Полный текст (1 375 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الذكر بعد الصلاة
١ - كان ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثًا وقال:
(اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام). "رواه مسلم"
٢ - وكان رسول الله ﷺ إذا سلّم لم يَقْعُد إلا مِقْدار ما يقول: (اللهم أنتَ السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلالِ والإِكرام).
"رواه مسلم"
٣ - وكان رسول الله ﷺ يقول في دُبُر كلِّ صلاة مكتوبة:
(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مَانِعَ لما أعْطيْتَ ولا مُعْطِيَ لما مَنَعْتَ ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ). [الجدّ: الحظ والغنى] "رواه مسلم"
٤ - وكان رسول الله ﷺ يتعوّذ دُبُر الصلاة:
(اللهم إني أعوذ بك مِن الجُبن، وأعوذ بك من البُخْل، وأعوذ بك مِن أرْذَلِ العُمُر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر). "رواه البخاري"
٥ - وقال رسول الله ﷺ : (مَن قرأ آيَة الكُرسي دُبُر كلِّ صلاة، لم يَمنعه مِن دخولِ الجنة إلا الموت). "صحيح رواه النسائي"
٦ - وقال رسول الله ﷺ لمُعاذ: "والله إني لأحِبُّكَ فقال: أوصيك يا معاذ: لا تَدَعَنَّ دُبُرَ كل صلاة تقول:
اللهم أعِني على ذِكرك وشكركَ وحُسن عبادتك). "صحيح رواه النسائي"
٧ - وقال رسول الله ﷺ :
(مُعَقِّباتٌ لا يَخيبُ قائِلُهنَّ:
ثلاث وثلائون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربعٌ وثلاثون تكبيرة، في دُبُر كل صلاة مكتوبة). " رواه مسلم"
٨ - وقال رسول الله ﷺ : (مَن سبّح الله في دُبُر كُل صَلاة ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ الله ثلاثًا وثلاثين، وكبِّر ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعٌ وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلَّا الله
стр. 1332
وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير غُفِرتْ خطاياه وإن كانت مثلَ زبد البحر). "رواه مسلم"
٩ - وكان رسول الله ﷺ يقول دُبُر كل صلاة حين يُسَلِّم:
(لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلَا بالله، لا إله إلَّا الله ولا نعبدُ إلا إياه، له النعْمَةُ، وله الفضلُ، وله الثناء الحسنُ. لا إله إلا الله مُخلِصِين له الدين ولو كره الكافرون). "رواه مسلم"
١٠ - وقال رسول الله ﷺ : (خَصلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم إلَّا دخل الجنة، ألَا وهما يسير، ومَن يعملُ بهما قليل، يُسبح الله في دُبُر كُل صلاة عشرًا، ويَحمَده عشرًا، ويُكبَر عشرًا، فذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، ويُكَبرُ أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه، ويَحمَدُهُ ثلاثًا وثلاثين ويُسبّح ثلاثًا وثلاثين، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان.
فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ "صحيح رواه أحمد"
١١ - وعن عقبة بن عامر قال:
(أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذتين دُبُر كُل صلاة). "متفق عليه"
ولفظ أحمد وأبي داود: بالمعوذات:
[قل هو الله أحد] مِن المعوذات.
стр. 1333
الذكر عند الغضب
١ - قال الله تعالى.: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ "فصلت: ٣٦"
٢ - وقال سليمان بن صُرَد: كنت جالسًا مع رسول الله غير ورجلان يَسْتبَّان وأحدهما قد احمر وجْهُه، وانتفخت أوْدَاجُه!!
فقال رسول الله ﷺ :
(إني أعلَمُ كلمة لو قالها لذهبَ عنه ما يجد لو قال:
أعوذ بالله مِن الشيطان الرجيم، ذهبَ عنه ما يجد). "رواه البخاري مسلم"
٣ - وقال رسول الله ﷺ : (إذا غضب أحدكم وهو قائم، فلْيجلِسْ، فإن ذهب عنه الغضب، وإلَّا فلْيضْطَجِعْ).
"حسن رواه أبو داود"
стр. 1334
الذكر عند الكرب والمصائب
١ - كان رسول لله ﷺ يدعو عند الكرب:
(لا إله إلَّا الله العظيم الحليم، لا إله إلَّا الله رَبُّ العرش العظيم، لا إله إلَّا الله رَبُّ السماواتِ السبع، ورَب الأرض، ورَبُّ العرش الكريم).
"رواه البخاري ومسلم"
٢ - وقال رسول الله ﷺ : (دعواتُ المكروب: اللهم رَحمتَك أرجو، فلا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عَين، وأصلحْ لي شأني كله، لا إله إلَّا أنت). "حسن رواه أحمد"
٣ - وقال رسول الله ﷺ : (ما أصاب عبدًا هَمٌّ ولا حزنٌ فقال:
اللهم إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أمَتِكَ، ناصِيتَي بيدك ماض فيَّ حُكْمُك عَدْلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكل اسم هو لكَ سَمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمتهَ أحدًا مِن خلقك، أو اسْتأثَرْتَ به في علم الغيب عندك أن تجعلَ القرآن ربيعَ قلبي ونورَ صَدري، وجلاء حُزني وذهاب همِّي، إلَّا أذهبَ الله هَمَّه وحُزنه وأبدَله مكانه فرَحًا). "صحيح رواه أحمد"
٤ - وقال رسول الله ﷺ : (ما مِن عبدٍ تُصيبُهُ مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهِم أْجُرْني في مُصيَبتي، واخْلُفْ لي خيرًا منها، إلَّا آجَرَهُ الله في مُصيبته وأخْلَفَ له خيرًا منها). "رواه مسلم"
الذكر وكفارة المجلس
١ - قال رسول لله ﷺ :
(ما مِن قوم يقومون مِن مَجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلَّا قاموا عن مثل جيفَة حِمارٍ، وكان ذلك المجلسُ عليهم حَسْرة يوم القيامة).
"صحيح رواه أبو داود"
٢ - وقال رسول الله ﷺ :
(مَن جلس في مجلس فكثُر فيه لَغَطُهُ فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك:
سبحانك اللهم وبحمدك. أشهد أن لا إله إلَّا أنتَ أستغفِرُكَ وأتوبُ إليك، إلَّا كفَّر الله له ما كان في مجلسه ذلك). "صحيح رواه الترمذي"
стр. 1335
احذر قراءة هذه الكتب
قدمت لك هذه المجموعة من الأدعية والآداب والأذكار من القرآن والأحاديث "الصحيحة" وعليك أن تحذر هذه الكتب:
١ - الدعاء المستجاب من السنة والكتاب لمؤلفه أحمد عبد الجواد، فقد رأيت فيه أحاديث ضعيفة ومتناقضات، فقد ذكر أحاديث صحيحة تمنع المسلمين من قراءة القرآن في ركوع الصلاة، ثم ذكر قراءة آية مِن القرآن عند الركوع، وقد رأيته في الحرم المدني ونصحته فلم يستجب، بل غضب وردًّا لحق!.
٢ - المجموعة المباركة لمحمد عبده بابا: فيها كذب لا يخفى على كل مسلم.
٣ - العهود السليمانية: ويزعم صاحبها أن سليمان أخذ العهد على الحيات وكلها كذب.
٢ - وصية الشيخ أحمد خادم الحجرة النبوية: ويزعم فيها أنه رأى الرسول ﷺ وقال له: خذ هذه الوصية واكتبها أربعين مرة فيحصل لك مِن الخير كذا وكذا، وإذا لم يكتبها يحصل له مِن الشر كذا وكذا، وفيها مِن الكذب الظاهر، وقد نبه عليها سماحة الشيخ ابن باز، وأبطلها.
٥ - أفضل الصلوات للشيخ يوسف النبهاني قال في كتابه:
(اللهم صَلّ على مُحمدٍ حتى تجعل منه الأحَدِيّة القَيومِية).
أقول: الأحدِية القيومية مِن صفات الله، جعلها للرسول ﷺ .
٦ - دليل الخيرات: فيه صلوات مبتدعة تخالف الكتاب والسنة، وقد وصف الرسول ﷺ بأنه أجير، وجرثومة، وغيرها من الأوصاف، وفيه أدعية شركية وإلحادية كقوله: اللهم انشلني مِن أوحال التوحيد وأغرقني في عين بحر الوحدة ... إلى آخره.
٧ - رأيت كتابًا للأستاذ محمود مهدي استانبولي عنوانه:
(حَرقوا هذه الكتب) ذكر فيها أسماء كتب كثيرة منها:
كتاب الطبقات الكبرى للشعراني، وكرامات الأولياء للشعراني، وخزائن الأسرار، ونزهة المجالس، والروض الفائق، ومكاشفات القلوب للغزالي، والعرائس للثعالبي، فكلها كتب يحرم طبعها وبيعها وقراءتها إلَّا على وجه الإِنكار والرد عليها؛ وذلك لما فيها من المخالفات الشرعية.
стр. 1336
(٩)
فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ﷺ -
стр. 1337
موجز فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ﷺ
* الأمر بالصلاة والسلام على النبي ﷺ
* حكم الصلاة على النبي ﷺ
* صفة الصلاة على النبي ﷺ
* فضل الصلاة على النبي ﷺ
* معنى الصلاة والسلام والبركة
* مواضع الصلاة على النبي ﷺ .
* فوائد الصلاة على النبي ﷺ .
* الجهر والاسرار بالصلاة على النبي ﷺ
* كيفية الصلاة على النبي ﷺ
* الصلوات المبتدعة والصلاة النارية
* كتاب دلائل الخيرات وما فيه
* حسان يمدح الرسول ﷺ
* من مكارم أخلاق الرسول ﷺ -
стр. 1338
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد .. فإن موضوع (فضائل الصلاة والسلام على النبي ﷺ ) مُهِمٌ جدًا؛ لأنها من العبادة التي أمرنا الله تعالى بها في قوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "الأحزاب: ٥٦"
قال رسول الله ﷺ : (مَن صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه بها عَشرًا). "رواه مسلم"
وقال ﷺ : (مَن صلَّى عليَّ واحدة صلَّى الله عليه عشر صلوات، وحَطَّ عنه عشرَ خطيئات، ورفع له عشر درجات). "صحيح رواه أحمد وغيره"
وبما أن الصلاة على النبي ﷺ من العبادة، فلا بد لها من التقيد بما ورد في السنة، وأن نبتعد عن الصلوات المبتدعة التي أحدثها المتأخرون.
وقد ذكرت حكم الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة والدعاء وفي المجالس، وعند ذى اسمه ﷺ ، كما ذكرت معنى الصلاة والسلام على النبي وآله ﷺ ، وفوائدها.
والله أسال أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لله تعالى.
محمد بن جميل زينو
١٠/ ١/ ١٤١٧ هـ
стр. 1339
الأمر بالصلاة والسلام على النبي ﷺ -
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "الأحزاب: ٥٦".
١ - قال ابن عباس: يًصَلّون: يُبرِّكون. [أي يدعون له بالبركة].
٢ - وقال أبو العالية: صلاة الله تعالى ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. "رواه البخاري تعليقًا"
٣ - وقال ابن كثير: والمقصود من هذه الآية أن الله أخبر عبادة بمنزلة عبده ونبيه في الملأ الأعلى بأنه يُثني عليه عند الملائكة المقرَّبين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين: السفلي والعلوي جميعًا.
٤ - وقال القرطبي: هذه الآية شرف الله بها رسوله ﷺ حياته وموته، وذكر منزلته منه، والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومِن الأُمة الدعاء والتعظيم لأمره؛ وقد أمر الله تعالى عبادة بالصلاة على نبيه محمد ﷺ دون أنبيائه تشريفًا له.
من فوائد الآية
١ - بيان شرف الرسول ﷺ ومنزلته العالية عند ربه.
٢ - الأمر بالصلاة والسلام عليه من الله تعالى.
٣ - الصلاة والسلام على النبي من صفات المؤمنين.
٤ - لم يأمرنا الله بقراءة الفاتحة للرسول ﷺ -كما يفعله البعض.
стр. 1340
حكم الصلاة على النبي ﷺ -
١ - قال القرطبي: لا خلاف في أن الصلاة عليه فرض في العمر مرة، وفي كل حين من الواجبات وجوب السنن المؤكدة التي لا يسع تركها ولا يغفلها إلَّا مَن لا خير فيه.
٢ - الصلاة على النبي ﷺ واجبة مرة عند الطحاوي، وكلما ذكر اسمه عند الكرخي، وهو الإحتياط، وعليه الجمهور.
وقال أبو السعود وهذه الآية:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "الأحزاب: ٥٦"
دليل على وجوب الصلاة والسلام عليه مطلقًا من غير تكرار.
وقال القسطلاني: قيل هي مستحبة، وقيل واجبة في التشهد الأخير من كل صلاة، وعليه الشافعي, وهو رواية عن الإِمام أحمد.
وقيل تجب في الصلاة من غير تعيين لمحل منها، وقيل تجب في خارج الصلاة، وقيل كما ذُكر، وقيل في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره فيه، وقيل تجب في العمر مرة واحدة، وقيل تجب في الجملة من غير حصر، وقيل يجب الإِكثار منها من غير تقييد بعدد.
٣ - وقوله: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ مَصدر مؤكد، قال الإِمام:
ولم تؤكد الصلاة لأنها مُؤكَّدة بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
٤ - وقيل: إن السلام تسليمه عما يؤذيه، فلما جاءت هذه الآية -عقيب ذكر ما يؤدي النبي ﷺ ؛ والأذية: إنما هي من البشر- فناسب التخصيص بهم والتأكيد.
أقول: هذه الآية من باب الإكتفاء على حد قوله تعالى:
﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ...﴾ أي والبرد.
والمعنى: إن الله وملائكته يُصَلون على النبي ويُسلِّمون.
"انظر فتح البيان للمفسر صديق حسن خان ٧/ ٤٠٩"
стр. 1341
حكم الصلاة على النبي في الصلاة
عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله أما السلام فقد عرفنا فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: قولوا:
(اللهم صَل على محمد وعلى آلِ محمد ...) وذكره.
"رواه أحمد وغيره وأصله في مسلم"
١ - ومن ههنا ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. "انظر تفسير ابن كثير ٨٣"
٢ - قوله: (قولوا) استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد، وإلى ذلك ذهب عمر وابنه عبد الله، وابن مسعود، وجابر بن زيد، والشعبي، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو جعفر الباقر، والهادي والقاسم والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحق، وابن المواز، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي.
وذهب الجمهور إلى عدم الوجوب: منهم مالك وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي وغيرهم. "نيل الأوطار جـ٢/ ٣٢١"
إن هذا الأمر (قولوا) يصلح للاستدلال به على الوجوب، وأما على بطلان الصلاة بالترك ووجوب الإِعادة لها فلا؛ لأن الواجب لا يستلزم عدمه العدم، كما يستلزم ذلك الشروط والأركان. "انظر تفسير الشوكاني ج ٤/ ٣٠١"
٣ - وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على تخصيص التشهد الأخير بها حديث:
(أن النبي ﷺ كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرُّضَفْ).
[الرضَفُ: الحجارة الحامية] "ضعفه الألباني وغيره"
وليس فيه إلَّا مشروعية التخفيف وهو يحصل بجعله أخف من التشهد الأخير.
"نيل الأوطار ٣٢٤"
٤ - والصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول مذهب الشافعي كما نص عليه في كتابه (الأُم) وصرح به النووي وهو اختيار الوزير ابن هبيرة الحنبلي في (الإِفصاح) ونقله ابن رجب في: (ذيل الطبقات).
стр. 1342
صفة الصلاة على النبي ﷺ -
١ - عن أبي مسعود البدري ﵁ قال:
أقبل رجل حتى جلس بين يدي النبي ﷺ ونحن عنده فقال: يا رسول الله:
أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نُصلِّي عليك إذا"نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك؟ قال: (قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صَليتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آلي إبراهيم في العالَمين إنك حميد مجيد. والسلام كما قد علمتم).
"رواه مسلم"
٢ - عن كعب بن عجرة ﵁ قال:
خرج علينارسول الله ﷺ فقلنا: قد عرفنا كيف نسلِّم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: (قولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صَليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
"رواه البخاري ومسلم"
٣ - عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا: يا رسول الله كيف نصليِ عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : (قولوا: اللهم صَل على محمد وعلى أزواجه وذُرِّيته، كما صلِّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد). "رواه البخاري ومسلم"
٤ - عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: (قل: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صَليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد).
"صحيح رواه أحمد"
٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال إنهم سألوا رسول الله ﷺ قال: (قولوا: اللهم صَلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد).
"صحيح رواه الطحاوي"
стр. 1343
فضل الصلاة على النبي ﷺ -
١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(مَن صَلَّى علَيَّ واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا). "رواه مسلم"
٢ - عن أبي الدرداء: قال رسول الله ﷺ :
(مَن صَلَّى عليَّ حين يُصبح عشرًا، وحين يُمسي عشرًا، أدركته شفاعتي يوم القيامة). "حسن رواه الطبراني"
٣ - عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(إن لله ملائكه سَيَّاحين يُبلِّغوني عن أُمتي السلام). "صحيح رواه النسائي"
٤ - عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(مَن صَلَّى عليَّ واحدة صَلى الله عليه عشرَ صلوات، وحَطَّ عنه عشرَ خطيئات، ورفع له عشرَ درجات). "صحيح رواه أحمد وغيره"
٥ - وعن عبد الله بن بُسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
(كُلُّ دعاء محجوب حتى يُصلى على النبي ﷺ ).
"رواه ابن المخلد في المنتقى وهو حسن بشواهده"
٦ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البخيل مَن ذُكرتُ عنده فلم يُصَلِّ علَيَّ). "حسن رواه الترمذي"
٧ - وعن زيد بن خارجة ﵁ قال:
أنا سألت رسول الله ﷺ ؟ قال:
(صَلُّوا عَليَّ فاجتهدوا في الدعاء وقولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد). "حسن رواه النسائي"
٨ - عن أُبي بن كعب ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يخرج في ثلُثي الليل فيقول:
(جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه).
وقال أُبي: يا رسول الله ﷺ إني أُصلِّيَ مِن الليل، أفأجعل لك ثلُث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ : (الشَّطْر) [أي النصف].
стр. 1344
قال: أفاجعل لك شطرَ صلاتي؟
قال رسول الله ﷺ : (الثلثان أكثر).
قال: أفأجعل لك صلاتي كلها؟
قال رسول الله ﷺ : (إذن يُغفر لك ذنبك كله).
"جيد رواه الترمذي"
المعنى: أن الصحابي أراد أن يجعل من الليل وقتًا معينًا للصلاة على النبي ﷺ .. ، فقال له النبي ﷺ : إذا جعلتَ هذا الوقت من الليل كله للصلاة عليَّ يُغفر ذنبك كله.
стр. 1345
معنى الصلاة والسلام والبركة
١ - أما الصلاة فهي في اللغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ "التوبة: ١٠٣"
أ - وأما مِن الله ثناؤه عليه وذكره في الملأ الأعلى.
وقيل: مغفرته ورحمته وهو ضعيف.
وصلاة الملائكة وغيرهم: الدعاء بالصلاة من الله على نبيه ﷺ ، والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة.
ب - قال الحافظ: وقال الحليمي في الشعب: معنى الصلاة على النبي ﷺ (تعظيمه) فمعنى قولنا: اللهم صَل على محمد: (عَظِّمْ محمدًا) والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار مثوبته، وتشفيعه في أمته، وإبداء فضيلته بالمقام المحمود. وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: ﴿صلُّوا عليه﴾: ادعوا ربكم بالصلاة عليه. ا. هـ.
جـ - وقال ابن القيم: بل الصلاة المأمور بها فيها "أي في الآية" هي الطلب من الله ما أخبر به عن صلاته وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه وإظهار لفضله وشرفه، وإرادة تكريمه وتقريبه. فهي تتضمن الخبر والطلب، وسُمي هذا السؤال والدعاء منا نحن صلاة عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ثناء المصلي عليه والإِشارة بذكر شرفه وفضله، والإِرادة والمحبة كذلك من الله تعالى فقد تضمنت الخبر والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سُمي منا صلاة لسؤالنا مِن الله أن يصلي عليه؛ فصلاة الله عليه: ثناؤه وإرادته لرفع ذكره وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. ا. هـ. "جلاء الأفهام ص ٨١"
٢ - وأما معنى التسليم: فهو السلام الذي هو من أسماء الله الحسنى عليك: وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات وسلمت من المكاره والآفات؛ إذ كان اسم الله تعالى إنما يُذكر على الأمور توقعًا لاجتماع معاني الخير والبركة فيها، وانتفاء عوارض الخلل والفساد عنها.
стр. 1346
ويحتمل أن يكون"السلام" بمعنى"السلامة" أي:
ليكن قضاء الله تعالى عليك السلامة. أي:
"سَلِمتَ من الملام والنقائص" فإذا قلت: اللهم سلِّم على محمد، فإنما تريد منه: اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأُمته وذكره السلامة من كل نقص فتزداد دعوته على مَمَر الأيام علُوًا وأُمته تكاثرًا وذِكره ارتفاعًا.
٣ - وأما البركة فهي النَّماء والزيادة، والتبريك الدعاء بذلك ويقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له.
وأما قوله:
(وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم).
فهذا دعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم وإدامته وثبوته له ومضاعفته له وزيادته. "انظر جلاء الأفهام ص ١٦٥"
стр. 1347
مَن هم آل النبي ﷺ -؟
اختلف العلماء في مَن هُم آل النبي- ﷺ على أربعة أقوال:
١ - إنهم الذين حُرمت الصدقة عليهم، وهم بنو هاشم وبنو المطلب.
٢ - إنهم ذرِّيته وأزواجُه خاصة.
٣ - إنهم أتباعه إلى يوم القيامة.
٤ - إنهم الأتقياء مِن أُمته.
والراجح من أقوال العلماء هو القول الأول للأدلة الآتية:
أ - عن أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يؤتى بالتمر عند صِرَام النخل، فيجيء هذا بتمرة، وهذا مِن تمره حتى يصير عنده كوم مِن تمر، فجعل الحَسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله ﷺ فأخرجها من فيه، فقال:
(أما علمتَ أن آل محمدٍ لا يأكلون الصدقة). "رواه البخاري"
[صِرام النخل: قطفه].
ب - عن عائشة ﵂ قالت:
إن فاطمة رضي عنها أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من النبي ﷺ مما أفاء الله على رسوله ﷺ ، فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله ﷺ قال:
(لا نورَث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آلُ محمدٍ مِن هذا المال يعني مال الله، ليس لهم أن يزيدوا على المأكل). "متفق عليه"
جـ - عن عبد الله بن الحارث أن عبد المطلب بن ربيعة أخبره أن أباه ربيعة بن الحارث قال لعبد المطلب بن ربيعة، وللفضل بن العباس ﵄:
إِئتيا رسول الله ﷺ فقولا له: استَعمِلْنا يا رسول الله على الصدقات -فذكر الحديث- وفيه: فقال لنا:
(إن هذه الصدقة إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحِل لِمُحمد، ولا لآلِ محمد). "رواه مسلم"
стр. 1348
توضيحات حول الصلاة على النبي ﷺ -
١ - قد يشكل على بعض الناس كيف طلب النبي ﷺ له من الصلاة ما لِإبراهيم مع أنه ﷺ أفضل من إبراهيم ﵇ مع أن الأصل أن المشبِّه به فوق المشبّه؟!
والجواب عن هذا الإِشكال من وجهين:
الأول: إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم فإذا طلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة مثل ما لِإبراهيم وآله- وفيهم الأنبياء- حصل لآل محمد ﷺ من ذلك ما يليق بهم.
وتقرير ذلك: أن يجعل الصلاة الحاصلة لإِبراهيم ولآله وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على محمد ﷺ وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي ﷺ مثل ما حصل لآل إبراهيم وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قِسم النبي ﷺ المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة ﷺ .
الثاني: أن نبينا محمد ﷺ هو مِن آل إبراهيمِ بل هو من خير آل إبراهيم، فيكون قولنا: (كما صَليتَ على آل إبراهيم) متناولًا للصلاة عليه وعلى سائر النبيين مِن ذرية إبراهيم، ثم قد أمرَنا الله أن نُصلِّى عليه وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ .
وتقرير هذا أنه يكون قد صلَّى عليه خصوصًا، أو طلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكِمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإِبراهيم قطعًا ويظهر حينئذ فائدة التشبيه. "انظر جلاء الأفهام ص ١٥٠ - ١٦٠"
٢ - يرى القارئ أَيضًا أنه ليس في شيء منها لفظ: (السيادة) ولذلك اختلف المتأخرون في مشروعية زيادتها في الصلوات الإِبراهيمية، ولا يتسع المجال الآن لنفصل القول في ذلك.
وذكر مَن ذهب إلى عدم مشروعيتها اتباعًا لتعليم النبي ﷺ الكامل لأُمته حين سُئل
стр. 1349
عن كيفية الصلاة عليه ﷺ فأجاب آمرًا بقوله:
(قولوا: اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد). "رواه البخاري ومسلم"
ولكني أُريد أن أنقل إلى القراء الكرام هنا رأي الحافظ ابن حجر العسقلاني في ذلك باعتباره أحد كبار علماء الشافعية الجامعين بين الحديث والفقه، فقد شاع لدى متأخري الشافعية خلاف هذا التعليم النبوي الكريم!
أ - فقال الحافظ محمد بن محمد الغرابيلي، وكان ملازمًا لابن حجر، قال ﵀ ومن خطه نقلتُ-:
(وسُئل "أي الحافظ ابن حجر" أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو ندبيتها هل يشترطافيها أن يصفه ﷺ بالسيادة كأن يقول مثلَا: اللهم صلِّ علي سيدنا محمد أو على سيد الخلق وعلى سيد ولد آدم؟ أو يقتصر على قوله: اللهم صلِّ على محمد؟ وأيهما أفضل الإتيان به لعدم ورودِ ذلك في الآثار؟ فأجاب ﵁: نعم اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يُقال: لعله ترك ذلك تواضعًا منه ﷺ -كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : ( ﷺ ) وأُمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كما ذُكر؛ لأنا نمَول: لو كان ذلك راجحًا لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد مِن الصحابة ولا التابعين لهم قال ذلك، مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك.
وهذا الإِمام الشافعي أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيمًا للنبي ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: (اللهم صَل على محمد) إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده وهو قوله: كما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون، وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه (سبحان الله عدد خلقه) فقد ثبت أنه ﷺ قال لأُم المؤمنين ورآها أكثرت التسبيح وأطالته:
(لقد قلتُ بعدَكِ كلماتٍ لو وُرنت بما قلتِ لورنتهن فذكر ذلك) "رواه مسلم"
وكان ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء.
"انظر صفة الصلاة للألباني"
٣ - أفضل الصيغ ما علَّمه رسول الله ﷺ أصحابه لما سألوه عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، لأنه لا يختار لهم وكذا لنفسه إلا الأشرف والأفضل؛ ومن ثَم صوَّبَ النووي في الروضة أنه لو حلف لَيُصَلِّين عليه ﷺ أفضل الصلاة لم يَبرَّ إلَّا بتلك الكيفية، وَوَجّهه السبكي بأنه من أتى بها فقد صلى على النبي ﷺ بيقين وكل من جاء بلفظ غيرها فهو
стр. 1350
من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك؛ لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال:
(قولوا ...).
فجعل الصلاة عليه منهم هي قولهم كذا.
٤ - لا يُشرع تلفيق صيغة صلاة واحدة من مجموع هذه الصيغ بل ذلك بدعة في الدين وإنما السنة أن يقول هذا تارة وهذا تارة كما بينه شيخ الإِسلام ابن تيمية. "انَظر صفة الصلاة للألباني ص ١٣٥ - ١٣٩"
٥ - قوله: (إنك حميد مجيد). فالحميد فعيل مِن الحمد، وهو بمعنى محمود وهو أبلغ من المحمود فإن فعيلًا إذا عُدِلَ به عن مفعول دلَّ على أن تلك الصفة قد صارت مثل السجية الغريزية والخلق اللازم كما إذا قلت فلان ظريف أو شريف أو كريم، ولهذا يكون هذا البناء غالبًا من فَعُل بوزن شرُفَ.
فالحميد الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا وإن لم يحمده غيره فهو حميد في نفسه، والمحمود مَن تعلق به حَمْدُ الحامدين. وهكذا المجيد والمُمَجد، والحمد والمَجد إليهما يرجع الكمال كله، فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، وأما المجد فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال، كما يدل عليه موضوعه في اللغة فهو دال على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإِكرام، والله سبحانه ذو الجلال والإِكرام.
ولما كانت الصلاة على النبي ﷺ وهي ثناء الله تعالى عليه وتكريمه، والتنويه به ورفع ذكره زيادة حبه وتقريبه كما تقدم كانت مشتملة على الحمد والمجد فكان المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له وتمجيد، هذه حقيقتها فذكر في هذا المطلوب الإسمين المناسبين له وهما أسماء الحميد والمجيد.
"جلاء الأفهام ص ١٧٣"
стр. 1351
مواضع الصلاة على النبي ﷺ -؟
١ - في الصلاة في آخر التشهد: فقد روى مسلم عن أبي مسعود قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي النبي ﷺ ونحن عنده فقال: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه فكيف نصلي عليك إٍ ذا نحن صلينا في صلاتنا صلَّى الله عليك؟
قال: (قولوا: اللهم كل على محمد وعلى آل محمد كما صَلّيتَ على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آلِ إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم). "رواه مسلم"
٢ - في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية: فقد روى الشافعي عن أبي أمامة بن سهل أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإِمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرًا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات لا يقرأ في شيء منهن ثم يُسلِّم سرًا في نفسه.
٣ - بعد إجابة المؤذن: لقول رسول الله ﷺ :
(إذا سمعتم المؤذن فقولوا مِثلَ ما يقول ثم صَلُّوا علَيَّ فإنه مَن صلَّى عَليَّ صلاة صَلَّى الله عليه بها عشرًا ثم سَلُوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله تعالى وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل الله لي الوسيلة حَلَّتْ له شفاعتي). "رواه مسلم"
٤ - عند الدعاء: لقول النبي ﷺ :
(كلُّ دعاء محجوب حتى يُصَلَّى على النبي ﷺ ).
"رواه ابن مخلد في المنتقى وهو حسن بشواهده"
٥ - عند دخول المسجد والخروج منه: قال رسول الله ﷺ :
(إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم افتح لي أبوابَ رحمتك، وإذا خرَج فليُسَلم على النبي ﷺ وليقل: اللهم اعصِمني مِن الشيطان الرجيم).
"صحيح رواه النسائي"
٦ - عند اجتماع القوم: قال رسول الله ﷺ :
(ما جلسَ قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يُصَلُّوا على نبيهم إلَّا كان عليهم تِرة فإن شاء عذبهم وإن شاء غفرَ لهم). "صحيح رواه الترمذي"
стр. 1352
٧ - عند ذكره ﷺ : قال رسول الله ﷺ :
(البخيل مَن ذُكرت عنده فلم يُصَلِّ عليّ). "صحيح رواه أحمد وغيره"
٨ - يوم الجمعة: قال رسول الله ﷺ :
(إن مِن أفضل أيامكم يوم الجمعة: فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصَعقة، فأكثروا علَيَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علَيَّ؛ إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). "صحيح رواه أحمد"
٩ - في أول النهار وآخره: قال رسول الله ﷺ :
(مَن صَلى عليَّ حين يُصبح عشرًا، وحين يُمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة). "حسن رواه الطبراني"
стр. 1353
فوائد الصلاة على النبي ﷺ -؟
١ - امتثال أمر الله تعالى القائل:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. "الأحزاب ٥٦"
٢ - موافقته سبحانه في الصلاة عليه ﷺ وإن اختلفت الصلاتان.
٣ - موافقة ملائكته فيها.
٤ - حصول عشر صلوات من الله تعالى على المصلي عليه مرة.
٥ - أنه يُرفع له عشر درجات، ويُكتب له عشر حسنات، ويمحو عنه عشر سيئات.
٦ - أنه أدعى لاستجابة دعائه إذا صلى على النبي ﷺ
٧ - أنها سبب لشفاعته ﷺ إذا قرنها بسؤاله الوسيلة.
٨ - أنها سبب لصلاة الله على المصلِّي عليه ﷺ .
٩ - أنها سبب لِرَد روح النبي ﷺ ليرد الصلاة والسلام على المصلِّي عليه والمسلِّم عليه.
١٠ - أنها سبب لطيب المجلس، وأن لا يكون حسرة على أهله يوم القيامة.
١١ - أنها تنفي عن العبد اسم البخيل إذا صلَّى عليه عند ذكره ﷺ .
١٢ - نجاة المصلي من الدعاء عليه برغم الأنف إذا تركها عند ذكره.
١٣ - أنها سبب لإِبقاء الله سبحانه الثناء الحسن للمُصلِّي على النبي ﷺ بين أهل السماء والأرض؛ لأن المصلِّي طالب من الله أن يُثني على رسوله وُيكرمه وُيشرفه والجزاء من جنس العمل.
١٤ - أنها سبب للبَركة في ذات المصلي وعمله وعمره وأسباب مصالحه؛ لأن المصلي داع ربه أن يبارك عليه وعلى آله وهذا الدعاء مستجاب والجزاء من جنسه. "جلاء الأفهام ٢٤٧ - ٢٤٩ "
стр. 1354
الجهر بالصلاة على النبي ﷺ -
اعتاد المؤذنون في البلاد الإِسلامية -ما عدا السعودية- الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان أو قبله، فما حكم الشرع فيه؟
الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان أو قبله لم يفعله الرسول ﷺ . والمؤذنون في عهده: (بلال وأبو محذورة وغيرهما).
ولم يفعله الصحابة والخلفاء الراشدون والتابعون، ولو كان الجهر خيرًا لسبقونا إليه.
١ - الأذان عبادة مبناها على التوقف حتى يأتي الدليل، ولا دليل على الجهر من الكتاب والسنة.
٢ - الأذان ألفاظ معروفة يبدأ بقول المؤذن: (الله أكبر) وينتهي عند قول المؤذن (لا إله إلَّا الله).
٣ - الجهر بالصلاة بعد الأذان لم يقله أحد من الأئمة الأربعة والذين من بعدهم من القرون المفضلة.
٤ - الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان يشوش على الصلين الذين يصلون السنة بعد الأذان، وقد دخل الرسول ﷺ المسجد فرأى جماعة يُصلون وجماعة يقرأون القرآن، فقال:
(أيها الناس: كُلكم يناجي ربه، لا يَجهرْ بعضكم على بعض في القرآن).
"صحيح رواه أحمد"
فإذا كان قارئ القرآن قد نهاه الرسول ﷺ أن يجهر بقراءته ويرفع صوته لئلا يُشوش على المصلين، فما بالك بالجهر بالصلاة على النبي ﷺ ؟ فهو أولى بالمنع من الجهر بالقرآن.
٥ - اعتاد المؤذنون المتأخرون: أن يجهروا بالصلاة على النبي ﷺ قبل صلاة الجمعة وقبل أذان الفجر، وأما أذان المغرب فلا يجهرون بعده، فما هو السبب، وما الدليل على هذا التفريق: قبل الأذان تارة، وتارة بعده، وتارة عدمه؟
٦ - وهناك زيادة في الأذان: (حَي على خير العمل) أحدثها الفاطميون (الدروز) حتى جاء السلطان صلاح الدين فأبطلها بعد أن أزال الدولة الفاطمية في مصر. "انظر خُطط المقريزي"
٧ - لقد تبين للقارىء أن الجهر بالصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان أوقبله لا دليل عليه من الكتاب والسنة، وإنما هي بدعة أحدثها المتأخرون؛ لأن الله تعالى أنكر على المشركين بدعهم فقال الله تعالى ينكر على المشركين بدعهم:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. "الشورى: ٢١"
стр. 1355
وقد حذر الرسول ﷺ من البدع فقال:
١ - (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ). "متفق عليه"
٢ - (مَن عَمِل عمَلًا ليس عليه أمرنا فهو رَد). "رواه مسم"
[ردٌّ: أي مردود على صاحبه غير مقبول].
٣ - وقال ابن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.
٤ - وقال حذيفة: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها.
٥ - وقال غضيف من التابعين: ما ظهرت بدعة إلِّا تُرك مثلها سُنة.
٦ - وقال الإِمام مالك: مَن ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمدًا خان الرسالة؛ لأن الله تعالى يقول:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
"المائدة: ٣"
فما لم يكن يومئذ دينًا، فلا يكون اليوم دينًا.
٧ - وقال الشافعي: مَن استحسَن فقد شرَّع، ولو جاز الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل الإِيمان، ولجاز أن يُشرَع في الدين في كل باب، وأن يُخْرِج كل إنسان شرعًا جديدًا.
стр. 1356
الإسرار بالصلاة على النبي ﷺ -
١ - الصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان سِرًّا هو المطلوب:
قال الرسول ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صَلَّوا عليّ، فإنه مَن صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلَّا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل الله لي الوسيلة حلَّت له شفاعتي). "رواه مسلم"
والصلاة على النبي ﷺ بعد الأذان لم يَرد عن المؤذنين والصحابة أنهم جهروا بها، فلا بد أنهم قالوها سرًّا لا جهرًا.
٢ - وقال ﷺ عن دعاء الوسيلة الواردة في الحديث السابق:
(اللهم رَبَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مَقامًا محمودًا الذي وعدته). "رواه البخاري"
وهذا الدعاء يقوله المسلمون بعد الأذان سرًّا، بعد الصلاة على النبي ﷺ سرًّا، وقد وردا في حديث واحد، فلماذا يرفع المؤذنون أصواتهم بالصلاة على النبي ﷺ ، ولا يرفعون أصواتهم بدعاء الوسيلة؟
فعلى المؤذنين أن يقولوها سرًّا.
٣ - الصلاة على النبي دعاء وقد أمر الله بالسرِّ فيه:
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِين﴾. "الأعراف: ٥٥"
[لا يحب الله المعتدين في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت فيه].
"ذكره الجلالبن"
وقال النبي ﷺ : (يا أيها الناس اربَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصَمَّ ولا غائبًا، إنه معكم إنه سميع قريب). "متفق عليه"
[اربَعوا: ارفقوا واخفضوا أصواتكم].
стр. 1357
أقوال الأئمة في حكم الجهر
هل الصلاة على النبي ﷺ جهرًا عقب الأذان حرام أم حلال؟
فأقول وبالله التوفيق: "القائل أبو يوسف عبد الرحمن عبد الصمد".
قبل البدء في الجواب أود أن ألفت أنظار الشيخين الشيخ حسين والشيخ أديب الكيلاني وأعيد إلى أذهانهما ما أجبت به أمامهما في دائرة الإِفتاء بحماة أمام المفتي عندما سئلت:
(على فرض أن مؤذنًا ماجهر بالصلاة على النبي ﷺ عقب الأذان كالأذان، فهل هذا الجهر حلال أم حرام؟) فقلت:
(هذا المؤذن أحد رجلين: رجل يعلم أن المصطفى ﷺ والخلفاء والصحابة من بعده مع التابعين وتابع بما فيهم الأئمة الأربعة -رضوان الله عليهم- أجمعين لم يجهروا بها قط مدة ثلاثة قرون بل خمسة قرون، وعلى علم أَيضًا أن أول من أحدثها وجهر بها الروافض العبيديون بمصر - كما سماهم الإِمام الشعراني.
(ثم قال بلسان الحال أو المقال: عدم الجهر بها لا يكفي في زماننا لأن الوقت تغير، والناس أَيضًا قد تغيروا):
"شو عليه لو جهرنا ورغبنا الناس في الصلاة على النبي ﷺ وذكرناهم بها"؟
فأقول: الويل كل الويل له، لقد تنكب الصراط المستقيم وجانب الطريق
السوِي ورغب عن سنة أبي القاسم ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده، وعَدَلَ عما كانت عليه الصحابة والتابعين وتابع التابعين بما فيهم الأئمة الأربعة الأعلام وحسبه من الإثم أن يقدم هدي الروافض على هديه ﷺ وما كانت عليه القرون الثلاثة المفضلة وأن يرى العمل بهدي الروافض أكثر نفعًا أو أكثر تذكيرأ من العمل بهديه ﷺ وشر الأمور محدثاتها؛ فقدم شر الأمور على خيرها عافانا الله وإياكم من ذلك.
وأما الرجل الآخر فَمِن الرعاع رأى الناس قد جهروا وجميع المشايخ ساكتون بل ومستحبون له ويدعون إليها ويعادون من ترك الجهر بها، ويلمزونه تارة بالوهابب وتارة بأنه ينكر المذاهب ويستنقص الأئمة زورًا وبهتانًا. فأقول: إن كان بلغه أن الجهر بها
стр. 1358
عقب الأذان كالأذان ليس من هدي القرون الثلاثة المفضلة وأنه من هدي الروافض، وأنهم أول من أحدثوها وأصرَّ على الجهر بها فحكمه حكم الأول آثم قلبه ومنحرف عن جادة الصواب، وإذا لم يبلغه ذلك فنقول: لقد عمل عملَا لم يرد في الشرع وليس عليه أمر النبي ﷺ ولم تفعله القرون الثلاثة المفضلة، ونكل أمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. هذا ما أجبت به في دائرة الِإفتاء أمام جَمٍّ غفير من المشايخ وغيرهم. وهذا هو جوابي الآن عن هذا السؤال) "راجع كتاب خطاب مفتوح لدائرة الإفتاء بحماة"
وأود أن أنقل لكم ما قاله الأَزْهَر بخصوص هذه البدعة كما سماها.
١ - (لا كلام في أن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان مطلوبان شرعًا لورود الأحاديث الصحيحة بطلبهما .. لكن لا مع الجهر، بل يسمع نفسه أو من كان قريبًا منه. إنما الخلاف في الجهر بهما على الكيفية المعروفة، والصواب أنها بدعة مذمومة بهذه الكيفية التي جرت بها عادة المؤذنين من رفع الصوت بهما كالأذان والتمطيط والتغني، فإن ذلك إحداث شعار ديني على خلاف ما عهد عن النبي ﷺ وصحابته والسلف الصالح من أئمة المسلمين، وليس لأحد بعدهم ذلك، فإن العبادة مقصورة على الوارد عنه ﷺ بإجماع الأئمة فلا تثبت باستحسان أحد من غير هؤلاء، ولا بإحداث سلطان عادل أو جائر، ومن العجب أنهم يفعلون هذا بقصد التقرب إليه تعالى، وقد ثبت بالنقل الصحيح الصريح أنَّه لا يُقرِّب إلى الله تعالى إلَّا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع).
٢ - قال العلامة ابن حجر في الفتاوى الكبرى:
(وقد استفتي مشايخنا وغيرهم في الصلاة والسلام عليه ﷺ بعد الأذان على الكيفية التي يفعلها المؤذنون فأفتوا أن الأصل سنة والكيفية بدعة).
وقال الإِمام الشعراني نقلاً عن شيخه:
(لم يكن التسليم الذي يفعله المؤذنون في أيامه ﷺ ولا الخلفاء الراشدين، بل كان في أيام الروافض بمصر) انتهى.
٣ - وقد سئل الأستاذ شيخنا الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية بإفادة من مديرية المنوفية في ٢٤ مايو ١٩٠٤ نمرة: (٧٦٥) عن مسائل منها:
ما اشتهر من الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان في الأوقات الخمس إلَّا
стр. 1359
المغرب فأجاب بقوله: أما الأذان فقد جاء في الخانية أنه ليس لغير المكتوبات وأنه خمس عشرة كلمة، وآخره لا إله إلا الله وما يذكر بعده أو قبله كله من المستحدثات المبتدعة، ابتُدِعت للتلحين لا شيء آخر، ولا يقول أحد بجواز هذا التلحين ولا عبرة بقول من قال إن شيئًا من ذلك بدعة حسنة لأن كل بدعة في العبادات على هذا النحو فهي سيئة. ومن ادعى أن ذلك ليس فيه تلحين فهو كاذب.
٤ - وقال العلامة ابن حجر في فتاويه الكبرى:
(مَن صَلَّى عَلى النبي قبل الأذان وقال محمد رسول الله ﷺ بعده معتقدًا سُنِّيَته في ذلك المحل يُنهى ويُمنع؛ لأنه تشريع بغير دليل ومن شرع بغير دليل يزجر ويمنع) انتهى.
"من كتاب الإبداع في مضار الإبتداع ص ١٧٤"
طِبق ما قرره المجلس الأعلى من مناهج التعليم لقسم الوعظ والخطابة بالأزهر الشريف للشيخ علي محفوظ ﵀ رحمة واسعة، فقرر تدريسه في كلية أصول الدين بالأزهر.
стр. 1360
الصلوات المبتدعة
نسمع كثيرًا من صيغ الصلاة على النبي ﷺ مبتدعة لم ترد في كلام الرسول وصحابته والتابعين والأئمة المجتهدين، بل هي من وضع المشايخ المتأخرين. وقد راجت هذه الصيغ بين العوام وأهل العلم فأخذوا يقرأونها أكثر مما يقرأون الصلوات الواردة عن الرسول ﷺ ، وربما تركوا الوارد الصحيح ونشروا الصلوات المنسوبة إلى مشايخهم، ولو أمعنا النظر في هذه الصلوات لرأينا فيها مخالفة لهدي الرسول الذي نصلي عليه:
ومن هذه الصلوات المبتدعة قولهم:
١ - الصلاة والسلام عليك يا أولَ خلق الله:
أقول: هذا مخالف لما جاء به القرآن من أن أول المخلوقات من البشر هو: آدم ﵇. قال الله تعالى:
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ "ص: ٧١"
والصواب أن يُقال: الصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله أو يا خاتم رسل الله.
٢ - اللهم صَلِّ على محمد وعلى آلِ محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، وارحم محمدًا وآل محمدًا حتى لا يبقى من الرحمة شيء، وبارك على محمد، وعلى آل محمد حتى لا يبقى من البركة شيء، وسلم على محمدٍ وعلى آل محمدٍ حتى لا يبقى من السلام شيء.
أقول: قوله: (حتى لا يبقى من الصلاة شيء ... حتى لا يبقى من الرحمة شيء ... حتى لا يبقى من البركة شيء ...).
مِن الفلسفة الفارغة التي فيها من التضييق لرحمة الله الواسعة وبركته وسلامه، وهي منافية لقول الله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾
٣ - اللهم صَلِّ على محمد وعلى آل محمد عدد مَن صَلَّى عليه إلى قوله:
اللهم صَلَّ على من كان إذا مشى في البر الأقفر تعلقت الوحوش بأذياله.
أقول: هذا مِن الكذب الصريح على النبي ﷺ والغلُو فيه ولا أدري فكيف يزعمون ذلك عنه، وهو ﷺ لم يخبرنا به فليتقوا الله، وإذا كانت الوحوش تتعلق بذيله، فكيف يستطيع أن يمشي؟
стр. 1361
٤ - اللهم صَلِّ على محمد وعلى آله بحر أنوارك ومعدن أسرارك.
أقول: إذا كان النبي ﷺ هو بحر أنوار الله تعالى، ومعدن أسراره، فهل يكون النور قد انطفأ والسر قد مات بموت النبي ﷺ ؟
هذا الكلام لا دليل عليه، وفيه غُلو لا يرضاه الله والرسول ﷺ .
٥ - اللهم صَلِّ على مَن تفتقت مِن نوره الأزهار.
أقول: وهذا أَيضًا من افتراءات الصوفية فمحمد ﷺ خلق من تراب. قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. "الكهف: ١١٠"
وليست الأزهار منه ولا دليل على ذلك، والله تعالى يقول:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾. "الإسراء: ٣٦"
٦ - اللهم صَلَّ على سيدنا محمد السابق للخلق نوره.
أقول: هو لم يخلق مِن نور، بل خُلق مِن تراب، ثم هو من أبوين وليس هو سابق للخلق، بل أول الخلق من البشر آدم ﵇. قال الله تعالى:
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ "ص: ٧١".
٧ - اللهم صَلَّ على أفضل مَن طَاب منه البخار وسحابه الفخار، واستنارت بنور جبينه الأقمار، وتضاءلت عند جنود يمينه الغمائم والبحار.
أقول: الإدعاء بأن الأقمار قد استنارت من نور جبينه باطل لا دليل عليه، والأقمار موجودة قبل خلق النبي ﷺ .
٨ - اللهم صَلَّ على محمد هو قطب الجلالة.
أقول: الزعم بأنه قطب الجلالة شرك بالله؛ لأن الله تعالى وحده هو ذو الجلال والإِكرام. قال الله تعالى:
﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ "الرحمن: ٧٨".
٩ - اللهم صَلِّ على مَن منه انشقت الأسار وَانفلقت الأنوار وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم.
أقول: مِن أين لهم هذا الزعم الباطل أن علوم آدم تنزلت منه، وكذا انفلاق الأنوار، وقد بيّن الله في كتابه أنه هو الذي علَّم آدم.
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾. "البقرة: ٣١"
стр. 1362
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾. "الإسراء: ٨٥"
فالله تعالى هو الذي أعطن آدم وذريته العلم، وأكرمهم بذلك، وأمر ملائكته بالسجود له.
١٠ - اللهم صَلِّ على محمد طِبِّ القلوب ودوائها، وعافيةِ الأبدان وشفائها، ونور الأبصار وضيائها، وعلى آله وسلم.
أقول: إن الشافي والمعافي للأبدان والقلوب والعيون هو الله وحده، والرسول لا يملك النفع لنفسه ولا لغيره فهذه الصيغة تخالف قول الله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. "يونس:٤٩"
وتخالف قوله ﷺ : (لا تُطروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريم فإنما أنا عبدٌ فقولوا عبد الله ورسوله). "رواه البخاري"
ومعنى الإِطراء: هو مجاوزة الحد أو الزيادة في المدح.
١١ - رأيت كتابًا في فضل الصلوات لشيخ لبناني صوفي كبير فيه هذه الصيغة: اللهم صَلِّ على محمد حتى تجعل منه الأحدية القيومية.
أقول: الأحَدِية والقَيومِية مِن صفات الله الواردة في القرآن قد جعلها هذا الشيخ لرسول الله ﷺ .
١٢ - اللهم صَلِّ على محمد الذي خلقت مِن نوره كل شيء.
أقول: الشيء يشمل آدم وإبليس، والقردة والخنازير فهل يقول عاقل بأنهم خلقوا من نور محمد؟!
لقد عرف الشيطان خلقه وخلق آدم حين قال في القرآن:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. "ص:٧٦"
فهذه الآية تكذب الصيغة وتبطلها.
١٣ - الصلاة والسلام عليك يا رسول الله، ضاقت حيلتي فأدركني يا حبيبَ الله. أقول: الجزء الأول من الصلاة صحيح.
ولكن الخطر والشرك في الجزء الثاني. من قوله: (أدرِكني يا حبيب الله)!
وهذا مخالف لقول الله تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. "النمل: ٦٢"
وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾. "الأنعام:١٧"
стр. 1363
وكان الرسول ﷺ إذا أصابهَ همٌّ أو غمٌّ قال:
(يا حَيُّ يا قَيُّوم برحمتك أستغيث). "حسن رواه الترمذي"
فكيف يجوز لنا أن نقول له: أدركنا ونَجنا!! وهذه الصيغة مخالفة لقوله ﷺ :
(إذا سألتَ فاسألِ الله وإذا استعنتَ فاستعِن بالله).
"رواه الترمذي وقال: حسن صحيح"
١٤ - اللهم صَلِّ على محمد الفاتح لما أُغلِق ... وتُسمى صلاة الفاتح.
أقول: قائلها يزعم أن مَن يقرأها أفضل له مِن قراءة القرآن بستة آلاف مرة، ونُقل ذلك عن الشيخ أحمد التيجاني رئيس الطائفة التيجانية.
إنها لسفاهة أن يعتقد العاقل فضلًا عن المسلم أن قراءة هذه الصيغة المبتدعة أفضل من قراءة كلام الله مرة واحدة فضلًا عن ستة آلاف مرة، وهذا ما لا يقوله مسلم، وأما وصف الرسول ﷺ بالفاتح لما أُغلق على إطلاقه دون تقييده بمشيئة الله تعالى، فهو خطأ؛ لأن الرسول ﷺ لم يفتح مكة إلِّا بمشيئة الله تعالى، ولم يستطع فتح قلب عمّه للإِيمان بالله بل مات على الشرك، والقرآن يخاطب الرسول ﷺ قائلًا:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ "القصص: ٥٦".
وقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ "الفتح: ١"
١٥ - اللهم صَلِّ على محمد ما سَجعَتِ الحمائم ونفعَت التمائم!
أقول: التميمة هي الخيرزة والخيط ونحوها، التي تعلق على الأولاد وغيرهم للحماية مِن العين، ولا تنفع مُعلِّقا ولا مَن عُلَّقت له، بل هي من أعمال المشركين، قال ﷺ :
(مَن علق تميمة فقد أشرَك). "صحيح رواه أحمد"
فهذه الصيغة تخالف الحديث وتجعل الشرك والتميمة قربة إلى الله تعالى فنسأل الله العافية والهداية.
١٦ - صلوات الله عليك يا نبي ... يا مُجليَ الهَمِّ والكُرَب.
المقطع الأول من هذا الكلام صحيح، ولكن الخطر والشرك في المقطع الثاني؛ لأن كاشف الهمِّ والكُرَب هوالله وحده.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ﴾. "الأنعام: ١٧"
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. "الجن: ٢١"
стр. 1364
الصلاة النارية
اللهم صَلِّ صلاة كاملة، وسَلم سلامًا تامًا على سيدنا محمد الذي تنحَل به العُقد وتنفرج به الكرَب وتقضى به الحوائج وتنال به الرغائب، وحُسنُ الخواتيم، ويُستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى آله وصحبه عدد كل معلوم لك.
أقول: تُسمى هذه الصلاة (الصلاة النارية) وهي معروفة عند كثير مِن الناس، وأن مَن قرأها ٤٤٤٤ مرة بنيّة تفريج كَرب، أوقضاء حاجة، تُقضى له، وهذا زعم باطل لا دليل عليه، فإن عقيدة التوحيد التي دعا إليها القرآن الكريم، وعلمنا إياها رسوِل الله ﷺ تُحَتم على كل مسلم أن يعتقد أن الله وحده هو الذي يَحل العُقد، ويُفرَج الكُرب، ويقضي الحوائج، ويُعطي ما يطلب الإِنسان حين يدعوه، ولا يجوز لمسلمٍ أن يدعو غير الله لتفريج هَمهِ أو شفاء مرَضه، ولو كان المدعو مَلَكًا مُرسلَا، أو نبيًا مقربًا، وهذا القرآن ينكر دعاء غير الله مِن المرسلين والأولياء فيقول:
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ "الإسراء: ٥٧،٥٦"
قال ابن مسعود: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا مِن الجِن، فأسلم الجن والإِنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم.
"ذكره ابن كثير وأصله في البخاري"
١ - كيف يرضى الرسول ﷺ بأن يقال عنه يَحل العُقَد، ويُفَرج الكرب، والقرآن يأمره ويقول له: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ "الأعراف: ١٨٨".
٢ - وجاء رجل إلى الرسول ﷺ فقال له: ما شاء الله وشئت فقال: (أجعَلتني لله نِدًّا قل ما شاء الله وحده). "حسن رواه النسائي"
[النِدُّ: المثيل والشريك].
ولو حذفنا كلمة: (به) ووضعنا بدلاً منها كلمة: (بها) لكان معنى الصيغة صحيح، بدون العدد السابق، وتكون كالاتي:
(اللهم صَلِّ صلاة كاملة، وسلِّم سلامًا تامًا على محمد التي تُحلُّ بها العُقد).
стр. 1365
(أي بالصلاة) لأن الصلاة على النبي ﷺ عبادة يُتوسل بها لتفريج الهَمِّ والكرب لأنها من العمل الصالح.
٣ - احذر يا أخي المسلم هذه الصَيغ البدعية، التي توقعك في الشرك وتقيد بما ورد عن الرسول ﷺ ، الذي لا ينطق عن الهوى، والذي في متابعته الهدى والنجاة، وفي مخالفته يكون العمل مردودًا. قال الرسول ﷺ :
(مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردّ) [أي مردود]. "رواه مسلم"
стр. 1366
كتاب دلائل الخيرات
أما بعد فإن كتاب (دلائل الخيرات) لمؤلفه محمد بن سليمان الجزولي منتشر في العالم الإِسلامي، ولا سيما في المساجد، يقرأه المسلمون كثيرًا، بل ربما قدموه على قراءة القرآن، ولا سيما يوم الجمعة، وتتسابق المطابع في طبعه طمعًا في الربح المادي والدنيوي دون النظر إلى الخسارة الأخروية التي تلحق أصحاب المطابع والقُراء. والنسخة التي بين يدي مكتوب على ظهرها.
(الحرمين للطباعة والنشر والتوزيع سنغافورة جده).
ولو تصفح المسلم العاقل المطلع على أحكام دينه الكتاب لوجد فيه مخالفات شرعية كبيرة، وأهم هذه المخالفات:
١ - يقول مؤلفه في المقدمة: مُستمِدًا مِن حضرته العابية ويقصد به الرسول ﷺ . "ص ١٢"
أقول: هذا الكلام يخالف القرآن الكريم الذي لا يجيز طلب المدد إلا من الله حيث يقول في محكم كتابه:
﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ
مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ "آل عمران: ١٢٥"
وكلام (دلائل الخيرات) يخالف قول الرسول ﷺ :
(إذا سألت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن باللهِ).
"رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
٢ - ثم يقول في (حزب النصر لأبي الحسن الشاذلي) المكتوب على الهامش ص ٧: (يا هو، ياهو، يا هو، يا من بفضله نسألك العجل).
أقول: إن كلمة (هو) ليست من أسماء الله الحسنى، بل هي ضمير يعود على الكلمة التي قبلها، ولذلك لا يجوز إدخال (يا) عليها كما يفعل الصوفية، وهي مِن بدعهم يزيدون في أسماء الله ما ليس منها.
٣ - ثم يذكر المؤلف أسماءَ الرسول ﷺ ويُعددها، ويصفه بأسماء وصفات لا تليق إلَّا باللهِ ، علمًا بأن أسماء الرسول ﷺ وردت في قوله ﷺ :
(إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمَد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا العاشر الذي يُحشرَ الناس على قدَمَي. وأنا العاقب الذي ليسَ بعده أحد). "رواه مسلم".
стр. 1367
وقد سماه الله رءوفًا رحيمًا.
وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله ﷺ يُسمي لنا نفسه أسماء، فقال: (أنا محمد، وأَحمد، والمُقفّي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة). "رواه مسلم"
٤ - وأسماء الرسول التي ذكرها كتاب (دلائل الخيرات) هي بدءًا من ص ٣٧ - ٤٧.
(مُحْيٍ، مُنجٍ، ناصِرٌ، غَوْثٌ، غياث، صاحِب الفرَج، كاشِفُ الكُربَ، شافٍ). "ص ٣٨، ٤٧،٤٣،٤٠"
أقول: هذه الأسماء والصفات لا تليق إلِّا باللهِ، فالمحيي، والمنجي، والناصِر، والمغيث، والشافي، وكاشف الكرب، وصاحب الفرَج هو الله ، وقد أشار القرآن إلى ذلك فقال إبراهيم ﵇:
﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ "الشعراء: ٧٨ - ٨١"
وقد أمر الله تَعالى رسوله أن يقول للناس:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾. "الجن: ٢١"
وقوله :
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ "الكهف: ١١٠"
أقول: إن صاحب (دلائل الخيرات) خالف القرآن، وسوَّى بين الله ورسوله في أسمائه وصفاته، وهذا مما يتبرأ منه الرسول ﷺ ولو سمعه لحكمِ على قائله بالشرك الأكبر.
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال له: ما شاء الله وشئت.
فقال له الرسول ﷺ :
(أجعلتني لله ندًّا؟ قل ما شاء الله وحده). "رواه النسائي بسند حسن"
[الندُّ: المثيل والشريك].
وقال ﷺ : (لا تُطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبدُ، فقولوا عبد الله ورسوله). [رواه البخاري]
[الإِطراء: المبالغة والزيادة في المدح، ويجوز مدحه بما ورد في الكتاب والسنة].
٥ - ثم ذكر بعض أسماء الرسول ﷺ :
(مُهَيْمِن، جَبَّار، روح القدس). "ص ٤١، ٤٢"
стр. 1368
والقرآن ينفي عن الرسول ﷺ هذه الصفات فيقول له في القرآن:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ "الغاشية: ٢٢".
﴿وَمَا أنت عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ "ق: ٤٥"
وروح القدس هو جبريل ﵇ لقوله تعالى:
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾. "النحل:١٠٢"
٦ - ثم ذكر صاحب الكتاب صفات لا تليق بمسلم فضلًا عن رسول هو من أفضل البشر فيقول عن الرسول ﷺ :
(أحيد، أجير، جرثومة). "ص ٣٧ - ١١٥"
وفي أول الكتاب رفع المؤلف الرسول ﷺ إلى درجة الإِله حينما قال: (مُحي، ناصر، شاف، مُنج ..) إلى آخر الأوصاف التي مَرت، وهنا يُنزل الرسول ﷺ إلى درجة (جرثومة، أجير) وهذا ما تقشعر له الأبدان، وتشمئز منه النفوس، فهي في عرف الناس الشيء الضار الذي يكافح كجرثومة الكل مثلًا، وحاشاه ﷺ من ذلك، وهو الذي نفع الأمة، وبلَّغ الرسالة، وأنقذ بتعاليمه الناس من الظلم والشرك والتفرقة إلى العدل والتوحيد، وإن أراد بالجرثومة الأصل والسبب فهو غير صحيح أَيضًا.
٧ - ثم بعد هذا الكلام الباطل يعود ليصف الرسول ﷺ بأوصاف كاذبة فيها الشرك الذي يحبط العمل كقوله في [صفحة ٩٠]: (اللهم صَلِّ على مَن تفتقت من نوره الأزهار، واخضرت من بقية ماء وضوئه الأشجار) وهذا كذب، فالله الذي خلق الأشجار وهو الذي فتق أزهارها، وأعطاها لون الخضرة.
٨ - ثم يقول عن الرسول ﷺ [ص ١٠٠]:
(والسبب في كل موجود) إن كان قصده أن الموجودات خلقها الله لأجل محمد ﷺ فهذا كذب؛ لأن الله تعالى يقول:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾. "الذاريات: ٥٦"
٩ - ثم يقول المؤلف ص ١٩٨:
(اللهم صَلِّ على محمد ما سجَعت الحمائم، وحُمَّت الحوائم، وسرَحت البهائم، ونفعَت التمائم).
стр. 1369
وهذا الكلام يخالف كلام الرسول ﷺ الذي نهى عن التمائم فقال:
(مَن علَّق تميمة فقد أشرك). "صحيح رواه أحمد"
[والتميمة: هي الخرزة أو الودعة أو غيرها تُعلق على الولد، أو السيارة، أو البيت لِرَد العَين] وهي من الشرك:
وكلام المؤلف يخالف القرآن الذي يعتبر النفع والضر من الله فيقول الله تعالى:
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. "الأَنعام: ١٧"
١٠ - ثم يقول الجزولي: (اللهم صَلِّ على محمد حتى لا يبقى من الصلاة شيء، وارحم محمدًا حتى لا يبقى من الرحمة شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى مِن البركة شيء، وسَلّم على محمد حتى لا يبقى من السلام شيء). "ص ٦٤"
أقول: هذا كلام باطل يخالف القرآن فإن صلاة الله ورحمته، وبركاته، دائمة لا تنفذ ولا تفنى، قال الله تعالى:
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ "الكهف: ١٠٩"
١١ - ثم يذكر في آخر الكتاب (الصلاة المشيشية). "ص ٢٥٩ - ٢٦٠"
التي على الهامش، وهذا نصها:
(اللهم صَلِّ على مَن مِنه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق ... ولا شيء إلا وهو به منوط. إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط) ... إلى آخرها.
أقول: هذا كلام باطل في أوله، وسخيف معقد في آخره.
ثم يقول في تتمة هذا الدعاء "ص ٢٦"
(وزُجَّ بي في بحار الأحدية، وانشُلْني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، حتى لا أرى ولا أسمع ولا أُحِسَّ إلَّا بها).
أقول: لاحظ أخي المسلم أن في هذا الدعاء أمرين:
أ - قوله: (وانشلْني من أوحال التوحيد).
والأوحال هي الأوساخ، فهل للتوحيد أوساخ؟!
стр. 1370
إن توحيد الله في العبادة والدعاء نظيف ليس فيه أوحال وأوساخ كما يزعم ابن مشيش، وإنما الأوحال والأوساخ في دعاء غير الله من الأنبياء أو الأولياء، وهو من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، ويُخلد صاحبه في النار.
ب - (وزُجّ بي في بحار الأحدية، وأغرقني في عين بحر الوحدة).
أقول: هذه وحدة الوجود عند بعض الصوفية التي عبر عنها زعيمهم ابن عربي المدفون بدمشق حيث قال في الفتوحات المكية:
العبذ رَبٌّ والرَّبُّ عبدٌ ... يا ليت شِعري مَن المكلَّف؟
إن قلتَ عبدٌ فذاك حَقٌ ... وإن قلتَ رَبٌ فأنى يُكَلف
فانظر كيف جعل العبدَ رَبًا، والرب عبدًا، فهما متساويان عند ابن عربي، وابن
مشيش الذي ذكر كلامه:
(دلائل الخيرات)، والحق أن فيه كثيرًا من دلائل الشرور.
١٢ - ثم ذكر المؤلف "ص ٨٣"
(اللهم صَلِّ على كاشف الغُمة، ومُجلي الظلمة، ومُولي النعمة، ومُؤتي الرحمة).
أقول: هذا إطراء زائد لا يرضاه الإِسلام، ولا يرضاه الرسول ﷺ .
١٣ - ثم يقول علي بن سلطان محمد القاري في ورده الذي سماه: (الحزب الأعظم) المطبوع على هامش:
(دلائل الخيرات الذي يبدأ من ص ١٥):
(اللهم صَلِّ على سيدنا محمد السابق للخلق نوره) "ص ١٧٨"
أقول: هذا الكلام باطل يكذبه الحديث القائل:
(إن أولَ ما خلق الله القلم). "رواه أحمد وصححه الألباني"
أما حديث: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر).
فهو عند أهل الحديث مكذوب وموضوع وباطل.
١٤ - جاء في بعض النسخ من كتاب (دلائل الخيرات) وفي آخر قصيدة جاء فيها:
بأبي خليل شيخنا وملاذنا ... قطبُ الزمان هو المُسمى محمدُ
следующие страницы →