ومن حذف الشرط قوله تعالى: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ، كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ. قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (١)
يقول: إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث، أى: قد تبين بطلان قولكم.
ومنه قول الشاعر:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا
كأنه قال: إن صحّ ما قلتم إن خراسان أقصى ما يراد بنا فقد جئنا خراسان وآن لنا أن نخلص.
وأما حذف جواب الشرط فكقوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (٢)، فان جواب الشرط هنا محذوف تقديره: إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين؟
ويدل على المحذوف قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ».
ويحذف جواب الشرط:
- لمجرد الاختصار، كالآية السابقة، وكقوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ، أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى» (٣)، أى: لكان هذا القرآن.
- للدلالة على أنّه شئ لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب، كقوله تعالى: «وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً،
стр. 212
حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ» (١) وقد حذف جواب الشرط لعظمة المشهد ولكى تذهب النفس فى تصوره كل مذهب (٢).
ولهذا المعنى حذفت الصلة من قولهم: «جاء بعد اللتيا والتى» (٣) أى المشار إليه بهما وهى المحنة والشدائد قد بلغت شدتها وفظاعة شأنها مبلغا يبهت الواصف معه حتى لا يحير بنت شفة (٤).
- لعلم المخبر بوضع الكلام، وقد سأل سيبويه أستاذه الخليل عن قوله تعالى:
«حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها» (٥) أين جوابها؟ وعن قوله تعالى:
«وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ» (٦) «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ» (٧)، فقال: «إنّ العرب قد تترك فى مثل هذا الخبر الجواب فى كلامهم لعلم المخبر لأى شئ وضع هذا الكلام» (٨).
- حذف القسم وجوابه، ومثال حذف القسم «لأفعلن» أى: والله لأفعلن.
ومثال حذف جوابه قوله تعالى: «وَالْفَجْرِ* وَلَيالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ* هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ* إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ* الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ» (٩)، فجواب القسم هنا محذوف تقديره: ليعذبن أو نحوه.
стр. 213
- حذف لو وجوابها، ومثال حذف «لو» قوله تعالى: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ» (١).
وتقديره: لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق.
ومنه قول قريط بن أنيف:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلى ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذن لقام بنصرى معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
والتقدير: إذن لو كنت منهم لقام بنصرى معشر خشن.
ومثال حذف جواب «لو» قوله تعالى: «وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ» (٢) وتقدير جواب لو: لرأيت أمرا عظيما. ومنه قول أبى تمام:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ... له العواقب بين السّمر والقضب
والتقدير: لو يعلم الكفر لأخذ أهبة الحذار.
- حذف جواب «لولا» كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (٣) تقديره ولولا فضل الله عليكم ورحمته لعجل لكم العذاب.
- حذف جواب «لما» كقوله تعالى: «فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ» (٤)،
стр. 214
وتقديره: فلما أسلما وتلّه للجبين وناديناه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به الوصف.
- حذف جواب «أما»، كقوله تعالى: «فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ» (١)، والتقدير: فيقال لهم أ
كفرتم بعد إيمانكم، فحذف القول وأقام المقول مقامه.
- حذف جواب «إذا» كقوله تعالى: «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ» (٢)، والتقدير: وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا وأصروا على تكذيبهم، وقد دل عليه قوله: «إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ».
- حذف المبتدأ والخبر. ولا يكون حذف المبتدأ إلّا مفردا، والأحسن حذف الخبر لأنّ منه ما يأتى جملة. ومن المواضع التى يحسن فيها حذف المبتدأ على طريق الإيجاز قولهم «الهلال والله»، أى: هذا الهلال.
ومن المواضع التى يصح فيها حذف الخبر قولنا «لولا محمد لكان كذا» ومن المواضع التى يحتمل أن يكون المحذوف فيها إمّا المبتدأ وإمّا الخبر قوله تعالى: «فَصَبْرٌ جَمِيلٌ» (٣) فيحتمل أن يكون المبتدأ محذوفا وتقديره «فأمرى صبر جميل» ويحتمل أن يكون من باب حذف الخبر وتقديره «فصبر جميل أجمل».
- حذف «لا» من الكلام وهى مرادة، كقوله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» (٤) أى: لا تفتأ، فحذفت «لا» من الكلام وهى مرادة.
стр. 215
ومنه قول امرئ القيس:
فقلت: يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعّوا رأسى لديك وأوصالى
أى: لا أبرح قاعدا ...
- حذف الواو من الكلام وإثباتها، وأحسن حذوفها فى المعطوف والمعطوف عليه، ومنه قوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ» (١). أى: لا يألونكم خبالا وودوا ...
- حذف بعض اللفظ وهو سماعى لا يجوز القياس عليه (٢)، ومنه قول علقمة بن عبدة:
كأنّ إبريقهم ظبى على شرف ... مفدّم بسبا الكتّان ملثوم (٣)
فقوله: «بسبا الكتان» يريد بسبائب الكتان.
وهذا وأمثاله مما يقبح ولا يحسن وإن كانت العرب قد استعملته فانه لا يجوز لنا أن نستعمله.
[النوع الثانى: حذف الجمل]
النوع الثانى: حذف الجمل وهو قسمان:
أحدهما: حذف الجمل المفيدة التى تستقل بنفسها كلاما وهذا أحسن المحذوفات وأدلها على الاختصار ولا نكاد نراه إلّا فى كتاب الله تعالى.
وثانيهما: حذف الجمل غير المفيدة.
وجملة هذين النوعين أربعة أضرب:
الضرب الأول: حذف السؤال المقدر ويسمى الاستئناف ويكون على وجهين:
стр. 216
- إعادة الأسماء والصفات، كقوله تعالى: «الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (١)، والاستئناف واقع فى هذا الكلام على «أولئك» لأنه لما قال «الم. ذلك الكتاب» إلى قوله «وبالآخرة هم يوقنون» اتجه السائل أن يقول: ما بال المستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى، فأجيب بأن أولئك الموصوفين غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلا وبالفلاح آجلا.
- الاستئناف بغير إعادة الأسماء والصفات، كقوله تعالى: «وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ* إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ» (٢). فمخرج هذا القول مخرج الاستئناف، لأن ذلك من مظان المسألة عن حاله عند لقاء ربه، وكأنّ قائلا قال: كيف حال هذا الرجل عند لقاء ربه بعد ذلك التصلب فى دينه والتسخى لوجهه بروحه؟
فقيل: قيل ادخل الجنة ولم يقل قيل له لانصباب الغرض إلى المقول لا إلى المقول له مع كونه معلوما، وكذلك قوله تعالى: «يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ» مرتب على تقدير سؤال سائل عما وجد.
الضرب الثانى: الاكتفاء بالسبب عن المسبب وبالمسبب عن السبب، فاما الاكتفاء بالسبب عن المسبب فكقوله تعالى: «وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِ
стр. 217
إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» (١)، فذكر الرحمة التى هى السبب فى إرساله إلى الخلق ودل بها على المسبب وهو الإرسال.
وعليه قول المتنبى:
أتى الزمان بنوه فى شبيبته ... فسرّهم وأتيناه على الهرم
أى: فساءنا.
وأما حذف الجملة غير المفيدة من هذا الضرب فكقوله تعالى حكاية عن مريم- ﵍ «قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا» (٢)، فقوله: «ولنجعله آية للناس» تعليل معلّله محذوف أى: وإنما فعلنا ذلك لنجعله آية للناس، فذكر السبب الذى صدر الفعل من أجله، وهو جعله آية للناس، ودل به على المسبب الذى هو الفعل.
وأما الاكتفاء بالمسبب عن السبب، فكقوله تعالى: «فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ» (٣)، أى: إذا أردت قراءة القرآن.
فاكتفى بالمسبب الذى هو القراءة عن السبب الذى هو الإرادة، والدليل على ذلك أنّ الاستعاذة قبل القراءة والذى دلت عليه أنّها بعد القراءة.
الضرب الثالث: الإضمار على شريطة التفسير، وهو أن يحذف من صدر الكلام ما يؤتى به فى آخره فيكون الآخر دليلا على الأول. وهو ثلاثة أوجه (٤):
стр. 218
- أن يأتى على طريق الاستفهام فتذكر الجملة الأولى دون الثانية، كقوله تعالى: «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» (١)، تقدير الآية:
أفمن شرح الله صدره للاسلام كمن أقسى قلبه؟ ويدل على المحذوف قوله «فويل للقاسية قلوبهم».
- أن يرد على حد النفى والإثبات، كقوله تعالى: «لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا» (٢). تقديره: لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ومن أنفق من بعده وقاتل، ويدل على المحذوف قوله:
«أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا».
- أن يرد على غير هذين الوجهين، فلا يكون استفهاما ولا نفيا وإثباتا كقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ» (٣) فالمعنى فى الآية: والذين يعطون ما أعطوا من الصدقات وسائر القرب الخالصة لوجه الله تعالى «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» أى: خائفة من أن ترد عليهم صدقاتهم فحذف قوله: ويخافون أن ترد عليهم هذه النفقات، ودل عليه بقوله «وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ» فظاهر الآية أنّهم وجلون من الصدقة وليس من وجلهم لأجل الصدقة، وإنّما وجلهم لأجل خوف الرد المتصل بالصدقة.
وكقول أبى تمام:
يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنّما حسناته آثام
стр. 219
التقدير: أنه يتجنب الآثام فاذا تجنبها فقد أتى بحسنة ثم يخاف أن لا تكون تلك الحسنة مقبولة، فكأنما حسناته آثام
فلم يخف الحسنة لكونها حسنة وإنّما خاف ما يتصل بها من الرد فكأنها مخوفة كما تخاف الآثام.
ومنه قول أبى نواس:
سنّة العشّاق واحدة ... فاذا أحببت فاستكن
فحذف الاستكانة من الأول وذكرها فى المصراع الثانى، لأنّ التقدير:
سنة العاشقين واحدة وهى أن يستكينوا ويتضرعوا، فاذا أحببت فاستكن.
الضرب الرابع: ما ليس بسبب ولا مسبب، ولا إضمار على شريطة التفسير، ولا استئناف.
فمن حذف الجمل المفيدة فيه قوله تعالى: «قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ. ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ. وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ» (١)، فانه حذف من هذا الكلام جملة مفيدة تقديرها: فرجع الرسول فأخبرهم بمقالة يوسف فعجبوا لها أو فصدقوه عليها وقال الملك:
«ائتونى به».
ومن حذف الجمل غير المفيدة قوله تعالى: «يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا* قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا* قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً* قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
стр. 220
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا* يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا» (١).
هذا الكلام قد حذف منه جملة دل عليها صدره وهو البشرى بالغلام وتقديرها: ولما جاءه الغلام ونشأ وترعرع قلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، فالجملة المحذوفة ليست من الجمل المفيدة.
ومما ورد على ذلك شعرا قول المتنبى:
لا أبغض العيس لكّنى وقيت بها ... قلبى من الهمّ أو جسمى من السّقم
وفى هذا البيت حذف، والتقدير: لا أبغض العيس لإنضائى إياها فى الأسفار ولكنى وقيت بها كذا وكذا، فالثانى دليل على حذف الأول.
ومما يتصل بهذا الضرب حذف ما يجئ بعد «أفعل» مثل: «الله أكبر» أى: أكبر من كل كبير. وعليه ورد قول
البحترى:
الله أعطاك المحبّة فى الورى ... وحباك بالفضل الذى لا ينكر
ولأنت أملأ فى العيون لديهم ... وأجلّ قدرا فى الصدور وأكبر
أى: أنت أملأ فى العيون من غيرك (٢).
...
стр. 221
الاطناب
تعريفه:
الإطناب- لغة- مصدر أطنب فى كلامه إطنابا، إذا بالغ فيه وطوّل ذيوله لإفادة المعانى. واشتقاقه من قولهم: «أطنب بالمكان» إذا طال مقامه فيه.
والإطناب- اصطلاحا- زيادة اللفظ على المعنى لفائدة.
وقد شغل هذا الأسلوب النقاد منذ عهد مبكر وعرض له الجاحظ، وعقد له البلاغيون فصولا ضافية، من ذلك ما فعله أبو هلال العسكرى الذى ذكر فى مطلع البحث حجة أصحاب الإطناب، فقد قالوا: «المنطق إنّما هو بيان، والبيان لا يكون إلّا بالإشباع، والشفاء لا يقع إلّا بالإقناع، وأفضل الكلام أبينه، وأبينه أشده إحاطة بالمعانى، ولا يحاط بالمعانى إحاطة تامة إلّا بالاستقصاء، والإيجاز للخواص، والإطناب مشترك فيه الخاصة والعامة، والغبى والفطن، والريض والمرتاض، ولمعنى ما أطيلت الكتب السلطانية فى إفهام الرعايا» (١). ولكن أبا هلال يرى أنّ الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما فى الكلام، وهذا هو الصحيح لتتم المطابقة لمقتضى الحال.
وكان ابن الأثير من أكثر البلاغيين اهتماما بهذا الأسلوب، وقد عرّفه بقوله: «هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة» (٢).
وعرفه ابن قيم الجوزية بقوله: «هو زيادة فى اللفظ لتقوية المعنى» (٣) ويتفق هذا التعريف مع التعريفات الأخرى التى لا تكاد تخرج عن هذا المعنى
стр. 222
وهو أنّ الإطناب زيادة اللفظ لغرض يقصد إليه المتكلم، وإلّا كان إطالة لا يقتضيها المقام.
والتطويل من المصطلحات التى تتردد، وقد ذم بعضهم هذا الأسلوب وميّز بينه وبين الإطناب فقال أبو هلال: «فالإطناب بلاغة والتطويل عى، لأنّ التطويل بمنزلة سلوك ما يبعد جهلا بما يقرب، والإطناب بمنزلة سلوك طريق بعيد نزه يحتوى على زيادة فائدة» (١).
وفرّق ابن الأثير بينهما فقال فى التطويل إنّه «يدل على المعنى بلفظ يكفيك بعضه فى الدلالة عليه» (٢). وقال عنه: «هو زيادة اللفظ عن المعنى لغير فائدة» (٣)، فى حين قال عن الإطناب إنه «زيادة اللفظ على المعنى لفائدة» (٤)، واذا حذفت منه الزيادة المؤكدة للمعنى تغير ذلك المعنى وزال ذلك التأكيد عنه وذهبت فائدة التصوير والتخييل التى تفيد السامع ما لم يكن إلّا بها، فقوله تعالى: «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (٥) لا يسمى إيجازا لأنه أتى فيه بزيادة لفظ هى «الصدور» ولا يسمى تطويلا لأن التطويل لا فائدة فيه أصلا وهذا فيه فائدة ولذلك سمى إطنابا، وليس كذلك التطويل فالبيت:
طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى غاية من يبتدرها يقدّم
فيه تطويل لأنّ لفظة «المطايا» فضلة لا حاجة إليها (٦)
стр. 223
وفرّق الخطيب القزوينى بين الإطناب والتطويل ولكنه قال عن الثانى:
«وهو ألا يتعين الزائد فى الكلام» (١) وسمّى الذى يتعين فيه الزائد حشوا.
أقسامه:
يأتى الإطناب على أشكال مختلفة منها:
[- الإيضاح بعد الإبهام:]
- الإيضاح بعد الإبهام: ويأتى لأغراض:
الأول: ليرى المعنى فى صورتين مختلفتين.
الثانى: ليتمكن فى النفس فضل تمكن، فان المعنى إذا ألقى على سبيل الإجمال والإبهام تشوّقت نفس السامع إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح.
الثالث: لتكمل اللذة بالعلم به، فانّ الشئ إذا حصل كمال العلم به دفعة لم يتقدم حصول اللذة به ألم وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول فيحصل لها بسبب المعلوم لذة.
الرابع: لتفخيم الأمر وتعظيمه.
ومثال هذا الأسلوب قوله تعالى: «وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ» (٢)، فان «أنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين» إيضاح للإبهام الذى تضمنه لفظ «الأمر» وفيه تفخيم للأمر وتعظيم له.
ومنه قوله تعالى: «قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» (٣)، فان قوله «اشرح لى» يفيد طلب شرح لشئ ما، وقوله «صدرى» يفيد تفسيره وبيانه، وكذلك قوله: «وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي» والمقام مقتض للتأكيد.
стр. 224
ومن الإيضاح بعد الإبهام باب «نعم وبئس» إذ لو لم يقصد الإطناب لقيل «نعم محمد» و «بئس زيد».
ومنه «التوشيع» وهو أن يؤتى فى عجز الكلام بمثنى مفسر باسمين أحدهما معطوف على الآخر، كما جاء فى الخبر: «يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان: الحرص وطول الأمل».
ومنه قول الشاعر:
سقتنى فى ليل شبيه بشعرها ... شبيهة خديها بغير رقيب
فما زلت فى ليلين: شعر وظلمة ... وشمسين: من خمر، ووجه حبيب
ومنه قول ابن الرومى:
إذا أبو قاسم جادت لنا يده ... لم يحمد الأجودان: البحر والمطر
وإن أضاءت لنا أنوار غرّته ... تضاءل النيرّان: الشّمس والقمر
وإن نضا حدّه أوسلّ عزمته ... تأخر الماضيان: السيف والقدر
من لم يبت حذرا من سطو صولته ... لم يدر ما المزعجان: الخوف والحذر
ينال بالظن ما يعيى العيان به ... والشاهدان عليه: العين والأثر
стр. 225
وقول البحترى:
لما مشين بذى الأراك تشابهت ... أعطاف قضبان به وقدود
فى حلّتى حبر وروض فالتقى ... وشيان: وشى ربى ووشى برود
وسفرن فامتلأت عيون راقها ... وردان: ورد جنى وورد خدود (١)
[- ذكر الخاص بعد العام:]
- ذكر الخاص بعد العام: ويؤتى به للتنبيه على فضل الخاص حتى كأنه ليس من جنس العام تنزيلا للتقارير فى الوصف منزلة التقارير فى الذات، كقوله تعالى: «حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ، وَالصَّلاةِ الْوُسْطى» (٢) وقد خصّ «الصلاة الوسطى» - وهى صلاة العصر- بالذكر لزيادة فضلها.
ومنه قوله تعالى: «مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ» (٣) و «جبريل» و «ميكائيل» من الملائكة.
وقوله: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ» (٤)، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر داخل فى الخير ولكنه تعالى خصهما.
ومنه قول المتنبى:
فان تفق الأنام وأنت منهم ... فان المسك بعض دم الغزال
стр. 226
وقول ابن الرومى:
كم من أب قد علا بابن ذرا شرف ... كما علت برسول الله عدنان (١)
[- ذكر العام بعد الخاص:]
- ذكر العام بعد الخاص: ويؤتى به لإفادة العموم مع العناية بشأن الخاص.
قال الزركشى: «وهذا أنكر بعض الناس وجوده، وليس بصحيح» (٢) ومثّل له بقوله تعالى: «إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي» (٣)، والنسك العبادة، فهو أعم من الصلاة.
ومنه قوله: «أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ، وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (٤).
[- التكرير:]
- التكرير: وهو أن يأتى المتكلم بلفظ ثم يعيده بعينه سواء كان اللفظ متفق المعنى أم مختلفا، أو يأتى بمعنى ثم يعيده (٥).
ويؤتى به لأغراض:
الأول: التأكيد، كقوله تعالى: «كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ» (٦)، وفى «ثم» دلالة على أنّ الإنذار الثانى أبلغ وأشد.
الثانى: زيادة التنبيه على ما ينفى التهمة ليكمل تلقى الكلام بالقبول، ومنه قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ. يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ» (٧)، فانه كرر فيه النداء لذلك.
стр. 227
الثالث: إذا طال الكلام وخشى تناسى الأول أعيد ثانيا تطرية له وتجديدا لعهده، كقوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ، ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ» (١).
الرابع: فى مقام التعظيم والتهويل، كقوله تعالى: «الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ» (٢) وقوله: «الْقارِعَةُ. مَا الْقارِعَةُ» (٣)، وقوله: «إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ. وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ» (٤).
الخامس: التعجب، كقوله تعالى: «فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ» (٥) فأعيد تعجبا من تقديره وإصابته الغرض.
السادس: لتعدد المتعلق، كما كرّره تعالى من قوله: «فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ» * فى سورة الرحمن، فانها وإن تعددت فكل واحد منها متعلق بما قبله.
السابع: الترغيب فى قبول النصح، كقوله تعالى: «وَقالَ الَّذِي آمَنَ: يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ. يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ» (٦)، فقد كرر «يا قوم» لتعطيف قلوبهم.
الثامن: التلذذ بذكر المكرر، كقول الشاعر:
سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبّذا نجد على القرب والبعد
التاسع: إظهار التحسر كقول الحسين بن مطير يرثى معن بن زائدة:
стр. 228
فيا قبر معن أنت أوّل حفرة ... من الأرض خطّت للسماحة موضعا
ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البرّ والبحر مترعا
ويؤتى لغير ذلك من الأغراض التى يحددها المقام (١).
[- الإيغال:]
- الإيغال: واختلف فى معناه، فقيل: هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها، كزيادة المبالغة فى قول الخنساء:
وإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم فى رأسه نار
فهى لم تقف عند تشبيهه بالجبل المرتفع بل أضافت النار فى رأسه.
وقيل إنّه لا يختص بالنظم، ومن ذلك قوله تعالى «اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ» (٢).
ولذلك فتعريفه بأنه «الإتيان فى مقطع البيت وعجزه أو فى الفقرة الواحدة بنعت لما قبله مفيد للتأكيد والزيادة» (٣) يجمع النوعين.
[- التذييل:]
- التذييل: قال ابن سنان: «هو أن يكون اللفظ زائدا على المعنى وفاضلا عنه» (٤)، ويفهم من هذا التعريف أنّه يريد «التطويل»، أو الإطناب، لأنّه قسّم دلالة الألفاظ على المعانى ثلاثة أقسام: المساواة والتذييل والإشارة، وليس كذلك تعريف المتأخرين، فهو «تعقيب الجملة بجملة تشتمل على
стр. 229
معناها للتوكيد» (١). وقد قال أبو هلال عن هذا الأسلوب: «فأما التذييل فهو إعادة الألفاظ المترادفة على المعنى بعينه حتى يظهر لمن لم يفهمه ويتوكد عند من فهمه، وهو ضد الإشارة والتعريض. وينبغى أن يستعمل فى المواطن الجامعة والمواقف الحافلة، لأن تلك المواطن تجمع البطئ الفهم، والبعيد الذهن، والثاقب القريحة، والجيد الخاطر، فاذا تكررت الألفاظ على المعنى الواحد توكد عند الذهن اللقن وصحّ للكليل البليد» (٢).
والتذييل ضربان:
الأول: لا يخرج مخرج المثل لعدم استقلاله بافادة المراد وتوقفه على ما قبله كقوله تعالى: «ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» (٣) أى: هل نجازى ذلك الجزاء الذى يستحقه الكفور إلّا الكفور، فان جعلنا الجزاء عاما كان الثانى مفيدا فائدة زائدة.
ومنه قول الشاعر:
فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل
فالشطر الثانى تذييل ولكنه غير مستقل عن الأول.
وقول المتنبى:
وما حاجة الأضعان حولك فى الدجى ... إلى قمر؟ ما واجد لك عادمه (٤)
فقوله «ما واجد لك عادمه» تذييل.
стр. 230
وقول ابن نباتة السعدى:
لم يبق جودك لى شيئا أؤمله ... تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل
فقوله: «تركتنى أصحب الدنيا بلا أمل» تذييل غير مستقل عن الجملة السابقة.
الثانى يخرج مخرج المثل لاستقلاله بنفسه، كقوله تعالى: «وَقُلْ: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً» (١)، فقوله: «إنّ الباطل كان زهوقا» تذييل وهو مستقل عن السابق ولذلك يخرج مخرج المثل.
ومنه قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» (٢)، فقوله «كل نفس ذائقة الموت» مستقلة ويضرب بها المثل. ويصحّ أن يكون قوله «أفإن متّ فهم الخالدون» من الضرب الأول أيضا. وقوله: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (٣)، فقوله «إنّ النفس لامّارة بالسوء» تذييل يضرب به المثل.
ومنه قول النابغة الذبيانى:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرجال المهذّب
فقوله «أىّ الرجال المهذب» تذييل وهو مستقل عما قبله ولذلك يضرب به المثل.
وقول أبى نواس:
عرم الزمان على الذين عهدتهم ... بك قاطنين، وللزمان عرام (٤)
فقوله «وللزمان عرام» تذييل وهو مثل.
стр. 231
ومنه قول إبراهيم بن المهدى فى رثاء ولده:
تبدّل دارا غير دار وجيرة ... سواى، وأحداث الزمان تنوب
فقوله «وأحداث الزمان تنوب» مثل، وهو مستغن عما قبله.
والتذييل:
- إما لتأكيد منطوق كلام، كقوله تعالى: «وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً».
- وإما لتأكيد مفهومه كبيت النابغة:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أىّ الرجال المهذّب
[- التكميل:]
- التكميل: وهو الاحتراس، غير أنّ بدر الدين بن مالك يذكر فى كتابه «المصباح» (١) نوعين هما:
الأول: الاحتراس: وهو أن تأتى فى المدح أو غيره بكلام فتراه مدخولا بعيب من جهة دلالة منطوقه أو فحواه فتردفه بكلام آخر لتصونه عن احتمال الخطأ. ومنه قول الخنساء:
ولولا كثرة الباكين حولى ... على إخوانهم لقتلت نفسى
ففطنت لتوجه أن يقال لها قد ساويت أخاك بالهالكين من إخوان الناس فلم فرطت فى الجزع عليه، فاحترست بقولها:
وما يبكون مثل أخى ولكن ... أعزّى النّفس عنه بالتأسى
الثانى: التكميل: وهو أن تأتى فى شئ من الفنون بكلام فتراه ناقصا لكونه مدخولا بعيب من جهة دلالة مفهومه فتكمله بجملة ترفع عنه النقص.
ومنه قول السموأل:
стр. 232
وما مات منا سيّد فى فراشه ... ولا طلّ منا حيث كان قتيل (١)
فرأى أنّه وصف قومه بالصبر على القتل دون الانتصار من قاتليهم فكمله بالشطر الثانى.
وجمع معظم البلاغيين بين المصطلحين وقال القزوينى: «وأما التكميل ويسمى الاحتراس أيضا وهو أن يؤتى فى كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه» (٢)، أى يدفع ذلك التوهم. وهو ضربان:
الأول: ضرب يتوسط الكلام، كقول طرفة:
فسقى ديارك- غير مفسدها- ... صوب الربيع وديمة تهمى
فقوله «غير مفسدها» احتراس عن أن تذهب معالمها.
وقول الآخر:
لو أن عزّة خاصمت شمس الضّحى ... فى الحسن عند موفّق لقضى لها
فقوله «عند موفق» تكميل واحتراس من أنّها تقاضى الشمس عند حاكم غير موفق.
وقول ابن المعتز:
صببنا عليها- ظالمين- سياطنا ... فطارت بها أيد سراع وأرجل
فقوله «ظالمين» احتراس وتكميل، ولو حذفها الشاعر لفهم أن فرسه بطيئة تستحق الضرب.
стр. 233
الثانى: ضرب يقع فى آخر الكلام، كقوله تعالى: «فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ» (١)، فانه لو اقتصر على وصفهم بالذلّة على المؤمنين لتوهم أنّ ذلتهم لضعفهم، فلما قال «أعزة على الكافرين» علم أنّها منهم تواضع لهم.
ومنه قول عنترة:
اثنى علىّ بما علمت فانّنى ... سهل مخالفتى إذا لم أظلم
فقوله «إذا لم أظلم» احتراس دل به على أنّه قد يخالف فيرجع إلى الحق راضيا ولكنه لا يقبل الظلم.
[- التتميم:]
- التتميم: وهو أن يؤتى فى كلام لا يوهم خلاف المقصود بفضلة (٢) تفيد نكتة (٣)، أو كما قال العلوى: «هو تقييد الكلام بفضلة» (٤).
ويأتى لأغراض:
الأول: المبالغة، كقوله تعالى: «وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ» (٥)، أى: مع حبه، والضمير للطعام أى مع اشتهائه والحاجة إليه. ومنه: «وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ» (٦)، وقوله: «لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ» (٧)
ومنه قول زهير:
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة منه والندى خلقا
فقوله «على علاته» تتميم للمبالغة.
стр. 234
الثانى: الصيانة عن احتمال الخطأ فترد رافعة له. ومنه قول الشاعر:
لئن كان باقى عيشنا مثل ما مضى ... فللحبّ إن لم يدخل النار أروح
فقوله «إن لم يدخل النار» معناه سلامة العاقبة، وقد أتم به المعنى صيانة عن احتمال الخطأ، فقد أراد أنّ أول الحب لذة وراحة فان كان آخره مثل أوله فهو لا محالة أحمد عاقبة، لكن أن تكون العاقبة سليمة.
الثالث: استقامة الوزن، ومنه قول المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... يا جنّتى لرأيت فيه جهنما
فقوله «يا جنتى» أتى بها من أجل استقامة الوزن (١).
[- الاعتراض:]
- الاعتراض: وهو كثير فى الأساليب العربية، وقد قال ابن جنى:
«اعلم أنّ هذا القبيل من هذا العلم كثير قد جاء فى القرآن وفصيح الشعر ومنثور الكلام وهو جار عند العرب مجرى التأكيد فلذلك لا يشنع عليهم ولا يستنكر عندهم» (٢).
وقال القزوينى فى تعريفه: «وهو أن يؤتى فى أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى، بجملة أو أكثر لا محلّ لها من الإعراب لنكتة سوى ما ذكر فى تعريف التكميل» (٣). ومنهم من يذهب إلى أنّ الاعتراض هو الحشو (٤)، وفرّق ابن حجة الحموى بينهما، وقال: «والفرق بينهما ظاهر، وهو أنّ الاعتراض يفيد زيادة فى غرض المتكلم والناظم، والحشو إنّما يأتى لإقامة الوزن لا غير» (٥).
стр. 235
وللاطناب بالاعتراض أغراض بلاغية منها:
الأول: التنزيه: كقوله تعالى: «وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ- سبحانه- وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ» (١)، ف «سبحانه» تضمنت تنزيها لله تعالى عن البنات.
الثانى: التعظيم: كقوله تعالى: «فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ- لَوْ تَعْلَمُونَ- عَظِيمٌ» (٢).
الثالث: الدعاء، كما فى قول عوف بن محلم يشكو كبره:
إنّ الثمانين- وبلّغتها- ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وقول المتنبى:
وتحتقر الدنيا احتقار مجرّب ... يرى كل ما فيها- وحاشاك- فانيا
وقوله «حاشاك» دعاء حسن فى موضعه.
الرابع: التنبيه، كقول الشاعر:
واعلم- فعلم المرء ينفعه- ... أن سوف يأتى كلّ ما قدرا
ومنه قول أبى خراش الهذلى يذكر أخاه عروة:
تقول أراه بعد عروة لاهيا ... وذلك رزء- لو علمت- جليل
فلا تحسبى أنّى تناسيت عهده ... ولكنّ صبرى- يا أميم- جميل
فقوله «لو علمت» و «يا أميم» جملتان اعتراضيتان تفيدان التنبيه على عظم المصاب وعلى تجلده وصبره.
الخامس: المبادرة إلى اللوم، كقول كثير عزة:
لو انّ الباخلين- وأنت منهم- ... رأوك تعلّموا منك المطالا
стр. 236
السادس: التحسر، كقول إبراهيم بن المهدى فى رثاء ابنه:
وإنّى- وإن قدّمت قبلى- لعالم ... بأنّى- وقد أخّرت- منك قريب
السابع: الاستعطاف، ومثل له السبكى (١) ببيت المتنبى:
وخفوق قلب لو رأيت لهيبه ... - يا جنّتى- لرأيت فيه جهنما
ووجه حسن الاعتراض «حسن الإفادة مع أنّ مجيئه مجئ مالا معول عليه فى الإفادة فيكون مثله مثل الحسنة تأتيك من حيث لا ترتقبها» (٢)
وهذا هو النوع المفيد من الاعتراض، أمّا الذى يأتى لغير فائدة فهو على وجهين:
الأول: أن يكون غير مفيد لكنه لا يكسب الكلام حسنا ولا قبحا، كقول زهير:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا- لا أبالك- يسأم
فقوله «لا بالك» ليس فيه فائدة توكيد، وليس فيه قبح.
الثانى: أن يكون غير مفيد لكنه يكون قبيحا لخروجه عن قوانين العربية وانحرافه عن أقيستها، كقول الشاعر:
فقد والشك بيّن لى عناء ... بوشك فراقهم صرد يصيح
ف «الشك» هنا قبيح.
وهذا النوع يكون أقبح فى النثر ولذلك لم يأت فى فصيح كلام العرب وبليغه (٣).
стр. 237
المساواة
تلك أساليب الإيجاز والإطناب، وما عدا ذلك فهو أسلوب المساواة التى عرفها البلاغيون بأنها تساوى اللفظ والمعنى بحيث لا يزيد أحدهما على الآخر (١) أو هى «أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد لا ناقصا عنه بحذف أو غيره، ولا زائدا عليه بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض» (٢).
ومعرفة أساليب الإيجاز والإطناب تحدد أسلوب المساواة، ولذلك لم نشر إليها فى مطلع هذا الفصل كما فعل البلاغيون وإن كان تعريف بدر الدين ابن مالك يشير إلى أنّها لا تعرف إلا بعد تحديد الإيجاز والإطناب. يقول: «أما المساواة وهو أن يكون لفظ الكلام بمقدار معناه لا ناقصا عنه بحذف للاختصار ولا زائدا عليه بمثل الاعتراض والتتميم والتكرار» (٣). ومعنى ذلك أنّ معرفتها رهينة بأساليب الإيجاز والإطناب، فهى تالية لها فى العرض والتحديد.
ومن أجل ذلك تأخّر الحديث عنها ليسهل التمييز ويتضح القصد، أما الاتفاق على متعارف الأوساط فهو أمر من الصعب تحديده ليقاس عليه، وذلك لاختلاف الناس فى هذا المتعارف وتعدد الأغراض والأهداف التى ترسم الأسلوب الذى يقاس عليه الإيجاز والإطناب.
ويرى أبو هلال العسكرى أنّ المساواة هى المذهب المتوسط بين الإيجاز والإطناب، وإلى ذلك أشار القائل بقوله: «كأنّ ألفاظه قوالب لمعانيه» أى: لا يزيد بعضها على بعض (٤).
стр. 238
وقال حازم القرطاجنى: «لأن الكلام المتقطع الأجزاء، المنبتر التراكيب، غير ملذوذ ولا مستحلى، وهو يشبه الرشفات المتقطعة التى لا تروى غليلا. والكلام المتناهى فى الطول يشبه استقصاء الجرع المؤدى إلى الغصص، فلا شفاء مع التقطيع المخل، ولا راحة مع التطويل الممل، ولكن خير الأمور أوسطها» (١).
[امثله]
ومن أمثلة المساواة قوله تعالى: «حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ» (٢)
وقوله: «وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ» (٣)
وقوله: «وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» (٤)
وقوله: «وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ» (٥)
وقوله: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ» (٦)
وقوله: «وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ» (٧)
وقوله: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (٨).
ومنها قول النابغة الذبيانى:
فانك كالليل الذى هو مدركى ... وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع
стр. 239
وقول طرفة:
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول الآخر:
تهدى الأمور بأهل الرأى ما صلحت ... فان تأبّت فبالأشرار تنقاد
وقول الآخر:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علىّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النفس أنّك عندها ... قليل، ولكن قلّ منك نصيبها
وقول زهير:
ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وقوله:
إذا أنت لم تقصر عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل
وفى هذه الأمثلة مساواة بين اللفظ والمعنى، وهذا الأسلوب لا يستغنى عنه متكلم، وهو كالإيجاز والإطناب من مقتضيات الأحوال.
стр. 240
الفصل السادس الخروج على مقتضى الظاهر
الأصل فى الكلام أن يكون على مقتضى الظاهر ولكنه قد يخرج على خلافه لنكتة أو سبب من الأسباب، ولهذا الخروج أساليب مختلفة منها:
وضع المضمر موضع المظهر:
والمراد بموضع المظهر أن يتقدم ما يعود عليه، كقولهم ابتداء من غير جرى ذكر لفظا أو قرينة حال «نعم رجلا زيد وبئس رجلا عمرو»، فان فى «نعم» ضميرا، وكان أصله «نعم الرجل» و «زيد» خبر مبتدأ، أى هو زيد، أو مبتدأ محذوف خبره أى زيد هو.
ومنه قول الشاعر:
نعم امرءا هرم لم تعر نائبة ... إلّا وكان لمرتاع بها وزرا
ومنه قوله تعالى: «بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا» (١).
وكما فى ضمير الشأن والقصة كقوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» (٢)، وقوله: «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ، وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (٣)
ويؤتى بذلك ليتمكن فى ذهن السامع ما يعقبه، وذلك أنّ السامع متى لم يفهم من الضمير معنى بقى منتظرا لعقبى الكلام كيف تكون فيتمكن المسموع بعده فضل تمكن فى ذهنه، وهو السر فى التزام تقديمه (٤).
стр. 241
وضع المظهر موضع المضمر:
فان كان ذلك الظاهر اسم إشارة ففائدته:
- كمال العناية فى ترك مقتضى الظاهر إلى غيره لاختصاصه بحكم غريب، كقول ابن الراوندى:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذى ترك الأوهام حائرة ... وصيّر العالم النحرير زنديقا
فالمشار إليه هو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا، أو إعياء مذاهب العاقل ورزق الجاهل.
- التهكم بالسامع والتعجب من أمره، كقوله تعالى: «ص، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ» (١).
فالإتيان باسم الإشارة فى قوله «هذا ساحر كذّاب» إنّما هو للتهكم من الكفار.
- التنبيه على كمال بلادة السامع، كأن يقال: «من الحاكم؟» فيقال فى الجواب «ذلك محمد» بدل «هو محمد».
- التنبيه على كمال فطنة السامع، وذلك أن يكون غير المحسوس عنده كالمحسوس. ومثال ذلك أن يقال «هذه قضية مهمة» بدل «هى قضية مهمة».
- ادعاء كمال ظهور المسند إليه عند المتكلم ولو لم يكن ظاهرا فى نفسه، وذلك أن يقال «هذه مسألة واضحة» بدل «هى مسألة واضحة». وإن كان المظهر غير اسم إشارة فالعدول إليه عن الضمير يأتى لأسباب منها:
стр. 242
- زيادة تمكين المسند إليه فى ذهن السامع كقوله تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ» (١)
- إدخال الروع والمهابة فى قلب السامع أو تقوية ما يدعو المخاطب إلى الامتثال والطاعة ومثاله «الحاكم يأمرك، بل أنا آمرك».
- الاستعطاف، كقول الشاعر
إلهى عبدك العاصى أتاكا ... مقرا بالذنوب وقد دعاكا
وهذه صور المسند إليه، أما صور الخروج على مقتضى الظاهر فى غير ذلك فكقول عبد الله ابن الدمينة:
تعاللت كى أشجى وما بك علّة ... تريدين قتلى قد ظفرت بذلك
وكان مقتضى الظاهر أن يقول «قد ظفرت به» ولكنه عدل عنه وقال «قد ظفرت بذلك». ومنه قوله تعالى: «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ» (٢) وكان مقتضى الظاهر أن يقول «وبه نزل».
وقوله: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» (٣)، وكان مقتضى الظاهر أن يقول «فتوكل على» (٤)
وليس فى دراسة البلاغيين لهذا الأسلوب غير ما ذكرنا، أمّا الذين عنوا بعلوم القرآن فكانت نظرتهم أوسع ومسائلهم أكثر تشعبا واستيعابا. ولعل الزركشى من أبرز الذين بحثوا هذا الموضوع، وقد قال عن وضع الظاهر
стр. 243
موضع المضمر: «والعجيب أن البيانيين لم يذكروه فى أقسام الإطناب» (١) وذكر أن منه قول النابغة الجعدى:
إذا الوحش ضمّ الوحش فى ظللاتها ... سواقط من حرّ وقد كان أظهرا (٢)
ولو أتى على وجهه لقال: «إذا الوحش ضمها».
ومنه قوله تعالى: «وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ» ثم قال: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ» (٣) ولم يقل «يؤذونه» مع ما فى ذلك من التعظيم.
وقرر الزركشى أنّ الأصل فى الأسماء أن تكون ظاهرة وأصل المحدث عنه كذلك، والأصل أنّه إذا ذكر ثانيا أن يذكر مضمرا للاستغناء عنه بالظاهر السابق كما أنّ الأصل فى الأسماء الإعراب وفى الأفعال البناء، وإذا جرى المضارع مجرى الاسم أعرب كقوله تعالى: «فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (٤)، وقوله: «فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» (٥)، وقوله: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» (٦).
[اسباب الخروج]
وللخروج على خلاف الأصل أسباب:
أحدها: قصد التعظيم، كقوله تعالى: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ،
стр. 244
وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (١)، وقوله: «أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (٢).
الثانى: قصد الإهانة والتحقير، كقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» (٣)، وقوله: «إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً» (٤).
ومنه قول الشاعر:
فما للنّوى لا بارك الله فى النوى ... وعهد النوى عند الفراق ذميم
الثالث: الاستلذاذ بذكره، كقوله تعالى: «وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ» (٥) إن كان الحق الثانى هو الأول.
وقوله: «مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً» (٦)، وقوله:
«وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ» (٧)، ولم يقل «منها» ولهذا عدل عن ذكر الأرض إلى الجنة وإن كان المراد بالأرض الجنة.
الرابع: زيادة التقدير، كقوله تعالى: «اللَّهُ الصَّمَدُ» بعد قوله «اللَّهُ أَحَدٌ» (٨) ويدل على إرادة التقدير سبب نزولها، وهو ما نقل عن ابن عباس أنّ قريشا قالت: يا محمد صف لنا ربك الذى تدعوننا إليه فنزل «الله أحد» معناه أنّ الذى سألتمونى وصفه هو الله، ثم لما أريد تقدير كونه «الله» أعيد بلفظ الظاهر دون ضميره.
стр. 245
ومنه قوله تعالى: «يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ» (١).
الخامس: إزالة اللبس حيث يكون الضمير يوهم أنّه غير المراد كقوله تعالى «قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ» (٢)، لو قال «تؤتيه» لأوهم أنه الأول.
ومنه قوله تعالى: «الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ» (٣) كرر «السوء» لأنه لو قال «عليهم دائرته» لالتبس بأن يكون الضمير عائدا إلى الله تعالى.
السادس: أن يكون القصد تربية المهابة وإدخال الروعة فى ضمير السامع بذكر الاسم المقتضى لذلك كما يقول الحاكم لمن يأمره بأمر «الحاكم يأمرك بكذا» مكان «أنا آمرك بكذا». ومنه قوله تعالى: «الْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ» (٤) وقوله: «وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ» (٥)، ولم يقل «لخزنتها».
السابع: قصد تقوية داعية المأمور، كقوله تعالى: «فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» (٦)، ولم يقل «علىّ»، وحين قال «على الله» لم يقل «إنه يحب» أو «إنى أحب» تقوية لداعى المأمور بالتوكل بالتصريح باسم المتوكل عليه.
الثامن: تعظيم الأمر، كقوله تعالى: «أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا
стр. 246
كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ» (١)، وقوله: «هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً. إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ» (٢)، ولم يقل «خلقناه» للتنبيه على عظم خلقه للانسان.
ومنه قوله تعالى: «يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا» (٣) فإنما أعيد لفظ «الجبال» والقياس الاضمار لتقدم ذكرها، ولو لم يذكر «الجبال» لاحتمل عود الضمير إلى الأرض.
التاسع: أن يقصد التوصل بالظاهر إلى الوصف، كقوله تعالى:
«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ» (٤) بعد قوله فى صدر الآية «إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...» دون «فآمنوا بالله وبى» ليتمكن من إجراء الصفات التى ذكرها من النبى الأمى الذى يؤمن بالله، فانه لو قال «وبى» لم يتمكن من ذلك لأنّ الضمير لا يوصف ليعلم أنّ الذى وجب الإيمان به والاتباع له هو من وصف بهذه الكلمات كائنا من كان أنا أو غيرى إظهارا للنصفة وبعدا من التعصب لنفسه.
العاشر: التنبيه على علة الحكم، كقوله تعالى: «فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ» (٥)، وقوله: «فَإِنَّ اللَّهَ» (٦) دون «فانه».
الحادى عشر: قصد العموم، كقوله تعالى: «حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها» (٧) ولم يقل «استطعمهم» للاشعار بتأكيد العموم وأنهما
стр. 247
لم يتركا أحدا من أهلها إلّا استطعماه وأبى، ومع ذلك قابلهم بأحسن الجزاء، وفيه التنبيه على محاسن الأخلاق ودفع السيئة بالحسنة.
ومنه قوله تعالى: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (١) فإنه لو قيل: «إنّها لأمارة» لاقتضى تخصيص ذلك فأتى بالظاهر ليدل على أنّ المراد التعميم مع أنه برئ من ذلك بقوله بعده «إلا ما رحم ربى» وقوله «إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ
رَحِيمٌ».
ولم يقل «إنّه» إما للتعظيم وإما للاستلذاذ.
الثانى عشر: قصد الخصوص، كقوله تعالى: «وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ» (٢) ولم يقل «لك» لأنه لو أتى بالضمير لأخذ جوازه لغيره كما فى قوله تعالى: «وَبَناتِ عَمِّكَ» فعدل عنه إلى الظاهر للتنبيه على الخصوصية وإنه ليس لغيره ذلك.
الثالث عشر: مراعاة التجنيس كقوله تعالى: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ. مَلِكِ النَّاسِ. إِلهِ النَّاسِ. مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ. الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ. مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ» (٣).
الرابع عشر: أن يتحمل ضميرا لا بدّ منه، كقوله تعالى: «أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها» (٤).
الخامس عشر: كونه أهم من الضمير، كقوله تعالى: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» (٥) وقال بعضهم إن أعيدت «إحداهما» لتعادل الكلم وتوازن الألفاظ فى التركيب، وهو المعنى فى الترصيع البديعى بل هذا أبلغ من الترصيع فان الترصيع توازن الألفاظ من حيث صيغها وهذا من حيث تركيبها فكأنه ترصيع معنوى. والآية متضمنة لقسمين: قسم
стр. 248
الضلال وقسم التذكير فأسند الفعل الثانى إلى ظاهر حيث أسند الأول ولم يوصل بضمير مفصول لكون الأول لازما فأتى بالثانى على صورته من التجرد عن المفعول ثم أتى به خبرا بعد اعتدال الكلام وحصول التماثل فى تركيبه.
السادس عشر: كون ما يصلح للعود ولم يسق الكلام له، كقوله تعالى: «رُسُلُ اللَّهِ، اللَّهُ أَعْلَمُ» (١).
السابع عشر: الإشارة إلى عدم دخول الجملة فى حكم الأولى، كقوله تعالى: «فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ» (٢)، فان «يمحو» استئناف وليس عطفا على الجواب، لأن المعلق على الشرط عدم قبل وجوده.
ولم يذكر البلاغيون إلّا بعض هذه الدواعى والأسباب الكثيرة التى وردت فى كتاب الله تعالى.
القلب:
[تعريفه]
وهو الخروج على مقتضى الظاهر، وذلك أن يجعل أحد أجزاء الكلام مكان الآخر والآخر مكانه على وجه يثبت حكم كل منهما للآخر (٣)
[الآراء فيه]
وفى كونه من أساليب البلاغة خلاف، وتتضح فيه ثلاثة آراء:
الأول: إنكاره، ومن أوائل الذين ذهبوا إلى ذلك سيبويه الذى يرد القلب إذا جاء فى الكلام ويصفه بالرداءة والبعد عن الجودة، يقول: «وأما قوله» أدخل فوه الحجر «فهذا جرى على سعة الكلام والجيد «أدخل فاه الحجر» كما قال: «أدخلت فى رأسى القلنسوة» والجيد أدخلت فى القلنسوة رأسى». قال الشاعر:
стр. 249
ترى الثور فيها مدخل الظّل رأسه ... وسائره باد إلى الشّمس أجمع
فوجه الكلام فيه هذا كراهية الانفصال» (١). والأصل أن يقول:
مدخل رأسه الظل، لأنّ الرأس هو الداخل فى الظل، والظل هو موضع الدخول.
ووقف الآمدى هذا الموقف من القلب فقال إنّ المتأخر لا يرخص له فى القلب، «لأنّ القلب إنّما جاء فى كلام العرب على السهو، والمتأخر إنّما يحتذى على أمثلتهم ويقتدى بهم وليس ينبغى أن يتبعهم فيما سهوا فيه» (٢).
وذكر رأى الذين يذهبون إلى أنّ القلب جاء فى كتاب الله كقوله: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ» (٣)، وقال إنّ هذا ليس بقلب وإنّما هو صحيح مستقيم، وإنما أراد الله تعالى: «ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ» أى: تميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره وقالوا إنّما المعنى «لتنوء العصبة».
وانتهى الآمدى إلى أنّ القلب القبيح لا يجوز فى الشعر ولا فى القرآن، وهو ما جاء فى كلام العرب على سبيل الغلط، وقال معقبا على بيت الفرزدق يصف ذئبا:
وأطلس عسّال وما كان صاحبا ... رفعت لنارى موهنا فأتانى (٤)
وإنما أراد رفعها للذئب وأنشده المبرد وقال: «القلب جائز للاختصار إذا لم يدخل الكلام لبس» كأنه يجيز ذلك للعرب الأوائل دون المتأخرين.
стр. 250
وما علمت أحدا قال «للاختصار» غيره، فلو قال: لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ذلك أشبه. ويجوز أن يكون الفرزدق فى هذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن» (١).
وتحدث ابن سنان الخفاجى عن هذا الأسلوب وقال: ومن وضع الألفاظ موضعها أن لا يكون الكلام مقلوبا فيفسد المعنى ويصرفه عن وجهه» (٢) ولذلك أمثلة مذكورة منها قول عروة بن الورد العبسى:
فلو أنّى شهدت أبا سعاد ... غداة غدا لمهجته يفوق
فديت بنفسه نفسى ومالى ... وما آلوك إلّا ما أطيق
يريد أن يقول: فديت نفسه بنفسى.
وكذلك بيت الفرزدق السابق فى وصف الذئب، وإنما النار هى المرفوعة للذئب. وحمل بعضهم على المقلوب قول المتنبى:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته ... فعجبت كيف يموت من لا يعشق
وتقديره: كيف لا يموت من يعشق.
وقال بعضهم إنّ الكلام جار على طريقته، والمراد به: كيف تكون المنية غير العشق، أى أن الأمر الذى يقدر فى النفوس أنه فى أعلى مراتب الشدة هو الموت، ولما ذقت العشق فعرفت شدته عجبت كيف يكون هذا الأمر الصعب المتفق على شدته غير العشق، وكيف يجوز أن لا تعم علته حتى تكون منايا الناس كلهم به. وكان هذا أشبه بمراد المتنبى من حمل الكلام على القلب.