وذلك أنه لم يقصد إلى أن يجعل بين الشيئين اتصالا، وإنما أراد اجتماعا في مكان فقط. كيف؟ ولا يكون لمضامّة الرّطب من القلوب إلى اليابس هيئة يقصد ذكرها، أو يعنى بأمرها، كما يكون ذلك لتباشير الصّبح في أثناء الظلماء، وكون الشّقيقة على قامتها الخضراء، فيؤدّي ذلك الشبه الحاصل من مداخلة أحد المذكورين الآخر
واتّصاله به، اجتماع الحشف البالي والعنّاب. كيف؟ ولا فائدة لأن ترى العنّاب مع الحشف، أكثر من كونهما في مكان واحد، ولو أن اليابسة من القلوب كانت مجموعة ناحية، والرطبة كذلك في ناحية أخرى، لكان التشبيه بحاله.
وكذلك لو فرّقت التشبيه فقلت: «كأنّ الرّطب من القلوب عنّاب، وكأنّ اليابس حشف بال»، لم تر أحد التشبيهين موقوفا في الفائدة على الآخر، وليس كذلك الحكم في المركّبات التي تقدّمت.
وقد يكون في التشبيه المركّب ما إذا فضضت تركيبه وجدت أحد طرفيه يخرج عن أن يصلح تشبيها لما كان جاء في مقابلته مع التركيب بيان ذلك أن «الجلال» في قوله:
كطرف أشهب ملقى الجلال (١) في مقابلة الليل، وأنت لو قلت: «كأن الليل جلال» وسكتّ لم يكن شيئا.
وقد يكون الشيء منه إذا فضّ تركيبه استوى التشبيه في طرفيه، إلا أن الحال تتغير، ومثال ذلك قوله (٢):
وكأن أجرام النّجوم لوامعا ... درر نثرن على بساط أزرق
فأنت وإن كنت إذا قلت: «كأنّ النجوم درر، وكأن السماء بساط أزرق»، وجدت التشبيه مقبولا معتادا مع التفريق، فإنك تعلم بعد ما بين الحالتين، ومقدار الإحسان الذي يذهب من البين. وذلك أن المقصود من التشبيه أن يريك الهيئة التي تملأ النواظر عجبا وتستوقف العيون وتستنطق القلوب بذكر الله تعالى من طلوع النجوم مؤتلفة مفترقة في أديم السماء وهي زرقاء زرقتها الصافية التي تخدع العين، والنجوم تتلألأ وتبرق في أثناء تلك الزرقة، ومن لك بهذه الصورة إذا فرّقت التشبيه، وأزلت عنه الجمع والتركيب؟ وهذا أظهر من أن يخفى.
стр. 142
وإذ قد عرفت هذه التفاصيل، فاعلم أن ما كان من التركيب في صورة بيت امرئ القيس، فإنما يستحق الفضيلة من حيث اختصار اللفظ وحسن الترتيب فيه، لا لأن للجمع فائدة في عين التشبيه. ونظيره أنّ للجمع بين عدّة تشبيهات في بيت كقوله (١): [من الوافر]
بدت قمرا، وماست خوط بان، ... وفاحت عنبرا، ورنت غزالا
مكانا من الفضيلة مرموقا، وشأوا ترى فيه سابقا ومسبوقا لا أنّ حقائق التشبيهات تتغير بهذا الجمع، أو أن الصور تتداخل وتتركّب وتأتلف ائتلاف الشكلين يصيران إلى شكل ثالث. فكون قدّها كخوط البان، لا يزيد ولا
ينقص في شبه الغزال حين ترنو منه العينان. وهكذا الحكم في أنها تفوح فوح العنبر، ويلوح وجهها كالقمر.
وليس كذلك بيت بشار: «كأنّ مثار النقع»، لأن التشبيه هناك كما مضى مركّب وموضوع على أن يريك الهيئة التي ترى عليها النّقع المظلم، والسيوف في أثنائه تبرق وتومض وتعلو وتنخفض، وترى لها حركات من جهات مختلفة كما يوجبه الحال حين يحمى الجلاد، وترتكض بفرسانها الجياد.
كما أن قول رؤبة مثلا (٢): [من الرجز]
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنّها في الجلد توليع البهق
стр. 143
ليس القصد فيه أن يريك كل لون على الانفراد، وإنما القصد أن يرى الشّبه من اجتماع اللونين.
وقول البحتري: [من الوافر]
ترى أحجاله يصعدن فيه ... صعود البرق في الغيم الجهام (١)
لا يريد به تشبيه بياض الحجول على الانفراد بالبرق، بل المقصود الهيئة الخاصّة الحاصلة من مخالطة أحد اللونين الآخر.
كذلك المقصود في بيت بشّار بتشبيه النّقع والسيوف فيه، بالليل المتهاوي كواكبه، لا تشبيه الليل بالنّقع من جانب، والسيوف بالكواكب من جانب. ولذلك وجب الحكم، كما كنت ذكرت في موضع، بأنّ الكلام إلى قوله: «وأسيافنا» في حكم الصلة للمصدر، وجار مجرى الاسم الواحد، لئلا يقع في التشبيه تفريق ويتوهّم أنه كقولنا: «كأن مثار النقع ليل وكأنّ السيوف كواكب»، ونصب «الأسياف» لا يمنع من تقدير الاتصال، ولا يوجب أن يكون في تقدير الاستئناف، لأن الواو فيها معنى «مع»، كقوله: [من الطويل] فإنّي وقيّارا بها لغريب (٢) وقوله: «كلّ رجل وضيعته»، وهي إذا كانت بمعنى «مع»، لم يكن في معطوفها الانقطاع، وأن يكون الكلام في حكم جملتين، ألا ترى أن قولهم: «لو تركت النّاقة وفصيلها لرضعها»، لا يكون بمنزلة أن تقول: «لو تركت الناقة ولو ترك فصيلها»، فتجعل الكلام جملتين وكذا لا يمكنك أن تقول: «كل رجل كذا
стр. 144
وضيعته كذا»، فتفرّق الخبر عنهما كما يجوز في قولك: «زيد وعمرو كريمان»، أن تقول: «زيد كريم وعمرو كريم»، وهذا موضع غامض، وللكلام فيه موضع آخر.
وإن أردت أن تزداد تبيينا، لأن التشبيه إذا كان معقودا على الجمع دون التفريق، كان حال أحد الشيئين مع الآخر حال الشّيء في صلة الشيء وتابعا له ومبنيّا عليه، حتى لا يتصوّر إفراده بالذكر، فالذي يفضي بك إلى معرفة ذلك أنك تجد في هذا الباب ما إذا فرّق لم يصلح للتشبيه بوجه، كقوله: [من السريع]
كأنّما المرّيخ والمشتري ... قدّامه، في شامخ الرّفعة
منصرف بالليل عن دعوة ... قد أسرجت قدّامه شمعه (١)
لو قلت: «كأنّ المريخ منصرف بالليل عن دعوة»، وتركت حديث المشتري والشّمعة، كان خلفا من القول، وذاك أن
التشبيه لم يكن للمرّيخ من حيث هو نفسه، ولكن من حيث الحالة الحاصلة له من كون المشتري أمامه. وأنت وإن كنت تقول:
«المشتري شمعة»، على التشبيه العامي الساذج في قولهم: «كأنّ النّجوم مصابيح وشموع»، فإنه لم يضع التشبيه على هذا، وإنما قصد إلى الهيئة التي يكتسبها المرّيخ من كون المشتري أمامه.
وهكذا قول ابن المعتزّ (٢): [من البسيط]
كأنّه وكأنّ الكأس في فمه ... هلال أوّل شهر غاب في شفق
لم يقصد أن يشبه الكأس على الانفراد بالهلال، والشّفة بالشفق على الاستئناف، بل أراد أن يشبّه مجموع الصّورتين، ألا ترى أنك لو فرّقت لم تحل من التشبيه بطائل، إذ لا معنى لأن تقول: «كأن الشفة شفق»، وتسكت.
أترى أن قوله (٣): [من الوافر]
بياض في جوانبه احمرار ... كما احمرّت من الخجل الخدود
стр. 145
استوجبت الفضل والخروج من التشبيه العاميّ، وأن يقال: «قد زاد زيادة لم يسبق إليها»، إلا بالتركيب والجمع، وبأن ترك أن يراعى الحمرة وحدها؟.
وقال القاضي أبو الحسن ﵀: «لو اتفق له أن يقول: «احمرار في جوانبه بياض، لكان قد استوفى الحسن» وذلك لأن خدّ الخجل هكذا، يحدق البياض فيه بالحمرة لا الحمرة بالبياض، إلّا أنه لعله وجد الأمر كذلك في الوردة، فشبّه على طريق العكس فقال: «هذا البياض حوله الحمرة هاهنا، كالحمرة حولها البياض هناك». فانظر الآن، إن
فرّقت، كيف يتفرّق عنك الحسن والإحسان، ويحضر العيّ ويذهب البيان؟ لأن تشبيه البياض على الانفراد لا معنى له، وأما تشبيه الحمرة، وإن كانت تصحّ على الطريقة الساذجة أعني تشبيه الورد الأحمر بالخد فإنه يفسد من حيث أن القصد إلى جنس من الورد مخصوص، هو ما فيه بياض تحدق به حمرة، فيجب أن يكون وصف المشبّه به على هذا الشرط أيضا.
وبهذا الاختصاص ولما ذكرت لك، تجد أحد المشبّهين في الأمر الأعمّ الأكثر وقد ذكر في صلة الآخر، ولم يعطف عليه كقوله: [من الكامل] والشّيب ينهض في الشباب (١) و: بياض في جوانبه احمرار وأشباه ذلك. فإن جاءت «الواو» كانت واو حال كقوله: [من السريع]
كأنّما المرّيخ والمشتري ... قدّامه في شامخ الرفعة (٢)
وهي إذا كانت حاليّة، فهي كالصفة في كونها تابعة، وبحيث لا ينفرد بالذكر، بل يذكر في ضمن الأول، وعلى أنه من تبعه وحاشيته.
وهكذا الحكم في الطرف الآخر، ألا ترى قوله:
ليل تهاوى كواكبه «فتهاوى كواكبه»، جملة من الصّفة لليل، وإذا كان كذلك، فالكواكب مذكورة على سبيل التّبع لليل، ولو كانت مستبدّة بشأنها لقلت: «ليل وكواكب».
وكذلك قوله:
стр. 146
ليل يصيح بجانبيه نهار وأشدّ من ذلك أن يجيء «كما» في الطّرف الثاني كقوله:
كما احمرّت من الخجل الخدود وبيت امرئ القيس على خلاف هذه الطريقة، لأن أحد الشيئين فيه في الطرفين معطوف على الآخر، أما في طرف الخبر، وهو طرف المشبّه به، فبيّن وهو قوله:
العنّاب والحشف البالي وأما في طرف المخبر عنه، وهو المشبّه، فإنك وإن كنت ترى اسما واحدا، هو «القلوب»، فإن الجمع الذي تفيده الصيغة في المتفق يجري مجرى العطف في المختلف، فاجتماع شيئين أو أشياء في لفظ
تثنية أو جمع، لا يوجب أن أحدهما في حكم التابع للآخر، كما يكون ذلك إذا جرى الثاني في صفة الأول أو حاله أو ما شابه ذلك. هذا وقد صرّح بالعطف في البدل، وهو المقصود فقال: «رطبا ويابسا».
واعلم أنه قد يجيء في هذا الباب شيء له حدّ آخر، وهو نحو قوله: [من الكامل]
إني وتزييني بمدحي معشرا ... كمعلّق درّا على خنزير (١)
هو على الجملة جمع بين شيئين في عقد تشبيه، إلّا أن التشبيه في الحقيقة لأحدهما. ألا ترى أن المعنى على أنّ فعله في التزيين بالمدح، كفعل الآخر في محاولته أن يزيّن الخنزير بتعليق الدرّ عليه؟ ووجه الجمع أنّ كل واحد منهما يضع الزينة حيث لا يظهر لها أثر، لأن الشيء غير قابل للتحسين. ومتى كان المشبّه به «كمعلّق» في البيت، فلا شكّ أن التشبيه لا يرجع إلى ذات الشيء، بل المعنى المشتقّ منه الصفة. وإذا رجع إليه مقرونا بصلته على ما مضى في نحو «ما زال يفتل في الذّروة والغارب»، فقد شبّه تزيينه بالمدح من ليس من أهله، بتعليق الدّر على الخنزير هكذا بجملته، لا بالتعليق غير معدّى إلى الدّرّ والخنزير، فالشبه مأخوذ من مجموع المصدر وما في صلته. ولا بدّ للواو في هذا النحو أن تكون بمعنى «مع»، وأمرها فيه أبين، إذ لا يمكن أن يقال: «إنّي كذا وإنّ تزييني كذا»، لأنه ليس معنا شيئان يكون أحدهما خبرا عن ضمير المتكلم في «إني» الذي هو المعطوف عليه،
стр. 147
والآخر عن «تزييني» المعطوف، كما يكون نحو بيت بشّار شيئان يمكن في ظاهر اللفظ أن يجعل أحدهما خبرا عن النّقع، والآخر عن الأسياف، إلى أن تجيء إلى فساده من جهة المعنى. فأنت في نحو «إني وتزييني» ملجأ إلى جعل «الواو» بمعنى «مع» من كل وجه، حتى لا تقدر على إخراج الكلام إلى صورة تكون فيها «الواو» عارية من معنى «مع»، ويكون تشبيها بعد تشبيه.
فإن قلت: إنّ في «معلّق» معنى الذات والصفة معا، فيمكن أن يكون أراد أن يشبّه نفسه بذات الفاعل، وتزيينه بالفعل نفسه.
فإن قلت: إنّ في «معلّق» معنى الذات والصفة معا، فيمكن أن يكون أراد أن يشبّه نفسه بذات الفاعل، وتزيينه بالفعل نفسه.
أقول: لو أريد إنّي «كمعلّق درّا على خنزير، وإن تزييني بمدحي معشرا كتعليق درّ على خنزير»، كان قولا ظاهر السقوط، لما ذكرت من أنه لا يتصوّر أن يشبّه المتكلم نفسه، من حيث هو زيد مثلا، بمعلّق الدرّ على الخنزير من
حيث هو عمرو، وإنما يشبّه الفعل بالفعل، فاعرفه.
فإن قلت: فما تقول في قوله (١): [من الطويل]
وحتى حسبت الليل والصبح إذ بدا ... حصانين مختالين جونا وأشقرا
فإن ظاهره أنه من جنس المفرّق؟.
أقول: نعم، إلا أن ثمّة شيئا كالجمع، وهو أنّ لاقتران الحصانين الجون والأشقر في الاختيال ضربا من الخصوصية في الهيئة، لكنه لا يبلغ مبلغ «ليل تهاوى كواكبه»، ولا مبلغ قوله: [من الرجز] والصّبح مثل غرّة في أدهم كما أنّ قوله (٢): [من الكامل]
دون التّعانق ناحلين كشكلتي ... نصب أدقّهما وضمّ الشاكل
стр. 148
لا يكون كقوله (١): [من البسيط]
إني رأيتك في نومي تعانقني ... كما تعانق لام الكاتب الألفا
فإن هذا قد أدّى إليك شكلا مخصوصا لا يتصوّر في كل واحد من المذكورين على الانفراد بوجه، وصورة لا تكون مع التفريق وأما المتنبي فأراك الشيئين في مكان واحد وشدّد في القرب بينهما، وذاك أنه لم يعرض لهيئة العناق ومخالفتها صورة الافتراق، وإنما عمد إلى المبالغة في فرط النّحول، واقتصر من بيان حال المعانقة على ذكر الضّمّ مطلقا والأوّل لم يعن بحديث الدقّة والنحول، وإنما عني بأمر الهيئة التي تحصل في العناق خاصّة، من انعطاف أحد الشكلين على صاحبه، والتفاف الحبيب بمحبّه، كما قال (٢): [من المتقارب] لفّ الصّبا بقضيب قضيبا
وأجاد وأصاب الشبه أحسن إصابة، لأن خطّي اللام والألف في «لا» ترى رأسيهما في جهتين، وتراهما قد تماسّا من الوسط، وهذه هيئة المعتنقين على الأمر بالمعروف، فأما قصد المتنبي فليس بصفة عناق على الحقيقة، وإنما هو تضامّ وتلاصق، وهو بنحو قوله: [من البسيط]
ضممته ضمّة عدنا بها جسدا ... فلو رأتنا عيون ما خشيناها
أشبه، لأن القصد في مثله شدّة الالتصاق، من غير تعريج على هيئة الاعتناق.
وذهب القاضي في بيت المتنبي إلى أنه كأنه معنى مفرد غير مأخوذ من قوله:
كما تعانق لام الكاتب الألفا وقال: «ولئن كان أخذه، كما يقولون، فليس عليه معتب، لأنّ التعب في نقله ليس بأقلّ من التعب في ابتدائه».
وهذا التفضيل والتفصيل من قول القاضي ليس قادحا في غرضي، لأنّي أردت أن أريك مثالا في وضع التشبيه على الجمع والتفريق، وأجعل البيتين معيارا فيما
стр. 149
أردت. ولئن كان المتنبي قد زاد على الأوّل، فليس تلك الزيادة من حيث وضع الشبه على تركيب شكلين، ولكن من جهة أخرى، وهي الإغراق في الوصف بالنحول وجمع ذلك للخلّين معا، ثم إصابة مثال له ونظير من الخطّ. فاعرف ذلك، ولا تظنّ أن قصدي المفاضلة بين البيتين من حيث القول في السابق والمسبوق، والأخذ والسرقة، فتحسب أني خالفت القاضي فيما حكم به.
فصل هذا فنّ غير ما تقدّم في الموازنة بين التشبيه والتمثيل
اعلم أنّي قد عرّفتك أن كل تمثيل تشبيه، وليس كل تشبيه تمثيلا، وثبتّ وجه الفرق بينهما.
وهذا أصل إذا اعتبرته وعرضت كلّ واحد منهما عليه فوجدته يجيء في التشبيه مجيئا حسنا، وينقاد القياس فيه انقيادا لا تعسّف فيه، ثم صادفته لا يطاوعك في التمثيل تلك المطاوعة، ولا يجري في عنان مرادك ذلك الجري
ظهر لك نوع من الفرق والفصل بينهما غير ما عرفت، وانفتح منه باب إلى دقائق وحقائق، وذلك جعل الفرع أصلا والأصل فرعا، وهو إذا استقريت التشبيهات الصريحة وجدته يكثر فيها.
وذلك نحو أنهم يشبّهون الشيء فيها بالشيء في حال. ثم يعطفون على الثاني فيشبّهونه بالأول، فترى الشيء مشبّها مرّة، ومشبّها به أخرى.
فمن أظهر ذلك أنك تقول في النجوم: «كأنها مصابيح»، ثم تقول في حالة الأخرى في المصابيح: «كأنها نجوم» ومثله في الظهور والكثرة تشبيه الخدّ بالورد، والورد بالخدّ وتشبيه الرّوض المنوّر بالوشي المنمنم ونحو ذلك، ثم يشبّه النقش والوشي في الحلل بأنوار الرياض وتشبّه العيون بالنرجس، ثم يشبّه النرجس بالعيون، كقول أبي نواس: [من الطويل]
لدى نرجس عضّ القطاف كأنّه ... إذا ما منحناه العيون عيون (١)
стр. 150
وكذلك تشبيه الثّغر بالأقاحي، ثم تشبيهها بالثغر، كقول ابن المعتز: [من السريع]
والأقحوان كالثّنايا الغرّ ... قد صقلت أنواره بالقطر (١)
وقول التّنوخي: [من الخفيف]
أقحوان معانق لشقيق ... كثغور تعضّ ورد الخدود
وبعده، وهو تشبيه النرجس بالعيون:
وعيون من نرجس تتراءى ... كعيون موصولة التّسهيد (٢)
وكما يشبّهون السيوف عند الانتضاء بعقائق البروق، كما قال: [من الوافر]
وسيفي كالعقيقة وهو كمعي ... سلاحي، لا أفلّ ولا فطارا
ثم يعودون فيشبّهون البرق بالسيوف المنتضاة، كما قال ابن المعتزّ يصف سحابة: [من المتقارب]
وسارية لا تملّ البكا ... جرى دمعها في خدود الثّرى
سرت تقدح الصّبح في ليلها ... ببرق كهندية تنضى (٣)
وكقول الآخر يصف نار السّذق: [من المتقارب]
وما زال يعلو عجاج الدّخان ... إلى أن تلوّن منه زحل (٤)
وكنّا نرى الموج من فضّة ... فذهّبه النّور حتى اشتعل
شرارا يحاكى انقضاض النجوم ... وبرقا كإيماض بيض تسلّ
ومن لطيفه قول علي بن محمد بن جعفر: [من الكامل]
دمن كأنّ رياضها ... يكسين أعلام المطارف (٥)
وكأنّما غدرانها ... فيها عشور من مصاحف
وكأنّما أنوارها ... تهتزّ في نكباء عاصف
стр. 151
طرر الوصائف يلتق ... ين بها إلى طرر الوصائف
وكأنّ لمع بروقها ... في الجوّ أسياف المثاقف
المقصود البيت الأخير، ولكن البيت إذا قطع عن القطعة كان كالكعاب تفرد عن الأتراب، فيظهر فيها ذلّ الاغتراب، والجوهرة الثمينة مع أخواتها في العقد أبهى في العين، وأملأ بالزين، منها إذا أفردت عن النظائر، وبدت فذّة للناظر.
ويشبّهون الجواشن والدروع بالغدير يضرب الريح متنه فيتكسّر، ويقع فيه ذلك الشنج المعلوم كقوله (١): [من الطويل]
وبيضاء زغف نثلة سلميّة ... لها رفرف فوق الأنامل من عل
وأشبرنيها الهالكيّ، كأنها ... غدير جرت في متنه الرّيح سلسل
وقال (٢): [من المتقارب]
وسابغة من جياد الدّروع ... تسمع للسيف فيها صليلا
كمتن الغدير زفته الدّبور ... يجرّ المدجّج منها فضولا
وقال البحتري (٣): [من الكامل]
يمشون في زغف كأنّ متونها ... في كل معركة متون نهاء
стр. 152
وهو من الشهرة بحيث لا يخفى. ثم إنهم يعكسون هذا التشبيه فيشبّهون الغدران والبرك بالدروع والجواشن، كقول البحتري يصف البركة (١): [من البسيط]
إذا زهتها الصّبا أبدت لها حبكا ... مثل الجواشن مصقولا حواشيها
ومن فاتن ذلك وفاخره، لاستواء أوّله في الحسن وآخره، قول أبي فراس الحمداني (٢): [من مجزوء الكامل]
انظر إلى زهر الربيع ... والماء في برك البديع
وإذا الرياح جرت علي ... هـ في الذّهاب وفي الرجوع
نثرت على بيض الصّفا ... ئح بيننا حلق الدروع
وتشبّه أنوار الرياض بالنجوم، كقوله (٣): [من الكامل]
بكت السماء بها رذاذ دموعها ... فغدت تبسّم عن نجوم سماء
ثم تشبّه النجوم بالنّور كقوله (٤): [من البسيط]
قد أقذف العيس في ليل كأنّ به ... وشيا من النّور أو روضا من العشب
وكقول ابن المعتزّ (٥): [من الطويل]
كأنّ الثّريّا في أواخر ليلها ... تفتّح نور أو لجام مفضّض
وقال (٦): [من الكامل]
وتوقّد المرّيخ بين نجومها ... كبهارة في روضة من نرجس
стр. 153
وكذلك تشبّه غرّة الفرس الأدهم بالنّجم أو الصبح، ويجعل جسمه كالليل، كما قال ابن المعتزّ (١): [من الرجز]
جاء سليلا من أب وأمّ ... أدهم مصقول ظلام الجسم
قد سمّرت جبهته بنجم وكما قال كاتب المأمون يصف فرسا (٢): [من الرمل]
قد بعثنا بجواد ... مثله ليس يرام
فرس يزهى به للح ... سن سرج ولجام
وجهه صبح، ولكن ... سائر الجسم ظلام
والذي يصلح للمو ... لى، على العبد حرام
وقال ابن نباتة (٣): [من الوافر]
وأدهم يستمد الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثّريّا
ثم يعكس فيشبّه النجم أو الصبح بالغرّة في الفرس، كقول ابن المعتزّ (٤): [من الرجز]
والصّبح في طرّة ليل مسفر ... كأنه غرّة مهر أشقر
وتشبّه الجواري في قدودهن بالسّرو تشبيها عامّيّا مبتذلا، ثم إنهم قد جعلوا فيه الفرع أصلا، فشبّهوا السّرو بهنّ، كقوله (٥): [من الكامل]
حفّت بسرو كالقيان تلحّفت ... خضر الحرير على قوام معتدل
فكأنّها والرّيح حين تميلها ... تبغي التعانق ثم يمنعها الخجل
والمقصود من البيت الأول ظاهر، وفي البيت الثاني تشبيه من جنس الهيئة
стр. 154
المجرّدة من هيئات الحركة، وفيه تفصيل طريف فاتن، فقد راعى الحركتين حركة التهيّؤ للدنوّ والعناق، وحركة الرّجوع إلى أصل الافتراق، وأدّى ما يكون في الحركة الثانية من سرعة زائدة تأدية تحسب معها السّمع بصرا، تبيينا للتشبيه كما هو وتصوّرا، لأن حركة الشجرة المعتدلة في حال رجوعها إلى اعتدالها أسرع لا محالة من حركتها في حال خروجها عن مكانها من الاعتدال، وكذلك حركة من يدركه الخجل فيرتدع، أسرع أبدا من حركته إذا همّ بالدنوّ، فإزعاج الخوف والوجل أبدا أقوى من إزعاج الرجاء والأمل، فمع الأوّل تمهّل الاختبار، وسعة الحوار، ومع الثاني حفز الاضطرار، وسلطان الوجوب.
وأعود إلى الغرض.
ومن تشبيه السّرو بالنساء قول ابن المعتزّ (١): [من الطويل]
ظللت بملهى خير يوم وليلة ... تدور علينا الكأس في فتية زهر
بكفّ غزال ذي عذار وطرّة ... وصدغين كالقافين في طرفي سطر
لدى نرجس غضّ وسرو كأنه ... قدود جوار ملن في أزر خضر
وتشبّه ثديّ الكواعب بالرمّان كقوله (٢): [من الكامل]
وبما تبيت أناملي ... يجنين رمّان النّحور
وقول المتنبي (٣): [من الطويل]
وقابلني رمّانتا غصن بانة ... يميل به بدر ويمسكه حقف
وقوله (٤): [من الطويل]
يخطّطن بالعيدان في كلّ منزل ... ويخبأن رمّان الثّديّ النواهد
стр. 155
ثم يقلب فيشبّه الرّمان بالثدي، كقول القائل (١): [من الطويل]
ورمّانة شبّهتها إذا رأيتها ... بثدي كعاب أو بحقّة مرمر
منمنمة صفراء نضّد حولها ... يواقيت حمر في ملاء معصفر
وتشبّه الجداول والأنهار بالسيوف، يراد بياض الماء الصّافي وبصيصه، مع شكل الاستطالة الذي هو شكل السيف، كقول ابن المعتز (٢): [من السريع]
أعددت للجار وللعفاة ... كوم الأعالي متساميات
روازقا في المحل مطعمات يعني نخلا، ثم قال بعد أبيات:
تسقى بأنهار مفجّرات ... على حصى الكافور فائضات
بريئة الصّفو من القذاة ... مثل السّيوف المتعرّيات
ابن بابك (٣): [من الوافر]
فما سيل تخلّصه المحاني ... كما سلّت من الخلل المناصل
أبو فراس (٤): [من الكامل]
والماء يفصل بين زه ... ر الرّوض في الشطّين فصلا
كبساط وشي جرّدت ... أيدي القيون عليه نصلا
كشاجم (٥): [من الكامل]
وترى الجداول كالسّيو ... ف لها سواق كالمبارد
стр. 156
آخر (١): [من البسيط]
وفي الجداول أسياف محادثة ... والطير تسجع أهزاجا وأرمالا
وقال ذو الرمّة (٢): [من الطويل]
فما انشقّ ضوء الصبح حتى تبيّنت ... جداول أمثال السّيوف القواطع
ابن الرومي (٣): [من الرجز]
على حفافي جدول مسجور ... أبيض مثل المهرق المنشور
أو مثل متن الصارم المشهور ثم يقلبون أحد طرفي التشبيه على الآخر، فيشبّهون السيوف بالجداول، كقوله (٤): [من الكامل]
وتخال ما ضربوا بهنّ جداولا ... وتخال ما طعنوا به أشطانا
ابن بابك (٥): [من الطويل]
وأهدي إلى الغارات عزما مشيّعا ... وبأسا وباعا في اللّقاء ومقصلا
سفيه مقطّ الطرّتين أشيمه ... فيوحي إلى الأعضاء أن تتزيّلا
أغرّ كأني حين أخضب حدّه ... خرقت به في ملتقى الرّوض جدولا
السرّى (٦): [من الوافر]
وكم خرق الحجاب إلى مقام ... توارى الشمس فيه بالحجاب
стр. 157
كأنّ سيوفه بين العوالي ... جداول يطّردن خلال غاب
وله أيضا: [من الطويل]
كأنّ سيوف الهند بين رماحه ... جداول في غاب سما فتأشّبا
وتشبّه الأسنّة، كما لا يخفى، بالنجوم، كما قال (١): [من الكامل] وأسنّة زرقا تخال نجوما وقال البحتري (٢): [من الكامل]
وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يكرّ على الرّجال بكوكب
يعني السنان، وقال ابن المعتزّ (٣): [من الكامل]
وتراه يصغي في القناة بكفّه ... نجما ونجما في القناة يجرّه
ومثله سواء قوله (٤): [من السريع]
كأنما الحربة في كفّه ... نجم دجى شيّعه البدر
ثم قد شبّهوا الكواكب بالسّنان، كقول الصنوبري (٥): [من المنسرح]
بشّر بالصّبح كوكب الصّبح ... فاض وجنح الدّجى كلا جنح
فهو على الفجر كالسّنان هوى ... للعين كما هوى على رمح
ابن المعتزّ (٦): [من السريع]
شربتها والديك لم ينتبه ... سكران من نومته طافح
ولاحت الشّعرى وجوزاؤها ... كمثل زجّ جرّه رامح
وهذه إن أردت الحقّ، قضيّة قد سبقت وقدمت، فقد قالوا: «المسك الرامح»، على معنى أن كوكبا يتقدّمه وهو رمحه، ولا شك أن جلّ الغرض في جعل ذلك
стр. 158
الكوكب رمحا أن يقدّروه سنانا، فالرمح رمح بالسنان، وإذا لم يكن السنان فهو قناة، ولذلك قال (١): [من المتقارب] ورمحا طويل القناة عسولا ومن ذلك أن الدموع تشبّه إذا قطرت على خدود النساء بالطّلّ والقطر على ما يشبه الخدود من الرياحين، كقول الناشئ (٢): [من المتقارب]
بكت للفراق وقد راعها ... بكاء الحبيب لبعد الدّيار
كأنّ الدّموع على خدّها ... بقيّة طلّ على جلّنار
وشبيه به قول ابن الرومي (٣): [من المنسرح]
لو كنت يوم الوداع حاضرنا ... وهنّ يطفئن غلّة الوجد
لم تر إلا الدموع ساكبة ... تقطر من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدموع قطر ندى ... يقطر من نرجس على ورد
ثم يعكس، كقول البحتري (٤): [من الطويل]
شقائق يحملن الندى فكأنّه ... دموع التصابي في خدود الخرائد
وشبيه به قول ابن المعتزّ، وبعد قوله في النرجس (٥): [من الطويل]
كأن عيون النرجس الغضّ حولها ... مداهن درّ حشوهنّ عقيق
إذا بلّهنّ القطر خلت دموعها ... بكاء عيون كحلهنّ خلوق
وفي فنّ آخر منه خارج عن جنس ما مضى، يشبّه الشيخ إذا أفناه الهرم، وحناه القدم، حتى يدخل رأسه في منكبيه، بالفرخ، كما قال (٦): [من الطويل]
ثلاث مئين قد مضين كواملا ... وها أنا هذا أرتجي مرّ أربع
стр. 159
فأصبحت مثل الفرخ في العشّ ثاويا ... إذا رام تطيارا يقال له قع
وهو كثير، ثم يعكس فيشبّه بالشيخ، كما قال أبو نواس يرثي خلفا الأحمر (١):
[من الرجز]
لو كان حيّ وائلا من التّلف ... لوألت شغواء في أعلى شعف
أمّ فريخ أحرزته في لجف ... مزغّب الألغاد لم يأكل بكفّ
كأنه مستقعد من الخرف وأعاده في قصيدة أخرى في مرثيته أيضا (٢): [من المنسرح]
لا تئل العصم في الهضاب، ولا ... شغواء تغذو فرخين في لجف
تحنو بجؤشوشها على ضرم ... كقعدة المنحنى من الخرف
ويشبّه الظّليم في حركة جناحيه، مع إرسال لهما، بالخباء المقوّض، أنشد أبو العباس لعلقمة (٣): [من البسيط]
صعل كأنّ جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم
اشترط أن تتعاطى تقويضه خرقاء، ليكون أشدّ لتفاوت حركاته، وخروج اضطرابه عن الوزن، وقال ذو الرمة: [من الطويل]
وبيض رفعنا بالضّحى عن متونها ... سماوة جون كالخباء المقوّض
هجوم عليها نفسه غير أنّه ... متى يرم في عينيه بالشّبح ينهض
قالوا في تفسيره: يعني بالبيض بيض النعام، و «رفعنا»، أي: أثرنا عن ظهورها.
و «سماوة جون» أي: شخص نعام جون، و «سماوة الشيء»، شخصه. و «الجون» الأسود هاهنا، لأنه قابل بين البياض والسواد. ثم شبّه النّعام في حال إثارته عن البيض بالخباء المقوّض، وهو الذي نزعت أطنابه للتحويل. والبيت الثاني من أبيات
стр. 160
الكتاب، أنشده شاهدا على إعمال «فعول» عمل الفعل، وذلك قوله: «هجوم عليها نفسه»، فنفسه منصوب بهجوم، على أنه من «هجم» متعدّيا نحو: «هجم عليها نفسه»، أي: طرحها عليها، كأنه أراد أن يصف الظّليم في خوفه بأمرين متضادّين، بأن يبالغ في الانكباب على البيض فعل من شأنه اللزوم والثبات وأن يثيره عنها الشيء اليسير، نحو أن يقع بصره على الشخص من بعد، فعل من كان مستوفزا في مكانه غير مطمئنّ ولا موطّن نفسه على السّكون، وقوله: «يرم في عينيه بالشّبح»، كلام ليس لحسنه نهاية.
وقد قال ابن المعتزّ، فعكس هذا التشبيه، فشبّه حركة الخباء بالطائر، إلا أنه راعى أن يكون هناك صفة مخصوصة، فشرط في الطائر أن يكون مقصوصا، وذلك قوله: [من الخفيف]
ورفعنا خباءنا تضرب الري ... ح حشاه كالجادف المقصوص
وأخرجه إلى هذا الشرط: أنه أراد حركة خباء ثابت غير مقوّض، إلا أن الريح تقع في جوفه فيتحرك جانباه على توال، كما يفعل المقصوص إذا جدف، وذلك أن يردّ جناحيه إلى خلفه فيتحرك جانباه. فحصل له أمران: أحدهما أن الموفور الجناح يبسط جناحيه في الأكثر، وذلك إذا صفّ في طيرانه، فلا يدوم ضربه بجناحيه، والمقصوص لقصوره عن البسط يديم ضربهما والثاني تحريك الجناحين إلى خلف.
وهذا كثير جدّا، وتتبّعه في كل باب ونوع من التشبيه يشغل عن الغرض من هذه الموازنة.
وإنما يمتنع هذا القلب في طرفي التشبيه، لسبب يعرض في البين فيمنع منه، ولا يكون من صميم الوصف المشترك بين الشيئين المشبّه أحدهما بالآخر.
فمن ذلك، وهو أقواه فيما أظنّ، أن يكون بين الشيئين تفاوت شديد في الوصف الذي لأجله تشبّه، ثم قصدت أن تلحق الناقص منهما بالزائد، مبالغة ودلالة على أنه يفضل أمثاله فيه.
بيان هذا: أن هاهنا أشياء هي أصول في شدة السّواد كخافية الغراب، والقار، ونحو ذلك، فإذا شبّهت شيئا بها كان طلب العكس في ذاك عكسا لما يوجبه العقل ونقضا للعادة، لأن الواجب أن يثبت المشكوك فيه بالقياس على المعروف، لا أن يتكلّف في المعروف تعريف بقياسه على المجهول وما ليس بموجود على الحقيقة.
فأنت إذا قلت في شيء: «هو كخافية الغراب»، فقد أردت أن تثبت له سوادا زائدا
стр. 161
على ما يعهد في جنسه، وأن تصحّح زيادة هي مجهولة له، وإذا لم يكن هاهنا ما يزيد على خافية الغراب في السواد، فليت شعري ما الذي تريد من قياسه على غيره فيه، ولهذا المعنى ضعف بيت البحتري: [من الطويل]
على باب قنّسرين والليل لاطخ ... جوانبه من ظلمة بمداد
وذاك أن «المداد» ليس من الأشياء التي لا مزيد عليها في السواد، كيف؟ وربّ مداد فاقد اللون، والليل بالسواد وشدّته أحقّ وأحرى أن يكون مثلا، ألا ترى إلى ابن الرومي حيث قال: [من السريع]
حبر أبي حفص لعاب الليل ... يسيل للإخوان أيّ سيل
فبالغ في وصف الحبر بالسواد حين شبّهه بالليل، وكأن البحتري نظر إلى قول العامّة في الشيء الأسود «هو كالنّقس»، ثم تركه للقافية إلى «المداد».
فإن قلت: فينبغي على هذا أن لا يجوز تشبيه الصّبح بغرّة الفرس لأجل أنّ الصبح بالوصف الذي لأجله شبّه الغرة به أخصّ، وهو فيه أظهر وأبلغ، والتفاوت بينهما كالتفاوت بين خافية الغراب والقار وبين ما يشبّه بهما.
فالجواب: أن الأمر، وإن كان كذلك، فإنّ تشبيه غرّة الفرس بالصبح حيث ذكرت، لم يقع من جهة المبالغة في وصفها بالضياء والانبساط وفرط التلألؤ، وإنما قصد أمر آخر: وهو وقوع منير في مظلم، وحصول بياض في سواد، ثم البياض صغير قليل بالإضافة إلى السواد، وأنت تجد هذا الشّبه على هذا الحدّ في الأصل، فإذا عكست فقلت: «كأنّ الصّبح عند ظهور أوّله في الليل غرّة في فرس أدهم»، لم تقع في مناقضة كما أنك لو شبّهت الصّبح في الظلام بقلم بياض على ديباج أسود لم تخرج عن الصواب وعلى نحو من ذلك قول ابن المعتزّ: [من الطويل]
فخلت الدّجى والفجر قد مدّ خيطه ... رداء موشّى بالكواكب معلما
فالعلم في هذا الرداء هو الفجر بلا شبهة. وله، وهو صريح ما أردت: [من البسيط]
والليل كالحلّة السّوداء لاح به ... من الصّباح طراز غير مرقوم
وإن كان التفاوت في المقدار بين الصّبح والطّراز في الامتداد والانبساط شديدا.
стр. 162
وكذلك تشبيه الشّمس بالمرآة المجلوّة، وبالدينار الخارج من السّكّة، كما قال ابن المعتزّ: [من الخفيف]
وكأنّ الشّمس المنيرة دينا ... ر جلته حدائد الضّرّاب
حسن مقبول، وإن عظم التفاوت بين نور الشمس ونور المرآة والدّينار أو الجرم والجرم، لأنك لم تضع التشبيه على مجرّد النّور والائتلاق، وإنما قصدت إلى مستدير يتلألأ ويلمع، ثم خصوص في جنس اللون يوجد في المرآة المجلوّة والدينار المتخلّص من حمي السّكّة، كما يوجد في الشمس. فأما مقدار النور، وأنه زائد أو ناقص ومتناه، أو متقاصر، والجرم: أعظيم هو أم صغير؟ فلم تتعرّض له، ويستقيم لك العكس في هذا كله، نحو أن تشبّه المرآة بالشمس، وكذلك لو قلت في الدينار:
«كأنه شمس»، أو قلت: «كأن الدنانير المنثورة شموس صغار» لم تتعدّ.
وجملة القول أنه متى لم يقصد ضرب من المبالغة في إثبات الصفة للشيء، والقصد إلى إيهام في الناقص أنه كالزائد، واقتصر على الجمع بين الشيئين في مطلق الصورة والشكل واللون، أو جمع وصفين على وجه يوجد في الفرع على حدّه أو قريب منه في الأصل، فإنّ العكس يستقيم في التشبيه، ومتى أريد شيء من ذلك لم يستقم.
وقد يقصد الشاعر، على عادة التخييل، أن يوهم في الشيء هو قاصر عن نظيره في الصفة أنه زائد عليه في استحقاقها، واستيجاب أن يجعل أصلا فيها، فيصحّ على موجب دعواه وسرفه أن يجعل الفرع أصلا، وإن كنّا إذا
رجعنا إلى التحقيق، لم نجد الأمر يستقيم على ظاهر ما يضع اللفظ عليه، ومثاله قول محمد بن وهيب: [من الكامل]
وبدا الصّباح كأنّ غرّته ... وجه الخليفة حين يمتدح
فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتمّ وأكمل في النور والضياء من الصّباح، فاستقام له بحكم هذه النّيّة أن يجعل الصباح فرعا، ووجه الخليفة أصلا.
واعلم أن هذه الدعوى وإن كنت تراها تشبه قولهم: «لا يدرى أوجهه أنور أم الصّبح، وغرّته أضوأ أم البدر»، وقولهم إذا أفرطوا: «نور الصباح يخفى في ضوء وجهه»، أو «نور الشمس مسروق من جبينه»، وما جرى في هذا الأسلوب من وجوه الإغراق والمبالغة فإن في الطريقة الأولى خلابة وشيئا من السحر، وهو أنه كأنه يستكثر للصّباح أن يشبّه بوجه الخليفة، ويوهم أنه قد احتشد له، واجتهد في طلب
стр. 163
تشبيه يفخّم به أمره، وجهته الساحرة أنه يوقع المبالغة في نفسك من حيث لا تشعر، ويفيدكها من غير أن يظهر ادّعاؤه لها، لأنه وضع كلامه وضع من يقيس على أصل متّفق عليه، ويزجّي الخبر عن أمر مسلّم لا حاجة فيه إلى دعوى ولا إشفاق من خلاف مخالف وإنكار منكر، وتجهّم معترض، وتهكّم قائل: «لم؟»، و «من أين لك ذلك؟».
والمعاني إذا وردت على النّفس هذا المورد، كان لها ضرب من السّرور خاصّ وحدث بها من الفرح عجيب، فكانت كالنعمة لم تكدرها المنّة، والصّنيعة لم ينغّصها اعتداد المصطنع لها.
وفي هذا الموضع شبيه بالنكتة التي ذكرتها في التجنيس، لأنك في الموضعين تنال الربح في صورة رأس المال، وترى الفائدة قد ملأت يدك من حيث حسبتها قد جازتك وأخلتك، وتجد على الجملة الوجود من حيث توهمّت العدم.
ولطيفة أخرى، وهو أن من شأن المدح إذا ورد على العاقل أن يقفه بين أمرين يصعب الجمع بينهما وتوفية حقّهما: معرفة حقّ المادح على ما احتشد له من تزيينه، وقصده من تفخيم شأنه في عيون الناس بالإصغاء إليه والارتياح له، والدّلالة بالبشر والطلاقة على حسن موقعه عنده وملك النفس حتى لا يغلبها السرور عليه، ويخرج بها إلى العجب المذموم وإلى أن يقول: «أنا»، فيقع في ضعة الكبر من حيث لا يشعر، ويظهر عليه من أمارته ما يذمّ لأجله ويحقّر، فما كبر أحد في نفسه إلّا غان الكبر على عقله، وفسخ عقدة من حلمه. وهذا موقف تزلّ فيه الأقدام، بل تخفّ عنده الحلوم، حتى لا يسلم من خدع النفس هناك إلا أفراد الرجال، وإلا من أدام التوفيق صحبته، ومن أين ذلك وأنّى! فإذا كان المدح على صورة قوله: «وجه الخليفة حين يمتدح»، خفّ عنه الشطر من تكاليف هذه الخصلة.
وإذ قد تبيّن كيف يكون جعل الفرع أصلا، والأصل فرعا في التشبيه الصريح، فارجع إلى «التمثيل»، وانظر هل
تجيء فيه هذه الطريقة على هذه السّعة والقوة؟ ثم تأمّل ما حمل من «التمثيل» عليها كيف حكمه؟ وهل هو مساو لما رأيت في التشبيه الصريح، وحاذ حذوه على التحقيق، أم الحال على خلاف ذلك؟
والمثال فيما جاد من التمثيل مردودا فيه الفرع إلى موضع الأصل، والأصل إلى محلّ الفرع، قوله (١): [من الخفيف]
وكأنّ النّجوم بين دجاه ... سنن لاح بينهنّ ابتداع
стр. 164
وذلك أن تشبيه السّنن بالنجوم، تمثيل، والشبه عقليّ، وكذلك تشبيه خلافها من البدعة والضلالة بالظّلمة. ثم إنه عكس فشبّه النجم بالسّنن، كما يفعل فيما مضى من المشاهدات، إلا أنّا نعلم أنه لا يجري مجرى قولنا: «كأن النجوم مصابيح» تارة «وكأن المصابيح نجوم» أخرى، ولا مجرى قولك: «كأنّ السيوف بروق تنعقّ»، و «كأنّ البروق سيوف تسلّ من أغمادها فتبرق»، ونظائر ذلك مما مضى. وذلك أن الوصف هناك لا يختلف من حيث الجنس والحقيقة، وتجده العين في الموضعين، وليس هو في هذا مشاهدا محسوسا، وفي الآخر معقولا متصوّرا بالقلب ممتنعا فيه الإحساس. فأنت تجد في السيوف لمعانا على هيئة مخصوصة من الاستطالة وسرعة الحركة، تجده بعينه أو قريبا منه في البروق، وكذلك تجد في المداهن من الدرّ حشوهن عقيق، من الشكل واللون والصورة ما تجده في النرجس، حتى يتصوّر أن يشتبه الحال في الشيء من ذلك، فيظنّ أن أحدهما الآخر: فلو أن رجلا رأى من بعيد بريق سيوف تنتضى من الغمود، لم يبعد أن يغلط فيحسب أن بروقا انعقّت، وما لم يقع فيه الغلط كان حاله قريبا مما يجوز وقوع الغلط فيه. ومحال أن يكون الأمر كذلك في التمثيل، لأن «السنن» ليست بشيء يتراءى في العين فيشتبه بالنجوم، ولا هاهنا وصف من الأوصاف المشاهدة يجمع السنن والنجوم، وإنّما يقصد بالتشبيه في هذا الضرب ما تقدّم من الأحكام المتأوّلة من طريق المقتضى. فلمّا كانت «الضلالة والبدعة» وكل ما هو جهل، تجعل صاحبها في حكم من يمشي في الظّلمة فلا يهتدي إلى الطريق، ولا يفصل الشيء من غيره حتى يتردّى في مهواة، ويعثر على عدوّ قاتل وآفة مهلكة، لزم من ذلك أن تشبّه بالظلمة، ولزم على عكس ذلك أن تشبّه «السّنّة والهدى والشريعة وكلّ ما هو علم» بالنّور.
وإذا كان الأمر كذلك، علمت أن طريقة العكس لا تجيء في «التمثيل» على حدّها في التشبيه الصريح، وأنها إذا سلكت فيه كان مبنيّا على ضرب من التأوّل والتخيّل يخرج عن الظاهر خروجا ظاهرا، ويبعد عنه بعدا شديدا.
فالتأويل في البيت: أنه لما شاع وتعورف وشهر وصف «السنّة» ونحوها بالبياض والإشراق، و «البدعة» بخلاف ذلك، كما قال النبي ﷺ : «أتيتكم بالحنيفيّة البيضاء ليلها كنهارها»، وقيل: «هذه حجّة بيضاء»، وقيل للشبهة وكل ما ليس بحق: «إنه مظلم»، وقيل «سواد الكفر»، و «وظلمة الجهل»، يخيّل أن «السنن» كلها جنس من الأجناس التي لها إشراق ونور وابيضاض في العين، وأن «البدعة» نوع
стр. 165
من الأنواع التي لها فضل اختصاص بسواد اللون، فصار تشبيهه النّجوم بين الدجى بالسنن بين الابتداع، على قياس تشبيههم النجوم في الظلام ببياض الشيب في سواد الشباب، أو بالأنوار وائتلاقها بين النّبات الشديد الخضرة، فهذا كلّه هاهنا، كأنه ينظر إلى طريقة قوله:
وبدا الصباح كأنّ غرّته في بناء التشبيه على تأويل هو غير الظاهر، إلا أنّ التأويل هناك أنه جعل في وجه الخليفة زيادة من النور والضياء يبلغ بها حال الصباح أو يزيد والتأويل هاهنا أنه خيّل ما ليس بمتلوّن كأنه متلوّن، ثم بنى على ذلك.
ومن هذا الباب قول الآخر (١): [من الكامل]
ولقد ذكرتك والظّلام كأنه ... يوم النّوى وفؤاد من لم يعشق
لما كانت الأوقات التي تحدث فيها المكاره توصف بالسواد فيقال: «اسودّ النهار في عيني»، و «أظلمت الدنيا عليّ»، جعل يوم النوى كأنه أعرف وأشهر بالسواد من الظلام، فشبّه به، ثم عطف عليه «فؤاد من لم يعشق»، تظرّفا وإتماما للصنعة. وذلك أن الغزل يدّعي القسوة على من لم يعرف العشق، والقلب القاسي يوصف بشدّة السواد، فصار هذا القلب عنده أصلا في الكدرة والسواد فقاس عليه.
وعلى ذلك قول العامّة: «ليل كقلب المنافق» أو «الكافر»، إلا أنّ في هذا شوبا من الحقيقة، من حيث يتصوّر في القلب أصل السواد، ثم يدّعى الإفراط، ولا يدّعى في «البدعة» نفس السواد، لأنها ليس مما يتلوّن، لأن اللون من صفات الجسم. فالذي يساويه في الشبه المساواة التامّة قولهم: «أظلم من الكفر»، كما قال ابن العميد في كتاب يداعب فيه، ويظهر التظلّم من هلال الصوم ويدعو على القمر فقال: «وأرغب إلى الله تعالى في أن يقرّب على القمر دوره، وينقص مسافة فلكه»، ثم قال بعد فصل: «ويسمعني النّعرة في قفا شهر رمضان، ويعرض عليّ هلاله أخفى من السحر وأظلم من الكفر». وإن تأوّلت في قوله:
سنن لاح بينهنّ ابتداع أنه أراد معنى قولهم: إن سواد الظلام يزيد النجوم حسنا وبهاء، كان له
стр. 166
مذهب، وذلك أنه لما كان وقوف العاقل على بطلان الباطل، واطّلاعه على عوار البدعة، وخرقه الستر عن فضيحة الشّبهة، يزيد الحق نبلا في نفسه، وحسنا في مرآة عقله، جعل هذا الأصل من المعقول مثالا للمشاهد المبصر هناك، إلا أنه على ذلك لا يخرج من أن يكون خارجا عن الظاهر، لأن الظاهر أن يمثّل المعقول في ذلك بالمحسوس، كما فعل البحتري في قوله (١): [من الطويل]
وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خيّب
وحسن دراريّ النجوم بأن ترى ... طوالع في داج من اللّيل غيهب
فبك مع هذا الوجه حاجة إلى مثل ما مضى من تنزيل السّنّة والبدعة منزلة ما يقبل اللون، ويكون له في رأي العين منظر المشرق المتبسّم، والأسود الأقتم، حتى يراد أنّ لون هذا يزيد في بريق ذاك وبهائه وحسنه وجماله، وفي القطعة التي هذا البيت منها غيرها مما مذهبه المذهب الأول، وهو: [من الخفيف]
ربّ ليل قطعته كصدود ... أو فراق ما كان فيه وداع
موحش كالثّقيل تقذى به العي ... ن وتأبى حديثه الأسماع (٢)
وكأنّ النجوم البيت، وبعده (٣): [من الخفيف]
مشرقات كأنّهنّ حجاج ... يقطع الخصم والظّلام انقطاع
ومما حقّه أن يعدّ في هذا الباب قول القائل (٤) ضضض: [من الطويل]
كأنّ انتضاء البدر من تحت غيمة ... نجاء من البأساء بعد وقوع
وذلك أن العادة أن يشبّه المتخلص من البأساء بالبدر الذي ينحسر عنه الغمام، والشّبه بين البأساء والغمام والظلماء من طريق العقل، لا من طريق الحسّ.
وأوضح منه في هذا قول ابن طباطبا (٥) ضضض: [من الرجز]
صحو وغيم وضياء وظلم ... مثل سرور شابه عارض غمّ
ومن جيّد ما يقع في هذا الباب قول التنوخيّ في قطعة، وهي قوله: [من البسيط]
стр. 167
أما ترى البرد قد وافت عساكره ... وعسكر الحرّ كيف انصاع منطلقا
فالأرض تحت ضريب الثلج تحسبها ... قد ألبست حبكا أو غشّيت ورقا
فانهض بنار إلى فحم كأنهما ... في العين ظلم وإنصاف قد اتّفقا
جاءت ونحن كقلب الصّبّ حين سلا ... بردا فصرنا كقلب الصبّ إذ عشقا (١)
المقصود: «فانهض بنار إلى فحم»، فإنه لما كان في «الحقّ»: «إنّه منير واضح لائح»، فتستعار له أوصاف الأجسام المنيرة، وفي «الظلم» خلاف ذلك، تخيّلهما شيئين لهما ابيضاض واسوداد، وإنارة وإظلام، فشبّه النّار والفحم بهما.
ومن هذا الباب قول ابن بابك (٢): [من الطويل]
وأرض كأخلاق الكريم قطعتها ... وقد كحل الليل السّماك فأبصرا
لما كانت الأخلاق توصف بالسعة والضيق، وكثر ذلك واستمرّ، توهّمه حقيقة، فقابل بين سعة الأرض التي هي سعة حقيقية وأخلاق الكريم.
ومثله قول أبي طالب المأموني: [من الكامل]
وفلا كآمال يضيق بها الفتى ... لا تصدق الأوهام فيها قيلا
أقريتها بشملة تقرى الفلا ... عنقا، وتقريها الفلاة نحولا
قاس الفلا في السعة وهي حقيقة فيها، على الآمال، وهي إذا وصفت بالسعة كان مجازا بلا شبهة، ولكن لما كان يقال: «آمال طوال» و «وآمال لا نهاية لها» و «واتسعت آماله»، وأشباه ذلك، صارت هذه الأوصاف كأنها موجودة فيها من طريق الحسّ والعيان.
وعلى ذكر «الأمل»، فمن لطيف ما جاء في التشبيه به على هذا الحدّ، إن لم يكن في معنى السعة والامتداد، ولكن في الظّلمة والاسوداد، قول ابن طباطبا: [من الخفيف]
ربّ ليل كأنّه أملي في ... ك وقد رحت عنك بالحرمان
جبته والنّجوم تنعس في الأف ... ق ويطرفن كالعيون الرّواني (٣)
стр. 168
هاربا من ظلام فعلك بي نح ... وضياء الفتى الأغرّ الهجان (١)
لما كان يقال في الأمر لا يرجى له نجاح: «قد أظلم علينا هذا الأمر»، و «هذا أمر فيه ظلمة»، ثم أراد أن يبالغ في التباس وجه النّجح عليه في أمله، تخيّل كأنّ أمله شخص شديد السواد فقاس ليله به، كأنه يقول: «تفكّرت فيما أعلمه من الأشياء السود، فرأيت صورة أملي فيك زائدة على جميعها في شدّة السّواد، فجعلته قياسا في ظلمة ليلي الذي جبته».
ومن الباب، وهو حسن، قول ابن المعتزّ: [من الكامل]
لا تخلطوا الدّوشاب في قدح ... بصفاء ماء طيّب البرد (٢)
لا تجمعوا بالله ويحكم ... غلظ الوعيد ورقّة الوعد
لما كان يقال: «أغلظ له القول»، ويوصف الجافي وكل من أساء وقال ما يكره بالغلظ، ويوصف كلام المحسن ومن يعمد إلى الجميل باللطافة، جعل الوعيد والوعد أصلا في الصفتين، وقاس عليهما.
فأما قول الآخر: [من الوافر]
شربت على سلامة أفتكين ... شرابا صفوه صفو اليقين
فهو على الحقيقة لا يدخل في تشبيه الحقيقة بالمجاز، لأن الصفاء خلوص الشيء وخلوّه من شيء يغيّره عن صفته، إلا أنه من حيث يقع في الأكثر لما له بريق وبصيص، كان كأنه حقيقة في المحسوسات، ومجاز في المعقولات.
وأما قولهم: «هواء أرقّ من تشاكي الأحباب»، فمن الباب، لأن الرقّة في الهواء حقيقة وفي التشاكي مجاز. وهكذا قول أبي نواس في خلاعته: [من الرمل] حتّى هي في رقّة ديني لأن الرقّة من صفات الأجسام، فهي في الدّين مجاز.
ومما كأنه يدخل في هذا الجنس قول المتنبي: [من الخفيف]
стр. 169
يترشّفن من فمي رشفات ... هنّ فيه أحلى من التّوحيد
والنفس تنبو عن زيادة القول عليه. وقد اقتدى به بعض المتأخرين في هذه الإساءة فقال: [من البسيط]
سواد صدغين من كفر يقابله ... بياض خدّين من عدل وتوحيد
وأبعد ما يكون الشاعر من التوفيق، إذا دعته شهوة الإغراب إلى أن يستعير للهزل والعبث من الجدّ، ويتغزل بهذا الجنس.
ومما هو حسن جميل من هذا الباب، قول الصاحب كتب به إلى القاضي أبي الحسن: روي عن القاضي أنه قال: انصرفت عن دار الصاحب قبيل العيد، فجاءني رسوله بعطر الفطر، ومعه رقعة فيها هذان البيتان: [من الكامل]
يا أيّها القاضي الذي نفسي له ... مع قرب عهد لقائه مشتاقه
أهديت عطرا مثل طيب ثنائه، ... فكأنما أهدي له أخلاقه
وكون هذا التشبيه مما نحن فيه من الترجيح (١) أوضح ما يكون، فليس بخاف أنّ العادة أن يشبّه الثّناء بالعطر ونحوه ويشتقّ منه، وقد عكس كما ترى، وذلك على ادّعاء أن ثناءه أحقّ بصفة العطر وطيبه من العطر وأخصّ به، وأنه قد صار أصلا حتى إذا قيس نوع من العطر عليه، فقد بولغ في صفته بالطيب، وجعل له في الشرف والفضل على جنسه أوفر نصيب.
إذ قد عرفت الطريقة في جعل الفرع أصلا في «التمثيل» فارجع وقابل بينه وبين التشبيه الظاهر، تعلم أن حاله في الحقيقة مخالفة للحال ثمّ. وذلك أنك لا تحتاج في تشبيه البرق بالسيوف والسيوف بالبرق إلى تأويل أكثر من أنّ العين تؤدّي إليك من حيث الشكل واللون وكيفية اللمعان، صورة خاصّة تجدها في كل واحد من الشيئين على الحقيقة. ولا يمكننا أن نقول إن الثريا شبّهت باللجام المفضّض، وبعنقود الكرم المنوّر، وبالوشاح المفصّل، لتأويل كذا، بل ليس بأكثر من أنّ أنجم الثريا لونها لون الفضّة، ثم إن أجرامها في الصغر قريبة من تلك الأطراف المركّبة على سيور اللّجام، ثم إنها في الاجتماع والافتراق، على مقدار قريب من مواقع تلك الأطراف وكذا القول في: «العنقود»، فإن تلك الأنوار مشاكلة لها في البياض، وفي
стр. 170
أنها ليست متضامّة تضامّ التلاصق، ولا هي شديدة التباين، حتى يبعد الفصل بين بعضها وبعض بل مقاديرها في القرب والبعد على صفة قريبة مما يتراءى في العين من مواقع تلك الأنجم.
وإذا كان مدار الأمر على أن العين تصف من هذا ما تصف من ذاك، لم يكن تشبيه اللجام المفضّض بالثريا إلا كتشبيه الثريا به، والحكم على أحدهما بأنه فرع أو أصل، يتعلق بقصد المتكلم، فما بدأ به في الذكر فقد جعله فرعا وجعل الآخر أصلا.
وليس كذلك قولنا: «له خلق كالمسك»، و «هو في دنوّه بعطائه، وبعده بعزّه وعلائه، كالبدر في ارتفاعه، مع نزول شعاعه»، لأن كون الخلق فرعا والمسك أصلا، أمر واجب من حيث كان المعلوم من طريق الإحساس والعيان متقدما على المعلوم من طريق الرويّة وهاجس الفكر.
وحكم هذا في أنّ الفرع لا يخرج عن كونه فرعا على الحقيقة، حكم ما طريق التشبيه فيه المبالغة من المشاهدات والمحسوسات، كقولك: «هو كحنك الغراب في السواد»، لما هو دونه فيه، وقولك في الشيء من الفواكه مثلا: «هو كالعسل».
فكما لا يصحّ أن يعكس فيشبّه حنك الغراب بما هو دونه في السواد، والعسل بما لا يساويه في صدق الحلاوة، كذلك لا يصحّ أن تقول: «هذا مسك كخلق فلان»، إلّا على ما قدّمت من التخييل. ألا ترى أنه كلام لا يقوله إلّا من يريد مدح المذكور؟
فأمّا أن يكون القصد بيان حال المسك، على حدّ قصدك أن تبيّن حال الشيء المشبّه بحنك الغراب في السواد والمشبّه بالعسل في الحلاوة، فما لا يكون. كيف؟
ولولا سبق المعرفة من طريق الحسّ بحال المسك، ثم جريان العرف بما جرى من تشبيه الأخلاق به، واستعارة الطّيب لها منه، لم يتصوّر هذا الذي تريد تخييله من أنّا نبالغ في وصف المسك بالطيب بتشبيهنا له بخلق الممدوح. وعلى ذلك قولهم:
«كأنما سرق المسك عرفه من خلقك، والعسل حلاوته من لفظك»، هو مبنيّ على العرف السابق، من تشبيه الخلق بالمسك واللفظ بالعسل. ولو لم يتقدم ذلك ولم يتعارف ولم يستقرّ في العادات، لم يعقل لهذا النحو من الكلام معنى، لأنّ كل مبالغة ومجاز فلا بدّ من أن يكون له استناد إلى حقيقة.
وإذا ثبتت هذه الفروق والمقابلات بين التشبيه الصريح الواقع في العيان وما
стр. 171
يدركه الحسّ، وبين التمثيل الذي هو تشبيه من طريق العقل والمقاييس التي تجمع بين الشيئين في حكم تقتضيه الصّفة المحسوسة لا في نفس الصفة كما بيّنت لك في أول قول ابتدأته في الفرق بين التشبيه الصريح وبين التمثيل، من أنك تشبّه اللّفظ بالعسل على أنك تجمع بينهما في حكم توجبه الحلاوة دون الحلاوة نفسها.
فهاهنا لطيفة أخرى تعطيك للتمثيل مثلا من طريق المشاهدة، وذلك أنك بالتمثيل في حكم من يرى صورة واحدة، إلّا أنه يراها تارة في المرآة، وتارة على ظاهر الأمر، وأما في التشبيه الصريح، فإنك ترى صورتين على الحقيقة.
يبيّن ذلك: أنّا لو فرضنا أن تزول عن أوهامنا ونفوسنا صور الأجسام من القرب والبعد وغيرهما من الأوصاف الخاصة بالأشياء المحسوسة، لم يمكنّا تخيّل شيء من تلك الأوصاف في الأشياء المعقولة. فلا يتصوّر معنى كون الرجل بعيدا من حيث العزّة والسلطان، قريبا من حيث الجود والإحسان، حتى يخطر ببالك وتطمح بفكرك إلى صورة البدر وبعد جرمه عنك، وقرب نوره منك. وليس كذلك الحال في الشيئين يشبه أحدهما الآخر من جهة اللون والصورة والقدر، فإنك لا تفتقر في معرفة كون النّرجس وخرطه واستدارته وتوسّط أحمره لأبيضه إلى تشبيهه بمداهن درّ حشوهنّ عقيق، كيف؟ وهو شيء تعرضه عليك العين، وتضعه في قلبك المشاهدة، وإنما يزيدك التشبيه صورة ثانية مثل هذه التي معك، ويجتلبها لك من مكان بعيد حتى تراهما معا وتجدهما جميعا. وأما في الأول، فإنك لا تجد في الفرع نفس ما في الأصل من الصفة وجنسه وحقيقته، ولا يحضرك التمثيل أوصاف الأصل على التعيين والتحقيق، وإنما يخيّل إليك أنه يحضرك ذلك، فإنه يعطيك من الممدوح بدرا ثانيا، فصار وزان ذلك وزان أن المرآة تخيّل إليك أنّ فيها شخصا ثانيا صورته صورة ما هي مقابلة له، ومتى ارتفعت المقابلة، ذهب عنك ما كنت تتخيّله، فلا تجد إلى وجوده سبيلا، ولا تستطيع له تحصيلا، لا جملة ولا تفصيلا.
فصل في الفرق بين الاستعارة والتمثيل
اعلم أن من المقاصد التي تقع العناية بها أن نبيّن حال «الاستعارة» مع «التمثيل»، أهي هو على الإطلاق حتى لا فرق بين العبارتين، أم حدّها غير حدّه إلا أنها تتضمّنه وتتّصل به؟ فيجب أن نفرد جملة من القول في حالها مع التّمثيل.
стр. 172
قد مضى في «الاستعارة» أن حدّها يكون للّفظ اللّغوي أصل، ثم ينقل عن ذلك الأصل على الشرط المتقدم. وهذا الحدّ لا يجيء في الذي تقدّم في معنى التمثيل، من أنه الأصل في كونه مثلا وتمثيلا، وهو التشبيه المنتزع من مجموع أمور، والذي لا يحصّله لك إلا جملة من الكلام أو أكثر، لأنك قد تجد الألفاظ في الجمل التي يعقد منها
جارية على أصولها وحقائقها في اللغة.
وإذا كان الأمر كذلك، بان أنّ «الاستعارة» يجب أن تقيد حكما زائدا على المراد بالتمثيل، إذ لو كان مرادنا بالاستعارة هو المراد بالتمثيل، لوجب أن يصحّ إطلاقها في كل شيء يقال فيه إنه تمثيل ومثل.
والقول فيها أنّها دلالة على حكم يثبت للّفظ، وهو نقله عن الأصل اللغويّ وإجراؤه على ما لم يوضع له. ثم إن هذا النقل يكون في الغالب من أجل شبه بين ما نقل إليه وما نقل عنه.
وبيان ذلك ما مضى من أنك تقول: «رأيت أسدا»، تريد رجلا شبيها به في الشجاعة و «ظبية» تريد امرأة شبيهة بالظبية. فالتشبيه ليس هو «الاستعارة» ولكن الاستعارة كانت من أجل التشبيه، وهو كالغرض فيها، وكالعلّة والسبب في فعلها.
فإن قلت: كيف تكون الاستعارة من أجل التشبيه، والتشبيه يكون ولا استعارة؟ وذلك إذا جئت بحرفه الظاهر فقلت: «زيد الأسد؟».
فالجواب: أن الأمر كما قلت، ولكنّ التشبيه يحصل بالاستعارة على وجه خاصّ وهو المبالغة. فقولي: «من أجل التشبيه»، أردت به من أجل التشبيه على هذا الشرط، وكما أن التشبيه الكائن على وجه المبالغة غرض فيه وعلّة، كذلك الاختصار والإيجاز غرض من أغراضها. ألا ترى أنك تفيد بالاسم الواحد الموصوف والصفة والتشبيه والمبالغة، لأنك تفيد بقولك: «رأيت أسدا»، أنك رأيت شجاعا شبيها بالأسد، وأنّ شبهه به في الشجاعة على أتمّ ما يكون وأبلغه، حتى إنه لا ينقص عن الأسد فيها. وإذا ثبت ذلك، فكما لا يصحّ أن يقال: «إن الاستعارة هي الاختصار والإيجاز على الحقيقة، وأنّ حقيقتها وحقيقتهما واحدة»، ولكن يقال: إن الاختصار والإيجاز يحصلان بها، أو هما غرضان فيها، ومن جملة ما دعا إلى فعلها، كذلك حكم التشبيه معها. فإذا ثبت أنها ليست التشبيه على الحقيقة، كذلك لا يكون التمثيل على الحقيقة، لأن التمثيل تشبيه إلا أنه تشبيه خاصّ، فكلّ تمثيل تشبيه، وليس كلّ تشبيه تمثيلا.
стр. 173
وإذا قد تقرّرت هذه الجملة، فإذا كان الشبه بين المستعار منه والمستعار له من المحسوس والغرائز والطّباع وما يجري مجراها من الأوصاف المعروفة، كان حقّها أن يقال إنها تتضمّن التشبيه، ولا يقال إنّ فيها تمثيلا وضرب مثل. وإذا كان الشّبه عقليا جاز إطلاق التمثيل فيها، وأن يقال: ضرب الاسم مثلا لكذا، كقولنا: «ضرب النور مثلا للقرآن»، و «الحياة مثلا للعلم».
فقد حصلنا من هذه الجملة على أن المستعير يعمد إلى نقل اللفظ عن أصله في اللغة إلى غيره، ويجوز به مكانه
الأصليّ إلى مكان آخر، لأجل الأغراض التي ذكرنا من التشبيه والمبالغة والاختصار، والضّارب للمثل لا يفعل ذلك ولا يقصده، ولكنه يقصد إلى تقرير الشّبه بين الشيئين من الوجه الذي مضى. ثم إن وقع في أثناء ما يعقد به المثل من الجملة والجملتين والثلاث لفظة منقولة عن أصلها في اللغة، فذاك شيء لم يعتمده من جهة المثل الذي هو ضاربه. وهكذا كان متعاط لتشبيه صريح، لا يكون نقل اللفظ من شأنه ولا من مقتضى غرضه. فإذا قلت: «زيد كالأسد»، و «هذا الخبر كالشمس في الشهرة»، و «له رأي كالسّيف في المضاء»، لم يكن منك نقل للفظ عن موضوعه. ولو كان الأمر على خلاف ذلك، لوجب أن لا يكون في الدنيا تشبيه إلا وهو مجاز، وهذا محال، لأن التشبيه معنى من المعاني وله حروف وأسماء تدلّ عليه، فإذا صرّح بذلك ما هو موضوع للدلالة عليه، كان الكلام حقيقة كالحكم في سائر المعاني، فاعرفه.
واعلم أن اللفظة المستعارة لا تخلو من أن تكون اسما أو فعلا، فإذا كانت اسما كان اسم جنس أو صفة. فإذا كان اسم جنس فإنك تراه في أكثر الأحوال التي تنقل فيها محتملا متكفّئا بين أن يكون للأصل، وبين أن يكون للفرع الذي من شأنه أن ينقل إليه. فإذا قلت: «رأيت أسدا»، صلح هذا الكلام لأن تريد به أنك رأيت واحدا من جنس السّبع المعلوم، وجاز أن تريد أنك رأيت شجاعا باسلا شديد الجرأة، وإنما يفصل لك أحد الغرضين من الآخر شاهد الحال، وما يتّصل به من الكلام من قبل وبعد.
وإن كان فعلا أو صفة، كان فيهما هذا الاحتمال في بعض الأحوال، وذلك إذا أسندت الفعل وأجريت الصفة على اسم مبهم يقع على ما يكون أصلا في تلك الصفة وذاك الفعل، وما يكون فرعا فيهما، نحو أن تقول: «أنار لي شيء» و «هذا شيء منير». فهذا الكلام يحتمل أن يكون «أنار» و «منير» فيه واقعين على الحقيقة، بأن تعني بالشيء بعض الأجسام ذوات النور وأن يكونا واقعين على المجاز، بأن تريد
стр. 174
بالشيء نوعا من العلم والرأي وما أشبه ذلك من المعاني التي لا يصحّ وجود النور فيها حقيقة، وإنما توصف به على سبيل التشبيه.
وفي الفعل والصفة شيء آخر، وهو أنك كأنك تدّعي معنى اللّفظ المستعار للمستعار له، فإذا قلت: «قد أنارت حجّته»، و «هذه حجّة منيرة»، فقد ادّعيت للحجّة النور، ولذلك تجيء فتضيفه إليك، كما تضاف المعاني التي يشتقّ منها الفعل والصفة إلى الفاعل والموصوف فتقول: «نور هذه الحجّة جلا بصري، وشرح صدري»، كما تقول: «ظهر نور الشمس». والمثل لا يوجب شيئا من هذه الأحكام، فلا هو يقتضي تردّد اللفظ بين احتمال شيئين ولا أن يدّعى معناه للشيء، ولكنه يدع اللفظ مستقرّا على أصله.
وإذ قد ثبت هذا الأصل، فاعلم أن هاهنا أصلا آخر يبنى عليه، وهو أن الاستعارة وإن كانت تعتمد التشبيه والتمثيل وكان التشبيه يقتضي شيئين مشبّها ومشبّها به، وكذلك التمثيل، لأنه كما عرفت تشبيه إلا أنه عقليّ فإن الاستعارة من شأنها أن تسقط ذكر المشبّه من البين وتطرحه، وتدّعي له الاسم الموضوع للمشبّه به، كما مضى من قولك: «رأيت أسدا»، تريد رجلا شجاعا و «وردت بحرا زاخرا»، تريد رجلا كثير الجود فائض الكفّ و «أبديت نورا»، تريد علما وما شاكل ذلك.
فاسم الّذي هو المشبّه غير مذكور بوجه من الوجوه كما ترى، وقد نقلت الحديث إلى اسم المشبّه به، لقصدك أن تبالغ، فتضع اللّفظ بحيث يخيّل أنّ معك نفس الأسد والبحر والنور، كي تقوّي أمر المشابهة وتشدّده، ويكون لها هذا الصنيع حيث يقع الاسم المستعار فاعلا أو مفعولا أو مجرورا بحرف الجرّ أو مضافا إليه، فالفاعل كقولك: «بدا لي أسد» و «انبرى لي ليث» و «بدا نور» و «ظهرت شمس ساطعة» و «فاض لي بالمواهب بحر»، كقوله (١): [من الطويل]
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال كحيل المقلتين ربيب
والمفعول كما ذكرت من قولك: «رأيت أسدا»، والمجرور نحو قولك: «لا
стр. 175
عار إن فرّ من أسد يزأر»، والمضاف إليه كقوله (١): [من الطويل]
يا ابن الكواكب من أئمّة هاشم ... والرجّح الأحساب والأحلام
وإذا جاوزت هذه الأحوال، كان اسم المشبّه مذكورا وكان مبتدأ، واسم المشبّه به واقعا في موضع الخبر، كقولك: «زيد أسد»، أو على هذا الحد، وهل يستحقّ الاسم في هذه الحالة أن يوصف بالاستعارة أم لا:؟ فيه شبهة وكلام سيأتيك إن شاء الله تعالى.
وإذ قد عرفت هذه الجملة، فينبغي أن تعلم أنه ليس كل شيء يجيء مشبّها به بكاف أو بإضافة «مثل» إليه، يجوز أن تسلّط عليه الاستعارة، وتنفذ حكمها فيه، حتى تنقله عن صاحبه وتدّعيه للمشبّه على حد قولك: «أبديت نورا» تريد
علما، و «سللت سيفا صارما»، تريد رأيا نافذا وإنما يجوز ذلك إذا كان الشّبه بين الشيئين مما يقرب مأخذه ويسهل متناوله، ويكون في الحال دليل عليه، وفي العرف شاهد له، حتى يمكن المخاطب إذا أطلقت له الاسم أن يعرف الغرض ويعلم ما أردت.
فكل شيء كان من الضّرب الأول الذي ذكرت أنك تكتفي فيه بإطلاق الاسم داخلا عليه حرف التشبيه نحو قولهم: «هو كالأسد»، فإنك إذا أدخلت عليه حكم الاستعارة وجدت في دليل الحال، وفي العرف ما يبيّن غرضك، إذ يعلم إذا قلت:
«رأيت أسدا»، وأنت تريد الممدوح، أنّك قصدت وصفه بالشجاعة وإذا قلت:
«طلعت شمس»، أنت تريد امرأة، علم أنك تريد وصفها بالحسن، وإن أردت الممدوح علم أنك تقصد وصفه بالنّباهة والشرف.
فأما إذا كان من الضرب الثاني الذي لا سبيل إلى معرفة المقصود من الشبه فيه إلا بعد ذكر الجمل التي يعقد بها التمثيل، فإن الاستعارة لا تدخله، لأن وجه الشبه إذا كان غامضا لم يجز أن تقتسر الاسم وتغصب عليه موضعه، وتنقله إلى غير ما هو أهله من غير أن يكون معك شاهد ينبئ عن الشبه. فلو حاولت في قوله:
فإنّك كالليل الّذي هو مدركي
стр. 176
أن تعامل الليل معاملة الأسد في قولك: «رأيت أسدا»، أعني أن تسقط ذكر الممدوح من البين، لم تجد له مذهبا في الكلام، ولا صادفت طريقة توصّلك إليه، لأنك لا تخلو من أحد أمرين: إمّا أن تحذف الصفة وتقتصر على ذكر الليل مجرّدا فتقول: «إن فررت أظلّني اللّيل»، وهذا محال، لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي قصدها من أنه لا يفوته وإن أبعد في الهرب، وصار إلى أقصى الأرض، لسعة ملكه وطول يده، وأنّ له في جميع الآفاق عاملا وصاحب جيش ومطيعا لأوامره يردّ الهارب عليه ويسوقه إليه وغاية ما يتأتّى في ذلك أن يريد أنه إن هرب عنه أظلمت عليه الدنيا، وتحيّر ولم يهتد، فصار كمن يحصل في ظلمة الليل. وهذا شيء خارج عن الغرض، وكلامنا
على أن تستعير الاسم ليؤدّى به التشبيه الذي قصد في البيت ولم أرد أنه لا تمكن استعارته على معنى ما، ولا يصلح في غرض من الأغراض.
وإن لم تحذف الصفة، وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدّي إلى تعسّف، إذ لو قلت: «إن فررت منك وجدت ليلا يدركني، وإن ظننت أنّ المنتأى واسع والمهرب بعيد» قلت ما لا تقبله الطّباع، وسلكت طريقة مجهولة، لأن العرف لم يجر بأن يجعل الممدوح ليلا هكذا.
فأمّا قولهم: إن التشبيه بالليل يتضمّن الدّلالة على سخطه، فإنه لا يفسح في أن يجرى اسم الليل على الممدوح جري الأسد والشمس ونحوهما، وإنما تصلح استعارة الليل لمن يقصد وصفه بالسّواد والظلمة، كما قال ابن طباطبا: [من الطويل] بعثت معي قطعا من الليل مظلما (١) يعني زنجيّا قد أنفذه المخاطب معه حين انصرف عنه إلى منزله. هذا، وربّما- بل كلما- وجدت ما إن رمت فيه طريقة الاستعارة، لم تجد فيه هذا القدر من التمحّل والتكلّف أيضا، وو هو كقول النبيّ ﷺ : «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» (٢)، قل الآن من أيّ جهة تصل إلى الاستعارة هاهنا، وبأيّ ذريعة تتذرّع إليها؟
هل تقدر أن تقول: «رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة» في معنى: «رأيت ناسا» أو «الإبل المائة التي لا تجد فيها راحلة»، تريد الناس، كما قلت: «رأيت أسدا» على معنى «رجلا كالأسد» أو «الأسد»، على معنى: «الذي هو كالأسد؟» وكذا قول
стр. 177
النبي ﷺ : «مثل المؤمن كمثل النّخلة أو مثل الخامة» (١)، لا تستطيع أن تتعاطى الاستعارة في شيء منه فتقول: «رأيت نخلة» أو «خامة» على معنى «رأيت مؤمنا».
إنّ من رام مثل هذا كان كما قال صاحب الكتاب: «ملغزا تاركا لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم»، وقد قدّمت طرفا من هذا الفصل فيما مضى، ولكنني أعدته هاهنا لاتصاله بما أريد ذكره.
فقد ظهر أنه ليس كل شيء يجيء فيه التشبيه الصريح بذكر الكاف ونحوها، يستقيم نقل الكلام فيه إلى طريقة الاستعارة، وإسقاط ذكر المشبّه جملة، والاقتصار على المشبّه به. وبقي أن نتعرّف الحكم في الحالة الأخرى، وهي التي يكون كل واحد من المشبّه والمشبّه به مذكورا فيه، نحو: «زيد أسد» و «وجدته أسدا»، هل تساوق صريح
التشبيه حتى يجوز في كل شيئين قصد تشبيه أحدهما بالآخر أن تحذف الكاف ونحوها من الثاني، وتجعله خبرا عن الأول أو بمنزلة الخبر؟ والقول في ذلك أن التشبيه إذا كان صريحا بالكاف، و «مثل»، كان الأعرف الأشهر في المشبّه به أن يكون معرفة، كقولك: «هو كالأسد» و «هو كالشمس» و «هو كالبحر» و «كليث العرين» و «كالصبح» و «كالنجم» وما شاكل ذلك، ولا يكاد يجيء نكرة مجيئا يرتضى نحو:
«هو كأسد» و «كبحر» و «كغيث»، إلا أن يخصّص بصفة نحو «كبحر زاخر»، فإذا جعلت الاسم المجرور بالكاف معربا بالإعراب الذي يستحقّه الخبر من الرفع أو النصب، كان كلا الأمرين- التعريف والتنكير- فيه حسنا جميلا، تقول: «زيد الأسد» و «الشمس» و «البدر» و «البحر» و «زيد أسد» و «شمس» و «بدر» و «بحر».
وإذ قد عرفت هذا، فارجع إلى نحو:
فإنك كالليل الذي هو مدركي (٢)
стр. 178
واعلم أنه قد يجوز فيه أن تحذف الكاف وتجعل المجرور كان به، خبرا، فتقول: «فإنك الليل الذي هو مدركي»، أو «أنت الليل الذي هو مدركي»، وتقول في قول النبي ﷺ : «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع»، «المؤمن الخامة من الزرع»، وفي قوله ﵇: «الناس كإبل مائة»: «الناس إبل مائة»، ويكون تقديره على أنك قدّرت مضافا محذوفا على حدّ: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢].
تجعل الأصل: «فإنك مثل الليل» ثم تحذف «مثلا».
والنكتة في الفرق بين هذا الضرب الذي لا بدّ للمجرور بالكاف ونحوها من وصفه بجملة من الكلام أو نحوها، وبين الضرب الأول الذي هو نحو «زيد كالأسد» أنك إذا حذفت الكاف هناك فقلت: «زيد الأسد»، فالقصد أن تبالغ في التشبيه فتجعل المذكور كأنه الأسد، وتشير إلى مثل ما يحصل لك من المعنى إذا حذفت ذكر المشبّه أصلا فقلت: «رأيت أسدا»، أو «الأسد»، فأمّا في نحو: «فإنك كالليل الذي هو مدركي»، فلا يجوز أن تقصد جعل الممدوح الليل، ولكنك تنوي أنك أردت أن تقول: «فإنك مثل الليل»، ثم حذفت المضاف من اللفظ، وأبقيت المعنى على حاله إذا لم تحذف. وأمّا هناك، فإنه وإن كان يقال أيضا إن الأصل «زيد مثل أسد» ثم تحذف فليس الحذف فيه على هذا الحدّ، بل على أنه جعل كأن لم يكن لقصد المبالغة. ألا تراهم يقولون: «جعله الأسد»؟ وبعيد أن تقول: «جعله الليل»، لأن القصد لم يقع إلى وصف في الليل كالظلمة ونحوها، وإنّما قصد الحكم الذي له، من تعميمه الآفاق، وامتناع أن يصير الإنسان إلى مكان لا يدركه الليل فيه.
وإن أردت أن تزداد علما بأن الأمر كذلك أعني أن هاهنا ما يصلح فيه التشبيه الظاهر ولا تصلح فيه المبالغة وجعل الأول الثاني فاعمد إلى ما تجد الاسم الذي افتتح به المثل فيه غير محتمل لضرب من التشبيه إذا أفرد وقطع عن الكلام بعده، كقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يونس: ٣٤]، لو قلت: «إنما الحياة الدنيا ماء أنزلناه من السماء» أو «الماء ينزل من السماء فتخضرّ منه الأرض»، لم يكن للكلام وجه غير أن تقدّر حذف مثل نحو: «إنما الحياة الدنيا مثل ماء ينزل من السماء فيكون كيت وكيت»، إذ لا يتصوّر بين الحياة الدنيا والماء شبه يصحّ قصده وقد أفرد، كما قد يتخيّل في البيت أنه قصد تشبيه الممدوح بالليل في السّخط.
وهذا موضع في الجملة مشكل، ولا يمكن القطع فيه بحكم على التفصيل،
стр. 179
ولكن لا سبيل إلى جحد أنك تجد الاسم في الكثير وقد وضع موضعا في التشبيه بالكاف، لو حاولت أن تخرجه في ذلك الموضع بعينه إلى حدّ الاستعارة والمبالغة، وجعل هذا ذاك، لم ينقد لك، كالنكرة التي هي «ماء» في الآية وفي الآية وفي الآي الأخر نحو قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ [البقرة: ١٩]، ولو قلت: «هم صيّب»، ولا تضمر «مثلا» البتّة، على حدّ «هو أسد» لم يجز، لأنه لا معنى لجعلهم صيّبا في هذا الموضع، وإن كان لا يمتنع أن يقع «صيّب» في موضع آخر ليس من هذا الغرض في شيء استعارة ومبالغة، كقولك: «فاض صيّب منه»، تريد جوده، و «هو صيّب يفيض»، تريد مندفق في الجود. فلسنا نقول إن هاهنا اسم جنس واسما صفة لا يصلح للاستعارة في حال من الأحوال. وهذا شعب من القول يحتاج إلى كلام أكثر من هذا ويدخل فيه مسائل، ولكن استقصاءه يقطع عن الغرض.
فإن قلت: فلا بدّ من أصل يرجع إليه في الفرق بين ما يحسن أن يصرف وجهه إلى الاستعارة والمبالغة، وما لا يحسن ذلك فيه، ولا يجيبك المعنى إليه، بل يصدّ بوجهه عنك متى أردته عليه.
فالجواب: إنه لا يمكن أن يقال فيه قول قاطع. ولكن هاهنا نكتة يجب الاعتماد عليها والنظر إليها، وهي أن الشّبه إذا كان وصفا معروفا في الشيء قد جرى العرف بأن يشبّه من أجله به، وتعورف كونه أصلا فيه يقاس عليه كالنور والحسن في الشمس، أو الاشتهار والظهور، وأنّها لا تخفى فيها أيضا وكالطيب في المسك، والحلاوة في العسل، والمرارة في الصاب، والشجاعة في الأسد، والفيض في البحر والغيث، والمضاء والقطع والحدّة في السيف، والنفاذ في السّنان، وسرعة المرور في السّهم، وسرعة الحركة في شعلة النار، وما شاكل ذلك من الأوصاف التي لكل وصف منها جنس هو أصل فيه، ومقدّم في معانيه فاستعارة الاسم للشيء على معنى ذلك الشّبه تجيء سهلة منقادة، وتقع مألوفة معتادة. وذلك أنّ هذه الأوصاف من هذه الأسماء قد تعورف كونها أصولا فيها، وأنها أخصّ ما توجد فيه بها، فكل أحد يعلم أن أخصّ المنيرات بالنور الشمس، فإذا أطلقت ودلّت الحال على التشبيه، لم يخف المراد. ولو أنك أردت من الشمس الاستدارة، لم يجز أن تدلّ عليه بالاستعارة، ولكن إن أردتها من الفلك جاز، فإن قصدتها من الكرة كان أبين، لأن الاستدارة من الكرة أشهر وصف فيها. ومتى صلحت الاستعارة في شيء، فالمبالغة فيه أصلح، وطريقها أوضح، ولسان الحال فيها أفصح، أعني أنك إذا قلت:
стр. 180
يا ابن الكواكب من أئمّة هاشم و: يا ابن الليوث الغرّ فأجريت الاسم على المشبّه إجراءه على أصله الذي وضع له وادّعيته له، كان قولك: «هم الكواكب» و «هم الليوث» أو «هم كواكب وليوث»، أحرى أن تقوله، وأخفّ مئونة على السامع في وقوع العلم له به.
واعلم أن المعنى في المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا: «جعل هذا ذاك»، و «جعله الأسد» و «ادّعى أنه الأسد حقيقة، أنّ المشبّه الشيء بالشيء من شأنه أن ينظر إلى الوصف الذي به يجمع بين الشيئين، وينفي عن نفسه الفكر فيما سواه جملة، فإذا شبّه بالأسد، ألقى صورة الشجاعة بين عينيه، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه. فإن هو قال: «زيد كالأسد»، كان قد أثبت له حظّا ظاهرا في الشجاعة، ولم يخرج عن الاقتصاد. وإذا قال: «هو الأسد»، تناهى في الدعوى، إمّا قريبا من المحقّ لفرط بسالة الرجل، وإما متجوّزا في القول، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا. وإذا كان بحكم التشبيه، وبأنه مقصوده من ذكر الأسد في حكم من يعتقد أنّ الاسم لم يوضع على ذلك السّبع إلا للشجاعة التي فيه، وأنّ ما عداها من صورته وسائر صفاته عيال عليها وتبع لها في استحقاقه هذا الاسم، ثم أثبت لهذا الذي يشبّهه به تلك الشجاعة بعينها حتى لا اختلاف ولا تفاوت، فقد جعله
الأسد لا محالة، لأن قولنا: «هو هو» على معنيين:
أحدهما: أن يكون للشيء اسمان يعرفه المخاطب بأحدهما دون الآخر، فإذا ذكر باسمه الآخر توهّم أن معك شيئين، فإذا قلت: «زيد هو أبو عبد الله»، عرّفته أن هذا الذي تذكر الآن بزيد هو الذي عرفه بأبي عبد الله.
والثاني: أن يراد تحقق التشابه بين الشيئين، وتكميله لهما، ونفي الاختلاف والتفاوت عنهما، فيقال: «هو هو»، أي: لا يمكن الفرق بينهما، لأن الفرق يقع إذا اختصّ أحدهما بصفة لا تكون في الآخر. هذا المعنى الثاني فرع على الأوّل، وذلك أن المتشابهين التشابه التامّ، لمّا كان يحسب أحدهما الآخر، ويتوهم الرائي لهما في حالين أنه رأى شيئا واحدا، صاروا إذا حققوا التشابه بين الشيئين يقولون: «هو هو».
والمشبّه إذا وقف وهمه كما عرّفتك على الشجاعة دون سائر الأمور، ثم لم يثبت بين شجاعة صاحبه وشجاعة الأسد فرقا، فقد صار إلى معنى قولنا: «هو هو» بلا شبهة.