٦٥ - ثم أخبر سبحانه، بأن تلك حال المشركين في الرخاء، فإذا ابتلوا بالشدائد .. دعوا الله وحده ليخلصهم منها، كما قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾؛ أي: فإذا ركب هؤلاء المشركون في السفينة، لتجاراتهم وتصرفاتهم، وهاجت الرياح، واضطربت الأمواج، وخافوا الغرق .. ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾ إنجاءَهم من الغرق، حالة كونهم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: الدعاء والتضرع والاستغاثة، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ليخلصوهم من تلك الشدة، لعلمهم أنه لا يكشف هذه الشدة العظيمة النازلة بهم غير الله . أو المعنى: دعوا الله كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون مع الله آخر، وفي المخلصين ضرب من التهكم.
ثم بين (١) سرعة رجوعهم وعودتهم إلى ما كانوا عليه وشيكًا فقال ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ وخلصهم مما كانوا فيه من الضيق، ونجاهم من الهلاك والغرق، ووصلوا ﴿إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ جواب ﴿لما﴾ أي: فاجأ التنجية إشراكهم بالله، ورجعوا القهقرى، وعاودوا سيرتهم الأولى، وجعلوا مع الله الشركاء، ودعوا الآلهة والأنداد، ونحو الآية قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾.
روى محمد بن إسحاق في "السيرة" عن عكرمة بن أبي جهل، قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة .. ذهبت فارًا منها، فلما ركبت البحر إلى الحبشة .. اضطربت بنا السفينة، فقال أهلها: يا قوم أخلصوا لربكم الدعاء، فإنه لا منجي ها هنا إلا هو. فقال عكرمة: لئن كان لا ينجي في البحر غيره، فإنه لا ينجي في البر أيضًا غيره، اللهم لك عليّ عهد، لئن خرجت .. لأذهبن، فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فكان كذلك.
وقال عكرمة: كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر .. حملوا معهم الأصنام، فإذا اشتد عليهم الريح .. ألقوها فيه، وقالوا: يا رب يا رب. قال
стр. 9767
الرازي في "اللوامع": وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان، وأنهم إن غفلوا في السراء .. فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء. اهـ.
٦٦ - واللام (١) في قوله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ لام كي، معللة بمحذوف معلوم من السياق، تقديره: فاجؤُوا المعاودة إلى الشرك ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ أي: ليكونوا كافرين بما آتيناهم، وأعطيناهم من نعمة النجاة، التي حقها أن يشكروها ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾؛ أي: ولينتفعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام، وتوادّهم عليها، ويجوز أن تكون في كليهما لام أمر، ومعناه التهديد، كما في ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾؛ أي: اكفروا بما أعطيناكم من النعمة، وتمتعوا، ويدل على هذا الوجه الأخير، قراءة أبيّ ﴿وتمتعوا﴾ واحتمالها للأمرين، إنما هو على قراءة أبي عمرو، وابن عامر، وعاصم، وورش: بكسر اللام، وأما على قراءة الجمهور: بسكونها فلا خلاف أنها لام الأمر، وقولنا: لام كي فيه شيء، لأنه ليس الحامل لهم على الإشراك قصد الكفر، والظاهر: أنها لام العاقبة والمآل، كما أشار له "الشهاب".
فائدة (٢): قال الشيخ الشهير، بزورق الفارسي في "شرح حزب البحر": ومن أوراد البحر: الحي القيوم، ويقول عند ركوب السفينة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. فإنه أمان من الغرق. انتهى. اقتداة بنوح ﵇ وكذا يقال في كل مركوب غير حيوان، كالسيارة، والباخرة، والطائرة إلى غير ذلك.
وفي قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديد عظيم لهم؛ أي: فسيعلمون عاقبة ذلك، وما فيه من الوبال عليهم، حين يرون العذاب يوم القيامة.
стр. 9768
وقرأ ابن مسعود (١): ﴿فتمتعوا فسوف تعلمون﴾ بالتاء فيهما؛ أي: قيل لهم: ﴿تمتعوا فسوف تعلمون﴾، وكذا في مصحف أبيّ، وقرأ أبو العالية ﴿فيتمتعوا﴾ بالياء مبنيًا للمفعول، ومن قرأ: ﴿وليتمتعوا﴾ بسكون اللام، وكان عنده ﴿اللام﴾ في ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ لام كي، فـ ﴿الواو﴾: عاطفة كلامًا على كلام، لا عاطفة فعل على فعلٍ، وحكى ابن عطية عن ابن مسعود: ﴿لسوف تعلمون﴾ باللام.
٦٧ - ثم ذكرهم (٢) الله تعالى نعمه، حيث أسكنهم بلدةً أمنوا فيها، لا يغزوهم أحد مع كونهم قليلي العدد، قارين في مكان غير ذي زرع، وهذه من أعظم النعم التي كفروا بها، وهي نعمة لا يقدر عليها إلا الله تعالى، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ و ﴿الهمزة﴾ فيه: للاستفهام الإنكاري التوبيخي، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: ألم يشاهد هؤلاء المشركون من قريش، ولم يروا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا﴾ بلدهم ﴿حَرَمًا﴾؛ أي: محترمًا ﴿آمِنًا﴾؛ أي: مصونًا من النهب والتعدي، سالمًا أهله، آمنًا من كل سوء ﴿وَ﴾ الحال أنه ﴿يُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾ والعرب؛ أي (٣): يختلسون ويؤخذون ﴿مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وجوانبهم، قتلًا وسبيًا، إذ كانت العرب حوله في تغاورٍ وتناهبٍ.
والمعنى (٤): أي أولم ير هؤلاء المشركون من قريش ما خصصناهم به من النعمة، دون سائر عبادنا، فأسكناهم بلدًا حرمنا على الناس أن يدخلوه لغارة، أو حرب، وآمنًا من سكنه من القتل والسبي والنهب، فصاروا في سلامة وعافيةٍ، مما صار فيه غيرهم من العرب؛ لأن الناس حولهم يقتلون ويسبون في كل حين، وتطرقهم الغارات، وتجتاح أموالهم الغزاة، وتسفك دماءهم الجنود، وتستبيح حرمهم وأموالهم شطار العرب وشياطينها، فيشكرونا على ذلك، ويزدجروا عن كفرهم بنا، وإشراكهم ما لا ينفعهم ولا يضرهم.
стр. 9769
والخلاصة: أنه تعالى يمتن على قريش بما أحلهم من حرمه الذي جعله للناس، سواءً العاكف فيه، والباد، ومن دخله كان آمنًا، فهم في أمنٍ عظيم، والأعراب حولهم نهب مقسم، يقتل بعضهم بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا، ثم هم مع ذلك يكفرون به، ويعبدون معه سواه.
ونحو الآية قوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.
ثم بين سبحانه: أن العقل كان يقضي بشكرهم على هذه النعمة، لكنهم كفروا بها، وما جنحوا إلى مرضاة ربهم، فقال: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أي: بعد ظهور الحق الذي لا ريب فيه بالباطل، وهو الصنم أو الشيطان، يؤمنون دون الحق، وتقديم الصلة (١): لإظهار شناعة ما فعلوه.
وكذا في قوله: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ المستوجبة للشكر ﴿يَكْفُرُونَ﴾ حيث يشركون به غيره.
وعبارة "البيضاوي" هنا: وتقديم الصلتين للاهتمام، أو الاختصاص على طريق المبالغة، و ﴿الهمزة﴾ في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ للاستفهام التوبيخي التقريعي، المضمن للإنكار، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، والتقدير: أيكذبون رسوله محمدًا ﷺ فيؤمنون بالباطل، ويكفرون بنعمة الله.
وقرأ الجمهور: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿يَكْفُرُونَ﴾ بالياء فيهما، وقرأ السلمي، والحسن: بتاء الخطاب فيهما، ذكره في "البحر".
والمعنى: أي (٢) أفكان شكرهم على هذه النعمة العظيمة، أن أشركوا به، وعبدوا معه غيره من الأصنام والأنداد، وبدلوا نعمة الله كفرًا، وأحلوا قومهم دار البوار، فكفروا بنبي الله وعبده ورسوله.
стр. 9770
والخلاصة: أنه كان من حق شكرهم له على هذه النعم، إخلاص العبادة له، وأن لا يشركوا به، وأن يصدقوا برسوله ويعظموه ويوقروه، لكنهم كذبوه، فقاتلوه، وأخرجوه من بين أظهرهم، ومن ثم سلبهم الله تعالى ما كان أنعم به عليهم، بقتل من قتل منهم ببدر، وأسر من أسر، حتى قطع دابرهم يوم الفتح، وأرغم آنافهم، وأذل رقابهم.
والخلاصة (١): أنكم يا أهل مكة في أخوف ما كنتم دعوتم الله تعالى، وفي أمنٍ ما حصلتم عليه كفرتم بالله، وهذا متناقض؛ لأن دعاءكم في وقت الخوف على سبيل الإخلاص، لم يكن إلا لقطعكم بأن النعمة من الله لا غير، وقد اعترفتم بأن تلك النعمة العظيمة من الله، كيف تكفرون بها، وقد قطعتم في حال الخوف أنه لا أمن من الأصنام، حيث ألقيتموها في البحر، كيف آمنتم بها في حال الأمن.
٦٨ - ولما استنارت الحجة، وظهر الدليل، ولم يكن لهم فيه مقنع .. بين أنهم قوم ظلمة مفترون، وضعوا الأمور في غير مواضعها، بكذبهم على الله، فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ والاستفهام فيه للإنكار بمعنى النفي؛ أي: لا أحد أشد ظلمًا ﴿مِمَّنِ افْتَرَى﴾ واختلق ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ سبحانه كذبًا، بأن زعم أن له تعالى شريكًا، وأنه إذا فعل فاحشة .. قال: إن الله أمرني بها، والله لا يأمر بالفحشاء، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالرسول، أو بالقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾؛ أي: حين جاءه الحق من غير توقف؛ أي: كذبه حين مجيئه عنادًا دون أن يتأمل فيه أو يتوقف، بل سارع إلى التكذيب أول ما سمعه. وفي قوله (٢): ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ من تسْفيه آرائهم وتقبيح طرائقهم، ما لا يخفى، حين كذبوا الحق من غير توقف وتأمل.
فالله تعالى لا يمكن أن يكون له شريك، فمن جعل الشريك لملك مستقل في الملك كان ظالمًا يستحق العقاب منه، فكيف إذا جعل الشريك لمن لا يمكن أن يكون له شريك، ومن كذَّب صادقًا يجوز عليه الكذب كان ظالمًا، فكيف من
стр. 9771
كذَّب صادقًا لا يجوز عليه الكذب، فإذا ليس أحد أظلم ممن يكذب على الله بالشرك، ويكذب الله في تصديقه نبيه ﷺ ويكذب النبي في رسالة ربه، ويكذب القرآن المنزل من الله تعالى إلى الرسول ﷺ
ثم بين سوء مغبة أعمالهم بطريق الاستفام التقريري، وهو أبلغ في إثبات المطلوب، وهددهم وتوعدهم، فقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ ومنزل ومأوى ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾؛ أي: مكان يستقرون فيه؛ أي: ألا يستوجب هؤلاء الكافرون من أهل مكة الثواء والإقامة في جهنم، فقد افتروا على الله الكذب، فكذبوا بالكتاب أو الرسول لما جاءهم بلا توقف ولا تأمل.
والخلاصة: أن مثوى هؤلاء، وأشباههم جهنم وبئس المصير، فهو (١) تقرير لثواثهم وإقامتهم فيها، فإن همزة الاستفهام الإنكاري إذا دخلت على النفي صار إيجابًا؛ أي: ألا يستوجبون الإقامة والخلود في جهنم، وقد فعلوا ما فعلوا من الافتراء والتكذيب بالحق الصريح مثل هذا التكذيب الشنيع، أو إنكار واستبعاد لاجترائهم على الافتراء والتكذيب؛ أي: ألم يعلموا أن في جهنم مثوًى للكافرين، حتى اجترؤوا هذه الجرأة، وقوله (٢): ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر؛ أي: مثواهم.
٦٩ - وبعد أن بين عاقبة أولئك الكافرين، ذكر عاقبة المؤمنين الذين اهتدوا بهُدى الله، وجاهدوا في سبيله، فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾؛ أي (٣): والذين جدوا واجتهدوا في طاعتنا، وبذلوا وسعهم، وطاقتهم في شاننا وحقنا، وأخلصوا عملهم لوجهنا، والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، وأطلق المجاهدة ليعم جهاد الأعداء الظاهرة والباطنة، أما الأول فكجهاد الكفار المحاربين، وأما الثاني فكجهاد النفس والشيطان. وفي الحديث: "جاهدوا أهواءَكم كما تجاهدون أعداءَكم". ويكون الجهاد باليد واللسان. كما قال ﵇: "جاهدوا
стр. 9772
الكفار بأيديكم وألسنتكم"؛ أي: بما يسوءهم من الكلام، كالهجوِ ونحوهِ، قال ابن عطاء: المجاهدة: صدق الافتقار إلى الله بالانقطاع عن كل ما سواه، وقال عبد الله بن المبارك: المجاهدة: علم أدب الخدمة، فإن أدب الخدمة أعز من الخدمة، وفي "الكواشي": المجاهدة: غض البصر، وحفظ اللسان، وخطرات القلب، ويجمعها الخروج عن العادات البشرية. انتهى.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ أي: وعزتي وجلالي لنرشدنهم ﴿سُبُلَنَا﴾؛ أي: أي سبل السير إلينا، والوصول إلى جنابنا، ولنوفقنهم طرق مرضاتنا، وإنما جمع السبل؛ لأن الطريق إلى الله تتعدد بعدد أنفاس الخلائق، وقال ابن عباس ﵄: يريد المهاجرين والأنصار؛ أي: والذين جاهدوا المشركين، وقاتلوهم في نصرة ديننا، لنهدينهم سبل الشهادة والمغفرة والرضوان.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ (١): مبتدأ، خبره: القسم المحذوف، وجوابه هو ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾، وبهذا ونظيره رد على أبي العباس ثعلب، في منعه أن تقع جملة القسم والمقسم عليه خبرًا للمبتدأ، ونظيره: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: لمع المخلصين في القول والعمل، بالتوفيق والنصرة والإعانة والعصمة في الدنيا، والثواب والمغفرة في العقبى.
وفي "التأويلات النجمية": لمع المحسنين، الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن كان الله معه .. لم يخذل ولم يذل.
ودخلت (٢) ﴿لام﴾ التوكيد على ﴿مع﴾، وفي ﴿مع﴾ قولان: قيل: اسم، وقيل: حرف، فدخول ﴿اللام﴾ عليها ظاهر على القول الأول، و ﴿لام﴾ التوكيد إنما تدخل على الأسماء، وكذا على الثاني من حيث أن فيها معنى الاستقرار، كما في نحو إن زيدًا لفي الدار، و ﴿مع﴾ إذا سكنت عينها تكون حرفًا، لا غير، وإذا فتحت جاز أن تكون اسمًا، وأن تكون حرفًا، والأكثر أن تكون حرفًا جاء
стр. 9773
لمعنى. اهـ. "قرطبي". وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر، إظهارًا لشرفهم بوصف الإحسان اهـ. "سمين".
فإن قلت (١): المجاهدة في دين الله إنما تكون بعد الهداية، فكيف جعل الهداية من ثمرتها؟
قلت: معناه: جاهدوا في طلب العلم، لنهدينهم سبلنا بمعرفة الأحكام وحقائقها، أو جاهدوا في نيل درجةٍ، لنهدينهم إلى أعلى منها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾.
والمعنى: أي والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله الكذب، المكذبين لما جاءهم به رسوله، مبتغين بقتالهم علو كلمتنا، ونصرة ديننا، لنزيدنهم هدايةً إلى سبل الخير، وتوفيقًا لسلوكها، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾.
وجاء في الحديث: "من عَمِلَ بِمَا عَلِمَ وَرَّثَهُ اللهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"، وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا على علم ما جهلنا، تقصيرنا في العمل بما علمنا ولو عملنا ببعضا علمنا .. لأورثنا علمًا لا تقوم به أبداننا، وقال سليمان الداراني: ليس الجهاد في الآية قتال الكفار فقط، بل هو نصر الدين، والرد على المبطلين، وقمع الظالمين، وعظمة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في طاعة الله، وهو الجهاد الأكبر.
ثم ذكر أن الله يعينهم بالنصرة والتوفيق، فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾ ذا الرحمة ﴿لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾؛ أي: لمع من أحسن من خلقه، فجاهد أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما جاء به من عند ربه بالمعونة والنصرة، على من جاهد من أعدائه وبالمغفرة والثواب في العقبى. روى ابن أبي حاتم عن الشعبي، قال عيسى بن مريم ﵇: إنما الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وليس الإحسان أن تحسن إلى من أحسن إليك، والله أعلم.
стр. 9774
الإعراب
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾.
﴿وَلَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿لا﴾: ناهية جازمة. ﴿تُجَادِلُوا﴾: فعل مضارع وفاعل مجزوم بـ ﴿لا﴾ الناهية. ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ﴾: مفعول به، والجملة: مستأنفة مسوقة لبيان كيفية إرشاد أهل الكتاب ومجادلتهم. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿بِالَّتِي﴾: متعلق بـ ﴿تُجَادِلُوا﴾. ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة صلة الموصول، وموصوف الموصول محذوف، تقديره: إلا بالمجادلة التي هي أحسن وأسهل. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء متصل. ﴿الَّذِينَ﴾: اسم موصول في محل النصب على الاستثناء. ﴿ظَلَمُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿مِنْهُمْ﴾: جار ومجرور حال من واو ﴿ظَلَمُوا﴾.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿وَقُولُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾. ﴿آمَنَّا﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل النصب مقول: ﴿وَقُولُوا﴾. ﴿بِالَّذِي﴾: متعلق بـ ﴿آمَنَّا﴾. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة ونائب فاعل مستتر يعود على الموصول. ﴿إِلَيْنَا﴾ متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، والجملة: صلة الموصول. ﴿وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ معطوف على ﴿أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾. وفي الكلام حذف الموصول الاسمي؛ أي: والذي أنزل إليكم. ﴿وَإِلَهُنَا﴾: مبتدأ. ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾: معطوف عليه. ﴿وَاحِدٌ﴾: خبر له، والجملة: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾ ﴿وَنَحْنُ﴾: مبتدأ. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُسْلِمُونَ﴾. ﴿مُسْلِمُونَ﴾ خبر له، والجملة: معطوفة على جملة ﴿آمَنَّا﴾.
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾.
﴿وَكَذَلِكَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَذَلِكَ﴾: جار ومجرور متعلق بمحذوف
стр. 9775
صفةٍ لمصدر محذوف، تقديره: وأنزلنا إليك الكتاب، إنزالًا كائنًا كالإنزال الذي أنزلناه على من قبلك. ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿إِلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، والجملة الفعلية: مستأنفة. ﴿فَالَّذِينَ﴾ ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت من ذكرته لك، من إنزال الكتاب إليك، وأردت بيان من يؤمن به، ومن لا يؤمن به فأقول لك: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ ﴿آتَيْنَاهُمُ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول ثان، والجملة الفعلية: صلة الموصول. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: فعل وفاعل. ﴿بِهِ﴾: متعلق به، والجملة: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة. ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْ﴾: اسم موصول في محل الرفع مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على الجملة التي قبلها، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة، وجملة ﴿يُؤْمِنُ﴾: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُ﴾. ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَجْحَدُ﴾: فعل مضارع. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَجْحَدُ﴾. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الْكَافِرُونَ﴾: فاعل، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة الاسمية التي قبلها، على كونها مقولًا لجواب إذا المقدرة.
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾.
﴿وَمَا كُنْتَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿كُنتَ﴾: فعل ناقص واسمه. ﴿تَتْلُو﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على محمد. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾: متعلق بـ ﴿تَتْلُو﴾ أو حال من ﴿كِتَابٍ﴾ لأنه صفة نكرة قدمت عليها. ﴿مِنْ﴾ زائدة. ﴿كِتَابٍ﴾: مفعول ﴿تَتْلُو﴾. وجملة ﴿تَتْلُو﴾ في محل النصب خبر ﴿كان﴾. وجملة ﴿كان﴾: مستأنفة. ﴿وَلَا تَخُطُّهُ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَا﴾: نافية. ﴿تَخُطُّهُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به. ﴿بِيَمِينِكَ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: معطوفة على جملة قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ﴾. ﴿إِذًا﴾: حرف جواب
стр. 9776
وجزاء مهمل، قال على شرط محذوف، تقديره: لو كان شيء من التلاوة والخط. ﴿لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ و ﴿اللام﴾: واقعة في جواب لو المحذوفة. ﴿ارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: فعل وفاعل، والجملة: جواب لو المحذوفة، وجملة لو المحذوفة: مستأنفة.
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.
﴿بَلْ﴾: حرف إضراب. ﴿هُوَ آيَاتٌ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة. ﴿بَيِّنَاتٌ﴾: صفة ﴿آيَاتٌ﴾. ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه صفة ثانية لـ ﴿آيَاتٌ﴾؛ أي: راسخة في صدورهم. ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة، ونائب فاعل ومفعول ثان؛ لأن أتى هنا بمعنى: أعطى، والجملة: صلة الموصول. ﴿وَمَا يَجْحَدُ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية ﴿ما﴾: نافية. ﴿يَجْحَدُ﴾: فعل مضارع. ﴿بِآيَاتِنَا﴾: متعلق به. ﴿إِلَّا﴾: أداة استثناء مفرغ. ﴿الظَّالِمُونَ﴾: فاعل، والجملة مستأنفة.
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾.
﴿وَقَالُوا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿قَالُوا﴾: فعل وفاعل، والجملة: مستأنفة مسوقة لتقرير نوع آخر من أنواع لجاجهم. ﴿لَوْلَا﴾: حرف تحضيض بمعنى: هلا. ﴿أُنْزِلَ﴾: فعل ماض مغير الصيغة. ﴿عَلَيْهِ﴾: متعلق به. ﴿آيَاتٌ﴾: نائب فاعل. ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾: صفة لـ ﴿آيَاتٌ﴾ أو متعلق بـ ﴿أُنْزِلَ﴾، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول ﴿قَالُوا﴾. ﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة: مستأنفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿الْآيَاتُ﴾: مبتدأ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾: ظرف ومضاف إليه خبر المبتدأ، والجملة: في محل النص مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿وَإِنَّمَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّمَا﴾: أداة خصر. ﴿أَنَا﴾: مبتدأ. ﴿نَذِيرٌ﴾: خبر. ﴿مُبِينٌ﴾: صفة ﴿نَذِيرٌ﴾. والجملة الاسمية: في محل النصب معطوفة على جملة ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ﴾.
стр. 9777
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الهمزة: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف. و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: أقصر هذا القرآن عن حد الإعجاز ولم يكفهم، والجملة المحذوف: مستأنفة. ﴿لَمْ﴾: حرف جزم. ﴿يَكْفِهِمْ﴾ فعل مضارع ومفعول مجزوم بـ ﴿لَمْ﴾، وعلامة جزمه: حرف حرف العلة. ﴿أَنَّا﴾ ناصب واسمه. ﴿أَنْزَلْنَا﴾: فعل وفاعل. ﴿عَلَيْكَ﴾: متعلق به. ﴿الْكِتَابَ﴾: مفعول به، وجملة ﴿أَنْزَلْنَا﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية لـ ﴿يَكْفِهِمْ﴾، والتقدير: أقصر هذا القرآن عن حد الإعجاز، ولم يكفهم إنزالنا عليك الكتاب من جهة كونه معجزةً، وجملة ﴿يُتْلَى﴾: في محل نصب حال من ﴿الْكِتَابَ﴾. ﴿عَلَيْهِمْ﴾: متعلق بـ ﴿يُتْلَى﴾. ﴿إِنَّ﴾: حرف نصب ﴿فِي ذَلِكَ﴾: خبر مقدم لـ ﴿إِنَّ﴾. ﴿لَرَحْمَةً﴾ ﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿رَحْمَةً﴾: اسم ﴿إِنَّ﴾. ﴿وَذِكْرَى﴾: معطوف على ﴿رحمة﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها. ﴿لِقَوْمٍ﴾: صفة لـ ﴿ذِكْرَى﴾ و ﴿رَحْمَةً﴾ وجملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ صفة ﴿لِقَوْمٍ﴾.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.
﴿قُلْ﴾: فعل أمر وفاعل مستتر، والجملة مستأنفة. ﴿كَفَى﴾: فعل ماض. ﴿الباء﴾: حرف جر زائد. ولفظ جلالة ﴿بِاللَّهِ﴾ فاعل ﴿كَفَى﴾، والجملة: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾. ﴿بَيْنِي﴾: ظرف متعلق بـ ﴿شَهِيدًا﴾. ﴿وَبَيْنَكُمْ﴾: معطوف على ﴿بَيْنِي﴾. ﴿شَهِيدًا﴾ تمييز لفاعل ﴿كَفَى﴾. ﴿يَعْلَمُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، والجملة: في محل النصب حال من لفظ الجلالة. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾: جار ومجرور صلة ﴿مَا﴾ الموصولة. ﴿وَالْأَرْضِ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَالَّذِينَ﴾: ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ أول. ﴿آمَنُوا﴾:
стр. 9778
فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿بِالْبَاطِلِ﴾: متعلق بـ ﴿آمَنُوا﴾. ﴿وَكَفَرُوا﴾: فعل وفاعل معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿بِاللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿كَفَرُوا﴾. ﴿أُولَئِكَ﴾: مبتدأ ثان. ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل. ﴿الْخَاسِرُونَ﴾: خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني، وخبره: في محل الرفع خبر الأول، وجملة الأول: مستأنفة.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بِالْعَذَابِ﴾: متعلق به، والجملة: مستأنفة مسوقة للتعجب منهم، أو للاستهزاء بهم. ﴿وَلَوْلَا﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿لَوْلَا﴾: حرف امتناع لوجود. ﴿أَجَلٌ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة: وقوعه بعد ﴿لَوْلَا﴾ أو وصفه بما بعده. ﴿مُسَمًّى﴾ صفة لـ ﴿أَجَلٌ﴾، وخبر المبتدأ محذوف، تقديره: موجود. ﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ﴿اللام﴾: رابطة لجواب ﴿لَوْلَا﴾. ﴿جَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة الفعلية: جواب ﴿لَوْلَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَوْلَا﴾ معطوفة على جملة ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾. ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ﴾ ﴿الواو﴾: عاطفة. و ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿يأتين﴾: فعل مضارع في محل الرفع لتجرده عن الناصب والجازم، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله: ضمير يعود على ﴿بِالْعَذَابِ﴾. ﴿الهاء﴾: مفعول به. ﴿بَغْتَةً﴾: حال من فاعل ﴿يَأْتِيَنّ﴾ أي: حال كون العذاب باغتًا. ﴿وَهُمْ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿هم﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَشْعُرُونَ﴾: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: في محل النصب حال من ﴿الهاء﴾ في ﴿يَأْتِيَنَّهُمْ﴾، وجملة ﴿يَأْتِيَنَّهُمْ﴾: جواب القسم، وجملة القسم: معطوفة على جملة ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾.
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به. ﴿بِالْعَذَابِ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: مستأنفة، مكررة لتأكيد الجملة السابقة، أو للتعجب من حماقتهم، لأن
стр. 9779
من هدد بشيء .. التمس أسباب الوقاية منه، أما هؤلاء فيستعجلون. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَمُحِيطَةٌ﴾: خبره، و ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿بِالْكَافِرِينَ﴾: متعلق بـ ﴿مُحِيطَةٌ﴾، وجملة ﴿إن﴾: في محل النصب حال من ﴿الْعَذَابُ﴾ والرابط: إعادة صاحب الحال بمعناه؛ لأن ﴿جَهَنَّمَ﴾ بمعنى ﴿الْعَذَابِ﴾، وعبر بالحال وأراد الاستقبال؛ أي: ستحيط بهم للدلالة على التحقق والمبالغة.
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.
يَوْمَ: منصوب على الظرفية متعلق بـ ﴿مُحِيطَةٌ﴾. ﴿يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾: فعل ومفعول وفاعل، والجملة في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿يَوْمَ﴾. ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾: جار ومجرور حال من ﴿الْعَذَابُ﴾، أو متعلق بـ ﴿يَغْشَاهُمُ﴾. ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾: جار ومجرور ومضاف إليه معطوف على ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾. ﴿وَيَقُولُ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿يَقُولُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله، أو على الملك الموكل بالعذاب، والجملة: في محل الجر معطوفة على جملة ﴿يَغْشَاهُمُ﴾. ﴿ذُوقُوا﴾: فعل أمر وفاعل. ﴿مَا﴾: اسم موصول في محل النصب مفعول به، والجملة الفعلية في محل النصب مقول لـ ﴿يَقُولُ﴾. ﴿كُنْتُمْ﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿تَعْمَلُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كان﴾: صلة لـ ﴿مَا﴾ الموصولة.
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾.
﴿يَا عِبَادِيَ﴾: منادى مضاف، وجملة النداء: مستأنفة. ﴿الَّذِينَ﴾: صفة لـ ﴿عبادي﴾. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول. ﴿إِنَّ أَرْضِي﴾: ناصب واسمه، ﴿وَاسِعَةٌ﴾ خبره، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة واقعة في جواب النداء، لا محل لها من الإعراب. ﴿فَإِيَّايَ﴾: ﴿الفاء﴾: واقعة في جواب شرط محذوف، حذف وعوض عنه تقديم المفعول على عامله، تقديره: إن لم تيسر لكم عبادتي في أرض .. فهاجروا منها إلى أخرى، واعبدوا إياي فيها. ﴿إِيَّايَ﴾: ضمير
стр. 9780
نصب في محل النصب على الاشتغال بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: فاعبدوا إياي. ﴿فَاعْبُدُونِ﴾: فعل وفاعل، والجملة: في محل الجزم جواب للشرط المحذوف، وجملة الشرط المحذوف: مستأنفة على كونها جواب النداء. ﴿فَاعْبُدُونِ﴾: ﴿الفاء﴾ زائدة لتحسين الخط. ﴿اعبدون﴾: فعل أمر وفاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم المحذوفة: مفعول به، والجملة الفعلية: جملة مفسرة للمحذوفة، لا محل لها من الإعراب. ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾: مبتدأ ومضاف إليه. ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾: خبر ومضاف إليه، والجملة مستأنفة. ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف وترتيب. ﴿إِلَيْنَا﴾: متعلق بـ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، و ﴿تُرْجَعُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل، والجملة الفعلية: معطوفة على الجملة الاسمية.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ. ﴿آمَنُوا﴾: فعل وفاعل صلة الموصول، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: فعل وفاعل ومفعول به معطوف على ﴿آمَنُوا﴾. ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم: ﴿نُبَوِّئَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع مبني على الفتح، لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، وفاعله ضمير يعود على الله، و ﴿الهاء﴾: مفعول به أول. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾: حال من غرفًا. ﴿غُرَفًا﴾: مفعول ثان؛ لأن بوأ يتعدى إلى مفعولين، والجملة الفعلية: جواب القسم، لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم: في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة. ﴿تَجْرِي﴾: فعل مضارع. ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾: متعلق بـ ﴿تَجْرِي﴾. ﴿الْأَنْهَارُ﴾: فاعل، والجملة: في محل النصب صفة لـ ﴿غُرَفًا﴾. ﴿خَالِدِينَ﴾: حال من هاء ﴿نُبَوِّئَنَّهُمْ﴾. ﴿فِيهَا﴾: متعلق بـ ﴿خَالِدِينَ﴾. ﴿نِعْمَ﴾: فعل ماض في أفعال المدح، ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾: فاعل ومضاف إليه، وجملة ﴿نِعْمَ﴾: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب، أو في محل الرفع خبر مقدم للمخصوص بالمدح، المحذوف وجوبًا، تقديره: نعم أجر العاملين أجرهم، ﴿الَّذِينَ﴾: صفة للعاملين، ﴿صَبَرُوا﴾: فعل وفاعل صلة الصوصول، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ﴾: ﴿الواو﴾:
стр. 9781
عاطفة. ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾: متعلق بما بعده، ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾: فعل وفاعل معطوف على جملة ﴿صَبَرُوا﴾ على كونها صلة الموصول.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.
﴿وَكَأَيِّنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿كَأَيِّنْ﴾: اسم مركب بمعنى كم الخبرية، في محل الرفع مبتدأ أول، مبني على السكون لشبهة بالحرف شبهًا معنويًا، لتضمنه معنى رب التكثيرية، ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾: تمييز ﴿كَأَيِّنْ﴾: مجرور بـ ﴿مِنْ﴾. ﴿لَا﴾: نافية، ﴿تَحْمِلُ﴾ فعل مضارع وفاعل مستتر. ﴿رِزْقَهَا﴾: مفعول به، والجملة: في محل الجر صفة لـ ﴿دَابَّةٍ﴾. ﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ ثان، وجملة ﴿يَرْزُقُهَا﴾: خبر له، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره: خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول: مستأنفة، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾: معطوف على الضمير في ﴿يَرْزُقُهَا﴾، ﴿وَهُوَ﴾: مبتدأ، ﴿السَّمِيعُ﴾: خبر أول، ﴿الْعَلِيمُ﴾: خبر ثان، والجملة الاسمية: معطوفة على الجملة التي قبلها.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط جازم، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، والجملة الفعلية: في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية على كونها فعل شرط لها، وجواب ﴿إن﴾: الشرطية، محذوف دل عليه جواب القسم، تقديره: يقولون خلقهن الله، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية: معترضة لا محل لها من الإعراب، لاعتراضها بين القسم وجوابه. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ معلقة لسأل عن العمل في المفعول الثاني. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾: فعل وفاعل مستتر، ومفعول به، والجملة: خبر لـ ﴿مَنْ﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية: في محل النصب مفعول ثان لسأل، معلقة عنها باسم الاستفهام، ﴿وَالْأَرْضَ﴾: معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾. ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ﴾: فعل وفاعل مستتر ومفعول به معطوف على ﴿خَلَقَ﴾، ﴿وَالْقَمَرَ﴾: معطوف على ﴿الشَّمْسَ﴾. ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، مؤكدة للأولى، ﴿يَقُولُنَّ﴾:
стр. 9782
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين: في محل الرفع فاعل، والنون المشددة: نون التوكيد الثقيلة، ﴿اللَّهُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو الله، أو مبتدأ، والخبر: محذوف، تقديره: الله خلقهن، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، وجملة ﴿يَقُولُنَّ﴾: جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه، مستأنفة. ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت جوابهم هذا، وأردت التعجب منهم .. فأقول لك: قل: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، ﴿أَنَّى﴾: اسم استفهام للاستفهام التعجبي بمعنى كيف في محل النصب حال من واو ﴿يُؤْفَكُونَ﴾. ﴿يُؤْفَكُونَ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع بثبوت النون، و ﴿الواو﴾، نائب فاعل، والجملة الفعلية: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة مستأنفة، وفي، الفتوحات " قوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: الاستفهام للإنكار والتوبيخ، و ﴿الفاء﴾: في قوله: ﴿فَأَنَّى﴾: في جواب شرط مقدر؛ أي: إن صرفهم الهوى والشيطان، فأنى يؤفكون اهـ. "شهاب".
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾.
﴿اللَّهُ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة، ﴿لِمَنْ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَبْسُطُ﴾ وجملة ﴿يَشَاءُ﴾ صلة ﴿مِنْ﴾ الموصولة، والعائد: محذوف، تقديره: لمن يشاء البسط له، ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾: حال من العائد المحذوف، أو من ﴿مِنْ﴾ الموصولة، ﴿وَيَقْدِرُ﴾: فعل مضارع وفاعل مستتر معطوف على ﴿يَبْسُطُ﴾. ﴿لَهُ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَقْدِرُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه، ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ جار ومجرور ومضاف إليه، متعلق بـ ﴿عَلِيمٌ﴾ ﴿عَلِيمٌ﴾ خبر ﴿إِنَّ﴾، وجملة ﴿إِنَّ﴾: مستأنفة مسوقة لتعليل ما قبلها.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.
﴿وَلَئِنْ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة، ﴿اللام﴾: موطئة للقسم، ﴿إن﴾: حرف شرط، ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾: فعل وفاعل ومفعول أول، في محل الجزم بـ ﴿إن﴾ الشرطية
стр. 9783
على كونها فعل شرط لها، ﴿مَّن﴾: اسم استفهام في محل الرفع مبتدأ، وهو معلق لـ ﴿سَأَلْ﴾ عن المفعول الثاني، ﴿نَزَّلَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مِن﴾ الاستفهامية. ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾: متعلق به، ﴿مَاءً﴾: مفعول به، وجملة ﴿نَزَّلَ﴾ خبر ﴿مَن﴾ الاستفهامية، والجملة الاسمية: في محل النصب مفعول ثان لـ ﴿سأل﴾، وجواب ﴿إن﴾ الشرطية: محذوف، دل عليه جواب القسم، تقديره: يقولون الله، وجملة ﴿إن﴾ الشرطية معترضة لا محل لها من الإعراب لاعتراضها بين القسم واجوابه ﴿فَأَحْيَا﴾ ﴿الفاء﴾: عاطفة. ﴿أحيا﴾: فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَّن﴾. ﴿بِهِ﴾: متعلق بـ ﴿أَحْيَا﴾، ﴿الْأَرْضَ﴾: مفعول به، والجملة: معطوفة على جملة ﴿نَزَّلَ﴾، ﴿بَعْدِ مَوْتِهَا﴾: ظرف ومضاف إليه متعلق بـ ﴿أَحْيَا﴾، أو حال من الأرض. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ﴿اللام﴾: موطئة للقسم مؤكدة للأولى، ﴿يقولن﴾: فعل مضارع بثبات النون المحذوفة لتوالي الأمثال، و ﴿الواو﴾ المحذوفة لالتقاء الساكنين: في محل الرفع فاعل، ﴿اللَّهُ﴾: خبر لمبتدأ محذوف، تقديره: هو الله، وجملة ﴿يَقُولُنَّ﴾ جواب القسم لا محل لها من الإعراب، وجملة القسم مع جوابه، معطوفة على جملة القسم في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ لأنها مماثلة لها، أو مستأنفة. ﴿قُلِ﴾: فعل أمر وفاعل ممستتر، والجملة: مستأنفة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: مبتدأ وخبر، والجملة: في محل النصب مقول لـ ﴿قُلِ﴾، ﴿بَلْ﴾: حرف إضراب، ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية: في محل النصب مقول ﴿قُلْ﴾.
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾.
﴿وَمَا﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿ما﴾: نافية. ﴿هَذِهِ﴾: مبتدأ. ﴿الْحَيَاةُ﴾: بدل منه. ﴿الدُّنْيَا﴾: صفة لـ ﴿الْحَيَاةُ﴾، ﴿إِلَّا﴾: أداة حصر. ﴿لَهْوٌ﴾: خبر المبتدأ، ﴿وَلَعِبٌ﴾: معطوف عليه، والجملة الاسمية: مستأنفة، ﴿وَإِنَّ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة. ﴿إِنَّ الدَّارَ﴾: ناصب واسمه، ﴿الْآخِرَةَ﴾ نعت ﴿الدَّارَ﴾. ﴿لَهِيَ﴾: ﴿اللام﴾: حرف ابتداء. ﴿هِي﴾: مبتدأ ثان، أو ضمير فصل،
стр. 9784
﴿الْحَيَوَانُ﴾: خبر ﴿هو﴾، أو خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾ معطوفة على الجملة الاسمية قبلها، ﴿لَوْ﴾: حرف شرط غير جازم، ﴿كَانُوا﴾: فعل ناقص واسمه، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: خبره، وجملة ﴿كَانُ﴾: شرط لـ ﴿لَوْ﴾ لا محل لها من الإعراب، وجواب ﴿لَوْ﴾ الشرطية: محذوف دل عليه ما قبله، وتقديره: ما آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وجملة ﴿لَوْ﴾ الشرطية: مستأنفة.
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.
﴿فَإِذَا﴾ ﴿الفاء﴾: استئنافية. ﴿إِذَا﴾: ظرف لما يستقبل من الزمان. ﴿رَكِبُوا﴾: فعل وفاعل، ﴿فِي الْفُلْكِ﴾: متعلق به، والجملة: في محل الخفض بإضافة ﴿إِذَا﴾ إليها، والظرف: متعلق بالجواب الآتي. ﴿دَعَوُا اللَّهَ﴾: فعل وفاعل ومفعول به، والجملة: جواب ﴿إِذَا﴾ لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿إِذَا﴾: مستأنفة، ﴿مُخْلِصِينَ﴾: حال من فاعل ﴿دَعَوُا﴾. ﴿لَهُ﴾: متعلق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾، ﴿الدِّينَ﴾: مفعول ﴿مُخْلِصِينَ﴾. ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾: الفاء: عاطفة، ﴿لَمَّا﴾: اسم شرط غير جازم في محل نصب على الظرفية الزمانية ومتعلق بجوابه. ﴿نَجَّاهُمْ﴾: فعل ومفعول به وفاعل مستتر يعود على الله، ﴿إِلَى الْبَرِّ﴾: متعلق به، والجملة الفعلية: فعل شرط لـ ﴿لَمَّا﴾ في محل جر بالإضافة لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿إِذَا﴾: فجائية رابطة لجواب ﴿لَمَّا﴾ وجوبًا، حرف لا محل لها من الإعراب، ﴿هُمْ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿يُشْرِكُونَ﴾: خبره، والجملة الاسمية جواب ﴿لَمَّا﴾، لا محل لها من الإعراب، وجملة ﴿لَمَّا﴾: معطوفة على جملة ﴿إِذَا رَكِبُوا﴾.
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾.
﴿لِيَكْفُرُوا﴾ ﴿اللام﴾: حرف جر وتعليل، أو لام العاقبة، ﴿يَكْفُرُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بـ ﴿إن﴾ المضمرة بعد اللام ﴿بِمَا﴾ جار ومجرور متعلق بـ ﴿يَكْفُرُوا﴾ ﴿آتَيْنَاهُمْ﴾ فعل وفاعل ومفعول أول والثاني محذوف تقديره بما آتيناهموه، وهو العائد على الموصول، والجملة صلة الموصول ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾: فعل وفاعل منصوب بأن مضمرة بعد ﴿اللام﴾، معطوف على ﴿لِيَكْفُرُوا﴾، وجملة
стр. 9785
﴿يَكْفُرُوا﴾: صلة أن المضمرة، أن مع صلتها: في تأويل مصدر مجرور بـ ﴿اللام﴾، تقديره: إذا هم يشركون لقصد كفرهم بما آتيناهم، ولقصد تمتعهم وتوادهم بالاجتماع على عبادة الأصنام، الجار والمجرور: متعلق بـ ﴿يُشْرِكُونَ﴾، ويحتمل كون اللامين لام الأمر، كما مر، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾: ﴿الفاء﴾: فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفت تعنتاتهم واضطراباتهم هذه، وأردت بيان عاقبة أمرهم، فأقول لك: سوف يعلمون ذلك، سوف: حرف تنفيس، وجملة ﴿يَعْلَمُونَ﴾: في محل النصب مقول لجواب إذا المقدرة، وجملة إذا المقدرة: مستأنفة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾.
﴿أَوَلَمْ﴾ ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الواو﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، تقديره: ألم يشاهد هؤلاء المشركون، ولم يروا ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾، والجملة المحذوفة: مستأنفة. ﴿لَمْ يَرَوْا﴾: جازم وفعل وفاعل مجزوم معطوف على تلك المحذوفة. ﴿أَنَّا﴾: ناصب واسمه. ﴿جَعَلْنَا﴾: فعل وفاعل والمفعول الأول محذوف، تقديره: جعلنا بلدهم. ﴿حَرَمًا﴾: مفعول ثان. ﴿آمِنًا﴾ صفة ﴿حَرَمًا﴾، وجملة ﴿جَعَلْنَا﴾: في محل الرفع خبر ﴿أن﴾، وجملة ﴿أن﴾: في تأويل مصدر ساد مسد مفعولي رأى، تقديره: أولم يروا جَعْلنا بلدهم حرمًا آمنًا. ﴿وَيُتَخَطَّفُ﴾: ﴿الواو﴾: حالية. ﴿يُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾: فعل مضارع مغير الصيغة ونائب فاعل. ﴿مِنْ حَوْلِهِمْ﴾: حال من ﴿النَّاسُ﴾، والجملة الفعلية، في محل النصب حال من ضمير المفعول الأول المحذوف، تقديره: أولم يروا أنا جعلنا بلدهم حرمًا آمنًا، والحال أن الناس يتخطفون من حول بلدهم؛ أي: جعلناهم آمنين قارين في بلدهم، والناس متخطفون من حولهم. ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام الإنكاري، داخلة على محذوف، و ﴿الفاء﴾: عاطفة على ذلك المحذوف، ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ متعلق بـ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: معطوفة على تلك المحذوفة، والجملة المحذوفة: مستأنفة،
стр. 9786
والتقدير: أيكذبون رسولنا فيؤمنون بالباطل: ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾: ﴿الواو﴾: عاطفة ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ متعلق بـ ﴿يَكْفُرُونَ﴾، وجملة ﴿يَكْفُرُونَ﴾: معطوفة على جملة ﴿يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.
﴿وَمَنْ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿مَنْ﴾: اسم استفهام إنكاري، في محل الرفع مبتدأ. ﴿أَظْلَمُ﴾: خبره، والجملة: مستأنفة. ﴿مِمَّنِ﴾: جار ومجرور متعلق بـ ﴿أَظْلَمُ﴾. ﴿افْتَرَى﴾ فعل ماض وفاعل مستتر يعود على ﴿مَنْ﴾، والجملة: صلة ﴿مَنْ﴾ الموصولة ﴿عَلَى اللَّهِ﴾: متعلق بـ ﴿افْتَرَى﴾. ﴿كَذِبًا﴾: مفعول به، ﴿أَوْ كَذَّبَ﴾: ﴿أَوْ﴾ حرف عطف وتنويع. ﴿كَذَّبَ﴾: فعل ماض وفاعل مستتر معطوف على ﴿افْتَرَى﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بـ ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿لَمَّا﴾: ظرف بمعنى حين متعلق بـ ﴿كَذَّبَ﴾. ﴿جَاءَهُ﴾: فعل ومفعول به، وفاعل مستتر يعود على الحق، والجملة الفعلية: في محل الجر مضاف إليه لـ ﴿لَمَّا﴾. ﴿أَلَيْسَ﴾: ﴿الهمزة﴾: للاستفهام التقريري. ﴿لَيْسَ﴾: فعل ماض ناقص. ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾: خبر مقدم ﴿لَيْسَ﴾، ﴿مَثْوًى﴾: اسمها مؤخر، ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾: صفة لـ ﴿مَثْوًى﴾، والجملة الاستفهامية: جملة إنشائية، لا محل لها من الإعراب.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.
﴿وَالَّذِينَ﴾ ﴿الواو﴾: استئنافية. ﴿الَّذِينَ﴾: مبتدأ، وجملة ﴿جَاهَدُوا﴾: صلة الموصول، ومفعول ﴿جَاهَدُوا﴾ محذوف لقصد التعميم، تقديره: والذين جاهدوا الكفار والنفس والهوى والشيطان، ﴿فِينَا﴾: متعلق بـ ﴿جَاهَدُوا﴾؛ ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾: ﴿اللام﴾: موطئة للقسم. ﴿نَهْدِيَنَّ﴾: فعل مضارع في محل الرفع، مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، وفاعله ضمير يعود على الله، وضمير الغائبين: في محل النصب مفعول أول، ﴿سُبُلَنَا﴾: مفعول ثان، أو منصوب بنزع الخافض، والجملة الفعلية: جواب القسم، وجملة القسم مع جوابه في محل الرفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية: مستأنفة، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ﴾: ناصب واسمه. ﴿لَمَعَ﴾:
стр. 9787
﴿اللام﴾: حرف ابتداء، ﴿مَعَ الْمُحْسِنِين﴾: ظرف ومضاف إليه خبر ﴿إن﴾، وجملة ﴿إن﴾: معطوفة على الجملة الاسمية قبلها. والله أعلم.
التصريف ومفردات اللغة
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ المجادلة، والجدال، مصدران لجادل من باب فاعل، كما في "التاج". قال الراغب: الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وأصله: من جدلت الحبل؛ أي: أحكمت قتله، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد آخر عن رأيه، والمعنى: ولا تخاصموا اليهود والنصارى، والجدل: الحجاج والمناظرة.
﴿مُسْلِمُونَ﴾ أي: خاضعون مطيعون.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ والجحد: إنكار الشيء بعد معرفته، وقيل: الجحد: نفي ما في القلب ثبوته، أو إثبات ما في القلب نفيه، والمراد به هنا، الإنكار عن علم.
﴿وَلَا تَخُطُّهُ﴾. والخط: كالمد ويقال لما له: طول ويعبر عن الكتابة بالخط.
﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾: الارتياب: الشك، وفي "المختار": الريب: الشك. قال الراغب: الريب: أن يتوهم بالشيء أمرًا ينكشف عما يتوهمه، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا رَيْبَ﴾ والإرابة: أن يتوهم فيه أمرًا فلا ينكشف عما يتوهمه، والإرتياب: يجري مجرى الإرابة، ونفى عن المؤمنين الارتياب، كما قال: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
والمبطل: من يأتي بالباطل، وهو نقيض المحق، وهو من يأتي بالحق، لما أن الباطل نقيض الحق، قال في "المفردات": الإبطال: يقال في إفساد الشيء وإزالته، حقًا كان ذلك الشيء أو باطلاً، قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ وقد يقال فيمن يقول شيئًا لا حقيقة له.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ والكفاية: ما فيه سد الخلة، وبلوغ المراد في الأمر.
стр. 9788
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ والاستعجال: طلب الشيء قبل أوانه.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ قال الراغب: البغت: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب، يقال: بغتة: إذا دهمه على حين غفلة.
﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والذوق: وجود الطعم بالفم، وأصله: مما يقل تناوله، فإذا أكثر يقال له: الأكل، واختير في القرآن لفظ الذوق في العذاب؛ لأن ذلك وإن كان في التعارف للقليل، فهو مستصلح للكثير، فخصه بالذكر ليعلم الأمرين، كما في "المفردات".
﴿إِنَّ أَرْضِي﴾: الأرض: الجرم المقابل للسماء.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾: ﴿كَأَيِّنْ﴾: للتكثير بمعنى كم الخبرية، ركب كاف التشبيه مع أي، فجرد عنها معنا الإفرادي، فصار المجموع كأنه اسم مبني على السكون، آخره نون ساكنة، كما في من، لا تنوين تمكين، ولهذا يكتب بعد الياء نون، مع أن التنوين صورة له في الخط.
والدابة: كل حيوان يدب ويتحرك على الأرض، مما يعقل ومما لا يعقل.
﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الحمل بالفتح: الجنين، وبالكسر: اسم للمحمول على الرأس وعلى الظهر.
﴿رِزْقَهَا﴾ والرزق لغة: كل ما ينتفع به، واصطلاحًا: اسم لما يسوقه الله إلى الحيوان فيأكله.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ والتسخير جعل الشيء منقادًا للآخر، وسوقه إلى الغرض المختص به قهرًا.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: الإفك بالفتح: الصرف والقلب، وبالكسر: كل مصروف عن وجه الذي يحق أن يكون عليه.
﴿إِلَّا لَهْوٌ﴾ واللهو: كل ما يلهي الإنسان ويشغله عما يهمه، والملاهي: آلات اللهو، لأنها تلهي عن الأذكار والصلوات.
стр. 9789
﴿وَلَعِبٌ﴾ يقال: لعب فلان: إذا لم يقصد بفعله مقصدًا صحيحًا، كفعل الصبيان، وقد قدمنا الكلام فيهما مبسوطًا، فراجعه.
﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ والحيوان: مصدر حيِيَ، سمي به ذو الحياة، وأصله: حييان، فقلبت الياء الثانية واوًا، لئلا يحذف إحدى الألفين، وهو أبلغ من الحياة، لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحيوان، كالنزوان واللهيان، لذلك اختير على الحياة في هذا المقام، المقتضى للمبالغة اهـ. من "الروح".
والحياة: حركة كما أن الموت: سكون، فمجيئه على بناءٍ دالٍ على معنى الحركة، مبالغة في معنى الحياة.
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾؛ أي: يضيق ويقتر، ولهذا الفعل خصائص عجيبة، فهو يتوزع على طائفة من المعاني سنذكرها فيما يلي:
يقال: قدر الرزق: قسمه وبابه نصر وضرب، وقدر وقدر على عياله: ضيق وقتر، قال في "الأساس": وقدر عليه رزقه، وقدر: قتر، وقدر يقدر من باب علم، قدرًا وقدرةً، ومقدَرةً، ومقدُرةً ومِقدارًا وقدرًا على الشيء: قوي عليه، وقدر يقدر من باب: ضرب قدرًا لأمر: إذا دبره، وقدر الشيء بالشيء: قاسه به، وجعله على مقداره، وقدر يقدر ويقدر: من بابي: نصر وجلس، الله عظمه، وقدر الرجل: فكر في تسوية أمره، وتدبيره، وقدر يقدر - من باب تعب - قدرًا: بفتحتين قصرت عنقه، وقدر على الشيء اقتدر.
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ والركوب: هو الاستعلاء على الشيء المتحرك، وهو متعد بنفسه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾، واستعماله هاهنا وفي أمثاله بكلمة ﴿فِي﴾: للإيذان بأن المركوب في نفسه، من قبيل الأمكنة، وحركته قسرية غير إرادية.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ البر: خلاف البحر، وتصور منه التوسع، فاشتق منه البر؛ أي: التوسع في فعل الخير، كما في "المفردات".
стр. 9790
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ﴾ الخطف: أخذ الشيء بسرعة.
﴿مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾: وفي "المختار": ثوى بالمكان يثوى، بالكسر: ثواءً ثويًا أيضًا بوزن مضي؛ أي: أقام به، ويقال: ثوى البصرة، وثوى بالبصرة، وأثوى بالمكان لغةً: في ثوى وأثوى غيره، يتعدى ويلزم، وثوى غيره أيضًا تثوية اهـ. والمثوى: المنزل والمحبس.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو.
﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ الهداية: الدلالة إلى ما يوصل إلى المطلوب.
﴿سُبُلَنَا﴾ والسبل: جمع سبيل، وهو من الطرق: ما هو معتاد السلوك، ويلزمه السهولة، ولهذا قال الإِمام الراغب: السبيل: الطريق الذي فيه سهولة. انتهى.
البلاغة
وقد تضمنت هذه الآيات ضروبًا من البلاغة، وأنواعًا من الفصاحة والبيان والبديع:
فمنها: التعريض في قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإن فيه تعريضًا بكفر أهل الكتاب، حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله تعالى.
ومنها: التعبير عن القرآن بالآيات، في قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ للتنبيه على ظهور دلالته على معانيه، وعلى كونه من عند الله تعالى.
ومنها: الإضافة فيه للتشريف.
ومنها: الإطناب في قوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ فذكر اليمين وهي الجارحة التي يزاول بها الخط، فيه زيادة في التصوير، واستحضار لنفي كونه كاتبًا. والإطناب يكون حقيقةً ومجازًا، وهذا من النوع الأول، ومثله قولهم: رأيته بعيني، وقبضته بيدي، ووطِئته بقدمي، وذقته بفمي، وكل هذا يظنه الظان
стр. 9791
المبتدىء: أنه من قبيل الزيادة والفضول، وأنه لا حاجة إليه، ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا بالعين، والقبض لا يكون إلا باليد، والوطْء لا يكون إلا بالقدم، والذوق لا يكون إلا بالفم، وليس الأمر كما توهم، بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله، ويعز الوصول إليه، وهو كثير في القرآن الكريم.
ومنها: التنوين للتعظيم في قوله: ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾؛ أي: رحمةً عظيمةً.
ومنها: التحضيض في قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾، و ﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ﴾.
ومنها: القصر في قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾؛ أي: لا غيرهم.
ومنها: الإطناب بذكر العذاب مرات، للتشنيع على المشركين في قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾، ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾، ﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾، ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ﴾، ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ﴾.
ومنها: التعبير بما يدل على الحال عما في المستقبل في قوله: ﴿لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ والمعنى: ستحيط بهم عن قريب؛ لأن ما هو آت قريب عبر عنه بالاسم الدال على الحال، دلالةً على تحقق الإحاطة بهم، ومبالغةً فيه.
ومنها: التهكم في قوله: ﴿ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأنه كناية عن مباشرة العذاب ودخوله.
ومنها: الإضافة للتشريف في قوله: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ومنها: الاستعارة في قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ حيث شبه تجرعها مرارة الموت، بذوق الذائق الطعام.
ومنها: الحصر في قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
ومنها: الطباق في قوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾، ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
ومنها: المجاز العقلي في قوله: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾؛ أي: آمنًا أهله.
стр. 9792
ومنها: الإشارة للتحقير في قوله: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ تحقيرًا للدنيا.
ومنها: التشبيه البليغ في قوله: ﴿إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي: كاللهو وكاللعب، حذفت أداة التشبيه، ووجه الشبه، فأصبح بليغًا على حدّ قولهم: زيد أسد.
ومنها: الإيجاز بحذف جواب الشرط، لدلالة السياق عليه، في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أي: لو كانوا يعلمون حقارة الدنيا .. ما آثروها على الآخرة.
ومنها: تقديم الصلة؛ لإظهار شناعة ما فعلوه، في قوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ الخ.
ومنها: الاستفهام الإنكاري، في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى﴾.
ومنها: الجناس المغاير في قوله: ﴿كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾.
ومنها: الاستفهام التقريري، في قوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.
ومنها: الإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ لأن مقتضى السياق: أن يقال: مثوى لهم.
ومنها: مراعاة الفواصل، لما لها من وقع عظيم على السمع يزيد الكلام رونقًا وجمالًا، مثل: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ الخ.
ومنها: إقامة الظاهر مقام المضمر، في قوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إظهارًا لشرفهم بوصف الإحسان.
ومنها: الزيادة والحذف في عدة مواضع.
فائدة: قال بعض العلماء: النبوة والرسالة: كالسلطنة، اختصاص إلهي لا مدخل لكسب العبد فيها، وأما الولاية: كالوزارة، فلكسب العبد مدخل فيها، كما تمكن الوزارة بالكسب، كذلك تمكن الولاية بالكسب، ولقد أحسن من قال في شأن الدنيا:
موضوعات هذه السورة الكريمة
١ - اختبار المؤمنين، ليعلم صدقهم في إيمانهم.
٢ - في الجهاد فائدة للمجاهد، والله غني عن ذلك.
٣ - الحسنات يكفرن السيئات.
٤ - الأمر بالإحسان إلى الوالدين، وبرهما، مع عدم طاعتهما في الإشراك بالله.
٥ - حال المنافق الذي يظهر الإيمان، ولا يحتمل الأذى في سبيل الله تعالى.
٦ - حال الكافرين الذين يضلون غيرهم، ويقولون للمؤمنين: نحن نحمل خطاياكم إن كنتم ضالين.
٧ - قصص الأنبياء: كنوح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وصالح، وموسى، وهارون، وبيان ما آل إليه أمر الأنبياء من النصر، وأمر أممهم من الهلاك بضروب مختلفة من العقاب.
٨ - حجاج المشركين بضرب الأمثال لهم، مما فيه تقريعهم وتأنيبهم.
٩ - حجاج أهل الكتاب، والنهي عن جدلهم بالفظاظة والغلظة.
١٠ - إثبات النبوة، ببيان صدق معجزته ﷺ .
١١ - ذكر بعض شبههم في نبوته، والرد على ذلك.
١٢ - استعجالهم بالعذاب تهكمًا.
١٣ - أمر المؤمنين بالفرار بدينهم، من أرض يخافون فيها الفتنة.
١٤ - العاقبة الحسنى للذين يعملون الصالحات.
стр. 9795
١٥ - اعترافهم بأن الخالق الرازق هو: الله.
١٦ - بيان أن الدار الآخرة هي: دار الحياة الحقة.
١٧ - امتنانه على قريش بسكناهم البيت الحرام، ثم كفرانهم بهذه النعمة، بإشراكهم به سواه.
والله أعلم
* * *
стр. 9796
سورة الروم
سورة الروم مكية، إلا قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ فمدنية. قال القرطبي: كلها مكية بلا خلاف، وهي ستون أو تسع وخمسون آيةً، نزلت بعد سورة الانشقاق، وثمان مئة وتسع عشرة كلمةً، وثلاثة آلافٍ وخمس مئةٍ وأربعة وثلاثون حرفًا (١).
المناسبة: مناسبتها لما قبلها من وجوه (٢):
١ - أن السورة السابقة بُدِئت بالجهاد وختمت به، فافتتحت بأن الناس لم يخلقوا في الأرض ليناموا على مهاد الراحة، بل خلقوا ليجاهدوا، حتى يلاقوا ربهم، وأنّهم يلاقون شتى المصاعب من الأهل، والأمم التي يكونون فيها، وهذه السورة قد بدِئت بما يتضمن نصرة المؤمنين، ودفع شماتة أعدائهم المشركين، وهم يجاهدون في الله ولوجهه، فكأن هذه متممة لما قبلها من هذه الجهة.
٢ - أن ما في هذه السورة، من الحجج على التوحيد، والنظر في الآفاق والأنفس، مفصل لما جاء منه مجملًا في السورة السالفة، إذ قال في السالفة: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾، وهنا بين ذلك فقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ إلخ. وقال: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
تسميتها: سميت بالروم لما فيها من ذكر لفظ الروم، وقصتهم.
فضلها: ومن فضائلها: ما روي عن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الروم .. كان له من الأجر عشر حسنات، بعدد كل ملك يسبح الله بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيع في يومه وليلته". ولكنه من "الموضوعات".
стр. 9797
وأخرج عبد الرزاق، عن معمر عن عبد الملك بن عمير: أن النبي ﷺ قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروم.
الناسخ والمنسوخ: وقال ابن حزم في كتابه "الناسخ والمنسوخ": سورة الروم آياتها كلها محكمة.
والله أعلم
* * *
المناسبة
وقد قدمنا بيان مناسبة هذه السورة لما قبلها آنفًا، فراجعها.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ..﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها (١): أنه لما أنكر المشركون الإله بإنكار وعده، وأنكروا البعث كما قال: ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ .. أردف هذا: أن الإدلة متظاهرة في الأنفس والآفاق، على وجوده وتفرده بخلقها، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، وأنها لم تخلق سدًى، ولا باطلًا، بل خلقت بالحق، وأنها مؤجلة إلى أجل مسمى هو يوم القيامة، ثم أمرهم بالسير في أقطار الأرض، ليعلموا حال المكذبين، من الأمم قبلهم، وقد كانوا أشد منهم بأسًا وقوةً، فكذبوا رسلهم، فأهلكهم الله تعالى، وصاروا كأمسِ الدابر، والمثل الغابر، وما كان ذلك إلا بظلمهم، وفساد أنفسهم، لا بظلم الله تعالى لهم.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما بين أن عاقبة المجرمين النار، وكان ذلك يستلزم الإعادة والحشر .. لم يتركه دعوًى بلا بينة، بل أقام عليه الدليل، بأن أبان: أن من خلق الخلق بقدرته وإرادته .. لا يعجز عن رجعته، ثم بين ما يكون حين الرجوع، من إفلاس المجرمين، وتحقق بأسهم وحيرتهم، إذ لا تنفعهم شركاؤهم، بل هم يكفرون بهم، ثم ذكر أن الناس حينئذ فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، فالأولون يمتعون بسرور وحبور، والآخرون يصلون النار دأبًا، لا يغيبون عنها أبدًا.
قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله ، لما بين حال الفريقين، المؤمنين الذين يعملون الصالحات، والكافرين المكذبين بالآيات، وما أعد لكل منهما من الثواب والعقاب .. أرشد إلى ما يفضي إلى الحال الأولى، وينجي من الثانية،
стр. 9800
وهو تنزيه الله عن كل ما لا يليق به، وحمده والثناء عليه، بما هو أهل له من صفات الجلال والكمال، ولما كان الإنسان حين الإصباح يخرج من حال النوم، التي هي أشبه بالموت منها إلى اليقظة، وكأنها حياة بعد موت .. أتبع ذلك بذكر الموت والحياة حقيقةً.
وعبارة أبي حبان هنا (١): لما بين عظيم قدرته في خلق السماوات والأرض بالحق، وهو حالة ابتداء العالم، وفي مصيرهم إلى الجنة والنار، وهي حالة الانتهاء .. أمر تعالى بتنزيهه من كل سوء، والظاهر أنه أمر عباده بتنزيهه في هذه الأوقات، لما يتجدد فيها من النعم، ويحتمل أن يكون كنايةً عن استغراق زمان العبد، وهو أن يكون ذاكرًا ربه، واصفه بما يجب له على كل حال، وقال الزمخشري: لما ذكر الوعد والوعيد .. أتبعه ذكر ما يوصل إلى الوعد، وينجي من الوعيد. انتهت.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما أمر بتنزيهه عن الأسواء والنقائص، التي لا تليق بجلاله وكماله، وذكر أن الحمد له على خلقه جميع الموجودات، وبين قدرته على الإماتة والإحياء بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ .. ذكر هنا أدلةً باهرةً، وحججًا ظاهرةً على البعث والإعادة، منها خلقكم من التراب الذي لم يشم رائحة الحياة، ولا مناسبة بينه وبين ما أنتم عليه في ذاتكم وصفاتكم، ثم إبقاء نوعكم بالتوالد، فإذا مات الأب .. قام ابنه مقامه، لتبقى سلسلة الحياة متصلةً بهذا النوع، وبسائر الأنواع الأخرى، بالازدواج والتوالد، إلى الأجل الذي قدره الله لأمد هذه الحياة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ ...﴾ الآيات، مناسبة هذه الآيات لما قبلها: أن الله سبحانه، لما ذكر (٢) دلائل
стр. 9801
وجوده، بما ذكره في خلق الإنسان .. أعقبه بذكر الدلائل في الأكوان المشاهدة، والعوالم المختلفة، وفي اختلاف ألوان البشر ولغاتهم، التي لا حصر لها، مع كونهم من أبٍ واحد، وأصل واحد، وفيما يشاهد من سباتهم العميق ليلًا، وحركتهم نهارًا في السعي على الأرزاق، والجد والكد فيها.
أسباب النزول
قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ...﴾ الآيات، سبب نزول هذه الآيات، إلى قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ على ما ذكره المفسرون (١): أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المشركون يودون أن تغلب فارس الروم؛ لأن فارسًا كانوا مجوسًا أميين، والمسلمون يودون غلبة الروم على فارس، لكونهم أهل كتاب، فبعث كسرى جيشًا إلى الروم، واستعمل عليهم رجلًا يقال له: شهرمان، وبعث قيصر رجابًا وجيشًا، وأمّر عليهم رجلًا يدعى بخين، فالتقيا بأذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم، فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون وفارس أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، فإنكم إن قاتلتمونا .. لنظهرن عليكم، فأنزل الله هذه الآيات، فخرج أبو بكر الصديق إلى كفار مكة، فقال: فرحتم بظهور إخوانكم، فلا تفرحوا، فوالله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحيّ، فقال: كذبت، فقال: أنت أكذب يا عدو الله، فقال: اجعل بيننا أجلًا أناحبك عليه، والمناحبة بالحاء المهملة: القمار والمراهنة؛ أي: أراهنك على عشر قلائص مني، وعشر قلائص منك، فإذا ظهرت فارس على الروم .. غَرمتَ، وإذا ظهرت الروم على فارس .. غَرمتُ، ففعلوا، وجعلوا الأجل ثلاث سنين، فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك قبل تحريم القمار، فقال النبي ﷺ : "ما هكذا
стр. 9802
ذكرت، إنما البضع ما بين الثلاثة إلى التسع، فزايده في الخطر، ومادده في الأجل" فخرج أبو بكر، فلقي أبيًا، فقال: لعلك ندمت، فقال: فتعال أزايدك في الخطر، وأماددك في الأجل، فاجعلها مئة قلوص، ومئة قلوص إلى تسع سنين، فقال: قد فعلت، فلما خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة .. أتاه ولزمه وقال: إني أخاف أن تخرج من مكة، فأقم لي ضامنًا كفيلًا، فكفله ابنه عبد الله بن أبي بكر، فلما أراد أبيّ بن خلف أن يخرج إلى أحد. أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه، وقال: والله لا أدعك حتى تعطيني كفيلًا، فأعطاه كفيلًا ثم خرج إلى أحد، قال: ثم حين رجع أبي بن خلف إلى مكة، ومات بها من جراحته التي جرحه النبي ﷺ حين بارزه، وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية، وذلك على رأس سبع سنين من مناحبتهم، وقيل: كان يوم بدر، وربطت الروم خيولهم بالمدائن، وبنوا بالعراق مدينةً، وسموها روميةً، فقمر أبو بكر، وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به للنبي ﷺ ، وذلك قبل أن يحرم القمار، فقال النبي ﷺ : "تصدق به".
وكان سبب غلبة الروم فارسًا، على ما قاله عكرمة وغيره: أن شهرمان لما غلب الروم .. لم يزل يطؤهم، ويخرب مدائنهم، حتى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرحان جالس ذات يوم يشرب، قال لأصحابه: لقد رأيت كأني جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى، فكتب إلى شهرمان: إذا أتاك كتابي .. فأبعث إليّ برأس أخيك فرحان، فكتب إليه: أيها الملك إنك لا تجد مثل فرحان، إن له نكاية وصولة في العدو فلا تفعل، فكتب إليه إن في رجال فارس خلفًا عنه، فعجل إليّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدًا إلى أهل فارس: أني قد عزلت عنكم شهرمان، واستعملت عليكم فرحان، ثم بعث مع البريد صحيفةً صغيرةً، وأمره فيها بقتل شهرمان، وقال: إذا ولي فرحان الملك، وانقاد له أخوه .. فأعطه الصحيفة، فلما وصل البريد إلى شهرمان .. عرض عليه كتاب كسرى، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعةً، ونزل عن سرير الملك، وأجلس عليه أخاه فرحان، فدفع البريد الصحيفة إلى فرحان، فلما قرأها .. استدعى بأخيه شهرمان، وقدمه ليضرب عنقه، فقال له: لا تعجل حتى أكتب وصيتي، قال: نعم، فدعا
стр. 9803
بسفطٍ ففتحه، وأعطاه ثلاث صحائف منه، وقال: كل هذا راجعت فيك كسرى، وأنت تريد قتلي بكتابٍ واحدٍ، فرد فرحان الملك إلى أخيه شهرمان، فكتب إلى قيصر ملك الروم: أما بعد، إن لي إليك حاجةً لا تحملها البريد، ولا تبلغها الصحف، فألقني في خمسين روميًا، حتى ألقاك في خمسين فارسيًا، فأقبل قيصر في خمس مئة ألف رميٍّ، وجعل يضع العيون بين يديه في الطرق، مخافة أن يريد أن يمكر به، حتى أتاه عيونه فأخبروا: أنه ليس معه إلا خمسون فارسيًا، فلما التقيا .. ضربت لهما قبة فيها ديباج، قد خلاها، ومع كل واحد سكين، ودعيا بترجمان يترجم بينهما، فقال شهرمان: إن الذي خرب بلادك أنا وأخي بكيدنا وشجاعتنا، وإن كسرى حسدنا، وأراد أن يقتل أخي فأبيت عليه، ثم أمر أخي بقتلي فأبى عليه، وقد خلعناه جميعًا، ونحن نقاتله معك، فقال: قد أصبتما، وأشار أحدهما إلى صاحبه أن السر بين اثنين، فإن جاوزهما .. فشا، فقتلا الترجمان معًا بسكينهما، فأديلت الروم على فارس عند ذلك، وغلبوهم وقتلوهم، ومات كسرى، وجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ يوم الحديبية، ففرح هو ومن كان معه من المسلمين بذلك، فذلك قوله : ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾. وهذه آية بينة على صحة نبوته ﷺ وأن القرآن من عند الله؛ لأنها أنباء عن علم الغيب.
وعن قتادة: وكان ذلك قبل تحريم القمار، ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد، أن العقود الفاسدة، كعقد الربا وغيره: جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ...﴾ الآية، سبب نزول هذه الآية (١): ما أخرجه ابن أبي حاتم، عن عكرمة قال: تعجب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ...﴾ الآية.
стр. 9804
التفسير وأوجه القراءة
١ - ﴿الم (١)﴾؛ أي: هذه سورة ألم، قال بعضهم: الحروف المقطعات مبادي السور، ومفاتيح كنوز العبر، والإشارة هنا بهذه الحروف الثلاثة إلى قوله: أنا الله، ولي جميع صفات الكمال، ومني الغفران والإحسان، إلى غير ذلك.
٢ - ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ وقهرت، وهم أهل الكتاب على دين عيسى ﵇ غلبتهم فارس، وهم المجوس عبدة النيران، والغلبة: القهر والاستعلاء على القرن، بما يبطل مقاومته في الحرب، والروم: اسم قبيلة سميت باسم جدّها (١) روم بن يونان بن يافث بن نوح ﵇. وقيل: هم بنو روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ سمي عيص؛ لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال عيص ليعقوب: إن لم أخرج قبلك .. خرجت من جنب أمي، فتأخر يعقوب شفقة لها، فلذا كان أبا الأنبياء، وعيص أبا الجبارين، والفُرْس بسكون الراء: قوم معروفون، نسبوا إلى فارس بن سام بن نوح ﵇؛ أي: غلبتها فارس.
٣ - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾؛ أي (٢): في أقرب أرض الشام إلى أرض العرب وفارس، وهي أذرعات وكشكر، أو غلبت الروم في أدنى أرضهم، وأقربها إلى عدوهم. ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: الروم ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾؛ أي: من بعد مغلوبيتهم على يد فارس، فهو من إضافة المصدر إلى المفعول، والفاعل: متروك، والأصل: من بعد غلبة فارس إياهم، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ فارس (٣)، ولا وقف عليه،
٤ - لتعلق ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ به، وهو ما بين الثلاث إلى العشرة؛ أي: فالروم سيغلبون فارس، فيما بين الثلاث والتسع سنوات من الحرب الأولى، فوقع الغلب للروم على رأس سبع سنين من الحرب الأولى، وعبر بالبضع (٤)، ولم يعين إبقاءً للعباد في ربقة نوع من الجهل، تعجيزًا لهم.
стр. 9805
والمعنى: أي (١) غلبت فارس الروم في أقرب أرض الروم بالنسبة إلى أرض العرب، إذ الوقعة كانت بين الأردن وفلسطين، والروم من بعد غلب فارس إياهم سيغلبون فارس في بضع سنين، وقد تحقق ذلك فغلبوهم بعد سبع من الواقعة الأولى، ولا شك أن وقوعه على نحو ما قال الكتاب الكريم، يعد من أكبر الدلائل على إعجازه، وأنه كلام الله، العلم بكل شيء لا كلام البشر، وهذا المعنى على القراءة المشهورة، وقرأ علي (٢)، وأبو سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، والحسن: ﴿غلبت﴾ مبنيًا للفاعل ﴿سيغلبون﴾ مبنيًا للمفعول، ويجوز على هذه القراءة، أن يكون ﴿غلبت﴾ مبنيًا للفاعل على أن الضمير فيه لفارس، والروم بالنصب مفعوله؛ أي: غلبت فارس الروم. ﴿وَهُمْ﴾؛ أي: فارس ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ للروم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للمفعول؛ أي: يكونون مغلوبين في أيدي الروم، ويجوز أن يكون ﴿الرُّومُ﴾ فاعل ﴿غُلِبَتِ﴾ على البناء للفاعل؛ أي: غلبت الروم أهل فارس، وهم؛ أي: الروم بعد غلبهم لفارس ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للمجهول؛ أي: يكونون مغلوبين في أيدي المسلمين، فكان ذلك في زمن عمر بن الخطاب ﵁.
وقرأ الجمهور: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾ مبنيًا للمفعول، ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالبناء للفاعل، وهي القراءة المشهورة التي جرينا عليها في تفسيرنا، وقرأ الجمهور: ﴿غَلَبِهِمْ﴾ بفتح الغين واللام، وقرأ علي، وابن عمر، ومعاوية بن قرة، وأبو حيوة الشامي، وابن السميفع: بإسكان اللام.
﴿لِلَّهِ﴾ لا لغيره ﴿الْأَمْرُ﴾ والقضاء والتصرف ﴿مِنْ قَبْلُ﴾؛ أي: من قبل غلبة الروم على فارس، وهو وقت كونهم مغلوبين ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾؛ أي: ومن بعد غلبة الروم على فارس، وهو وقت كونهم غالبين. والمعنى (٣): أن كلا من كونهم مغلوبين أولًا، وغالبين آخرًا، ليس إلا بأمر الله وقضائه، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فمن غلب .. فهو بأمر الله وقضائه