← Баляга

Баляга · id 17387

أسرار البلاغة - ت هنداوي

عبد القاهر الجرجاني

Полный текст (294 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لا يذوق الإغفاء إلّا رجاء ... أن يرى طيف مستميح رواحا وكأنه شرط الرّواح على معنى أن العفاة والرّاجين إنّما يحضرونه في صدر النهار على عادة السلاطين. فإذا كان الرواح ونحوه من الأوقات التي ليست من أوقات الإذن قلّوا، فهو يشتاق إليهم فينام ليأنس برؤية طيفهم. والإفراط في التعمّق ربما أخلّ بالمعنى من حيث يراد تأكيده به، ألا ترى أن هذا الكلام قد يوهم أنه يحتجّ له أنه ممن لا يرغب كل واحد في أخذ عطائه، وأنه ليس في طبقة من قيل فيه: [من الطويل] عطاؤك زين لامرئ إن أصبته ... بخير، وما كلّ العطاء يزين وممّا يدفع عنه الاعتراض ويوجب قلّة الاحتفال به، أن الشاعر يهمّه أبدا إثبات ممدوحه جوادا أو توّاقا إلى السّؤّال فرحا بهم، وأن يبرّئه من عبوس البخيل وقطوب المتكلّف في البذل، الذي يقاتل نفسه عن ماله حتى يقال: «جواد»، ومن يهوى الثّناء والثّراء معا، ولا يتمكّن في نفسه معنى قول أبي تمام: [من الطويل] ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... ولا المجد في كفّ امرئ والدراهم فهو يسرع إلى استماع المدائح، ويبطئ عن صلة المادح. نعم، فإذا سلّم للشاعر هذا الغرض، لم يفكر في خطرات الظنون. وقد يجوز شيء من الوهم الذي ذكرته على قول المتنبي: [من البسيط] يعطي المبشّر بالقصّاد قبلهم ... كمن يبشّره بالماء عطشانا وهذا شيء عرض، ولاستقصائه موضع آخر، إن وفّق الله. وأصل بيت «الطيف المستميح»، من نحو قوله: [من الطويل] وإنّي لأستغشي وما بي نعسة ... لعل خيالا منك يلقى خياليا وهذا الأصل غير بعيد أن يكون أيضا من باب ما استؤنف له علّة غير معروفة، إلّا أنه لا يبلغ في القوة ذلك المبلغ في الغرابة والبعد من العادة، وذلك أنه قد يتصوّر أن يريد المغرم المتيّم، إذا بعد عهده بحبيبه، أن يراه في المنام، وإذا أراد ذلك جاز أن يريد النوم له خاصّة، فاعرفه. ومما يلحق بهذا الفصل قوله (١): [من الكامل] رحل العزاء برحلتي فكأنني ... أتبعته الأنفاس للتشييع

стр. 212

وذلك أنه علّل تصعّد الأنفاس من صدره بهذه العلة الغريبة، وترك ما هو المعلوم المشهور من السبب والعلة فيه، وهو التحسّر والتأسّف. والمعنى: رحل عنّي العزاء بارتحالي عنكم، أي: عنده ومعه أو به وبسببه، فكأنه لما كان محلّ الصبر الصّدر، وكانت الأنفاس تتصعّد منه أيضا، صار العزاء وتنفّس الصّعداء كأنهما نزيلان ورفيقان، فلما رحل ذاك، كان حقّ هذا أن يشيّعه قضاء لحق الصّحبة. ومما يلاحظ هذا النوع، يجري في مسلكه وينتظم في سلكه، قول ابن المعتز (١): [من المنسرح] عاقبت عيني بالدّمع والسّهر ... إذ غار قلبي عليك من بصري واحتملت ذاك وهي رابحة ... فيك، وفازت بلذّة النّظر وذاك أن العادة في دمع العين وسهرها أن يكون السبب فيه إعراض الحبيب، أو اعتراض الرقيب، ونحو ذلك من الأسباب الموجبة للاكتئاب. وقد ترك ذلك كله كما ترى، وادّعى أن العلة ما ذكره من غيرة القلب منها على الحبيب وإيثاره أن يتفرّد برؤيته، وأنه بطاعة القلب وامتثال رسمه، رام للعين عقوبة، فجعل ذاك أن أبكاها، ومنعها النوم وحماها. وله أيضا في عقوبة العين بالدّمع والسهر، من قصيدة أوّلها (٢): [من الخفيف] قل لأحلى العباد شكلا وقدّا ... أبجدّ ذا الهجر أم ليس جدّا ما بذا كانت المنى حدّثتني ... لهف نفسي أراك قد خنت ودّا ما ترى في متيّم بك صبّ ... خاضع لا يرى من الذلّ بدّا إن زنت عينه بغيرك فاضرب ... ها بطول السهاد والدّمع حدّا قد جعل البكاء والسهاد عقوبة على ذنب أثبته للعين، كما فعل في البيت الأول، إلا أنّ صورة الذنب هاهنا غير صورته هناك. فالذنب هاهنا نظرها إلى غير الحبيب، واستجازتها من ذلك ما هو محرّم محظور والذنب هناك نظرها إلى الحبيب

стр. 213

نفسه، ومزاحمتها القلب في رؤيته، وغيرة القلب من العين سبب العقوبة هناك، فأمّا هاهنا فالغيرة كائنة بين الحبيب وبين شخص آخر، فاعرفه. ولا شبهة في قصور البيت الثاني عن الأول، وأنّ للأوّل عليه فضلا كبيرا، وذلك بأن جعل بعضه يغار من بعض، وجعل الخصومة في الحبيب بين عينيه وقلبه، وهو تمام الظّرف واللطف. فأمّا الغيرة في البيت الآخر، فعلى ما يكون أبدا. هذا، ولفظ «زنت»، وإن كان ما يتلوها من أحكام الصنعة يحسّنها، وورودها في الخبر «العين تزني»، ويؤنس بها، فليست تدع ما هو حكمها من إدخال نفرة على النفس. وإن أردت أن ترى هذا المعنى بهذه الصنعة في أعجب صورة وأظرفها، فانظر إلى قول القائل (١): [من المتقارب] أتتني تؤنّبني بالبكا ... فأهلا بها وبتأنيبها تقول، في قولها حشمة: ... أتبكي بعين تراني بها؟ فقلت: إذا استحسنت غيركم ... أمرت الدّموع بتأديبها أعطاك بلفظة التأديب، حسن أدب اللبيب، في صيانة اللّفظ عما يحوج إلى الاعتذار، ويؤدّي إلى النّفار، إلا أن الأستاذية بعد ظاهرة في بيت ابن المعتز. وليس كل فضيلة تبدو مع البديهة، بل بعقب النّظر والرويّة، وبأن يفكّر في أول الحديث وآخره. وأنت تعلم أنه لا يكون أبلغ في الذي أراد من تعظيم شأن الذنب، من ذكر الحدّ، وأنّ ذلك لا يتمّ له إلّا بلفظة «زنت»، ومن هذه الجهة يلحق الضّيم كثيرا من شأنه وطريقه طريق أبي تمام، ولم يكن من المطبوعين. وموضع البسط في ذلك غير هذا، فغرضي الآن أن أريك أنواعا من التخييل، وأضع شبه القوانين ليستعان بها على ما يراد بعد من التفصيل والتبيين.

стр. 214

فصل في تخييل بغير تعليل وهذا نوع آخر من التخييل، وهو يرجع إلى ما مضى من تناسي التّشبيه وصرف النفس عن توهّمه، إلا أنّ ما مضى معلّل، وهذا غير معلّل. بيان ذلك أنهم يستعيرون الصّفة المحسوسة من صفات الأشخاص للأوصاف المعقولة، ثم تراهم كأنهم قد وجدوا تلك الصفة بعينها، وأدركوها بأعينهم على حقيقتها، وكأنّ حديث الاستعارة والقياس لم يجر منهم على بال، ولم يروه ولا طيف خيال. ومثاله استعارتهم «العلوّ» لزيادة الرجل على غيره في الفضل والقدر والسلطان، ثم وضعهم الكلام وضع من يذكر علوا من طريق المكان. ألا ترى إلى قول أبي تمام (١): [من المتقارب] ويصعد حتّى يظنّ الجهول ... بأنّ له حاجة في السماء فلولا قصده أن ينسي الشبيه ويرفعه بجهده، ويصمّم على إنكاره وجحده، فيجعله صاعدا في السماء من حيث المسافة المكانية، لما كان لهذا الكلام وجه. ومن أبلغ ما يكون في هذا المعنى قول ابن الرومي (٢): [من الخفيف] أعلم الناس بالنجوم بنو نو ... بخت علما لم يأتهم بالحساب بل بأن شاهدوا السّماء سموّا ... بترقّ في المكرمات الصّعاب مبلغ لم يكن ليبلغه الطا ... لب إلّا بتلكم الأسباب

стр. 215

وأعاده في موضع آخر، فزاد الدعوى قوّة، ومرّ فيها مرور من يقول صدقا ويذكر حقّا (١): [من المنسرح] يا آل نوبخت لا عدمتكم ... ولا تبدّلت بعدكم بدلا إن صحّ علم النجوم، كان لكم ... حقّا، إذا ما سواكم انتحلا كم عالم فيكم وليس بأن ... قاس، ولكن بأن رقي فعلا أعلاكم في السماء مجدكم ... فلستم تجهلون ما جهلا شافهتم البدر بالسّؤال عن ال ... أمر إلى أن بلغتم زحلا وهكذا الحكم إذا استعاروا اسم الشيء بعينه من نحو شمس أو بدر أو بحر أو أسد، فإنهم يبلغون به هذا الحدّ، ويصوغون الكلام صياغات تقضي بأن لا تشبيه هناك ولا استعارة، مثاله قوله (٢): [من الكامل] قامت تظلّلني من الشمس ... نفس أعزّ عليّ من نفسي قامت تظلّلني ومن عجب ... شمس تظلّلني من الشّمس فلولا أنه أنسى نفسه أن هاهنا استعارة ومجازا من القول، وعمل على دعوى شمس على الحقيقة، لما كان لهذا التعجّب معنى، فليس ببدع ولا منكر أن يظلّل إنسان حسن الوجه إنسانا ويقيه وهجا بشخصه. وهكذا قول البحتري (٣): [من الطويل] طلعت لهم وقت الشّروق فعاينوا ... سنا الشّمس من أفق ووجهك من أفق وما عاينوا شمسين قبلهما التقى ... ضياؤهما وفقا، من الغرب والشّرق معلوم أن القصد أن يخرج السامعين إلى التعجّب لرؤية ما لم يروه قط، ولم تجر العادة به. ولم يتمّ للتعجّب معناه الذي عناه، ولا تظهر صورته على وصفها الخاصّ، حتى يجترئ على الدّعوى جرأة من لا يتوقف ولا يخشى إنكار منكر، ولا يحفل بتكذيب الظاهر له، ويسوم النفس، شاءت أم أبت، تصوّر شمس ثانية طلعت من

стр. 216

حيث تغرب الشمس، فالتقتا وفقا، وصار غرب تلك القديمة لهذه المتجددة شرقا. ومدار هذا النوع في الغالب على التعجّب، وهو والي أمره، وصانع سحره، وصاحب سرّه، وتراه أبدا وقد أفضى بك إلى خلابة لم تكن عندك، وبرز لك في صورة ما حسبتها تظهر لك، ألا ترى أن صورة قوله: «شمس تظللني من الشمس»، غير صورة قوله: «وما عاينوا شمسين»، وإن اتّفق الشعران في أنهما يتعجّبان من وجود الشيء على خلاف ما يعقل ويعرف. وهكذا قول المتنبي (١): [من الكامل] كبّرت حول ديارهم لمّا بدت ... منها الشّموس وليس فيها المشرق له صورة غير صورة الأوّلين وكذا قوله (٢): [من الطويل] ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجلا قامت تعانقه الأسد يعرض صورة غير تلك الصّور كلها، والاشتراك بينها عامّيّ لا يدخل في السّرقة، إذ لا اتّفاق بأكثر من أن أثبت الشيء في جميع ذلك على خلاف ما يعرفه الناس. فأمّا إذا جئت إلى خصوص ما يخرج به عن المتعارف، فلا اتفاق ولا تناسب، لأن مكان الأعجوبة مرّة أن تظلل شمس من الشمس، وأخرى أن يرى للشمس مثل لا يطلع من الغرب عند طلوعها من الشرق، وثالثة أن ترى الشموس طالعة من ديارهم. وعلى هذا الحد قوله: «ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه»، العجب من أن يمشي البدر إلى آدميّ، وتعانق الأسد رجلا. واعلم أن في هذا النوع مذهبا هو كأنه عكس مذهب التعجب ونقيضه، وهو لطيف جدّا. وذلك أن ينظر إلى خاصيّة ومعنى دقيق يكون في المشبّه به، ثم يثبّت تلك الخاصيّة وذلك المعنى للمشبّه، ويتوصّل بذلك إلى إيهام أن التشبيه قد خرج

стр. 217

من البين، وزال عن الوهم والعين أحسن توصّل وألطفه، ويقام منه شبه الحجّة على أن لا تشبيه ولا مجاز، ومثال قوله (١): [من المنسرح] لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر قد عمد، كما ترى، إلى شيء هو خاصية في طبيعة القمر، وأمر غريب من تأثيره، ثم جعل يرى أن قوما أنكروا بلى الكتّان بسرعة، وأنه قد أخذ ينهاهم عن التعجّب من ذلك ويقول: «أما ترونه قد زرّ أزراره على القمر، والقمر من شأنه أن يسرع بلى الكتان»، وغرضه بهذا كله أن يعلم أن لا شكّ ولا مرية في أن المعاملة مع القمر نفسه، وأن الحديث عنه بعينه، وليس في البين شيء غيره، وأن التشبيه قد نسي وأنسي، وصار كما يقول الشيخ أبو عليّ فيما يتعلق به الظرف: «إنّه شريعة منسوخة». وهذا موضع في غاية اللّطف، لا يبين إلا إذا كان المتصفّح للكلام حسّاسا، يعرف وحي طبع الشعر، وخفيّ حركته التي هي كالخلس، وكمسرى النّفس في النّفس. وإن أردت أن تظهر لك صحّة عزيمتهم في هذا النحو على إخفاء التشبيه ومحو صورته من الوهم، فأبرز صفة التّشبيه، واكشف عن وجهه، وقل: «لا تعجبوا من بلى غلالته، فقد زرّ أزراره على من حسنه حسن القمر»، ثم انظر هل ترى إلّا كلاما فاترا ومعنى نازلا، واخبر نفسك هل تجد ما كنت تجده من الأريحيّة؟ وانظر في أعين السامعين هل ترى ما كنت تراه من ترجمة عن المسرّة، ودلالة على الإعجاب؟ ومن أين ذلك وأنّى وأنت بإظهار التشبيه تبطل على نفسك ما له وضع البيت من الاحتجاج على وجوب البلى في الغلالة، والمنع من العجب فيه بتقرير الدّلالة؟ وقد قال آخر في هذا المعنى بعينه، إلّا أن لفظه لا ينبئ عن القوة التي لهذا البيت في دعوى القمر، وهو قوله: [من البسيط] ترى الثّياب من الكتّان يلمحها ... نور من البدر أحيانا فيبليها فكيف تنكر أن تبلى معاجرها، ... والبدر في كل وقت طالع فيها (٢)

стр. 218

ومما ينظر إلى قوله: «قد زرّ أزراره على القمر»، في أنه بلغ بدعواه في المجاز حقيقة، مبلغ الاحتجاج به كما يحتجّ بالحقيقة، قول العبّاس بن الأحنف (١): [من المتقارب] هي الشّمس مسكنها في السماء ... فعزّ الفؤاد عزاء جميلا فلن تستطيع إليها الصّعود ... ولن تستطيع إليك النزولا صورة هذا الكلام ونصبته والقالب الذي فيه أفرغ، يقتضي أن التشبيه لم يجر في خلده، وأنه معه كما يقال: «لست منه وليس منّي»، وأن الأمر في ذلك قد بلغ مبلغا لا حاجة معه إلى إقامة دليل وتصحيح دعوى، بل هو في الصّحّة والصدق بحيث تصحّح به دعوى ثابتة. ألا تراه كأنه يقول للنفس: «ما وجه الطمع في الوصول وقد علمت أن حديثك مع الشمس، ومسكن الشمس السماء؟» أفلا تراه قد جعل كونها الشّمس حجّة له على نفسه، يصرفها بها عن أن ترجو الوصول إليها، ويلجئها إلى العزاء، وردّها في ذلك إلى ما لا تشكّ فيه، وهو مستقرّ ثابت، كما تقول: «أو ما علمت ذلك؟» و «أليس قد علمت؟»، ويبيّن لك هذا التفسير والتقرير فضل بيان بأن تقابل هذا البيت بقول الآخر (٢): [من الطويل] فقلت لأصحابي: هي الشمس ضوؤها ... قريب، ولكن في تناولها بعد وتتأمّل أمر التشبيه فيه، فإنك تجده على خلاف ما وصفت لك. وذلك أنه في قوله: «فقلت لأصحابي هي الشمس»، غير قاصد أن يجعل كونها الشمس حجّة على ما ذكر بعد، من قرب شخصها ومثالها في العين، مع بعد منالها بل قال: «هي الشمس»، وهكذا قولا مرسلا يومئ فيه بل يفصح بالتشبيه، ولم يرد أن يقول: «لا تعجبوا أن تقرب وتبعد بعد أن علمتم أنها الشمس»، حتى كأنه يقول: «ما وجه شكّكم في ذلك؟»، ولم يشكّ عاقل في أن الشمس كذلك، كما أراد العباس أن يقول: كيف الطمع في الوصول إليها مع علمك بأنها الشمس، وأن الشمس مسكنها السماء. فبيت ابن أبي عيينة في أن لم ينصرف عن التشبيه جملة، ولم يبرز في

стр. 219

صورة الجاحد له والمتبرّئ منه، كبيت بشار الذي صرّح فيه بالتشبيه، وهو (١): [من الخفيف] أو كبدر السّماء، غير قريب ... حين يوفي، والضوء فيه اقتراب وكبيت المتنبي (٢): [من البسيط] كأنّها الشمس يعيي كفّ قابضه ... شعاعها ويراه الطّرف مقتربا فإن قلت: فهذا من قولك يؤدّي إلى أن يكون الغرض من ذكر الشمس، بيان حال المرأة في القرب من وجه، والبعد من وجه آخر، دون المبالغة في وصفها بالحسن وإشراق الوجه. وهو خلاف المعتاد، لأن الذي يسبق إلى القلوب، أن يقصد من نحو قولنا: «هي كالشمس أو هي شمس»، الجمال والحسن والبهاء. فالجواب: إنّ الأمر وإن كان على ما قلت، فإنه في نحو هذه الأحوال التي قصد فيها إلى بيان أمر غير الحسن، يصير كالشيء الذي يعقل من طريق العرف، وعلى سبيل التّبع، فأما أن يكون الغرض الذي له وضع الكلام، فلا. وإذا تأمّلت قوله: «فقلت لأصحابي هي الشمس ضوؤها قريب»، وقول بشار: «أو كبدر السماء»، وقول المتنبي: «كأنها الشّمس»، علمت أنهم جعلوا جلّ غرضهم أن يصيبوا لها شبها في كونها قريبة بعيدة. فأما حديث الحسن، فدخل في القصد على الحدّ الذي مضى في قوله، وهو للعباس أيضا (٣): [من الرمل] نعمة كالشّمس لمّا طلعت ... بثّت الإشراق في كلّ بلد فكما أن هذا لم يضع كلامه لجعل النعم كالشمس في الضّياء والإشراق، ولكن عمّت كما تعمّ الشمس بإشراقها كذلك لم يضع هؤلاء أبياتهم على أن يجعلوا المرأة كالشمس والبدر في الحسن ونور الوجه، بل أمّوا نحو المعنى الآخر، ثم حصل هذا لهم من غير أن احتاجوا فيه إلى تجشّم. وإذا كان الأمر كذلك، فلم يقل إن

стр. 220

النعمة إنما عمّت لأنها شمس، ولكن أراك لعمومها وشمولها قياسا، وتحرّى أن يكون ذلك القياس من شيء شريف له بالنعمة شبه من جهة أوصافه الخاصّة، فاختار الشمس. وكذلك لم يرد ابن أبي عيينة أن يقول إنها إنما دنت ونأت لأنها شمس، أو لأنها الشمس، بل قاس أمرها في ذلك كما عرّفتك. وأمّا العبّاس فإنه قال: إنها إنما كانت بحيث لا تنال، ووجب اليأس من الوصول إليها، لأجل أنها الشمس، فاعرفه فرقا واضحا. ومما هو على طريقة بيت العبّاس في الاحتجاج، وإن خالفه فيما أذكره لك، قول الصابئ في بعض الوزراء يهنّئه بالتخلّص من الاستتار (١): [من الخفيف] صحّ أنّ الوزير بدر منير ... إذ توارى كما توارى البدور غاب، لا غاب، ثمّ عاد كما كا ... ن على الأفق طالعا يستنير لا تسلني عن الوزير فقد بيّ ... نت بالوصف أنه سابور لا خلا منه صدر دست، إذا ما ... قرّ فيه تقرّ منه الصدور فهو كما نراه يحتجّ أن لا مجاز في البين، وأنّ ذكر البدر وتسمية الممدوح به حقيقة، واحتجاجه صريح لقوله: «صح» أنه كذلك. وأما احتجاج العبّاس وصاحبه في قوله: «قد زرّ أزراره على القمر»، فعلى طريق الفحوى. فهذا وجه الموافقة، وأما وجه المخالفة، فهو أنّهما ادّعيا الشّمس والقمر بأنفسهما، وادّعى الصابئ بدرا، لا البدر على الإطلاق. ومن ادّعاه الشمس على الإطلاق قول بشّار (٢): [من الوافر] بعثت بذكرها شعري ... وقدّمت الهوى شركا فلمّا شاقها قولي ... وشبّ الحبّ فاحتنكا أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلكا وجدت العيش في سعدى ... وكان العيش قد هلكا فقوله: «ولم تك تبرح الفلكا»، يريك أنه ادّعى الشمس نفسها. وقال أشجع يرثي الرشيد، فبدأ بالتعريف، ثم نكّر فخلط إحدى الطريقتين بالأخرى، وذلك قوله: [من الرمل]

стр. 221

غربت بالمشرق الشم ... س فقل للعين تدمع ما رأينا قطّ شمسا ... غربت من حيث تطلع (١) فقوله: «غربت بالمشرق الشمس» على حدّ قول بشار: «أتتني الشمس زائرة»، في أنه خيّل إليك شمس السماء. وقوله بعد: «ما رأينا قطّ شمسا»، يفتّر أمر هذا التخييل، ويميل بك إلى أن تكون الشمس في قوله: «غربت بالمشرق الشمس»، غير شمس السماء، أعني غير مدّعى أنها هي، وذلك مما يضطرب عليه المعنى ويقلق، لأنه إذا لم يدّع الشمس نفسها، لم يجب أن تكون جهة خراسان مشرقا لها، وإذا لم يجب ذلك، لم يحصل ما أراده من الغرابة في غروبها من حيث تطلع. وأظنّ الوجه فيه أن يتأوّل تنكيره للشمس في الثاني على قولهم: «خرجنا في شمس حارّة»، يريدون في يوم كان للشمس فيه حرارة وفضل توقّد، فيصير كأنه قال: «ما عهدنا يوما غربت فيه الشمس من حيث تطلع، وهوت في جانب المشرق». وكثيرا ما يتفق في كلام الناس ما يوهم ضربا من التنكير في الشمس كقولهم: «شمس صيفية»، وكقوله (٢): [من البسيط] والله لا طلعت شمس ولا غربت ولا فرق بين هذا وبين قول المتنبي (٣): [من السريع] لم ير قرن الشّمس في شرقه ... فشكّت الأنفس في غربه ويجيء التنكير في القمر والهلال على هذا الحدّ، فمنه قول بشّار (٤): [من المديد] أملي لا تأت في قمر ... بحديث واتّق الدّرعا وتوقّ الطيب ليلتنا ... إنّه واش إذا سطعا

стр. 222

فهذا بمعنى: لا تأت في وقت قد طلع فيه القمر. وهذا قول عمر بن أبي ربيعة (١): [من الطويل] وغاب قمير كنت أرجو غيوبه ... وروّح رعيان ونوّم سمّر ظاهره يوهم أنه كقولك: «جاءني رجل»، وليس كذلك في الحقيقة، لأن الاسم لا يكون نكرة حتى يعمّ شيئين وأكثر، وليس هنا شيئان يعمّهما اسم القمر. وهكذا قول أبي العتاهية: [من الوافر] تسرّ إذا نظرت إلى هلال ... ونقصك إذ نظرت إلى الهلال ليس المنكّر غير المعرّف، على أنّ للهلال في هذا التنكير فضل تمكّن ليس للقمر، ألا تراه قد جمع في قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ [البقرة: ١٨٩]، ولم يجمع القمر على هذا الحدّ. ومن لطيف هذا التنكير قول البحتري: [من الطويل] وبدرين أنضيناهما بعد ثالث ... أكلناه بالإيجاف حتى تمحّقا ومما أتى مستكرها نابيا يتظلم منه المعنى وينكره، قول أبي تمام: [من الطويل] قريب النّدى نائي المحلّ كأنّه ... هلال قريب النّور ناء منازله سبب الاستكراه، وأنّ المعنى ينبو عنه: أنه يوهم بظاهره أنّ هاهنا أهلّة ليس لها هذا الحكم، أعني أنه ينأى مكانه ويدنو نوره. وذلك محال فالذي يستقيم عليه الكلام أن يؤتى به معرّفا على حدّه في بيت البحتري (٢): [من الكامل] كالبدر أفرط في العلوّ وضوؤه ... للعصبة السّارين جدّ قريب فإن قلت: أقطع وأستأنف فأقول: «كأن هلال» وأسكت، ثم أبتدئ وآخذ في

стр. 223

الحديث عن شأن الهلال بقولي: «قريب النور ناء منازله» أمكنك، ولكنك تعلم ما يشكوه إليه المعنى من نبوّ اللفظ به وسوء ملاءمة العبارة. واستقصاء هذا الموضع يقطع عن الغرض، وحقه أنه يفرد له فصل. وأعود إلى حديث المجاز وإخفائه، ودعوى الحقيقة وحمل النفس على تخيّلها. فممّا يدخل في هذا الفنّ ويجب أن يوازن بينه وبين ما مضى، قول سعيد بن حميد: [من الخفيف] وعد البدر بالزيارة ليلا ... فإذا ما وفى قضيت نذوري قلت: يا سيّدي، ولم تؤثر اللي ... ل على بهجة النهار المنير قال لي: لا أحبّ تغيير رسمي ... هكذا الرّسم في طلوع البدور قالوا: وله في ضدّه: [من الخفيف] قلت زوري، فأرسلت ... أنا آتيك سحره قلت: فالليل كان أخ ... فى وأدنى مسرّه فأجابت بحجّة ... زادت القلب حسره أنا شمس، وإنما ... تطلع الشّمس بكره وينبغي أن تعلم أنّ هذه القطعة ضدّ الأولى، من حيث اختار النهار وقتا للزيارة في تلك، والليل في هذه، فأمّا من حيث يختلف جوهر الشعر ويتّفق، وخصوصا من حيث ننظر الآن، فمثل وشبيه، وليس بضدّ ولا نقيض. ثم اعلم أنّا إن وازنّا بين هاتين القطعتين وبين ما تقدّم من بيت العباس: [من المتقارب] هي الشمس مسكنها في السماء (١) وما هو في صورته، وجدنا هما أمرا بين أمرين: بين ادّعاء البدر والشمس أنفسهما، وبين إثبات بدر ثان وشمس ثانية، ورأينا الشاعر قد شاب في ذلك الإنكار بالاعتراف، وصادفت صورة المجاز تعرض عنك مرّة، وتعرض لك أخرى. فقوله: «البدر» بالتعريف مع قوله: «لا أحبّ تغيير رسمي»، وتركه أن يقول: «رسم مثلي»، يخيّل إليك البدر نفسه. وقوله: «في طلوع البدور» بالجمع دون أن يفرد فيقول: «هكذا

стр. 224

الرسم في طلوع البدور» يلتفت بك إلى بدر ثان، ويعطيك الاعتراف بالمجاز على وجه. وهكذا القول في القطعة الثانية لأنّ قوله: «أنا شمس» بالتنكير، اعتراف بشمس ثانية أو كالاعتراف. ومما يدلّ دلالة واضحة على دعوى الحقيقة، ولا يستقيم إلا عليها قول المتنبي (١): [من الكامل] واستقبلت قمر السماء بوجهها ... فأرتني القمرين في وقت معا أراد: فأرتني الشمس والقمر، ثم غلّب اسم القمر كقول الفرزدق (٢): [من الطويل] أخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنّجوم الطوالع لولا أنه يخيّل الشمس نفسها، لم يكن لتغليب اسم القمر والتعريف بالألف واللام معنى. وكذلك لولا ضبطه نفسه حتى لا يجري المجاز والتشبيه في وهمه، لكان قوله: «في وقت معا»، لغوا من القول، فليس بعجيب أن يتراءى لك وجه غادة حسناء في وقت طلوع القمر وتوسّطه السماء، هذا أظهر من أن يخفى. وأمّا تشبيه أبي الفتح لهذا البيت بقول القائل (٣): [من الكامل] وإذا الغزالة في السماء ترفّعت ... وبدا النهار لوقته يترجّل أبدت لوجه الشمس وجها مثله ... تلقى السماء بمثل ما تستقبل فتشبيه على الجملة، ومن حيث أصل المعنى وصورته في المعقول، فأما الصّورة الخاصّة التي تحدث له بالصنعة، فلم يعرض لها. ومما له طبقة عالية في هذا القبيل وشكل يدلّ على شدّة الشكيمة وعلوّ المأخذ، قول الفرزدق: [من الطويل]

стр. 225

أبي أحمد الغيثين صعصعة الذي ... متى تخلف الجوزاء والدّلو يمطر أجار بنات الوائدين ومن يجر ... على الموت يعلم أنه غير مخفر (١) أفلا تراه كيف ادّعى لأبيه اسم الغيث ادّعاء من سلّم له ذلك، ومن لا يخطر بباله أنه مجاز فيه، ومتناول له من طريق التشبيه، وحتى كأنّ الأمر في هذه الشهرة بحيث يقال: «أيّ الغيثين أجود؟» فيقال: «صعصعة»، أو يقال: «الغيثان»، فيعلم أنّ أحدهما صعصعة، وحتى بلغ تمكّن ذلك في العرف إلى أن يتوقّف السامع عند إطلاق الاسم، فإذا قيل: «أتاك الغيث!»، لم يعلم أيراد صعصعة أم المطر. وإن أردت أن تعرف مقدار ما له من القوّة في هذا التخييل، وأن مصدره مصدر الشيء المتعارف الذي لا حاجة به إلى مقدّمة يبنى عليها نحو أن تبدأ فتقول: «أبي نظير الغيث وثان له، وغيث ثان»، ثم تقول: «وهو خير الغيثين» لأنه لا يخلف إذا أخلفت الأنواء، فانظر إلى موقع الاسم، فإنك تراه واقعا موقعا لا سبيل لك فيه إلى حلّ عقد التثنية، وتفريق المذكورين بالاسم. وذلك أن «أفعل» لا تصحّ إضافته إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر، فلا يقال: «جاءني أفضل زيد وعمرو»، ولا: «إنّ أعلم بكر وخالد عندي»، بل ليس إلا أن تضيف إلى اسم مثنّى أو مجموع في نفسه، نحو: «أفضل الرّجلين»، و «أفضل الرجال». وذلك أنّ أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه أبدا، فحقّه أن يضاف إلى اسم يحويه وغيره. وإذا كان الأمر كذلك، علمت أنه اللّفظ بالتشبيه، والخروج عن صريح جعل اللّفظ للحقيقة متعذر عليك، إذ لا يمكنك أن تقول: «أبي أحمد الغيث والثاني له والشبيه به»، ولا شيئا من هذا النحو، لأنك تقع بذلك في إضافة «أفعل» إلى اسمين معطوف أحدهما على الآخر. وإذ قد عرفت هذا، فانظر إلى قول الآخر (٢): [من المنسرح] قد أقحط الناس في زمانهم ... حتى إذا جئت جئت بالدّرر غيثان في ساعة لنا اتّفقا، ... فمرحبا بالأمير والمطر فإنك تراه لا يبلغ هذه المنزلة، وذلك أنه كلام من يثبته الآن غيثا ولا يدّعي فيه

стр. 226

عرفا جاريا، وأمرا مشهورا متعارفا، يعلم كل واحد منه ما يعلمه، وليس بمتعذّر أن تقول: «غيث وثان للغيث اتفقا»، أو تقول: «الأمير ثاني الغيث والغيث اتّفقا». فقد حصل من هذا الباب: أن الاسم المستعار كلما كان قدمه أثبت في مكانه، وكان موضعه من الكلام أضنّ به، وأشدّ محاماة عليه، وأمنع لك من أن تتركه وترجع إلى الظاهر وتصرّح بالتشبيه، فأمر التخييل فيه أقوى، ودعوى المتكلم له أظهر وأتمّ. واعلم أن نحو قول البحتري: [من الكامل] غيثان إن جدب تتابع أقبلا ... وهما ربيع مؤمّل وخريفه لا يكون مما نحن بصدده في شيء، لأنّ كلّ واحد من الغيثين في هذا البيت مجاز، لأنه أراد أن يشبّه كل واحد من الممدوحين بالغيث، والذي نحن بصدده، هو أن يضمّ المجاز إلى الحقيقة في عقد التثنية، ولكن إن ضممت إليه قوله (١): [من الطويل] فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا، إذا الهيّابة النكس كذّبا كان لك ذلك، لأن أحد الضرغامين حقيقة والآخر مجاز. فإن قلت: فهاهنا شيء يردّك إلى ما أبيته من بقاء حكم التشبيه في جعله أباه الغيث، وذلك أن تقدير الحقيقة في المجاز إنما يتصوّر في نحو بيت البحتري: فلم أر ضرغامين من حيث عمد إلى واحد من الأسود، ثم جعل الممدوح أسدا على الحقيقة قد قارنه وضامّه. ولا سبيل للفرزدق إلى ذلك، لأن الذي يقرنه إلى أبيه هو الغيث على الإطلاق، وإذا كان الغيث على الإطلاق، لم يبق شيء يستحقّ هذا الاسم إلا ويدخل تحته. وإذا كان كذلك، حصل منه أن لا يكون أبو الفرزدق غيثا على الحقيقة. فالجواب أن مذهب ذلك ليس على ما تتوهّمه، ولكن على أصل هو التشبيه، وهو أن يقصد إلى المعنى الذي من أجله يشبّه الفرع بالأصل كالشجاعة في الأسد، والمضاء في السيف، وينحّي سائر الأوصاف جانبا. وذلك المعنى في الغيث هو النّفع العامّ، وإذا قدّر هذا التقدير، صار جنس الغيث كأنه عين واحدة وشيء واحد. وإذا

стр. 227

عاد بك الأمر إلى أن تتصوّره تصوّر العين الواحدة دون الجنس، كان ضمّ أبي الفرزدق إليه بمنزلة ضمّك إلى الشمس رجلا أو امرأة تريد أن تبالغ في وصفهما بأوصاف الشمس، وتنزيلهما منزلتها، كما تجده في نحو قوله (١): [من البسيط] فليت طالعة الشّمسين غائبة ... وليت غائبة الشّمسين لم تغب فصل في الفرق بين التشبيه والاستعارة اعلم أن الاسم إذا قصد إجراؤه على غير ما هو له لمشابهة بينهما، كان ذلك على ما مضى من الوجهين: أحدهما: أن تسقط ذكر المشبّه من البين، حتى لا يعلم من ظاهر الحال أنك أردته، وذلك أن تقول: «عنّت لنا ظبية»، وأنت تريد امرأة، و «وردنا برا»، وأنت تريد الممدوح. فأنت في هذا النحو من الكلام إنّما تعرف أن المتكلم لم يرد ما الاسم موضوع له في أصل اللغة، بدليل الحال، أو إفصاح المقال بعد السؤال، أو بفحوى الكلام وما يتلوه من الأوصاف. مثال ذلك أنك إذا سمعت قوله (٢): [من البسيط] ترنّح الشّرب واغتالت حلومهم ... شمس ترجّل فيهم ثم ترتحل استدللت بذكر الشّرب، واغتيال الحلوم، والارتحال، أنه أراد قينة. ولو قال: «ترجلت شمس»، ولم يذكر شيئا غيره من أحوال الآدميين، لم يعقل قطّ أنه أراد امرأة إلا بإخبار مستأنف، أو شاهد آخر من الشواهد. ولذلك تجد الشيء يلتبس منه حتّى على أهل المعرفة، كما روى أن عديّ بن حاتم اشتبه عليه المراد بلفظ الخيط في قوله تعالى:

стр. 228

حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة: ١٨٧]، وحمله على ظاهره. فقد روى أنه قال لما نزلت هذه الآية: «أخذت عقالا أسود وعقالا أبيض، فوضعتهما تحت وسادتي، فنظرت فلم أتبيّن، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: إن وسادك لطويل عريض، إنما هو الليل والنهار». والوجه الثاني: أن تذكر كلّ واحد من المشبّه والمشبّه به فتقول: «زيد أسد» و «هند بدر»، و «هذا الرجل الذي تراه سيف صارم على أعدائك». وقد كنت ذكرت فيما تقدّم، أن في إطلاق الاستعارة على هذا الضّرب الثاني بعض الشبهة، ووعدتك كلاما يجيء في ذلك، وهذا موضعه. اعلم أنّ الوجه الذي يقتضيه القياس، وعليه يدلّ كلام القاضي في الوساطة، أن لا تطلق الاستعارة على نحو قولنا: «زيد أسد» و «هند بدر»، ولكن تقول: هو تشبيه، وإذا قال: «هو أسد، لم تقل: «استعار له اسم الأسد»، ولكن تقول: «شبّهه بالأسد»، وتقول في الأول إنه استعارة لا تتوقف فيه ولا تتحاشى البتّة. وإن قلت في القسم الأول: إنه تشبيه كنت مصيبا، من حيث تخبر عمّا في نفس المتكلم وعن أصل الغرض، وإن أردت تمام البيان قلت: أراد أن يشبّه المرأة بالظبية فاستعار لها اسمها مبالغة. فإن قلت: فكذلك فقل في قولك: «زيد أسد»، إنه أراد تشبيهه بالأسد، فأجرى اسمه عليه، ألا ترى أنك ذكرته بلفظ التّنكير فقلت: «زيد أسد»، كما تقول: «زيد واحد من الأسود»، فما الفرق بين الحالين، وقد جرى الاسم في كل واحد منهما على المشبّه؟ فالجواب أن الفرق بيّن، وهو أنك عزلت في القسم الأول الاسم الأصليّ عنه واطّرحته، وجعلته كأن ليس هو باسم له، وجعلت الثاني هو الواقع عليه والمتناول له، فصار قصدك التشبيه أمرا مطويّا في نفسك مكنونا في ضميرك، وصار في ظاهر الحال وصورة الكلام ونصبته، كأنه الشيء الذي وضع له الاسم في اللغة وتصوّر- إن تعلّقه الوهم- كذلك. وليس كذلك القسم الثاني، لأنك قد صرّحت فيه بذكر المشبّه، وذكرك له صريحا يأبى أن تتوهّم كونه من جنس المشبّه به. وإذا سمع السامع قولك: «زيد أسد» و «هذا الرجل سيف صارم على الأعداء»، استحال أن يظنّ وقد صرّحت له بذكر زيد أنك قصدت أسدا وسيفا، وأكثر ما يمكن أن يدّعى تخيّله في هذا: أن يقع في نفسه من قولك: «زيد أسد»، حال الأسد في جراءته وإقدامه وبطشه، فأمّا أن يقع في وهمه أنه رجل وأسد معا بالصورة والشخص، فمحال.

стр. 229

ولمّا كان كذلك، كان قصد التشبيه من هذا النحو بيّنا لائحا، وكائنا من مقتضى الكلام، وواجبا من حيث موضوعه، حتى إن لم يحمل عليه كان محالا. فالشيء الواحد لا يكون رجلا وأسدا، وإما يكون رجلا وبصفة الأسد فيما يرجع إلى غرائز النفوس والأخلاق، أو خصوص في الهيئة كالكراهة في الوجه. وليس كذلك الأول، لأنه يحتمل الحمل على الظّاهر على الصحة، فلست بممنوع من أن تقول «عنّت لنا ظبية»، وأنت تريد الحيوان و «طلعت شمس»، وأنت تريد الشّمس، كقولك: «طلعت اليوم شمس حارّة» وكذلك تقول: «هززت على الأعداء سيفا» وأنت تريد السيف، كما تقوله وأنت تريد رجلا باسلا استعنت به، أو رأيا ماضيا وفّقت فيه، وأصبت به من العدوّ فأرهبته وأثّرت فيه. وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن يفصل بين القسمين، فيسمّى الأوّل: «استعارة» على الإطلاق، ويقال في الثاني إنه: «تشبيه». فأما تسمية الأول تشبيها فغير ممنوع ولا غريب، إلّا أنه على أنك تخبر عن الغرض وتنبئ عن مضمون الحال، فأمّا أن يكون موضوع الكلام وظاهره موجبا له صريحا، فلا. فإن قلت: فكذلك قولك: «هو أسد»، ليس في ظاهره تشبيه، لأن التشبيه يحصل بذكر الكاف أو «مثل» أو نحوهما. فالجواب أن الأمر وإن كان كذلك، فإنّ موضوعه من حيث الصّورة يوجب قصدك التشبيه، لاستحالة أن يكون له معنى وهو على ظاهره. وله مثال من طريق العادة، وهو أنّ مثل الاسم مثل الهيئة التي يستدلّ بها على الأجناس، كزيّ الملوك وزيّ السّوقة، فكما أنك لو خلعت من الرجل أثواب السوقة، ونفيت عنه كل شيء يختصّ بالسوقة، وألبسته زيّ الملوك، فأبديته للناس في صورة الملوك حتى يتوهّموه ملكا، وحتى لا يصلوا إلى معرفة حاله إلا بإخبار أو اختبار واستدلال من غير الظاهر، كنت قد أعرته هيئة الملك وزيّه على الحقيقة. ولو أنك ألقيت عليه بعض ما يلبسه الملك من غير أن تعرّيه من المعاني التي تدل على كونه سوقة، لم تكن قد أعرته بالحقيقة هيئة الملك، لأن المقصود من هيئة الملك أن يحصل بها المهابة في النفس، وأن يتوهّم العظمة، ولا يحصل ذلك مع وجود الأوصاف الدالّة على أن الرجل سوقة. افرض هذه الموازنة في الشيء الواحد، كالثوب الواحد يعاره الرجل فيلبسه على ثوبه أو منفردا، وإنما اعتبر الهيئة وهي تحصل بمجموع أشياء، وذلك أن الهيئة

стр. 230

هي التي يشبه حالها حال الاسم، لأن الهيئة تخصّ جنسا دون جنس، كما أن الاسم كذلك، والثوب على الإطلاق لا يفعل ذلك إلا بخصائص تقترن به وترعى معه، فإذا كان السامع قولك: «زيد أسد» لا يتوهّم أنك قصدت أسدا على الحقيقة، لم يكن الاسم قد لحقه، ولم تكن قد أعرته إياه إعارة صحيحة، كما أنك لم تعر الرجل هيئة الملك حين لم تزل عنه ما يعلم به أنه ليس بملك. هذا، وإذا تأمّلنا حقيقة الاستعارة في اللغة والعادة، كان في ذلك أيضا بيان لصحة هذه الطريقة، ووجوب الفرق بين القسمين. وذاك أن من شرط المستعار أن يحصل للمستعير منافعه على الحدّ الذي يحصل للمالك، فإن كان ثوبا لبسه كما لبسه، وإن كان أداة استعملها في الشيء تصلح له، حتى إنّ الرائي إذا رآه معه لم تنفصل حاله عنده من حال ما هو ملك يد ليس بعاريّة، وإما يفضله المالك في أنّ له أن يتلف الشيء جملة، أو يدخل التلف على بعض أجزائه قصدا، وليس للمستعير ذلك. ومعلوم أنّ ما هو كالمنفعة من الاسم أن يوجب ذكره القصد إلى الشيء في نفسه. فإذا قلت: «زيد»، علم أنك أردت أن تخبر عن الشخص المعلوم، وإذا قلت: «لقيت أسدا»، علم أنك علّقت اللقاء بواحد من هذا الجنس. وإذا كان الأمر كذلك، ثم وجدنا الاسم في قولك: «عنّت ظبية»، يعقل من إطلاقه أنك قصدت الجنس المعلوم ولا يعلم أنك قصدت امرأة، فقد وقع من المرأة في هذا الكلام موقعه من ذلك الحيوان على الصحة، فكان ذلك بمنزلة أن المستعير ينتفع بالمستعار انتفاع مالكه، فيلبسه لبسه، ويتجمّل به تجمّله، ويكون مكانه عنده مكان الشيء المملوك، حتى يعتقد من ينظر إلى الظاهر أنه له. ولما وجدنا الاسم في قولك: «زيد أسد»، لا يقع من زيد ذلك الموقع، من حيث إنّ ذكره باسمه يمنع من أن يصير الاسم مطلقا عليه، ومتناولا له على حدّ تناوله ما وضع له، كان وزان ذلك وزان أن تضع عند الرجل ثوبا وتمنعه أن يلبسه، أو بمنزلة أن تطرح عليه طرف ثوب كان عليك، فلا يكون ذلك عاريّة صحيحة، لأنك لم تدخله في جملته، ولم تعطه صورة ما يختص به ويصير إليه، ويخفى كونه لك دونه. فاعرفه. وهاهنا فصل آخر من طريق موضوع الكلام، يبيّن وجوب الفرق بين القسمين: وهو أن الحالة التي يختلف في الاسم إذا وقع فيها، أيسمّى استعارة أم لا يسمّى؟ هي الحالة التي يكون الاسم فيها خبر مبتدأ أو منزّلا منزلته، أعني أن يكون خبر «كان»،

стр. 231

أو مفعولا ثانيا لباب «علمت»، لأن هذه الأبواب كلها أصلها مبتدأ وخبر أو يكون «حالا»، لأن الحال عندهم زيادة في الخبر. فحكمها حكم الخبر فيما قصدته هاهنا خصوصا، والاسم إذا وقع في هذه المواضع، فأنت واضع كلامك لإثبات معناه، وإن أدخلت النّفي على كلامك تعلّق النفي بمعناه. تفسير هذه الجملة: أنك إذا قلت: «زيد منطلق»، فقد وضعت كلامك لإثبات الانطلاق لزيد. ولو نفيت فقلت: «ما زيد منطلقا»، كنت نفيت الانطلاق عن زيد. وكذلك: «أكان زيد منطلقا»، و «علمت زيدا منطلقا»، و «رأيت زيدا منطلقا»، أنت في ذلك كلّه واضع كلامك ومزج له لتثبت الانطلاق لزيد، ولو خولفت فيه انصرف الخلاف إلى ثبوته له. وإذا كان الأمر كذلك، فأنت إذا قلت: «زيد أسد» و «رأيته أسدا»، فقد جعلت اسم المشبّه به خبرا عن المشبّه. والاسم إذا كان خبرا عن الشيء كان خبرا عنه، إمّا لإثبات وصف هو مشتقّ منه لذلك الشيء، كالانطلاق في قولك: «زيد منطلق»، أو إثبات جنسية هو موضوع لها كقولك: «هذا رجل». فإذا امتنع في قولنا: «زيد أسد» أن تثبت شبه الجنس، فقد اجتلبنا الاسم لنحدث به التشبيه الآن، ونقرّره في حيّز الحصول والثبوت. وإذا كان كذلك، كان خليقا بأن تسمّيه تشبيها، إذ كان إنما جاء ليفيده ويوجبه. وأمّا الحالة الأخرى التي قلنا: «إن الاسم فيها يكون استعارة من غير خلاف»، فهي حالة إذا وقع الاسم فيها لم يكن الاسم مجتلبا لإثبات معناه للشيء، ولا الكلام موضوعا لذلك، لأن هذا حكم لا يكون إلا إذا كان الاسم في منزلة الخبر من المبتدأ. فأمّا إذا لم يكن كذلك، وكان مبتدأ بنفسه، أو فاعلا أو مفعولا أو مضافا إليه، فأنت واضع كلامك لإثبات أمر آخر غير ما هو معنى الاسم. بيان ذلك: أنك إذا قلت: «جاءني أسد» و «رأيت أسدا» و «مررت بأسد»، فقد وضعت الكلام لإثبات المجيء واقعا من الأسد، والرؤية والمرور واقعين منك عليه. وكذلك إن قلت: «الأسد مقبل»، فالكلام موضوع لإثبات الإقبال للأسد، لا لإثبات معنى الأسد. وإذا كان الأمر كذلك، ثم قلت: «عنّت لنا ظبية»، و «هززت سيفا صارما على الأعداء» وأنت تعني بالظبية امرأة، وبالسيف رجلا لم يكن ذكرك للاسمين في كلامك هذا لإثبات الشّبه المقصود الآن. وكيف يتصوّر أن تقصد إلى إثبات الشبه منهما بشيء، وأنت لم تذكر قبلهما شيئا ينصرف إثبات الشبه إليه، وإنما تثبت الشّبه من طريق الرجوع إلى الحال، والبحث عن خبئ في نفس المتكلم؟

стр. 232

وإذا كان كذلك، بان أن الاسم في قولك: «زيد أسد»، مقصود به إيقاع التشبيه في الحال وإيجابه، وأما في قولك: «عنّت لنا ظبية» و «سللت سيفا على العدوّ»، فوضع الاسم هكذا انتهازا واقتضابا على المقصود، وادّعاء أنه من الجنس الذي وضع له الاسم في أصل اللغة. وإذا افترقا هذا الافتراق، وجب أن نفرق بينهما في الاصطلاح والعبارة، كما أنّا نفصل بين الخبر والصفة في العبارة، لاختلاف الحكم فيهما، بأنّ الخبر إثبات في الوقت للمعنى، والصفة تبيين وتوضيح وتخصيص بأمر قد ثبت واستقرّ وعرف. فكما لم نرض لاتفاق الغرض في الخبر الصّفة على الجملة واشتراكهما إذا قلت: «زيد ظريف» و «جاءني زيد الظّريف»، في التباس زيد في الظرف واكتسائه له، أن تجعلهما في الوضع الاصطلاحيّ شيئا واحدا، ولا نفرّق بتسميتنا هذا خبرا وذلك صفة كذلك ينبغي أن لا يدعونا- اتفاق قولنا: «جاءني أسد» و «هززت سيفا صارما» وقولنا: «زيد أسد» و «سيف صارم»، في مطلق التشبيه- إلى التسوية بينهما، وترك الفرق من طريق العبارة، بل وجب أن نفرّق، فنسمّي ذاك «الاستعارة» وهذا تشبيها». فإن أبيت إلا أن تطلق الاستعارة على هذا القسم الثاني، فينبغي أن تعلم أن إطلاقها لا يجوز في كل موضع يحسن دخول حرف التشبيه فيه بسهولة، وذلك نحو قولك: «هو الأسد» و «هو شمس النهار» و «هو البدر حسنا وبهجة، والقضيب عطفا»، وهكذا كل موضع ذكر فيه المشبّه به بلفظ التعريف. فإن قلت: «هو بحر» و «هو ليث» و «وجدته بحرا»، وأردت أن تقول إنه استعارة، كنت أعذر وأشبه بأن تكون على جانب من القياس، ومتشبّثا بطرف من الصواب. وذلك أن الاسم قد خرج بالتنكير عن أن يحسن إدخال حرف التشبيه عليه، فلو قلت: «هو كأسد» و «هو كبحر»، كان كلاما نازلا غير مقبول، كما يكون قولك: «هو كالأسد»، إلا أنّه وإن كان لا يحسن فيه الكاف فإنه يحسن فيه «كأنّ» كقولك: «كأنه أسد»، أو ما يجري مجرى «كأنّ» في نحو «تحسبه أسدا» و «تخاله سيفا». فإن غمض مكان الكاف و «كأن»، بأن يوصف الاسم الذي فيه التشبيه بصفة لا تكون في ذلك الجنس، وأمر خاصّ غريب فقيل: «هو بحر من البلاغة»، و «هو بدر يسكن الأرض»، و «هو شمس لا تغيب»، وكقوله (١): [من الكامل] شمس تألّق والفراق غروبها ... عنّا، وبدر والصّدود كسوفه

стр. 233

فهو أقرب إلى أن نسمّيه استعارة، لأنه قد غمض تقدير حرف التشبيه فيه، إذ لا تصل إلى الكاف حتى تبطل بنية الكلام وتبدّل صورته فتقول: «هو كالشمس المتألّقة، إلا أن فراقها هو الغروب، وكالبدر إلا أن صدوده الكسوف». وقد يكون في الصفات التي تجيء في هذا النحو، والصّلات التي توصل بها، ما يختلّ به تقدير التشبيه، فيقرب حينئذ من القبيل الذي تطلق عليه «الاستعارة» من بعض الوجوه، وذلك مثل قوله (١): [من الكامل] أسد دم الأسد الهزبر خضابه ... موت فريص الموت منه ترعد لا سبيل لك إلى أن تقول: «هو كالأسد» و «هو كالموت»، لما يكون في ذلك من التناقض، لأنك إذا قلت: «هو كالأسد» فقد شبّهته بجنس السبع المعروف، ومحال أن تجعله محمولا في الشّبه على هذا الجنس أوّلا، ثم تجعل دم الهزبر الذي هو أقوى الجنس، خضاب يده، لأنّ حملك له عليه في الشّبه دليل على أنه دونه، وقولك بعد «دم الهزبر من الأسود خضابه»، دليل على أنه فوقها. وكذلك محال أن تشبّهه بالموت المعروف، ثم تجعله يخافه، وترتعد منه أكتافه. وكذا قوله (٢): [من الطويل] سحاب عداني سيله وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رحلي منه أسود مظلم إن رجعت فيه إلى التشبيه الساذج فقلت: «هو كالبدر»، ثم جئت تقول: «أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رحلي مظلم لم يضئ به»، كنت كأنك تجعل البدر المعروف يلبس الأرض الضياء ويمنعه رحلك، وذلك محال، وإنما أردت أن تثبت من الممدوح بدرا مفردا له هذه الخاصية العجيبة التي لم تعرف للبدر. وهذا إنما يتأتّى بكلام بعيد من هذا النظم، وهو أن يقال: «هل سمعت بأن البدر يطلع في أفق، ثم يمنع ضوءه موضعا من المواضع التي هي معرّضة له وكائنة في مقابلته، حتى ترى الأرض الفضاء قد أضاءت بنوره وفيما بينهما قدر رحل مظلم يتجافى عنه ضوؤه؟ ومعلوم بعد هذا من طريقة البيت، فهذا النحو موضوع على تخييل أنه زاد في جنس البدر واحد له حكم وخاصّة لم تعرف.

стр. 234

وإذا كان الأمر كذلك، صار كلامك موضوعا لا لإثبات الشبه بينه وبين البدر، ولكن لإثبات الصّفة في واحد متجدّد حادث من جنس البدر، لم تعرف تلك الصفة للبدر، فيصير بمنزلة قولك: «زيد رجل يقري الضيوف ويفعل كيت وكيت»، فلا يكون قصدك إثبات زيد رجلا، ولكن إثبات الصفة التي ذكرتها له. فإذا خرج الاسم الذي يتعلق به التشبيه من أن يكون مقصودا بالإثبات، تبيّن أنه خارج عن الأصل الذي تقدّم، من كون الاسم لإثبات الشبه. فالبحتري في قوله: وبدر أضاء الأرض قد بنى كلامه على أن كون الممدوح بدرا، أمر قد استقرّ وثبت، وإنما يعمل في إثبات الصفة الغريبة، والحالة التي هي موضع التعجّب. وكما يمتنع دخول «الكاف» في هذا النحو، كذلك يمتنع دخول «كأن» و «تحسب» و «تخال». فلو قلت: «كأنه بدر أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رحلي منه مظلم»، كان خلفا من القول. وكذلك؛ إن قلت: «تحسبه بدرا أضاء الأرض ورحلي منه مظلم»، كان كالأوّل في الضعف. ووجه بعده من القبول بيّن، وهو أنّ «كأن» و «حسبت» و «خلت» و «ظننت» تدخل إذا كان الخبر والمفعول الثاني أمرا معقولا ثابتا في الجملة، إلا أنه في كونه متعلقا بما هو اسم «كأن» أو المفعول الأوّل من «حسبت» مشكوك فيه، كقولنا: «كأن زيدا منطلق»، أو مجاز يقصد به خلاف ظاهره، نحو: «كأنّ زيدا أسد»، فالأسد على الجملة ثابت معروف، والغريب هو كون زيد إياه ومن جنسه. والنكرة في نحو هذه الأبيات موصوفة بأوصاف تدلّ على أنك تخبر بظهور شيء لا يعرف ولا يتصوّر. وإذا كان كذلك، كان إدخال «كأن» و «حسبت» عليه، كالقياس على المجهول. وتأمّل هذه النكتة فإنه يضعف ثانيا إطلاق «الاستعارة» على هذا النحو أيضا، لأن موضوع الاستعارة- كيف دارت القضية- على التشبيه. وإذا بان بما ذكرت أن هذا الجنس إذا فليته عن سرّه، ونقّرت عن خبيئه، فمحصوله أنك تدّعي حدوث شيء هو من الجنس المذكور، إلا أنه اختصّ بصفة غريبة وخاصية بديعة، لم يكن يتوهّم جوازها على ذلك الجنس، كأنك تقول: «ما كنّا نعلم أن هاهنا بدرا هذه صفته» كان تقدير التشبيه فيه نقضا لهذا الغرض، لأنه لا معنى لقولك: «أشبّهه ببدر حدث خلاف البدور ما كان يعرف».

стр. 235

وهذا موضع لطيف جدّا لا تنتصف منه إلّا باستعانة الطبع عليه، ولا يمكن توفية الكشف فيه حقّه بالعبارة، لدقّة مسلكه. ويتصل به أن في «الاستعارة» الصحيحة: ما لا يحسن دخول كلم التشبيه عليه. وذلك إذا قوي التشبّه بين الأصل والفرع، حتى يتمكن الفرع في النفس بمداخلة ذلك الأصل والاتحاد به، وكونه إياه. وذلك في نحو «النور» إذا استعير للعلم والإيمان، و «الظلمة» للكفر والجهل. فهذا النحو لتمكّنه وقوّة شبهه ومتانة سببه، قد صار كأنه حقيقة، ولا يحسن لذلك أن تقول في العلم: «كأنه نور»، وفي الجهل: «كأنه ظلمة»، ولا تكاد تقول للرجل في هذا الجنس: «كأنّك قد أوقعتني في ظلمة» بل تقول: «أوقعتني في ظلمة». وكذلك الأكثر على الألسن والأسبق إلى القلوب أن تقول: «فهمت المسألة فانشرح صدري وحصل في قلبي نور»، ولا تقول: «كأنّ نورا حصل في قلبي». ولكن إذا تجاوزت هذا النوع إلى نحو قولك: «سللت منه سيفا على الأعداء»، وجدت «كأن» حسنة هناك كثيرة، كقولك: «بعثته إلى العدوّ فكأني سللت سيفا» وكذلك في نحو: «زيد أسد» و «كأن زيدا أسد». وهكذا يتدرج الحكم فيه، حتى كلّما كان مكان الشبه بين الشيئين أخفى وأغمض وأبعد من العرف، كان الإتيان بكلمة التشبيه أبين وأحسن وأكثر في الاستعمال. ومما يجب أن تجعله على ذكر منك أبدا، وفيه البيان الشافي: أنّ بين القسمين تباينا شديدا أعني بين قولك: «زيد أسد» وقولك: «رأيت أسدا» وهو ما قدّمته لك من أنك قد تجد الشيء يصلح في نحو: «زيد أسد» حيث تذكر المشبّه باسمه أوّلا، ثم تجري اسم المشبّه به عليه، ولا يصلح في القسم الآخر الذي لا تذر فيه المشبّه أصلا وتطرحه. ومن الأمثلة البيّنة في ذلك قول أبي تمام (١): [من الوافر] وكان المطل في بدء وعود ... دخانا للصّنيعة وهي نار قد شبّه المطل بالدّخان، والصنيعة بالنار، ولكنه صرّح بذكر المشبّه، وأوقع المشبّه به خبرا عنه، وهو كلام مستقيم.

стр. 236

ولو سلكت به طريقة ما يسقط فيه ذكر المشبّه فقلت مثلا: «أقبستني نارا لها دخان»، كان ساقطا. ولو قلت: «أقبستني نورا أضاء أفقي به»، تريد علما، كان حسنا، حسنه إذا قلت: «علمك نور في أفقي». والسبب في ذلك أنّ اطّراح ذكر المشبّه والاقتصار على اسم المشبّه به، وتنزيله منزلته، وإعطاءه الخلافة على المقصود، إنما يصحّ إذا تقرّر الشّبه بين المقصود وبين ما تستعير اسمه له، وتستبينه في الدّلالة. وقد تقرّر في العرف الشبه بين النور والعلم وظهر واشتهر، كما تقرر الشّبه بين المرأة والظبية، وبينها وبين الشمس ولم يتقرر في العرف شبه بين الصّنيعة والنار، وإنما هو شيء يضعه الآن أبو تمام ويتمحّله، ويعمل في تصويره، فلا بدّ له من ذكر المشبّه والمشبّه به جميعا حتى يعقل عنه ما يريده، ويبين الغرض الذي يقصده، وإلّا كان بمنزلة من يريد في إعلام السامع أنّ عنده رجلا هو مثل زيد في العلم مثلا، فيقول له: «عندي زيد»، ويسومه أن يعقل من كلامه أنه أراد أن يقول: «عندي رجل مثل زيد»، أو غيره من المعاني. وذلك تكليف علم الغيب. فاعرف هذا الأصل وتبيّنه، فإنك تزداد به بصيرة في وجوب الفرق بين الضربين، وذلك أنهما لو كانا يجريان مجرى واحدا في حقيقة الاستعارة، لوجب أن يستويا في القضيّة، حتى إذا استقام وضع الاسم في أحدهما استقام وضعه في الآخر، فاعرفه. فإن قلت: فما تقول في نحو قولهم: «لقيت به أسدا» و «رأيت منه ليثا». فإنه مما لا وجه لتسميته استعارة، ألا تراهم قالوا: «لئن لقيت فلانا ليلقينّك منه الأسد»، فأتوا به معرفة على حدّه إذا قالوا: «احذر الأسد!»، وقد جاء على هذه الطريقة ما لا يتصوّر فيه التشبيه، فظنّ أنّه استعارة، وهو قوله : لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ [فصلت: ٢٨]، والمعنى:- والله أعلم- أنّ النّار هي دار الخلد، وأنت تعلم أن لا معنى هاهنا لأن يقال: «إن النار شبّهت بدار الخلد»، إذ ليس المعنى على تشبيه النّار بشيء يسمّى «دار الخلد»، كما تقول في زيد: «إنه مثل الأسد»، ثم تقول: «هو الأسد»، وإنما هو كقولك: «النار منزلهم ومسكنهم»، نعوذ بالله منها. وكذا قوله (١): [من البسيط] يأبى الظلامة منه النّوفل الزّفر

стр. 237

المعنى على أنه «النّوفل الزّفر»، وليس الزفر باسم لجنس غير جنس الممدوح كالأسد، فيقال إنه شبّه الممدوح به، وإنما هو صفة كقولك: «هو الشجاع» و «هو السيّد» و «هو النهّاض بأعباء السيادة». وكذلك قوله (١): [من المنسرح] يا خير من يركب المطيّ ولا ... يشرب كأسا بكفّ من بخلاف لا يتصور فيه التشبيه، وإنما المعنى: أنه ليس ببخيل. هذا، وإنما يتصوّر الحكم على الاسم بالاستعارة، إذا جرى بوجه على ما يدّعى أنه مستعار له، والاسم في قولك: «لقيت به أسدا» أو «لقيني منه أسدا»، لا يتصوّر جريه على المذكور بوجه، لأنه ليس بخبر عنه، ولا صفة له، ولا حال، وإنما هو بنفسه مفعول «لقيت» وفاعل «لقيني». ولو جاز أن يجري الاسم، هاهنا مجرى المستعار المتناول المستعار له، لوجب أن نقول في قوله (٢): [من الرجز] حتّى إذا جنّ الظّلام واختلط ... جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط إنه استعار اسم الذئب للمذق، وذلك بيّن الفساد. وكذا نحو قوله (٣): [من البسيط] نبّئت أنّ أبا قابوس أوعدني ... ولا قرار على زأر من الأسد لا يكون استعارة، وإن كنت تجد من يفهم البيت قد يقول: أراد بالأسد

стр. 238

النّعمان، أو شبّهه بالأسد، لأن ذلك بيان للغرض. فأمّا القضية الصحيحة وما يقع في نفس العارف، ويوجبه نقد الصّيرف، فإنّ الأسد واقع على حقيقته حتى كأنه قال: «ولا قرار على زأر هذا الأسد»، وأشار إلى الأسد خارجا من عرينه مهدّدا موعدا بزئيره. وأيّ وجه للشكّ في ذلك، وهو يؤدّي إلى أن يكون الكلام على حدّ قولك: «ولا قرار على زأر من هو كالأسد»؟ وفيه من العيّ والفجاجة شيء غير قليل. هذا، ومن حقّ غالط غلط في نحو ما ذكرت- على قلّة عذره- أن لا يغلط في قول الفرزدق (١): [من الوافر] قياما ينظرون إلى سعيد ... كأنّهم يرون به هلالا ولا يتوهّم أن «هلالا» استعارة لسعيد، لأن الحكم على الاسم بالاستعارة مع وجود التشبيه الصريح، محال جار مجرى أن يكون كلّ اسم دخل عليه كاف التشبيه مستعارا. وإذا لم يغلط في هذا فالباقي بمنزلته، فاعرفه. فصل «في الاتّفاق في الأخذ والسّرقة والاستمداد والاستعانة» اعلم أنّ الشاعرين إذا اتفقا، لم يخل ذلك من أن يكون في الغرض على الجملة والعموم، أو في وجه الدلالة على ذلك الغرض. والاشتراك في الغرض على العموم: أن يقصد كلّ واحد منهما وصف ممدوحه بالشجاعة والسخاء، أو حسن الوجه والبهاء، أو وصف فرسه بالسرعة، أو ما جرى هذا المجرى. وأمّا وجه الدّلالة على الغرض، فهو أن يذكر ما يستدلّ به على إثباته له الشجاعة والسخاء مثلا. وذلك ينقسم أقساما: منها التشبيه بما يوجد هذا الوصف فيه على الوجه البليغ والغاية البعيدة، كالتشبيه بالأسد، وبالبحر في البأس والجود، والبدر والشّمس في الحسن والبهاء والإنارة والإشراق.

стр. 239

ومنها ذكر هيئات تدلّ على الصّفة من حيث كانت لا تكون إلا فيمن له الصّفة، كوصف الرّجل في حال الحرب بالابتسام وسكون الجوارح وقلّة الفكر، كقوله (١): [من الطويل] كأنّ دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شفّ الوجوه لقاء وكذلك الجواد يوصف بالتّهلّل عند ورود العفاة، والارتياح لرؤية المجتدين، والبخيل بالعبوس والقطوب وقلّة البشر، مع سعة ذات اليد ومساعدة الدهر. فأما الاتفاق في عموم الغرض، فما لا يكون الاشتراك فيه داخلا في الأخذ والسرقة والاستمداد والاستعانة، لا ترى من به حسّ يدّعي ذلك، ويأبى الحكم بأنه لا يدخل في باب الأخذ، وإنما يقع الغلط من بعض من لا يحسن التحصيل، ولا ينعم التأمّل، فيما يؤدّي إلى ذلك، حتى يدّعى عليه في المحاجّة أنه بما قاله قد دخل في حكم من يجعل أحد الشاعرين عيالا على الآخر في تصوّر معنى الشجاعة، وأنّها مما يمدح به، وأن الجهل مما يذمّ به، فأمّا أن يقوله صريحا، ويرتكبه قصدا، فلا. وأمّا الاتفاق في وجه الدّلالة على الغرض، فيجب أن ينظر، فإن كان مما اشترك الناس في معرفته، وكان مستقرّا في العقول والعادات، فإنّ حكم ذلك، وإن كان خصوصا في المعنى، حكم العموم الذي تقدّم ذكره. من ذلك التشبيه بالأسد في الشجاعة، وبالبحر في السخاء، وبالبدر في النور والبهاء، وبالصبح في الظهور والجلاء ونفي الالتباس عنه والخفاء. وكذلك قياس الواحد في خصلة من الخصال على المذكور بذلك والمشهور به والمشار إليه، سواء كان ذلك ممن حضرك في زمانك، أو كان ممن سبق في الأزمنة الماضية والقرون الخالية، لأن هذا مما لا يختص بمعرفته قوم دون قوم، ولا يحتاج في العلم به إلى رويّة واستنباط وتدبّر وتأمّل، وإنما هو في حكم الغرائز المركوزة في النفوس، والقضايا التي وضع العلم بها في القلوب. وإن كان مما ينتهي إليه المتكلّم بنظر وتدبّر، ويناله بطلب واجتهاد، ولم يكن كالأوّل في حضوره إياه، وكونه في حكم ما يقابله الذي لا معاناة عليه فيه، ولا حاجة به إلى المحاولة والمزاولة والقياس والمباحثة والاستنباط والاستثارة، بل كان من دونه

стр. 240

حجاب يحتاج إلى خرقه بالنظر، وعليه كمّ يفتقر إلى شقّه بالتفكير، وكان درّا في قعر بحر لا بدّ له من تكلّف الغوص عليه، وممتنعا في شاهق لا يناله إلّا بتجشّم الصعود إليه وكامنا كالنار في الزّند، لا يظهر حتى تقتدحه، ومشابكا لغيره كعروق الذهب التي لا تبدي صفحتها بالهوينا، بل تنال بالحفر عنها وتعريق الجبين في طلب التمكن منها. نعم، إذا كان هذا شأنه، وهاهنا مكانه، وبهذا الشرط يكون إمكانه، فهو الذي يجوز أن يدّعى فيه الاختصاص والسّبق والتقدّم والأوّلية، وأن يجعل فيه سلف وخلف، ومفيد ومستفيد، وأن يقضى بين القائلين فيه بالتفاضل والتباين، وأنّ أحدهما فيه أكمل من الآخر، وأنّ الثاني زاد على الأوّل أو نقص عنه، وترقّى إلى غاية أبعد من غايته، أو انحطّ إلى منزلة هي دون منزلته. واعلم أن ذلك الأوّل الذي هو المشترك العاميّ، والظاهر الجليّ، والذي قلت إنّ التفاضل لا يدخله، والتفاوت لا يصحّ فيه، إنما يكون كذلك ما كان صريحا ظاهرا لم تلحقه صنعة، وساذجا لم يعمل فيه نقش فأمّا إذا ركّب عليه معنى، ووصل به لطيفة، ودخل إليه من باب الكناية والتعريض، والرّمز والتلويح، فقد صار بما غيّر من طريقته، واستؤنف من صورته، واستجدّ له من المعرض، وكسي من دلّ التعرض، داخلا في قبيل الخاصّ الذي يتملّك بالفكرة والتعمّل، ويتوصّل إليه بالتدبّر والتأمّل. وذلك كقولهم، وهم يريدون التشبيه: «سلبن الظّباء العيون»، كقول بعض العرب (١): [من الوافر] سلبن ظباء ذي نفر طلاها ... ونجل الأعين البقر الصّوارا وكقوله (٢): [من البسيط] إنّ السحاب لتستحيي إذا نظرت ... إلى نداك، فقاسته بما فيها وكقوله (٣): [من الكامل] لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا ... إلّا بوجه ليس فيه حياء

стр. 241

وكقوله (١): [من الكامل] واهتزّ في ورق النّدى فتحيّرت ... حركات غصن البانة المتأوّد وكقوله (٢): [من الطويل] فأفضيت من قرب إلى ذي مهابة ... أقابل بدر الأفق حين أقابله إلى مسرف في الجود، لو أنّ حاتما ... لديه، لأمسى حاتم وهو عاذله فهذا كله في أصله ومغزاه وحقيقة معناه تشبيه، ولكن كنى لك عنه، وخودعت فيه، وأتيت به من طريق الخلابة في مسلك السحر ومذهب التّخييل، فصار لذلك غريب الشكل، بديع الفن، منيع الجانب، لا يدين لكل أحد، وأبيّ العطف لا يدين به إلّا للمرويّ المجتهد. وإذا حقّقت النظر، فالخصوص الذي تراه، والحالة التي تراها، تنفي الاشتراك وتأباه، إنما هما من أجل أنهم جعلوا التشبيه مدلولا عليه بأمر آخر ليس هو من قبيل الظاهر المعروف، بل هو في حدّ لحن القول والتعمية اللّذين يتعمّد فيهما إلى إخفاء المقصود حتى يصير المعلوم اضطرارا، يعرف امتحانا واختيارا، كقوله: [من الوافر] مررت بباب هند فكلّمتني ... فلا والله ما نطقت بحرف فكما يوهمك بإتقان اللفظ أنه أراد الكلام، وأن الميم موصولة باللام، كذلك المشبّه إذا قال: «سرقن الظباء العيون»، فقد أوهم أن ثمّ سرقة وأنّ العيون منقولة إليها من الظباء، وإن كنت تعلم إذا نظرت أنّه يريد أن يقول: إن عيونها كعيون الظباء في الحسن والهيئة وفترة النظر. وكذلك يوهمك بقوله: «إن السحاب لتستحيي»، أن السحاب حيّ يعرف ويعقل، وأنه يقيس فيضه بفيض كفّ الممدوح فيخزى ويخجل. فالاحتفال والصّنعة في التصويرات التي تروق السامعين وتروعهم، والتخييلات التي تهزّ الممدوحين وتحرّكهم، وتفعل فعلا شبيها بما يقع في نفس النّاظر إلى التصاوير التي يشكّلها الحذّاق بالتّخطيط والنقش، أو بالنّحت والنقر. فكما أن تلك تعجب وتخلب، وتروق وتؤنق، وتدخل النفس من مشاهدتها حالة غريبة لم تكن قبل رؤيتها، ويغشاها ضرب من الفتنة لا ينكر مكانه، ولا يخفى شأنه.

стр. 242

فقد عرفت قضيّة الأصنام وما عليه أصحابها من الافتتان بها والإعظام لها. كذلك حكم الشعر فيما يصنعه من الصور، ويشكّله من البدع، ويوقعه في النفوس من المعاني التي يتوهّم بها الجماد الصامت في صورة الحيّ الناطق، والموات الأخرس في قضية الفصيح المعرب والمبيّن المميّز، والمعدوم المفقود في حكم الموجود المشاهد، كما قدّمت القول عليه في باب التمثيل، حتى يكسب الدنيّ رفعة، والغامض القدر نباهة. وعلى العكس يغضّ من شرف الشريف، ويطأ من قدر ذي العزّة المنيف، ويظلم الفضل ويتهضّمه، ويخدش وجه الجمال ويتخوّنه، ويعطي الشبهة سلطان الحجّة، ويردّ الحجّة إلى صيغة الشبهة، ويصنع من المادة الخسيسة بدعا تغلو في القيمة وتعلو، ويفعل من قلب الجواهر وتبديل الطبائع ما ترى به الكيمياء وقد صحّت، ودعوى الإكسير وقد وضحت، إلّا أنها روحانية تتلبّس بالأوهام والأفهام، دون الأجسام والأجرام، ولذلك قال (١): [من الطويل] يري حكمة ما فيه وهو فكاهة ... ويقضي بما يقضي به وهو ظالم وقال: [من الطويل] عليم بإبدال الحروف وقامع ... لكلّ خطيب يقمع الحقّ باطله وقال ابن سكّرة فأحسن: [من مخلع البسيط] والشعر نار بلا دخان ... وللقوافي رقى لطيفه لو هجي المسك، وهو أهل ... لكل مدح، لصار جيفه كم من ثقيل المحلّ سام ... هوت به أحرف خفيفه وقد عرفت ما كان من أمر القبيلة الّذين كانوا يعيّرون بأنف الناقة، حتى قال الحطيئة: [من البسيط] قوم هم الأنف والأذناب غيرهم، ... ومن يسوّي بأنف النّاقة الذّنبا فنفى العار، وصحّح الافتخار، وجعل ما كان نقصا وشينا، فضلا وزينا، وما كان لقبا ونبزا يسوء السمع، شرفا وعزّا يرفع الطرف، وما ذاك إلا بحسن الانتزاع، ولطف القريحة الصّناع، والذّهن الناقد في دقائق الإحسان والإبداع، كما كساهم الجمال من حي كانوا عروا منه، وأثبتهم في نصاب الفضل من حيث نفوا عنه، فلربّ

стр. 243

أنف سليم قد وضع الشعر عليه حدّه فجدعه، واسم رفيع قلب معناه حتى حطّ به صاحبه ووضعه، كما قال: [من الكامل] يا حاجب الوزراء! إنّك عندهم ... سعد، ولكن أنت سعد الذابح ومن العجيب في ذلك قول القائل في كثير بن أحمد: [من مخلع البسيط] لو علم الله فيه خيرا ... ما قال: «لا خير في كثير» فانظر من أي مدخل دخل عليه، وكيف بالهوينا هدى البلاء إليه؟ وكثير هذا هو الذي يقول فيه الصاحب: [من الطويل] ومثل كثير في الزّمان قليل فقد صار الاسم الواحد وسيلة إلى الهدم والبناء، والمدح والهجاء، وذريعة إلى التزيين والتهجين. ومن عجيب ما اتفق في هذا الباب قول ابن المعتزّ في ذمّ القمر، واجتراؤه بقدرة البيان على تقبيحه، وهو الأصل والمثل، وعليه الاعتماد والمعوّل في تحسين كل حسن، وتزيين كلّ مزيّن، وأوّل ما يقع في النفوس إذا أريد المبالغة في الوصف بالجمال، والبلوغ فيه غاية الكمال، فيقال: «وجه كأنه القمر»، و «كأنه فلقة قمر»، ذلك لثقته بأنّ هذا القول إذا شاء سحر، وقلب الصور، وأنه لا يهاب أن يخرق الإجماع، ويسحر العقول ويقتسر الطباع، وهو (١): [من الكامل] يا سارق الأنوار من شمس الضّحى ... يا مثكلي طيب الكرى ومنغّصي أمّا ضياء الشمس فيك فناقص ... وأرى حرارة نارها لم تنقص لم يظفر التشبيه منك بطائل، ... متسلّخ بهقا كلون الأبرص وقد علم أن ليس في الدنيا مثلة أخزى وأشنع، ونكال أبلغ وأفظع، ومنظر أحق بأن يملأ النفوس إنكارا، ويزعج القلوب استفظاعا له واستنكارا، ويغري الألسنة بالاستعاذة من سوء القضاء، ودرك الشقاء، من أن يصلب المقتول ويشبّح في الجذع، ثم قد ترى مرثية أبي الحسن الأنباري لابن بقيّة حين صلب، وما صنع فيها من السّحر، حتى قلب جملة ما يستنكر من أحوال المصلوب إلى خلافها، وتأوّل

стр. 244

فيها تأويلات أراك فيها وبها ما تقضي منه العجب (١): [من الوافر] علوّ في الحياة وفي الممات ... بحقّ أنت إحدى المعجزات كأنّ الناس حولك حين قاموا ... وفود نداك أيّام الصّلات كأنك قائم فيهم خطيبا ... وكلّهم قيام للصّلاة مددت يديك نحوهم احتفاء ... كمدّهما إليهم بالهبات ولما ضاق بطن الأرض عن أن ... يضمّ علاك من بعد الممات أصاروا الجوّ قبرك واستنابوا ... عن الأكفان ثوب السّافيات لعظمك في النفوس تبيت ترعى ... بحرّاس وحفّاظ ثقات وتشعل عندك النيران ليلا ... كذلك كنت أيام الحياة ركبت مطيّة، من قبل زيد ... علاها في السّنين الماضيات وتلك فضيلة فيها تأس ... تباعد عنك تعيير العداة أسأت إلى الحوادث فاستثارت، ... فأنت قتيل ثأر النائبات ولو أنّي قدرت على قيامي ... بفرضك والحقوق الواجبات ملأت الأرض من نظم القوافي، ... ونحت بها خلال النائحات ولكنّي أصبّر عنك نفسي ... مخافة أن أعدّ من الجناة وما لك تربة فأقول تسقى، ... لأنّك نصب هطل الهاطلات عليك تحيّة الرّحمن تترى ... برحمات غواد رائحات ومما هو من هذا الباب، إلّا أنه مع ذلك احتجاج عقلي صحيح، قول المتنبي: وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال (٢) فحقّ هذا أن يكون عنوان هذا الجنس، وفي صدر صحيفته، وطرازا لديباجته، لأنه دفع لنقص، وإبطال له، من حيث يشهد العقل للحجّة التي نطق بها بالصّحة. وذلك أن الصّفات الشريفة شريفة بأنفسها، وليس شرفها من حيث الموصوف.

стр. 245

وكيف؟ والأوصاف سبب التفاضل بين الموصوفات، فكان الموصوف شريفا أو غير شريف من حيث الصفة، ولم تكن الصفة شريفة أو خسيسة من حيث الموصوف. وإذا كان الأمر كذلك وجب أن لا يعترض على الصفات الشريفة بشيء إن كان نقصا، فهو في خارج منها، وفيما لا يرجع إليها أنفسها ولا حقيقتها. وذلك الخارج هاهنا هو كون الشخص على صورة دون صورة. وإذا كان كذلك، كان الأمر: مقدار ضرر التأنيث إذا وجد في الخلقة على الأوصاف الشريفة، مقداره إذا وجد في الاسم الموضوع للشيء الشريف، لأنه في أن لا تأثير له من طريق العقل في تلك الأوصاف في الحالين على صورة واحدة، لأن الفضائل التي بها فضّل الرجل على المرأة، لم تكن فضائل لأنها قارنت صورة التذكير وخلقته، ولا أوجبت ما أوجبت من التعظيم لاقترانها بهذه الخلقة دون تلك، بل إنما أوجبته لأنفسها ومن حيث هي، كما أنّ الشيء لم يكن شريفا أو غير شريف من حيث أنّث اسمه أو ذكّر، بل يثبت الشرف وغير الشرف للمسمّيات من حيث أنفسها وأوصافها، لا من حيث أسماؤها، لاستحالة أن يتعدّى من لفظ، هو صوت مسموع، نقص أو فضل إلى ما جعل علامة له، فاعرفه. واعلم أن هذا هو الصحيح في تفسير هذا البيت، والطريقة المستقيمة في الموازنة بين تأنيث الخلقة وتأنيث الاسم، لا أن يقال إنّ المعنى أن المرأة إذا كانت في كمال الرجل من حيث العقل والفضل وسائر الخلال الممدوحة، كانت من حيث المعنى رجلا، وإن عدّت في الظاهر امرأة، لأجل أنه يفسد من وجهين: أحدهما أنه قال: «ولا التذكير فخر للهلال»، ومعلوم أنه لا يريد أن يقول: إن الهلال وإن ذكّر في لفظه فهو مؤنّث في المعنى، لفساد ذلك. ولأجل أنه إن كان يريد أن يضرب تأنيث اسم الشمس مثلا لتأنيث المرأة، على معنى أنها في المعنى رجل، وأن يثبت لها تذكيرا، فأيّ معنى لأن يعود فينحي على التذكير، ويغضّ منه ويقول: «ليس هو بفخر للهلال» هذا بيّن التناقض. فصل «في حدّي الحقيقة والمجاز» واعلم أن حدّ كل واحد من وصفى المجاز والحقيقة إذا كان الموصوف به المفرد، غير حدّه إذا كان الموصوف به الجملة، وأنا أبدأ بحدّهما في المفرد.

стр. 246

كلّ كلمة أريد بها ما وقعت له في وضع واضع، وإن شئت قلت: في مواضعة، وقوعا لا تستند فيه إلى غيره فهي «حقيقة». وهذه عبارة تنتظم الوضع الأوّل وما تأخّر عنه، كلغة تحدث في قبيلة من العرب، أو في جميع العرب، أو في جميع الناس مثلا، أو تحدث اليوم ويدخل فيها الأعلام منقولة كانت كزيد وعمرو، أو مرتجلة كغطفان وكلّ كلمة استؤنف لها على الجملة مواضعة، أو ادّعي الاستئناف فيها. وإنما اشترطت هذا كلّه، لأنّ وصف اللّفظة بأنها حقيقة أو مجاز، حكم فيها من حيث إنّ لها دلالة على الجملة، لا من حيث هي عربية أو فارسية، أو سابقة في الوضع، أو محدثة، مولّدة. فمن حقّ الحدّ أن يكون بحيث يجري في جميع الألفاظ الدالّة. ونظير هذا نظير أن تضع حدّا للاسم والصفة، في أنك تضعه بحيث لو اعتبرت به لغة غير لغة العرب، وجدته يجري فيها جريانه في العربية، لأنك تحدّ من جهة لا اختصاص لها بلغة دون لغة. ألا ترى أن حدّك «الخبر» بأنه «ما احتمل الصدق والكذب» مما لا يخصّ لسانا دون لسان؟ ونظائر ذلك كثيرة، وهو أحد ما غفل عنه الناس، ودخل عليهم اللبس فيه، حتى ظنّوا أنه ليس لهذا العلم قوانين عقلية، وأنّ مسائله مشبّهة باللغة، في كونها اصطلاحا يتوهّم عليه النقل والتبديل. ولقد فحش غلطهم فيه، وليس هذا موضع القول في ذلك. وإن أردت أن تمتحن هذا الحدّ، فانظر إلى قولك: «الأسد»، تريد به السّبع، فإنك تراه يؤدّي جميع شرائطه، لأنّك قد أردت به ما تعلم أنّه وقع له في وضع واضع اللغة. وكذلك تعلم أنه غير مستند في هذا الوقوع إلى شيء غير السّبع، أي: لا يحتاج أن يتصوّر له أصل أدّاه إلى السبع من أجل التباس بينهما وملاحظة. وهذا الحكم إذا كانت الكلمة حادثة، ولو وضعت اليوم، متى كان وضعها كذلك، وكذلك الأعلام. وذلك أنّي قلت: «ما وقعت له في وضع واضع أو مواضعة» على التنكير، ولم أقل: «في وضع الواضع الذي ابتدأ اللغة»، أو «في المواضعة اللغوية»، فيتوهّم أن الأعلام أو غيرهما مما تأخّر وضعه عن أصل اللغة يخرج عنه. ومعلوم أن الرجل يواضع قومه في اسم ابنه، فإذا سمّاه «زيدا»، فحاله الآن فيه كحال واضع اللغة حين جعله مصدرا «لزاد يزيد»، وسبق واضع اللغة له في وضعه للمصدر المعلوم، لا يقدح في اعتبارنا، لأنه يقع عند تسميته به ابنه وقوعا باتّا، ولا تستند حاله هذه إلى السابق من حاله بوجه من الوجوه.

стр. 247

وأمّا المجاز، فكلّ كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها، لملاحظة بين الثاني والأوّل، فهي مجاز وإن شئت قلت: «كلّ كلمة جزت بها ما وقعت به في وضع الواضع إلى ما لم توضع له، من غير أن تستأنف فيها وضعا، لملاحظة بين ما تجوّز بها إليه، وبين أصلها الذي وضعت له فيوضع واضعها، فهي «مجاز». ومعنى «الملاحظة»: هو أنها تستند في الجملة إلى غير هذا الذي تريده بها الآن، إلا أنّ هذا الاستناد يقوى ويضعف. بيانه ما مضى من أنّك إذا قلت: «رأيت أسدا»، تريد رجلا شبيها بالأسد، لم يشتبه عليك الأمر في حاجة الثاني إلى الأوّل. إذ لا يتصوّر أن يقع الأسد للرجل على هذا المعنى الذي أردته على التشبيه على حدّ المبالغة، وإيهام أنّ معنى من الأسد حصل فيه إلا بعد أن تجعل كونه اسما للسبع إزاء عينيك. فهذا إسناد تعلمه ضرورة، ولو حاولت دفعه عن وهمك حاولت محالا. فمتى عقل فرع من غير أصل، ومشبّه من غير مشبّه به؟ وكلّ ما طريقه التشبيه فهذا سبيله أعني: كل اسم جرى على الشيء للاستعارة، فالاستناد فيه قائم ضرورة. وأما ما عدا ذلك، فلا يقوى استناده هذه القوة، حتى لو حاول محاول أن ينكره أمكنه في ظاهر الحال، ولم يلزمه به خروج إلى المحال، وذلك كاليد للنعمة: لو تكلّف متكلّف فزعم أنه وضع مستأنف أو في حكم لغة مفردة، لم يمكن دفعه إلّا برفق وباعتبار خفيّ، وهو ما قدّمت من أنّا رأيناهم لا يوقعون هذه اللفظة على ما ليس بينه وبين هذه الجارحة التباس واختصاص. ودليل آخر، وهو أن «اليد» لا تكاد تقع للنعمة إلا وفي الكلام إشارة إلى مصدر تلك النعمة، وإلى المولي. لها، ولا تصلح حيث تراد النعمة مجرّدة من إضافة لها إلى المنعم أو تلويح به. بيان ذلك: أنك تقول: «اتسعت النعمة في البلد»، ولا تقول: «اتّسعت اليد في البلد»، وتقول: «أقتني نعمة»، ولا تقول: «اقتني يدا»، وأمثال ذلك تكثر إذا تأمّلت وإنما يقال: «جلّت يده عندي»، و «كثرت أياديه لديّ»، فتعلم أن الأصل صنائع يده وفوائده الصادرة عن يده وآثار يده. ومحال أن تكون «اليد» اسما للنعمة هكذا على الإطلاق، ثم لا تقع موقع النعمة. لو جاز ذلك، لجاز أن يكون المترجم للنعمة باسم لها في لغة أخرى، واضعا اسمها من تلك اللغة في مواضع لا تقع النعمة فيها من لغة العرب، وذلك محال.

стр. 248

ونظير هذا قولهم في صفة راعي الإبل: «إنّ له عليه إصبعا»، أي: أثرا حسنا، وأنشدوا (١): [من الطويل] ضعيف العصا، بادي العروق، ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا وأنشد شيخنا ﵀ مع هذا البيت قول الآخر: [من الرجز] صلب العصا بالضّرب قد دمّاها أي: جعلها كالدّمى في الحسن. وكأن قوله: «صلب العصا»، وإن كان ضدّ قول الآخر: «ضعيف العصا»، فإنهما يرجعان إلى غرض واحد، وهو حسن الرّعية، والعمل بما يصلحها ويحسن أثره عليها. فأراد الأول بجعله «ضعيف العصا» أنه رفيق بها مشفق عليها، لا يقصد من حمل العصا أن يوجعها بالضرب من غير فائدة، فهو يتخيّر ما لان من العصيّ، وأراد الثاني أنه جيّد الضّبط لها عارف بسياستها في الرّعي، ويزجرها عن المراعي التي لا تحمد، ويتوخّى بها ما تسمن عليه، ويتضمّن أيضا أنه يمنعها عن التشرّد والتبدّد وأنها، لما عرفت من شدّة شكيمته وقوة عزيمته، وتنساق وتستوسق في الجهة التي يريدها، من غير أن يجدّد لها في كل حال ضربا. وقال آخر: [من الرجز] صلب العصا جاف عن التّغزّل فهذا لم يبيّن ما بيّنه الآخر وأعود إلى الغرض فأنت الآن لا تشكّ أن «الإصبع» مشار بها إلى إصبع اليد، وأن وقوعها بمعنى الأثر الحسن، ليس على أنه وضع مستأنف في إحدى اللغتين. ألا تراهم لا يقولون: «رأيت أصابع الدار»، بمعنى: آثار الدار، و «له إصبع حسنة»، و «إصبع قبيحة»، على معنى: أثر حسن وأثر قبيح ونحو ذلك، وإنّما أرادوا أن يقولوا: «له عليها أثر حذق»،

стр. 249

فدلّوا عليه بالإصبع، لأن الأعمال الدقيقة له اختصاص بالأصابع، وما من حذق في عمل يد إلا وهو مستفاد من حسن تصريف الأصابع، واللّطف في رفعها ووضعها، كما تعلم في الخطّ والنقش وكلّ عمل دقيق. وعلى ذلك قالوا في تفسير قوله : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ [القيامة: ٤]، أي: نجعلها كخفّ البعير فلا تتمكّن من الأعمال اللّطيفة. فكما علمت ملاحظة «الإصبع» لأصلها، وامتناع أن تكون مستأنفة بأنك رأيتها لا يصحّ استعمالها حيث يراد الأثر على الإطلاق، ولا يقصد الإشارة إلى حذق في الصنعة، وأن يجعل أثر الإصبع إصبعا كذلك ينبغي أن تعلم ذلك في «اليد» لقيام هذه العلّة فيها، أعني: إن لم يجعل أثر اليد يدا، لم تقع للنعمة مجرّدة من هذه الإشارات، وحيث لا يتصوّر ذلك كقولنا: «أقتني نعمة»، فاعرفه. ويشبه هذا في أن عبّر عن أثر اليد والإصبع باسمهما، وضعهم الخاتم موضع الختم كقولهم: «عليه خاتم الملك»، و «عليه طابع من الكرم»، والمحصول أثر الخاتم والطابع، قال (١): [من الطويل] وقلن حرام قد أخلّ بربّنا ... وتترك أموال عليها الخواتم وكذا قول الآخر (٢): [من الوافر] إذا قضّت خواتمها وفكّت ... يقال لها دم الودج الذبيح وأما تقدير الشيخ أبي عليّ في هذين البيتين حذف المضاف، وتأويله على معنى: «وتترك أموال عليها نقش الخواتم»، و «إذا فضّ ختم خواتمها»، فبيان لما يقتضيه الكلام من أصله، دون أن يكون الأمر على خلاف ما ذكرت من جعل أثر الخاتم خاتما. وأنت إذا نظرت إلى الشعر من جهته الخاصّة به، وذقته بالحاسّة المهيّأة لمعرفة طعمه، لم تشكّ في أن الأمر على ما أشرت لك إليه ويدلّ على أن المضاف قد

стр. 250

وقع في المنسأة، وصار كالشّريعة المنسوخة، تأنيث الفعل في قوله «إذا فضّت خواتمها»، ولو كان حكمه باقيا لذكّرت الفعل كما تذكّره مع الإظهار، ولاستقصاء هذا موضع آخر. وينظر إلى هذا المكان قولهم: «ضربته سوطا»، لأنهم عبّروا عن الضربة التي هي واقعة بالسّوط باسمه، وجعلوا أثر السّوط سوطا. وتعلم على ذلك أن تفسيرهم له بقولهم: إن المعنى: «ضربته ضربة بسوط»، بيان لما كان عليه الكلام في أصله، وأنّ ذلك قد نسي ونسخ، وجعل كأن لم يكن، فاعرفه. وأمّا إذا أريد باليد القدرة، فهي إذن أحنّ إلى موضعها الذي بدئت منه، وأصبّ بأصلها، لأنك لا تكاد تجدها تراد معها القدرة، إلا والكلام مثل صريح، ومعنى القدرة منتزع من «اليد» مع غيرها، أو هناك تلويح بالمثل. فمن الصريح قولهم: «فلان طويل اليد»، يراد: فضل القدرة، فأنت لو وضعت القدرة هاهنا في موضع اليد أحلت، كما أنك لو حاولت في قول النبي ﷺ وقد قالت له نساؤه ﷺ : «أيّتنا أسرع لحاقا بك يا رسول الله»؟ فقال: «أطولكنّ يدا»، يريد السخاء والجود وبسط اليد بالبذل أن تضع موضع «اليد» شيئا مما أريد بهذا الكلام، خرجت من المعقول. وذلك أن الشّبه مأخوذ من مجموع الطويل واليد مضافا ذاك إلى هذه، فطلبه من «اليد» وحدها طلب الشيء على غير وجهه. ومن الظاهر في كون الشبه مأخوذا ما بين «اليد»، وغيرها قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات: ١]، المعنى: على أنهم أمروا باتّباع الأمر، فلما كان المتقدّم بين يدي الرّجل خارجا عن صفة المتابع له، ضرب جملة هذا الكلام مثلا للاتباع في الأمر، فصار النّهي عن التقدّم متعلّقا باليد نهيا عن ترك الاتباع. فهذا مما لا يخفى على ذي عقل أنه لا تكون فيه «اليد» بانفرادها عبارة عن شيء، كما قد يتوهّم أنها عبارة عن النعمة ومتناولة لها، كالوضع المستأنف، حتى كأن لم تكن قطّ اسم جارحة. وهكذا قول النبي ﷺ : «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم»، المعنى: وإن كان على قولك: «وهم عون على من سواهم»، فلا تقول: إن «اليد» بمعنى: العون حقيقة، بل المعنى: أن مثلهم مع كثرتهم في وجوب الاتّفاق بينهم، مثل اليد الواحدة فكما لا يتصوّر أن يخذل بعض أجزاء اليد بعضا، وأن تختلف بها الجهة في التصرف، كذلك سبيل المؤمنين في
следующие страницы →