أما غير المعقد فهو أن يفتح صاحبه للفكرة الطريق ويمهده (١).
الثانى: راجع إلى اللفظ، وهو:
- أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدور واستعمالهم لها أكثر، لا مما أحدثها المولدون ولا مما أخطأت فيه العامة.
- وأن تكون أجرى على قوانين اللغة.
- وأن تكون سليمة من التنافر.
وجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة التى حصر مرجعها فى المعانى والبيان، ولم يجعل للفصاحة مرجعا فى شئ منهما، وهو فى ذلك يتابع عبد القاهر والرازى اللذين نظرا إلى النظم ولم يوليا اللفظ المفرد أهمية كبيرة.
ابن مالك:
واختصر بدر الدين بن مالك (- هـ) القسم الثالث من «مفتاح العلوم» وتكلم على الفصاحة وأطلق عليها اسم البديع الذى قال عنه «هو معرفة توابع الفصاحة» وعرّف الفصاحة بأنّها «صوغ الكلام على وجه له توفية بتمام الأفهام لمعناه وتبين المراد منه (٢)». وقسمها إلى معنوية ولفظية، وذكر ما فى «مفتاح العلوم» من صفاتهما، ثم قسم المعنوية إلى مختصة بالأفهام والتبيين ومختصة بالتزيين والتحسين. وهذه الأنواع الثلاثة هى علم البديع عند المتأخرين.
القزوينى:
وحينما جاء الخطيب القزوينى (- هـ) وجد الطريق ممهدا فأخذ عن علماء البلاغة المتقدمين ورتّب بحث الألفاظ ترتيبا علميا خالف فيه السكاكى
стр. 37
وبدر الدين، لأنّه اتخذها مقدمة للبلاغة، وفى هذه المقدمة التى كانت كشفا عن معنى الفصاحة والبلاغة وانحصار علم البلاغة فى المعانى والبيان- تكلم على صفات الألفاظ وما ينبغى أن تكون عليه. وكان بحثه إيذانا باتخاذ الفصاحة مقدمة لعلوم البلاغة بعد أن كانت موضوعا تشيع فيه الحياة (١).
بدأ القزوينى مقدمته بقوله: «للناس فى تفسير الفصاحة والبلاغة أقوال مختلفة لم أجد- فيما بلغنى منها- ما يصلح لتعريفهما به ولا ما يشير إلى الفرق بين كون الموصوف بهما الكلام وكون الموصوف بهما المتكلم، فالأولى أن نقتصر على تلخيص القول فيهما بالاعتبارين (٢)». وهذا غير صحيح، لأنّ البلاغيين اهتموا بهما ووضعوا لهما حدودا وفرّقوا بينهما، وكانت بحوث الجاحظ وقدامة وأبى هلال وعبد القاهر وابن سنان وابن الأثير من أروع ما كتب وأبدع ما خطته يد بلاغى ناقد، وما مقدمة القزوينى إلّا خلاصة هذه الدراسات، فكيف لم يترك القدماء تعريفا للفصاحة أو البلاغة يمكن الركون إليه؟ ولعله فى ذلك متأثر بدعوى عبد القاهر الذى يقول: «لم أزل منذ خدمت العلم أنظر فيما قاله العلماء فى معنى الفصاحة والبلاغة والبيان والبراعة وفى بيان المغزى من هذه العبارات وتفسير المراد بها فأجد بعض ذلك كالرمز والإشارة فى خفاء، وبعضه كالتنبيه على مكان الخبئ ليطلب وموضع الدفين يبحث عنه فيخرج» (٣). ويقول: «إنّا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم فى شئ من العلوم أن يحفظوا كلاما للأولين ويتدارسوه، ويكلم به بعضهم بعضا من غير أن يعرفوا له معنى ويقفوا منه على غرض صحيح، ويكون عندهم أن يسألوا عن بيان له وتفسير، إلّا علم الفصاحة فانك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء. وعبارات من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا أو يستطيعوا إن يسألوا عنها أن يذكروا لها تفسيرا يصح» (٤).
стр. 38
وهذا صحيح فى عهد التأليف الأول وعند عبد القاهر الذى لم يفرق بين المصطلحين، لأنهما عنده يعبر بهما عن فضل بعض القائلين على بعض من حيث نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد وراموا أن
يعلموهم ما فى نفوسهم ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم (١)، أما القزوينى فالأمر عنده مختلف، لأنّ مصطلحات البلاغة استقرت فى عهده وأصبح للفصاحة والبلاغة محتوى واضح. والفصاحة والبلاغة عند القزوينى تقع كل واحدة منهما صفة لمعنيين:
الأول: الكلام كما فى «قصيدة فصيحة أو بليغة»، و «رسالة فصيحة أو بليغة».
الثانى: المتكلم كما فى «شاعر فصيح أو بليغ»، و «كاتب فصيح أو بليغ».
وتحدث عن فصاحة اللفظة المفردة، وقال إنّ الفصاحة تقع صفة للمفرد فيقال «كلمة فصيحة» ولا يقال «كلمة بليغة». ووضع للفظة المفردة شروطا هى خلوصها من:
- تنافر الحروف: والتنافر منه ما تكون الكلمة بسببه متناهية فى الثقل على اللسان كما روى أنّ أعرابيا سئل عن ناقته فقال: «تركتها ترعى الهعخع». ومنه ما دون ذلك كلفظة «مستشزر» فى قول امرئ القيس:
غدائرها مستشزرات إلى العلى ... تضلّ العقاص فى مثنّى ومرسل
ولم يشرح القزوينى هذا التنافر ولم يذكر علته، وكان ابن سنان قد علله بقوله: «وعلة هذا واضحة وهى أنّ الحروف التى هى أصوات تجرى من السمع مجرى الألوان من البصر ولا شكّ فى أن الألوان المتباينة إذا جمعت
стр. 39
كانت فى المنظر أحسن من الألوان المتقاربة وبهذا كان البياض مع السواد أحسن منه مع الصفرة لقرب ما بينه وبين الأصفر وبعد ما بينه وبين الأسود.
وإذا كان هذا موجودا على هذه الصفة لا يحسن النزاع فيه كانت العلة فى حسن اللفظة المؤلفة من الحروف المتباعدة هى العلة فى حسن النقوش إذا مزجت من الألوان المتباعدة» (١).
لقد جمعت لفظة «الهعخع» القبح من أطرافه، لأنّ جميع حروفها حلقية، وحرف حلقى واحد يبعث على الثقل فكيف إذا اجتمع الهاء والعين والخاء فى كلمة واحدة؟ ولفظة «مستشزرات» - وإن كانت أخف منها- ثقيلة لتوسط الشين التى هى من الحروف المهموسة الرخوة بين التاء التى هى من المهموسة الشديدة والزاى التى هى من المجهورة الرخوة. ويرى النقاد أنّ امرأ القيس لو قال: «مستشرف» لزال الثقل.
- الغرابة: وهى أن تكون الكلمة وحشية لا يظهر معناها فيحتاج فى معرفته إلى البحث فى كتب اللغة، كما روى عن عيسى بن عمر النحوى أنّه سقط عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: «ما لكم تكأكأتم علىّ تكأكؤكم على ذى جنّة،
افرنقعوا عنى».
أو يخرج له وجه بعيد كما فى قول العجاج:
وفاحما ومرسنا مسرّجا
فانه لم يعرف ما أراد بقوله «مسرجا» حتى اختلف فى تخريجه، فقيل:
هو من قولهم للسيوف «سريجية» منسوبة إلى قين يقال له سريج، يريد أنّه فى الاستواء والدقة كالسيف السريجى. وقيل: من السراج، يريد أنّه فى البريق كالسراج، وهذا يقرب من قولهم: «سرج وجهه» أى: حسن، و «سرّج الله وجهه» أى: بهّجه وحسّنه.
стр. 40
وهذا بحث اهتم به النقاد والبلاغيون كابن سنان الذى عاب الذين يكثرون من الوحشى الغريب فى كلامهم وذكر ما وقع فيه بعضهم فخرج كلامه عن الفصاحة وبعد عن الفهم (١). وكابن الاثير الذى يرى أنّ الوحشى ليس المستقبح من الألفاظ وإنّما هو قسمان: غريب حسن، وغريب قبيح (٢).
- مخالفة القياس اللغوى، كقول الراجز:
الحمد لله العلىّ الأجلل ... الواهب الفضل الكريم المجزل
فان القياس «الأجل» بالإدغام.
ولم يوضح مخالفة القياس، وكان ابن سنان قد تكلم عليه ووضحه وأدخل فيه كل ما ينكره أهل اللغة ويرده علماء النحو من التصرف الفاسد فى الكلمة (٣)
ووضع القزوينى قاعدة للفظة الفصيحة فقال: «ثم علامة كون الكلمة فصيحة أن يكون استعمال العرب الموثوق بعربيتهم لها كثيرا أو أكثر من استعمالهم ما بمعناها» (٤).
وبعد أن انتهى من شروط اللفظة الفصيحة تحدّث عن فصاحة الكلام وهى:
- خلوصه من ضعف التأليف، ومثل له بقوله: «ضرب غلامه زيدا» فان رجوع الضمير إلى المفعول المتأخر لفظا ممتنع عند الجمهور لئلا يلزم رجوعه إلى ما هو متأخر لفظا ورتبة، وقيل يجوز لقول الشاعر:
جزى ربّه عنى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
- التنافر: وهو أن تكون الألفاظ بسببه متناهية فى الثقل على اللسان متتابعة كما فى البيت الذى أنشده الجاحظ:
وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر
стр. 41
ومنه ما دون ذلك كقول أبى تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معى وإذا ما لمته لمته وحدى
وسبب التنافر فى «أمدحه» ما بين الحاء والهاء من تنافر لأنهمّا حلقيان، وتكرار الكلمة، فى الشرط والجزاء.
- التعقيد: وهو أن لا يكون ظاهر الدلالة على المراد به وله سببان:
الأول: ما يرجع إلى اللفظ وهو أن يختل الكلام ولا يدرى السامع كيف يتوصل منه إلى معناه كقول الفرزدق:
وما مثله فى الناس إلّا مملكا ... أبو أمه حىّ أبوه يقاربه
ووضع القزوينى قاعدة للكلام الخالى من التعقيد اللفظى وقال إنّه:
«ما سلم نظمه من الخلل فلم يكن فيه ما يخالف الأصل من تقديم أو تأخير أو إضمار أو غير ذلك إلّا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة لفظية أو معنوية (١).
وهذا ما تكلم عليه عبد القاهر وسماه «التعقيد» أو «فساد النظم» (٢) وأدخله ابن سنان فى بحث التقديم والتأخير (٣)، وعدّه ابن الأثير من المعاظلة المعنوية التى يسببها التقديم والتأخير» (٤).
الثانى: ما يرجع إلى المعنى وهو أن لا يكون فى انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثانى الذى هو لازمه والمراد به ظاهرا كقول العباس بن الأحنف:
سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناى الدموع لتجمدا
стр. 42
كنّى بسكب الدموع عما يوجبه الفراق من الحزن، وأصاب؛ لأنّ من شأن البكاء أن يكون كناية عنه كقولهم: «أبكانى وأضحكنى» أى:
أساءنى وسرنى، كما قال الحماسى:
أبكانى الدهر ويا ربّما ... أضحكنى الدهر بما يرضى
ثم طرد ذلك فى نقيضه فأراد أن يكنّى عما يوجبه دوام التلاقى من السرور بالجمود لظنه أنّ الجمود خلوّ العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شئ آخر، وأخطأ لأنّ الجمود خلوّ العين من البكاء فى حال إرادة البكاء منها فلا يكون كناية عن المسرة وإنّما يكون كناية عن البخل كما قال الشاعر:
ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجارى دمعها لجمود
وضبط القزوينى الكلام الخالى من التعقيد وقال عنه: «ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثانى الذى هو المراد به ظاهرا حتى يخيل إلى السامع أنّه فهمه من حاقّ اللفظ» (١).
وأضاف إلى ذلك خلوص الكلام من كثرة التكرار، كقول المتنبى:
وتسعدنى فى غمرة بعد غمرة ... سبوح لها منها عليها شواهد
وخلوّه من تتابع الإضافات، كقول ابن بابك:
حمامة جرعا حومة الجندل اسجعى ... فأنت بمرأى من سعاد ومسمع
وكان الصاحب بن عباد قد أشار إليه بقوله: «إياك والاضافات المتداخلة فانها لا تحسن». ويرى القزوينى أنّ هذا الشرط لا يؤخذ به دائما، لأنّ ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثقل على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه وإلّا فلا تخلّ بالفصاحة، وقد قال النبى ﷺ : «الكريم بن الكريم
стр. 43
ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم». وهذا رأى عبد القاهر الذى قال: «لكنه إذا سلم من الاستكراه ملح ولطف».
ومما حسن فيه قول ابن المعتز:
وظلّت تدير الراح أيدى جآذر ... عتاق دنانير الوجوه ملاح
ومما جاء فيه حسنا جميلا قول الخالدى يصف غلاما له:
ويعرف الشعر مثل معرفتى ... وهو على أن يزيد مجتهد
وصيرفىّ القريض وزّان دينا ... ر المعانى الدقاق منتقد (١)
ومما يتصل بالألفاظ المركبة: الفنون التى سماها البلاغيون «المحسنات اللفظية» وهى عظيمة الأهمية فى دراسة الألفاظ، وينبغى أن توضع فى بحث الفصاحة لأنّ لها تأثيرا فى الكلام. وإذا تابع القزوينى صاحب «مفتاح العلوم» فتحدث عنها فى البديع فان دراستها هنا أجدى وأكثر نفعا. وقد سبق إلى ذلك علماء البلاغة كابن الأثير الذى قسم الصناعة اللفظية قسمين:
الأول: فى اللفظة المفردة.
الثانى: فى الألفاظ المركبة، وهى السجع، والتصريع، والتجنيس، والترصيع، ولزوم ما لا يلزم، والموازنة، واختلاف صيغ الألفاظ، وتكرار الحروف.
هذه دراسة البلاغيين للفصاحة، أما النقاد فقد تحدثوا عن دقة الألفاظ وإيحائها وسهولتها وجزالتها وألفتها وغرابتها وغير ذلك مما نجده فى كتب البلاغة والنقد، وهو حديث فيه طرافة وجدّة يتم ما ذكره البلاغيون عن الفصاحة وأوصافها.
стр. 44
واهتم المعاصرون بالبحث فى الألفاظ الموحية والقوية والمؤنسة والعذبة، وتحدثوا عن تآلفها وتعبيرها عن الانفعال والفكرة وإحداثها الصور البديعة، وعنوا بها؛ لأنّ اختيار الكلمة المؤثرة هى أول خطوة للبناء الفنى.
وكنا قد دعونا- كما دعا أمين الخولى- إلى الاقتصار على مصطلح «البلاغة» للدلالة على الفصاحة والبلاغة. ومما قلناه قبل أعوام: «ونرى- كما يرى الأستاذ أمين الخولى- أنّه لا حاجة إلى استعمال مصطلحين هما «الفصاحة» و «البلاغة» بل ينبغى التسوية بينهما كما رأينا عند الجاحظ وعبد القاهر تقليلا للأقسام، فنقول «بلاغة الكلمة» و «بلاغة الكلام» كما نستطيع أن نقول «بلاغة الألفاظ» و «بلاغة المعانى» أى جودة ذلك.
وحينئذ نقول: إنّ من شروط البلاغة أن تكون الألفاظ كذا وكذا، ولا يعتبر الكلام بليغا ما لم تكن ألفاظه حسنة
كمعانيه، وبذلك لا يكون مجال لقولهم إنّ فصاحة الألفاظ غير مستلزمة لبلاغتها وإن صرح السكاكى بأنّ البلاغة والفصاحة مما يكسو الكلام حلة التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين» (١).
ولكن الأيام تغير كثيرا من الأحكام، فقد اتضح لنا أنّ استعمال مصطلح «الفصاحة للدلالة على الدراسة المتصلة بالألفاظ أكثر دقة وشمولا وجمعا لما تفرق من هذه المباحث فى كتب البلاغة والنقد. ولا يضير الدراسات الحديثة التمسك بالمصطلحات القديمة ذات الدلالة الواسعة والواضحة معا.
والفصاحة إحدى تلك المصطلحات التى يمكن أن تجمع فى إطارها جميع البحوث الصوتية واللفظية، وهى دراسات واسعة ومجدية فى دراسة الأدب ونقده.
стр. 45
الفصل الثانى البلاغة
كلمة «البلاغة» من الكلمات التى شاع استعمالها فى كتب الأدب، وكانت هى والفصاحة صنوين تستعملان معا أو تستعمل الواحدة فى موضع الأخرى.
فى اللغة:
والبلاغة- فى اللغة- الانتهاء والوصول، وفى لسان العرب: «بلغ الشئ يبلغ بلوغا وبلاغا: وصل وانتهى. تبلغ بالشئ: وصل إلى مراده.
البلاغ: ما يتبلغ به ويتوصل إلى الشئ المطلوب. البلاغ: ما بلغك، والكفاية.
الإبلاغ: الإيصال. بلغت المكان بلوغا: وصلت إليه، وكذا إذا شارفت عليه».
وأشار ابن منظور إلى المعنى الاصطلاحى فقال: «البلاغة: الفصاحة.
والبلغ والبلغ: البليغ من الرجال. ورجل بليغ وبلغ وبلغ: حسن الكلام فصيحه يبلغ بعبارة لسانه كنه ما فى قلبه، والجمع بلغاء. وقد بلغ بلاغة:
صار بليغا».
وليس فى هذا القول غير المعنى العام للكلمة، فهى- أولا- الانتهاء والوصول إلى الغاية، وهى، ثانيا- الفصاحة،
أى أنّ الكلمتين مترادفتان.
وهذا رأى معظم اللغويين والبلاغيين الأوائل.
فى القرآن:
ولو تلمسنا هذه اللفظة فى التراث العربى لرأيناها شائعة معروفة، وقد جاءت لفظة «بليغ» فى قوله تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ
стр. 46
لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً» (١). يقول الراغب الأصفهانى فى تفسيرها:
«البلاغة تقال على وجهين:
أحدهما: أن يكون بذاته بليغا، وذلك بأن يجمع ثلاثة أوصاف:
صوابا فى موضوع لغته، وطبقا للمعنى المقصود، وصدقا فى نفسه. ومتى اخترم وصف من ذلك كان ناقصا فى البلاغة.
والثانى: أن يكون بليغا باعتبار القائل والمقول له، وهو أن يقصد القائل أمرا فيرده على وجه حقيق أن يقبله المقول له. وقوله تعالى: «وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً» يصح حمله على المعنيين» (٢).
وذهب الزمخشرى مذهبا نفسيا فى تفسيرها، وأشار إلى تأثيرها رمزا فى قوله: «قل لهم قولا بليغا مؤثرا فى قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعائرا» (٣).
فى الحديث:
وليس فى أحاديث النبى- ﷺ ما يشير إلى هذا المعنى مع كثرة ما جاء من مشتقاتها فى كلامه (٤). فقد ورد عنه قوله: «إنّ الله يبغض البليغ الذى يتخلل بلسانه». وجاء عنه أنه عاب فيه المتشادقين والثرثارين والذى يتخلل بلسانه تخلل الباقرة بلسانها (٥).
فى التراث:
ولا نكاد نعثر على بغيتنا فى فترة صدر الإسلام، وحينما جاء العصر الأموى نجد معاوية بن أبى سفيان يسأل صحارا بن عياش: «ما هذه البلاغة
стр. 47
التى فيكم؟» قال: «شئ تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا». وقال له معاوية: «ما تعدّون البلاغة فيكم؟» قال «الايجاز». قال له معاوية: «وما الإيجاز؟» قال صحار: «أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ» (١).
وفى كتاب «البيان والتبيين» تعريفات كثيرة للبلاغة عند العرب وغيرهم، فقد قيل للفارسى: ما البلاغة؟ قال: معرفة الفصل من الوصل. وقيل لليونانى: ما البلاغة؟ قال: حسن الاقتضاب عند البداهة، والغزارة يوم الإطالة. وقيل للهندى: ما البلاغة؟ قال: وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. وقال بعض أهل الهند: «جماع البلاغة: البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة» (٢).
وفسرها عمرو بن عبيد (- هـ) فى أول الأمر تفسيرا دينيا حين قيل له: ما البلاغة؟ فقال: ما بلغ بك الجنة، وعدل بك عن النار، وما بصرك مواقع رشدك وعواقب غيك. قال السائل: ليس هذا أريد. قال:
من لم يحسن أن يسكت لم يحسن أن يستمع ومن لم يحسن الاستماع لم يحسن القول. قال: ليس هذا أريد. قال: قال النبى- ﷺ :
«إنّا معشر الأنبياء بكاء» أى: قليلو الكلام، ومنه قيل: «رجل بكئ».
وكانوا يكرهون أن يزيد منطق الرجل على عقله. قال: قال السائل: ليس هذا أريد. قال: كانوا يخافون من فتنة القول ومن سقطات الكلام ما لا يخافون من فتنة السكوت ومن سقطات الصمت. قال السائل: ليس هذا أريد. قال عمرو: فكأنك تريد تخير اللفظ فى حسن الإفهام؟ قال:
نعم. قال: إنّك إذا أوتيت تقرير حجة الله فى عقول المكلفين وتخفيف المؤونة على المستمعين وتزيين تلك المعانى فى قلوب المريدين بالألفاظ المستحسنة، فى الآذان، المقبولة عند الأذهان رغبة فى سرعة استجابتهم
стр. 48
ونفى الشواغل عن قلوبهم بالموعظة الحسنة على الكتاب والسنة، كنت قد أوتيت فصل الخطاب واستحققت على الله جزيل الثواب (١).
وقال الأصمعى (- هـ) عن البليغ إنّه: «من طبّق المفصل وأغناك عن المفسّر» (٢).
وقال العتابى (- هـ) إنّ كل من أفهمك حاجته من غير إعادة ولا حبسة ولا استعانة فهو بليغ، فان أردت اللسان الذى يروق الألسنة ويفوق كل خطيب فاظهار ما غمض من الحق وتصوير الباطل فى صورة الحق» (٣).
الجاحظ:
ولم يعرفها الجاحظ (- هـ) بعد أن ذكر كثيرا من تعريفاتها، واكتفى بأن اختار قولا أعجبه. يقول: «وقال بعضهم- وهو من أحسن ما اجتبيناه ودوّناه- لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك (٤)»
وليس فى هذا التعريف ما يشير إلى المعنى الاصطلاحى الذى حدّده البلاغيون، والجاحظ فى كل ما ذكر لا يضع بين الفصاحة والبلاغة حدا فاصلا، فكثيرا ما تأتيان مترادفتين وهما عنده البيان بمعناه الواسع قبل أن يقيده المتأخرون.
المبرد:
وللمبرد (- هـ) رسالة صغيرة سماها «البلاغة» أجاب فيها عن رسالة أحمد بن الواثق الذى سأله: «أى البلاغتين أبلغ؟ أبلاغة الشعر أم بلاغة الخطب والكلام المنثور والسجع؟ وأيتهما عندك- أعزك الله- أبلغ؟»
стр. 49
وأجابه المبرد: «إنّ حق البلاغة إحاطة القول بالمعنى واختيار الكلام وحسن النظم حتى تكون الكلمة مقاربة أختها ومعاضدة شكلها، وأن يقرب بها البعيد، ويحذف منها الفضول» (١).
ومصطلح «البلاغة» فى هذه الرسالة لا يعنى العلم المعروف، وإنّما هو تحديد لبعض معانيها. وإذا لم نجد فيها ما
نطمح إليه فاننا نستطيع القول إنّ المبرد أول من أطلق «البلاغة» على بعض رسائله.
العسكرى:
ويظهر مصطلح البلاغة بوضوح فى «كتاب الصناعتين» لأبى هلال العسكرى (- هـ) الذى قال: «إن أحق العلوم بالتعلم وأولاها بالتحفظ بعد المعرفة بالله- جل ثناؤه- علم البلاغة ومعرفة الفصاحة (٢)». وقال: «البلاغة من قولهم: بلغت المكان، إذا انتهيت إليها وبلغتها غيرى، ومبلغ الشئ منتهاه. والمبالغة فى الشئ: الانتهاء إلى غايته، فسميت البلاغة بلاغة، لأنها تنهى المعنى إلى قلب السامع فيفهمه، وسميت البلغة بلغة لأنك تتبلغ بها فتنتهى بك إلى ما فوقها وهى البلاغ أيضا (٣)» وأبدى رأيه فى تعريفها، وحدّدها بقوله: «البلاغة: كل ما تبلغ به قلب السامع فتمكنه فى نفسه كتمكنه فى نفسك، مع صورة مقبولة ومعرض حسن» (٤).
والبلاغة- عنده- من صفة الكلام لا من صفة المتكلم، ولذلك لا يجوز أن يسمّى الله بليغا، إذ لا يجوز أن يوصف بصفة موضوعها الكلام. وتسمية المتكلم بأنّه بليغ توسع، وحقيقته أنّ كلامه بليغ كما نقول: «رجل محكم» ونعنى أنّ أفعاله محكمة. قال تعالى: «حِكْمَةٌ بالِغَةٌ» (٥) فجعل البلاغة من
стр. 50
صفة الحكمة ولم يجعلها من صفة الحكيم، إلّا أنّ كثرة الاستعمال جعلت تسمية المتكلم بأنّه بليغ كالحقيقة.
وفى كتاب الصناعتين رأيان:
الأول: أنّ الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد وإن اختلف أصلاهما، لأنّ كل واحد منهما إنّما هو الإبانة عن المعنى والإظهار له.
والثانى: أنّ الفصاحة والبلاغة مختلفتان، ذلك أنّ الفصاحة تمام آلة البيان فهى مقصورة على اللفظ، لأنّ الآلة تتعلق باللفظ دون المعنى، والبلاغة إنّما هى إنهاء المعنى إلى القلب فكأنها مقصورة على المعنى (١).
ابن سنان:
وحاول ابن سنان الخفاجى (- هـ) أن يحدد البلاغة ويرسم معالمها غير أنّه لم يأت بالكلمة الفاصلة والتعريف الجامع المانع. ولم يك وحده الذى فعل ذلك فقد مرت بالبلاغة تعريفات كثيرة نقلها الجاحظ فى «البيان والتبيين» وأبو هلال فى «كتاب الصناعتين»، ولذلك أشار إلى اضطراب القوم فى حدها والوقوف على كنهها، وقال: «وقد حدّ الناس البلاغة بحدود إذا حققت كانت كالرسوم والعلائم وليست بالحدود الصحيحة فمن ذلك قول بعضهم «لمحة دالة» وهذا وصف من صفاتها فأما أن يكون حاصرا لها وحدا يحيط بها فليس ذلك بممكن لدخول الإشارة من غير كلام يتلفظ به تحت هذا الحد» (٢).
ولم يعرف البلاغة، وإنما فرق بينها وبين الفصاحة وقال: «والفرق بين الفصاحة والبلاغة، أنّ الفصاحة مقصورة على وصف الألفاظ، والبلاغة لا تكون إلّا وصفا للألفاظ مع المعانى. لا يقال فى كلمة واحدة لا تدل على
стр. 51
معنى يفضل عن مثلها بليغة وإن قيل فيها فصيحة، وكل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا» (١).
لقد وضع ابن سنان حدّا فاصلا بين المصطلحين، وحصر الفصاحة فى الألفاظ، والبلاغة فى المعانى والألفاظ، وأصبحت الفصاحة شطر البلاغة وأحد جزأيها. وهذه التفاتة حسنة، ولكنه أطلق «الفصاحة» على موضوعات البلاغة وسمى كتابه «سر الفصاحة» ومعنى ذلك أنّها تشمل الألفاظ والمعانى وقد أوضح ذلك بقوله: «وفى البلاغة أقوال كثيرة غير خارجة عن هذا النحو، وإذا كانت الفصاحة شطرها وأحد جزأيها فكلامى على المقصود- وهو الفصاحة- غير متميز إلّا فى الموضع الذى يجب بيانه من الفرق بينهما على ما قدمت ذكره، فأما ما سوى ذلك فعام لا يختص، وخليط لا ينقسم» (٢)
وابن سنان حينما ينتقل إلى تأليف الكلام يظل مرتبطا بالحديث عن الألفاظ، لأنّ البلاغة أن توضع الألفاظ موضعها حقيقة أو مجازا، تقديما أو تأخيرا، قلبا أو حشوا، وغير ذلك مما فصّل القول فيه.
عبد القاهر:
ولم يفرّق عبد القاهر (- هـ) أو (هـ) بين المصطلحين، لأنّهما يعبر بهما عن «فضل بعض القائلين على بعض من حيث
نطقوا وتكلموا وأخبروا السامعين عن الأغراض والمقاصد، وراموا أن يعلموهم ما فى نفوسهم، ويكشفوا لهم عن ضمائر قلوبهم» (٣).
والفصاحة والبلاغة والبراعة والبيان تأتى مترادفة عنده، ومعنى ذلك أنّ الحدود بينها لم تتضح، وأنّ هذه المصطلحات لم تستعمل وتأخذ معناها الدقيق.
стр. 52
الرازى:
ولم تأخذ لفظة «البلاغة» دلالتها المعروفة عند فخر الدين الرازى (هـ) وهى عنده: «بلوغ الرجل بعبارته كنه ما فى قلبه مع الاحتراز عن الاختصار المخل والاطالة المملة» (١) ولكنه ربط الفصاحة والبلاغة بالمعنى، ونحا منحى عبد القاهر فى فهمها.
ابن الأثير:
وقال ابن الأثير (- هـ) إنّ الكلام يسمى بليغا لأنه بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية، والبلاغة شاملة للألفاظ والمعانى وهى أخص من الفصاحة كالإنسان من الحيوان، وليس كل حيوان إنسانا، وكذلك يقال: «كل كلام بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغا». وفرّق بينهما وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاص والعام، وهى أنّها لا تكون إلّا فى اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فانّ اللفظة المفردة لا تنعت بالبلاغة وتنعت بالفصاحة إذ يوجد فيها الوصف المختص بالفصاحة وهو الحسن، وأما وصف البلاغة فلا يوجد فيها لخلوها من المعنى المفيد الذى ينتظم كلاما (٢)
السكاكى:
وحينما قسم السكاكى (- هـ) البلاغة ووضع معالمها فى كتابه «مفتاح العلوم» عرّفها تعريفا دقيقا وقال: «هى بلوغ المتكلم فى تأدية المعانى حدا له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد التشبيه والمجاز والكناية على وجهها» (٣).
وبهذا التعريف أدخل مباحث علم المعانى وعلم البيان، وأخرج مباحث البديع، لأنّه وجوه يؤتى بها لتحسين الكلام وهى ليست من مرجعى البلاغة
стр. 53
وللبلاغة طرفان: أعلى وأسفل متباينان تباينا لا يتراءى لأحد ناراهما وبينهما مراتب متفاوتة تكاد تفوت الحصر، فمن الأسفل تبتدئ البلاغة، وهو القدر الذى إذا نقص منه شئ التحق ذلك الكلام بأصوات الحيوانات ثم تأخذ فى التزايد متصاعدة إلى أن تبلغ حد الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه.
ولم يعرّف الفصاحة واكتفى بتقسيمها إلى قسمين: قسم راجع إلى المعنى، وقسم راجع إلى اللفظ، ولم يجعلها لازمة للبلاغة التى حصر مرجعيها فى المعانى والبيان. وقد أشار القزوينى إلى ذلك بقوله: «وجعل الفصاحة غير لازمة للبلاغة، وحصر مرجع البلاغة فى الفنين، ولم يجعل الفصاحة مرجعا لشئ منهما» (١). وقال التفتازانى: «لم يجعل البلاغة مستلزمة للفصاحة، وحصر مرجعها فى المعانى والبيان دون اللغة والصرف والنحو» (٢)، ورأى أنّ مرجعها إلى هذه العلوم جميعا لا إلى مجرد المعانى والبيان.
ولكن السكاكى- مع ذلك كله- رأى أنّ البلاغة بمرجعيها والفصاحة بنوعيها «مما يكسو الكلام حلة التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين» (٣) ولذلك نراه حينما حلل بعض الآيات القرآنية اتخذ من مرجعى البلاغة ومن الفصاحة مقياسا لإظهار ما فيها من صور بيانية ومن روعة وتأثير فى النفوس.
القزوينى:
وكان الخطيب القزوينى (- هـ) آخر من وقف عند البلاغة من المتأخرين وميز بين بلاغة الكلام وبلاغة المتكلم فقال عن الأولى: «وأما بلاغة الكلام فهى مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته» ومقتضى الحال مختلف ومقامات الكلام متفاوتة، فمقام التنكير يباين مقام التعريف، ومقام الإطلاق يباين مقام التقييد، ومقام التقديم يباين مقام التأخير، ومقام الذكر
стр. 54
يباين مقام الحذف، ومقام القصر يباين مقام خلافه، ومقام الفصل يباين مقام الوصل، ومقام الإيجاز يباين مقام الإطناب والمساواة، وكذا خطاب الذكى يباين خطاب الغبى، وكذا لكل كلمة مع صاحبتها مقام. وتطبيق الكلام على مقتضى الحال هو الذى يسميه عبد القاهر النظم. (١)
وقال عن الثانية: «وأما بلاغة المتكلم فهى ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ» (٢). وقرر أنّ كل بليغ- كلاما كان أم متكلما- فصيح، وليس كل فصيح بليغا، وأنّ البلاغة فى الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ فى تأدية المعنى المراد، وإلى تمييز الكلام الفصيح من غيره.
وقسّم البلاغة إلى ثلاثة أقسام، فكان ما يحترز به عن الخطأ علم المعانى، وما يحترز به عن التعقيد المعنوى علم البيان، وما يعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه على مقتضى الحال وفصاحته علم البديع. فالبلاغة- عنده- ثلاثة:
- علم المعانى.
- علم البيان.
- علم البديع.
ولم يخرج البلاغيون المتأخرون عن هذا التعريف والتقسيم، وأصبح مصطلح البلاغة يضم هذه العلوم الثلاثة.
رأى:
وحينما أطل فجر النهضة الحديثة حاول العرب التجديد فى الدراسات الأدبية، وكان للبلاغة نصيب منه. ومن أشهر الذين عنوا بذلك المرحوم أمين الخولى الذى أطلق على البلاغة «فن القول»، وسماه غيره «فن الكتابة» أو «فن التأليف الأدبى» أو «فن الإنشاء» أو «علم الأساليب» أو «فن
стр. 55
الأنواع الأدبية» وحجتهم أنّ مصطلح «البلاغة» قد رثّ من كثرة ما تداولته الأجيال وأصبح مقترنا بألوان الأدب القاتمة التى خلّفتها العهود المظلمة.
ولو عدنا إلى المصطلحات الجديدة التى حاول الدارسون أن يربطوا البلاغة يها ويقضوا على المصطلح القديم لرأيناهم غير موفقين، لأنّ مصطلحاتهم لا تحمل المعانى الكثيرة التى تحملها لفظة «البلاغة» القديمة، فلا «فن القول» ولا «علم الأساليب» ولا «فن الانشاء» تغنى عن هذا المصطلح أو تضم مباحثه وأقسامه كلها، لأنّ لكل مصطلح منها دلالته فى لغته التى استعمل فيها، وأنّ بعضها فقد محتواه بعد ترجمته وأصبح يضيق بالبلاغة العربية ذات الإرث العريق.
وقد آثر بعضهم مصطلح «البلاغة» على هذه المصطلحات، وقال الأستاذ عدنان بن ذريل: «لقد وسعت مجالات البحث البلاغى الحديث إلى حدود أرحب أفقا، وسعت من حدود اللفظة والجملة إلى المجالات الرحبة التى للنوع الأدبى الواحد والأساليب المتنوعة فى القول، وصارت تشمل ما يكفل تبين إبداع الأديب أو جمال أدبه. ولنلاحظ أخيرا أنّ البلاغة كمصطلح فنى أدبى حديث تشمل الأسلوب وعلمه، إلا أنّها إلى جانب ذلك تتضمن الطاقة الأدبية أو الملكة أو المقدرة على التعبير عند الأديب، كما أنها تقصدها، وبذلك هى تتميز عن مصطلح أسلوب أو علم أسلوب. وبالفعل إذا نحن قارنا بين مصطلحى «بلاغة» و «علم الأسلوب» وجدنا أنّ مصطلح «بلاغة» يضعنا أمام ملكة التعبير الأدبى ثم التعبير الأدبى، كما يضعنا أمام أصول الأدب وجماله، بينما مصطلح «علم الأسلوب» أو «علم الأساليب» لا يتعدى إيحاؤه دراسة التعبير الأدبى وأساليبه، ومصطلح «أسلوب» مصطلح حديث يقصد طريقة فى التعبير خاصة بالأديب. يضاف إلى ذلك أنّ مصطلح «بلاغة» يشمل أيضا بحث الذوق الذى ظل الأقدمون ينوهون به، وهو أساسى أيضا فى بحث المحدثين، الأمر الذى يقربنا من المجالات المختلفة التى
стр. 56
للدراسة الأدبية وللتعبير الأدبى ومطابقته مقتضيات أحوال المخاطبين والجمهور» (١).
وهذا ما آمنا به بعد دراسة طويلة للبلاغة ومصطلحاتها، وبذلك يبقى هذا المصطلح محتفظا بمعناه البلاغى القديم ومحتواه الأدبى الجديد، جامعا كثيرا من المباحث التى لا يمكن أن تضمها المصطلحات الجديدة كالفصاحة أو دراسة الألفاظ وعلم المعانى وعلم البيان وعلم البديع، وهى من أقدم الفنون التى عنى بها البلاغيون وأولوها أهمية عظيمة، وكانت دراساتهم المفصلة ونظراتهم العميقة دليلا على تلك العناية. أما التعبير الأدبى والملكة على إنشائه أو نقده فقد عبر عنها القزوينى تعبيرا دقيقا حينما قال: «وأما بلاغة الكلام فهى مطابقته لمقتضى الحال مع
فصاحته» ... «وأما بلاغة المتكلم فهى ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ»، وفى هاتين العبارتين إشارة إلى الملكة الأدبية والتعبير الأدبى. ويضاف إلى ذلك أنّ مصطلح أسلوب لا يشمل البلاغة كلها بل يخص بعضها أو يكون أشد ارتباطا بقسم من موضوعاتها وهى «علم المعانى» ولذلك سمينا هذا الكتاب «أساليب بلاغية» وسمينا ما يبحث فى علمى البيان والبديع «فنون بلاغية»، وهى تسمية ليست أخيرة ولكنها أقرب إلى روح البلاغة العربية التى تضم الأساليب والفنون وغيرها.
وأما الذوق فقد كان من القضايا التى اهتم بها البلاغيون وأقاموا عليها أحكامهم، ولا يخلو كتاب بلاغى أو نقدى من الرجوع إليه أو التحدث عنه وعقد فصول ضافية عنه، ومن ذلك الفصل الرائع الذى ختم به عبد القاهر الجرجانى كتابه «دلائل الاعجاز» وقرر أنّ العمدة فى إدراك البلاغة هو الذوق والإحساس الروحانى، وأنه لا بد من تهذيبه بالوقوف على مواطن الجمال فى الأدب، ولن يفهم الأدب ويهتز له من عدم الذوق وفقد الإحساس والشعور مهما أوتى من علم بالبلاغة وقواعدها، ومهما كدّ ذهنه وأجهد عقله. يقول
стр. 57
مصوّرا ذلك أحسن تصوير: «والبلاء والداء العياء أن هذا الإحساس قليل فى الناس حتى أنّه ليكون أن يقع للرجل من هذه الفروق والوجوه فى شعر يقوله أو رسالة يكتبها الموقع الحسن ثم لا يعلم أنه قد أحسن فأما الجهل بمكان الإساءة فلا تعدمه، فلست تملك إذن من أمرك شيئا حتى تظفر بمن له طبع إذا قدحته ورى، وقلب إذا أريته رأى، فأما وصاحبك من لا يرى ما تريه ولا يهتدى للذى تهديه فانت رام معه فى غير مرمى، معنّ نفسك فى غير جدوى. وكما لا تقيم الشعر فى نفس من لا ذوق له، كذلك لا تفهم هذا الشأن من لم يؤت الآلة التى بها يفهم. إلّا أنّه إنّما يكون البلاء إذا ظن العادم لها أنّه أوتيها وأنّه ممن يكمل للحكم ويصح منه القضاء فجعل يقول القول لو علم غيّه لاستحيا منه، فأما الذى يحس بالنقص من نفسه ويعلم أنّه قد علم علما أوتيه من سواه فأنت منه فى راحة وهو رجل عاقل قد حماه عقله أن يعدو طوره وأن يتكلف ما ليس بأهل له» (١).
لقد ضمت كتب البلاغة البحث فى الفصاحة والمعانى والبيان والبديع والسرقات والذوق الأدبى والإحساس الروحانى والعاطفة، وليس هناك ما يمنع أن تدرس الكتب الحديثة هذه الفنون ويعنى بها كما فعل القدماء، ويظل مصطلح «البلاغة» جامعا لها كما كان، لأنّ أى مصطلح من المصطلحات الجديدة التى أسرف بعضهم فى إشاعتها والتعصب لها لا يجمعها ويوحد بينها، وبذلك نحتفظ بالمصطلح القديم وما ينضوى تحته من فنون قديمة
وحديثة، وللباحثين الجدد الحرية الواسعة فى معالجتها ورسم المناهج التى تكفل فائدتها وتطورها، ما دامت الأصول ثابتة والأسس متينة راسخة.
стр. 58
المعانى
الكتاب الثانى [المعاني]
стр. 59
الفصل الأول علم المعانى
علم المعانى من المصطلحات التى أطلقها البلاغيون على مباحث بلاغية تتصل بالجملة وما يطرأ عليها من تقديم وتأخير، أو ذكر وحذف، أو تعريف وتنكير، أو قصر، أو فصل ووصل، أو إيجاز وإطناب.
وليس فى كتب البلاغة الأولى إشارة إلى هذا العلم، ولا نعرف أحدا استعمله وسمّى به قسما من موضوعات البلاغة قبل السكاكى (- هـ).
وكان الأوائل يستعملون مصطلح «المعانى» فى دراساتهم القرآنية والشعرية، فيقولون: «معانى القرآن» أو «معانى الشعر»، ويتخذون من ذلك أسماء لكتبهم، وليس فى هذه المصطلحات ما يتصل بالبلاغة أو أحد علومها.
ولعل عبارة «معانى النحو» التى وردت فى المناظرة التى جرت بين الحسن بن عبد المرزبانى المعروف بأبى سعيد السيرافى (- هـ) وأبى بشر متّى بن يونس فى مجلس الوزير أبى الفتح بن جعفر بن الفرات كانت من أقدم الإشارات إلى هذا المصطلح بمعناه القريب من البلاغة. قال السيرافى:
«معانى النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف فى مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير، وتوخى الصواب فى ذلك وتجنب الخطأ من ذلك، وإن زاغ شئ عن هذا النعت فانه لا يخلو من أن يكون سائغا بالاستعمال بالنادر والتأويل البعيد أو مردودا لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم» (١).
стр. 60
وعقد أحمد بن فارس (- هـ) فى كتابه «الصاحبى» بابا سماه «معانى الكلام» (١) وهى عند أهل العلم عشرة: خبر واستخبار، وأمر ونهى، ودعاء وطلب، وعرض وتحضيض، وتمن وتعجب. وبذلك يكون ابن فارس أول من أطلق مصطلح «معانى الكلام» على مباحث الخبر والإنشاء التى أصبحت فيما بعد أهم فصول علم المعانى.
نظرية النظم:
وكان لنظرية النّظم أثر كبير فى ظهور هذا اللون من الدراسات، وللنحاة العرب يد طولى فى دراسة الكلام وتحليله والوقوف عند الجملة وما يطرأ عليها من تقديم وتأخير، أو ذكر وحذف. ولعل سيبويه (- هـ) كان من أقدم الذين وقفوا عند هذه الجوانب ودرسها بعمق فى فصول كتابه الشهير وأبوابه، ولكن سيبويه والنحاة لم يسموا هذه البحوث نظما وإنّما هى قواعد تسير عليها العرب فى كلامها أو إنشائها. ولا نستطيع أن ننسب إليهم بعد ذلك نظرية النظم التى حاول بعض المعاصرين أن يربطها بهؤلاء النحاة ربطا وثيقا ليجرد البلاغيين الأصالة والتجديد، مع إيماننا بأنّ الموضوعات التى بنيت عليها هذه الفكرة كانت نحوية محضة، وقد استفاد منها البلاغيون وطوروها وصوروها أحسن تصوير.
وإذا أردنا أن نتلمس فكرة النظم فينبغى أن نتلمسها فى كتب أخرى بعد أن رأينا ارتباطها بكتب النحو. وأقدم إشارة عثرنا عليها فى الكتب العربية عبارة ابن المقفع (- هـ) التى أشار فيها إلى صياغة الكلام. قال:
«فاذا خرج الناس من أن يكون لهم عمل وأن يقولوا قولا بديعا. فليعلم الواصفون المخبرون أنّ أحدهم وإن أحسن وأبلغ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا فنظمه قلائد وسموطا وأكاليل ووضع كل فص موضعه وجمع إلى كل لون شبهه مما يزيده بذلك حسنا فسمّى بذلك صائغا رقيقا، وكصاغة الذهب والفضة صنعوا فيها ما
стр. 61
يعجب الناس من الحلى والآنية، وكالنحل وجدت ثمرات أخرجها الله طيبة وسلكت سبلا جعلها الله ذللا فصار ذلك شفاء وطعاما وشرابا منسوبا إليها مذكورا به أمرها وصنعتها. فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه أو يستحسن منه فلا يعجبن به إعجاب المخترع المبتدع، فانه إنما اجتباه كما وصفنا» (١)
وأخذ البلاغيون هذا الكلام وأداروه فى كتاباتهم من غير أن يشيروا إلى ابن المقفع فقال الجاحظ (- هـ): «فانما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير» (٢)، وتحدث عن النظم فى كتبه وسمّى أحدها «نظم القرآن»، قال: «كما عبت كتابى فى الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه» (٣). وقال: «وفى كتابنا المنزل الذى يدلّ على أنّه صدق، نظمه البديع الذى لا يقدر على مثله العباد مع ما سوى ذلك من الدلائل التى جاء بها من جاء به» (٤). والجاحظ فى هذين النصين وغيرهما يؤمن بأنّ القرآن الكريم معجز بنظمه وما فيه من بلاغة تأسر القلوب.
وكان لمسألة إعجاز القرآن أثر فى بلورة فكرة النظم، وقد ذهب قوم من المتكلمين إلى أن وجه الاعجاز هو ما اشتمل عليه القرآن من النظم الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم فى مطالعه ومقاطعه وفواصله. وذهبت جماعة منهم إلى أن وجه الاعجاز فى مجموع الأمرين: النظم، وكونه فى أعلى درجات البلاغة.
ولأبى عبد الله محمد بن يزيد الواسطى (- هـ) كتاب فى إعجاز القرآن سماه «إعجاز القرآن فى نظمه وتأليفه»، ولا نعرف عنه شيئا مع أنّ عبد القاهر الجرجانى شرحه مرتين، لأنّ الأصل وشرحيه لم تصل وإن كان العنوان يدل على أنّه عالج مسألة النظم وأقام عليها إعجاز كتاب الله.
стр. 62
وفى كتب الاعجاز التى وصلت حديث عن النظم، ولكنه لا يجلو الصورة ولا يوضح الهدف، وإنما هو ومضات فى الطريق سار عليها البلاغيون، فأبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى (- هـ) يرى أنّ القرآن إنّما صار معجزا لأنّه جاء بأفصح الألفاظ فى أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعانى، ويقول إنّ «عمود هذه البلاغة التى تجمع لها هذه الصفات هو وضع كل نوع من الألفاظ التى تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به، الذى إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إمّا تبدل المعنى الذى يكون منه فساد الكلام، وإمّا ذهاب الرونق الذى يكون معه سقوط البلاغة» (١) ويرى أبو الحسن على بن عيسى الرمانى (- هـ) أنّ أعلى مرتبة فى حسن البيان ما جمع أسباب الحسن فى العبارة من تعديل النظم حتى يحسن فى السمع ويسهل على اللسان وتتقبله النفس تقبل البرد (٢).
ويرى أبو بكر محمد بن الطيب الباقلانى (- هـ) أنّ كتاب الله معجز بالنظم؛ لأنّه خارج عن جميع وجوه النظم المعتاد فى كلام العرب، يقول: «فأما شأو نظم القرآن فليس له مثال يحتذى عليه ولا إمام يقتدى به، ولا يصح وقوع مثله اتفاقا كما يتفق للشاعر البيت النادر، والكلمة الشاردة، والمعنى الفذ الغريب، والشئ القليل العجيب» (٣). ويقول: «ليس الاعجاز فى نفس الحروف وإنّما هو فى نظمها وإحكام رصفها، وكونها على وزن ما أتى به النبى- ﷺ وليس نظمها أكثر من وجودها متقدمة ومتأخرة ومترتبة فى الوجود، وليس لها نظم سواها» (٤). ويقول عن القرآن:
«وهو معجزة الرسول- ﵇ دال على نبوته من ثلاثة أوجه:
أحدها ما فيه من عجيب النظم، وبديع الرصف، وأنّه لا قدرة لأحد من الخلق على تأليف مثله ولا تأليف سورة منه أو آية بقدر سورة ....» (٥).
стр. 63
وكان كلام القاضى عبد الجبار الأسد آبادى (- هـ) أكثر وضوحا حينما رأى أنّ الفصاحة والبلاغة تقومان على ضمّ الكلمات وتقارنها، قال:
«اعلم أنّ الفصاحة لا تظهر فى أفراد الكلام بالضم على طريقة مخصوصة، ولا بد مع الضم من أن يكون لكل كلمة صفة، وقد يجوز فى هذه الصفة أن تكون بالمواضعة التى تتناول الضم، وقد تكون بالإعراب الذى له مدخل فيه، وقد تكون بالموقع. وليس لهذه الأقسام الثلاثة رابع؛ لأنّه إمّا أن تعتبر فيه الكلمة أو حركاتها أو موقعها، ولا بد من هذا الاعتبار فى كل كلمة، ثم لا بد من اعتبار مثله فى الكلمات إذا انضم بعضها إلى بعض، لأنّه قد يكون لها عند الانضمام صفة، وكذلك لكيفية إعرابها وحركاتها وموقعها فعلى هذا الوجه الذى ذكرناه إنّما تظهر مزية الفصاحة بهذه الوجوه دون عداها.
فان قال: فقد قلتم إنّ فى جملة ما يدخل فى الفصاحة حسن المعنى، فهلّا اعتبر تموه؟ قيل له: إنّ المعانى وإن كان لا
بدّ منها فلا تظهر فيها المزية، ولذلك تجد المعبرين عن المعنى الواحد يكون أحدهما أفصح من الآخر والمعنى متفق. على أنّا نعلم أنّ المعانى لا يقع فيها تزايد فاذن يجب أن يكون الذى يعتبر التزايد عنده الألفاظ التى يعبر بها عنها. فاذا صحّت هذه الجملة فالذى تظهر به المزية ليس إلا الإبدال- الاختيار- الذى به يختص الكلمات أو التقدم والتأخر الذى يختص الموقع أو الحركات التى تختص الإعراب، فبذلك تقع المباينة. ولا بدّ فى الكلامين اللذين أحدهما أفصح من الآخر أن يكون إنّما زاد عليه بكل ذلك أو ببعضه ولا يمتنع فى اللفظة الواحدة أن تكون إذا استعملت فى معنى تكون أفصح منها إذا استعملت فى غيره، وكذلك فيها إذا تغيرت حركاتها. وكذلك القول فى جملة من الكلام». ثم قال: «وهذا يبين أنّ المعتبر فى المزية ليس بنية اللفظة، وأنّ المعتبر فيه ما ذكرناه من الوجوه. فأما حسن النغم وعذوبة القول فمما يزيد الكلام حسنا على السمع لا إنّه يوجد فضلا فى الفصاحة» (١).
стр. 64
ذلك ما كانت عليه نظرية النظم قبل القرن الخامس للهجرة، وليس فى أقوال الجاحظ ومن جاء بعده فكرة واضحة عنها إلا ما كان من كلام القاضى عبد الجبار الذى ربط الفصاحة بالنظم وبنى عليها رأيه فى إعجاز القرآن.
تطور النظرية:
لقد وضحت هذه النظرية وبلغت مداها على يد عبد القاهر الجرجانى (- هـ أو هـ) الذى أطال الكلام عليها، وسمّى موضوعات التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والقصر، والفصل والوصل، والتعريف والتنكير، معانى النحو أو النّظم. والنظم- عنده- تعليق الكلام بعضها ببعض وجعل بعضها بسبب من بعض (١)، أو هو توخى معانى النحو وقد حصر موضوعاته فى قوله: «واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذى يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التى نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التى رسمت لك فلا تخل بشئ منها وذلك أنّا لا نعلم شيئا يبتغيه الناظم بنظمه غير أن ينظر فى وجوه كل باب وفروقه فينظر فى الخبر إلى الوجوه التى تراها فى قولك: «زيد منطلق» و «زيد ينطلق» و «ينطلق زيد» و «منطلق زيد» و «زيد المنطلق» و «المنطلق زيد» و «زيد هو المنطلق» و «زيد هو منطلق». وفى الشرط والجزاء إلى الوجوه التى تراها فى قولك: «إن تخرج أخرج» و «إن خرجت خرجت» و «إن تخرج فأنا خارج» و «أنا خارج إن خرجت» و «أنا إن خرجت خارج».
وفى الحال إلى الوجوه التى تراها فى قولك: «جاءنى زيد مسرعا» و «جاءنى يسرع» و «جاءنى وهو مسرع» أو
«هو يسرع» و «جاءنى قد أسرع» و «جاءنى وقد أسرع»، فيعرف لكل من ذلك موضعه ويجئ به حيث ينبغى له.
стр. 65
وينظر فى الحروف التى تشترك فى معنى ثم ينفرد كل واحد منها بخصوصية فى ذلك المعنى، فيضع كلّا من ذلك فى خاصّ معناه نحو أن يجئ ب «ما» فى نفى الحال، وب «لا» إذا أراد نفى الاستقبال، وب «إن» فيما يترجح بين أن يكون وأن لا يكون، وب «إذا» فيما علم أنّه كائن.
وينظر فى الجمل التى ترد فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ثم يعرف فيما حقه الوصل موضع الواو من موضع الفاء، وموضع الفاء من موضع «ثم»، وموضع «أو» من موضع «أم»، وموضع «لكن» من موضع «بل».
ويتصرف فى التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير فى الكلام كله، وفى الحذف والتكرار والإضمار والإظهار، فيضع كلا من ذلك مكانه ويستعمله على الصحة وعلى ما ينبغى له.
هذا هو السبيل، فلست بواجد شيئا يرجع صوابه إن كان صوابا وخطؤه إن كان خطأ إلى النظم ويدخل تحت هذا الاسم، إلّا وهو معنى من معانى النحو قد أصيب به موضعه ووضع فى حقه أو عومل بخلاف هذه المعاملة فأزيل عن موضعه واستعمل فى غير ما ينبغى له. فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده أو وصف بمزية وفضل فيه إلّا وأنت تجد مرجع تلك الصحة وذلك الفساد وتلك المزية وذلك الفضل إلى معانى النحو وأحكامه، ووجدته يدخل فى أصل من أصوله ويتصل بباب من أبوابه» (١).
فمعانى النحو أو النّظم تشمل: الخبر، وأركان الجملة وما يتعلق بالمسند والمسند إليه من شرط وحال، وتشمل الفصل والوصل ومعرفة مواضعهما ومعانى الواو والفاء وثم وبل ولكن، وتشمل التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير، والحذف والتكرار، والإضمار والإظهار.
والفرق بين هذه الأساليب ليس فرقا فى الحركات وما يطرأ على الكلمات، وإنّما فى معانى العبارات التى يحدثها ذلك الوضع والنظم الدقيق،
стр. 66
ولذلك فليست العمدة فى معرفة قواعد النحو وحدها ولكن فيما تؤدى إليه هذه القواعد والأصول. وقد يكون
أحدنا لا يعرف التسميات الدقيقة لموضوعات النحو، ولكنه يعرف الفروق بينها ويحس بمعانيها حينما يسمعها، شأنه فى ذلك شأن البدوى الذى عاش بعيدا عن المصطلحات وما تعنى به كتب النحو غير أنه كان يفهم ما يسمع ويميز بين أسلوب وآخر.
وليست المزية باللغة ومعرفتها، لأنّ ذلك لا يؤدى إلى التفاوت بين الكلام، ولا من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى اللغة، ولكن للعلم بمواضعها وما ينبغى أن يصنع فيها. وليست بسلامة الحروف، وإنّما بالنظم الذى يعطى الكلمات والإعراب معنى دقيقا.
والنظم مراتب، فمنه ما لا نرى المزية فيه إلّا بعد قراءة القطعة الشعرية كقول البحترى:
بلونا ضرائب من قد نرى ... فما إن رأينا لفتح ضريبا
هو المرء أبدت له الحادثا ... ت عزما وشيكا ورأيا صليبا
تنقّل فى خلقى سؤدد ... سماحا مرجّى وبأسا مهيبا
فكالسيف إن جئته صارخا ... وكالبحر إن جئته مستثيبا
ففى هذه الأبيات تلاحقت الصور وضم بعضها إلى بعض.
ومنه ما يهجم الحسن دفعة واحدة حتى يعرف من البيت الواحد مكان الشاعر من الفضل وموضعه من الحذق، ويشهد له بالفضل حتى يعلم أنّ البيت من قبل شاعر فحل وأنّه خرج من تحت يد صناع.
ومن النظم ما يتحد فى الوضع ويدق فيه الصنع وذلك أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها فى بعض ويشتد ارتباط ثان منها بأول، وأن يحتاج فى الجملة إلى أن توضع فى النفس وضعا واحدا وأن يكون الحال فيها حال البانى يضع بيمينه ههنا فى حال ما يضع بيساره هناك. ومنه ما لا يحتاج إلى فكر وروية لكى ينتظم، بل سبيله فى ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل فخرطها فى سلك لا يبغى أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء
стр. 67
بعضها إلى بعض لا يريد فى نضده ذلك أن تجئ له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة فى رأى العين، وذلك إذا كان المعنى لا يحتاج أن يصنع فيه شئ غير عطف لفظ على مثله. ولا بد أن يتغير المعنى إذا تغير النظم وفى ذلك مجال رحب يجول فيه المنشئون (١)
لقد وضّح عبد القاهر أصول «علم المعانى» فى كتابه «دلائل الإعجاز» «وسمّاه «النّظم» أو «معانى النحو». وليست
معانى النحو إلّا علم المعانى الذى عرّفه السكاكى بقوله: «هو تتبع خواص تراكيب الكلام فى الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره» (٢).
جمود النظرية:
كان السكاكى (- هـ) أول من أطلق مصطلح «علم المعانى» على الموضوعات التى سماها عبد القاهر النظم أو معانى النحو. ومع أنّه لم يطلق ذلك على بعض مباحث البلاغة أحد غيره إلّا أنّ الباحث ليحار حينما يجد مصطلحى «المعانى» و «البيان» قبله. فالزمخشرى (- هـ) يشير إليهما فى الكشاف ويقول وهو يتحدث عن التفسير: «ولا يغوص على شئ من تلك الحقائق إلّا رجل قد برع فى علمين مختصين بالقرآن وهما: علم المعانى وعلم البيان» (٣). وكلامه غير واضح، لأنّه كثيرا ما يردّد هذين المصطلحين وكثيرا ما يطلق مصطلح «البيان» على البلاغة كلها، يضاف إلى ذلك أنّه لم يضع حدّا بين موضوعات المعانى والبيان. وعلة ذلك أنّه لم يكن يبحث فى البلاغة حينما ألّف «الكشاف» وإنّما كان يفسر القرآن الكريم ويوضّح ما فيه من معان رفيعة ومن روعة وجمال وتأثير فى النفوس. وكان يستخدم
стр. 68
مصطلحات البلاغة وفنونها للوصول إلى هذه الغاية، ولذلك توزعت فى الكتاب ولم يجمعها جامع أو يحدّها منهج واضح. ونراه أحيانا يسمى البلاغة «بديعا» ففى تفسير قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ» (١) يقول: «هذا من الصّنعة البديعية التى تبلغ بالمجاز الذروة العليا، وهى أن تساق كلمة مساق مجاز» (٢).
ويخالف أحيانا ما تعارف عليه البلاغيون فيجعل الالتفات من البيان ويقول فى العدول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب: «قلت: هذا يسمى الالتفات فى علم البيان» (٣).
وذكر الدكتور شوقى ضيف أنّ الزمخشرى أول من ميّزبين المصطلحين وقسّم البلاغة إلى معان وبيان، وأنّ السكاكى تأثر به فى هذا التقسيم (٤)، ولكن ما ذكرناه وما يضمه تفسير الكشاف لا يؤيد هذا القول، وإن كانت
عبارة الزمخشرى توحى بذلك قبل البحث والتدقيق.
وذكر فخر الدين الرازى (- هـ) مصطلحى «علم المعانى» و «علم البيان» ولكنه لم يعرّفهما أو يوضحهما ولم يحدد موضوعاتهما. يقول وهو يتحدث عن الخبر: «ولكن الخبر هو الذى يتصور بالصور الكثيرة، وتظهر فيه الدقائق العجيبة والأسرار الغريبة من علم المعانى والبيان» (٥).
وعبارة «من علم المعانى والبيان» غامضة لا يفهم منها إلّا معنى عام هو البلاغة أمّا معانيهما التى حصرها السكاكى فلم يشر إليها، وهو فى ذلك يتابع الزمخشرى الذى ذكر المصطلحين من غير أن يعرفهما أو يفصل بينهما.
ويكرر السكاكى بعض العبارات مثل «صناعة علم المعانى» و «علماء علم المعانى» و «أذهان الراضة من علماء المعانى» و «أئمة علم المعانى» (٦)،
стр. 69
ولكنه لم يحدد معانيها أو يذكر علماء علم المعانى وأثمته. ولم نعثر فى تأريخ البلاغة على علماء اختصوا بهذا العلم وبحثوا فيه كما فعل السكاكى فى «مفتاح العلوم» إلا ما نلاحظه من وقوف عبد القاهر الجرجانى على «معانى النحو» فى كتابه «دلائل الإعجاز» و «البيان» فى كتابه «أسرار البلاغة» لكن هذا الوقوف لا يعنى أنّه ميز بينهما، لأنّ موضوعات البلاغة ظلت مختلطة فى التكابين، وإن كان الأول أقرب إلى علم المعانى والثانى ألصق بعلم البيان.
ولأننا لم نستطع أن نتبين مفهوم المعانى قبل السكاكى مع ما جاء فى «الكشاف» و «نهاية الإيجاز» نقرر أنّه أول من قسم البلاغة إلى معان وبيان ومحسنات، وحدد موضوعاتها وأرسى قواعدها، وأنّه أول من أطلق على الموضوعات المتعلقة بالنظم مصطلح «علم المعانى» وعلى الموضوعات التى تبحث فى الصورة والخيال-
التشبيه والمجاز والكناية- مصطلح «علم البيان» وأنّه أول من سمّى غير هذه البحوث محسنات أو «وجوها مخصوصة يصار اليها لقصد تحسين الكلام» وقسّمها إلى ما يختص بالمعنى وما يتعلق باللفظ.
ولم يسمّها بديعا، وكان بدر الدين بن مالك (- هـ) صاحب «المصباح» هو الذى أطلق عليها هذا المصطلح وتابعه الخطيب القزوينى والمتأخرون.
وكان للسكاكى منهج فى بحث موضوعات «علم المعانى» اختلف عن كل ما ألفناه فى كتب البلاغة الأولى، وقد قرر- كما قرر غيره- أنّ كلام العرب قسمان: الخبر والطلب ولذلك قسم المعانى إلى قانونين:
الأول: يتعلق بالخبر.
والثانى: يتصل بالطلب.
وقسم القانون الأول إلى أربعة فنون:
الأول: فى تفصيل اعتبارات الإسناد الخبرى، تكلم فيه على أنواع الخبر وأغراضه ومؤكداته وخروجه على مقتضى الظاهر.
الثانى: فى تفصيل اعتبارات المسند إليه، تكلم فيه على حذفه وذكره، وتعريفه وتنكيره، وإضماره، وكونه معرفة سواء كان موصولا أم اسم
стр. 70
إشارة أم معرفا بالألف واللام أم بالإضافة. وتحدث عن نعت المعرف، وتأكيد المسند إليه، وبيانه، وتفسيره، وبدله، والحالة التى تقتضى العطف والفصل، وتنكيره، وتقديمه على المسند، وتأخيره، وقصره، وخروجه على مقتضى الظاهر، والالتفات.
الثالث: فى تفصيل اعتبارات المسند، تكلم فيه على حذفه وذكره، وإفراده، وكونه فعلا، وتقييده وترك تقييده، وكونه منكّرا. ثم تحدث عن تخصيصه وتركه، وكونه اسما معرفا، وكونه جملة فعلية واسمية وظرفية، وتكلم على تأخيره وتقديمه. وعقد فى هذا الفن فصلا تحدث فيه عن العمل، وتركه وإثباته، وترك مفعوله وإثباته، وإضمار الفاعل وإظهاره. وتحدث عن اعتبار التقديم والتأخير مع الفعل، والحالات المقتضية لتقييد الفعل بالشرط.
الرابع: فى تفصيل اعتبارات الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والقصر. وقسّم القانون الثانى إلى خمسة فصول هى التمنى، والاستفهام، والأمر، والنهى، والنداء. وبعد أن أكمل بحث الخبر والطلب تحدث عن استعمال الخبر موضع الطلب واستعمال الطلب موضع الخبر، وذكر أسلوب الحكيم فى خاتمة البحث (١).
نقد المنهج:
لقد بحث السكاكى «علم المعانى» بهذا المنهج وقسمه هذا التقسيم، وبوبه هذا التبويب الذى تتضح فيه النزعة المنطقية. ويلاحظ أنّه قدّم البحث فى الخبر مع أنّ كثيرا من الموضوعات التى تحدث عنها فيه لا تخص الخبر وحده إنّما هى مشتركة بينه وبين الطلب. وقد علل سعد الدين التفتازانى (- هـ) ذلك بقوله: «وإنما ابتدأ بأبحاث الخبر لكونه أعظم شأنا وأعم فائدة؛ لأنّه هو الذى يتصوّر بالصور الكثيرة، وفيه تقع الصياغات
стр. 71
العجيبة، وبه تقع- غالبا- المزايا التى بها التفاضل، ولكونه أصلا فى الكلام، لأنّ الإنشاء إنّما يحصل منه باشتقاق كالأمر والنهى، أو نقل ك «بئس» و «نعم» وبعت واشتريت، أو زيادة أداة كالاستفهام والتمنى وما أشبه ذلك.
ثم قدم بحث أحوال الإسناد على أحوال المسند إليه والمسند مع أنّ النسبة متأخرة عن الطرفين، لأنّ علم المعانى إنّما يبحث عن أحوال اللفظ الموصوف بكونه مسندا إليه ومسندا. وهذا الوصف إنّما يتحقق بعد تحقيق الإسناد، لأنه ما لم يسند أحد الطرفين إلى الآخر لم يصر أحدهما مسندا إليه والآخر مسندا. والمتقدم على النسبة إنّما هو ذات الطرفين ولا بحث لنا عنهما» (١).
ومهما حاول أنصار هذا المنهج أن يوجهوه فان البلاغة التى نقيس بها الأدب ونحكم عليه لا يمكن أن يعلل منهج بحثها هذا التعليل، وأن يصطنع لها اصطناعا يبعدها عن روحها الأدبية. ولكن هل نجح السكاكى فى هذا المنهج؟ وهل استطاع أن يحصر موضوعات علم المعانى حصرا دقيقا؟
الواقع أنّه لم ينجح فى هذا التقسيم الذى بناه على المنطق وحده، فحصر به موضوعات المعانى حصرا مزقها تمزيقا أفقدها كل حياة، وباعد بينها وبين ما يتطلبه الفن الأدبى الذى ينبغى أن يعتمد- أول ما يعتمد- على الذوق الرفيع.
ولتوضيح ذلك نقول إنّ السكاكى قسّم مباحث المعانى حسب ركنى الجملة- المسند إليه والمسند- وعلى هذا الأساس ذكر التقديم- مثلا- فى المسند إليه مرة وفى المسند تارة أخرى. وفعل مثل هذا بالموضوعات الأخرى كالتأخير، والحذف، والذكر، والتعريف والتنكير. وكان من الدقة أن يبحث كل موضوع بحثا مستقلا فيتكلم على التقديم والتأخير فى فصل، والذكر والحذف فى ثان، والتعريف والتنكير فى ثالث، وبذلك تجمع أوصال الموضوع الواحد فى بحث يستوفى أجزاءه ويجمع شتاته. أمّا أن يوزع
стр. 72
أقسام الموضوع الواحد هذا التوزيع ويذكر عنه فى كل باب نتفا يسيرة لا تجدى نفعا، فما لا يمكن الأخذ به والتعويل عليه. وبالمقارنة بين ما كتبه السكاكى وما كتبه عبد القاهر أو ابن الأثير يتضح مدى إفساده هذه المباحث وجوره عليها. فبعد أن كنا نقرأ فى «دلائل الإعجاز» أو «المثل السائر» موضوعات فيها عرض وتحليل وجمع لأطراف الموضوع الواحد جمعا يخرج الدارس منه بفكرة واضحة وفائدة كبيرة- بعد هذا كله- نقرأ فى «مفتاح العلوم» موضوعات تناثرت أطرافها فى عدة أبواب لا يخرج الدارس منها إلا بصورة حائلة، وقواعد جامدة، وأمثلة مبتسرة. وقد يلجأ لكى يكوّن فكرة صحيحة إلى أن يلم شتات الموضوع الواحد ويضم بعضها إلى بعض، وفى هذا إضاعة للجهد وإفساد للبلاغة والذوق.
وكانت ثمرة ذلك أن بعثر السكاكى الموضوعات وأفقدها رونقها، وأصبحت لا تجدى نفعا إلّا بالرجوع إلى عدة فصول لجمع شتاتها وتوحيد أجزائها.
أمّا بحث خروج الكلام على مقتضى الظاهر كوضع المضمر موضع المظهر، ووضع المظهر موضع المضمر، والالتفات فى المسند إليه فليس دقيقا، لأنّ هذه الفنون لا تخصه وحده وإنما تدخل المسند أيضا. وقد أشار السكاكى إلى ذلك بقوله: «واعلم أنّ هذا النوع أعنى نقل الكلام عن الحكاية إلى الغيبة لا يختص بالمسند إليه» (١). وكان ينبغى أن يضع لكل لون من هذه الفنون بحثا يفصّل القول فيه تفصيلا.
وتكلم على استعمال المضارع مكان الماضى فى الحالات المقتضية لتقييد الفعل بالشرط مع أنّ الإخبار عن الفعل الماضى بالفعل المضارع أو بالمستقبل نوع من الالتفات كما صرح به البلاغيون.
وعقد فصلا للفعل وما يتعلق به من ترك وإثبات، وإظهار وإضمار،
стр. 73
وتقديم وتأخير، مع أنّ الفعل مسند، وكان ينبغى أن يبحثه فى باب المسند ويذكر أنّه يأتى فعلا واسما وجملة.
ولكننا لا بدّ أن نحمد للسكاكى انتباهه إلى اشتراك كثير من المباحث التى ذكرها فى المسند والمسند إليه، فقد أشار- وهو يتحدث عن الحالة المقتضية لقصر المسند إليه على المسند- إلى أنّ القصر لا يختص بالمسند إليه وإنما يدخل المسند أيضا، ويجرى بين الفاعل والمفعول، وبين المفعولين، وبين الحال وذى الحال، وبين كل
طرفين. يقول: «واعلم أنّ القصر كما يكون للمسند إليه على المسند يكون للمسند على المسند إليه، ثم هو ليس مختصا بهذا البين بل له شيوع وله تفريعات، فالأولى أن نفرد للكلام فى ذلك فصلا ونؤخره إلى تمام التعرف لما سواه فى قانوننا هذا ليكون إلى الوقوف عليه أقرب» (١)
هذا ما يتعلق باتخاذ ركنى الجملة أساسا فى تقسيم مباحث علم المعانى، أما ما يتصل بالموضوعات نفسها فقد ذكر التقديم والتأخير، والحذف والذكر والفصل والوصل، والإيجاز والإطناب، والتعريف والتنكير، والقصر، فى القانون الأول أى فى باب الخبر. وليس فى هذا دقة، لأنّ هذه الموضوعات تدخل الطلب كما تدخل الخبر. وقد أشار عبد القاهر إلى ذلك بقوله: «أنّه لا يجوز أن يكون لنظم الكلام وترتيب أجزائه فى الاستفهام معنى لا يكون له ذلك المعنى فى الخبر، ذلك أنّ الاستفهام استخبار، والاستخبار هو طلب من المخاطب أن يخبرك. فاذا كان كذلك كان محالا أن يفرق الحال بين تقديم الاسم وتأخيره فى الاستفهام فيكون المعنى إذا قلت: «أزيد قام؟» غيره إذا قلت «أقام زيد؟»، ثم لا يكون هذا الافتراق فى الخبر. ويكون قولك «زيد قام» و «قام زيد» سواء ذاك، لأنه يؤدى إلى أن نستعمله أمرا لا سبيل فيه إلى جواب، وأن تستثبته المعنى على وجه ليس عنده عبارة يثبته لك بها على ذلك الوجه» (٢). وبقوله: «وإذ قد عرفت الحكم فى الابتداء بالنكرة فى الاستفهام فابن الخبر عليه» (٣).
стр. 74
ولم يأخذ السكاكى برأى عبد القاهر مع أنّه اعتمد على كتابيه وجرّدهما من النزعة الأدبية وأحالهما هيا كل بتقسيماته المنطقية.
والعجيب أنّ الخطيب القزوينى وسعد الدين التفتازانى وغيرهما من الشراح تابعوا السكاكى فى هذا التقسيم مع أنّهم ذكروا أنّ الموضوعات التى بحثت فى الخبر تدخل الطلب أيضا. يقول القزوينى بعد أن ذكر أحوال المسند: «كثير مما ذكر فى هذا الباب والذى قبله غير مختص بهما كالذكر والحذف وغيرهما. والفطن إذا أتقن اعتبار ذلك فيهما لا يخفى عليه اعتباره فى غيرهما» (١). وأعاد هذا القول فى كتابه «الإيضاح» بعد أن ذكر أحوال الإسناد والمسند إليه والمسند وأحوال متعلقات الفعل والقصر، وقال:
«ما ذكرناه فى هذه الأبواب الخمسة السابقة ليس كله مختصا بالخبر بل كثير منه حكم الإنشاء فيه حكم الخبر،
يظهر ذلك بأدنى تأمل» (٢). وقال التفتازانى: «إنّ الإسناد الإنشائى أيضا إمّا مؤكد أو مجرد عن التأكيد، وكذا المسند إليه إمّا مذكور أو محذوف مقدم أو مؤخر، معرف أو منكر، إلى غير ذلك، وكذلك المسند اسم أو فعل، مطلق أو مقيد بمفعول أو بشرط أو بغيره. والمتعلقات إما متقدمة أو متأخرة، مذكورة أو محذوفة، وإسناده وتعلقه أيضا إما بقصر أو بغير قصر. والاعتبارات المناسبة فى ذلك مثل ما مر فى الخبر ولا يخفى عليك اعتباره بعد الإحاطة بما سبق» (٣).
ولكنّ البلاغيين سحروا بمنهج السكاكى وساروا عليه من غير أن يحاولوا إصلاحه إلا ما صدر عنهم من ملاحظات لا تبعد البلاغة عن جوهره كثيرا. ونرى- إذا ما أردنا أن نعيد ترتيب مباحث علم المعانى فى كتاب «مفتاح العلوم» - أن يبحث الخبر والإنشاء فى باب مستقل وتذكر أنواعهما وأساليبهما، ثم تبحث الجملة فى باب آخر يجمع أجزاءها ويكون للتقديم والتأخير فصل، وللذكر والحذف فصل ثان، وللتنكير والتعريف فصل
стр. 75
ثالث، وللقصر وأنواعه وطرقه فصل رابع، ولتقييد المسند والمسند إليه فصل خامس. ولا بدّ من بحث الفصل والوصل، والإيجاز والإطناب فى بابين مستقلين. وبهذه الطريقة نجمع ما فرّقه السكاكى ونبعث الحياة فى هذا الفن ليكون صالحا فى الدراسات الأدبية.
وليس بغريب أن ندعو إلى هذا المنهج فقد بحث المتقدمون البلاغة بما هو قريب منه، وكان لأعلامهم كأبى هلال وابن رشيق وابن سنان وعبد القاهر وابن الأثير مناهج سليمة وبحوث طريفة ذات نفع عظيم وأثر كبير، لأنّهم لم يبعثروا الموضوعات فى فصول كثيرة وإنّما جمعوها جمعا دقيقا، وبذلك جاءت كتبهم آية فى الإبداع، وكانت بحوثهم غاية فى الوضوح والجلاء.
وكان الخطيب القزوينى (- هـ) أوضح منهجا من السكاكى، والمعانى عنده «علم يعرف به أحوال اللفظ العربى التى بها يطابق مقتضى الحال» (١). وقد رفض تعريف السكاكى وهو «تتبع خواص تراكيب الكلام فى الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى تطبيق الكلام على ما يقتضى الحال ذكره» (٢)، لأنّ التتبع ليس بعلم ولا صادق عليه فلا يصح تعريف شئ من العلوم به.
وحصر علم المعانى فى ثمانية أبواب:
الأول: أحوال الإسناد الخبرى.
الثانى: أحوال المسند اليه.
الثالث: أحوال المسند.
الرابع: أحوال متعلقات الفعل.
الخامس: القصر.
السادس: الإنشاء.
السابع: الفصل والوصل.
الثامن: الإيجاز والإطناب (٣).