Полный текст (1 054 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الفصل الثالث: الشرح
وفيه مباحث
стр. 37
المبحث الأول: توثيق اسم الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
لقد أثبتت المصادر والمراجع القديمة والحديثة اسم هذا الشرح ونسبته إلى مؤلفه، فقد قال الذهبي المتوفى سنة ٧٤٨ هـ -في المعجم المختص- وهو يتحدث عن مؤلف الكتاب -: "تفقه بأبيه' وشارك في العربية، وسمع وتنبه، وأسمعه أبوه بالحجاز، وطلب بنفسه، ودرس بالصدرية، والتدميرية، وله تصدير بجامع الأموي، وشرح ألفية ابن مالك، وسماه: "إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك".أ. هـ.
- ونقل النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ عن ابن مفلح قوله في طبقاته: "إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أيوب -الشيخ العلامة- برهان الدين، ابن الشيخ المفتي ... ، وشرح ألفية ابن مالك وسماه: "إرشاد السالك إلى حل ألفية ابن مالك".أ. هـ.
- وذكره حاجى خليفه المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ ضمن شراح الألفية فقال: "شرحها ... و ... و ... والشيخ برهان الدين: إبراهيم بن محمد بن قيم
стр. 38
الجوزية ... وسماه: "إرشاد السلك".أ. هـ.
- وذكره عمر كحاله فقال: " إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية ... عالم في النحو، والفقه، له شرح ألفية ابن مالك سماه: "إرشاد السلك إلى حل ألفية ابن مالك".أ. هـ.
- وذكره بكر بن عبد الله أبو زيد فقال -وهو يتحدث عن الشيخ-: "ابنه إبراهيم العلامة، النحوي، الفقيه، وله في النحو اليد الطولى، فشرح ألفية ابن مالك سماه: "إرشاد السلك إلى حل ألفية ابن مالك .... الخ".أ. هـ.
المبحث الثاني: موضوعه، والدافع إلى تأليفه
أما موضوع الشرح فهو: النحو والصرف.
وأما الدافع إلى تأليفه: فقد أفصح عنه الشارح في بداية الشرح.
فقال:"أما بعد حمد الله مستحق الحمد لكماله، والصلاة على نبيه محمد وأله، فإن بعض من قرأ كتاب الخلاصة، وأظهر إلى فهم معانيه الخصاصة، طلب من] أن أوضح له ما تضمنته من الفوائد، وأكثر من ذلك في المصادر والموارد، إلى أن استخرت الله تعالى بإملاء شرح يوضح معانيه، من غير تعرض لزيادة على ما فيه إلا حيث دعت الفاقة، واجتهدت في تحريره حسب الطاقة".
المبحث الثالث: مكانة الكتاب العلمية
وتظهر من خلال عقد موازنة بينه وبين شرحين من شروح الألفية:
стр. 39
موازنة بين شرح إبراهيم بن القيم. وشرحي: ابن الناظم. وابن عقيل.
لما كانت شروح الألفية كثيرة، وكل شرح سلك فيه شارحه منهجاً خاصاً، وكان شرح ابن القيم غير مشتهر، رأيت أن أبين ما لهذا الشرح من منزلة علمية بين تلك الشروح، وإنما يتم ذلك بعقد موازنة بينه وبين شرحين من شروح الألفية، ولما كانت الشروح متقاطره عبر الأزمان، رأيت أن يكون أحد الشرحين من الشروح المتقدمة عليه، والثاني: من الشروح التي ألفت في عصره، فانتخبت للأول: شرح ابن الناظم (بدر الدين) المتوفي سنة ٦٨٦ هـ.
وللثاني: شرح ابن عقيل، المتوفى سنة ٧٦٩ هـ، ولا يخفى ما لهذين العالمين من الشهرة العلمية الواسعة، فابن الناظم هو الذي قال عنه اليونيني المتوفى ٧٢٦ هـ -وهو أحد معاصريه-: "لم يترك -أي ابن مالك- بعده في هذا العلم مثله -أي: ابن الناظم- في الشام فيما علمنا".
وقال عنه ابن قاضي شهبه المتوفى ٨٥١ هـ: "لم يكن في وقته مثله".
وأما ابن عقيل فهو الذي قال عنه شيخه أبو حيان، المتوفى ٧٤٥ هـ: "ما تحت أديم السماء أنحى من ابن عقيل".
ولإجراء الموازنة بين هذه الشروح سأذكر ثلاثة نماذج من مواضع مختلفة من النظم، ثم أعرض ما قيل في شرحها في الشروح الثلاثة:
стр. 40
- قال ابن مالك في باب الحال:
والحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفرد -فاعلم- وغير مفرد
قال ابن الناظم في شرح هذا البيت:
"الحال شبيهة بالخبر، والنعت، فيجوز أن تتعدد وصاحبها مفرد، وأن تعدد وصاحبها متعدد، فالأول نحو: "جاء زيد راكباً ضاحكاً"، ومنع ابن عصفور جواز تعدد الحال في هذا النحو قياساً على الظرف، وليس بشيء
والثاني: نحو: "جاء زيد وعمرو مسرعين، ولقيته مصعداً منحدراً"، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم:٣٣].
وقال الشاعر:
(متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا)
وقال الآخر:
(عهدت سعاد ذات هوى معنى ... فزدت وزاد سلوانا هواها)
""ذات الهوى" حال من "سعاد" و "معنى" حال من فاعل".أ. هـ.
- وقال ابن عقيل في شرح البيت:
يجوز تعدد الحال وصاحبها مفرد أو متعدد، فمثال الأول: "جاء زيد راكباً ضاحكاً" ف "راكبا" و "ضاحكاً" حالان من "زيد" والعامل فيهما "جاء".
ومثال الثاني: "لقيت هنداً مصعداً منحدرة" ف "مصعداً" حال من التاء و "منحدرة" حال من "هند" والعامل فيهما: "لقيت" ومنه قوله
(لقي ابني أخويه خائفاً ... منجديه فأصابوا مغنماً)
стр. 41
فـ "خائفاً" حال من "ابني" و "منجديه" حال من " أخويه" والعامل فيهما "لقي"، فعند ظهور المعنى ترد كل حال إلى ما تليق به، وعند عدم ظهوره يجعل أول الحالين لثاني الاسمين، وثانيهما لأول الاسمين، ففي قولك: "لقيت زيداً مصعداً منحدراً" يكون "مصعداً" حال من "زيد" و "منحدراً" حال من التاء".أ. هـ.
-وقال ابن القيم في شرح البيت:
قد تقرر أن الحال من صاحبها. بمنزلة الخبر من المبتدأ، وبمنزلة الصفة من الموصوف، فلذلك تجيء متعددة مع كونها لواحد، إما بعطف نحو: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [أل عمران:٣٩]. وإما دونه نحو:
عُهدتَ مغيثاً من أجرته ... ... ... ... ...
ثم هذا التعدد يكون جائزاً -كما مثل- ويكون واجباً، وذلك في ثلاث مسائل:
الأولى: أن يدل مجموعها على معنى واحد، نحو: "أكلت الرمان حلواً حامضاً".
الثانية: أن تقع بعد "إما" نحو: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الانسان:٣].
الثالثة: أن تقع بعد "لا" نحو: ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه:٧٤].
أما تعددها مع كون صاحبها متعدداً فلا خلاف في جوازه، وهو منقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 42
الأول: ما تعددا فيه لفظاً ومعنى، كقوله:
وإنا سوف تدركنا المنايا مُقدرة لنا ومقدرينا
الثاني: ما تعددت فيه لفظاً وصاحبها معنى، نحو: "لقيت أخويك راكباً وماشياً".
الثالث: عكسه، نحو: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾.أ. هـ.
أولاً: أهم وجوه الاتفاق بين الشروح:
١) اتفقت الشروح الثلاثة في أنها شرحت بيتاً واحداً من نظم الألفية.
٢) اتفقت الشروح في الطريقة التي شرح بها البيت، وهي أنها ذكرت البيت بتمامه ثم شرحته، ولم تجزئه أجزاء وتمزجه بالشرح كما هي طريقة بعض الشراح.
٣) اتفقت الشروح في الاعتماد على كلام النحاة السابقين في تقرير المسائل النحوية وتوضيحها.
٤) اتفقت الشروح في عدم التعصب لأحد المذاهب النحوية، ,غن كانت النزعة البصرية تغلب عليها، مما قد يفسر بمتانة المذهب البصري ولاسيما في القضايا النحوية.
٥) اتفقت الشروح في الأسلوب الواضح السهل البعيد عن التعقيد.
ثانياً: أهم وجوه الاختلاف بين الشروح الثلاثة:
١) خالف ابن القيم في شرحه هذا البيت الشارحين الآخرين، فبينما نجد
стр. 43
ابن الناظم، وابن عقيل، يجملان كيفية التعدد ويذكران من صورها صورتين فقط. وهما:
* أن تعدد الحال وصاحبها مفرد.
* أن تتعدد الحال ويتعدد صاحبها.
نجد ابن القيم يفصل المسألة تفصيلاً دقيقاً مستوفياً لجميع صور التعدد فيذكر أن الحال إذا تعددت صاحبها مفرد، إما أن تتعدد بعطف، وإما بدونه، ثم يستشهد للأول بأقوى الشواهد على الإطلاق، وهو القرآن، فقد اشتملت الآية المذكورة على ثلاثة أحوال. وهي: "مصدقاً ... وسيداً ... وحصوراً". وهذه الأحوال متعاطفة، ثم يستشهد للثاني بالشعر العربي، فقد اشتمل البيت المذكور على حالين. وهما: "مغيثا مغنيا" وهاتان الحالان تعددتا من دون عطف.
ثم يزيد الأمر تفصيلاً فيذكر أن التعدد مع كون صاحب الحال مفرداً تارة يكون جائزاً، وتارة يكون واجباً، ثم بين صور وجوبه، وهي ثلاث، واستشهد لاثنين منها بالقرآن، ومثل للثالثة.
ثم انتقل إلى الوجه الثاني للتعدد وهو أن تتعدد الحال ويتعدد صاحبها، وبين أنه لا خلاف في جواز ذلك، ثم أخذ في بيان الصور المحتملة في ذلك.
وهي ثلاث -أيضاً-، مستشهداً لإحداها بالقرآن، وللثانية بالشعر، وممثلاً للأخيرة.
قلت: هذا التفصيل الذي جمع أطراف المسألة وصورها، والذي استدعاه المقام لم نره في الشرحين الآخرين.
٢ - استشهد ابن النظام في شرح البيت بآية واحدة وبيتين من الشعر، واستشهد ابن عقيل في شرح البيت ببيت واحد فقط،
стр. 44
واستشهد ابن القيم في شرح البيت بأربع آيات وبيتين، فإيراد ابن القيم لهذا العدد الكثير من الشواهد في شرح بيت واحد، دليل على غزارة مادته وقوة استحضاره، مما يعد من مميزات شرحه.
٣) ذكر ابن الناظم مخالفة ابن عصفور في جواز تعدد الحال إذا كان صاحبها مفرداً ولم يتطرق إلى ذلك ابن القيم ولا ابن عقيل.
٤) كما أن ابن عقيل نص على كيفية رد كل حال إلى صاحبها، عند تعدد كل منهما وعدم ظهور المعنى بأن يجعل أول الحالين لثاني الاسمين، وثانيهما لأول الاسمي، ولم يتطرق لذلك ابن الناظم ولا ابن القيم.
٥) وقد تميز شرح ابن القيم عن الشرحين الآخرين بميزة عامة تشمل باب الحال الذي منه بيت الموازنة وغيره، وذلك أنه التزم بافتتاح كل باب بتمهيد ولم يحد عم هذا المنهج إلا قليلاً، كما تقدم في منهجه.
ب) قال ابن مالك في باب التوكيد:
بالنفس أو بالعين الاسم أكدا ... مع ضمير طابق المؤكدا
قال ابن الناظم في شرح هذا البيت:
"اعلم أن التوكيد نوعان: لفظي، ومعنوي".
فأما اللفظي فسيأتي ذكره.
وأما المعنوي فهو: التابع، الرافع احتمال تقدير إضافة إلى المتبوع، أو إرادة الخصوص بما ظاهره العموم، ويجيء في العُرض الأول بلفظ "النفس" و "العين" مضافين إلى ضمير المؤكد مطابقاً له في الإفراد، والتذكير وفروعهما، تقول: "جاء زيد نفسه" فترفع بذكر النفس احتمال كون الجائي رسول زيد، أو خيره، أو نحو ذلك، ويصير به الكلام نصاً على ما هو الظاهر منه، وكذا إذا
стр. 45
قلت: "لقيت زيدا عينه"أ. هـ.
وقال ابن عقيل في شرح البيت:
"التوكيد قسمان: أحدهما: التوكيد اللفظي، وسيأتي.
والثاني التوكيد المعنوي، وهو على ضربين: أحدهما: ما يرفع توهم مضاف إلى المؤكد، وهو المراد بهذين البيتين، وله لفظان: النفس، والعين، وذلك نحو: "جاء زيد نفسه" ف"نفسه" توكيد ل "زيد" وهو يرفع توهم أن يكون التقدير "جاء خبر زيد، أو رسوله"، وكذلك: "جاء زيد عينه".
ولابد من إضافة النفس أو العين إلى ضمير يطابق المؤكد، نحو: "جاء زيد نفسه، أو عينه، وهند نفسها، أو عينها" أ. هـ.
وقال ابن القيم ممهداً للموضوع:
"التوكيد: وهو تقوية المعنى في النفس، وقصد رفع الشك عن الحديث، أو المحدث عنه.
فتقوية المعني في النفس يشمل: التوكيد بالقسم، و "إن" و "اللام" وغيرها، وقصد رفع الشك عن الحديث يشمل: توكيد الفعل بالمصدر، وتأكيد عامل الحال بها.
وقصد رفع الشك عن المحدث عنه: هو المقصود بالتبويب هنا، وهو التابع الرافع توهم النسبة إلى غير المتبوع، أو إلى بعضه.
فالتابع جنس يشمل التوابع، وما بعده فصل مخرج لسائرها.
وتقسيم رفع التوهم يشمل: "جاء زيد نفسه" و "جاء القوم كلهم".
ثم ذكر ابن القيم البيت السابق. وقال في شرحه:
"بدأ بالكلام عن التأكيد المعنوي، وقدم ما سيق لرفع توهم المجاز عن
стр. 46
ذات المسند إليه، وهو لفظ "النفس" ولفظ "العين" ويؤكد بهما مفردين ومجتمعين، تقول: " جاء الأمير" فيحتمل مجي خبره أو ثقله، أو الإخبار بقرب مجيئه، فإذا أكدت بأحدهما أو بهما ارتفع ذلك الاحتمال، ويؤكد بهما الاسم المفرد، ويلزم إضافتهما إلى ضمير مطابق له في التذكير أو التأنيث، نحو: "جاء زيد نفسه"، "ورأيت هند عينها" وإن كان ضميراً طابقه في التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة، نحو: "قمت أنا نفسي"، و "رأيتك عينك" و"ضربته نفسه".أ. هـ.
أولاً: أهم وجوه الاتفاق بين الشروح:
١) اتفقت الشروح في الطريقة التي شرح بها البيت، كما مر في النموذج السابق.
٢) الحديث عن البيت في الشروح الثلاثة متقارب في المقدار، لكن الصياغة مختلفة، فكلام ابن الناظم، وابن عقيل متقارب إلى حد كبير، مما يوحي بتأثر الثاني بالأول، وغير ذلك من أوجه الشبه الظاهرة كسهولة الأسلوب ووضوح العبارة.
ثانيا: أهم وجوه الاختلاف بين هذه الشروح:
لقد ذكر ابن القيم في شرح البيت، جميع ما ذكره ابن الناظم، وابن عقيل، وزاد الأمور الآتية:
١) تعرض لكيفية توكيد الضمير، وضرب له الأمثلة، ولم يتعرضا لذلك.
٢) استعان في توضيح البيت بستة أمثلة، ولم يمثل الشارحان الآخران إلا بأربعة.
٣) يلحظ في شرح ابن القيم حسن الصياغة وانتقاء العبارة.
٤) مهد ابن القيم للموضوع بتمهيد مناسب تعرض فيه لتعريف التوكيد ومحترزات التعريف، ودواعي التوكيد وأنه لِدرأ الشك عن الحديث أو المحدث عنه، ثم ذكر ما يحصل به التوكيد، وكل ذلك مما تدعو إليه الحاجة وتتم به الفائدة.
стр. 47
ج) قال ابن مالك في النائب عن الفاعل:
ينوب مفعول به عن فاعل ... فيما له، كنيل خيرُ نائلٌ
قال ابن الناظم ممهدا لهذا الباب وشارحا للبيت:
"كثيراً ما يحذف الفاعل لكونه معلوما، أو مجهولا، أو عظيما، أو حقيرا، وغير ذلك: فينوب عنه فيما له من الرفع، واللزوم، ووجوب التأخير عن رافع: المفعول به، مسنداً إليه إما فعل -مبني على هيئة تنبئ عن إسناده إلى المفعول ويسمى فعل ما لم يسم فاعله -وإما اسم في معنى ذلك الفعل.
فالأول: كقولك -في "نال زيدٌ خير نائل" - "نيل خيرُ نائل".
والثاني: كقولك -في "زيد ضارب أبوه غلامه"-"زيد مضروب غلامه".أزه.
وقال ابن عقيل في شرح البيت:
"يحذف الفاعل ويقام المفعول به مقامه، فيعطى ما كان للفاعل من لزوك الرفع، ووجوب التأخر عن رافعه، وعدم جواز حذفه، وذلك نحو: " نيل خيرُ نائل" ف "خير نائل" مفعول قائم مقالم الفاعل، والأصل: " نال زيد خير نائل"، فحذف الفاعل -وهو "زيد"- وأقيم المفعول مقامه- وهو "خير نائل"- ولا يجوز تقديمه، فلا تقول " خير نائل نِيل" على أن يكون مفعولا مقدما، بل على أن يكون مبتدأ، وخبره الجملة التي بعده، وهي "نيل" والمفعول القائم مقام الفاعل ضمير مستتر، والتقدير: "نيل هو" وكذلك لا يجوز حذف "خير نائل" فتقول: "نيل".ا. هـ.
стр. 48
وقال ابن القيم ممهدا لهذا البيت وشارحا له:
" يحذف الفاعل إما لسبب معنوي، كالعلم به، والجهل به وتعظيمه، وتحقيره، والخوف منه، والخوف عليه، وعدم تعلق الغرض بذكره، نحو: ﴿خُلق الأنسانُ من عجل) وروي عن رسول الله ﷺ :- "ومن بُلى منكم بشيء من هذه القاذورات" و "ما أوذي أحد ما أُذيتُ) ونحو: (صودر فلان)، و (كُذبَ الأميرُ)، ﴿وإذا حُييتم بتحية﴾
وإما لسبب لفظي، كقصد الإيجاز، ونحو: ﴿ذلك ومن عاقب بمثل ما عُوقب به ثم بُغي عليه﴾، وكقصد تصحيح النظم، كقوله:
عَلقُتها-عرضا- وعُلقت رجلا ... غيري، وعُلق أخرى غيرها الرجل
ثم قال في شرح البيت:
" إذا حذف الفاعل، وأقيم المفعول به مقامه، استحق ما له من الأحكام كلها، الرفع، ولزوم التأخير عن الفعل، وعدم الاستغناء عنه، وإلحاق الفعل علامة دالة على تأنيثه، واستحقاقه الاتصال بالفعل".أ. هـ.
أولاً: أهم وجوه الاتفاق بين الشروح:
١) الاتفاق في طريقة شرح البيت.
٢) الحديث عن البيت في الشروح الثلاثة متقارب في المقدار.
٣) الاتفاق في ذكر أهم الأحكام التي يستحقها النائب عن الفاعل.
٤) اتفق ابن الناظم وابن القيم في التمهيد للباب أهم أسباب حذف الفاعل.
ثانياً: أهم وجوه الاختلاف بين الشروح:
١) عند تفصيل الأحكام التي يستحقها النائب زاد ابن القيم عن الشارحين الآخرين بعض ما لم يذكراه.
стр. 49
٢) تميز ابن الناظم وابن القيم عن ابن عقيل بالتمهيد للباب بذكر أهم الأسباب حذف الفاعل، وزاد ابن القيم بعض مالم يذكره ابن الناظم من الأسباب المعنوية واللفظية.
٣) تميز ابن القيم عن ابن الناظم -فيما اتفقا عليه من التمهيد للباب- بتدعيم ابن القيم قوله بالشواهد القرآنية والحديثية والشعر وضرب الأمثلة، حيث ذكر فيه أربع آيات وحديثين وبيتاً من الشعر ومثالين.
٤) استطرد ابن عقيل في شرح البيت فأعرب مثال الشارح.
٥) أشار ابن الناظم في البيت التالي لهذا البيت، فكان الأنسب تأخير ذلك إلى موضعه.
.هذه نماذج أردت أن أبرز من خلالها قيمة هذا الشرح النفيس، وفي كل موضع لا يقل أبن القيم شأناً عن هذين الشارحين، بل كثيراً ما يمتاز عنهما بتمهيده بين يدى كل باب وبتفصيله، وكثرة شواهده، ولا يعني هذا تهوين أمر ابن الناظم، وابن عقيل، فهما هما علما ورسوخ قدم في هذا المجال وغيره، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في أول هذا المبحث.
المبحث الرابع: نقد الكتاب
لاشك في أنه ما من عمل بشري إلا ويقع فيه ما يقتضيه الطبع البشري من سهو أو نسيان أو خطأ على اختلاف في القدر الواقع من ذلك، وقد قيل: "كفى بالمرء نبلا أن تعد معايبه"
стр. 50
هذا وقد وقفت في أثناء دراستي لكتاب ابن القيم هذا على شيء يسير عددته في نقده، والشارح ﵀ متابع لغيره في أكثره، ومعذور في الباقي.
- من ذلك أخطاء نحوية يسيرة لم أجد لها محملا فصححتها على ما تقتضيه القواعد النحوية.
- ومنه -أيضاً- عده-﵀ قراءةً سبعيةً في الشاذ، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبّك أَعْمَالهمْ ...﴾ [هود:١١١]. بتخفيف "إنْ" انظر ص ٢٥٠ من الشرح والتعليق.
- ومنه حكمه على "ما" من قول الشاعر:
- فو الله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضي فسوف يكون
بأنها كافة مهيئة لدخول الحرف "لكن" على الفعل، والحق أنها اسم موصول، وقد وقع في هذا السهو ابن هشام أيضاً في كتابه: "القطر"، والأشموني في: "شرح الألفية.
ومما وقع من ذلك في اللغة:
- قوله: "البعض". وبعض وكل: لا تنفكان عن الإضافة بحال فلا تتصل بهما "أل" وقد وقع في ذلك كثير من النحويين واللغويين المتقدمين والمتأخرين، ينظر ص ٥٩٨ من الشرح والتعليق.
- وقوله: "حيوانات" على أنه جمع لحيوان و "حيوان" مما يستوي غفيه الواحد والجمع، ينظر تفصيل ذلك في ص ٧٢١ من الشرح والتعليق.
- ومنه عدة الفعل: "خَطِب" -بمعنى أحمر لونه- من المضموم العين وهو من مكسروها، ينظر ص ٥٥١ من الشرح والتعليق.
стр. 51
ومما وقع من ذلك أوهامه على بعض النحويين:
- فقد وهم على الجرجاني بأن زعم هو وغيره أن الجرجاني ذهب إلى أن ناصب المفعول معه واوُ المعية، والحقٌ أن الجرجاني لم يهب إلى ذلك، وإنما ذهب إلى أن ناصبه هو الفعل والواو مقوٍ للفعل ووسيلة إلى المفعول، ينظر ص ٣٤٩ من الشرح والتعليق.
- ووهم على ابن مالك، فرعم أنه عد "إمَّا" من حروف العطف، فقال: "وعدها الأكثرون من حروف العطف كالمصنف و ... ". ا. هـ.
وكلام المصنف ﵀ في التسهيل وشرح الكافيةالشافية صريح في أن العطف بالواو قبلها، ينظر ص ٥٩٣ من الشرح والتعليق.
- ومنه نسبته تجويز منع صرف المصروف للضرورة إلى الكوفيين، فقد قال: "والصحيح جوازه كما ذهب إليه الكوفيون"، والحق أنها لجمهورهم لا لجميعهم، ينظر ص ٧١٤ من الشرح والتعليق.
- ومنه نسبته القول بجواز إضافة صدر المركب العددي إلى عجزه مطلقاً إلى الكوفيين -أيضاً- والحق أنه لجمهورهم، فإن الفراء خصُ ذلك بالشعر، انظر ص ٧٨٧ من الشرح والتعليق.
المبحث الخامس: نسخه المعتمد عليها في تحقيقه
بعد البحث والتقصي وسؤال المهتمين بشؤون المخطوطات بين أنه لا يوجد لهذا المخطوط سوى نسختين:
إحداهما: نسخة مصورة على الميكروفيلم محفوظة بمركز البحث العلمي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (ورقمها ٧٦٠ نحو)، وأصلها محفوظ في مكتبة
стр. 52
أحمد الثالث بتركيا (ورقمها فيها ٢٦٠).
والثانية: نسخة خطية محفوظة بمكتبة مكة المكرمة (ورقمها ١ نحو).
وصف هاتين النسختين:
أما النسخة الأولى: فمكتوبة بقلن نسخ، وخطها بالغ الحسن والجمال وعليه شكل يسير، التزم كاتبه أن يكتب في كل لوحة (٣٨) ثمانية وثلاثين سطراً فلم يزد على ذلك ولم ينقص في جميع المخطوطـ، سوى الصفحة الأولى فقد شغلت البسملُة حيّز خمسة أسطر منها، وعدد لوحات هذه النسخة (٢٠٩) تسع ومائتا لوحة، وقد كتبت في القرن العاشر، وليس بها ما يشير إلى اسم كاتبها.
وقد ميّز كاتبها أسماء الأبواب والعناوين بخط كبير إلا أنه لم يظهر في التصوير إلا قليلاً.
أما الشواهد على اختلاف أنواعها فقد مزجها الكاتب بالنص مزجاً، فليس هناك ما يفصل بين النص والآية القرآنية أو الحديث الشريف، أو المثل المأثور أو الشواهد الشعرية ونحو ذلك، فلا أقواس ولا فواصل ولا نقاط إلا أن وضوح الخط يساعد على سرعة التمييز بين ذلك.
لكن أبيات الألفية قد حظيت باهتمام الكاتب فقد كتبها مستقلة عن بقية النصوص، وقد يرمز كاتب هذه النسخة للمصنف بـ (مص).
هذا وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (أ).
وأما النسخة الثانية: فمكتوبة بقلم عادي يميل إلى النسخ، لكنه لم يلتزم بكثير من قواعده، وليست بمشكولة، ولم يلتزم كاتبها عدداً معيناً في كل
стр. 53
لوحة، فقد بلغ بعض لوحاتها (٥٠) خمسين سطراً، وهذا أكثر ما كتب في اللوحة الواحدة، كما بلغ بعض لوحاتها (٣٠) ثلاثين سطراً، وهذا أقل ما كتب في اللوحة الواحدة.
وعدد لوحات هذه النسخة (٢٥٣) ثلاث وخمسون ومائتا لوحة، وليس هناك ما يشير إلى اسم كاتبها أو تاريخ النسخ.
وقد ميّز كاتبها أسماء الأبواب والعناوين بخط كبير ظاهر.
أما الشواهد على اختلاف أنواعها فقد مزجها الكاتب بالنص مزجاً كما فعل كاتب النسخة (أ)، وكثيراً ما كان يمزج أبيات الألفية بالنص أيضاً ويظهر لي أن ناسخاً ما شارك في نسخ أولها؛ وخطُّهما متقارب لكن أحد الخطين صغير مما يزيد في عدد الأسطر، إضافة إلى بعض السمات الأخرى كاستعمال صاحب الخط الصغير للحرف (ص) للرمز للتصنيف أو المصنف، والحرف (ش) للرمز للشرح أو الشارح ولم يلتزم بذكر هذين الحرفين، كما أن هذه النسخة يظهر على حواشيها -أحياناً- تعليق يسير ثم ينقطع فلا يكاد يظهر، حتى إن مجموع هذه التعليقات ربما لا يزيد على أصابع اليدين في المخطوط كله، وخطُّها لا يكاد يُبين غالباً.
هذا وقد رمزت لهذه النسخة بالرمز (ب).
خاتمة
إن هذا الكتاب الذي هو شرح لألفية ابن مالك ليس من الشروح المطولة ولا من الشروح المقتضبة، وإنما سلك به مؤلفه مسلك التوسط فجاء وافياً بالمراد مع جزالة العبارة وسهولة الألفاظ يظهر ذلك جلياً لكل من طالعه
стр. 54
وقارنه بغيره من شروح الألفية.
وشارحه ﵀ متأثر بمنهج والده العلامة الشيخ/ محمد بن أبي بكر قيم الجوزية ﵀ في نبذ التعصب فقد كان -أعني صاحب الشرح- ملماً بأقوال العلماء وآرائهم ينتقي منها ما يترجح لديه بالدليل، يتضح هذا من تفننه في الاختيار فبينما تجده يذهب في كثير من المسائل النحوية مذهب البصريين تجده يختار في كثير من المسائل المذهب الكوفي ويرجحه، وربما خالف الفريقين واختار رأياً آخر.
وهو على ذلك معدود في الفقهاء قال عنه في البداية والنهاية ١٤/ ٢٣٩ (كان فاضلاً في النحو والفقه وفنون أخرى على طريقة أبيه).أ. هـ.
وله مؤلف في الفقه سماه (اختلاف المذهبين) تعرف فيه للمسائل الخلافية بين أحمد والشافعي (معجم المصنفين للتنوكي ٤/ ٤٠٦).
وله رسالة مطبوعة اسمها (اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية).
كما تجدر الإشارة هنا إلى أنه سلم من كثير من المزالق العقدية التي وقع فيها كثير من النحاة (حسب علمي) ولا غرو فهو سليل ابن القيم وفرع دوحته المباركة.
هذا وقد كثر الطلب على هذا الكتاب منذ تحقيق القسم الأول منه من طلاب العلم ولا سيما المهتمون بالعلوم العربية وإني لأرجو أن أكون قد وفقت لإخراجه على الوجه اللائق به.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.
المحقق/ محمد بن عوض بن محمد السهلي
стр. 55
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال الشيخ الإمام، العالم الأوحد، علّامة الزمان، ولسان البيان، وتاج الأدب، وحجة العرب، أبو إسحاق، برهان الدين إبراهيم بن الشيخ الإمام، العالم، العلامة، شيخ الإسلام أبي عبدالله: محمد بن الشيخ الزاهد، العابد: أبي بكر بن أيوب، متّع الله المسلمين ببركته، وأدام عليه السوابغ من نعمته، وأثابه الجنة برحمته، وجميع المسلمين.
أما بعد:
حمداً لله مسحق الحمد لكماله، والصلاة على نبيه محمد وآله.
فإن بعض من قرأ كتاب الخلاصة، وأظهر إلى فهم معانيه الخصاصة طلب مني أن أوضح له ما تضمنه من الفوائد، وأكثر من ذلك في المصادر والموارده إلى أن استخرت الله تعالى بإملاء شرح يوضح معانيه، من تعرض لزيادة على ما فيه إلا حيث دعت الفاقة، واجتهدت في تحريره حسب الطاقة، وسميته:
стр. 56
"إرشاد السالك إلى حَلِّ ألفية ابن مالك"
وبالله أستعين على إتمامه، وجعله سبيلاً لفهم كلامه.
(قال محمد: هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك)
(مصليا على النبي المصطفى ... وآله المستكملين لشرفا)
الناظم لها هو: أبو عبدالله: محمد بن عبد الله] الله بن عبدالله [-ثلاثة- ابن مالك، الطائي، الجياني -مدينة بالمغرب- العلامة، جمال الدين، إمام الأدب في وقته، وحامل لوائه، ذو التصانيف المفيدة، ولد بـ"حيّان" سنة ستمائة، أو إحدى وستمائة.
وأتقن النحو واللغة القراءات، وسمع الحديث، وتردد في البلاد إلى أن سكن دمشق حتى توفي بها سنة اثنين وسبعين وستمائة، ﵀، وقد نشر علماً جماً، وآخر من روي عنه: شيخنا الإمام شهاب الدين:
أحمد بن سليمان الكاتب، كتاب الخلاصة عرضا، وعرضته عليه في
стр. 57
سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وأجازني ما أجازه المصنف من رواية مسموعاته، ومؤلفاته.
ومحمد: علم منقول من اسم مفعول. حمدته: بوزن علمته، إذا أكثرت من صفات الحمد فيه. و "مصليا": حال من المستكن في: "أحمدُ" و "النبيّ" فعيل من النبوة وهو المحل المرتفع، وقيل هو من النبأ، وعلى هذا فهل هو بمعنى فاعل، أو بمعنى مفعول، على قولين، و"آل" أنكر كثير من النحاة إضافته إلى الضمير، والصواب جوازه، نحو:
١ - وانصر على آل الصليب وعابديه] اليوم آلك]
стр. 58
(وأستعين الله في ألفيه ... مقاصد النحو بها محويّه)
(تُقرِّب الأقصى بلفظ موجز ... وتبسط البذل بوعد منجز)
"استعين الله": أطلب منه العون، و "ألفيه": مؤنث منسوب إلى ألف، كـ"سَعدية" في إمرأة منسوبة إلى سعد، و"مقاصد النحو": جمع مقصد، وهو هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: المطلوب من علم النحو، والنحو: علم مدرك بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب، دال على مالها من الأحكام التركيبية.
стр. 59
والمشهور أن أول من وضعه عليّ بن أبي طالب ﵁، و"الأقصى": البعيد، والموجز من الألفاظ: الخفيف المؤدي معناه، و"البذل": العطاء، و"المنجز": ما أسرع الوفاء به.
(وتقتضى رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطى)
"تقتضى": أي تطلب رضا من الله أو من قارئها، و "السَّخَط" و"السُّخْط" ضد الرضا، و"فائقة" حال من المستكن في "تقتضى"، و"ابن معطى" هو الإمام أبو زكريا: يحيي بن معط -وقيل: ابن عبد المعطى، وإنما قال هو في ألفيته: "ابن معط" لأجل النظم- ابن عبدالنور، صاحب الألفية،
стр. 60
والفصول، مولده ببلاد المغرب، وتوفي بالقاهرة، سنة ثمان وعشرين وستمائة.
(وهو بسبق حائز تفضيلاً ... مستوجب ثنائي الجميلا)
(والله يقضي بهبات وافرهُ ... لي وله في درجاتِ الآخره)
الباء في "بسبق" باء السببية، أي: هو حائز للفضيلة بسبب سبقه، والظاهر أنه إنما أراد السبق في الزمان، لا السبق في التقدم في العلم، والسّبق في الزمان مقتضٍ للتفضيل، بدليل قوله صلَّ الله عليه وسلم: "يذهب الصالحون الأول فالأول"، وقوله: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" على قول من حمله على إرادة التكرار، دون التخصيص بالقرون الثلاثة.
стр. 61
الكلام وما يتألف منه
"المراد ذكر أحكام الكلام وأحكام ما يتألف منه الكلام من الكلمات المنقسمة إلى الاسم والفعل والحرف".
(كلامنا لفظٌ مفيدٌ كـ"استقم" ... واسْمٌ وفعلٌ ثُمَّ حرفٌ الْكَلِمْ)
(واحِدُهُ كَلِمَةٌ والقولُ عَمّ ... وكَلْمَةٌ بها كَلامٌ قد يُؤَمّ)
أي: كلام النحاة الذين اصطلحوا على تسميته كلاماً: ما جمع اللفظ والإفادة، والمراد بـ"اللفظ": صوت اللافظ المتضمن لحروف الهجاء، وبـ"الإفادة": الدلالة على معنى يحسن السكوت عليه، وبذلك استغنى عن ذكر التركيب، لأن ذلك إنما يكون في المركبات دون المفردات، أو استغنى عنه بالتمثيل، فإن "استقم" كلام مركب من فعل ظاهر، وفاعل مستتر تقديره: أنت، ولاشك أن الكلام إنما يتألف من اسمين أو من اسم وفعل، وأن جزأيه تارة يكون ملفوظاً بهما، كـ"قام زيد" وتارة يكون أحدهما مقدّراً كـ"استقم" فمثُل بالاسم والفعل تنبيهاً على أن المركب من ملفوظ بهما أولى بذلك.
وانقسام الكلم إلى اسم وفعل وحرف مجمع عليه عند أهل الفن،
стр. 62
ولهم طرق في بيان الحصر في ذلك أشهرها أن الكلمة إن دلت على معنى في غيرها لا في نفسها فهي الحرف، وإن دلت على كلمة في نفسها لازمه الاقتران بأحد الأزمنة الثلاثة الماضي، أو الحال، أو المستقبل، فهي الفعل، وإن دلت على معنى في نفسها غير لازمة الاقتران بأحد الأزمنة الثلاثة فهي الاسم؛ والكلم اسم جنس جمعي كـ"لَبِنٍ" و "نَبِقٍ" ولهذا صح أن يقال: واحده: كلمة، بخلاف أسماء الأجناس غير الجمعية كـ"ماءٍ" و "لَبَنٍ" فإنه لا واحد لها، وإذا تقرر ذلك فأقلّ الكلم ثلاثة، وبهذا الاعتبار هو أخص من الكلام، وباعتبار صدقه على المفيد وغيره هو أعم منه، وفي الكلمة ثلاث لغات ثنتان شملهما النظم
стр. 63
والثالثة كلمة "كلفظة" و "القول" عام لجميع ما ذكر من الكلام والكلم والكلمة، بل يزيد على ذلك بإطلاقه على ما ليس لفظاً نحو:
٢ - وقال له العينان سمعاً وطاعة
وتطلق الكلمة على الكلام المفيد كإطلاقها على ما قبلها في قوله "كلاّ إنها كلمة هو قائلها"، وعلى ما بعدها في قوله تعالى:﴾ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴿] آل عمران: ٦٤ [ونحوه كثير.
стр. 64
(بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل)
أي حصل للاسم تمييز عن قسيميه "بالجر" والمراد به الكسرة الحادثة عن عامل سواء كان حرفاً أو إضافة أو اتباعاً، كـ "بسم الله الرحمن الرحيم" و "بالتنوين"، وهو عبارة عن نون ساكنة تلحق آخره لفظاً لا خطاً، سواء كان تنوين تمكين، كـ "زيدٍ" و "رَجُلٍ" أو تنوين تنكير، كـ "صهٍ" و "كم سيبويهٍ لقيته" أو تنوين مقابلة، كـ "مسلماتٍ"، إذ التنوين فيه مقابل لنون "مسلمين" بدليل ثبوته مع قيام مانع الصرف، كـ "عرفاتٍ" أو تنوين عوض إما من حرف، كـ "غَواشٍ" وإما من كلمة، كـ "كُلٍّ" و "بعضٍ" وإما من جملة كـ "يومئذٍ" و "حينئذٍ"، وأما تنوين
стр. 65
الرّوي فلا يختص بالاسم، و "بالنداء" وهو قصد دعائه بأحد الحروف الصالحة لذلك، ولم يقل بحرف النداء لأن حرف النداء قد يباشر الفعل، كقراءة الكسائي:
стр. 66
"ألاَ يا اسجدوا" والحرف كقولهِ:﴾ يا ليت قومي يعلمون ﴿] يس: ٢٦ [و"بأل" الداخلة في أوله، سواء كانت معرُفة كـ "الرجل" أو زائدة كـ "الآن" أما الموصولة فقد تدخل على الفعل المضارع، نحو:
٣ - ما أنت بالَحكَمِ التْرضي حكومته
وبالإسناد إليه: الذي عبر عنه المصنف بـ "مسند" إقامة لاسم المفعول مقام المصدر، إذ الكلمات الثلاث منها ما لا يسند ولا يسند إليه، وهو الحرف،
стр. 67
ومنها ما يسند أبدا وهو الفعل، ومنها ما يقع مسنداً ومسنداً إليه، وهو الاسم، فثبت بذلك اختصاص الاسم بالإسناد إليه، وبهذه العلامة ثبتت اسمية "التاء والواو" من نحو قمت وقاموا، ويختص ذلك بالإسناد إلى معناه، أما الإسناد إلى اللفظ فلا يختص بالاسم.
(بـ"تا" فعلتُ، وأتَتْ، و"يا" افعلي ... و"نون" أقبِلَنَّ فِعلٌ ينجلي)
أي: ينجلي الفعل بما ذكر من العلامات إما بتاء الفاعل المعبر عنها بـ"فعلت" وتكون مضمومة للمتكلم ومفتوحة للمخاطب ومكسورة للمخاطبة أو بتاء التأنيث الساكنة المدلول عليها بـ"ـأتت" بخلاف المتحركة، نحو: "مؤمنة" فإنها من علامات الاسم، وبها ثبتت فعلية "نِعْم" و"بئس" كقولهم "نِعْمت" و "بئست"، وبالتائين علمت فعلية "ليس" و "عسى" كقولهم:
لست، وليست، وعسيت، وعست، وبـ "ـياء" المخاطبة، نحو:
стр. 68
﴿فكلي واشربي وقري عينا ﴿] مريم: ٢٦ [، وبها ثبتت فعلية "تعال" كقوله:
٤ - ... ... ولكن تعالى فانظري بمن ابتلاني
وبنون التوكيد ثقيلة كانت أو خفيفة، وقد اجتمعا في قوله:﴾ ليسجنن وليكونن من الصاغرين ﴿] يوسف: ٣٢ [.
(سواهما الحرف كـ "ـهل" و "في" و "لم" ...] فعل مضارع يلي "لم" كـ "ـيشم")
أي: سوى الكلمة التي تقبل علامات الأسماء والكلمة التي تقبل علامات الأفعال: الحرف، ويعرف بعدم قبول شيء من علامات الأسماء علامات الأفعال، ثم الحرف ينقسم ثلاثة أقسام: منه ما يدخل على الأسماء والأفعال فيهمل، كـ "ـهل" ومنه ما يختص بالاسم فيعمل فيه كـ "في" ومنه ما يختص بالفعل فيعمل فيه كـ " ـلم"، وبدأ بذكر المضارع من أقسام الأفعال الثلاثة، لانفراده بالإعراب المقصود من النظم بيان أحكامه، ويتميز من قسيميه بصحة وقوعه بعد "لم" نحو: يأكل ويلبس ويشم، فإنَّ "لم" صالحة لمباشرة
стр. 69
كلُ منها، وفتح الشين من "يشم" أصح من ضمها.
(وماضي الأفعال بـ "التا" مز وَسِمْ ... بـ "النون" فعلَ الأمر إنْ أمر فهم)
(والأمر إن لم يك للنون محل ... فيه هو اسمٌ نحو "صْه" و "حَيَّهَلْ")
أي ميز الفعل الماضي من قسيميه بقبول "التاء" سواء كانت تاء الفاعل كـ "لست" أو تاء التأنيث الساكنة، كـ "نعمت" و "بئست" فإن كليهما من خصائصه، ويعرف فعل الأمر بصحة اتصاله بنون التوكيد، مع فهم الأمر منه، كقولك في "اذهب": "اذهبن" فخرج بالقيد الأول ما يفهم منه معنى الأمر من أسماء الأفعال التي لا تقبل نون التوكيد، كـ "صَهْ" بمعنى: "اسكت"، و "حيّهلْ" بمعنى: أقبل، و "نزالِ" بمعنى: انزل، وما أشبهها.
كما أن ما يفهم منه معنى الماضي ولا يقبل التاء كـ "هيهات" بمعنى: بَعُدَ اسم، وكذلك ما يفهم منه معنى المضارع ولا يقبل "لم" كـ "أَوَّه" بمعنى: أتوجّع اسم.
стр. 70
وبالقيد الثاني ما يقبل "نون التوكيد" من المضارع الذي لا يفهم منه معنى الأمر، كقوله:﴾ وإما تخافن ﴿] الأنفال: ٥٨ [ولا يرد ما أكد بالنون من المضارع الذي دخلت عليه لام الأمر، لأن معنى الأمر لم يفهم من الفعل، وإنما فهم من اللام.
المعرب والمبني
الإعراب لغة: البيان، يقال: أعربَ عما في نفسه، إذا أبان عنه. وهو في اصطلاح النحاة: اختلاف آخر الكلمة أو ما يجري مجرى آخرها لفظاً أو تقديراً، بعامل يقتضي ذلك، والمعرب ما دخله الإعراب، والمبني عكسه.
(والاسم منه معرب ومبني ... لشبه من الحرف مدنى)
(كالشبه الوضعي في اسمي "جئتنا" ... والمعنوي في "متى" وفي "هنا")
(وكنيابة عن الفعل بلا ... تأثر وكافتقار أُصلا)
(ومعرب الأسماء ما قد سلما ... من شبه الحرف كـ "أرض" و "سما")
كل واحد من الاسم والفعل ينقسم إلى معرب ومبني، لكن يختلفان بالأصالة، فالأصل في الاسم الإعراب، وبناؤه عارض، والفعل عكسه، ولهذا
стр. 71
بدأ المصنف عند ذكر انقسام الاسم بالإعراب، وبدأ عند ذكر انقسام الفعل بالبناء تنبيهاً على الأصل في كل واحد منهما، ثم بناء الاسم سببه شَبَهٌ مقربُ له من الحرف وينقسم الشبه إلى ثلاثة أقسام، "وضعي": -ومعناه أن يوضع الاسم على وضع مختص بالحرف مثل أن يوضع على حرف أو حرفين، كـ "تاء" الضمير و "نا" المشار إليهما باسمي "جئتنا" إذ الأول شبيه بـ "واو العطف" و "باء الجر" والثاني شبيه بـ "قد" و "بل".
ومعنوي: والمراد به أن يتضمن الاسم معنى من معاني الحروف، كـ "متى" فإنها إما شرطية فهي متضمنة لمعنى "إنْ" كسائر أسماء الشرط، وإما استفهامية فهي متضمنة لمعنى "الهمزة" كسائر أسماء الاستفهام، وسواء كان الحرف الذي تضمن الاسم معناه مستعملاً -كما مثلناه- أو غير مستعمل، فإن أسماء الإشارة كـ "هنا" و"ذا" و "تا" وفروعها بنيت لتضمنها
стр. 72
معنى الإشارة، والعرب لم تضع للإشارة حرفاً، لكن لما كانت الإشارة من جملة المعاني كان حقها أن يعبّر عنها] بالحرف كالتمني والترجي والتشبيه والخطاب وغيرها فإذا عبرُ عنها [بالأسماء كانت تلك الأسماء شبيهة بذلك الحرف لتضمنها معناه.
واستعمالي: ومعناه أن يلزم الاسم طريقة من طرائق الحرف، وقد قسمه المصنف إلى قسمين:
الأول: أن يقع نائباً عن الفعل في تأدية معناه، غير متأثر بالعوامل، وهذا هو المقتضى، لبناء أسماء الأفعال، نحو: "هيهات" و "أفٌ"، و "صه" إذ هي نائبة عن "بعُد" و "أتَضَجَّرُ" و"اسْكُت" فأشبهت في ذلك حروف المعاني كحرف النفي والاستفهام، مثلا فأنهما نائبان عن "أنفي" و "استفهم" وقيد ذلك بعدم التأثر بالعوامل، ليخرج المصدر النائب عن فعله في نحو:
"ضرباً زيداً" فإنه وإن أدى معنى "اضْرِبْ"، فقد فارق نحو "صَهْ" في قبوله للعوامل، وتأثره بها، ألا ترى أنك تقول: "رأيت ضربَ زيد فأعجبني ضربهُ".
الثاني: وقوعه مفتقراً إلى غيره افتقاراً أصليّاً، كبناء الموصولات كلها
стр. 73
لافتقارها إلى صِلاتها، وكبناء "إذ" و "إذا" و "حيث" لافتقارها إلى جُمل تضاف إليها، وإنما يؤثر الافتقار إلى الجُمل، كما مثّلنا، أما الافتقار إلى المفرد كـ "سبحان" و "عند" ونحوهما مما يلزم إضافته إلى المفرد فلا يخرجه ذلك عن الإعراب، وقيد الافتقار بكونه أصليّاً، ليخرج الافتقار العارض فيما أضيف من أسماء الزمان إلى الجُمل، نحو:﴾ هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم ﴿] المائدة: ١١٩ [فإن ذلك لا يمنع الإعراب.
تنبيه: لم يؤثر الشبه الوضعي في: "يد" و "دم" و "أب" ونحوها
стр. 74
لأنه ليس بطريق الأصالة، وإنما هو عارض، إذ الأصل: يدي، ودمي، وأبو، بدليل ردّه في التثنية، ولم يؤثر المعنوي، ولا الاستعمالي في: "أَيّ" الشرطية، والاستفهامية، والموصولة، لمعارضة لزوم الإضافة التي هي من خصائص الأسماء، ولم يؤثر المعنوي في "ذَيْنِ" و "تين" لمجيئهما على اصل التثنية التي هي من خصائص الأسماء، وكذلك لم يؤثر الاستعمالي في "اللذيْن" و "اللتين". وإذا علم أن المقتضي لبناء الاسم شبهه بالحرف فما سلم من شبه الحرف فمعرب، وينقسم إلى قسمين: -صحيح- يظهر فيه الإعراب، كـ "أرض" و "سماء" ومعتل يقدر فيه الإعراب كـ "سُما" -لغة من لغات الاسم- بوزن هُدّى.
(وفعل أمر ومضى بُنِيا ... وأعربوا مضارعاً إن عريا)
(من نون توكيدٍ مباشر ومن ... نونِ إناثٍ كـ يِّرَعْنَ من فُتِن)
الأصل في الفعل البناء، ولذلك جاء الماضي والأمر منه مبنيين، فأما
стр. 75
الماضي: فمبني على الفتح إلا] أنه يضم [إذا اتصلت به واو الجماعة، ويسكّن إذا أسند إلى التاء، أو النون أو "نا"، وأما الأمر: فمبني على ما يجزم به المضارع من سكون كـ "اضرب" أو حذف حرف العلّة كـ "اغز" و "ارم" و "اخش" أو حذف النون، كـ "اضربا" و "اضربوا" و "اضربي"، وإنما أعرب المضارع لشبهه بالاسم. وشرط إعرابه: أن يعرى من نون التوكيد المباشرة، فإن باشرته بني على الفتح، نحو:﴾ لينبذن في الحطمة ﴿] الهمزة: ٤ [ومن نون الإناث، فإن اتصلت به بني على السكون كـ "ـيَرُعْنَ" وكقوله:﴾ والمطلقات يتربصن ﴿] البقرة: ٢٢٨ [، وقيد نون التوكيد بكونها مباشرة ليخرج ما فصل الفعل عنها بالضمير نحو:﴾ لتبلون في أموالكم وأنفسكم ﴿] آل عمران: ١٨٦ [﴾ ولا تتبعان ﴿] يونس:٨٩ [،] فإما ترين [.
(وكلّ حرف مستحق للبنا ... والأصل في المبنيّ أن يسكنّا)
(ومنه ذو فتح وذو كسر وضم ... كـ "أين أمسِ حيثُ" والساكن كَمْ)
следующие страницы →