← Баляга

Баляга · id 17376

أساليب بلاغية

أحمد مطلوب

Полный текст (288 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المقدمة بسم الله الرّحمن الرّحيم هذه محاضرات فى علم المعانى أريد بها أن تكمل ما بدأناه فى «فنون بلاغية» وتقدم صورة صادقة للبلاغة العربية وتطور موضوعاتها. وهى محاضرات أخذت من القديم خطوطها واعتمدت على السابقين فى فصولها، ولم ترجع إلى ما أثير فى هذه الأيام، لأن الهدف ليس تجديد البلاغة وإنما تقديم ما عند القدماء بأسلوب يجمع بين عباراتهم وينسّق آراءهم، لتكون منطلقا إلى التجديد. وقد اقتضى المقرر الذى ينبغى أن يلم به طالب اللغة العربية فى مرحلة دراسته الجامعية الأولى أن يكون لأهم أساليب البلاغة نصيب فى هذه المحاضرات التى انقسمت إلى قسمين: الأول: الفصاحة والبلاغة، وهى مقدمة ينبغى أن يعرفها الدارس لأنّها الأساس الذى ينطلق منها إلى أساليب البلاغة وفنونها، بل هى الغاية التى يصل إليها حينما ينهى تطوافه فى الموضوعات التى وضعت لتنير الطريق له فى دراسة الأدب. الثانى: علم المعانى، الذى كان أحد علوم البلاغة العربية حينما قسمها السكاكى إلى البيان والمعانى والمحسنات اللفظية والمعنوية أى البديع. وكان العرب قبل ذلك قد درسوا هذا العلم فى كتب النحو، ولعل كتاب سيبويه أصدق ما وصل إلينا وأقربه إلى ذوق العربية، لأنه عنى بالأساليب إلى جانب عنايته بالقواعد والأصول. وقد سمينا هذا القسم «أساليب

стр. 2

بلاغية» لأنه يتصل بأهم وسائل التعبير وصياغة الكلام. وليس أدل على ذلك من أنّ المتحدث أو الأديب لا ينطلق فى تصوير نفسه وعرض أفكاره إلّا من خلالها. فالخبر والإنشاء، والتعريف والتنكير، والذكر والحذف، والتقديم والتأخير، والقصر، والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب والمساواة، وخروج الكلام على مقتضى الظاهر- عمدة الكلام وزاد المنشئين. والدرس النحوى أولى بهذه الموضوعات لولا انصراف النحاة إلى العناية بالإعراب والبناء، والعوامل والتقديرات مما أبعد النحو عن هدفه وأحاله قواعد لا روح فيها. وسنظل نؤمن بأن هذه الدراسة من البلاغة حتى تعود إلى النحو أصالته وحتى نجد أساتذة النحو يغيّرون طرق تدريسه ويعنون بالأساليب البلاغية كعنايتهم بالقواعد والإعراب. إنّ دراسة الأساليب والوقوف عندها تفتح السبيل أمام الأديب مادام يكتب باللغة العربية، وهى لغة عريقة تشعبت فنون التعبير فيها وأصبحت طيعة لمن تعمق فيها وفهم أسرارها، ولن يكون المنشئ أديبا إذا نأى عن لغته وضرب عن أساليبها صفحا، وإنّه لمن أعجب العجب إذا لم ير فى الخبر والإنشاء، والتقديم والتأخير، والحذف والذكر، والإيجاز والإطناب وغيرها- فائدة وهى أصل الكلام وعمدة التعبير. ولن يغنى ما تقدّمه الكتب المترجمة والأساليب الغربية عما تتسم به لغة الضاد، وإن كانت تضيف أبعادا جديدة وتفتح آفاقا واسعة. وستبقى الأساليب البلاغية التى عرضت لها هذه المحاضرات خالدة ما دامت اللغة العربية حية فى العقول ونابضة فى القلوب، ولن يقدر على إنكارها من سولت له نفسه وظن أنّه سبق العصر وتخطّى الزمان. لقد سار البحث فى هذه المحاضرات كما سار فى «فنون بلاغية» ويتجلى ذلك فى أمرين: الأول: الوقوف على تعريفات القدماء وتقسيماتهم وآرائهم.

стр. 3

الثانى: الأخذ بالأمثلة التى ذكروها لئلا تتجرد القواعد والأصول من روحها التى ارتبطت بها حينما فكّر العرب الأوائل بضبط لغتهم وحفظها من الضياع. ولذلك لم يكن للجديد نصيب فيها، لأنّ فى ذلك ابتعادا عن منهج دراسة القديم وتجنيا على الأدب الحديث الذى خطا خطوات واسعة وكانت له مناهج درس جديرة بالتأمل العميق والنظر السليم والبحث الرصين. ولن يقدر على بحثه إلّا من وطن نفسه وأخلص النية، ووقف على القديم وأساليبه وعرف الحديث وفنونه، وليس ذلك بيسير. هذه ملامح محاضرات «أساليب بلاغية» جاءت كما بناها القدماء ليعرف الجيل الجديد ما كان من هذا العلم الذى لم ينضج ولم يحترق، ولتكون مقدمة لمن يريد أن يخطو باتزان فى طريق التجديد الذى من أول متطلباته قتل القديم درسا. ومن الله العون والتوفيق. الدكتور أحمد مطلوب أستاذ البلاغة والنقد فى كلية الآداب جامعة بغداد

стр. 4

الكتاب الأول الفصاحة والبلاغة

стр. 5

الفصل الأول الفصاحة فى اللغة: لفظة الفصاحة مما شاع وعرفه العرب بمفهومه اللغوى قبل أن تأخذ الألفاظ دلالتها الفنية. ونجد لها فى المعاجم دلالتين: الأولى: لغوية تقوم على المعنى الأول الذى وضعه العرب واستعملوه قبل أن تظهر علوم البلاغة والنقد. ففى لسان العرب: «يوم مفصح: لا غيم فيه ولا قر. أفصح اللبن: ذهب اللبأ عنه. فصح اللبن: إذا أخذت عنه الرغوة. قال فضلة السلمى: رأوه فاز دروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح فلم يخشوا مصالته عليهم ... وتحت الرغوة اللبن الفصيح أفصحت الشاة والناقة: خلص لبنها. أفصح الصبح: بدا ضوؤه واستبان، وكل ما وضح فقد أفصح، وكل واضح مفصح. ويقال: قد فصحك الصبح، أى: بان لك وغلبك ضوؤه. فصحه الصبح: هجم عليه» الثانية: دلالة تقرب من المعنى الاصطلاحى الذى تعارف عليه البلاغيون، ففى اللسان: «الفصاحة: البيان. فصح الرجل فصاحة فهو فصيح من قوم فصحاء وفصاح وفصح، وامرأة فصيحة من نسوة فصاح وفصائح. رجل فصيح وكلام فصيح، أى: بليغ. لسان فصيح، أى: طلق. وقد جاء فى الشعر فى وصف العجم: أفصح، يريد به بيان القول وإن كان بغير العربية، كقول أبى النجم: أعجم فى آذانها فصيحا يعنى: صوت الحمار أنه أعجم، وهو فى آذان الأتن فصيح بين.

стр. 6

وفصح الأعجمى فصاحة: تكلم بالعربية وفهم عنه. وقيل: جادت لغته حتى لا يلحن. أفصح كلامه إفصاحا وأفصح تكلم بالفصاحة، وكذلك الصبى يقال: أفصح الصبى فى منطقه إفصاحا إذا فهمت ما يقول فى أول ما يتكلم. أفصح الأغتم: إذا فهمت كلامه بعد غتمته. أفصح عن الشئ إفصاحا إذا بينه وكشفه. فصح الرجل وتفصح إذا كان عربى اللسان فازداد فصاحة. وقيل: تفصح فى كلامه وتفاصح: تكلف الفصاحة. يقال: ما كان فصيحا ولقد فصح فصاحة وهو البين فى اللسان والبلاغة. التفصح استعمال الفصاحة، وقيل: التشبه بالفصحاء. وقيل: جميع الحيوان ضربان: أعجم وفصيح، فالفصيح كل ناطق، والأعجم كل ما لا ينطق. الفصيح فى اللغة: المنطلق اللسان فى القول الذى يعرف جيد الكلام من رديئه. أفصح الكلام وأفصح به وأفصح عن الأمر. الفصيح فى كلام العامة: المعرب». وفى هذا يتضح معنى البيان والظهور فى كلمة «الفصاحة»، وليس هذا المعنى بعيدا عن الدلالة الأولى ولا عن المعنى الذى اصطلح عليه علماء البلاغة وهو رقة الألفاظ وجمالها، وبيان التعبير ووضوحه. فى القرآن والحديث: ولو مضينا نبحث عن لفظة «الفصاحة» فى تراثنا لرأيناها فى قوله تعالى حكاية عن نبيه موسى- ﵇: «وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً» (١) وفى الحديث النبوى الشريف: «أنا أفصح العرب بيد أنّى من قريش» (٢)، و «غفر له بعدد كل فصيح وأعجم». وفسّره أصحاب

стр. 7

الحديث بأن النبى محمدا- ﷺ أراد بالفصيح بنى آدم، وبالأعجم البهائم. (١) ولا تخرج لفظة «الفصاحة» فى القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف عن معناها اللغوى وهو الظهور والبيان. وحينما دخلت هذه اللفظة الدراسات البلاغية والنقدية ارتبطت بلفظة البلاغة وصارت صنوها، وأصبح رجال البلاغة الأوائل لا يفرقون بينهما، بل لم يروا بأسا من أن يستعملوا إحداهما مكان الأخرى كما فعل أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (هـ) الذى لم يضع حدّا فاصلا بين اللفظتين وإنما أجراهما بمعنى واحد فى مواضع كثيرة من كتابه «البيان والتبيين». الجاحظ: عرف الجاحظ البلاغة بقوله: «وقال بعضهم- وهو أحسن ما اجتبيناه ودوناه-: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك» (٢). وفى هذا التعريف التقاء الفصاحة بالبلاغة، والنص على امتزاجهما. والفصاحة- عنده- واسعة المعنى، ولذلك نراه يتحدث عنها وعن الألفاظ كثيرا، وتعتبر إشاراته فى كتابه «البيان والتبيين» من أوسع ما وصل إلينا من عهد التدوين الأول. ويرى أنّ الألفاظ جديرة بالرعاية والاهتمام، يقول: «و قد يستخف الناس ألفاظا ويستعملونها وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أنّ الله ﵎ لم يذكر فى القرآن الجوع إلّا فى موضع العقاب أو فى موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر. والناس لا يذكرون السّغب ويذكرون الجوع فى حال القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلّا فى موضع الانتقام. والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون

стр. 8

بين ذكر المطر وبين ذكر الغيت، ولفظ القرآن الذى عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين. ألا تراه لا يجمع الأرض أرضين ولا السمع أسماعا. والجارى على أفواه العامة غير ذلك لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال» (١). وتكلم على تنافر الحروف فقال: «فأما فى اقتران الحروف فان الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا تأخير، والزاى لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا بتأخير. وهذا باب كبير وقد يكتفى بذكر القليل حتى يستدل به على الغاية التى إليها يجرى» (٢) وتحدث عن تنافر الألفاظ فقال: «ومن ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر وإن كانت مجموعة فى بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلّا ببعض الاستكراه فمن ذلك قول الشاعر: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر ولما رأى من لا علم له أنّ أحدا لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات فى نسق واحد فلا يتتعتع ولا يتلجلج، وقيل لهم: إنّ ذلك إنما اعتراه إذ كان من أشعار الجن، صدقوا بذلك. ومن ذلك قول ابن يسير: لم يضرها والحمد لله شئ ... وانثنت نحو عزف نفس ذهول فتفقّد النصف الأخير من هذا البيت فانك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض» (٣).

стр. 9

وينبغى أن تكون الألفاظ متماثلة متلائمة كى لا يقع بينها التنافر فتصبح كأولاد علة، يقول: «وأنشدنى أبو العاصى، قال: أنشدنى خلف الأحمر فى هذا المعنى: وبعض قريض القوم أولاد علة ... يكد لسان الناطق المتحفظ (١) وقال أبو العاصى: وأنشدنى فى ذلك أبو البيداء الرياحى: وشعر كبعر الكبش فرّق بينه ... لسان دعىّ فى القريض دخيل فانه يقول: إذا كان الشعر مستكرها وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلا لبعض كان بينها من التنافر ما بين أولاد العلّات. وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مؤونة. قال: وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنّه قد أفرغ إفراغا واحدا، وسبك سبكا واحدا، فهو يجرى على اللسان كما يجرى على الدهان. وأما قوله: «كبعر الكبش» فانما ذهب إلى أنّ بعر الكبش يقع متفرقا غير مؤتلف ولا متجاور، وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر تراها متفقة ملسا ولينة المعاطف سهلة، وتراها مختلفة متباينة ومتنافرة مستكرهة تشق على اللسان وتكده، والأخرى تراها سهلة لينة ورطبة مواتية، سلسة النظام خفيفة على اللسان حتى كأنّ البيت بأسره كلمة واحدة، وحتى كأنّ الكلمة بأسرها حرف واحد» (٢). ويرى أنّ اللفظ كما لا ينبغى أن يكون عاميا وساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغى أن يكون غريبا وحشيا إلّا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فان

стр. 10

الوحشى من الكلام يفهمه الوحشى من الناس كما يفهم السوقى رطانة السوقى. (١) لقد اهتم الجاحظ بالألفاظ اهتماما عظيما أولاها عناية كبيرة، وقد دفعه هذا الاهتمام إلى أن يقول: «والمعانى مطروحة فى الطريق يعرفها العجمى والعربى والبدوى والقروى والمدنى، وإنما الشأن فى إقامة الوزن، وتخير اللفظ وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفى صحة الطبع وجودة السبك، فانما الشعر صناعة وضرب من النسج، وجنس من التصوير» (٢). وظن بعض الباحثين أنّه يميل إلى اللفظ كل الميل، وأنّه لا يرى للمعنى كبير أهمية، والواقع أنّه عنى باللفظ وأعطاه نصيبه من الاهتمام، وشغل بالمعنى والتصوير الأدبى الذى يقول عنه: «فانما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير»، وهذه نظريته التى شرحها عبد القاهر الجرجانى وسماها «نظرية النظم»، فالجاحظ اهتم بالألفاظ والمعانى والتصوير مع أنّه يروى أنّ بعضهم لا يحفل إلّا بالمعنى وحده كأبى عمرو الشيبانى الذى يرى أنّ المعنى متى كان رائعا حسنا ظل كذلك فى أية عبارة وضع. فالبيتان: لا تحسبنّ الموت موت البلى ... فانما الموت سؤال الرجال كلاهما موت ولكنّ ذا ... أفظع من ذاك لذل السؤال استحسنهما أبو عمرو على حين ليست عليهما مسحة من جمال سوى الوزن. وعابه الجاحظ ورأى أنّه مسرف فى تقديرهما، وقال: «وأنا رأيت أبا عمرو الشيبانى وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين ونحن فى المسجد يوم الجمعة أن كلّف رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتى كتبهما له، وأنا أزعم أنّ صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا، ولولا أن أدخل فى الحكم بعض الفتك لزعمت أنّ ابنه لا يقول شعرا أبدا» (٣).

стр. 11

لقد اهتم الجاحظ باللفظ ولكنه لم يهمل المعنى، ولذلك فليس صحيحا ما ذهب إليه بعضهم وهو أنّ الجاحظ كرّس جهوده لخدمة الألفاظ، ولأجله خاض عبد القاهر الجرجانى غمار هذا البحث. ويرى الدكتور محمد مندور أنّ كل آراء عبد القاهر تنحصر فى مسألتين: الأولى: إنكاره لما رآه الجاحظ من أهمية فصاحة الألفاظ باعتبار تلك الفصاحة صنعة فى اللفظ ذاته، ثم ثورته على مذهب أبى هلال العسكرى الذى يرد جودة الكلام إلى محسنات لفظية تقف عند الشكل. الثانية: تعليقة جودة الكلام بخصائص فى النظم. (١) وعبارة الجاحظ «فانما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير»، وما نقله عبد القاهر من اهتمامه بالصياغة والصناعة، خير ما يفند هذا الرأى، لأنّ عبد القاهر سار على خطا الجاحظ ونقل مصطلحه فى التصوير وقال: «وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فينكره منكر بل هو مستعمل مشهور فى كلام العرب، ويكفيك قول الجاحظ: وإنّما الشعر صناعة، وضرب من التصوير» (٢). فالجاحظ من أصحاب الصياغة ولذلك تسقط عنه تهمة الاهتمام بالشكلية والألفاظ، وإن كان كثير الاعتناء باللفظ واختيار ما يؤدى المعنى أداء حسنا، وهذه مهمة الأديب الذى يقدر قيمة الكلام ويبذل فى سبيله أعظم الجهود، وقد كان الجاحظ أديبا كبيرا وعالما قديرا، فعنى بالألفاظ كما عنى بالمعانى وكان له الفضل فى تصوير نظم الكلام. ابن قتيبة: وتحدث ابن قتيبة (- هـ) عن الألفاظ، وذكر أنّ الشعر أربعة أضرب:

стр. 12

- ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه، كقول القائل فى بعض بنى أمية (١): فى كفه خيزران ريحه عبق ... من كف أروع فى عرنينه شمم يغضى حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم وكقول أوس بن حجر: أيّتها النفس أجملى جزعا ... إنّ الذين تحذرين قد وقعا - وضرب منه حسن لفظه وحلا فاذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة فى المعنى كقول القائل: ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح وشدّت على حدب المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادى الذى هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطّى الأباطح يقول ابن قتيبة: «هذه الألفاظ كما ترى أحسن شئ مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولمّا قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادى الرائح ابتدأنا فى الحديث وسارت المطى فى الأباطح» (٢). ونحوه قول المعلوط:

стр. 13

إنّ الذين غدوا بلبك غادروا ... وشلا بعينك لا يزال معينا غيّضن من عبراتهنّ وقلن لى: ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا (١) - وضرب منه جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه كقول لبيد بن ربيعة: ما عاتب المرء الكريم كنفسه ... والمرء يصلحه الجليس الصالح - وضرب منه تأخر معناه وتأخر لفظه، كقول الأعشى فى امرأة: وفوها كأقاحى ... غذاه دائم الهطل كما شيب براح با ... رد من عسل النّحل ولم يشر ابن قتيبة إلى لفظة «الفصاحة» فى كتابه «الشعر والشعراء» ولكنه استعمل كلمة «الألفاظ»، ويرى أنّ المحدث ليس له أن يتبع المتقدم فى استعمال وحشى الكلام ككثير من أبنية سيبويه، ولا أن يسلك فيما يقول الأساليب التى لا تصح فى الوزن ولا تحلو فى الأسماع. يقول: «وهذا يكثر، وفيما ذكرت منه ما دلك على ما أردت من اختيارك أحسن الروىّ وأسهل الألفاظ وأبعدها من التعقيد والاستكراه، وأقربها من أفهام العوام. وكذلك اختار للخطيب إذا خطب والكاتب إذا كتب فانه يقال: «أسير الشعر والكلام المطمع» يراد الذى يطمع فى مثله من سمعه وهو مكان النجم من يد المتناول» (٢). وفى كتابه «أدب الكاتب» حديث عن الألفاظ والأبنية، ولكنه لا يسميها «فصاحة» وإنما هى قواعد يستعين بها الكاتب. وعقد فى كتابه «عيون الأخبار» بابا سماه «كتاب العلم والبيان» تحدّث فيه عن الإعراب واللحن والتشادق والغريب والبيان والألفاظ التى تقع فى كتب الأمان والعهود والخطب. وهو فى هذه الأبواب والفصول ليس كالجاحظ الذى أرسى كثيرا من قواعد الفصاحة ووضع أمثلتها التى تتردد فى كتب البلاغة والنقد.

стр. 14

المبرد: وليس فيما كتب المبرد (- هـ) إشارة إلى الفصاحة وإن كان يفضل أن تكون الألفاظ جزلة. (١) ثعلب: ولا فيما كتب أبو العباس ثعلب (- هـ) الذى أشار إلى جزالة الألفاظ. (٢) ابن المعتز: ولا فيما ألّف ابن المعتز (- هـ) صاحب كتاب البديع. قدامة: وتحدث قدامة بن جعفر (- هـ) عن نعت اللفظ، وقال ينبغى أن يكون سمحا، سهل مخارج الحروف من مواضعها، عليه رونق الفصاحة مع الخلو من البشاعة. (٣) وذكر عيوب اللفظ وهى: - أن يكون ملحونا وجاريا على غير سبيل الإعراب واللغة. - وأن يركب الشاعر منه ما ليس بمستعمل إلّا فى الفرط. - ولا يتكلم به إلّا شاذا، وذلك هو الوحشى الذى مدح عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- زهيرا بمجانبته له وتنكّبه إياه فقال: «لا يتبع حوشىّ الكلام». - ومن عيوب اللفظ المعاظلة، وهى التى وصف عمر بن الخطاب زهيرا بمجانبته لها فقال: «كان لا يعاظل بين الكلام». وهى ليست مداخلة الشئ فى الشئ، لأنه محال أن ينكر مداخلة بعض الكلام فيما يشبهه من

стр. 15

بعض أو فيما كان من جنسه، وإنما يكون الإنكار فيما يدخل بعضه فيما ليس من جنسه وما هو غير لائق به. (١) ابن وهب: وفى كتاب «البرهان فى وجوه البيان» (٢) لأبى الحسين إسحاق بن ابراهيم بن سليمان بن وهب الكاتب إشارات إلى جزالة اللفظ وسخافته وركاكته. ولم يحدد معانى هذه المصطلحات واكتفى بالتمثيل وقال: «وأما جزالة اللفظ فكقوله: وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمد ... رصدان: ضوء الشمس والإظلام فاذا تنبه رعته وإذا غفا ... سلّت عليه سيوفك الأحلام وأما سخافة اللفظ وركاكته فمثل قول الآخر: يا عتب سيدتى أما لك دين ... حتى متى قلبى لديك رهين فأنا الصبور لكل ما حملتنى ... وأنا الشقىّ البائس المسكين (٣) وقال عن الفصيح: «وأما الفصيح من الكلام، فهو ما وافق لغة العرب ولم يخرج عما عليه أهل الأدب، ولتصحيح ذلك وضع النحو، ولجمعه وضعت الكتب فى اللغة، وذكر المستعمل منها والشاذ والمهمل. وحق من ينشأ فى العرب أن يستعمل الاقتداء بلغتهم، ولا يخرج عن جملة ألفاظهم، ولا يقنع من نفسه بمخالفتهم فيخطئوه ويلحنوه» (٤) وليس فى هذه الإشارات ما يوضّح رأى صاحب «البرهان» فى الفصاحة كما عرفها الجاحظ ومعاصروه.

стр. 16

العسكرى: وذكر أبو هلال العسكرى (- هـ) رأيين فى الفصاحة: الأول: إن الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما؛ لأنّ كل واحد منهما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له. يقول: «فأما الفصاحة فقد قال قوم: إنّها من قولهم: أفصح فلان عما فى نفسه إذا أظهره، والشاهد على أنّها هى الإظهار قول العرب: أفصح الصبح إذا اضاء. وأفصح اللبن إذا انجلت عنه رغوته فظهر، وفصح أيضا. وأفصح الأعجمى إذا أبان بعد أن لم يكن يفصح ويبين، وفصح اللحان إذا عبر عما فى نفسه وأظهره على جهة الصواب دون الخطأ. وإذا كان الأمر على هذا فالفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما» (١). الثانى: أنهما مختلفان، وذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهى مقصورة على اللفظ، لأنّ الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنّما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنّها مقصورة على المعنى. يقول: «وقال بعض علمائنا: الفصاحة تمام آلة البيان، فلهذا لا يجوز أن يسمّى الله تعالى فصيحا إذ كانت الفصاحة تتضمن الآلة، ولا يجوز على الله تعالى الوصف بالآلة ويوصف كلامه بالفصاحة لما يتضمن من تمام البيان. والدليل على ذلك أنّ الألثغ والتمتام لا يسميان فصيحين لنقصان آلتهما عن إقامة الحروف. وقيل: «زياد الأعجم» لنقصان آلة نطقه عن إقامة الحروف، وكان يعبر عن «الحمار» بالهمار، فهو أعجم وشعره فصيح لتمام بيانه» (٢). ووضّح الأمر بقوله: «ومن الدليل على أنّ الفصاحة تتضمن اللفظ والبلاغة تتناول المعنى، أنّ الببغاء يسمّى فصيحا ولا يسمى بليغا إذ هو مقيم

стр. 17

الحروف وليس له قصد إلى المعنى الذى يؤديه. وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى، سهل اللفظ، جيد السبك، غير مستكره فج ولا متكلف وخم، ولا يمنعه من أحد الاسمين شئ لما فيه من إيضاح المعنى وتقويم الحروف». (١) وهذا هو رأيه، أما الرأى الأول فقد عرضه، لأنّ بعضهم يذهب إلى ذلك. وعقد فصلا فى تمييز الكلام تحدث فيه عن صفات الألفاظ الحسنة، وانتهى إلى أنّ الكلام إذا جمع العذوبة والجزالة والسهولة والرصانة مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرونق والطلاوة، وسلم من الحيف فى التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب- قبله ولم يرده، وعلى السمع المصيب استوعبه ولم يمجه، والنفس تقبل اللطيف وتنبو عن الغليظ. (٢) وأعطى الألفاظ أهمية كبيرة، لأنه ليس الشأن فى إيراد المعانى، لأنّ المعانى يعرفها العربى والعجمى والقروى والبدوى، وإنما هو فى جودة اللفظ وصفائه، وحسنه وبهائه، ونزاهته ونقائه، وكثرة طلاوته ومائه مع صحة السبك والتركيب. وليس يطلب من المعنى إلّا أن يكون على هذه الأوصاف، وهو ما أشار إليه الجاحظ من قبل، ولكنه جعل التصوير أساس البيان. ابن سنان: وعقد ابن سنان الخفاجى (- هـ) فى كتابه «سر الفصاحة» فصولا ضافية تحدث فيها عن صفات الحروف ومخارجها، وفصاحة اللفظة المفردة والألفاظ المؤلفة.

стр. 18

والفصاحة- عنده: «الظهور والبيان» (١)، والفرق بينها وبين البلاغة» أنّ الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ والبلاغة لا تكون إلّا وصفا للألفاظ مع المعانى. لا يقال فى كلمة واحدة لا تدل على معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا» (٢). ولكى تكون اللفظة الواحدة فصيحة ينبغى أن تتوفر فيها بعض الشروط قال: «إنّ الفصاحة على ما قدمنا نعت للألفاظ إذا وجدت على شروط عدة ومتى تكاملت تلك الشروط فلا مزيد على فصاحة تلك الألفاظ وبحسب الموجود منها تأخذ القسط من الوصف وبوجود أضدادها تستحق الاطّراح والذم. وتلك الشروط تنقسم قسمين: فالأول منها: يوجد فى اللفظة الواحدة على انفرادها من غير أن ينضم إليها شئ من الألفاظ وتؤلف معه. والقسم الثانى: «يوجد فى الألفاظ المنظومة بعضها مع بعض» (٣) فأما الذى يوجد فى اللفظة الواحدة فثمانية أشياء: الأول: أن يكون تأليف تلك اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وعلة ذلك أنّ الحروف التى هى أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر، ولا شك فى أنّ الألوان المتباينة إذا جمعت كانت فى المنظر أحسن من الألوان المتقاربة، ولهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة. ومثال التأليف من الحروف المتباعدة كثير جل كلام العرب عليه، فأما تأليف الحروف المتقاربة فمثل «الهعخع»، وقد روى أنّ الخليل بن أحمد الفراهيدى قال: «سمعنا كلمة شنعاء هى «الهعخع» وأنكرنا تأليفها.

стр. 19

وقيل: إنّ أعرابيا سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهعخع» (١). وقال ابن سنان: «ولحروف الحلق مزية فى القبح إذا كان التأليف منها فقط وأنت تدرك هذا وتستقبحه كما يقبح عندك بعض الأمزجة من الألوان وبعض النغم من الأصوات» (٢). الثانى: أن يكون لتأليف اللفظة فى السمع حسن ومزية على غيرها وإن تساويا فى التأليف من الحروف المتباعدة كما نجد لبعض النغم والألوان حسنا يتصور فى النفس ويدرك بالبصر والسمع دون غيره مما هو من جنسه. ومثاله فى الحروف «ع. ذ. ب» فان السامع يجد لقولهم «العذيب» - اسم موضع و «عذيبة» - اسم امرأة- و «عذب» و «عذاب» و «عذب» و «عذبات» ما لا يجده فيما يقارب هذه الألفاظ فى التأليف. وليس سبب ذلك بعد الحروف فى المخارج فقط ولكنه تأليف مخصوص مع البعد، ولو قدّمت الذال أو الباء لم تجد الحسن على الصفة الأولى فى تقديم العين على الذال لضرب من التأليف فى النغم يفسده التقديم والتأخير. وليس يخفى على أحد من السامعين أنّ تسمية الغصن غصنا أو فننا أحسن من تسميته عسلوجا، وأنّ أغصان البان أحسن من عساليج الشوحط (٣). ومن الكلمات العذبة الجميلة «تفاوح» وقد استعملها المتنبى فقال: إذا سارت الأحداج فوق نباته ... تفاوح مسك الغانيات ورنده (٤) وهى فى غاية من الحسن، وقيل: إنّ المتنبى أول من نطق بها على هذا المثال.

стр. 20

ومثال ما يكره قول المتنبى: مبارك الاسم أغرّ اللقب ... كريم الجرشّى شريف النسب (١) فانك تجد فى «الجرشى» تأليفا يكرهه السمع وينبو عنه، وأين كلمة «النفس» من هذه اللفظة الثقيلة؟ الثالث: أن تكون الكلمة غير متوعرة وحشية كقول أبى تمام: لقد طلعت فى وجه مصر بوجهه ... بلا طائر سعد ولا طائر كهل فان «كهلا» هنا من غريب اللغة، وروى أنّ الأصمعى لم يعرف هذه الكلمة وأنّها ليست موجودة إلّا فى شعر بعض الهذليين وهو قوله: فلو أنّ سلمى جاره أو أجاره ... رياح بن سعد ردّه طائر كهل وقيل: إنّ الكهل الضخم، وهى لفظة ليست قبيحة التأليف لكنها وحشية غريبة لا يعرفها مثل الأصمعى. ولهذا اعتمد الحذاق من الشعراء على اختيار أسماء المنازل والنساء فى الغزل وتجنبوا ما لا يحسن لفظه، وعابوا على جرير قوله: وتقول بوزع قد دببت على العصا ... هلا هزئت بغيرنا يا بوزع وذكروا أنّ الوليد بن عبد الملك قال له: أفسدت شعرك ب «بوزع». وقد قال ابن سنان: «وأنا أكره من قول كثير بن عبد الرحمن صاحب عزة: وما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمجّ الندى جثجاثها وعرارها ذكر «الجثجاث» لأنه اسم غير مختار، ولو أمكنه ذكر غيره كان عندى أليق وأوفق. ولا أحب أيضا تسمية أبى تمام صاحبه- علاثة- ونداءه بالترخيم فى قوله:

стр. 21

قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحت حبال قطينهن رثاثا وإن كان الروى قاده إلى ذلك، فليت شعرى من حظر عليه القوافى واقتصر به على الثاء دون غيرها من الحروف» (١). الرابع: أن تكون الكلمة غير ساقطة عامية، ومثال العامية قول أبى تمام: جليت والموت مبد حرّ صفحته ... وقد تفرعن فى أفعاله الأجل فان «تفرعن» مشتق من اسم «فرعون» وهو من ألفاظ العامة، وعادتهم أن يقولوا: «تفرعن فلان» إذا وصفوه بالجبرية. ومنه قول أبى نصر عبد العزيز بن نباتة: أقام قوام الدين زيغ قناته ... وأنضج كىّ الجرح وهو فطير فلفظة «فطير» عامية مبتذلة. ومنه قول أبى تمام: قد قلت لما لجّ فى صدّه ... اعطف على عبدك يا قابرى فان «قابرى» من ألفاظ عوام النساء. ومن ذلك لفظة «أو جعتها» فى قول ابن نباتة: فقد رفعت أبصارها كل بلدة ... من الشوق حتى أوجعتها الأخادع ولفظة «الجورب» فى قول المتنبى: تستغرق الكفّ فوديه ومنكبه ... وتكتسى منه ريح الجورب الخلق

стр. 22

الخامس: أن تكون الكلمة جارية على العرف العربى الصحيح غير شاذّة. ويدخل فى هذا القسم ما ينكره أهل اللغة ويردّه علماء النحو من التصرف الفاسد فى الكلمة، وقد يكون ذلك لأجل أنّ اللفظة بعينها غير عربية كما أنكروا على أبى الشيص قوله: وجناح مقصوص تحيّف ريشه ... ريب الزمان تحيّف المقراض وقالوا: ليس «المقراض» من كلام العرب، ولم يسمع عنهم إلا مثنى. وقد تكون الكلمة عربية إلا أنّها قد عبّر بها عن غير ما وضعت له فى عرف اللغة، كما قال البحترى: يشق عليه الريح كلّ عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيّم فوضع «الأيم» مكان «الثيب» وليس الأمر كذلك، وإنّما «الأيم» التى لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا. ومن ذلك قول البحترى: شرطى الإنصاف إن قيل اشترط ... وصديقى من إذا صافى قسط وأراد ب «قسط» عدل، لأنّ الأمر عليه، وليس الأمر كذلك وإنّما يقال «أقسط» إذا عدل، و «قسط» إذا جار، ومنه قوله تعالى: «وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً» (١) وقد يكون على جهة الحذف من الكلمة كقول رؤبة بن العجاج: قواطنا مكة من ورق الحما يريد: الحمام وقد يكون على وجه الزيادة فى الكلمة مثل أن تشبع الحركة فيها فتصير حرفا، كما قال الشاعر: وأنت على الغواية حين ترمى ... وعن عيب الرجال بمنتزاح أى: بمنتزح.

стр. 23

وقد يكون إيراد الكلمة على وجه الشاذ القليل، كلفظة «باهت» التى جاءت رديئة شاذة فى قول البحترى: متحيرين فباهت متعجب ... مما يرى أو ناظر متأمّل والعربى المستعمل «بهت الرجل يبهت فهو مبهوت». ويدخل فى هذا القسم ما يسمى الضرورة الشعرية من إظهار التضعيف، أو مدّ المقصور، أو قصر الممدود، أو تأنيث المذكر على بعض التأويل، أو صرف ما لا ينصرف، وغير ذلك. السادس: أن لا تكون الكلمة قد عبّر بها عن أمر آخر يكره ذكره، فاذا أوردت وهى غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت وإن كملت فيها الصفات كقول الشريف الرضى: أعزز علىّ بأن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العوّاد فايراد «مقاعد» فى هذا البيت صحيح، إلّا أنّه موافق لما يكره ذكره فى مثل هذا الشأن، لا سيما إضافته إلى من يحتمل إضافته إليهم وهم «العواد»، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلا فأما إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لاخفاء به. السابع: أن تكون الكلمة معتدلة غير كثيرة الحروف فانها متى زادت على الأمثلة المعتادة المعروفة قبحت وخرجت عن وجه من وجوه الفصاحة. ومن ذلك قول أبى نصر بن نباتة: فاياكم أن تكشفوا عن رؤوسكم ... ألا إنّ مغناطيسهن الذوائب ف «مغناطيسهن» كلمة غير مرضية لطولها. ومنه قول أبى تمام: فلأذربيجان اختيال بعد ما ... كانت معرّس عبرة ونكال سمجت ونبهنا على استسماجها ... ما حولها من نضرة وجمال

стр. 24

فقوله «فلأذربيجان» كلمة رديئة لطولها وكثرة حروفها وهى غير عربية، وكذلك قوله «استسماجها» ردئ لكثرة الحروف وخروج الكلمة بذلك عن المعتاد فى الألفاظ إلى الشاذ النادر. ومنه قول المتنبى: إنّ الكريم بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها (١) ف «سويداواتها» كلمة طويلة جدا. الثامن: أن تكون الكلمة مصغرة فى موضع عبر بها فيه عن شئ لطيف أو خفى أو قليل أو ما يجرى مجرى ذلك، فانها تحسن به. ومن ذلك قول عمر بن أبى ربيعة: وغاب قمير كنت أرجو طلوعه ... وروّح رعيان ونوّم سمّر وهذا تصغير مختار فى موضعه، فأما الأسماء التى لم ينطق بها إلّا مصغرة كاللجين والثريا فليس للتصغير فيهما حسن يذكر، لأنّه غير مقصود بهما ما ذهب إليه ابن سنان. ومعظم هذه الشروط تدخل فى فصاحة الألفاظ المؤلفة، والإخلال بها قد يؤدى إلى زيادة القبح والتنافر فى الكلام، لأنّه حين تكون الألفاظ مجتمعة تحتاج إلى دقة فى التركيب واختيار اللطيف منها. يقول ابن سنان متحدثا عن الشرط الأول: «إنّ الأول منها أن يكون تأليف اللفظة من حروف متباعدة المخارج، وهذا بعينه فى التأليف وبيانه أن يجتنب الناظم تكرر الحروف المتقاربة فى تأليف الكلام كما أمرناه بتجنب ذلك فى اللفظة الواحدة، بل هذا فى التأليف أقبح، وذلك أنّ اللفظة المفردة لا يستمر فيها من تكرار الحرف الواحد أو تقارب الحرف مثلما يستمر فى الكلام المؤلف إذا طال واتسع» (٢).

стр. 25

ومما قبح قول أبى تمام: فالمجد لا يرضى بأن ترضى بأن ... يرضى المؤمل منك إلّا بالرضى ومنه قول الآخر: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر ومنه قول المتنبى: وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد وأما الثانى من شروط اللفظة المفردة فيكون فى التأليف إذا ترادفت الكلمات المختارة فيوجد الحسن فيها أكثر وتزيد طلاوته على ما لا يجمع من تلك الكلمات إلا القليل، وهذا يرجع إلى اللفظة بانفرادها وليس للتأليف فيه إلّا ما أثاره التواتر والترادف. وكذلك الثالث والرابع من الأقسام لا علقة للتأليف بهما، وإنّما يقبح إذا كثر فيه الكلام الوحشى أو العامى. وأما الخامس فللتأليف به علقة وكيدة، لأنّ إعراب اللفظة تبع لتأليفها من الكلام وعلى حكم الموضع الذى وردت فيه. وأما السادس فللتأليف فيه تعلق بحسب إضافة الكلمة إلى غيرها، فانّ القبح يختلف بحسب ذلك. وأما السابع فلا علقة للتأليف به، إلّا أنّ ظهور قبحه أجلى إذا ترادفت فيه الكلمات الطوال. وأما الثامن فلا علقة للتأليف به إذ كان لا يتعدى الكلمة بانفرادها. ودراسة ابن سنان للفصاحة من أخصب الدراسات، ولا يكاد المتأخرون يخرجون عنها فى كل ما ألفوا أو اختصروا أو شرحوا. عبد القاهر: وكانت الفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان ألفاظا مترادفة عند عبد القاهر الجرجانى (- هـ أو هـ)، وكلها يعبر بها عن «فضل بعض القائلين

стр. 26

على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد وراموا أن يعلموهم ما فى نفوسهم، ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم» (١) والألفاظ عنده خدم للمعانى وأوعية تتبعها فى حسنها وجمالها أو قبحها ورداءتها، يقول: «ولن تجد أيمن طائرا، وأحسن أولا وآخرا، وأهدى إلى الاحسان، وأجلب للاستحسان من أن ترسل المعانى على سجيتها وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فانها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلّا ما يليق بها ولم تلبس من المعارض إلّا ما يزينها. فأما أن تضع فى نفسك أن لا بدّ من أن تجنس أو تسجع بلفظين مخصوصين فهو الذى أنت بعرض الاستكراه وعلى خطر من الخطأ والوقوع فى الذم. فان ساعدك الجد كما ساعد فى قوله: أو دعانى أمت بما أودعانى وكما ساعد أبا تمام فى نحو قوله: وأنجدتم من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدنى على ساكنى نجد وقوله: هنّ الحمام فان كسرت عيافة ... من حائهن فانهنّ حمام فذاك وإلا أطلقت ألسنة العيب» (٢). إنّ الفصاحة تكون فى المعنى وليس للكلمة المفردة كبير قيمة، وكثيرا ما تستعمل اللفظة فى موضع فتكون حلوة الجرس عذبة، وتستعمل فى موضع آخر فتفقد تلك المزية، وإنما كان ذلك «لأنّ المزية التى من أجلها نصف اللفظ فى شأننا هذا بأنه فصيح مزية تحدث بعد أن لا تكون وتظهر فى العلم من بعد أن يدخلها النظم. وهذا شئ إن أنت طلبته فيها وقد جئت بها إفرادا

стр. 27

لم ترم فيها نظما ولم تحدث لها تأليفا طلبت محالا. وإذا كان كذلك وجب أن تعلم قطعا أنّ تلك المزية فى المعنى دون اللفظ» (١). فالألفاظ عند عبد القاهر لا تتفاضل من حيث هى ألفاظ مجردة، ولا من حيث هى كلم مفردة، وإنما تثبت لها الفضيلة وخلافها فى ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التى تليها وما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ. ومما يشهد لذلك أنّك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك فى موضع ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك فى موضع آخر كلفظ «الأخدع» فى بيت الحماسة: تلفتّ نحو الحى حتى وجدتنى ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا (٢) وبيت البحترى: وإنى وإن بلّغتنى شرف الغنى ... وأعتقت من رقّ المطامع أخدعى فان لها فى هذين البيتين ما لا يخفى من الحسن، ثم إنك تتأملها فى بيت أبى تمام: يا دهر قوّم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك فتجد لها من الثقل على النفس ومن التنغيص والتكدير أضعاف ما وجدت هناك من الروح والخفة والإيناس والبهجة. ومن أعجب ذلك لفظة «الشئ» فانك تراها مقبولة حسنة فى موضع وضعيفة مستكرهة فى موضع آخر، وإن أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى قول عمر بن أبى ربيعة: ومن مالئ عينيه من شئ غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدّمى وإلى قول أبى حية النميرى: إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة ... تقاضاه شئ لا يملّ التقاضيا

стр. 28

فانك تعرف حسنها ومكانها من القبول، ثم انظر فى بيت المتنبى: لو الفلك الدوّار أبغضت سعيه ... لعوّقه شئ عن الدوران فانك تراها تقل وتضؤل بحسب نبلها وحسنها فيما تقدم. ومن سر هذا الباب أنّك ترى اللفظة المستعارة قد استعيرت فى عدة مواضع ثم ترى لها فى بعض ذلك ملاحة لا تجدها فى الباقى، مثال ذلك أنك تنظر إلى لفظة «الجسر» فى قول أبى تمام: لا يطمع المرء أن يجتاب لجّته ... بالقول ما لم يكن جسرا له العمل وقوله: بصرت بالراحة العظمى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التّعب فترى لها فى الثانى حسنا لا تراه فى الأول، ثم تنظر إليها فى قول ربيعة الرقى: قولى: نعم، ونعم إن قلت واجبة ... قالت: عسى وعسى جسر إلى نعم ترى لها لطفا وخلابة وحسنا ليس الفضل فيه بقليل. وينتهى عبد القاهر إلى أنّ الكلمة لو كانت إذا حسنت من حيث هى لفظ واذا استحقت المزية والشرف، استحقت ذلك فى ذاتها وعلى انفرادها دون أن يكون السبب فى ذلك حال لها مع أخواتها المجاورة لها فى النظم لما اختلفت بها الحال ولكانت إما أن تحسن أبدا أو لا تحسن أبدا (١). ولعل الغرض الدينى كان دافعا إلى هذا الرأى، لأن كلمات القرآن الكريم عربية نطق بها الشعراء والخطباء وتداولها الناس، وليس لها مزية وهى مفردة لا يضمها سلك يوحد بينها ويجمع متفرقها، ولكى يظهر عبد القاهر

стр. 29

إعجاز القرآن ويردّ ما كان يشيع فى البيئات المختلفة اتجه إلى نظرية النظم ليسد بها المسالك ويفند آراء المختلفين ويوقف طعنات الحاقدين. ولم يقف عند الاهتمام بالنظم وإنما اهتم بالتصوير الأدبى الذى لا يكون إلا بترتيب الألفاظ والتأليف بينها، يقول: «ومعلوم أنّ سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأنّ سبيل المعنى الذى يعبر عنه سبيل الشئ الذى يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار، فكما أنّ محالا إذا أنت أردت النظر فى صوغ الخاتم وفى جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذى وقع فيه العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية فى الكلام أن تنظر فى مجرد معناه. وكما أنا لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون فضة هذا أجود أو فضة ذاك أنفس لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغى إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه أن لا يكون تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام» (١). فعبد القاهر يرى أنّ للتصوير الأدبى قيمة كبيرة، ولذلك أطال الكلام فى «أسرار البلاغة» على الوسائل التى تجعل الصورة حسنة مقبولة، وفصل القول فى نظرية النظم، وذهب إلى أبعد من ذلك ورأى أنّ فى الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلّا بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته. يقول متحدثا عن الاستعارة فى بيت الشاعر: سالت عليه شعاب الحىّ حين دعا ... أنصاره بوجوه كالدنانير «فانك ترى هذه الاستعارة على لطفها وغرابتها إنمّا تم لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى بما توخّى فى وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة تلك ومؤازرته لها. وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف فأزل كلّا منها عن مكانه الذى وضعه الشاعر فيه فقل: «طالت

стр. 30

شعاب الحى بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره» ثم انظر كيف يكون الحال وكيف يذهب الحسن والحلاوة وكيف تعدم أريحيتك التى كانت وكيف تذهب النشوة التى كنت تجدها» (١). إنّ الفصاحة عنده لا تكون إلّا بتوخى معانى النحو، أى النظم، والألفاظ لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف ويعمد بها إلى وجه فى التركيب. فلو أنّك عمدت إلى بيت شعر أو فصل نثر فعددت كلماته حدّا كيف جاء واتفق وأبطلت نضده ونظامه الذى عليه بنى وفيه أفرغ المعنى وأجرى، وغيرت ترتيبه الذى بخصوصيته أفاد كما أفاد، وبنسقه المخصوص أبان المراد نحو أن تقول فى «قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل»: «منزل قفا ذكرى من نبك حبيب» أخرجته من كمال البيان إلى محال الهذيان، وأسقطت نسبته من صاحبه، وقطعت الرحم بينه وبين منشئه، بل أحلت أن يكون له إضافة إلى قائل ونسب يخص بمتكلم (٢). وانتهى إلى الحكم بالخطأ على من قصر الفصاحة على الكلمات من حيث هى ألفاظ منطوقة وأصوات مسموعة، والأديب لا يطلب اللفظ بحال، وإنّما يطلب المعنى فاذا ظفر به فاللفظ معه وإزاء ناظره، ولذلك لم تكن الفصاحة عنده من صفات المفردات من غير اعتبار التركيب. إنّ عبد القاهر ربط بين الفصاحة والنظم ولذلك لم يطل الكلام على شروط الفصاحة كما فعل معاصره ابن سنان الخفاجى، ولكنه مع ذلك لا ينكرها كل الإنكار، ونراه يقول فى خاتمة كتابه «دلائل الإعجاز»: «واعلم أنّا لا نأبى أن تكون مذاقة الحروف وسلامتها مما يثقل على اللسان داخلا فيما يوجب الفضيلة، وأن تكون مما يؤكد أمر الإعجاز، وإنما الذى ننكره ونفيل رأى من يذهب إليه أن يجعله معجزا به وحده ويجعله الأصل

стр. 31

والعمدة فيخرج إلى ما ذكرنا من شناعات (١)»، فهو لم ينكر فصاحة الألفاظ ونغمها ولكنه لم يرد أن يفسر الإعجاز بها، ولذلك لم يدرسها كما فعل الآخرون ولم يعن بها عناية تظهر ميزتها وتأثيرها فى الكلام (٢). الرازى: عرّف فخر الدين الرازى (- هـ الفصاحة) بأنها «خلوص الكلام من التعقيد (٣)» وهى- عنده- تتصل بالمعنى، لأنّ الإفادة اللفظية يستحيل تطرق الكمال والنقصان إليها، فان السامع للفظ إما أن يكون عالما بكونه موضوعا لمسماه أو لا يكون. فان كان عالما به عرف مفهومه بتمامه، وإن لم يكن عالما به لم يعرف منه شيئا أصلا. وحصر البحوث المتعلقة بالدلالة اللفظية فى أمرين: الاول: أنّ الفصاحة والبلاغة لا يجوز عودهما إلى الدلالة اللفظية. الثانى: أنّ الفصاحة وإن كانت غير عائدة إلى الدلالة اللفظية، لكن من الأمور العائدة إلى جوهر اللفظ وإلى دلالته الوضعية ما يفيد الكلام كمالا وزينة وجمالا (٤). وهذه فكرة عبد القاهر التى بنى عليها نظريته فى النظم، ويرى بهاء الدين السبكى أنّ الرازى يميل إلى أنّ الفصاحة راجعة إلى الألفاظ والمعانى (٥).

стр. 32

ابن الأثير: وكان ضياء الدين ابن الأثير (- هـ) أوضح من السابقين تصورا وفهما للفصاحة، وقد اهتم بها اهتماما عظيما وصحّح كثيرا من الآراء فى كتابيه «المثل السائر فى أدب الكاتب والشاعر» و «الجامع الكبير». يقول عن الفصاحة: «اعلم أنّ هذا باب متعذر على الوالج ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعول عليه إلّا القليل. وغاية ما يقال فى هذا الباب أنّ الفصاحة هى الظهور والبيان فى أصل الوضع اللغوى، يقال: أفصح الصبح إذا ظهر. ثم إنهم يقفون عند ذلك ولا يكشفون عن السر فيه» (١). ولا تتبين الفصاحة بهذا القول لأنّه يعترض عليه بوجوه من الاعتراضات: الأول: أنه إذا لم يكن اللفظ ظاهرا بينا لم يكن فصيحا، ثم إذا ظهر وتبين صار فصيحا. الثانى: أنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البين فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص، فان اللفظ قد يكون ظاهرا لزيد ولا يكون ظاهرا لعمرو، فهو إذن فصيح عند هذا وغير فصيح عند ذاك. وليس كذلك، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع لا خلاف فيه بحال من الأحوال لأنّه إذا تحقق حد الفصاحة وعرف ما هى لم يبق فى اللفظ الذى يختص به خلاف. الثالث: أنه إذا جئ بلفظ قبيح ينبو عنه السمع وهو مع ذلك ظاهر بين ينبغى أن يكون فصيحا، وليس كذلك لأنّ الفصاحة وصف حسن اللفظ لا وصف قبح. فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: «إنّ اللفظ الفصيح هو الظاهر البين»، ومعنى ذلك أنّ ابن الأثير لا يأخذ بهذا القول الذى أثار حيرته فمضى يبحث عن تعريف للفصاحة، ويحقق القول فيها. وقد شرح

стр. 33

المسألة بوضوح فقال إنّ المقصود ب «أنّ الكلام الفصيح هو الظاهر البين» أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنمّا كانت بهذه الصفة؛ لأنّها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرة فى كلامهم، وإنّما كانت مألوفة الاستعمال دائرة فى الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أنّ أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها وسبروا وقسموا فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه ونفوا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الألفاظ سبب استعمالها دون غيرها واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها، فالفصيح من الألفاظ هو الحسن. فان قيل: من أى وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، وعلموا القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه؟ قيل لهم: إنّ هذا من الأمور المحسوسة التى شاهدها فى نفسها، لأنّ الألفاظ داخلة فى حيز الأصوات، فالذى يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذى يكرهه وينفر عنه هو القبيح. ألا ترى أنّ السمع يستلذ صوت البلبل من الطير وصوت الشحرور ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار ولا يجد ذلك فى صهيل الفرس فالألفاظ جارية هذا المجرى فانه لا خلاف فى أنّ لفظة «المزنة» و «الديمة» حسنة يستلذها السمع، وأنّ لفظة «البعاق» قبيحة يكرهها السمع. وهذه اللفظات الثلاث من صفة، وهى تدل على معنى واحد، ومع هذا فانك ترى لفظتى «المزنة» و «الديمة» وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ «البعاق» وما جرى مجراه متروكا لا يستعمل، وإن استعمل فانما يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة أو من ذوقه غير سليم. لقد ثبت أنّ الفصيح من الألفاظ هو «الظاهر البين»، وإنّما كان ظاهرا بينا؛ لأنّه مألوف الاستعمال، وإنّما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك بالسمع، والذى يدرك بالسمع إنما هو اللفظ لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، فما استلذه السمع منه فهو الحسن وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف بالفصاحة والقبيح غير

стр. 34

موصوف بفصاحة لأنّه ضدها لمكان قبحه. ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ فى الدلالة عليه سواء ليس منها حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علم أنّها تخص اللفظ دون المعنى. وابن الأثير لم يفصل بين اللفظ والمعنى فى هذا القول وإنّما خصّ اللفظ بصفة هى له، والمعنى يجئ فيه ضمنا وتبعا. وأشار إلى الفصاحة عند المتقدمين فقال: «وقد ذكر من تقدّمنى من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها، واختلفوا فى ذلك، واستحسن أحدهم شيئا فخولف فيه وكذلك استقبح الآخر شيئا فخولف فيه، ولو حققوا النظر ووقفوا على السر فى اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف فى شئ منها» (١). وردّ رأى من ذهب إلى أنّ كل الألفاظ حسن وقال: «ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة «الغصن» ولفظة «العسلوج»، وبين لفظة «المدامة» ولفظة «الاسفنط» وبين لفظة «السيف» ولفظة «الخنشليل»، وبين لفظة «الأسد» ولفظة «الفدوكس»، فلا ينبغى أن يخاطب بخطاب ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه كما قيل: «اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر (٢) فى رحله». وما مثاله فى هذا المقام إلّا كمن يسوّى بين صورة زنجية سوداء شوهاء الخلق ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة وشعر قطط (٣) كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة ذات خد أسيل وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاح، وطرة كأنها ليل على صباح. فاذا كان بانسان من سقم النظر أن يسوّى بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم النظر أن يسوى بين هذه الألفاظ وهذه. ولا فرق بين النظر والسمع فى هذا المقام فان هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب».

стр. 35

ثم قال: «ومن له أدنى بصيرة يعلم أنّ للالفاظ فى الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتا منكرا كصوت حمار، وأن لها فى الفم أيضا حلاوة كحلاوة العسل ومرارة كمرارة الحنظل، وهى على ذلك تجرى مجرى النغمات والطعوم (١)». وذكر أن ابن سنان قد تحدث عما يتعلق باللفظة الواحدة من الأوصاف وقسمها عدة أقسام- كما مر- وفيما قاله ابن سنان لا حاجة إليه، لأنّ تباعد المخارج يشمل معظم اللغة العربية، وأنّ جريان اللفظة على الصرف العربى ليس مما يوجب لها حسنا ولا قبحا وإنما يقدح فى معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ، وأنّ تصغير الكلمة مما لا حاجة إلى ذكره لأنّ المعنى يسوق إليه. أما الأوصاف الأخرى التى ذكرها ابن سنان فقد أقام عليها ابن الأثير بحثه فى الألفاظ فقبل منها ما قبل ورفض ما رفض، وشرح تلك الأوصاف بما يغنى عن كثير من الكتب، وكانت دراسته من أوسع الدراسات وأعمقها ولم يأت بعده من أضاف إليها، واتجهت الكتب إلى التلخيص والقضاء على النزعة الأدبية التى، اتسمت بها دراسة ابن الأثير. السكاكى: وعندما قسم السكاكى (- هـ) البلاغة إلى علومها لم يعقد للفصاحة فصلا، وإنّما تكلم عليها بعد أن انتهى من علم البيان، وذكر أنّها قسمان: الأول: راجع إلى المعنى وهو خلوص الكلام من التعقيد. وشرح تعقيد الكلام وقال: هو أن يعثر صاحب الفكر فى متصرفه ويشيك الطريق إلى المعنى، كقول الفرزدق: وما مثله فى الناس إلّا مملكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه وكقول أبى تمام: ثانيه فى كبد السماء ولم يكن ... كاثنين ثان إذ هما فى الغار

стр. 36

أما غير المعقد فهو أن يفتح صاحبه للفكرة الطريق ويمهده (١). الثانى: راجع إلى اللفظ، وهو: - أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم لها أكثر، لا مما أحدثها المولدون ولا مما أخطأت فيه العامة. - وأن تكون أجرى على قوانين اللغة. - وأن تكون سليمة من التنافر. وجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة التى حصر مرجعها فى المعانى والبيان، ولم يجعل للفصاحة مرجعا فى شئ منهما، وهو فى ذلك يتابع عبد القاهر والرازى اللذين نظرا إلى النظم ولم يوليا اللفظ المفرد أهمية كبيرة. ابن مالك: واختصر بدر الدين بن مالك (- هـ) القسم الثالث من «مفتاح العلوم» وتكلم على الفصاحة وأطلق عليها اسم البديع الذى قال عنه «هو معرفة توابع الفصاحة» وعرّف الفصاحة بأنّها «صوغ الكلام على وجه له توفية بتمام الأفهام لمعناه وتبين المراد منه (٢)». وقسمها إلى معنوية ولفظية، وذكر ما فى «مفتاح العلوم» من صفاتهما، ثم قسم المعنوية إلى مختصة بالأفهام والتبيين ومختصة بالتزيين والتحسين. وهذه الأنواع الثلاثة هى علم البديع عند المتأخرين. القزوينى: وحينما جاء الخطيب القزوينى (- هـ) وجد الطريق ممهدا فأخذ عن علماء البلاغة المتقدمين ورتّب بحث الألفاظ ترتيبا علميا خالف فيه السكاكى

стр. 37

وبدر الدين، لأنّه اتخذها مقدمة للبلاغة، وفى هذه المقدمة التى كانت كشفا عن معنى الفصاحة والبلاغة وانحصار علم البلاغة فى المعانى والبيان- تكلم على صفات الألفاظ وما ينبغى أن تكون عليه. وكان بحثه إيذانا باتخاذ الفصاحة مقدمة لعلوم البلاغة بعد أن كانت موضوعا تشيع فيه الحياة (١). بدأ القزوينى مقدمته بقوله: «للناس فى تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة لم أجد- فيما بلغنى منها- ما يصلح لتعريفهما به ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم، فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين (٢)». وهذا غير صحيح، لأنّ البلاغيين اهتموا بهما ووضعوا لهما حدودا وفرّقوا بينهما، وكانت بحوث الجاحظ وقدامة وأبى هلال وعبد القاهر وابن سنان وابن الأثير من أروع ما كتب وأبدع ما خطته يد بلاغى ناقد، وما مقدمة القزوينى إلّا خلاصة هذه الدراسات، فكيف لم يترك القدماء تعريفا للفصاحة أو البلاغة يمكن الركون إليه؟ ولعله فى ذلك متأثر بدعوى عبد القاهر الذى يقول: «لم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء فى معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة وفى بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها فأجد بعض ذلك كالرمز والإشارة فى خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان الخبئ ليطلب وموضع الدفين يبحث عنه فيخرج» (٣). ويقول: «إنّا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم فى شئ من العلوم أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه، ويكلم به بعضهم بعضا من غير أن يعرفوا له معنى ويقفوا منه على غرض صحيح، ويكون عندهم أن يسألوا عن بيان له وتفسير، إلّا علم الفصاحة فانك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء. وعبارات من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا أو يستطيعوا إن يسألوا عنها أن يذكروا لها تفسيرا يصح» (٤).

стр. 38

وهذا صحيح فى عهد التأليف الأول وعند عبد القاهر الذى لم يفرق بين المصطلحين، لأنهما عنده يعبر بهما عن فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد وراموا أن يعلموهم ما فى نفوسهم ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم (١)، أما القزوينى فالأمر عنده مختلف، لأنّ مصطلحات البلاغة استقرت فى عهده وأصبح للفصاحة والبلاغة محتوى واضح. والفصاحة والبلاغة عند القزوينى تقع كل واحدة منهما صفة لمعنيين: الأول: الكلام كما فى «قصيدة فصيحة أو بليغة»، و «رسالة فصيحة أو بليغة». الثانى: المتكلم كما فى «شاعر فصيح أو بليغ»، و «كاتب فصيح أو بليغ». وتحدث عن فصاحة اللفظة المفردة، وقال إنّ الفصاحة تقع صفة للمفرد فيقال «كلمة فصيحة» ولا يقال «كلمة بليغة». ووضع للفظة المفردة شروطا هى خلوصها من: - تنافر الحروف: والتنافر منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية فى الثقل على اللسان كما روى أنّ أعرابيا سئل عن ناقته فقال: «تركتها ترعى الهعخع». ومنه ما دون ذلك كلفظة «مستشزر» فى قول امرئ القيس: غدائرها مستشزرات إلى العلى ... تضلّ العقاص فى مثنّى ومرسل ولم يشرح القزوينى هذا التنافر ولم يذكر علته، وكان ابن سنان قد علله بقوله: «وعلة هذا واضحة وهى أنّ الحروف التى هى أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر ولا شكّ فى أن الألوان المتباينة إذا جمعت

стр. 39

كانت فى المنظر أحسن من الألوان المتقاربة وبهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة لقرب ما بينه وبين الأصفر وبعد ما بينه وبين الأسود. وإذا كان هذا موجودا على هذه الصفة لا يحسن النزاع فيه كانت العلة فى حسن اللفظة المؤلفة من الحروف المتباعدة هى العلة فى حسن النقوش إذا مزجت من الألوان المتباعدة» (١). لقد جمعت لفظة «الهعخع» القبح من أطرافه، لأنّ جميع حروفها حلقية، وحرف حلقى واحد يبعث على الثقل فكيف إذا اجتمع الهاء والعين والخاء فى كلمة واحدة؟ ولفظة «مستشزرات» - وإن كانت أخف منها- ثقيلة لتوسط الشين التى هى من الحروف المهموسة الرخوة بين التاء التى هى من المهموسة الشديدة والزاى التى هى من المجهورة الرخوة. ويرى النقاد أنّ امرأ القيس لو قال: «مستشرف» لزال الثقل. - الغرابة: وهى أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها فيحتاج فى معرفته إلى البحث فى كتب اللغة، كما روى عن عيسى بن عمر النحوى أنّه سقط عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: «ما لكم تكأكأتم علىّ تكأكؤكم على ذى جنّة، افرنقعوا عنى». أو يخرج له وجه بعيد كما فى قول العجاج: وفاحما ومرسنا مسرّجا فانه لم يعرف ما أراد بقوله «مسرجا» حتى اختلف فى تخريجه، فقيل: هو من قولهم للسيوف «سريجية» منسوبة إلى قين يقال له سريج، يريد أنّه فى الاستواء والدقة كالسيف السريجى. وقيل: من السراج، يريد أنّه فى البريق كالسراج، وهذا يقرب من قولهم: «سرج وجهه» أى: حسن، و «سرّج الله وجهه» أى: بهّجه وحسّنه.

стр. 40

وهذا بحث اهتم به النقاد والبلاغيون كابن سنان الذى عاب الذين يكثرون من الوحشى الغريب فى كلامهم وذكر ما وقع فيه بعضهم فخرج كلامه عن الفصاحة وبعد عن الفهم (١). وكابن الاثير الذى يرى أنّ الوحشى ليس المستقبح من الألفاظ وإنّما هو قسمان: غريب حسن، وغريب قبيح (٢). - مخالفة القياس اللغوى، كقول الراجز: الحمد لله العلىّ الأجلل ... الواهب الفضل الكريم المجزل فان القياس «الأجل» بالإدغام. ولم يوضح مخالفة القياس، وكان ابن سنان قد تكلم عليه ووضحه وأدخل فيه كل ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد فى الكلمة (٣) ووضع القزوينى قاعدة للفظة الفصيحة فقال: «ثم علامة كون الكلمة فصيحة أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها» (٤). وبعد أن انتهى من شروط اللفظة الفصيحة تحدّث عن فصاحة الكلام وهى: - خلوصه من ضعف التأليف، ومثل له بقوله: «ضرب غلامه زيدا» فان رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظا ممتنع عند الجمهور لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظا ورتبة، وقيل يجوز لقول الشاعر: جزى ربّه عنى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل - التنافر: وهو أن تكون الألفاظ بسببه متناهية فى الثقل على اللسان متتابعة كما فى البيت الذى أنشده الجاحظ: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
следующие страницы →