أن تعامل الليل معاملة الأسد في قولك: «رأيت أسدا»، أعني أن تسقط ذكر الممدوح من البين، لم تجد له مذهبا في الكلام، ولا صادفت طريقة توصّلك إليه، لأنك لا تخلو من أحد أمرين: إمّا أن تحذف الصفة وتقتصر على ذكر الليل مجرّدا فتقول: «إن فررت أظلّني اللّيل»، وهذا محال، لأنه ليس في الليل دليل على النكتة التي قصدها من أنه لا يفوته وإن أبعد في الهرب، وصار إلى أقصى الأرض، لسعة ملكه وطول يده، وأنّ له في جميع الآفاق عاملا وصاحب جيش ومطيعا لأوامره يردّ الهارب عليه ويسوقه إليه وغاية ما يتأتّى في ذلك أن يريد أنه إن هرب عنه أظلمت عليه الدنيا، وتحيّر ولم يهتد، فصار كمن يحصل في ظلمة الليل. وهذا شيء خارج عن الغرض، وكلامنا
على أن تستعير الاسم ليؤدّى به التشبيه الذي قصد في البيت ولم أرد أنه لا تمكن استعارته على معنى ما، ولا يصلح في غرض من الأغراض.
وإن لم تحذف الصفة، وجدت طريق الاستعارة فيه يؤدّي إلى تعسّف، إذ لو قلت: «إن فررت منك وجدت ليلا يدركني، وإن ظننت أنّ المنتأى واسع والمهرب بعيد» قلت ما لا تقبله الطّباع، وسلكت طريقة مجهولة، لأن العرف لم يجر بأن يجعل الممدوح ليلا هكذا.
فأمّا قولهم: إن التشبيه بالليل يتضمّن الدّلالة على سخطه، فإنه لا يفسح في أن يجرى اسم الليل على الممدوح جري الأسد والشمس ونحوهما، وإنما تصلح استعارة الليل لمن يقصد وصفه بالسّواد والظلمة، كما قال ابن طباطبا: [من الطويل] بعثت معي قطعا من الليل مظلما (١) يعني زنجيّا قد أنفذه المخاطب معه حين انصرف عنه إلى منزله. هذا، وربّما- بل كلما- وجدت ما إن رمت فيه طريقة الاستعارة، لم تجد فيه هذا القدر من التمحّل والتكلّف أيضا، وو هو كقول النبيّ ﷺ : «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» (٢)، قل الآن من أيّ جهة تصل إلى الاستعارة هاهنا، وبأيّ ذريعة تتذرّع إليها؟
هل تقدر أن تقول: «رأيت إبلا مائة لا تجد فيها راحلة» في معنى: «رأيت ناسا» أو «الإبل المائة التي لا تجد فيها راحلة»، تريد الناس، كما قلت: «رأيت أسدا» على معنى «رجلا كالأسد» أو «الأسد»، على معنى: «الذي هو كالأسد؟» وكذا قول
стр. 177
النبي ﷺ : «مثل المؤمن كمثل النّخلة أو مثل الخامة» (١)، لا تستطيع أن تتعاطى الاستعارة في شيء منه فتقول: «رأيت نخلة» أو «خامة» على معنى «رأيت مؤمنا».
إنّ من رام مثل هذا كان كما قال صاحب الكتاب: «ملغزا تاركا لكلام الناس الذي يسبق إلى أفئدتهم»، وقد قدّمت طرفا من هذا الفصل فيما مضى، ولكنني أعدته هاهنا لاتصاله بما أريد ذكره.
فقد ظهر أنه ليس كل شيء يجيء فيه التشبيه الصريح بذكر الكاف ونحوها، يستقيم نقل الكلام فيه إلى طريقة الاستعارة، وإسقاط ذكر المشبّه جملة، والاقتصار على المشبّه به. وبقي أن نتعرّف الحكم في الحالة الأخرى، وهي التي يكون كل واحد من المشبّه والمشبّه به مذكورا فيه، نحو: «زيد أسد» و «وجدته أسدا»، هل تساوق صريح
التشبيه حتى يجوز في كل شيئين قصد تشبيه أحدهما بالآخر أن تحذف الكاف ونحوها من الثاني، وتجعله خبرا عن الأول أو بمنزلة الخبر؟ والقول في ذلك أن التشبيه إذا كان صريحا بالكاف، و «مثل»، كان الأعرف الأشهر في المشبّه به أن يكون معرفة، كقولك: «هو كالأسد» و «هو كالشمس» و «هو كالبحر» و «كليث العرين» و «كالصبح» و «كالنجم» وما شاكل ذلك، ولا يكاد يجيء نكرة مجيئا يرتضى نحو:
«هو كأسد» و «كبحر» و «كغيث»، إلا أن يخصّص بصفة نحو «كبحر زاخر»، فإذا جعلت الاسم المجرور بالكاف معربا بالإعراب الذي يستحقّه الخبر من الرفع أو النصب، كان كلا الأمرين- التعريف والتنكير- فيه حسنا جميلا، تقول: «زيد الأسد» و «الشمس» و «البدر» و «البحر» و «زيد أسد» و «شمس» و «بدر» و «بحر».
وإذ قد عرفت هذا، فارجع إلى نحو:
فإنك كالليل الذي هو مدركي (٢)
стр. 178
واعلم أنه قد يجوز فيه أن تحذف الكاف وتجعل المجرور كان به، خبرا، فتقول: «فإنك الليل الذي هو مدركي»، أو «أنت الليل الذي هو مدركي»، وتقول في قول النبي ﷺ : «مثل المؤمن مثل الخامة من الزرع»، «المؤمن الخامة من الزرع»، وفي قوله ﵇: «الناس كإبل مائة»: «الناس إبل مائة»، ويكون تقديره على أنك قدّرت مضافا محذوفا على حدّ: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: ٨٢].
تجعل الأصل: «فإنك مثل الليل» ثم تحذف «مثلا».
والنكتة في الفرق بين هذا الضرب الذي لا بدّ للمجرور بالكاف ونحوها من وصفه بجملة من الكلام أو نحوها، وبين الضرب الأول الذي هو نحو «زيد كالأسد» أنك إذا حذفت الكاف هناك فقلت: «زيد الأسد»، فالقصد أن تبالغ في التشبيه فتجعل المذكور كأنه الأسد، وتشير إلى مثل ما يحصل لك من المعنى إذا حذفت ذكر المشبّه أصلا فقلت: «رأيت أسدا»، أو «الأسد»، فأمّا في نحو: «فإنك كالليل الذي هو مدركي»، فلا يجوز أن تقصد جعل الممدوح الليل، ولكنك تنوي أنك أردت أن تقول: «فإنك مثل الليل»، ثم حذفت المضاف من اللفظ، وأبقيت المعنى على حاله إذا لم تحذف. وأمّا هناك، فإنه وإن كان يقال أيضا إن الأصل «زيد مثل أسد» ثم تحذف فليس الحذف فيه على هذا الحدّ، بل على أنه جعل كأن لم يكن لقصد المبالغة. ألا تراهم يقولون: «جعله الأسد»؟ وبعيد أن تقول: «جعله الليل»، لأن القصد لم يقع إلى وصف في الليل كالظلمة ونحوها، وإنّما قصد الحكم الذي له، من تعميمه الآفاق، وامتناع أن يصير الإنسان إلى مكان لا يدركه الليل فيه.
وإن أردت أن تزداد علما بأن الأمر كذلك أعني أن هاهنا ما يصلح فيه التشبيه الظاهر ولا تصلح فيه المبالغة وجعل الأول الثاني فاعمد إلى ما تجد الاسم الذي افتتح به المثل فيه غير محتمل لضرب من التشبيه إذا أفرد وقطع عن الكلام بعده، كقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ [يونس: ٣٤]، لو قلت: «إنما الحياة الدنيا ماء أنزلناه من السماء» أو «الماء ينزل من السماء فتخضرّ منه الأرض»، لم يكن للكلام وجه غير أن تقدّر حذف مثل نحو: «إنما الحياة الدنيا مثل ماء ينزل من السماء فيكون كيت وكيت»، إذ لا يتصوّر بين الحياة الدنيا والماء شبه يصحّ قصده وقد أفرد، كما قد يتخيّل في البيت أنه قصد تشبيه الممدوح بالليل في السّخط.
وهذا موضع في الجملة مشكل، ولا يمكن القطع فيه بحكم على التفصيل،
стр. 179
ولكن لا سبيل إلى جحد أنك تجد الاسم في الكثير وقد وضع موضعا في التشبيه بالكاف، لو حاولت أن تخرجه في ذلك الموضع بعينه إلى حدّ الاستعارة والمبالغة، وجعل هذا ذاك، لم ينقد لك، كالنكرة التي هي «ماء» في الآية وفي الآية وفي الآي الأخر نحو قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ [البقرة: ١٩]، ولو قلت: «هم صيّب»، ولا تضمر «مثلا» البتّة، على حدّ «هو أسد» لم يجز، لأنه لا معنى لجعلهم صيّبا في هذا الموضع، وإن كان لا يمتنع أن يقع «صيّب» في موضع آخر ليس من هذا الغرض في شيء استعارة ومبالغة، كقولك: «فاض صيّب منه»، تريد جوده، و «هو صيّب يفيض»، تريد مندفق في الجود. فلسنا نقول إن هاهنا اسم جنس واسما صفة لا يصلح للاستعارة في حال من الأحوال. وهذا شعب من القول يحتاج إلى كلام أكثر من هذا ويدخل فيه مسائل، ولكن استقصاءه يقطع عن الغرض.
فإن قلت: فلا بدّ من أصل يرجع إليه في الفرق بين ما يحسن أن يصرف وجهه إلى الاستعارة والمبالغة، وما لا يحسن ذلك فيه، ولا يجيبك المعنى إليه، بل يصدّ بوجهه عنك متى أردته عليه.
فالجواب: إنه لا يمكن أن يقال فيه قول قاطع. ولكن هاهنا نكتة يجب الاعتماد عليها والنظر إليها، وهي أن الشّبه إذا كان وصفا معروفا في الشيء قد جرى العرف بأن يشبّه من أجله به، وتعورف كونه أصلا فيه يقاس عليه كالنور والحسن في الشمس، أو الاشتهار والظهور، وأنّها لا تخفى فيها أيضا وكالطيب في المسك، والحلاوة في العسل، والمرارة في الصاب، والشجاعة في الأسد، والفيض في البحر والغيث، والمضاء والقطع والحدّة في السيف، والنفاذ في السّنان، وسرعة المرور في السّهم، وسرعة الحركة في شعلة النار، وما شاكل ذلك من الأوصاف التي لكل وصف منها جنس هو أصل فيه، ومقدّم في معانيه فاستعارة الاسم للشيء على معنى ذلك الشّبه تجيء سهلة منقادة، وتقع مألوفة معتادة. وذلك أنّ هذه الأوصاف من هذه الأسماء قد تعورف كونها أصولا فيها، وأنها أخصّ ما توجد فيه بها، فكل أحد يعلم أن أخصّ المنيرات بالنور الشمس، فإذا أطلقت ودلّت الحال على التشبيه، لم يخف المراد. ولو أنك أردت من الشمس الاستدارة، لم يجز أن تدلّ عليه بالاستعارة، ولكن إن أردتها من الفلك جاز، فإن قصدتها من الكرة كان أبين، لأن الاستدارة من الكرة أشهر وصف فيها. ومتى صلحت الاستعارة في شيء، فالمبالغة فيه أصلح، وطريقها أوضح، ولسان الحال فيها أفصح، أعني أنك إذا قلت:
стр. 180
يا ابن الكواكب من أئمّة هاشم و: يا ابن الليوث الغرّ فأجريت الاسم على المشبّه إجراءه على أصله الذي وضع له وادّعيته له، كان قولك: «هم الكواكب» و «هم الليوث» أو «هم كواكب وليوث»، أحرى أن تقوله، وأخفّ مئونة على السامع في وقوع العلم له به.
واعلم أن المعنى في المبالغة وتفسيرنا لها بقولنا: «جعل هذا ذاك»، و «جعله الأسد» و «ادّعى أنه الأسد حقيقة، أنّ المشبّه الشيء بالشيء من شأنه أن ينظر إلى الوصف الذي به يجمع بين الشيئين، وينفي عن نفسه الفكر فيما سواه جملة، فإذا شبّه بالأسد، ألقى صورة الشجاعة بين عينيه، ألقى ما عداها فلم ينظر إليه. فإن هو قال: «زيد كالأسد»، كان قد أثبت له حظّا ظاهرا في الشجاعة، ولم يخرج عن الاقتصاد. وإذا قال: «هو الأسد»، تناهى في الدعوى، إمّا قريبا من المحقّ لفرط بسالة الرجل، وإما متجوّزا في القول، فجعله بحيث لا تنقص شجاعته عن شجاعة الأسد ولا يعدم منها شيئا. وإذا كان بحكم التشبيه، وبأنه مقصوده من ذكر الأسد في حكم من يعتقد أنّ الاسم لم يوضع على ذلك السّبع إلا للشجاعة التي فيه، وأنّ ما عداها من صورته وسائر صفاته عيال عليها وتبع لها في استحقاقه هذا الاسم، ثم أثبت لهذا الذي يشبّهه به تلك الشجاعة بعينها حتى لا اختلاف ولا تفاوت، فقد جعله
الأسد لا محالة، لأن قولنا: «هو هو» على معنيين:
أحدهما: أن يكون للشيء اسمان يعرفه المخاطب بأحدهما دون الآخر، فإذا ذكر باسمه الآخر توهّم أن معك شيئين، فإذا قلت: «زيد هو أبو عبد الله»، عرّفته أن هذا الذي تذكر الآن بزيد هو الذي عرفه بأبي عبد الله.
والثاني: أن يراد تحقق التشابه بين الشيئين، وتكميله لهما، ونفي الاختلاف والتفاوت عنهما، فيقال: «هو هو»، أي: لا يمكن الفرق بينهما، لأن الفرق يقع إذا اختصّ أحدهما بصفة لا تكون في الآخر. هذا المعنى الثاني فرع على الأوّل، وذلك أن المتشابهين التشابه التامّ، لمّا كان يحسب أحدهما الآخر، ويتوهم الرائي لهما في حالين أنه رأى شيئا واحدا، صاروا إذا حققوا التشابه بين الشيئين يقولون: «هو هو».
والمشبّه إذا وقف وهمه كما عرّفتك على الشجاعة دون سائر الأمور، ثم لم يثبت بين شجاعة صاحبه وشجاعة الأسد فرقا، فقد صار إلى معنى قولنا: «هو هو» بلا شبهة.
стр. 181
وإذا تقررت هذه الجملة فقوله:
فإنك كالليل الذي هو مدركي (١) إن حاولت فيه طريقة المبالغة فقلت: «فإنك الليل الذي هو مدركي»، لزمك لا محالة أن تعمد إلى صفة من أجلها تجعله الليل، كالشجاعة التي من أجلها جعلت الرجل الأسد.
فإن قلت: تلك الصفة الظّلمة، وإنّه قصد شدّة سخطه، وراعى حال المسخوط عليه، وتوهّم أن الدنيا تظلم في عينيه حسب الحال في المستوحش الشديد الوحشة، كما قال: [من الطويل] أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب قيل لك: هذا التقدير، إن استجزناه وعملنا عليه، فإنا نحتمله، والكلام على ظاهره، وحرف التشبيه مذكور داخل على الليل كما تراه في البيت.
فأمّا وأنت تريد المبالغة، فلا يجيء لك ذلك، لأن الصفات المذكورة لا يواجه بها الممدوحون، ولا تستعار الأسماء الدالّة عليها لهم إلا بعد أن يتدارك وتقرن إليها أضدادها من الأوصاف المحبوبة، كقوله: [من البسيط] أنت الصّاب والعسل ولا تقول وأنت مادح: «أنت الصاب» وتسكت، وحتى إن الحاذق لا يرضى بهذا الاحتراز وحده حتى يزيد ويحتال في دفع ما يغشى النفس من الكراهة بإطلاق الصفة التي ليست من الصفات المحبوبة، فيصل بالكلام ما يخرج به إلى نوع من المدح، كقول المتنبي: [من الخفيف]
حسن، في وجوه أعدائه أق ... بح من ضيفه، رأته السّوام (٢)
بدأ فجعله حسنا على الإطلاق، ثم أراد أن يجعله قبيحا في عيون أعدائه، على
стр. 182
العادة في مدح الرجل بأن عدوّه يكرهه، فلم يقنعه ما سبق من تمهيده وتقدّم من احترازه في تلاقي ما يجنيه إطلاق صفة القبح، حتى وصل به هذه الزيادة من المدح، وهي كراهة سوامه لرؤية أضيافه، وحتى حصل ذكر القبح مغمورا بين حسنين، فصار كما يقول المنجّمون: «يقع النّحس مضغوطا بين سعدين، فيبطل فعله وينمحق أثره».
وقد عرفت ما جناه التهاون بهذا النحو من الاحتراز على أبي تمّام، حتى صار ما ينعى عليه منه أبلغ شيء في بسط لسان القادح فيه والمنكر لفضله، وأحضر حجّة للمتعصّب عليه. وذلك أنه لم يبال في كثير من مخاطبات الممدوح بتحسين ظاهر اللفظ، واقتصر على صميم التشبيه، وأطلق اسم الجنس الخسيس كإطلاق الشريف النّبيه، كقوله: [من الخفيف]
وإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا (١)
فصكّ وجه الممدوح كما ترى بأنه رشاء وقليب، ولم يحتشم أن قال: [من الكامل]
ما زال يهذي بالمكارم والعلى ... حتى ظننّا أنّه محموم (٢)
فجعله يهذي وجعل عليه الحمّى، وظنّ أنه إذا حصل له المبالغة في إثبات المكارم له، وجعلها مستبدّة بأفكاره وخواطره، حتى لا يصدر عنه غيرها، فلا ضير أن يتلقّاه بمثل هذا الخطاب الجافي، والمدح المتنافي.
стр. 183
فكذلك أنت، هذه قصّتك، وهذه قضيّتك، في اقتراحك علينا أن نسلك بالليل في البيت طريق المبالغة على تأويل السّخط.
فإن قلت: أفترى أن تأبى هذا التقدير في البيت أيضا حتى يقصر التشبيه على ما تفيده الجملة الجارية في صلة «الذي؟».
قلت: إنّ ذلك الوجه فيما أظنّه، فقد جاء في الخبر عن النبي ﷺ : «ليدخلنّ هذا الدين ما دخل عليه الليل»، فكما تجرّد المعنى هاهنا للحكم الذي هو لليل من الوصول إلى كل مكان، ولم يكن لاعتبار ما اعتبروه من شبه ظلمته وجه، كذلك يجوز أن يتجرّد في البيت له، ويكون ما ادّعوه من الإشارة بظلمة الليل إلى إدراكه له ساخطا، ضربا من التعمّق والتطلّب لما لعلّ الشاعر لم يقصده. وأحسن ما يمكن أن ينتصر به لهذا التقدير أن يقال: إن النهار بمنزلة الليل في وصوله إلى كل مكان، فما من موضع من الأرض إلا ويدركه كلّ واحد منهما، فكما أن الكائن في النهار لا يمكنه أن يصير إلى مكان لا يكون به ليل، كذلك الكائن في الليل لا يجد موضعا لا يلحقه فيه نهار، فاختصاصه الليل دليل على أنه قد روّى في نفسه، فلما علم أن حالة إدراكه وقد هرب منه حالة سخط، رأى التمثيل بالليل أولى، ويمكن أن يزاد في نصرته بقوله: [من الرمل]
نعمة كالشّمس لمّا طلعت ... بثّت الإشراق في كلّ بلد (١)
وذاك أنه قصد هاهنا نفس ما قصده النابغة في تعميم الأقطار، والوصول إلى كل مكان، إلّا أن النعمة لما كانت تسرّ وتؤنس، أخذ المثل لها من الشمس. ولو أنه ضرب المثل لوصول النعمة إلى أقاصي البلاد، وانتشارها في العباد، بالليل ووصوله إلى كل بلد، وبلوغه كلّ أحد، لكان قد أخطأ خطأ فاحشا، إلّا أن هذا وإن كان يجيء مستويا في الموازنة، ففرق بين ما يكره من الشّبه وما يحبّ، لأن الصفة المحبوبة إذا اتصلت بالغرض من التشبيه، نالت من
العناية بها والمحافظة عليها قريبا مما يناله الغرض نفسه. وأمّا ما ليس بمحبوب، فيحسن أن يعرض عنها صفحا، ويدع الفكر فيها.
وأما تركه أن يمثّل بالنهار، وإن كان بمنزلة الليل فيما أراه، فيمكن أن يجاب عنه بأنّ هذا الخطاب من النابغة كان بالنهار لا محالة، وإذا كان يكلّمه وهو في
стр. 184
النهار، بعد أن يضرب المثل بإدراك النهار له، وكان الظاهر أن يمثّل بإدراك الليل الذي إقباله منتظر، وطريانه على النهار متوقّع، فكأنّه قال وهو في صدر النهار أو آخره: «لو سرت عنك لم أجد مكانا يقيني الطلب منك، ولكان إدراكك لي وإن بعدت واجبا، كإدراك هذا الليل المقبل في عقب نهاري هذا إيّاي، ووصوله إلى أيّ موضع بلغت من الأرض».
وهاهنا شيء آخر: وهو أنّ تشبيه «النعمة» في البيت بالشمس، وإن كان من حيث الغرض الخاصّ، وهو الدّلالة على العموم، فكان الشّبه الآخر من كونها مؤنسة للقلوب، وملبسة العالم البهجة والبهاء كما تفعل الشمس، حاصلا على سبيل العرض، وبضرب من التطفّل. فإنّ تجريد التشبيه لهذا الوجه الذي هو الآن تابع، وجعله أصلا ومقصودا على الانفراد، مألوف معروف كقولنا: «نعمتك شمس طالعة»، وليس كذلك الحكم في «الليل»، لأن تجريده لوصف الممدوح بالسّخط مستكره، حتى لو قلت: «أنت في حال السخط ليل وفي الرّضى نهار»، فكافحت هكذا تجعله ليلا لسخطه، لم يحسن، وإنما الواجب أن تقول: «النهار ليل على من تغضب عليه، والليل نهار على من ترضى عنه، وزمان عدوّك ليل كله، وأوقات وليّك نهار كلها»، كما قال: [من الكامل]
أيّامنا مصقولة أطرافها ... بك، واللّيالي كلّها أسحار (١)
وقد يقول الرجل لمحبوبه: «أنت ليلي ونهاري»، أي: بك تضيء لي الدنيا وتظلم، فإذا رضيت فدهري نهار، وإذا غضبت فليل كما تقول: «أنت دائي ودوائي، وبرئي وسقامي»، ولا تكاد تجد أحدا يقول: «أنت ليل»، على معنى أن سخطك تظلم به الدنيا، لأن هذه العبارة بالذمّ، وبالوصف بالظلمة وسواد الجلد، وتجهّم الوجه، أخصّ، وبأن يراد بها أخلق، وهذا المعنى منها إلى القلب أسبق، فاعرفه.
стр. 185
فصل
اعلم أنك تجد الاسم وقد وقع من نظم الكلام الموقع الذي يقتضي كونه مستعارا، ثم لا يكون مستعارا. وذاك لأن التشبيه المقصود منوط به مع غيره، وليس له شبه ينفرد به، على ما قدّمت لك من أن الشبه يجيء منتزعا من مجموع جملة من الكلام، فمن ذلك قول داود بن عليّ حين خطب فقال:
«شكرا شكرا، إنّا والله ما خرجنا لنحفر فيكم نهرا، ولا لنبني فيكم قصرا، أظنّ عدوّ الله أن لن يظفر به، أرخي له في زمامه، حتى عثر في فضل خطامه، فالآن عاد الأمر في نصابه، وطلعت الشمس من مطلعها، والآن قد أخذ القوس باريها، وعاد النّبل إلى النزعة، ورجع الأمر إلى مستقرّه في أهل بيت نبيّكم، أهل بيت الرّأفة والرّحمة».
فقوله: «الآن أخذ القوس باريها»، وإن كان القوس تقع كناية عن الخلافة، والباري عن المستحقّ لها، فإنه لا يجوز أن يقال إن القوس مستعار للخلافة على حدّ استعارة النور والشمس، لأجل أنه لا يتصوّر أن يخرج للخلافة شبه من القول على الانفراد، وأن يقال: «هي قوس»، كما يقال: «هي نور» و «شمس»، وإنما الشّبه مؤلّف لحال الخلافة مع القائم بها، من حال القوس مع الذي براها، وهو أن الباري للقوس أعرف بخيرها وشرّها، وأهدى إلى توتيرها وتصريفها، إذ كان العامل لها فكذلك الكائن على الأوصاف المعتبرة في الإمامة والجامع لها، يكون أهدى إلى توفية الخلافة حقّها، وأعرف بما يحفظ مصارفها عن الخلل، وأن يراعي في سياسة الخلق بالأمر والنّهي التي هي المقصود منها ترتيبا ووزنا تقع به الأفعال مواقعها من الصواب، كما أنّ العارف بالقوس يراعي في تسوية جوانبها، وإقامة وترها، وكيفية نزعها ووضع السهم الموضع الخاصّ منها، ما يوجب في سهامه أن تصيب الأغراض، وتقرطس في الأهداف، وتقع في المقاتل، وتصيب شاكلة الرّمي.
وهكذا قول القائل وقد سمع كلاما حسنا من رجل دميم: «عسل طيّب في ظرف سوء»، ليس «عسل» هاهنا على حدّه في قولك: «ألفاظه عسل»، لأجل أنه لم يقصد إلى بيان حال اللّفظ الحسن وتشبيهه بالعسل في هذا الكلام، وإن كان ذلك أمرا معتادا، وإنما قصد إلى بيان حال الكلام الحسن من المتكلم المشنوء في منظره، وقياس اجتماع فضل المخبر مع نقص المنظر، بالشبه المؤلّف من العسل والظّرف.
ألا ترى أن الذي يقابل الرجل هو «ظرف سوء» وظرف سوء لا يصلح تشبيه الرجل به
стр. 186
على الانفراد، لأن الدّمامة لا تعطيه صفة الظّرف من حيث هي دمامة، ما لم يتقدم شيء يشبه ما في الظرف من الكلام الحسن أو الخلق الجميل، أو سائر المعاني التي تجعل الأشخاص أوعية لها.
فمن حقك: أن تحافظ على هذا الأصل، وهو أن الشّبه إذا كان موجودا في الشيء على الانفراد من غير أن يكون نتيجة بينه وبين شيء آخر فالاسم مستعار لما أخذ له الشّبه منه، كالنور للعلم والظلمة للجهل، والشمس للوجه الجميل، أو الرجل النبيه الجليل. وإذا لم تكن نسبة الشّبه إلى الشيء على الانفراد، وكان مركّبا من حاله مع غيره، فليس الاسم بمستعار، ولكن مجموع الكلام مثل.
واعلم أن هذه الأمور التي قصدت البحث عنها أمور كأنّها معروفة مجهولة، وذلك أنها معروفة على الجملة، لا ينكر قيامها في نفوس العارفين ذوق الكلام، والمتمهّرين في فصل جيده من رديئه، ومجهولة من حيث لم يتفق فيها أوضاع تجري مجرى القوانين التي يرجع إليها، فتستخرج منها العلل في حسن ما استحسن وقبح ما استهجن، حتى تعلم علم اليقين غير الموهوم، وتضبط ضبط المزموم المخطوم. ولعلّ الملال إن عرض لك، أو النشاط إن فتر عنك، قلت: «ما الحاجة إلى كل هذه الإطالة؟ وإنما يكفي أن يقال: الاستعارة مثل كذا، فتعدّ كلمات، وتنشد أبيات، وهكذا يكفينا المئونة في التشبيه والتمثيل يسير من القول».
فإنك تعلم أن قائلا لو قال: «الخبر مثل قولنا: زيد منطلق»، ورضي به وقنع، ولم تطالبه نفسه بأن يعرف حدّا للخبر، إذا عرفه تميّز في نفسه من سائر الكلام، حتى يمكنه أن يعلم هاهنا كلاما لفظه لفظ الخبر، وليس هو بخبر، ولكنه دعاء كقولنا: «رحمة الله عليه» و «غفر الله له» ولم يجد في نفسه طلبا لأن يعرف أن الخبر هل ينقسم أو لا ينقسم، وأنّ أوّل أمره في القسمة أنه ينقسم إلى جملة من الفعل والفاعل، وجملة من مبتدأ وخبر، وأنّ ما عدا هذا من الكلام لا يأتلف.
نعم، ولم يحبّ أن يعلم أن هذه الجملة يدخل عليها حروف بعضها يؤكّد كونها خبرا، وبعضها يحدث فيها معاني تخرج بها عن الخبرية واحتمال الصدق والكذب.
وهكذا يقول إذا قيل له: «الاسم مثل زيد وعمرو»، اكتفيت ولا أحتاج إلى وصف أو حدّ يميّزه من الفعل والحرف أو حدّ لهما، إذا عرفتهما عرفت أن ما خالفهما هو الاسم، على طريقة الكتّاب، ويقول: «لا أحتاج إلى أن أعرف أنّ الاسم
стр. 187
ينقسم فيكون متمكّنا أو غير متمكّن، والمتمكن يكون منصرفا وغير منصرف، ولا إلى أن أعلم شرح غير المنصرف، الأسباب التسعة التي يقف هذا الحكم على اجتماع سببين منها أو تكرّر سبب في الاسم ولا أنه ينقسم إلى المعرفة والنكرة، وأن «النكرة» ما عمّ شيئين فأكثر، وما أريد به واحد من جنس لا بعينه، و «المعرفة» ما أريد به واحد بعينه أو جنس بعينه على الإطلاق ولا إلى أن أعلم شيئا من الانقسامات التي تجيء في الاسم، كان قد أساء الاختيار، وأسرف في دعوى الاستغناء عما هو محتاج إليه إن أراد هذا النوع من العلم ولئن كان الذي نتكلّف شرحه لا يزيد على مؤدّى ثلاثة أسماء، وهي «التمثيل» و «التشبيه» و «الاستعارة»، فإن ذلك يستدعي جملا من القول يصعب استقصاؤها، وشعبا من الكلام لا يستبين لأول النظر أنحاؤها، إذ قولنا: «شيء»، يحتوي على ثلاثة أحرف، ولكنك إذا مددت يدا إلى القسمة وأخذت في بيان ما تحويه هذه اللفظة، احتجت إلى أن تقرأ أوراقا لا تحصى، وتتجشّم من المشقّة والنظر والتفكير ما ليس بالقليل النزر. و «الجزء الذي لا يتجزّأ»، يفوت العين، ويدقّ عن البصر، والكلام عليه يملأ أجلادا عظيمة الحجم. فهذا مثلك إن أنكرت ما عنيت به من هذا التتبّع، ورأيته من البحث، وآثرته من تجشّم الفكرة وسومها أن تدخل في جوانب هذه المسائل وزواياها، وتستثير كوامنها وخفاياها، فإن كنت ممن يرضى لنفسه أن يكون هذا مثله، وهاهنا محلّه، فعب كيف شئت، وقل ما هويت، وثق بأن الزمان عونك على ما ابتغيت، وشاهدك فيما ادّعيت، وأنك واجد من يصوّب رأيك ويحسّن مذهبك، ويخاصم عنك، ويعادي المخالف لك.
стр. 188
فصل في الأخذ والسرقة وما في ذلك من التعليل، وضروب الحقيقة والتخييل
القسم العقلي
اعلم أن الحكم على الشاعر بأنه أخذ من غيره وسرق، واقتدى بمن تقدّم وسبق، لا يخلو من أن يكون في المعنى صريحا، أو في صيغة تتعلق بالعبارة. ويجب أن نتكلم أوّلا على المعاني، وهي تنقسم أوّلا قسمين: عقليّ وتخييليّ، وكل واحد منهما يتنوّع. فالذي هو «العقلي» على أنواع:
أوّلها: عقليّ صحيح مجراه في الشعر والكتابة والبيان والخطابة، مجرى الأدلّة التي تستنبطها العقلاء، والفوائد
التي تثيرها الحكماء، ولذلك تجد الأكثر من هذا الجنس منتزعا من أحاديث النبي ﷺ وكلام الصحابة ﵃، ومنقولا من آثار السلف الذين شأنهم الصدق، وقصدهم الحقّ، أو ترى له أصلا في الأمثال القديمة والحكم المأثورة عن القدماء، فقوله: [من الطويل]
وما الحسب الموروث لا درّ درّه ... بمحتسب إلّا بآخر مكتسب (١)
ونظائره، كقوله: [من الطويل]
إنّي وإن كنت ابن سيّد عامر ... وفي السّرّ منها والصّريح المهذّب
لما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأمّ ولا أب (٢)
معنى صريح محض يشهد له العقل بالصحة، ويعطيه من نفسه أكرم النّسبة، وتتفق العقلاء على الأخذ به، والحكم بموجبه، في كل جيل وأمّة، ويوجد له أصل
стр. 189
في كل لسان ولغة، وأعلى مناسبة وأنورها، وأجلّها وأفخرها، قول الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات: ١٣]، وقول النبي ﷺ : «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه»، وقوله ﵇: «يا بني هاشم، لا تجيئني الناس بالأعمال وتجيئوني بالأنساب».
وذلك أنه لو كانت القضيّة على ظاهر يغترّ به الجاهل، ويعتمده المنقوص، لأدّى ذلك إلى إبطال النّسب أيضا، وإحالة التكثّر به، والرجوع إلى شرفه، فإن الأوّل لو عدم الفضائل المكتسبة، والمساعي الشريفة، ولم يبن من أهل
زمانه بأفعال تؤثر، ومناقب تدوّن وتسطّر، لما كان أوّلا، ولكان المعلم من أمره مجهلا، ولما تصوّر افتخار الثاني بالانتماء إليه، وتعويله في المفاضلة عليه، ولكان لا يتصوّر فرق بين أن يقول: «هذا أبي، ومنه نسبي»، وبين أن ينسب إلى الطين، الذي هو أصل الخلق أجمعين، ولذلك قال ﷺ : «كلّكم لآدم، وآدم من التراب»، وقال محمد بن الربيع الموصلي (١): [من البسيط]
الناس في صورة التّشبيه أكفاء ... أبوهم آدم والأمّ حوّاء
فإن يكن لهم في أصلها شرف ... يفاخرون به فالطّين والماء
ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلّاء
ووزن كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
فهذا كما ترى باب من المعاني التي تجمع فيها النظائر، وتذكر الأبيات الدالّة عليها، فإنها تتلاقى وتتناظر، وتتشابه وتتشاكل، ومكانه من العقل ما ظهر لك واستبان، ووضح واستنار. وكذلك قوله: [من الطويل] وكل امرئ يولي الجميل محبّب صريح معنى ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يلبسه من اللفظ، ويكسوه من العبارة، وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه، والكشف أو ضدّه، وأصله قول النبي ﷺ : «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها» (٢)، بل قول الله عز
стр. 190
وجل: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت: ٣٤].
وكذا قوله: [من الكامل]
لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى ... حتّى يراق على جوانبه الدّم (١)
معنى معقول لم يزل العقلاء يقضون بصحّته، ويرى العارفون بالسياسة الأخذ بسنّته، وبه جاءت أوامر الله سبحانه، وعليه جرت الأحكام الشرعية والسّنن النبوية، وبه استقام لأهل الدّين دينهم، وانتفى عنهم أذى من
يفتنهم ويضيرهم. إذ كان موضوع الجبلّة على أن لا تخلو الدنيا من الطغاة الماردين، والغواة المعاندين، الذين لا يعون الحكمة فتردعهم، ولا يتصوّرون الرشد فيكفّهم النّصح ويمنعهم، ولا يحسّون بنقائص الغيّ والضلال، وما في الجور والظلم من الضّعة والخبال، فيجدوا لذلك مسّ ألم يحبسهم على الأمر، ويقف بهم عند الزجر، بل كانوا كالبهائم والسّباع، لا يوجعهم إلّا ما يخرق الأبشار من حدّ الحديد، وسطو البأس الشديد، فلو لم تطبع لأمثالهم السيوف، ولم تطلق فيهم الحتوف، لما استقام دين ولا دنيا، ولا نال أهل الشرف ما نالوه من الرتبة العليا، فلا يطيب الشرب من منهل لم تنف عنه الأقذاء، ولا تقرّ الروح في بدن لم تدفع عنه الأدواء.
وكذلك قوله (٢): [من الطويل]
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرّ، كوضع السّيف في موضع الندى
القسم التخييلي
وأما القسم التخييلي، فهو الذي لا يمكن أن يقال إنه صدق، وإنّ ما أثبته ثابت وما نفاه منفيّ. وهو مفتّن المذاهب، كثير المسالك، لا يكاد يحصر إلّا تقريبا،
стр. 191
ولا يحاط به تقسيما وتبويبا. ثم إنه يجيء طبقات، ويأتي على درجات، فمنه ما يجيء مصنوعا قد تلطّف فيه، واستعين عليه بالرفق والحذق، حتى أعطي شبها من الحقّ، وغشي رونقا من الصّدق، باحتجاج تمحّل، وقياس تصنّع فيه وتعمّل، ومثاله قول أبي تمام: [من الكامل]
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالي (١)
فهذا قد خيّل إلى السامع أن الكريم إذا كان موصوفا بالعلوّ، والرّفعة في قدره، وكان الغنى كالغيث في حاجة الخلق
إليه وعظم نفعه، وجب بالقياس أن يزلّ عن الكريم، زليل السّيل عن الطّود العظيم. ومعلوم أنه قياس تخييل وإيهام، لا تحصيل وإحكام، فالعلّة في أن السيل لا يستقرّ على الأمكنة العالية، أن الماء سيّال لا يثبت إلا إذا حصل في موضع له جوانب تدفعه عن الانصباب، وتمنعه عن الانسياب، وليس في الكريم والمال، شيء من هذه الخلال.
وأقوى من هذا في أن يظنّ حقّا وصدقا، وهو على التخيّل قوله: [من البسيط]
الشيب كره، وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود (٢)
هو من حيث الظاهر صدق وحقيقة، لأن الإنسان لا يعجبه أن يدركه الشيب، فإذا هو أدركه كره أن يفارقه، فتراه لذلك ينكره ويتكرّهه على إرادته أن يدوم له، إلا أنك إذا رجعت إلى التحقيق، كانت الكراهة والبغضاء لاحقة للشيب على الحقيقة، فأما كونه مرادا ومودودا، فمتخيّل فيه، وليس بالحقّ والصدق، بل المودود الحياة والبقاء، إلا أنه لما كانت العادة جارية بأنّ في زوال رؤية الإنسان للشيب، زواله عن الدنيا وخروجه منها، وكان العيش فيها محبّبا إلى النفوس، صارت محبّته لما لا يبقى له حتى يبقى الشيب، كأنّها محبّة للشيب.
ومن ذلك صنيعهم إذا أرادوا تفضيل شيء أو نقصه، أو مدحه أو ذمّه، فتعلّقوا ببعض ما يشاركه في أوصاف ليست هي سبب الفضيلة والنقيصة، وظواهر أمور لا تصحّح ما قصدوه من التهجين والتزيين على الحقيقة، كما تراه في باب الشيب والشباب، كقول البحتري: [من الخفيف]
стр. 192
وبياض البازيّ أصدق حسنا ... إن تأمّلت من سواد الغراب (١)
وليس إذا كان البياض في البازي آنق في العين وأخلق بالحسن من السواد في الغراب، وجب لذلك أن لا يذمّ الشيب ولا تنفر منه طباع ذوي الألباب، لأنه ليس الذنب كلّه لتحوّل الصّبغ وتبدّل اللون، ولا أتت الغواني ما أتت من الصدّ والإعراض لمجرّد البياض، فإنهن يرينه في قباطيّ مصر فيأنسن، وفي أنوار الرّوض وأوراق النرجس الغضّ فلا يعبسن، فما أنكرن ابيضاض شعر الفتى لنفس اللون وذاته، بل لذهاب بهجاته، وإدباره في حياته. وإنك لترى الصّفرة الخالصة في أوراق الأشجار المتناثرة عند الخريف وإقبال الشتاء وهبوب الشّمال، فتكرهها وتنفر منها، وتراها بعينها في إقبال الربيع في الزّهر المتفتّق، وفيما ينشئه ويشيه من الديباج المؤنق، فتجد نفسك على
خلاف تلك القضيّة، وتمتلئ من الأريحيّة، ذاك لأنك رأيت اللون حيث النماء والزيادة، والحياة المستفادة، وحيث أبشرت أرواح الرياحين، وبشّرت أنواع التحاسين، ورأيته في الوقت الآخر حين ولّت السعود، واقشعرّ العود، وذهبت البشاشة والبشر، وجاء العبوس والعسر.
هذا، ولو عدم البازي فضيلة أنه جارح، وأنه من عتيق الطير، لم تجد لبياضه الحسن الذي تراه، ولم يكن للمحتجّ به على من ينكر الشيب ويذمّه ما تراه من الاستظهار، كما أنه لولا ما يهدي إليك المسك من ريّاه التي تتطلع إلها الأرواح، وتهشّ لها النفوس وترتاح، ولضعفت حجّة المتعلق به في تفضيل الشّباب. وكما لم تكن العلّة في كراهة الشيب بياضه، ولم يكن هو الذي غضّ عنه الأبصار، ومنحه العيب والإنكار، كذلك لم يحسن سواد الشعر في العيون لكونه سوادا فقط، بل لأنك رأيت رونق الشباب ونضارته، وبهجته وطلاوته ورأيت بريقه وبصيصه يعدانك الإقبال، ويريانك الاقتبال، ويحضرانك الثقة بالبقاء، ويبعدان عنك الخوف من الغناء. وإنّك لترى الرّجل وقد طعن في السنّ وشعره لم يبيضّ، وشيبه لم ينقضّ، ولكنه على ذاك قد عدم إبهاجه الذي كان، وعاد لا يزين كما زان، وظهر فيه من الكمود والجمود، ما يريكه غير محمود.
стр. 193
وهكذا قوله: [من الكامل]
والصّارم المصقول أحسن حالة ... يوم الوغى من صارم لم يصقل
احتجاج على فضيلة الشيب، وأنه أحسن منظرا من جهة التعلق باللون، وإشارة إلى أن السواد كالصدإ على صفحة السيف، فكما أن السيف إذا صقل وجلي وأزيل عنه الصّدأ ونقّي كان أبهى وأحسن، وأعجب إلى الرائي وفي عينه أزين، كذلك يجب أن يكون حكم الشعر في انجلاء صدأ السواد عنه، وظهور بياض الصّقال فيه، وقد ترك أن يفكّر فيما عدا ذلك من المعاني التي لها يكره الشيب، ويناط به العيب.
وعلى هذا موضوع الشعر والخطابة، أن يجعلوا اجتماع الشيئين في وصف علة لحكم يريدونه، وإن لم يكن كذلك في المعقول ومقتضيات العقول، ولا يؤخذ الشاعر بأن يصحّح كون ما جعله أصلا وعلّة كما ادّعاه فيما يبرم أو ينقض من قضيّة، وأن يأتي على ما صيّره قاعدة وأساسا بيّنة عقلية، بل تسلّم مقدّمته التي اعتمدها بيّنة، كتسليمنا
أنّ عائب الشيب لم ينكر منه إلّا لونه، وتناسينا سائر المعاني التي لها كره، ومن أجلها عيب.
وكذلك قول البحتري (١): [من المنسرح]
كلّفتمونا حدود منطقكم ... في الشّعر يكفي عن صدقه كذبه
أراد كلّفتمونا أن نجري مقاييس الشعر على حدود المنطق، ونأخذ نفوسنا فيه بالقول المحقّق، حتى لا ندّعي إلا ما يقول عليه من العقل برهان يقطع به، ويلجئ إلى موجبه. ولا شك أنه إلى هذا النحو قصد، وإيّاه عمد، إذ يبعد أن يريد بالكذب إعطاء الممدوح حظّا من الفضل والسّؤدد ليس له، ويبلّغه بالصفة حظّا من التعظيم ليس هو أهله، وأن يجاوز به من الإكثار محلّه، لأن هذا الكذب لا يبين بالحجج المنطقية، والقوانين العقلية، وإنما يكذّب فيه القائل بالرجوع إلى حال المذكور واختباره فيما وصف به، والكشف عن قدره وخسّته، ورفعته أو ضعته، ومعرفة محلّه ومرتبته.
وكذلك قول من قال: «خير الشعر أكذبه»، فهذا مراده، لأن الشعر لا يكتسب
стр. 194
من حيث هو شعر فضلا ونقصا، وانحطاطا وارتفاعا، بأن ينحل الوضيع صفة من الرفعة هو منها عار، أو يصف الشريف بنقص وعار، فكم جواد بخّله الشعر وبخيل سخّاه؛ وشجاع وسمه بالجبن وجبان ساوى به الليث؛ ودنيّ أوطأه قيّمة العيّوق، وغبيّ قضى له بالفهم، وطائش ادّعى له طبيعة الحكم، ثم لم يعتبر ذلك في الشعر نفسه حيث تنتقد دنانيره وتنشر ديابيجه، ويفتق مسكه فيضوع أريجه.
وأما من قال في معارضة هذا القول: «خير الشعر أصدقه»، كما قال: [من البسيط]
وإنّ أحسن بيت أنت قائله ... بيت يقال إذا أنشدته صدقا (١)
فقد يجوز أن يراد به أن خير الشعر ما دلّ على حكمة يقبلها العقل، وأدب يجب به الفضل، وموعظة تروّض جماح الهوى وتبعث على التقوى، وتبيّن موضع القبح والحسن في الأفعال، وتفصل بين المحمود والمذموم من الخصال، وقد ينحى بها نحو الصدق في مدح الرجال، كما قيل: «كان زهير لا يمدح الرجل إلا بما فيه»، والأول أولى، لأنهما قولان يتعارضان في اختيار نوعي الشعر.
فمن قال: «خيره أصدقه» كان ترك الإغراق والمبالغة والتجوّز إلى التحقيق والتصحيح، واعتماد ما يجرى من العقل على أصل صحيح، أحبّ إليه وآثر عنده، إذ كان ثمره أحلى، وأثره أبقى، وفائدته أظهر، وحاصله أكثر، ومن قال: «أكذبه»، ذهب إلى أن الصنعة إنما تمدّ باعها، وتنشر شعاعها، ويتّسع ميدانها، وتتفرّع أفنانها، حيث يعتمد الاتّساع والتخييل، ويدّعى الحقيقة فيما أصله التقريب والتخيل وحيث يقصد التلطف والتأويل ويذهب بالقول مذهب المبالغة والإغراق في المدح والذمّ والوصف والنعت والفخر والمباهاة وسائر المقاصد والأغراض، وهناك يجد الشاعر سبيلا إلى أن يبدع ويزيد، ويبدي في اختراع الصّور ويعيد، ويصادف مضطربا كيف شاء واسعا، ومددا من المعاني متتابعا، ويكون كالمغترف من عدّ لا ينقطع، والمستخرج من معدن لا ينتهي.
وأما القبيل الأول فهو فيه كالمقصور المدانى قيده، والذي لا تتّسع كيف شاء يده وأيده، ثم هو في الأكثر يسرد على السامعين معاني معروفة وصورا مشهورة، ويتصرّف في أصول هي وإن كانت شريفة، فإنها كالجواهر تحفظ أعدادها، ولا يرجى
стр. 195
ازديادها، وكالأعيان الجامدة التي لا تنمي ولا تزيد، ولا تربح ولا تفيد، وكالحسناء العقيم، والشجرة الرّائقة لا تمتّع بجنى كريم.
هذا ونحوه يمكن أن يتعلّق به في نصرة التخييل وتفضيله، والعقل بعد على تفضيل القبيل الأول وتقديمه وتفخيم قدره وتعظيمه، وما كان العقل ناصره، والتحقيق شاهده، فهو العزيز جانبه، المنيع مناكبه، وقد قيل: «الباطل مخصوم وإن قضي له، والحقّ مفلج وإن قضي عليه». هذا، ومن سلّم أنّ المعاني المعرقة في الصدق، المستخرجة من معدن الحقّ، في حكم الجامد الذي لا ينمي، والمحصور الذي لا يزيد وإن أردت أن تعرف بطلان هذه الدعوى فانظر إلى قول أبي فراس: [من الوافر]
وكنّا كالسهام إذا أصابت ... مراميها فراميها أصابا (١)
ألست تراه عقليّا عريقا في نسبه، معترفا بقوّة سببه، وهو على ذلك من فوائد أبي فراس التي هي أبو عذرها (٢)، والسابق إلى إثارة سرّها.
واعلم أن «الاستعارة» لا تدخل في قبيل «التخييل»، لأن المستعير لا يقصد إلى إثبات معنى اللفظة المستعارة،
وإنما يعمد إلى إثبات شبه هناك، فلا يكون مخبره على خلاف خبره. وكيف يعرض الشكّ في أن لا مدخل للاستعارة في هذا الفنّ، وهي كثيرة في التنزيل على ما لا يخفى، كقوله : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [مريم: ٤]، ثم لا شبهة في أن ليس المعنى على إثبات الاشتعال ظاهرا، وإنما المراد إثبات شبهه. وكذلك قول النبي ﷺ : «المؤمن مرآة المؤمن»، ليس على إثباته مرآة من حيث الجسم الصّقيل، لكن من حيث الشّبه المعقول، وهو كونها سببا للعلم بما لولاها لم يعلم، لأن ذلك العلم طريقه الرؤية، ولا سبيل إلى أن يرى الإنسان وجهه إلا بالمرآة وما جرى مجراها من الأجسام الصّقيلة، فقد جمع بين المؤمن والمرآة في صفة معقولة، وهي أن المؤمن ينصح أخاه ويريه الحسن من القبيح، كما تري المرآة الناظر فيها ما يكون بوجهه من الحسن وخلافه. وكذا قوله ﷺ : «إياكم وخضراء الدّمن»، معلوم أن ليس القصد إثبات معنى ظاهر اللفظين، ولكن الشّبه الحاصل من مجموعهما، وذلك حسن الظاهر مع خبث الأصل.
стр. 196
وإذا كان هذا كذلك، بان منه أيضا أنّ لك مع لزوم الصدق، والثبوت على محض الحقّ، الميدان الفسيح والمجال الواسع، وأن ليس الأمر على ما ظنّه ناصر الإغراق والتخييل الخارج إلى أن يكون الخبر على خلاف المخبر، من أنه إنما يتّسع المقال ويفتنّ، وتكثر موارد الصنعة ويغزر ينبوعها، وتكثر أغصانها وتتشعّب فروعها، إذا بسط من عنان الدعوى، فادّعي ما لا يصحّ دعواه، وأثبت ما ينفيه العقل ويأباه.
وجملة الحديث أن الذي أريده بالتخييل هاهنا، ما يثبت فيه الشاعر أمرا هو غير ثابت أصلا، ويدّعي دعوى لا طريق إلى تحصيلها، ويقول قولا يخدع فيه نفسه ويريها ما لا ترى.
فأمّا الاستعارة، فإن سبيلها سبيل الكلام المحذوف، في أنك إذا رجعت إلى أصله، وجدت قائله وهو يبت أمرا عقليّا صحيحا، ويدّعي دعوى لها سنخ في العقل.
وستمرّ بك ضروب من «التخييل» هي أظهر أمرا في البعد عن الحقيقة، وأكشف وجها في أنه خداع للعقل، وضرب من التزويق، فتزداد استبانة للغرض بهذا الفصل، وأزيدك حينئذ إن شاء الله، كلاما في الفرق بين ما يدخل في حيّز قولهم: «خير الشعر أكذبه»، وبين ما لا يدخل فيه مما يشاركه في أنه اتّساع وتجوّز، فاعرفه.
وكيف دار الأمر، فإنهم لم يقولوا: «خير الشعر أكذبه»، وهم يريدون كلاما غفلا ساذجا يكذب فيه صاحبه ويفرط، نحو أن يصف الحارس بأوصاف الخليفة، ويقول للبائس المسكين: «إنّك أمير العراقين»، ولكن ما فيه صنعة يتعمّل لها، وتدقيق في المعاني يحتاج معه إلى فطنة لطيفة وفهم ثاقب وغوص شديد، والله الموافق للصواب.
وأعود إلى ما كنت فيه من الفصل بين المعنى الحقيقي وغير الحقيقي.
واعلم أن ما شأنه «التخييل»، أمره في عظم شجرته إذا تؤمّل نسبه، وعرفت شعوبه وشعبه، على ما أشرت إليه قبيل، لا يكاد تجيء فيه قسمة تستوعبه، وتفصيل يستغرقه، وإنما الطريق فيه أن يتّبع الشيء بعد الشيء ويجمع ما يحصره الاستقراء.
فالذي بدأت به من دعوى أصل وعلّة في حكم من الأحكام، هما كذلك ما تركت المضايقة، وأخذ بالمسامحة، ونظر إلى الظاهر، ولم ينقّر عن السرائر، وهو النمط العدل والنمرقة الوسطى، وهو شيء تراه كثيرا بالآداب والحكم البريئة من الكذب.
ومن الأمثلة فيه قول أبي تمام (١): [من الخفيف]
إنّ ريب الزمان يحسن أن يه ... دي الرّزايا إلى ذوي الأحساب
стр. 197
فلهذا يجفّ بعد اخضرار ... قبل روض الوهاد روض الرّوابي
وكذا قوله يذكر أنّ الممدوح قد زاده، مع بعده عنه وغيبته، في العطايا على الحاضرين عنده اللّازمين خدمته (١): [من الخفيف]
لزموا مركز النّدى وذراه ... وعدتنا عن مثل ذاك العوادي
غير أنّ الرّبى إلى سبل الأن ... واء أدنى، والحظّ حظّ الوهاد
لم يقصد من الربى هاهنا إلى العلوّ، ولكن إلى الدنوّ فقط، وكذلك لم يرد بذكر الوهاد الضّعة والتّسفّل والهبوط، كما أشار إليه في قوله:
والسّيل حرب للمكان العالي (٢) وإنما أراد أن الوهاد ليس لها قرب الرّبى من فيض الأنواء، ثم إنها تتجاوز الرّبى التي هي دانية قريبة إليها، إلى الوهاد التي ليس لها ذلك القرب.
ومن هذا النّمط، في أنه تخييل شبية بالحقيقة لاعتدال أمره، وأنّ ما تعلّق به من العلّة موجود على ظاهر ما ادّعى،
قوله (٣): [من البسيط]
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إنّ السماء ترجّى حين تحتجب
فاستتار السماء بالغيم هو سبب رجاء الغيث الذي يعدّ في مجرى العادة جودا منها ونعمة، صادرة عنها، كما قال ابن المعتز (٤): [من الخفيف]
ما ترى نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرّياض للأمطار
وهذا نوع آخر، وهو دعواهم في الوصف هو خلقة في الشيء وطبيعة، أو واجب على الجملة، من حيث هو أنّ ذلك الوصف حصل له من الممدوح ومنه استفاده. وأصل هذا التشبيه، ثم يتزايد فيبلغ هذا الحدّ، ولهم فيه عبارات منها قولهم: «إن الشمس تستعير منه النور وتستفيد، أو تتعلّم منه الإشراق وتكتسب منه الإضاءة». وألطف ذلك أن قال: «تسرق»، و «أن نورها مسروق من الممدوح».
وكذلك يقال: «المسك يسرق من عرفه، وأنّ طيبه مسترق منه ومن أخلاقه»، قال ابن بابك: [من الطويل]
стр. 198
ألا يا رياض الحزن من أبرق الحمى ... نسيمك مسروق ووصفك منتحل
حكيت أبا سعد، فنشرك نشره ... ولكن له صدق الهوى، ولك الملل
ونوع آخر، وهو أن يدّعي في الصفة الثانية للشيء أنه إنما كان لعلّة يضعها الشاعر ويختلقها، إمّا لأمر يرجع إلى تعظيم الممدوح، أو تعظيم أمر من الأمور، فمن الغريب في ذلك معنى بيت فارسيّ ترجمته (١): [من البسيط]
لو لم تكن نيّة الجوزاء خدمته ... لما رأيت عليها عقد منتطق
فهذا ليس من جنس ما مضى، أعني ما أصله التشبيه، ثم أريد التناهي في المبالغة والإغراق والإغراب.
ويدخل في هذا الفن قول المتنبي (٢): [من الكامل]
لم تحك نائلك السّحاب، وإنّما ... حمّت به فصبيبها الرّحضاء
لأنه وإن كان أصله التشبيه، من حيث يشبّه الجواد بالغيث، فإنه وضع المعنى وضعا وصوّره في صورة خرج معها إلى ما لا أصل له في التشبيه، فهو كالواقع بين الضربين. وقريب منه في أن أصله التشبيه ثم باعده بالصنعة في تشبيهه وخلع عنه صورته خلعا، قوله: [من الوافر]
وما ريح الرّياض لها، ولكن ... كساها دفنهم في الترب طيبا
ومن لطيف هذا النوع قول أبي العباس الضبّي: [من الكامل]
لا تركننّ إلى الفرا ... ق وإن سكنت إلى العناق
فالشمس عند غروبها ... تصفرّ من فرق الفراق
ادّعى لتعظيم شأن الفراق أنّ ما يرى من الصفرة في الشمس حين يرقّ نورها بدنوّها من الأرض، إنما هو لأنها تفارق الأفق الذي كانت فيه، أو الناس الذين طلعت عليهم وأنست بهم وأنسوا بها وسرّتهم رؤيتها.
ونوع منه قول الآخر: [من الوافر]
قضيب الكرم نقطعه فيبكي ... ولا تبكي وقد قطع الحبيب
стр. 199
وهو منسوب إلى إنشاد الشّبلي، ويقال أيضا أن أبا العباس أخذ معناه في بيته من قول بعض الصّوفية وقيل له: «لم تصفرّ الشمس عند الغروب؟ فقال من حذر الفراق».
ومن لطيف هذا الجنس قول الصّولي: [من الكامل]
الرّيح تحسدني علي ... ك، ولم أخلها في العدا
لمّا هممت بقبلة ... ردت على الوجه الرّدا
وذلك أن الريح إذا كان وجهها نحو الوجه، فواجب في طباعها أن تردّ الرداء عليه، وأن تلفّ من طرفيه، وقد ادّعى أن ذلك منها لحسد بها وغيرة على المحبوبة، وهي من أجل ما في نفسها تحول بينه وبين أن ينال من وجهها.
وفي هذه الطريقة قوله (١): [من المتقارب]
وحاربني فيه ريب الزّمان ... كأنّ الزّمان له عاشق
إلّا أنه لم يضع علّة ومعلولا من طريق النصّ على شيء، بل أثبت محاربة من الزمان في معنى الحبيب، ثم جعل دليلا على علّتها جواز أن يكون شريكا له في عشقه. وإذا حقّقنا لم يجب لأجل أن جعل العشق علّة للمحاربة، وجمع بين الزمان والريح، في ادعاء العداوة لهما أن يتناسب البيتان من طريق الخصوص والتفصيل.
وذاك أن الكلام في وضع الشاعر للأمر الواجب علّة غير معقول كونها علّة لذلك الأمر. وكون العشق علّة للمعاداة في المحبوب معقول معروف غير بدع ولا منكر. فإذا بدأ فادّعى أن الزمان يعاديه ويحاربه فيه، فقد أعطاك أنّ ذلك لمثل هذه العلّة وليس إذا ردّت الريح الرّداء، فقد وجب أن يكون ذلك لعلّة الحسد أو لغيرها، لأن ردّ الرداء شأنها، فاعرفه، فإن من شأن حكم المحصّل أن لا ينظر في تلاقي المعاني وتناظرها إلى جمل الأمور، وإلى الإطلاق والعموم، بل ينبغي أن يدقّق النظر في ذلك، ويراعى التناسب من طريق الخصوص والتفاصيل. فأنت في نحو بيت ابن وهيب تدّعى صفة غير ثابتة، وهي إذا ثبتت اقتضت مثل العلّة التي ذكرها، وفي نحو بيت الريح، تذكر صفة غير ثابتة حاصلة على الحقيقة، ثم تدّعي لها علة من عند نفسك وضعا واختراعا، فافهمه.
стр. 200
وهكذا قول المتنبي (١): [من الطويل]
ملامي النّوى في ظلمها غاية الظّلم ... لعلّ بها مثل الّذي بي من السّقم
فلو لم تغر لم تزو عنّي لقاءكم ... ولو لم تردكم لم تكن فيكم خصمي
الدعوى في إثبات الخصومة، وجعل النّوى كالشيء الذي يعقل ويميّز ويريد ويختار، وحديث الغيرة والمشاركة في هوى الحبيب، يثبت بثبوت ذلك من غير أن يفتقر منك إلى وضع واختراع.
ومما يلحق بالفنّ الذي بدأت به قوله: [من الطويل]
بنفسي ما يشكوه من راح طرفه ... ونرجسه ممّا دهى حسنه ورد
أراقت دمي عمدا محاسن وجهه ... فأضحى وفي عينيه آثاره تبدو
لأنه قد أتى لحمرة العين وهي عارض يعرض لها من حيث هي عين بعلّة يعلم أنها مخترعة موضوعة، فليس ثمّ
إراقة دم. وأصل هذا قول ابن المعتزّ: [من المنسرح]
قالوا اشتكت عينه فقلت لهم ... من كثرة القتل نالها الوصب
حمرتها من دماء من قتلت ... والدّم في النّصل شاهد عجب
وبين هذا الجنس وبين نحو: «الرّيح تحسدني»، فرق، وذلك أن لك هناك فعلا هو ثابت واجب في الريح، وهو ردّ الرداء على الوجه، ثم أحببت أن تتطرّف، فادّعيت لذلك الفعل علّة من عند نفسك. وأما هاهنا فنظرت إلى صفة موجودة، فتأوّلت فيها أنها صارت إلى العين من غيرها، وليست هي التي من شأنها أن تكون في العين، فليس معك هنا إلا معنى واحد، وأما هناك فمعك معنيان: أحدهما موجود معلوم، والآخر مدّعى موهوم، فاعرفه.
وممّا يشبه هذا الفنّ الذي هو تأوّل في الصفة فقط، من غير أن يكون معلول وعلّة، ما تراه من تأوّلهم في الأمراض والحمّيات أنها ليست بأمراض، ولكنها فطن ثاقبة وأذهان متوقّدة وعزمات، كقوله (٢): [من الطويل]
وحوشيت أن تضرى بجسمك علّة ... ألا إنّها تلك العزوم الثّواقب
стр. 201
وقال ابن بابك: [من الوافر]
فترت وما وجدت أبا العلاء ... سوى فرط التوقّد والذّكاء
ولكشاجم، يقوله في علي بن سليمان الأخفش: [من الرمل]
ولقد أخطأ قوم زعموا ... أنها من فضل برد في العصب
هو ذاك الذّهن أذكى ناره ... والمزاج المفرط الحرّ التهب
ولا يكون قول المتنبي (١): [من الكامل]
ومنازل الحمّى الجسوم، فقل لنا: ... ما عذرها في تركها خيراتها
أعجبتها شرفا فطال وقوفها ... لتأمّل الأعضاء لا لأذاتها
من هذا في شيء، بأكثر من أن كلا القولين في ذكر الحمّى، وفي تطييب النفس عنها، فهو اشتراك في الغرض
والجنس، فأما في عمود المعنى وصورته الخاصة فلا، لأن المتنبي لم ينكر أنه ما يجده الممدوح حمّى كما أنكره الآخر، ولكنّه كأنه سأل نفسه: كيف اجترأت الحمّى على الممدوح، مع جلالته وهيبته، أم كيف جاز أن يقصد شيء إلى أذاه مع كرمه ونبله، وأن المحبّة من النفوس مقصورة عليه؟
فتحمّل لذلك جوابا، ووضع للحمّى فيما فعلته من الأذى عذرا، وهو تصريح ما اقتصر فيه على التعجّب في قوله (٢): [من الوافر]
أيدري ما أرابك من يريب ... وهل ترقى إلى الفلك الخطوب؟
وجسمك فوق همّة كلّ داء ... فقرب أقلّها منه عجيب!
إلا أن ذلك الإيهام أحسن من هذا البيان، وذلك التعجّب موقوفا غير مجاب، أولى بالإعجاب، وليس كل زيادة تفلح، وكل استقصاء يملح.
ومن واضح هذا النوع وجيّده قول ابن المعتزّ: [من الكامل]
صدّت سرير وأزمعت هجري ... وصغت ضمائرها إلى الغدر (٣)
стр. 202
قالت: كبرت وشبت! قلت لها: ... هذا غبار وقائع الدّهر
ألا تراه أنكر أن يكون الذي بدا به شيبا، ورأى الاعتصام بالجحد أخصر طريقا إلى نفي العيب وقطع الخصومة، ولم يسلك الطريقة العامّية فيثبت المشيب، ثم يمنع العائب أن يعيب، ويريه الخطأ في عيبه به، ويلزمه المناقضة في
مذهبه، كنحو ما مضى، أعني كقول البحتري: «وبياض البازيّ».
وهكذا إذا تأوّلوا في الشيب أنه ليس بابيضاض الشعر الكائن في مجرى العادة وموضوع الخلقة، ولكنه نور العقل والأدب قد انتشر، وبان وجهه وظهر، كقول الطائي الكبير: [من البسيط]
ولا يروّعك إيماض القتير به ... فإنّ ذاك ابتسام الرّأي والأدب
وينبغي أن تعلم أنّ باب التشبيهات قد حظي من هذه الطريقة بضرب من السّحر، لا تأتي الصفة على غرابته، ولا يبلغ البيان كنه ما ناله من اللّطف والظّرف، فإنه قد بلغ حدّا يرد المعروف في طباع الغزل، ويلهى الثّكلان من الثّكل، وينفث في عقد الوحشة، وينشد ما ضلّ عنك من المسرّة، ويشهد للشّعر بما يطيل لسانه في الفخر، ويبين جملة ما للبيان من القدرة والقدر.
فمن ذلك قول ابن الرومي: [من الكلام]
خجلت خدود الورد من تفضيله ... خجلا تورّدها عليه شاهد
لم يخجل الورد المورّد لونه ... إلّا وناحله الفضيلة عاند
للنرجس الفضل المبين وإن أبى ... آب وحاد عن الطريقة حائد
فصل القضية أنّ هذا قائد ... زهر الرياض وأنّ هذا طارد
شتّان بين اثنين: هذا موعد ... بتسلّب الدّنيا، وهذا واعد (١)
ينهى النديم عن القبيح بلحظه، ... وعلى المدامة والسماع مساعد
اطلب بعفوك في الملاح سميّه ... أبدا، فإنك لا محالة واجد
والورد إن فكّرت فرد في اسمه ... ما في الملاح له سميّ واحد
стр. 203
هذي النجوم هي التي ربّتهما ... بحيا السحاب كما يربّي الوالد
فانظر إلى الأخوين من أدناهما ... شبها بوالده، فذاك الماجد
أين الخدود من العيون نفاسة ... ورئاسة، لولا القياس الفاسد
وترتيب الصنعة في هذه القطعة، أنه عمل أوّلا على قلب طرفي التشبيه، كما مضى في فصل التشبيهات، فشبّه
حمرة الورد بحمرة الخجل، ثم تناسى ذلك وخدع عنه نفسه، وحملها على أن تعتقد أنه خجل على الحقيقة. ثم لما اطمأنّ ذلك في قلبه واستحكمت صورته، طلب لذلك الخجل علّة، فجعل علّته أن فضّل على النرجس، ووضع في منزلة ليس يرى نفسه أهلا لها، فصار ينوب (١) من ذلك، ويتخوّف عيب العائب، وغميزة المستهزئ. ويجد ما يجد من مدح مدحة يظهر الكذب فيها ويفرط، حتى تصير كالهزء بمن قصد بها. ثم زادته الفطنة الثاقبة والطبع المثمر في سحر البيان، ما رأيت من وضع حجاج في شأن النرجس، وجهة استحقاقه الفضل على الورد، فجاء بحسن وإحسان لا تكاد تجد مثله إلّا له.
ومما هو خليق أن يوضع في منزلة هذه القطع، ويلحق بها في لطف الصنعة، قول أبي هلال العسكري: [من الكامل]
زعم البنفسج أنّه كعذاره ... حسنا، فسلّوا من قفاه لسانه
لم يظلموا في الحكم إذ مثلوا به، ... فلشدّ ما رفع البنفسج شانه (٢)
وقد اتفق للمتأخرين من المحدثين في هذا الفن نكت ولطائف، وبدع وظرائف، لا يستكثر لها الكثير من الثّناء، ولا يضيق مكانها من الفضل عن سعة الإطراء، فمن ذلك قول ابن نباتة في صفة الفرس: [من الوافر]
وأدهم يستمدّ الليل منه ... وتطلع بين عينيه الثّريّا
سرى خلف الصّباح يطير مشيا ... ويطوي خلفه الأفلاك طيّا
فلمّا خاف وشك الفوت منه ... تشبّث بالقوائم والمحيّا
وأحسن من هذا وأحكم صنعة قوله في قطعة أخرى: [من الكامل]
فكأنما لطم الصباح جبينه ... فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
стр. 204
وأول القطعة (١):
قد جاءنا الطّرف الذي أهديته ... هاديه يعقد أرضه بسمائه (٢)
أولاية ولّيتنا فبعثته ... رمحا سبيب العرف عقد لوائه (٣)
نختال منه على أغرّ محجّل ... ماء الدّياجي قطرة من مائه (٤)
وكأنما لطم الصّباح جبينه ... فاقتصّ منه وخاض في أحشائه
متمهّلا والبرق من أسمائه، ... متبرقعا والحسن من أكفائه
ما كانت النّيران يكمن حرّها ... لو كان للنّيران بعض ذكائه
لا تعلق الألحاظ في أعطافه ... إلّا إذا كفكفت من غلوائه
لا يكمل الطرف المحاسن كلّها ... حتّى يكون الطّرف من أسرائه (٥)
ومما له في التفضيل الفضل الظاهر لحسن الإبداع، مع السلامة من التكلّف، قوله (٦): [من الطويل]
كأنّ بها من شدة الجري جنّة ... وقد ألبستهنّ الرّياح سلاسلا
стр. 205
وإنما ساعده التوفيق، من حيث وطّئ له من قبل الطريق، فسبق العرف بتشبيه الحبك على صفحات الغدران بحلق
الدروع، فتدرّج من ذلك إلى أن جعلها سلاسل، كما فعل ابن المعتزّ في قوله: [من الطويل]
وأنهار ماء كالسلاسل فجرّت ... لترضع أولاد الرياحين والزهر
ثم أتمّ الحذق بأن جعل للماء صفة تقتضي أن يسلسل، وقرب مأخذ ما حاول عليه، فإن شدة الحركة وفرط سرعتها من صفات الجنون، كما أن التمهّل فيها والتأنّي من أوصاف العقل.
ومن هذا الجنس قول ابن المعتزّ في السيف، في أبيات قالها في الموفّق، وهي:
[من السريع]
وفارس أغمد في جنّة ... تقطّع السيف إذا ما ورد
كأنها ماء عليه جرى ... حتى إذا ما غاب فيه جمد
في كفّه عضب إذا هزّه ... حسبته من خوفه يرتعد
فقد أراد أن يخترع لهزّة السيف علّة، فجعلها رعدة تناله من خوف الممدوح وهيبته.
ويشبه أن يكون ابن بابك نظر إلى هذا البيت وعلّق منه الرعدة في قوله: [من المتقارب]
فإن عجمتني نيوب الخطوب ... وأوهى الزمان قوى منّتي
فما اضطرب السيف من خيفة، ... ولا أرعد الرمح من قرّة
إلا أنه ذهب بها في أسلوب آخر، وقصد إلى أن يقول: إنّ كون حركات الرمح في ظاهر حركة المرتعد، لا يوجب أن يكون ذلك من آفة وعارض، وكأنه عكس القضيّة فأبى أن تكون صفة المرتعد في الرمح للعلل التي لمثلها تكون في الحيوان.
وأمّا ابن المعتزّ فحقّق كونها في السيف على حقيقة العلّة التي لها تكون في الحيوان، فاعرفه.
وقد أعاد هذا الارتعاد على الجملة التي وصفت لك، فقال: [من السريع]
قالوا: طواه حزنه فانحنى ... فقلت، والشكّ عدوّ اليقين
ما هيف النّرجس من صبوة ... ولا الضنى في صفرة الياسمين
стр. 206
ولا ارتعاد السّيف من قرّة ... ولا انعطاف الرمح من فرط لين
ومما حقّه أن يكون طرازا في هذا النوع قول البحتري: [من الخفيف]
يتعثّرن في النّحور وفي الأو ... جه سكرا لمّا شربن الدماء
جعل فعل الطاعن بالرماح تعثّرا منها، كما جعل ابن المعتزّ تحريكه للسيف وهزّه له ارتعادا، ثم طلب للتعثّر علّة،
كما طلب هو للارتعاد، فاعرفه.
ومن هذا الباب قول علبة: [من الخفيف]
وكأن السّماء صاهرت الأر ... ض فصار النّثار من كافور
وقول أبي تمام: [من الطويل]
كأنّ السحاب الغرّ غيّبن تحتها ... حبيبا فما ترقا لهنّ مدامع
وقول السريّ يصف الهلال: [من المنسرح]
جاءك شهر السّرور شوّال ... وغال شهر الصّيام مغتال
ثم قال:
كأنه قيد فضّة حرج ... فضّ عن الصائمين فاختالوا
كل واحد من هؤلاء قد خدع نفسه عن التشبيه وغالطها، وأوهم أن الذي جرى العرف بأن يؤخذ منه الشّبه قد حضر وحصل بحضرتهم على الحقيقة، ولم يقتصر على دعوى حصوله حتى نصب له علّة، وأقام عليه شاهدا. فأثبت علبة زفافا بين السماء والأرض، وجعل أبو تمام للسحاب حبيبا قد غيّب في التراب، وادّعى السريّ أن الصائمين كانوا في قيد، وأنه كان حرجا، فلما فضّ عنهم انكسر بنصفين، أو اتسع فصار على شكل الهلال. والفرق بين بيت السريّ وبيتي الطائيّين، أن تشبيه الثلج بالكافور معتاد عامّيّ جار على الألسن، وجعل القطر الذي ينزل من السحاب دموعا، ووصف السحاب والسماء بأنها تبكي، كذلك، فأمّا تشبيه الهلال بالقيد فغير معتاد نفسه إلّا أنّ نظيره معتاد، ومعناه من حيث الصورة موجود، وأعني بالنظير ما مضى من تشبيه الهلال بالسّوار المنفصم، كما قال: [من الرمل]
حاكيا نصف سوار ... من نضار يتوقّد
وكما قال السري نفسه: [من الوافر]
ولاح لنا الهلال كشطر طوق ... على لبّات زرقاء اللباس
стр. 207
إلا أنه ساذج لا تعليل فيه يجب من أجله أن يكون سوارا أو طوقا، فاعرفه.
ورأيت بعضهم ذكر بيت السريّ الذي هو:
كأنّه قيد فضّة حرج مع أبيات شعر جمعه إليها، أنشد قطعة ابن الحجاج (١): [من الكامل]
يا صاحب البيت الّذي ... قد مات ضيفاه جميعا
ما لي أرى فلك الرّغي ... ف لديك مشترفا رفيعا
كالبدر لا نرجو إلى ... وقت المساء له طلوعا
ثم قال: إنّه شبّه الرغيف بالبدر، لعلّتين: إحداهما: الاستدارة، والثانية: طلوعه مساء، قال: وخير التشبيه ما جمع معنيين، كقول ابن الرومي (٢): [من مجزوء الرمل]
يا شبيه البدر في الحس ... ن وفي بعد المنال
جد فقد تنفجر الصّ ... خرة بالماء الزّلال
وأنشد أيضا لإبراهيم بن المهدي (٣): [من الكامل]
ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النّازع
ثم قال: ومثله قول السّري:
كأنه قيد فضّة حرج وهو لا يشبه ما ذكره، إلا أن يذهب إلى حديث أنه أفاد شكل الهلال بالقيد المفضوض، ولونه بالفضة، فأمّا إن قصد النكتة التي هي موضع الإغراب، فلا يستقيم الجمع بينه وبين ما أنشد، لأن شيئا من تلك الأبيات لا يتضمّن تعليلا، وليس فيها أكثر من ضمّ شبه إلى شبه، كالحنين والانحناء من القوس، والاستدارة والطلوع مساء من البدر، وليس أحد المعنيين بعلّة للآخر، كيف؟ ولا حاجة بواحد من الشبهين المذكورين إلى تصحيح غيره له.
стр. 208
ومما هو نظير لبيت السريّ وعلى طريقة قول ابن المعتزّ (١): [من المتقارب]
سقاني وقد سلّ سيف الصبا ... ح، والليل من خوفه قد هرب
لم يقنع هاهنا بالتشبيه الظّاهر والقول المرسل، كما اقتصر في قوله (٢): [من السريع]
حتى بدا الصباح من نقاب ... كما بدا المنصل من قراب
وقوله (٣): [من الكامل]
أمّا الظلام فحين رقّ قميصه ... وأتى بياض الصّبح كالسّيف الصّدي
ولكنه أحبّ أن يحقّق دعواه أنّ هناك سيفا مسلولا، ويجعل نفسه كأنها لا تعلم أن هاهنا تشبيها، وأنّ القصد إلى لون البياض في الشكل المستطيل، فتوصّل إلى ذلك بأن جعل الظّلام كالعدوّ المنهزم الذي سلّ السّيف في قفاه، فهو يهرب مخافة أن يضرب به.
ومثل هذا في أن جعل الليل يخاف الصبح، لا في الصنعة التي أنا في سياقها، قوله: [من الطويل]
سبقنا إليها الصّبح وهو مقنّع ... كمين، وقلب اللّيل منه على حذر
وقد أخذ الخالديّ بيته الأوّل أخذا، فقال: [من المنسرح]
والصّبح قد جرّدت صوارمه ... والليل قد همّ منه بالهرب
وهذه قطعة لابن المعتزّ، بيت منها هو المقصود: [من الكامل]
وانظر إلى دنيا ربيع أقبلت ... مثل البغيّ تبرّجت لزناة
جاءتك زائرة كعام أوّل ... وتلبّست وتعطّرت بنبات
وإذا تعرّى الصبح من كافوره ... نطقت صنوف طيورها بلغات
والورد يضحك من نواظر نرجس ... قذيت، وآذن حيّها بممات
هذا البيت الأخير هو المراد، وذلك أن الضحك في الورد وكلّ ريحان ونور يتفتّح، مشهور معروف، وقد علّله في هذا البيت، وجعل الورد كأنه يعقل ويميّز،
стр. 209
فهو يشمت بالنرجس لانقضاء مدّته وإدبار دولته، وبدوّ أمارات الفناء فيه، وأعاد هذا الضحك من الورد فقال: [من الخفيف]
ضحك الورد في قفا المنثور ... واسترحنا من رعدة المقرور
أراد إقبال الصيف وحرّ الهواء، ألا تراه قال بعده:
واستطبنا المقيل في برد ظلّ ... وشممنا الرّيحان بالكافور
فالرحيل الرحيل يا عسكر الل ... ذّات عن كلّ روضة وغدير
فهذا من شأن الورد الذي عابه به ابن الرومي في قوله:
فصل القضية أن هذا قائد ... زهر الرياض وأن هذا طارد
وقد جعله ابن المعتز لهذا الطّرد ضاحكا ضحك من استولى وظفر وابتزّ غيره على ولاية الزّمان واستبدّ بها.
ومما يشوب الضحك فيه شيء من التّعليل قوله أيضا: [من الكامل]
مات الهوى منّي وضاع شبابي ... وقضيت من لذّاته آرابي
وإذا أردت تصابيا في مجلس ... فالشّيب يضحك بي مع الأحباب
لا شكّ أن لهذا الضحك زيادة معنى ليست للضحك في نحو قول دعبل: [من الكامل] ضحك المشيب برأسه فبكى وما تلك الزيادة إلا أنه جعل المشيب يضحك ضحك المتعجّب من تعاطي الرجل ما لا يليق به، وتكلّفه الشيء ليس هو من أهله، وفي ذلك ما ذكرت من إخفاء صورة التشبيه، وأخذ النفس بتناسيه، وهكذا قوله: [من الرجز]
لمّا رأونا في خميس يلتهب ... في شارق يضحك من غير عجب
كأنّه صبّ على الأرض ذهب ... وقد بدت أسيافنا من القرب
حتّى تكون لمناياهم سبب ... نرفل في الحديد والأرض تجب
وحنّ شريان ونبع فاصطخب ... تترّسوا من القتال بالهرب
المقصود قوله: «يضحك من غير عجب»، وذاك أنّ نفيه العلّة إشارة إلى أنه من جنس ما يعلّل، وأنّه ضحك قطعا وحقيقة. ألا ترى أنّك لو رجعت إلى صريح التشبيه
стр. 210
فقلت: «هيئته في تلألؤه كهيئة الضاحك»، ثم قلت: «من غير عجب»، قلت قولا غير مقبول. واعلم أنك إن عددت قول
بعض العرب: [من الرجز]
ونثرة تهزأ بالنّصال ... كأنّها من خلع الهلال
الهلال الحيّة هاهنا، واللام للجنس في هذا القبيل، لم يكن لك ذلك.
فصل نوع آخر في التعليل
وهذا نوع آخر في التعليل وهو أن يكون للمعنى من المعاني والفعل من الأفعال علّة مشهورة من طريق العادات والطباع، ثم يجيء الشاعر فيمنع أن تكون لتلك المعروفة، ويضع له علّة أخرى. مثاله قول المتنبي: [من الرمل]
ما به قتل أعاديه ولكن ... يتّقي إخلاف ما ترجو الذئاب
الذي يتعارفه الناس أن الرجل إذا قتل أعاديه فلإرادته هلاكهم، وأن يدفع مضارّهم عن نفسه، وليسلم ملكه ويصفو من منازعاتهم، وقد ادّعى المتنبي كما ترى أن العلة في قتل هذا الممدوح لأعدائه غير ذلك.
واعلم أن هذا لا يكون حتى يكون في استئناف هذه العلّة المدّعاة فائدة شريفة فيما يتصل بالممدوح، أو يكون لها تأثير في الذمّ، كقصد المتنبي هاهنا في أن يبالغ في وصفه بالسّخاء والجود، وأنّ طبيعة الكرم قد غلبت عليه، ومحبّته أن يصدّق رجاء الراجين، وأن يجنّبهم الخيبة في آمالهم، قد بلغت به هذا الحدّ. فلما علم أنه إذا غدا للحرب غدت الذئاب تتوقّع أن يتسع عليها الرزق، ويخصب لها الوقت من قتلى عداه، كره أن يخلفها، وأن يخيّب رجاءها ولا يسعفها. وفيه نوع آخر من المدح، وهو أنه يهزم العدى ويكسرهم كسرا لا يطمعون بعده في المعاودة، فيستغني بذلك عن قتلهم وإراقة دمائهم، وأنه ليس ممن يسرف في القتل طاعة للغيظ والحنق، ولا يعفو إذا قدر، وما يشبه هذه الأوصاف الحميدة، فاعرفه.
ومن الغريب في هذا الجنس على تعمّق فيه، قول أبي طالب المأموني في قصيدة يمدح بها بعض الوزراء ببخارى: [من الخفيف]
مغرم بالثناء، صبّ بكسب ال ... مجد، يهتزّ للسّماح ارتياحا
стр. 211
لا يذوق الإغفاء إلّا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا
وكأنه شرط الرّواح على معنى أن العفاة والرّاجين إنّما يحضرونه في صدر النهار على عادة السلاطين. فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من أوقات الإذن قلّوا، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم. والإفراط في التعمّق ربما أخلّ بالمعنى من حيث يراد تأكيده به، ألا ترى أن هذا الكلام قد يوهم أنه يحتجّ له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخذ عطائه، وأنه ليس في طبقة من قيل فيه: [من الطويل]
عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير، وما كلّ العطاء يزين
وممّا يدفع عنه الاعتراض ويوجب قلّة الاحتفال به، أن الشاعر يهمّه أبدا إثبات ممدوحه جوادا أو توّاقا إلى السّؤّال فرحا بهم، وأن يبرّئه من عبوس البخيل وقطوب المتكلّف في البذل، الذي يقاتل نفسه عن ماله حتى يقال: «جواد»، ومن يهوى الثّناء والثّراء معا، ولا يتمكّن في نفسه معنى قول أبي تمام: [من الطويل]
ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... ولا المجد في كفّ امرئ والدراهم
فهو يسرع إلى استماع المدائح، ويبطئ عن صلة المادح. نعم، فإذا سلّم للشاعر هذا الغرض، لم يفكر في خطرات الظنون.
وقد يجوز شيء من الوهم الذي ذكرته على قول المتنبي: [من البسيط]
يعطي المبشّر بالقصّاد قبلهم ... كمن يبشّره بالماء عطشانا
وهذا شيء عرض، ولاستقصائه موضع آخر، إن وفّق الله.
وأصل بيت «الطيف المستميح»، من نحو قوله: [من الطويل]
وإنّي لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا
وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضا من باب ما استؤنف له علّة غير معروفة، إلّا أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة، وذلك أنه قد يتصوّر أن يريد المغرم المتيّم، إذا بعد عهده بحبيبه، أن يراه في المنام، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصّة، فاعرفه.
ومما يلحق بهذا الفصل قوله (١): [من الكامل]
رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع
стр. 212
وذلك أنه علّل تصعّد الأنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة، وترك ما هو المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه، وهو التحسّر والتأسّف. والمعنى: رحل عنّي العزاء بارتحالي عنكم، أي: عنده ومعه أو به وبسببه، فكأنه لما كان محلّ الصبر الصّدر، وكانت الأنفاس تتصعّد منه أيضا، صار العزاء وتنفّس الصّعداء كأنهما نزيلان ورفيقان، فلما رحل ذاك، كان حقّ هذا أن يشيّعه قضاء لحق الصّحبة.
ومما يلاحظ هذا النوع، يجري في مسلكه وينتظم في سلكه، قول ابن المعتز (١):
[من المنسرح]
عاقبت عيني بالدّمع والسّهر ... إذ غار قلبي عليك من بصري
واحتملت ذاك وهي رابحة ... فيك، وفازت بلذّة النّظر
وذاك أن العادة في دمع العين وسهرها أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب، أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب. وقد ترك ذلك كله كما ترى، وادّعى أن العلة ما ذكره من غيرة القلب منها على الحبيب وإيثاره أن يتفرّد برؤيته، وأنه بطاعة القلب وامتثال رسمه، رام للعين عقوبة، فجعل ذاك أن أبكاها، ومنعها النوم وحماها.
وله أيضا في عقوبة العين بالدّمع والسهر، من قصيدة أوّلها (٢): [من الخفيف]
قل لأحلى العباد شكلا وقدّا ... أبجدّ ذا الهجر أم ليس جدّا
ما بذا كانت المنى حدّثتني ... لهف نفسي أراك قد خنت ودّا
ما ترى في متيّم بك صبّ ... خاضع لا يرى من الذلّ بدّا
إن زنت عينه بغيرك فاضرب ... ها بطول السهاد والدّمع حدّا
قد جعل البكاء والسهاد عقوبة على ذنب أثبته للعين، كما فعل في البيت الأول، إلا أنّ صورة الذنب هاهنا غير صورته هناك. فالذنب هاهنا نظرها إلى غير الحبيب، واستجازتها من ذلك ما هو محرّم محظور والذنب هناك نظرها إلى الحبيب
стр. 213
نفسه، ومزاحمتها القلب في رؤيته، وغيرة القلب من العين سبب العقوبة هناك، فأمّا هاهنا فالغيرة كائنة بين الحبيب وبين شخص آخر، فاعرفه.
ولا شبهة في قصور البيت الثاني عن الأول، وأنّ للأوّل عليه فضلا كبيرا، وذلك بأن جعل بعضه يغار من بعض، وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه، وهو تمام الظّرف واللطف. فأمّا الغيرة في البيت الآخر، فعلى ما
يكون أبدا. هذا، ولفظ «زنت»، وإن كان ما يتلوها من أحكام الصنعة يحسّنها، وورودها في الخبر «العين تزني»، ويؤنس بها، فليست تدع ما هو حكمها من إدخال نفرة على النفس.
وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة وأظرفها، فانظر إلى قول القائل (١): [من المتقارب]
أتتني تؤنّبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها
تقول، في قولها حشمة: ... أتبكي بعين تراني بها؟
فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدّموع بتأديبها
أعطاك بلفظة التأديب، حسن أدب اللبيب، في صيانة اللّفظ عما يحوج إلى الاعتذار، ويؤدّي إلى النّفار، إلا أن الأستاذية بعد ظاهرة في بيت ابن المعتز. وليس كل فضيلة تبدو مع البديهة، بل بعقب النّظر والرويّة، وبأن يفكّر في أول الحديث وآخره. وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم شأن الذنب، من ذكر الحدّ، وأنّ ذلك لا يتمّ له إلّا بلفظة «زنت»، ومن هذه الجهة يلحق الضّيم كثيرا من شأنه وطريقه طريق أبي تمام، ولم يكن من المطبوعين.
وموضع البسط في ذلك غير هذا، فغرضي الآن أن أريك أنواعا من التخييل، وأضع شبه القوانين ليستعان بها على ما يراد بعد من التفصيل والتبيين.
стр. 214
فصل في تخييل بغير تعليل
وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلى ما مضى من تناسي التّشبيه وصرف النفس عن توهّمه، إلا أنّ ما مضى معلّل، وهذا غير معلّل.
بيان ذلك أنهم يستعيرون الصّفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة، ثم تراهم كأنهم قد
وجدوا تلك الصفة بعينها، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأنّ حديث الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال، ولم يروه ولا طيف خيال.
ومثاله استعارتهم «العلوّ» لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان، ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان. ألا ترى إلى قول أبي تمام (١):
[من المتقارب]
ويصعد حتّى يظنّ الجهول ... بأنّ له حاجة في السماء
فلولا قصده أن ينسي الشبيه ويرفعه بجهده، ويصمّم على إنكاره وجحده، فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية، لما كان لهذا الكلام وجه.
ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي (٢): [من الخفيف]
أعلم الناس بالنجوم بنو نو ... بخت علما لم يأتهم بالحساب
بل بأن شاهدوا السّماء سموّا ... بترقّ في المكرمات الصّعاب
مبلغ لم يكن ليبلغه الطا ... لب إلّا بتلكم الأسباب
стр. 215
وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قوّة، ومرّ فيها مرور من يقول صدقا ويذكر حقّا (١): [من المنسرح]
يا آل نوبخت لا عدمتكم ... ولا تبدّلت بعدكم بدلا
إن صحّ علم النجوم، كان لكم ... حقّا، إذا ما سواكم انتحلا
كم عالم فيكم وليس بأن ... قاس، ولكن بأن رقي فعلا
أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا
شافهتم البدر بالسّؤال عن ال ... أمر إلى أن بلغتم زحلا
وهكذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ، ويصوغون الكلام صياغات تقضي بأن لا تشبيه هناك ولا استعارة، مثاله قوله (٢): [من الكامل]
قامت تظلّلني من الشمس ... نفس أعزّ عليّ من نفسي
قامت تظلّلني ومن عجب ... شمس تظلّلني من الشّمس
فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة ومجازا من القول، وعمل على دعوى شمس على الحقيقة، لما كان لهذا التعجّب معنى، فليس ببدع ولا منكر أن يظلّل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه.
وهكذا قول البحتري (٣): [من الطويل]
طلعت لهم وقت الشّروق فعاينوا ... سنا الشّمس من أفق ووجهك من أفق
وما عاينوا شمسين قبلهما التقى ... ضياؤهما وفقا، من الغرب والشّرق
معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط، ولم تجر العادة به. ولم يتمّ للتعجّب معناه الذي عناه، ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ، حتى يجترئ على الدّعوى جرأة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر، ولا يحفل بتكذيب الظاهر له، ويسوم النفس، شاءت أم أبت، تصوّر شمس ثانية طلعت من