): يختلسون ويؤخذون ﴿مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وجوانبهم، قتلًا وسبيًا، إذ كانت العرب حوله في تغاورٍ وتناهبٍ. والمعنى (٤): أي أولم ير هؤلاء المشركون من قريش ما خصصناهم به من النعمة، دون سائر عبادنا، فأسكناهم بلدًا حرمنا على الناس أن يدخلوه لغارة، أو حرب، وآمنًا من سكنه من القتل والسبي والنهب، فصاروا في سلامة وعافيةٍ، مما صار فيه غيرهم من العرب؛ لأن الناس حولهم يقتلون ويسبون في كل حين، وتطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها، فيشكرونا على ذلك، ويزدجروا عن كفرهم بنا، وإشراكهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم.

стр. 9769

والخلاصة: أنه تعالى يمتن على قريش بما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس، سواءً العاكف فيه، والباد، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيم، والأعراب حولهم نهب مقسم، يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، ثم هم مع ذلك يكفرون به، ويعبدون معه سواه. ونحو الآية قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾. ثم بين سبحانه: أن العقل كان يقضي بشكرهم على هذه النعمة، لكنهم كفروا بها، وما جنحوا إلى مرضاة ربهم، فقال: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: بعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه بالباطل، وهو الصنم أو الشيطان، يؤمنون دون الحق، وتقديم الصلة (١): لإظهار شناعة ما فعلوه. وكذا في قوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ المستوجبة للشكر ﴿يَكْفُرُونَ﴾ حيث يشركون به غيره. وعبارة "البيضاوي" هنا: وتقديم الصلتين للاهتمام، أو الاختصاص على طريق المبالغة، و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي التقريعي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيكذبون رسوله محمدًا ﷺ فيؤمنون بالباطل، ويكفرون بنعمة الله. وقرأ الجمهور: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يَكْفُرُونَ﴾ بالياء فيهما، وقرأ السلمي، والحسن: بتاء الخطاب فيهما، ذكره في "البحر". والمعنى: أي (٢) أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة، أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، وبدلوا نعمة الله كفرًا، وأحلوا قومهم دار البوار، فكفروا بنبي الله وعبده ورسوله.

стр. 9770

والخلاصة: أنه كان من حق شكرهم له على هذه النعم، إخلاص العبادة له، وأن لا يشركوا به، وأن يصدقوا برسوله ويعظموه ويوقروه، لكنهم كذبوه، فقاتلوه، وأخرجوه من بين أظهرهم، ومن ثم سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، بقتل من قتل منهم ببدر، وأسر من أسر، حتى قطع دابرهم يوم الفتح، وأرغم آنافهم، وأذل رقابهم. والخلاصة (١): أنكم يا أهل مكة في أخوف ما كنتم دعوتم الله تعالى، وفي أمنٍ ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض؛ لأن دعاءكم في وقت الخوف على سبيل الإخلاص، لم يكن إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير، وقد اعترفتم بأن تلك النعمة العظيمة من الله، كيف تكفرون بها، وقد قطعتم في حال الخوف أنه لا أمن من الأصنام، حيث ألقيتموها في البحر، كيف آمنتم بها في حال الأمن. ٦٨ - ولما استنارت الحجة، وظهر الدليل، ولم يكن لهم فيه مقنع .. بين أنهم قوم ظلمة مفترون، وضعوا الأمور في غير مواضعها، بكذبهم على الله، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ والاستفهام فيه للإنكار بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أشد ظلمًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه كذبًا، بأن زعم أن له تعالى شريكًا، وأنه إذا فعل فاحشة .. قال: إن الله أمرني بها، والله لا يأمر بالفحشاء، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالرسول، أو بالقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾؛ أي: حين جاءه الحق من غير توقف؛ أي: كذبه حين مجيئه عنادًا دون أن يتأمل فيه أو يتوقف، بل سارع إلى التكذيب أول ما سمعه. وفي قوله (٢): ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ من تسْفيه آرائهم وتقبيح طرائقهم، ما لا يخفى، حين كذبوا الحق من غير توقف وتأمل. فالله تعالى لا يمكن أن يكون له شريك، فمن جعل الشريك لملك مستقل في الملك كان ظالمًا يستحق العقاب منه، فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له شريك، ومن كذَّب صادقًا يجوز عليه الكذب كان ظالمًا، فكيف من
следующие страницы →