كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» (١)، وقوله: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ» (٢)، ولم يقل «خلقناه» للتنبيه على عظم خلقه للانسان.
ومنه قوله تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا» (٣) فإنما أعيد لفظ «الجبال» والقياس الاضمار لتقدم ذكرها، ولو لم يذكر «الجبال» لاحتمل عود الضمير إلى الأرض.
التاسع: أن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف، كقوله تعالى:
«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ» (٤) بعد قوله فى صدر الآية «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...» دون «فآمنوا بالله وبى» ليتمكن من إجراء الصفات التى ذكرها من النبى الأمى الذى يؤمن بالله، فانه لو قال «وبى» لم يتمكن من ذلك لأنّ الضمير لا يوصف ليعلم أنّ الذى وجب الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الكلمات كائنا من كان أنا أو غيرى إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه.
العاشر: التنبيه على علة الحكم، كقوله تعالى: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» (٥)، وقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ» (٦) دون «فانه».
الحادى عشر: قصد العموم، كقوله تعالى: «حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها» (٧) ولم يقل «استطعمهم» للاشعار بتأكيد العموم وأنهما
стр. 247
لم يتركا أحدا من أهلها إلّا استطعماه وأبى، ومع ذلك قابلهم بأحسن الجزاء، وفيه التنبيه على محاسن الأخلاق ودفع السيئة بالحسنة.
ومنه قوله تعالى: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (١) فإنه لو قيل: «إنّها لأمارة» لاقتضى تخصيص ذلك فأتى بالظاهر ليدل على أنّ المراد التعميم مع أنه برئ من ذلك بقوله بعده «إلا ما رحم ربى» وقوله «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ
رَحِيمٌ».
ولم يقل «إنّه» إما للتعظيم وإما للاستلذاذ.
الثانى عشر: قصد الخصوص، كقوله تعالى: «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ» (٢) ولم يقل «لك» لأنه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره كما فى قوله تعالى: «وَبَناتِ عَمِّكَ» فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وإنه ليس لغيره ذلك.
الثالث عشر: مراعاة التجنيس كقوله تعالى: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ النَّاسِ. مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ» (٣).
الرابع عشر: أن يتحمل ضميرا لا بدّ منه، كقوله تعالى: «أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها» (٤).
الخامس عشر: كونه أهم من الضمير، كقوله تعالى: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» (٥) وقال بعضهم إن أعيدت «إحداهما» لتعادل الكلم وتوازن الألفاظ فى التركيب، وهو المعنى فى الترصيع البديعى بل هذا أبلغ من الترصيع فان الترصيع توازن الألفاظ من حيث صيغها وهذا من حيث تركيبها فكأنه ترصيع معنوى. والآية متضمنة لقسمين: قسم
стр. 248
الضلال وقسم التذكير فأسند الفعل الثانى إلى ظاهر حيث أسند الأول ولم يوصل بضمير مفصول لكون الأول لازما فأتى بالثانى على صورته من التجرد عن المفعول ثم أتى به خبرا بعد اعتدال الكلام وحصول التماثل فى تركيبه.
السادس عشر: كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له، كقوله تعالى: «رُسُلُ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ» (١).
السابع عشر: الإشارة إلى عدم دخول الجملة فى حكم الأولى، كقوله تعالى: «فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ» (٢)، فان «يمحو» استئناف وليس عطفا على الجواب، لأن المعلق على الشرط عدم قبل وجوده.
ولم يذكر البلاغيون إلّا بعض هذه الدواعى والأسباب الكثيرة التى وردت فى كتاب الله تعالى.
القلب:
[تعريفه]
وهو الخروج على مقتضى الظاهر، وذلك أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر والآخر مكانه على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر (٣)
[الآراء فيه]
وفى كونه من أساليب البلاغة خلاف، وتتضح فيه ثلاثة آراء:
الأول: إنكاره، ومن أوائل الذين ذهبوا إلى ذلك سيبويه الذى يرد القلب إذا جاء فى الكلام ويصفه بالرداءة والبعد عن الجودة، يقول: «وأما قوله» أدخل فوه الحجر «فهذا جرى على سعة الكلام والجيد «أدخل فاه الحجر» كما قال: «أدخلت فى رأسى القلنسوة» والجيد أدخلت فى القلنسوة رأسى». قال الشاعر:
стр. 249
ترى الثور فيها مدخل الظّل رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أجمع
فوجه الكلام فيه هذا كراهية الانفصال» (١). والأصل أن يقول:
مدخل رأسه الظل، لأنّ الرأس هو الداخل فى الظل، والظل هو موضع الدخول.
ووقف الآمدى هذا الموقف من القلب فقال إنّ المتأخر لا يرخص له فى القلب، «لأنّ القلب إنّما جاء فى كلام العرب على السهو، والمتأخر إنّما يحتذى على أمثلتهم ويقتدى بهم وليس ينبغى أن يتبعهم فيما سهوا فيه» (٢).
وذكر رأى الذين يذهبون إلى أنّ القلب جاء فى كتاب الله كقوله: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» (٣)، وقال إنّ هذا ليس بقلب وإنّما هو صحيح مستقيم، وإنما أراد الله تعالى: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ» أى: تميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره وقالوا إنّما المعنى «لتنوء العصبة».
وانتهى الآمدى إلى أنّ القلب القبيح لا يجوز فى الشعر ولا فى القرآن، وهو ما جاء فى كلام العرب على سبيل الغلط، وقال معقبا على بيت الفرزدق يصف ذئبا:
وأطلس عسّال وما كان صاحبا ... رفعت لنارى موهنا فأتانى (٤)
وإنما أراد رفعها للذئب وأنشده المبرد وقال: «القلب جائز للاختصار إذا لم يدخل الكلام لبس» كأنه يجيز ذلك للعرب الأوائل دون المتأخرين.
стр. 250
وما علمت أحدا قال «للاختصار» غيره، فلو قال: لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ذلك أشبه. ويجوز أن يكون الفرزدق فى هذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن» (١).
وتحدث ابن سنان الخفاجى عن هذا الأسلوب وقال: ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون الكلام مقلوبا فيفسد المعنى ويصرفه عن وجهه» (٢) ولذلك أمثلة مذكورة منها قول عروة بن الورد العبسى:
فلو أنّى شهدت أبا سعاد ... غداة غدا لمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسى ومالى ... وما آلوك إلّا ما أطيق
يريد أن يقول: فديت نفسه بنفسى.
وكذلك بيت الفرزدق السابق فى وصف الذئب، وإنما النار هى المرفوعة للذئب. وحمل بعضهم على المقلوب قول المتنبى:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وتقديره: كيف لا يموت من يعشق.
وقال بعضهم إنّ الكلام جار على طريقته، والمراد به: كيف تكون المنية غير العشق، أى أن الأمر الذى يقدر فى النفوس أنه فى أعلى مراتب الشدة هو الموت، ولما ذقت العشق فعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق، وكيف يجوز أن لا تعم علته حتى تكون منايا الناس كلهم به. وكان هذا أشبه بمراد المتنبى من حمل الكلام على القلب.
стр. 251
وقال ابن سنان عن قوله تعالى: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» (١)، إنّه ليس من القلب، وإنّما المراد أنّ المفاتيح تنوء بالعصبة، أى: تميلها من ثقلها. وكذلك قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ» (٢) ليس- على ما يزعم بعضهم- المراد به: وإنّ حبه للخير لشديد، بل المقصود به أنّه لحب المال لبخيل، والشدة: البخل، أى: من حبه للمال يبخل.
وحمل ابن جنى على المقلوب قول المتنبى:
نحن ركب ملجنّ فى زى ناس ... فوق طير لها شخوص الجمال
وقال إنّ تقديره: نحن ركب من الإنس فى زى الجن فوق جمال لها شخوص طير. وقال ابن سنان معقبا على هذا التفسير: «وهذا عندى تعسف من أبى الفتح لا تقود إليه الضرورة. ومراد أبى الطيب المبالغة على حسب ما جرت به عادة الشعراء فيقول: نحن قوم من الجن لجوبنا الفلاة والمهامه والقفار التى لا تسلك وقلة فرقنا فيها، إلّا أنّنا فى زى الإنس، وهم على الحقيقة كذلك ونحن فوق طير من سرعة إبلنا إلّا أنّ شخوصها شخوص الجمال، ولا شك أيضا فى ذلك (٣)».
وقال عن بيت قطرى بن الفجاءة:
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
«حملوه على المقلوب وقالوا: يريد قارح البصيرة جذع الإقدام، كما يقال غرور أى مجرب. وقد كان أبو العلاء صاعد بن عيسى الكاتب أجازنى فى بعض الأيام هذا البيت وقال: ما المانع من أن يكون مقصوده: لم أصب
стр. 252
أى لم ألف على هذه الحال بل وجدت على خلافها جذع الإقدام قارح البصيرة ويكون الكلام على جهته غير مقلوب. وتمكن الدلالة على أنّ قوله «لم أصب» فى البيت بمعنى «لم ألف» دون ما يقولون من أنّ مراده به لم أجرح بقوله، قبله:
لا يركنن أحد إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوفا لحمام
فلقد أرانى للرماح دريئة ... من عن يمينى تارة وأمامى
حتى خضبت بما تحدّر من دمى ... أكناف سرجى أو عنان لجامى
فكيف يكون لم يصب وقد خضب هذا بدمه؟ فأما قولهم: إنّه أراد من دمى أى من دم قومى وبنى عمى فمبالغة منهم فى التعسف والعدول عن وجه الكلام ليستمر لهم أن يكون فاسدا غير صحيح.
وهذا الذى ذكره أبو العلاء وسبق إليه، له وجه يجب تقبله واتباعه فيه وفحوى كلام قطرى يدل على أنّه أراد أنّه جرح ولم يمت، إعلاما أن الإقدام غير علة فى الحمام، وحثا على الشجاعة، ونهيا عن الفرار» (١).
وقال بعد ذلك كله «ومن طريف التفسير للشعر أن يتأول ليقع الفساد فيه، ولو حمل على ظاهره كان صوابا صحيحا» (٢)، ومعنى ذلك أنّ ابن سنان لا يميل إلى القلب والتأويل لئلا يخرج الكلام على مقتضى الظاهر فيفسد ويبعد عن الهدف الذى رمى إليه قائله.
وأنكر القلب حازم القرطاجنى وقال إنّه مما يجب أن ينزه كتاب الله عنه لأنّ العرب إذا صدر ذلك منهم فيقصد العبث أو التهكم أو المحاكاة أو حال الاضطرار، والله منزّه عن ذلك. وقال: «فكل كلام يمكن حمله على غير القلب بتأويل لا يبعد معناه فليس يجب حمله على القلب. وأما ما لا يمكن
стр. 253
فيه التأويل فواجب أن لا يعمل عليه وأن يوقف عنده» (١). وهذا ما ذهب إليه ابن سنان من قبل، بل إنّ حازم القرطاجنى ذكر أمثلته وتعليقه عليها.
الثانى: قبوله مطلقا، وكان القاضى الجرجانى قد وقف عند قول المتنبى:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وذكر أنّ بعض من يحتج عن المتنبى أخرجه مخرج القلب، وهو كثير يقبله مطلقا أو يرفضه مطلقا (٢). ولعل السكاكى كان أوضح البلاغيين وأصرحهم فى هذه المسألة فقبل القلب مطلقا وقال: «إنّ هذا النمط مسمى فيما بيننا بالقلب، وهى شعبة من الإخراج لا على مقتضى الظاهر، ولها شيوع فى التراكيب، وهى مما يورث الكلام ملاحة ولا يشجع عليها إلّا كمال البلاغة تأتى فى الكلام وفى الأشعار» (٣).
ومثل له بقول القطامى:
فلّما أن جرى سمن عليها ... كما طينّت بالفدن السياعا (٤)
أراد: كما طينت الفدن بالسياع. ولم ير السبكى فى هذا القلب معنى لطيفا (٥). وأدخل السكاكى فى القلب قوله تعالى: «وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا» (٦) أى: جاءها بأسنا فأهلكناها. وقوله تعالى: «ثُمَّ دَنا
стр. 254
فَتَدَلَّى» (١) أى: تدلّى فدنا. وقوله «اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ» (٢) على ما يحمل من «ألقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تولّ عنهم».
ونفى الخطيب القزوينى أن يكون فى هذه الآيات قلب، إذ ليس فى تقديره اعتبار لطيف أو نكتة. ويرى أنّ الأصل فى الآية الأولى: «أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا أى إهلاكنا».
والأصل فى الآية الثانية: «ثم أراد الدنو من محمد- ﷺ فتدلى فتعلق عليه فى الهواء».
والأصل فى الآية الثالثة: «تنحّ عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه ليكون ما يقولونه بمسمع منك فانظر ماذا يرجعون، فيقال: إنّه دخل من كوّة فألقى الكتاب إليها وتوارى فى الكوة» (٣).
الثالث: قبوله إذا تضمن اعتبارا لطيفا، وإلّا فلا يقبل، ولذلك قال ابن الضائع: «يجوز القلب على التأويل ثم قد يقرب التأويل فيصح فى فصيح الكلام، وقد يبعد فيختص بالشعر» (٤).
وإلى ذلك ذهب الخطيب القزوينى فقال: «والحق أنّه إن تضمّن اعتبارا لطيفا قبل وإلّا رد» (٥)، كقول رؤبة:
ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأنّ لون أرضه سماؤه
أى: كأنّ لون سمائه لغبرتها لون أرضه، فعكس التشبيه للمبالغة. وسار على مذهبه شرّاح تلخيصه فى قبول أسلوب القلب أو ردّه.
стр. 255
[اقسامه]
وللقلب أقسام تحدث عنها الزركشى وهى (١):
الأول: قلب الإسناد، وهو أن يشمل الإسناد إلى شئ والمراد غيره، كقوله تعالى: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ» (٢) إن لم تجعل الباء للتعدية لأن ظاهره أن المفاتح تنوء بالعصبة، ومعناه أن العصبة تنوء بالمفاتح لثقلها فأسند «لتنوء» إلى «المفاتح» والمراد إسناده إلى العصبة، لأنّ الباء للحال والعصبة مستصحبة المفاتح لا تستصحبها المفاتح، وفائدته المبالغة بجعل المفاتح كأنها مستتبعة للعصبة القوية بثقلها.
وقيل: لا قلب فيه، والمراد: أن المفاتح تنوء بالعصبة أى تميلها من ثقلها.
وقيل فى قوله تعالى: «وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ» (٣) إنّه من المقلوب وإنّه «سكرة الحق بالموت».
الثانى: قلب المعطوف، وهو جعل المعطوف عليه معطوفا والمعطوف معطوفا عليه كقوله تعالى: «فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ» (٤) حقيقته: فانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم، لأنّ نظره ما يرجعون من القول غير متأتّ مع توليه عنهم، وما يفسر به التولى من أنّه يتوارى فى الكوة التى ألقى منها الكتاب مجاز، والحقيقة راجحة عليه.
ومنه قوله: «ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى» (٥) أى: تدلى فدنا، لأنّه بالتدلى نال الدنو والقرب إلى المنزلة الرفيعة وإلى المكانة لا إلى
المكان.
ورأى ابن سنان والقزوينى أنّ الآيتين لم تأتيا على القلب وإنّما على الأسلوب الأصلى وذلك لعدم تضمن القلب فيهما اعتبارا لطيفا.
стр. 256
الثالث: العكس، وهو أمر لفظى، كقوله تعالى: «ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ» (١). وقوله: «هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ» (٢)، وقوله: «لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ» (٣).
الرابع: المستوى، وهو أنّ الكلمة أو الكلمات تقرأ من أولها إلى آخرها ومن آخرها إلى أولها لا يختلف لفظها ولا معناها، كقوله تعالى: «وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ» (٤) وقوله: «كُلٌّ فِي فَلَكٍ» (٥).
الخامس: مقلوب البعض، وهو أن تكون الكلمة الثانية مركبة من حروف الكلمة الأولى مع بقاء بعض حروف الكلمة الأولى، كقوله تعالى:
«فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ» (٦)، ف «بنى» مركب من حروف «بين» وهو مفرق، إلّا أن الباقى بعضها فى الكلمتين وهو أولها.
ولعل مذهب الخطيب القزوينى أقرب المذاهب فى القلب حينما قال:
«وردّه مطلقاقوم، وقبله مطلقا قوم منهم السكاكى. والحق أنّه اذا تضمن اعتبارا لطيفا قبل، وإلّا ردّ» (٧).
الأسلوب الحكيم:
وقد سماه عبد القاهر الجرجانى «المغالطة» (٨) وسماه السكاكى «أسلوب الحكيم» وقال عنه: «ولهذا النوع- أعنى إخراج الكلام لا على مقتضى
стр. 257
[الاسلوب الحكيم]
الظاهر- أساليب متفننة إذ ما من مقتضى ظاهرى إلّا ولهذا النوع مدخل فيه بجهة من جهات البلاغة على ما ننبه على ذلك منذ اعتنينا بشأن هذه الصناعة ونرشد إليه تارة بالتصريح وتارة بالفحوى، ولكل من تلك الأساليب عرق فى البلاغة يتشرب من أفانين سحرها، ولا كالأسلوب الحكيم فيها» (١).
[قسماه]
وللأسلوب الحكيم قسمان:
الأول: تلقى المخاطب- بالكسر- بغير ما يترقب، وذلك يكون بحمل كلامه على خلاف مراده تنبيها على أنّه الأولى بالقصد إليه. كقول القبعثرى للحجاج بن يوسف الثقفى وقد قال له الحجاج متوعدا له بالقتل: «لأحملنّك على الأدهم»: «مثل الأمير من حمل على الأدهم والأشهب». فأراد الحجاج أن يقيده فتلقاه القبعثرى بغير ما يترقبه من فهمه التوعيد بألطف وجه مشيرا إلى أنّ من كان مثله من السلطنة إنما يناسبه أن يجود بأن يحمل على الأدهم والأشهب من الخيل ويكون جديرا بأن يصفد- بضم الياء- أى يعطى، لا أن يصفد- بفتحها- أى يشد ويوثق.
ومنه قول الشاعر:
أتت تشتكى عندى مزاولة القرى ... وقد رأت الضيفان ينحون منزلى
فقلت كأنى ما سمعت كلامها ... هم الضيف جدّى فى قراهم وعجّلى
الثانى: تلقى السائل بغير ما يتطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره تنبيها على أنّه الأولى بحاله أو المهم له. وذلك كقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ» (٢)، فقالوا: ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يتزايد
قليلا قليلا حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يود كما بدا.
стр. 258
وكقوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ» (١). سألوا عن بيان ما ينفقون فأجيبوا ببيان المصرف (٢) وللأسلوب الحكيم أثر فى الكلام، وقد أوضح السكاكى هذا الأثر بقوله: «وإنّ هذا الأسلوب الحكيم لربما صادف المقام فحرك من نشاط السامع، سلبه حكم الوقور وأبرزه فى معرض المسحور. وهل ألان شكيمة الحجاج لذلك الخارجى وسل سخيمته (٣) حتى آثر أن يحسن على أن يسئ غير أن سحره بهذا الأسلوب اذا توعده الحجاج بالقيد فى قوله «لأحملنك على الأدهم» فقال متغابيا: «مثل الأمير- يحمل على الأدهم والأشهب» مبرزا وعيده فى معرض الوعد متوصلا أن يريه بألطف وجه أن امرءا مثله فى مسند الإمرة المطاعة خليق بأن يصفد لا أن يصفد، وأن يعد لا أن يوعد» (٤).
التغليب:
[تعريفه]
وهو إعطاء الشئ حكم غيره، وقيل: ترجيح أحد المغلوبين على الآخر أو إطلاق لفظة عليهما، إجراء للمختلفين مجرى المتفقين. (٥)
[انواعه]
وهو أنواع:
الأول: تغليب المذكر، كقوله تعالى: «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» (٦)، غلب المذكر لأن الواو جامعة ولأن لفظ الفعل مقتض
стр. 259
ولو أريد العطف امتنع. وقوله: «وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ» (١)، وقوله:
«إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» (٢). والأصل «من القانتات» و «من الغابرات» فعدت الأنثى من المذكر بحكم التغليب.
الثانى: تغليب المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب، كقوله تعالى:
«بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ» (٣)، بتاء الخطاب، غلب جانب «أنتم» على جانب «قوم» والقياس أن يجئ بالياء لأنه وصف القوم، وقوم اسم غيبة ولكن حسن آخر الخطاب وصفا ل «قوم» لوقوعه خبرا عن ضمير المخاطبين.
ومنه قوله تعالى: «فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ» (٤)، غلب جانب «أنت» على جانب «من» فأسند إليه الفعل وكان تقديره «فاستقيموا» فغلب الخطاب على الغيبة، لأنّ حرف العطف فصل بين المسند إليهم الفعل فصار كما نرى.
الثالث: تغليب العاقل على غيره، وذلك بأن يتقدم لفظ يعم من يعقل ومن لا يعقل فيطلق اللفظ المختص بالعاقل على الجميع. ومنه قوله تعالى:
«وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ» (٥)، لما تقدم لفظ «الدابة» والمراد بها عموم من يعقل ومن لا يعقل غلب من يعقل فقال «فمنهم من يمشى».
وقد يجتمع فى لفظ واحد تغليب المخاطب على الغائب والعقلاء على غيرهم كقوله تعالى: «جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ» (٦)، أى: خلق لكم أيّها الناس من جنسكم ذكورا وإناثا وخلق الأنعام أيضا من أنفسها ذكورا وإناثا. يذرؤكم- أى ينبتكم ويكثركم أيها
стр. 260
الناس والأنعام فى هذا التدبير والجعل- فهو خطاب للجميع، للناس المحاسبين وللأنعام المذكورة بلفظة الغيبة، ففيه تغليب المخاطب على الغائب، وإلّا لما صح ذكر الجميع- الناس والأنعام- بطريق الخطاب لأنّ الأنعام غيب وفيه تغليب العقلاء على غيرهم، وإلا لما صح خطاب الجمع بلفظ «كم» المختص بالعقلاء. ففى لفظ «كم» تغليبان، ولولا التغليب لكان القياس أن يقال يذرؤكم وإياها.
الرابع: تغليب المتصف بالشئ على ما لم يتصف به، كقوله تعالى:
«وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا» (١)، قيل: غلب غير المرتابين على المرتابين.
الخامس: تغليب الأكثر على الأقل، وذلك بأن ينسب إلى الجميع وصف يختص بالأكثر، كقوله تعالى: «لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» (٢)، وأدخل شعيب فى قوله «لتعودن» بحكم التغليب إذ لم يكن فى ملتهم أصلا حتى يعود إليها.
السادس: تغليب الجنس الكثير الأفراد على فرد من غير هذا الجنس مغمور فيما بينهم بأن يطلق اسم الجنس على الجميع، كقوله تعالى: «فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ» (٣)، وأنه عد منهم مع أنّه كان من الجن تغليبا لكونه جنيا واحدا فيما بينهم، ولأنّ حمل الاستثناء على الاتصال هو الأصل.
السابع: تغليب الموجود على ما لم يوجد، كقوله تعالى: «بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ» (٤) فان المراد المنزل كله، وإنما عبر عنه بلفظ المضى وإن كان بعضه مترقبا تغليبا للموجود على ما لم يوجد.
стр. 261
الثامن: تغليب الإسلام، كقوله تعالى: «وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ» (١)، لأنّ الدرجات للعلو، والدركات للسفل، فاستعمل الدرجات فى القسمين تغليبا.
التاسع: تغليب ما وقع بوجه مخصوص على ما وقع بغير هذا الوجه، كقوله تعالى: «ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ» (٢)، ذكر الأيدى لأنّ أكثر الأعمال تزاول بها فحصل الجمع بالواقع بالأيدى.
العاشر: تغليب الأشهر، كقوله تعالى: «يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ» (٣) أراد المشرق والمغرب فغلب المشرق لأنّه أشهر الجهتين. ومن ذلك قولهم: «أبوان» للأب والأم، و «قمران» للشمس والقمر، و «العمران» لأبى بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما.
الالتفات:
[تعريفه]
وهو الفن الأول من محاسن الكلام التى ذكرها ابن المعتز، وقد قال فى تعريفه: «هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار وعن الإخبار إلى المخاطبة وما يشبه ذلك. ومن الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر» (٤).
وقال قدامة بن جعفر فى تعريفه: «هو أن يكون الشاعر آخذا فى معنى فكأنه يعترضه إمّا شك فيه أو ظن بأن رادّا يرد عليه قوله أو سائلا يسأله عن سببه فيعود راجعا على ما قدمه فإما أن يؤكده أو يذكر سببه أو يحل الشك فيه» (٥).
وفسّره أبو هلال بما يقرب من هذا، ولكنه قسمه ضربين:
стр. 262
الأول: أن يفرغ المتكلم من المعنى فاذا ظننت أنه يريد أن يجاوزه يلتفت إليه فيذكره بغير ما تقدم ذكره به، كقول جرير:
أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بعود بشامة سقى البشام (١)
ولم يذكر قدامة هذا الضرب فى تعريفه، وإنّما انصبّ تعريفه على الضرب.
الثانى الذى ذكره أبو هلال نقلا عنه لاتفاق العبارات وهو:
الثانى: أن يكون الشاعر آخذا فى معنى كأنّه يعترضه شك أو ظن أنّ رادّا يرد قوله، أو سائلا يسأله عن سببه فيعود راجعا إلى ما قدمه فإما أن يؤكده أو يذكر سببه أو يزيل الشك عنه، كقول المعطل الهذلى:
تبين صلاة الحرب منا ومنهم ... إذا ما التقينا والمسالم بادن (٢)
فقوله: «والمسالم بادن» رجوع من المعنى الذى قدمه حتى بين أن علامة صلاة الحرب من غيرهم أن المسالم بادن والمحارب ضامر (٣).
ويسمى بعضهم الالتفات «الصّرف» وهو مصطلح صاحب «البرهان فى وجوه البيان» الذى قال فى تعريفه: «وأما الصرف فانه يصرفون القول من المخاطب إلى الغائب ومن الواحد إلى الجماعة» (٤).
وسماه أسامة بن منقذ «الانصراف» وقال فيه: «هو أن يرجع من الخبر إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الخبر» (٥).
وقال ابن رشيق عنه: «هو الاعتراض عند قوم وسماه آخرون الاستدراك» (٦) ولكن الاعتراض والاستدراك غير الالتفات، ولعل
стр. 263
مصطلح «الانصراف» أو «الالتفات» أقرب إلى الدلالة وقد سار البلاغييون على مصطلح الالتفات، وأصبح هذا الأسلوب ذا شعب كثيرة تحدث عنها بالتفصيل الزمخشرى فى تفسيره والسكاكى فى مفتاحه والقزوينى فى إيضاحه وابن الأثير فى المثل السائر والزركشى فى البرهان فى علوم القرآن. وكان هؤلاء من أكثر الذين عنوا بدراسة هذا الأسلوب، وقال الزمخشرى عنه وهو يفسر قوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (١): «فان قلت لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟ قلت: هذا يسمّى الالتفات فى البيان، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب ومن
الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ» (٢)، وقوله تعالى: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ» (٣).
وقد التفت امرؤ القيس ثلاث التفاتات فى ثلاثة أبيات:
تطاول ليلك بالإثمد ... ونام الخلىّ ولم ترقد
وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذى العائر الأرمد
وذلك من نبأ جاءنى ... وخبرّته عن أبى الأسود
وذلك على عادة افتتانهم فى الكلام وتصرفهم فيه، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للاصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد. وقد تختص مواقعه بفوائد، ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء وغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات فقيل: إياك من هذه صفاته نخص بالعبادة والاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه ليكون الخطاب أدل على أنّ العبادة له، لذلك التميز الذى لا تحق العبادة إلّا به» (٤).
стр. 264
وكلام السكاكى لا يخرج عما ذكره الزمخشرى إلّا ما أضاف من أمثلة وشواهد شعرية، كقول ربيعة بن مقروم:
بانت سعاد فأمسى القلب معمودا ... وأخلفتك ابنة الحرّ المواعيدا (١)
فالتفت حيث لم يقل «وأخلفتنى»، ثم قال:
ما لم ألاق امرءا جزلا مواهبه ... سهل الفناء، رحيب الباع محمودا
وقد سمعت بقوم يحمدون فلم ... أسمع بمثلك لا حلما ولا جودا
فالتفت حيث لم يقل «بمثله».
وقال السكاكى بعد هذه الأمثلة وغيرها: «وأمثال ما ذكر أكثر من أن يضبطها القلم، وهذا النوع قد يختص مواقعه بلطائف معان قلما تتضح إلّا لأفراد بلغائهم أو للحذاق المهرة فى هذا الفن والعلماء النحارير. ومتى اختص موقعه بشئ من ذلك كساه فضل بهاء ورونق وأورث السامع زيادة هزة ونشاط ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل إن كان ممن يسمع ويعقل» (٢)
وهذا أمر طبيعى فالزمخشرى لم يرد أن يبحث الالتفات، وإنما تكلم عليه حينما جاء فى الآية الكريمة، أما السكاكى فهدفه البحث فى هذا الأسلوب لا تفسير الآيات وما فيها من فنون بلاغية. والاتفاق بين الرجلين هو فى تحديد معناه وتعريفه، وقد اتفقا على أنه نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب فمن الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى المتكلم.
واتفقا على أنّ نقل الكلام من أسلوب إلى آخر أدخل فى القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه. ولكنه مع ذلك خالفه فى أمر واحد، وهو أنه أدخل الالتفات فى علم المعانى وقال: «ويسمّى هذا النقل التفاتا عند علماء المعانى، والعرب يستكثرون منه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب أدخل فى القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه وأملأ باستدرار إصغائه.
стр. 265
وهم أحرياء بذلك، أليس قرى الأضياف سجيتهم، ونحر العشار دأبهم وهجيراهم- لا مزقت أيدى الأدوار لهم أديما، ولا أباحت لهم حريما- أفتراهم يحسنون قرى الأشباح فيخالفون فيه بين لون ولون وطعم وطعم، ولا يحسنون قرى الأرواح فلا يخالفون فيه بين أسلوب وأسلوب وإيراد وإيراد، فان الكلام المفيد عند الانسان لكن بالمعنى لا بالصورة أشهى غذاء لروحه وأطيب قرى لها» (١).
وأدخله ثانية فى علم البديع وعده من المحسنات المعنوية، ولكنه لم يبحثه واكتفى بقوله: «وقد سبق ذكره فى علم المعانى» (٢). أما الزمخشرى فقد عدّه من البيان وإن كان لا يقصد به علم البيان الذى ضبطه السكاكى بتعريفه وإنما يريد به البيان بمعناه العام، ولعل هذا الموقف أسلم من موقف السكاكى الذى تردد فيه فأدخله فى علم المعانى مرة وفى علم البديع تارة أخرى. وقد علل ابن يعقوب المغربى هذا التردد وبيّن مكان الالتفات فى كل علم بقوله:
«فان قلت: لأى وجه خصص تسميته بعلماء المعانى مع أنّ عدّ الالتفات من البديع أقرب، لأنّ حاصل ما فيه أنه يفيد الكلام ظرافة وحسن تطرية فيصغى إليه لظرافته وابتداعه ولا يكون الكلام به مطابقا لمقتضى الحال فلا يكون من علم المعانى فضلا عن كونه يختص بهم فيسمونه به دون أهل البديع؟.
قلت: أما كونه من الأحوال التى تذكر فى علم المعانى فصحيح كما إذا اقتضى المقام فائدته من طلب مزيد الاصغاء لكون الكلام سؤالا أو مدحا أو إقامه حجة أو غير ذلك، فهو من هذا الوجه من علم المعانى. ومن جهة كونه شيئا ظريفا مستبدعا يكون من علم البديع. وكثيرا ما يوجد فى المعانى مثل هذا فليفهم، وأما تخصيص علماء المعانى بالتسمية فلا حجر فيه، والله أعلم» (٣).
стр. 266
ولولا تقسيم السكاكى البلاغة إلى أقسامها وحصر كل قسم بتعريف منطقى جامع مانع لما احتاج ابن يعقوب المغربى وغيره إلى هذا التمحل والإغراق فى التأويل، وإلّا فهل يمكن استعمال أسلوب الالتفات من غير أن يؤدى معنى فيكون مطابقا لمقتضى الحال وتكون فيه ظرافة وطلاوة؟ إنّ الانتقال من أسلوب إلى آخر لا يكون إلا إذا اقتضى الحال وأريد به نوع من الإبداع والمتعة الفنية. ولذلك ينطبق عليه تعريفا علم المعانى وعلم البديع ولا نرى مبررا التفريق فى عدّه من المعانى مرة ومن البديع تارة أخرى على الوجه الذى يذهب إليه البلاغيون.
ولما كان الالتفات ضربا من فنون البلاغة له أسلوبه وجماله فليس من الدقة أن يبقى مترددا فيكون فى علم المعانى إذا اقتضى المقام فائدته، ويكون فى علم البديع إذا أريد به الطرافة، وإنما يفرد له باب كما فعل ابن الأثير الذى لم ينظر إليه هذه النظرة الجامدة، (١) وقد أدخلناه فى علم المعانى لأننا نبحث البلاغة كما تركها القدماء، ولأننا لا نريد هنا إبداء وجهة النظر، فذلك أمر مجاله غير هذه المحاضرات التى أخذت نسيجها من القدماء. ولم يخرج الخطيب القزوينى على السكاكى فى بحث الالتفات ونقل كلامه وأمثلته غير أنه قارن بينه وبين الجمهور، فالسكاكى قال: «واعلم أن هذا النوع اعنى نقل الكلام عن الحكاية إلى الغيبة لا يختص المسند إليه ولا هذا القدر بل الحكاية والخطاب والغيبة ثلاثتها ينقل كل واحد منها إلى الآخر ويسمى هذا النقل التفاتا» (٢). والمشهور عند الجمهور أن الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من الطرق الثلاثة بعد التعبير عنه بطريق آخر منها. وهذا أخص
من تفسير السكاكى لأنه أراد بالنقل أن يعبر بطريق من هذه الطرق عما عبر عنه بغيره، أو كان مقتضى الظاهر أن يعبر عنه بغيره منها. ولذلك فكل التفات عندهم التفات عنده وليس العكس صحيحا (٣).
стр. 267
ونظر ابن الأثير إلى هذا الأسلوب نظرة أعمق وقال عنه: «وهذا النوع وما يليه هو خلاصة علم البيان التى حولها يدندن وإليها تستند البلاغة وعنها يعنعن. وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا، وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة لأنه ينتقل فيه من صيغة كالانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك. ويسمى أيضا «شجاعة العربية»، وإنما سمى بذلك لأن الشجاعة هى الإقدام، وذاك أنّ الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذا هذا الالتفات فى الكلام فان اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات» (١).
[اقسامه]
وقسمه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الرجوع من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة.
الثانى: الرجوع من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر ومن الفعل الماضى إلى فعل الأمر.
الثالث: الإخبار عن الفعل الماضى بالمستقبل وعن المستقبل بالماضى.
وأحسن ما فى بحثه الأمثلة الكثيرة التى وشح بها كلامه، وردّه رأى الزمخشرى ومن تابعه فى فائدة أسلوب الالتفات. وقد وضح ابن الأثير رأيه بقوله: «وقال الزمخشرى- ﵀ إنّ الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنّما يستعمل للتفنن فى الكلام والانتقال من أسلوب إلى أسلوب تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للاصغاء إليه. وليس الأمر كما ذكره، لأنّ الانتقال فى الكلام من أسلوب إلى أسلوب إن لم يكن إلّا تطرية لنشاط السامع وإيقاظا للاصغاء إليه، فان ذلك دليل على أنّ السامع يمل من أسلوب واحد فينتقل إلى غيره ليجد نشاطا للاستماع، وهذا
قدح فى الكلام لا وصف له، لأنه لو
стр. 268
كان حسنا لما مل، ولو سلّمنا إلى الزمخشرى ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك فى الكلام المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، لأنّه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب ومن الخطاب إلى الغيبة فى مواضع كثيرة من القرآن الكريم ويكون مجموع الجانبين معا يبلغ عشرة ألفاظ أو أقل من ذلك. ومفهوم قول الزمخشرى فى الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنّما يستعمل قصدا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه لا قصدا لاستعمال الأحسن. وعلى هذا فاذا وجدنا كلاما قد استعمل فى جميعه الإيجاز ولم ينتقل عنه أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا فى موقعه قلنا:
هذا ليس بحسن إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب وهذا قول فيه ما فيه، وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشرى مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة».
ثم يبيّن رأيه بقوله: «والذى عندى فى ذلك أنّ الانتقال من الخطاب إلى الغيبة أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلّا لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحدّ بحدّ ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها ليقاس عليها غيرها، فانا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه وهو ضد الأول قد استعمل فى الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أنّ الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجرى على وتيرة واحدة وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذى ترد فيه» (١).
وكانت طريقته فى إظهار روعة أسلوب الالتفات ضرب الأمثلة والتعليق عليها والوقوف على ما فيها من جمال وتأثير. وهذه الطريقة أنفع فى معالجة البلاغة ولكن لا يمنع أن تكون هناك قواعد عامة تهدى، وقد حصر المتأخرون أسباب الالتفات فى فوائد عامة وخاصة (٢)، فمن الفوائد العامه التفنن والانتقال من أسلوب إلى آخر، لما فى ذلك من تنشيط السامع، واستجلاب
стр. 269
صفائه، واتساع مجارى الكلام، وتسهيل الوزن والقافية، وهذا ما أشار إليه البلاغيون المتقدمون ورفضه ابن الأثير.
وأما الفوائد الخاصة فتختلف باختلاف محاله ومواقع الكلام فيه على ما يقصده المتكلم، ومنها:
- قصد تعظيم شأن المخاطب، كما فى قوله تعالى: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» (١) فان العبد إذا افتتح حمد مولاه بقوله «الحمد لله» الدالّ على اختصاصه بالحمد وجد من نفسه التحرك للاقبال عليه سبحانه، فاذا انتقل إلى قوله: «رَبِّ الْعالَمِينَ» الدال على ربوبيته لجميعهم قوى تحركه، فاذا قال: «الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» الدال على أنه منعم بأنواع النعم جليلها وحقيرها تزايد التحرك عنده، فاذا وصل إلى «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» وهو خاتمة الصفات الدالة على أنّه مالك الأمر يوم الجزاء فيتأهب قربه، ويتقن الإقبال عليه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة فى المهمات. ثم انتقل من خطاب الغائب إلى الحاضر فقال: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» لينسب إلى التعظيم حال المخاطبة والمواجهة على ما هو أعلى رتبة وذلك عن طريق التأدب. وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال: «الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» مصرحا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظا، ولم يقل «صراط المنعم عليهم» فلما صار إلى ذكر الغضب روى عنه لفظ الغضب فى النسبة إليه لفظا وجاء باللفظ متحرفا عن ذكر الغاضب فلم يقل «غير المغضوب غضبت عليهم» تفاديا عن نسبة الغضب فى اللفظ حال المواجهة.
- التنبيه على ما حق الكلام أن يكون واردا عليه، كقوله تعالى: «وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (٢)، أصل الكلام «وما لكم لا تعبدون الذى فطركم» ولكنه أبرز الكلام فى معرض المناصحة
стр. 270
لنفسه، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويريهم أنّه لا يريد لهم إلّا ما يريد لنفسه ثم انقضى غرضه من ذلك قال: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» ليدل على ما كان من أصل الكلام ومقتضيا له، ثم ساقه هذا المساق إلى أن قال: «إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ» (١).
- أن يكون الغرض به التتميم لمعنى مقصود للمتكلم فيأتى به محافظة على تتميم ما قصد إليه من المعنى المطلوب، كقوله تعالى: «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (٢).
أصل الكلام «إنا كنا مرسلين رحمة منا» ولكنه وضع الظاهر موضع المضمر للانذار بأنّ الربوبية تقتضى الرحمة للمربوبين للقدرة عليهم، أو لتخصيص النبى- ﷺ بالذكر أو الإشارة إلى أن الكتاب إنما هو إليه دون غيره، ثم التفت باعادة الضمير إلى الرب الموضوع موضع المضمر للمعنى المقصود من تتميم المعنى.
- قصد المبالغة: كقوله تعالى «حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ» (٣) كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليتعجب منها ويستدعى منه الإنكار والتقبيح لها، إشارة منه إلى سبيل المبالغة إلى أن ما يعتمدونه بعد الإنجاء من البغى فى الأرض بغير الحق مما ينكر ويقبح.
- قصد الدلالة على الاختصاص: كقوله تعالى: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ» (٤)، فانه لما كان سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر دالا على القدرة الباهرة التى لا يقدر عليها غيره، عدل عن لفظ الغيبة إلى التكلم لأنه أدخل فى الاختصاص وأدل عليه «سقنا» و «أحيينا».
стр. 271
- قصد الاهتمام: كقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها، وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (١). فعدل عن الغيبة فى «قضاهن» و «أوحى» إلى التكلم فى «وزينا السماء الدنيا» للاهتمام بالإخبار عن نفسه، فانه تعالى جعل الكواكب فى سماء الدنيا للزينة والحفظ، وذلك لأنّ طائفة اعتقدت فى النجوم أنّها ليست فى سماء الدنيا وأنها ليست حفظا ولا رجوما فعدل إلى التكلم والإخبار عن ذلك لكونه مهما من مهمات الاعتقاد ولتكذيب الفرقة المعتقدة بطلانه.
- قصد التوبيخ: كقوله تعالى: «وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا» (٢). عدل عن الغيبة إلى الخطاب للدلالة على أنّ قائل مثل قولهم ينبغى أن يكون موبخا ومنكرا عليه، ولما أراد توبيخهم على هذا أخبر عنه بالحضور فقال: «لقد جئتم»، لأنّ توبيخ الحاضر أبلغ فى الإهانة له.
وللالتفات أقسام كثيرة ذكرها البلاغيون والذين اهتموا بعلوم القرآن، ويمكن تلخيصها فيما يأتى:
- الالتفات من التكلم إلى الخطاب:
ووجهه حثّ السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه، وأنّه أعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة، كقوله تعالى: «وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (٣). الأصل: «وإليه أرجع» فالتفت من التكلم إلى الخطاب. وفائدته أنّه أخرج الكلام فى معرض مناصحته لنفسه وهو يريد نصح قومه تلطفا وإعلاما أنه يريد لهم ما يريده لنفسه ثم التفت إليهم لكونه
стр. 272
فى مقام تخويفهم ودعوتهم إلى الله. ثم إنّ قومه لمّا أنكروا عليه عبادته لله أخرج الكلام معهم بحسب حالهم فاحتج عليهم بأنّه يقبح منه أنّه لا يعبد فاطره ومبدعه ثم حذرهم بقوله: «وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».
- الالتفات من التكلم إلى الغيبة:
ووجهه أن يفهم السامع أنّ هذا نمط المتكلم وقصده من السامع حضر أو غاب، وأنه فى كلامه ليس ممن يتلون ويتوجه فيكون فى المضمر ونحوه ذا لونين، وأراد بالانتقال إلى الغيبة الإبقاء على المخاطب، فالغيبة أروح له، كقوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ» (١)، حيث لم يقل «لنا» تحريضا على فعل الصلاة لحق الربوبية.
ومنه قوله تعالى: «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ، إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» (٢). فقد قال سبحانه: «أَمْراً مِنْ عِنْدِنا» ثم انتقل إلى خطاب الغيبة فقال: «رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
- الالتفات من الخطاب إلى التكلم:
ومنه قوله تعالى: «فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا» (٣)، فقد التفت من الخطاب «فاقض ما أنت قاض» إلى التكلم «إنا آمنا بربنا».
- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة:
ومنه قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ، وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ
стр. 273
وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ، دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» (١).
فقد التفت عن «كنتم» إلى «جرين بهم» لفائدة، وهى أنّه ذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعى منهم الإنكار عليهم، إذ لو استمر على خطابهم لفاتت الفائدة.
- الالتفات من الغيبة إلى التكلم:
ومنه قوله تعالى: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ» (٢). فقد التفت من الغيبة «سبحان الذى أسرى» إلى التكلم «الذى باركنا حوله».
ومنه: «وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا» (٣). فقد التفت من الغيبة «وأوحى»، إلى التكلم «وزينا».
- الالتفات من الغيبة إلى الخطاب:
ومنه سورة الفاتحة فقد بدأها سبحانه بقوله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» ثم انتقل إلى الخطاب فقال «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ». وإنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأنّ الحمد دون العبادة فلما صار إلى العبادة التى هى أخص الطاعات قال: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ» فخاطب بالعبادة إصراحا بها وتقربا منه بالانتهاء إلى محدود منها.
ومنه قوله تعالى: «وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا» (٤) ولم يقل «لقد جاءوا» للدلالة على أنّ من قال مثل قولهم ينبغى أن يكون موبخا عليه منكرا عليه قومه، كأنه يخاطب به قوما حاضرين.
стр. 274
ومما ينخرط فى هذا النوع الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس كقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ. فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها. وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً، ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (١). وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس فانه قال «وَزَيَّنَّا» بعد قوله «ثُمَّ اسْتَوى» وقوله «فَقَضاهُنَّ» و «أوحى».
ومما ورد فى الشعر قول أبى تمام:
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السّير لم تقصد بها كفّ قاطب (٢)
فقد أكلوا منها الغوارب بالسّرى ... وصارت لها أشباحهم كالغوارب (٣)
يصرّف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه همّ عذيق مغارب (٤)
يرى بالكعاب الرّود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرّة آيب (٥)
كأنّ بها ضغنا على كلّ جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب (٦)
стр. 275
إذا العيس لاقت بى أبا دلف فقد ... تقطّع ما بينى وبين النوائب (١)
هنالك تلقى الجود من حيث قطّعت ... تمائمه والمجد مرخى الذوائب (٢)
فقد قال «يصرّف مسراها» مخاطبة الغائب ثم قال بعد ذلك «إذا العيس لاقت بى» مخاطبا نفسه ومبشرا لها بالبعد
عن المكروه والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذى يليه معدولا به عن خطاب غيره وهو خطاب لحاضر، ثم قال «هنالك تلقى الجود».
- الالتفات من الفعل المستقبل إلى فعل الأمر:
ومنه قوله تعالى: «قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ «إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» (٣)، فانه إنما قال «شهد الله» و «اشهدوا» ولم يقل «وأشهدكم» ليكون موازنا له وبمعناه لأنّ شهادة الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلّا تهاون بهم ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم ولذلك عدل به عن لفظ الأول لاختلاف ما بينهما وجئ به على لفظ الأمر.
- الالتفات من الفعل الماضى إلى فعل الأمر:
ومنه قوله تعالى: «قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» (٤)، وقد عدل إلى الأمر للعناية بتوكيده فى نفوسهم.
стр. 276
- الالتفات من الفعل الماضى إلى المستقبل:
ومنه قوله تعالى: «وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ» (١). ف «تثير» للمستقبل وما قبله وما بعده ماض وإنما جئ بها كذلك حكاية للحال التى يقع فيها إثارة الريح السحاب واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة.
وعلى هذا ورد قول تأبط شرا:
بأنّى قد لقيت الغول تهوى ... بسهب كالصّحيفة صحصحان (٢)
فأضربها بلا دهش فخرّت ... صريعا لليدين وللجران (٣)
فانه قصد أن يصور لقومه الحال التى تشجع فيها على ضرب الغول كأنهم يبصرهم إياها مشاهدة للتعجب من جرأته، ولو قال «فضربتها» لزالت هذه الفائدة.
- الالتفات من المستقبل إلى الماضى:
ومنه قوله تعالى: «وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» (٤)، فانه إنما قال «ففزع» بلفظ الماضى بعد قوله «ينفخ» وهو مستقبل للإشعار بتحقيق الفزع وأنه كائن لا محالة لأن الفعل يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا به.
стр. 277
ومنه قوله تعالى: «وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً» (١)، وإنما قيل «وَحَشَرْناهُمْ» ماضيا بعد «نسير» و «ترى» وهما مستقبلان للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك لأنّ الحشر هو المهم ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضى.
ومما يجرى هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل وإنما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضى، كقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ» (٢)، فانه إنما آثر اسم المفعول الذى هو «مجموع» على الفعل المستقبل الذى هو «يجمع» لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه الموصوف بهذه الصفة.
ولم يدخل الزركشى الأنواع الأربعة الأخيرة فى الالتفات وإنما بحثها فى مبحث خاص وقال إنّها تقرب من الالتفات، فى حين عدّها ابن الأثير النوع الثانى والنوع الثالث من أقسامه الثلاثة (٣).
أساليب أخرى:
وهناك أساليب أخرى من إتيان الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، وكل منها يصلح أن يكون من أبواب المعانى
إذا اعتبرت فيه نكتة لطيفة.
وكان الخطيب القزوينى قد أهملها ونبه إليها السبكى (٤)، وأشار إلى بعضها الزركشى وقال عنها إنّها تقرب من الالتفات (٥).
стр. 278
ومن هذه الأساليب:
- الانتقال من خطاب الواحد لخطاب الاثنين، كقوله تعالى: «قالُوا: أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ» (١).
- الانتقال من خطاب الواحد إلى خطاب الجمع، كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ» (٢).
- الانتقال من الاثنين إلى الواحد، كقوله تعالى: «قالَ: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى» (٣).
- الانتقال من الاثنين إلى الجمع، كقوله تعالى: «وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (٤).
- الانتقال من الجمع إلى الواحد كقوله تعالى: «وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» (٥).
- الانتقال من الجمع إلى التثنية، كقوله تعالى: «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا، لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» (٦).
стр. 279
والخروج على مقتضى الظاهر كما ظهر فى الأساليب المتقدمة، يعطى المتكلم أو الكاتب مجالا رحبا للتعبير عن الآراء بطرق مختلفة، وفى ذلك حرية لا تنكر. وهذه الأساليب ألصق بمباحث المجاز لأنّها تعبير عن المعنى بغير لفظه الموضوع له وبغير أسلوبه المعتاد. وقد أشار القدماء إلى ذلك فقال الزركشى وهو يتحدث عن التغليب: «جميع باب التغليب من المجاز، لأنّ اللفظ لم يستعمل فيما وضع له، ألا ترى أنّ القانتين موضوع للذكور الموصوفين بهذا الوصف فاطلاقه على الذكور والإناث على غير ما وضع له، وقس على هذا جميع الأمثلة» (١). ولعل ضمّ هذه الأساليب إلى المجاز المرسل يوحّد أجزاءه ويجمع منه ما تفرق فى أبواب البلاغة المختلفة، وذلك ما دعونا إليه فى دراساتنا السابقة.
...
стр. 280
المصادر والمراجع
الآمدى (أبو القاسم الحسن بن بشر):
- الموازنة بين شعر أبى تمام والبحترى. ت. السيد أحمد صقر. دار المعارف- القاهرة هـ- م.
ابن أبى الأصبع المصرى:
- بديع القرآن. ت. الدكتور حفنى محمد شرف. القاهرة هـ- م.
- تحرير التحرير فى صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن. ت. الدكتور حفنى محمد شرف. القاهرة هـ- م.
ابن الأثير (ضياء الدين):
- الجامع الكبير فى صناعة المنظوم من الكلام والمنثور. ت. الدكتور مصطفى جواد والدكتور جميل سعيد. بغداد هـ- م.
- المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر. ت. محمد محيى الدين عبد الحميد القاهرة هـ- م.
ابن الأثير (أبو السعادات المبارك بن محمد الجزرى):
- النهاية فى غريب الحديث والأثر. ت. طاهر أحمد الزاوى ومحمود محمد الطناحى. القاهرة هـ- م.
أحمد مطلوب (الدكتور):
- البلاغة عند السكاكى. بغداد هـ- م.
- عبد القاهر الجرجانى- بلاغته ونقده. بيروت هـ- م.
- فنون بلاغية. بيروت هـ- م.
стр. 281
- القزوينى وشروح التلخيص. بغداد هـ- م.
- مصطلحات بلاغية. بغداد هـ- م.
- مناهج بلاغية. بيروت هـ- م.
الأسد آبادى (القاضى أبو الحسن عبد الجبار):
- المغنى فى أبواب التوحيد والعدل. الجزء السادس عشر فى إعجاز القرآن. ت. المرحوم أمين الخولى. القاهرة هـ- م.
الاسفرايينى (إبراهيم بن محمد بن عربشاه):
- الأطول (الشرح الأطول على التلخيص). تركية هـ.
الباقلانى (أبو بكر محمد بن الطيب):
- إعجاز القرآن. ت. السيد أحمد صقر. دار المعارف- القاهرة.
- كتاب التمهيد. ت. الأب رتشرد مكارثى اليسوعى. بيروت م
- نكت الانتصار لنقل القرآن. ت. الدكتور محمد زغلول سلام.
الإسكندرية م.
التفتازانى (سعد الدين بن مسعود بن عمر):
- المطول (الشرح المطول على التلخيص) تركية هـ.
التوحيدى (أبو حيان):
- الإمتاع والمؤانسة. ت. أحمد أمين وأحمد الزين. القاهرة.
ثعلب (أبو العباس أحمد بن يحيى):
- قواعد الشعر. ت. محمد عبد المنعم خفاجى. القاهرة هـ- م.
الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر):
- البيان والتبيين. ت. عبد السلام هارون. القاهرة هـ- م.
- الحيوان. ت. عبد السلام هارون. القاهرة هـ- م.
стр. 282
الجرجانى (عبد القاهر):
- أسرار البلاغة. ت. هـ- ريتر. استامبول م.
- دلائل الإعجاز. ت. محمد رشيد رضا. ط. القاهرة هـ.
الجرجانى (على بن عبد العزيز):
- الوساطة بين المتنبى وخصومه. ت. محمد أبو الفضل إبراهيم وعلى محمد البجاوى. ط. القاهرة.
ابن جنى (أبو الفتح عثمان):
- الخصائص. ت. محمد على النجار. القاهرة هـ- م.
الحموى (أبو بكر على بن حجة):
- خزانة الأدب وغاية الأرب. القاهرة هـ.
الخفاجى (أبو محمد عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان):
- سر الفصاحة. ت. عبد المتعال الصعيدى. القاهره هـ- م.
الخطابى (أبو سليمان حمد بن محمد بن ابراهيم):
- بيان إعجاز القرآن. (طبع فى كتاب ثلاث رسائل فى إعجاز القرآن) ت. الأستاذ محمد خلف الله أحمد والدكتور محمد زغلول سلام.
دار المعارف القاهره.
الخولى (المرحوم أمين):
- فن القول. القاهره هـ- م.
- مناهج تجديد فى النحو والبلاغة والتفسير والأدب. القاهره م.
الرازى (فخر الدين محمد بن عمر):
- نهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز. القاهره هـ.
стр. 283
الرمانى (أبو الحسن على بن عيسى):
- النكت فى إعجاز القرآن (مطبوع فى ثلاث رسائل فى إعجاز القرآن) ت. محمد خلف الله أحمد ومحمد زغلول سلام. دار المعارف- القاهرة.
الزركشى (بدر الدين محمد بن عبد الله):
- البرهان فى علوم القرآن. ت. محمد أبو الفضل إبراهيم. القاهرة هـ- م. وما بعدها.
الزمخشرى (جار الله محمود بن عمر):
- الكشاف. ط. القاهره هـ- م.
الزملكانى (عبد الواحد بن عبد الكريم):
- البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن. ت. الدكتور أحمد مطلوب والدكتورة خديجة الحديثى. بغداد هـ- م.
- التبيان فى علم البيان المطلع على إعجاز القرآن. ت. الدكتور أحمد مطلوب والدكتورة خديجة الحديثى. بغداد هـ- م.
السبكى (بهاء الدين):
- عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح (مطبوع فى كتاب شروح التلخيص). القاهره م.
السكاكى (أبو يعقوب يوسف بن أبى بكر محمد بن على):
- مفتاح العلوم. القاهرة هـ- م.
سيبويه (عمرو عثمان بن قنبر):
- كتاب سيبويه. القاهرة هـ.
شوفى ضيف (الدكتور):
- البلاغة تطور وتاريخ. دار المعارف- القاهرة م.
стр. 284
العسكرى (أبو هلال الحسن بن عبد الله):
- كتاب الصناعتين. ت. على محمد البجاوى ومحمد أبو الفضل إبراهيم القاهرة هـ- م.
ابن عقيل (بهاء الدين عبد الله بن عقيل):
- شرح ابن عقيل. ت. محمد محيى الدين عبد الحميد. ط. القاهرة هـ- م.
العلوى (يحيى بن حمزة):
- الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز. القاهرة هـ- م.
ابن فارس (أبو الحسين أحمد):
- الصاحبى فى فقه اللغة وسنن العرب فى كلامها. ت. الدكتور مصطفى الشويمى. بيروت هـ- م.
ابن قتيبة (أبو محمد عبد الله بن مسلم):
- أدب الكاتب. ت. محمد محيى الدين عبد الحميد. ط. القاهرة هـ- م.
- تأويل مشكل القرآن. ت. السيد أحمد صقر. القاهرة هـ- م.
- الشعر والشعراء. ت. أحمد محمد شاكر. ط. دار المعارف- القاهرة هـ- م.
- عيون الأخبار. دار الكتب. القاهرة.
قدامة بن جعفر:
- نقد الشعر. ت. كمال مصطفى. القاهرة م.
стр. 285
القرطاجنى (أبو الحسن حازم):
- منهاج البلغاء وسراج الأدباء. ت. الدكتور محمد الحبيب بن الخوجة.
تونس م.
القزوينى (الخطيب جلال الدين محمد بن عبد الرحمن):
- الإيضاح. ت. لجنة باشراف محمد محيى الدين عبد الحميد. القاهرة.
- التلخيص. ت. عبد الرحمن البرقوقى. ط. القاهرة هـ- م.
القيروانى (أبو على الحسن بن رشيق):
- العمدة فى محاسن الشعراء وآدابه ونقده. ت. محمد محيى الدين عبد الحميد. ط. القاهرة هـ- م.
ابن قيم الجوزية (شمس الدين أبو عبد الله محمد):
- الفوائد (المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان). القاهرة هـ.
ابن مالك (بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جمال):
- المصباح (تلخيص القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكى).
القاهرة هـ.
المبرد (أبو العباس محمد بن يزيد):
- البلاغة. ت. الدكتور رمضان عبد التواب. القاهرة م.
- الكامل. ت. الدكتور زكى مبارك. القاهرة هـ- م.
- المقتضب. ت. محمد عبد الخالق عضيمة. القاهرة هـ وما بعدها.
محمد كرد على:
- رسائل البلغاء. ط القاهرة هـ- م.