← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

تفسير القرآن بالحديث الصحيح إن تفسير القرآن بالحديث الصحيح مُهمٌّ جدًا لأن الرسول ﷺ أعلم بمراد الله من غيره من الناس جميعًا. فهو كما قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾. [النجم: ٣] وقد أنزله الله عليه ليُبينه للناس، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وقال ﷺ : "ألا وإني أُوتيتُ القرآن ومثله معه". [صحيح رواه أبو داود] ١ - مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. [الأنفال: ٦٠] فتفسير [القوة] ورد في قوله ﷺ : "ألا إن القوة الرمي (ثلاثًا) ". [رواه مسلم] قال القرطبي: إنما فسر القوة بالرمي وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب لكون الرمي أشد نكاية في العدو، وأسهل مؤنة, لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيهاب فينهزم مَن خلفه. [ذكره الحافظ في الفتح] أقول: حتى الآن فإن آلات الحرب الحديثة يتوقف مفعولها على الرمي، لذلك حث الِإسلام على تعلمه ولا سيما للشباب. وليتهم تعلموه مع السباحة بدلاً من تعلمهم بقية الألعاب التي شغلتهم عنه. قال رسول الله ﷺ : "من علم الرمي ثم نسيه فليس منا أو قد عصى". [رواه مسلم] ومرَّ النبي ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون فقال النبي ﷺ : "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا، أرموا وأنا مع بني فلان، قال فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال رسول الله ﷺ : ما لكم لا ترمون؟ قالوا كيف نرمي وأنت معهم؟ قال النبي ﷺ : "أُرموا وأنا معكم كلكم". [رواه البخاري]

стр. 422

٢ - ومثال آخر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾. [يونس: ٢٦] فقد فسر النبي ﷺ الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى حينما قال: "فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ " [رواه مسلم] ٣ - ومثال آخر في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. [القلم: ٤٢] فقد ذكر البخاري في كتاب التفسير عند تفسير هذه الآية الحديث الآتي: قال رسول الله ﷺ : "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى مَن كان يسجد في الدنيا رياءً وسُمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا". [باب يوم يكشف عن ساق ج ٦/ ٧٢] ولا يلزم منه تشبيه ولا تجسيم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فأهل السنة والجماعة يثبتون ما أثبت الله لنفسه كاليدين والوجه والسمع والبصر، وما أثبته رسول الله ﷺ كالساق والأصابع والقدم على ما يليق بجلاله ولا نعلم كيفيتها. ٤ - ومثال آخر: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، قالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك، إنما هو الشرك ألم تسمعوا قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] قال الحافظ في الفتح: (لم يلبسوا: أي لم يخلطوا). ومن فوائد الآية والحديث: أن درجات الظلم تتفاوت، وأن المعاصي لا تسمى شركًا، وأن من لم يشرك بالله شيئًا فله الأمن وهو مُهتد. [ذكره الحافظ في الفتح] أقول: هناك أمثلة كثيرة لتفسير الرسول ﷺ للقرآن سوف أجمعها إن شاء الله في كتاب بعنوان (التفسير النبوي للقرآن الكريم) أو (تفسير القرآن بالحديث النبوي الصحيح).

стр. 423

تفسير القرآن بأقوال الصحابة إن تفسير الصحابة ﵃. كابن عباس وابن مسعود وغيرهما مُهِم؛ لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ وتعلموا منه. ١ - مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] قال الحافظ في الفتح ما يلي: ونقل مُحي السنة البغوي في تفسيره عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه [ارتفع]. ثم نقل قول أم سلمة وربيعة ومالك وغيرهم: الإستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِقرار به إيمان، والجحود به كفر. [ج ٤٠٦/ ١٣] ٢ - مثال آخر في قول الله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] فقد نقل ابن كثير في تفسيره عن ابن عباس قال: الجماع. وقال ابن عباس أيضًا: اللمس والمسُ والمباشرة: الجماع، ولكن الله يُكني بما يشاء. وقال ابن كثير: وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك. ثم ذكر قول ابن مسعود قوله: اللمس: ما دون الجماع. ثم ذكر ابن كثير قول ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال عنى الله بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الجماع دون غيره من معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قبَّل بعض نسائه ثم صَلى ولم يتوضأ. [ابن كثير ج ١/ ٥٠٢] ملحوظة: إذا تعارض تفسير الحديث لآية مع تفسير صحابي أو تابعي، فعلينا أن نوفق بين التفسيرين، وإن لم يمكن فالواجب أن نقدم تفسير الرسول ﷺ على تفسير غيره مهما كان؛ لأن الرسول ﷺ أعلم بمراد الله من غيره، فهو الذي لا

стр. 424

ينطق عن الهوى، ولأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. [الحجرات: ١] (أي لا تُقدِّموا قولاً أو فعلًا). [ذكره ابن كثير] مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [سورة القلم: ٤٢] فقد فسرها البخاري بالحديث: "يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة .. ". [متفق عليه] وجاء في رواية عن ابن عباس في تفسير الآية قال: هو يوم كرب وشدة (١). [ذكره ابن جرير] فإن صح النقل عنه فلا يتعارض مع الحديث الذي فسر الآية بالساق لله تعالى من غير تشبيه، فيكشف ربنا عن ساقه يوم القيامة، وهو يوم كرب وشدة. ويمكن أن يقال: إن ابن عباس لم يبلغه حديث أبي سعيد الخدري الذي فسر الآية، كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا ولم يُؤذَن لي، وإني سمعت النبي ﷺ يقول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا ولم يُؤذن له فلْينصرف". فقال عمر: لتأتيني على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا، فذهب إلى ملأ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا، فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال: ألهاني عنه الصفق بالأسواق. [متفق عليه]

стр. 425

تفسير القرآن بأقوال التابعين إن تفسير القرآن بأقوال التابعين ﵏ مُهِم أيضًا لأنهم أخذوا عن الصحابة الذين أخذوا عن رسول الله ﷺ . ١ - مثال ذلك ما ذكره البخاري في كتاب التوحيد: [ج ٨/ ١٧٥] قال أبو العالية: ﴿اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] (أي ارتفع). وقال مجاهد: استوى: (علا على العرش). [ج ٨/ ١٧٥] وقد فسرها الطبري بالعلو بعد أن ذكر أقوالًا كثيرة حيث قال: وأولى المعاني في قول الله : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ﴾: علا ﵎ عليهن فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات. ونقل الطبري عن الربيع بن أنس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ﴾ يقول (ارتفع إلى السماء). [تفسير الطبري ج ٨/ ١٧٥]

стр. 426

تفسير القرآن باللغة العربية التفسير باللغة العربية مهم لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. [يوسف: ٢] ١ - مثال ذلك ما نقله الحافظ في الفتح عن ابن بطال قال: اختلف في الإستواء المذكور هنا أي في آية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩] فقالت المعتزلة: معناه الاستيلاء بالقهر والغلبة، واحتجوا بقول الشاعر: قد استوى بشرٌ على العراقِ ... من غير سيف ودم مهراق ثم رد هذا القول حيث قال: فأما قول المعتزلة فإنه فاسد لأنه لم يزل قاهرًا غالبًا مستوليًا ، وذكر أقوالًا عديدة ثم قال: وأما تفسير استوى: علا فهو صحيح وهو المذهب الحق وقول أهل السنة؛ لأن الله وصف نفسه بالعلي. (أي الأعلى). وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وهي صفة من صفات الذات. [فتح الباري ج ١٣/ ٤٠٦] أقول: الصواب أن يقال: الإستواء من صفات الله الفعلية المتعلقة بذات الله. والله أعلم. [انظر شرح العقيدة الواسطية للهراس ص ٩١] ثم ذكر الحافظ في الفتح قائلًا: وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلى داود بن علي بن خلف قال: كنا عند عبد الله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: هو على العرش كما أخبر قال يا أبا عبد الله إنما معناه استولى، فقال اسكت، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد. وقال غيه: لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش لأنه غالب على جميع المخلوقات. [ج ١٣/ ٤٠٦]

стр. 427

والعجيب أن الأشاعرة أخذوا عن المعتزلة تفسير استوى بمعنى استولى، وفشى هذا في بعض كتب التفسير والتوحيد وأقوال الناس، فأنكروا العلو لله كما دلت عليه الآيات والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، حتى خالفوا اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم. ورحم الله ابن القيم حين قال: لقد أمر الله اليهود أن يقولوا [حطة] فقالوا حنطة تحريفًا وأخبرنا الله أنه ﴿اسْتَوَى﴾ على العرش فقال المتأولون: استولى، فانظر ما أشبه لامهم التي زادوها بنون اليهود التي زادوها. (وهذا معنى ما ذكره نظمًا) [انظر القصيدة النونية لابن القيم] ٢ - ومن التفسير باللغة العربية ما حكاه الله عني إبراهيم ﵇: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾. [الأنبياء: ٥٢] ومعنى التماثيل: الأصنام، كما في تفسير فتح القدير للشوكاني. حيث قال: والتماثيل: الأصنام، وأصل التمثال الشيء المصنوع مشابهًا لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال مثَّلت الشيء بالشيء إذا جعلته مشابهًا له، واسم ذلك الممثَّل تمثال. [١٢/ ٤١١] والأصنام التي كان المشركون يعبدونها تمثل الأولياء، والدليل: أ - ذكر البخاري عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾. [نوح: ٢٣] قال: صارت الأوثان التي تعبد في قوم نوح في العرب. . . . وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونُسخ العلم عُبدت (أي الأصنام). ومعنى: (نُسخ العلم) أي عِلم تلك الصور بخصوصها. [ج ٦/ ٧٣] ب - وذكر البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] قال كان (اللات) رجلاً يلت سويق الحاج. [ج ٦/ ٥١] أقول: ولذلك سماهم الله تعالى بالأولياء في كثير من الآيات، منها: قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الشورى: ٩]

стр. 428

ومن هذا التفسير المتقدم تعلم خطأ كثير من المسلمين الذين يزعمون أن المشركين الذين ورد ذكرهم في القرآن كانوا يدعون أصنامًا من الحجارة وليسوا بأولياء، وهذا خطأ لأن الأوثان والأصنام كانت تمثل رجالًا صالحين كما تقدم. ٣ - ومن التفسير باللغة العربية قول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾. [محمد: ١٩] فالإله: معناه العبود، فيكون معناها: لا معبود إلا الله، ولما كانت العبودات من دون الله كثيرة: فالهندوس في الهند يعبدون البقر، والنصارى تعبد المسيح، وبعض المسلمين -مع الأسف الشديد- يعبدون الأولياء ويدعونهم من دون الله، والحديث يقول: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح] لذلك كان لابد من إضافة كلمة (حق) على التفسير، فيصبح معناها: لا معبود حق إلا الله، وبذلك خرجت جميع العبودات الباطلة كلها. والدليل على هذا التفسير قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان: ٣٠] ومن هذا التفسير لمعنى الإِله يتبين خطأ كثير من المسلمين الذين ينكرون عُلُوَّا لله فوق عرشه، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ولو عرفوا معنى الإِله لما استدلوا بالآية؛ لأن الإِله معناه العبود كما تقدم، فيكون معناها: وهو الذي في السماء معبود وفي الأرض معبود. علمًا بِأن آيات كثيرة تثبت عُلُو الله على عرشه منه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] [أي علا وارتفع]. ومن الخطأ أيضًا ما يقوله كثير من المسلمين من أن معنى: (لا إِله إلا الله) لا خالق ولا رازق إلا الله؛ لأن المشركين كانوا يعترفون بذلك، ولكنهم يعلمون أن الإِله معناه العبود، لذلك استكبروا عن قول: لا إله إلا الله كما قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. [الصافات: ٣٥، ٣٦]

стр. 429

٤ - ومما يساعد على التفسير معرفة قواعد اللغة العربية مما حقه التقديم والتأخير: مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فقدَّم المفعول (إياك) مرة على الفعل (نعبد) ومرة على الفعل (نستعين) للحصر والاختصاص، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك يا الله، ونخصك بالعبادة والاستعانة وحدك. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال ابن القيم في مدارج السالكين: وسر الخلق والأمر، والكتب والشرائع، والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وعليهما مدار العبودية والتوحيد، حتى قيل: أنزل الله مائة كتاب وأربعة: جمع معانيها في التوراة والإِنجيل والقرآن، وجمع معاني هذه الكتب الثلاثة في القرآن. . . وجمع معاني القرآن في الفاتحة في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] [انظر مدارج السالكين لابن القيم باختصار] من فوائد الآية ١ - إفراد الله بالعبادة: كالصلاة والطواف والحكم ودعاء الله لقول الرسول ﷺ : (الدعاء هو العبادة). [حديث حسن صحيح] ٢ - سؤال الله، والاستعانة به، ولا سيما فيما لا يقدر عليه غيره: كشفاء المرض، وطلب الرزق والهداية وغيرها، لقوله ﷺ : (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله). [رواه الترمذي وقال حسن صحيح]

стр. 430

معرفة الإستنباط الاستنباط: هو الفهم الدقيق المستنبط من معنى الآية: ١ - مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١، ٢] فقد نقل البخاري عن ابن عباسبى قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال: لِمَ تُدخل معنا هذا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه من حيث علمتم، فدعاه ذات يوم فأدخله معهم، فما رؤيتُ أنه دعاني إلا ليريهم. قال ما تقولون في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟. فقال بعضهم: أُمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذاك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجلُ رسول الله ﷺ أعلمه له: قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وذلك علامة أجلك. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول. [البخاري ج ٦/ ٩٤] ٢ - ومثال آخر ما نقله ابن كثير عن الشافعي في قول الله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٨، ٣٩] أي كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل له من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الِإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم، ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أُمته، ولا حثَّهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة ﵃، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء.

стр. 431

فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما ومنصوص من الشارع عليهما. وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا مات الِإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به". فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه". [رواه الترمذي وأبو داود وصححه محقق جامع الأصول] والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضًا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: "من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء". [انظر تفسير ابن كثير ج ٤/ ٢٥٨]

стр. 432

معرفة أسباب النزول إن معرفة أسباب النزول مما يساعد على فهم القرآن الكريم: ١ - مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾. [الإسراء: ٥٦، ٥٧] عن ابن مسعود قال: "كان نفرٌ من الِإنس يعبدون نفرًا من الجن فأسلم النفر من الجن فاستمسك الآخرون بعبادتهم فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [متفق عليه] قال الحافظ: استمر الِإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة. وروى الطبري من وجه آخر عن ابن مسعود فزاد فيه (والِإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم) وهذا هو المعتمد في تفسير الآية. [فتح الباري ج ٨/ ٣٩٧] ﴿يَدْعُونَ﴾ يتضرعون إلى الله في طلب ما يقربهم إلى ربهم. ﴿يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ يتقربون إليه بطاعته والعمل بما يرضيه. ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أيهم أقرب إلى الله بالأعمال الصالحة. ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء. ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ينبغي أن يحذره العباد ويخافوه. أقول: في هذه الآية ردٌّ على الذين يدعون غير الله من الأنبياء والأولياء، ويتوسلون بذاتهم ولو توسلوا بإيمانهم بهم وحبهم لهم لجاز. ٢ - مثال آخر: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾. [الأنعام: ٨٢]

стр. 433

قال أصحاب النبي ﷺ ، وأينا لم يظلم؟ فنزلت: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. [لقمان: ١٣] [رواه البخاري] قال الحافظ في الفتح: [لم يلبسوا: لم يخلطوا]. ٣ - ومثال آخر: ما ذكره البخاري عن عروة قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شريج من الحرة فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فقال الأنصاري: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلوّن وجهه ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدر، ثم أرسل الماء إلى جارك" واستوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. في شريج: مسيل الماء وينزل من الجبل إلى مكان اسمه (الحرة). قال الزبير فما أحسب هذه الآيات إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. [البخاري ج ٥/ ١٨٠] ٤ - ومثال آخر: عن حذيفة: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ﴾. [البقرة: ١٩٥] قال: نزلت في النفقة "أي في تركها". [أخرجه البخاري] وفي رواية أبي داود قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مَه مَه. لا إله إلا الله، يُلقى بيديه إلى التهلُكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه، وأظهر الِإسلام قلنا: هلُم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلى التَّهْلُكَةِ﴾. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية. [رواه أبو داود بسند صحيح] [انظر جامع الأصول ج ٢/ ٣٢]

стр. 434

معرفة الناسخ والمنسوخ مما يساعد على فهم القرآن الكريم أيضًا، ودليله قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. [البقرة: ١٠٦] النسخ: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر. فالحكم المرفوع يسمى (المنسوخ) والدليل الرافع يسمى (الناسخ) ويسمى الرفع (النسخ). ويطلق الناسخ (١) على الله تعالى كهذه الآية. ويطلق على الآية فيقال: هذه الآية ناسخة لآية كذا، وُيطلق على الحكم النّاسخ لحكم آخر. ١ - مثال ذلك: عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. [البقرة: ١٨٤] كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها. وفي رواية حتى نزلت الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. [البقرة: ١٨٥] [متفق عليه] وعن عبد الله بن عمر ﵄ قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال هي منسوخة. [أخرجه البخاري] وذهب ابن عباس الى أنها مُحكمة غير منسوخة. روى البخاري عن عطاء أنه سمع ابن عباس ﵄ يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال ابن عباس: "ليست منسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيُطعمان كل يوم مسكينًا". وليس معنى (يُطيقونه) على هذا يستطيعونه. وإنما معناه يتحملونه بمشقة وكلفة.

стр. 435

٢ - ومثال آخر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. [البقرة: ٢٨٤] نسخت بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾. [البقرة: ٢٨٦] ٣ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾. [النساء: ١٥، ١٦] نسختا بآية الجَلْد للبكر في سورة النور: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. [النور: ٢] بالجَلْد للبكر، وبالرجم للثيّب الوارد في السنة: ". . البكر بالبِكر جَلد مائة، ونفيُ سَنَة، والثيّب بالثيّب جَلْد مائة والرجم". [رواه مسلم] ٤ - قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٥] نسخت بقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦] الحكمة في النسخ ١ - مراعاة مصالح العباد. ٢ - تطور التشريع إلى مرتبة الكمال حسب تطور الدعوة، وتطور حال الناس. ٣ - إبتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه. ٤ - إرادة الخير للأمة والتيسير عليها؛ لأن النسخ إن كان إلى أشق ففيه زيادة الثواب وإن كان إلى أخف ففيه سهولة التيسير. [انظر مباحث في علوم القرآن للقطان]

стр. 436

القرآن المكي والمدني إن مما يساعد على فهم القرآن وتفسيره معرفة القرآن المكي والمدني، لذلك اهتم به الصحابة ومن بعدهم حتى قال ابن مسعود ﵁: "والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الِإبل لركبت إليه". [رواه البخاري] والصحابة ﵃ كانوا يعملون بما تعلموه من القرآن، ولذلك قال ابن مسعود: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن" [صحح إسناده أحمد شاكر] وهذا العمل تطبيق لقول رسول الله ﷺ القائل: "اقرأوا القرآن واعملوا به، ولا تأكلوا به. .". [صحيح رواه أحمد] وبسبب هذا العمل بالقرآن الكريم نصر الله رسوله وصحابته من بعده، ولما ترك المسلمون اليوم العمل بالقرآن الكريم تأخر النصر عنهم حتى يعودوا إلى تعلم كتاب ربهم والعمل به، فيعود النصر إليهم. معرفة المكي والمدني: اعتمد العلماء في معرفة المكي والمدني على منهجين أساسيين: ١ - المنهج السماعي النقلي: ويستند إلى الرواية الصحيحة عن الصحابة الذين عاصروا الوحي، وشاهدوا نزوله، أو عن التابعين الذين تلقوا عن الصحابة وسمعوا منهم كيفية النزول ومواقعه وأحداثه، ومعظم ما ورد في المكي والمدني من هذا القبيل، إذ لم يرد عن الرسول ﷺ قول؛ لأنه لم يؤمر به. مثال ذلك ما يجده القارىء في أول السورة: (سورة مكية) أو (سورة مدنية). ٢ - المنهج القياسي الاجتهادي: ويستند إلى خصائص المكي والمدني، فإذا ورد في

стр. 437

السورة المكية آية تحمل طابع التنزيل المدني، أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مدنية، وإذا ورد في السورة المدنية آية تحمل طابع التنزيل المكي، أو تتضمن شيئًا من حوادثه قالوا إنها مكية، وإذا وجد في السورة خصائص المكي قالوا إنها مكية، وإذا وجد في السورة خصائص المدني قالوا إنها مدنية. مثال ذلك قالوا: كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية فهي مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حَدٌّ فهي مدنية. [انظر علوم القرآن للقطان] تعريف القرآن المكي والمدني ١ - القرآن المكي: هو الذي نزل به الوحي على رسول الله ﷺ قبل الهجرة وإن كان بغير مكة. ٢ - القرآن المدني: هو الذي نزل به جبريل على محمد ﷺ بعد الهجرة، وإن كان بمكة، كالذي نزل في حجة الوداع. مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. [المائدة: ٣] "جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: فأي آية؟ تال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه نزلت على رسول الله ﷺ في عرفة يوم جمعة. [رواه البخاري] أقول: في هذه الآية رد على القائلين بالبدعة الحسنة في الإِسلام وقد قال الإِمام مالك من ابتدع في الإِسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا ﷺ خان الرسالة لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية. فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا.

стр. 438

خصائص القرآن المكي الغالب في القرآن المكي من حيث الموضوع الاهتمام بما يلي: ١ - الدعوة إلى توحيد الإله الذي أنكره المشركون كما قال الله تعالى عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾. [الصافات: ٣٥، ٣٦] لأن العربي كان يفهم معنى (لا إله إلا الله) وأن من قالها ترك عبادة غير الله، أما بعض المسلمين اليوم فلا يفهمون معناها وهو (لا معبود بحق إلا الله) ولذلك يقولونها بألسنتهم، وينقضونها بأفعالهم، وذلك حينما يدعون غير الله، أو يتحاكمون إلى غير شرع الله، أو ينذرون لغير الله، وغير ذلك من الأعمال الشركية. ٢ - التحذير من الشرك كدعاء غير الله، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [أي المشركين] [يونس: ١٠٦] ٣ - إبطال عبادة الأولياء بدعوى تقربهم بها إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله، حيث قال الله لهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. [يونس: ١٨] فحكم بالكفر والشرك على كل مَن صرف شيئًا مِن العبادة لغير الله كالدعاء، ولو كان قصده التقرب إلى الله وطلب الشفاعة منهم عند الله، وسرت هذه الفكرة إلى كثير من المسلمين اليوم، مع الأسف الشديد! فإذا سألت مسلمًا: لماذا تدعو هؤلاء الأولياء؟

стр. 439

قال لك: أريد التقرب بهم إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله! ٤ - الدعوة إلى الإِيمان باليوم الآخر، وبعث الناس من قبورهم للحساب، حيث أنكر ذلك المشركون في مكة، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. [التغابن: ٧] ٥ - التحدي للعرب -رغم فصاحتهم- أن يأتوا بسورة مثل هذا القرآن، وقد تحداهم الله تعالى بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ. . .﴾. [يونس: ٣٨] ٦ - إيراد قصص المكذبين الغابرين: كقوم نوح، وهود، وقوم صالح، وشعيب، وموسى، وغيرهم، قال الله تعالى مهددًا مشركي مكة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. [الفجر: ٦ - ١٤] ٧ - الحث على الصبر: كقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. [المزمل: ١٠] ٨ - جهاد المشركين بالقرآن، وجدالهم بالحسُنى: كقوله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. [الفرقان: ٥٢] ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. [النحل: ١٢٥] ٩ - إقامة الأدلة الكونية والعقلية على توحيد الربوبية الذي يستلزم منه توحيد الألوهية مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾؟. [الغاشية: ١٧ - ٢٠] ١٠ - يمتاز القرآن المكي غالبًا في أسلوبه بوجود ألفاظ شديدة القرع على المسامع تقذف حروفها الوعيد والعذاب: مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ﴾. [القارعة: ١] ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾. [عبس: ٣٣] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. [الغاشية: ١] ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾. [الواقعة: ١] ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾. [العلق: ١٥] فحرف [كلا] للردع والزجر. [انظر علوم القرآن للقطان]

стр. 440

خصائص القرآن المدني الغالب في القرآن المدني من حيث الموضوع الاهتمام بما يلي: ١ - الدعوة إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله: لأن المسلمين هاجروا إلى المدينة وأقاموا دولة الإِسلام فيها فهم بحاجة للدفاع عن دينهم ودولتهم، لذلك نرى القرآن المدني يشجعهم على القتال قائلًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ. .﴾. [التوبة: ١١١] ٢ - بيان أحكام الإِسلام: مثل حكم الربا الذي أعلن الله الحرب على فاعليه حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩] ٣ - الحكم في الحدود: كحد الزنا والسرقة وغيرها من الحدود التي تضمن الأمن والاستقرار في المجتمع،. كقول الله تعالى في حد فاعل الزنى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾. [النور: ٢] وقوله في حد السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. [المائدة: ٣٨] ٤ - فضح المنافقين وكشف دخيلتهم وذكر أوصافهم: كقول الله تعالى في كشف نفاقهم: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾. [المنافقون: ١]

стр. 441

٥ - إسكات أفواه أهل الكتاب من اليهود وغيرهم ومجادلتهم لإِقامة الحجة عليهم: كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾. [العنكبوت: ٤٦] ٦ - تحقيق النصر للمؤمنين في غزواتهم مع أعدائهم: كقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾. [آل عمران: ١٢٣] [انظر مباحث علوم القرآن لمناع القطان] فوائد العلم بالمكي والمدني ١ - الاستعانة في تفسير القرآن: فإن معرفة مواقع النزول تساعد على فهم الآية وتفسيرها صحيحًا، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ويستطيع المفسر في ضوء ذلك عند تعارض المعنى في آيتين أن يميز بين الناسخ والمنسوخ، فإن المتأخر يكون ناسخًا للمتقدم. ٢ - تذوق أساليب القرآن والاستفادة منها في أسلوب الدعوة إلى الله، فإن لكل مقام مقالًا، ومراعاة مقتضى الحال من أخص معاني البلاغة، وخصائص أسلوب المكي في القرآن والمدني منه تعطي الدارس منهجًا لطرائق الخطاب في الدعوة إلى الله، بما يلائم نفسية المخاطب، ولكل مرحلة من مراحل الدعوة موضوعاتها وأساليبها، ويبدو هذا واضحًا جليًا قي أساليب القرآن المختلفة في مخاطبة المؤمنين أو المشركين والمنافقين وأهل الكتاب. ٣ - الوقوف على السيرة النبوية من خلال الآيات القرآنية، فالقرآن هو المرجع الأصيل لهذه السيرة. [انظر مباحث في علوم القرآن] ٤ - عدد السور المكية: ٨٢ سورة، والسور المدنية: ٢٠ سورة، وعدد المختلف فيها: ١٢ سورة، ومجموعها: ١١٤ سورة، وعدد آيات القرآن: ٦٢٣٦ آية.

стр. 442

الآيات المكية والمدنية المتداخلة الآيات المكية في السور المدنية: لا يقصد بوصف السورة بأنها مكية أو مدنية أنها بأجمعها كذلك فقد يكون في المكية بعض آيات مدنية، وفي المدنية بعض آيات مكية، ولكنه وصف أغلبي حسب أكثر آياتها، ولذا يأتي في التسمية: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية، وسورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية، كما نجد ذلك في المصاحف -ومن أمثلة الآيات المكية في السور المدنية "سورة الأنفال مدنية" واستثنى منها كثير من العلماء قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾. [الأنفال: ٣٠] قال مقاتل: هذه الآية نزلت بمكة وظاهرها كذلك؛ لأنها تضمنت ما كان من المشركين في دار الندوة عند تآمرهم على رسول الله ﷺ قبل الهجرة. [انظر علوم القرآن]

стр. 443

متى نعمل بالقرآن المكي والمدني ؟ يرى شيخ الإِسلام ابن تيمية أن القرآن المكي الذي يدعو إلى الصبر على الأذى، وعدم مجابهة الكفار يطبق في حالة ضعف المسلمين، والقرآن المدني الذي يدعو إلى الجهاد والقوة يطبق في حالة قوة المسلمين، وذلك حين قال: "وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه، وصارت آية الصَّغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه، وبهذه الآيات ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عُمْرِ رسول الله ﷺ وعلى عهد خلفائه الراشدين، وكذلك هو إلى يوم قيام الساعة، لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام. فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يُعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون". [الصارم المسلول ٢٢١] أقول: يؤيد كلام شيخ الإِسلام ابن تيمية قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. [الجاثية: ١٤] يأمر الله رسوله أن يقول للمؤمنين أيام ضعف المسلمين في مكة قبل الهجرة اصفحوا وتجاوزوا عمن يؤذيكم من الكفار، ولا تردوا الأذى بمثله، وهذا يدل على مشروعية التسامح مع الكفرة في حال ضعف المسلمين.

стр. 444

واجبنا نحن المسلمين ١ - ليت الجماعات الإِسلامية طبقوا ما جاء في القرآن المكي الذي يدعو إلى الصبر والعفو حتى يأتي الله بالنصر. ٢ - أن نطبق الأحكام الشرعية على أنفسنا، إذ رأينا البعض يدعو إلى الجهاد وحكم الإِسلام، وهو لا يطبقه على نفسه. ٣ - أن ندعو حكام المسلمين وأعوانهم إلى تطبيق حكم الإِسلام بالحكمة والموعظة الحسنة والقول اللين كما فعل موسى وهارون مع فرعون. ٤ - أن يكون جهادنا في حالة الضعف بالمال واللسان عملَاَ بقوله ﷺ : "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". [صحيح رواه أبو داود] ٥ - أن ندعو الأُمة أفرادًا وجماعات إلى تطبيق حكم الإِسلام على أنفسهم، حتى ينشأوا على حبه وإقامته على أرضهم. وقد قال أحد الدعاة المعاصرين: "أقيموا دولة الإِسلام في صدوركم تقم لكم في أرضكم". ٦ - العقيدة أولًا أم الحاكمية؟ أجاب الداعية الكبير محمد قطب على هذا في محاضرة ألقاها في دار الحديث المكية، وهذا نصه: س- البعض يقول: إن الإِسلام سيعود من قبل الحاكمية، والبعض الآخر يقول: سيعود الإِسلام عن طريق تصحيح العقيدة والتربية الجماعية، فأيهما أصح؟ ج- من أين تأتي حاكمية هذا الدين في الأرض إن لم يكن دعاة يصححون العقيدة، ويؤمنون إيمانًا صحيحًا، وُيبتلون في دينهم فيصبرون. ويجاهدون في سبيل الله، فيحكم دين الله في الأرض، قضية واضحة جدًا، ما يأتي الحكم من السماء، ما يتنزل من السماء، وكل شيء يأتي من السماء، لكن بجهد من البشر فرضه الله على البشر: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾. [محمد: ٤] لابد أن نبدأ بتصحيح العقيدة، وتربية جيل على العقيدة الصحيحة، جيل يُبتلى فيصبر على البلاء، كما صبر الجيل الأول.

стр. 445

نزول القرآن مفرقًا والحكمة منه لقد نزل القرآن على رسول الله ﷺ متفرقًا حسب الوقائع والمناسبات وفي ذلك حِكَم بالغة: ١ - تثبيت قلب النبي ﷺ : وهذه الحكمة هي التي رد الله بها على اعتراض الكفار في نزول القرآن متفرقًا بقوله تعالي: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾. [الفرقان: ٣٢] قال العلامة أبو شامة: "فإن قيل ما السر في نزوله مُنجمًا؟ وهلا أُنزل كسائر الكتب جملة؟ قلنا: هذا سؤال قد تولى الله جوابه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ يعنون: كما أُنزل على مَن قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي أنزلناه مُفرَّقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي لنقوّي به قلبك، فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقياه جبريل". [انظر الإتقان للسيوطي ج ١/ ٤٢] ٢ - التحدي والإِعجاز: لقد اعترض الكفار على نزول القرآن مُفرَّقًا، كما قال القرآن عنهم، وبما أنهم قد عجبوا مِن نزوله مُفرقًا، فإن الله تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا، وإن تحديهم به مُفرَّقًا أقوى في الِإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة واحدة فمن يعجز عن أن يأتي بسورة مثله مُفرقًا يعجز بالأولى من الِإتيان بمثله جملة واحدة. ويشير إلى هذه الحكمة ما جاء في بعض الروايات في حديث ابن عباس عن نزول

стр. 446

القرآن: "فكان المشركون إذا أحدثوا شيئًا أحدث الله لهم جوابًا". [أخرجه ابن أبي حاتم] ٣ - تيسير حفظ القرآن وفهمه: إن نزول القرآن مُفَرَّقًا يسهل للناس حفظه وفهمه، ولا سيما إذا كانوا أُميين كالعرب الذين نزل القرآن بلغتهم، فكان نزوله مُفرقًا خير عون لهم على حفظه في صدورهم، وفهمهم لآياته، كلما نزلت الآية أو الآيات حفظها الصحابة، وتدبروا معانيها، وعملوا بها، لذلك قال عمر ﵁: "تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات، فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسًا خمسًا". [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان وسنده صحيح] ٤ - تنشيط نفوس المؤمنين لقبول ما نزل من القرآن والعمل به: حيث يتشوق المسلمون إلى نزول الآية، ولا سيما عند الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان. ٥ - مسايرة الحوادث والتدرج في التشريع: كان القرآن الكريم يتدرج في نزوله، ويبدأ بالأهم فالمهم: أ- لقد اهتم القرآن الكريم أولًا بأصول الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجنة ونار، وُيقيم الأدلة على ذلك ليستأصل العقائد الفاسدة من نفوس المشركين، ويغرس فيها عقيدة الإِسلام. ب- ثم بدأ يأمر بمحاسن الأخلاق، وينهى عن الفحشاء والمنكر ليقتلع جذور الفساد والشر، ويبين قواعد الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والأموال والأعراض والدماء وغير ذلك. ج- كان القرآن ينزل وفق الحوادث التي تمر بالمسلمين في جهادهم الطويل لِإعلاء كلمة الله، وتشجيعهم على ذلك. [انظر مباحث في علوم القرآن]

стр. 447

الأمثلة على نزوله بالتدريج ١ - نزلت سورة الأنعام -وهي مكية- تبين أصول الإِيمان، وأدلة التوحيد، وتحذر من الشرك، وتوضح ما يحل وما يحرم: قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾. [الأنعام: ١٥١] ثم نزل بعد ذلك تفصيل هذه الأحكام في المدينة، كآية المداينة، وتحريم الربا، وأصل الزنى حُرم بمكة: يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. [الإسراء: ٣٢] والعقوبات المترتبة عليه نزلت بالمدينة. ٢ - وأوضح مثال لذلك التدرج في التشريع تحريم الخمر، فقد نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾. [النحل: ٦٧] فإنه وصف الرزق بالحسن دون السَّكَر إشارة إلى ذم الخمر، ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. [البقرة: ٢١٩] فقارنت الآية بين منافع الخمر الوقتية، وبين مضارها في إثم تعاطيها وما ينشأ عنه من ضرر الجسمِ، وفساد العقل، وضياع المال، وإثارة لبواعث الفجور والعصيان، ثم نفَّرت الآية من الخمر بترجيح المضار على المنافع. ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾. [النساء: ٤٣] فعرفوا تحريمه وقت الصلوات ثم نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. [المائدة: ٩٠] ٣ - ويوضح هذه الحكمة ما قالته عائشة ﵂: "إنما نزل أول ما نزل سورة مِن المفَصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإِسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء "لا تشربوا الخمر" لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل "لا تزنوا" لقالوا: لا ندَع الزنا أبدًا". [أخرجه البخاري]

стр. 448

من خصائص القرآن الكريم ١ - القرآن كلام الله المنزل على رسولنا محمد ﷺ المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس. ٢ - التعبد بتلاوته في الصلاة وغيرها وأخذ الثواب على قراءته ﷺ لقول الرسول ﷺ : "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: [ألم] حرف، ولكن: ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف". [صحيح رواه الترمذي] وقد ورد في قراءة سوره أحاديث صحيحة كسورة (البقرة وآل عمران والملك، والكهف، والمعوذات) وغيرها. ٣ - الصلاة لا تصح إلا بقراءة القرآن لقوله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب". [متفق عليه] ٤ - القرآن سلِمِ من التحريف والتبديل لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] أما بقية الكتب السماوية كالتوراة والإِنجيل فقد حرفها (اليهود والنصارى) ٥ - القرآن سليبم من التناقض لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] ٦ - تيسير حفظه عن ظهر قلب، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ٤٠] ٧ - القرآن معجز لا يستطيع أحد أن يأتي بسورة مثله، وقد تحدى الله العرب فعجزوا: قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ٨ - تنزل السكينة والرحمة على قارىء القرآن ﷺ : "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا

стр. 449

نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده". [رواه مسلم وغيره] ٩ - القرآن للأحياء لا للأموات: قال الله تعالى عن القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وقد استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية أن القراءة لا يصل ثواب إهدائها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم. وأما قراءة الولد لأبويه فيصل ثواب القراءة لأن الولد من سعي أبيه كما ورد في الحديث " .. وإن. ولده من كسبه". [صححه محقق جامع الأصول] ١٠ - القرآن شفاء القلوب من أمراض الشرك والنفاق وغيرها، وفيه بعض الآيات والسور لشفاء الأبدان: كسورة الفاتحة والمعوذات، وغيرها مما ثبت في السنة الصحيحة. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ١١ - القرآن يشفع لصاحبه لقول الرسول ﷺ : "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه". [رواه مسلم] ١٢ - القرآن مهيمن على الكتب التي قبله، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. قال ابن كثير بعد أن ذكر أقوالًا في تفسير المهيمِن: "وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله، هذا الكتاب العظيم الذي أُنزل آخر الكتب وخاتمها، وأشملها عظماً، وأكملها، حيث جمِع فيه محاسنِ ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل الله بحفظه". [تفسير ابن كثير ٢/ ٦٥]

стр. 450

١٣ - القرآن الكريم صادق في أخباره، عدل في أحكامه. قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥] قال قتادة: صدقاً فيما قال، وعدلاً فيما حكم، يقول صدقاً في الأخبار، وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به حق لا مِرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة كما قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [انظر تفسير ابن كثير ج ٢/ ١٦٧] ١٤ - القصة في القرآن حقيقة لا خيال: فقصة موسى مع فرعون واقعة قال تعالى: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ [القصص: ٣] ومثلها قصة أصحاب الكهف، فهي حقيقة، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣] وجميع ما قص الله في القرآن حق، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] ١٥ - القرآن يجمع بين مطلب الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧] ١٦ - القرآن فيه كل ما يحتاجه البشر من عقائد وعبادات وأحكام ومعاملات وأخلاق وسياسة واقتصاد وغير ذلك من أمور الحياة اللازمة للمجتمع، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَنَزلنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبيَاناً لِكل شيَءٍ، وَهدىً وَرَحمَة وَبُشرَى للمُسلِمِينَ﴾. [النحل ٨٩] ١ - قال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ما فرَّطنا في الكتاب من شيء﴾ أي في اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث، وقيل: أي في القرآن: ما تركنا شيئاً من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتلقى بيانها من الرسول ﷺ ،

стр. 451

أو من الِإجماع، أو من القياس الذي ثبت بنص الكتاب. [ج ٦/ ٤٢٠] ثم قال: فصدَقَ خبرُ الله بأنه ما فرَّط في الكتاب من شيء إما تفصيلاً أو تأصيلاً. ب - وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾ يقول: نزل عليك يا محمد هذا القرآن تبياناً لكل ما بالناس إليه الحاجة من معرفة الحلال والحرام والثواب والعقاب ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿ورحمة﴾ لمن صدق به، وعمل بما فيه من حدود الله، وأمره ونهيه، فأحل حلاله، وحرم حرامه. ﴿وبشرى للمسلمين﴾ يقول: وبشارة لمن أطاع الله وخضع له بالتوحيد، وأذعن له بالطاعة يبشره بجزيل ثوابه في الآخرة، وعظيم كرامته. [ج ١٤/ ٦١] ١٧ - القرآن الكريم له تأثير قوي على النفوس من الإِنس والجن. أ - أما الإِنس فقد تأثر به كثير من المشركين في أول الإِسلام، ودخلوا به، وفي العصر الحاضر التقيت بشاب نصراني دخل في الإِسلام، وذكر في أنه تأثر بسماعه القرآن من الأشرطة. ب - وأما الجن فقد قال نفر منهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. ﴿الجن ١ - ٢] ج - وأما المشركون فكثير منهم تأثر بالقرآن عند سماعه، حتى قال الوليد بن المغيرة: (فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون؛ وإن قوله من كلام الله، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه ليعلو وما يُعلى عليه [انظر ابن كثبرج ٤/ ٤٤٣] ١٨ - الذي يتعلم القرآن ويعلمه للناس هو خيرهم لقوله ﷺ : "خَيْركُم مَن تعلّم القرآن وعَلَّمه". [رواه البخاري] ١٩ - "الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررَة، والذي يقرؤه ويُتعتعُ فيه وهو عليه شاق له أجران". [متفق عليه] (السفرة: الملائكة) [يُتعتع: يتردد فيه]. ٢٠ - القرآن جعله الله هادياً ومبشراً فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٩]

стр. 452

٢١ - القرآن يسكن القلوب، ويثبت اليقين، والمؤمنون يعلمون أنه أعظم آية تطمئن لها قلوبهم ببرد اليقين. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فإذا أصاب المسلم هَمٌ أوحزن أومرض فعليه أن يسمع القرآن الكريم من مقرىء حسن الصوت كالمنشاوى وغيره، فقد قال ﷺ : "حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسناً". [صحيح، وانظر صحيح الجامع للألباني] ٢٢ - القرآن الكريم يدعو في أكثر سوره إلى التوحيد، ولا سيما توحيد الِإله في العبادة والدعاء والاستعانة: ففي أوله في سورة الفاتحة تجد قوله تعالى: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، (أي لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك). وفي آخره في سورة الِإخلاص، والفلق، والناس، تجد التوحيد ظاهراً في قوله: ﴿قل هو الله أحد﴾، ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾، ﴿قل أعوذ برب الناس﴾، وفي سورِة الجن تقرأ قوله تعالى: ﴿قُل إِنَمَا أدعُوا رَبي وَلَا أشرِكُ بهِ أحَدا﴾. [الجن ٢٠] ﴿وَأنً المَسَاجدَ لله فَلَا تَدعُوا مَعً الله أحداً﴾. [الجن ١٨] وفي بقية سورَ القرآن كثير من آيات التوحيد. والعجيب أن أحد المشايخ وجد هذه الآية مكتوبة على باب المسجد، فقال: هذه آية وهابية، لأنها تنهى عن دعاء غير الله!! وقال لي دكتور صوفي: إن آية ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وهابية، لأنها تدعو إلى الاستعانة بالله وحده!! ٢٣ - القرآن الكريم مصدر الشريعة الإِسلامية الأول أنزله الله على سيدنا محمد ﷺ ليخرج الناس من ظلمات الكفر والشرك والجهل إلى نور الإِيمان والتوحيد والعلم قال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١]

стр. 453

٢٤ - القرآنَ الكريم يخبر عن الحوادث المستقبلة التي لا تُعلَم إلا بالوحي كقوله تعالى: ﴿سَيُهزَمُ الجَمعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. [القمر: ٤٥] وقد هُزم المشركون يوم بدر وهربوا من المعركة. وأخبر القرآن عن أمور كثيرة قد تحققت فيما بعد كتغَلُّب الروم على الفرس. ٢٥ - الاستعاذة عند تلاوة القرآن لقول الله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. [النحل: ٩٨] ٢٦ - وجوب الاستماع والإِنصات إليه لمن كان مُؤتما في الصلاة وخطبة الجمعة. لقول الله تعالى: ﴿وإذا قُرىء القرآن فاستمعوا له، وأنصِتوا لعلكم تُرحمون﴾ [الأعراف ٢٠٤] فإذا قُرِىء عليكم القرآن فاستمعوا له، لتفهموا آياته وأنصتوا إليه لتعقلوه، ليرحمكم ربكم. [انظر تفسير الطبري] الخلاصة إن خصائص القرآن كثيرة، وقد وصفه الله تعالى بقوله: ﴿وإنه لكتابٌ عزيزٌ، لا يأتيه الباطلُ مِن بين يديه ولا مِن خلفه، تنزيلٌ من حكيم حميد﴾. [فصلت ٤١ - ٤٢] وقال عنه الرسول ﷺ : (تركت فيكم شيئين، لن تضلُّوا بعدهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرَّقا حتى يرِدا عليَّ الحوض). [صحيح رواه الحاكم] وقال جلادستون -رئيس وزراء بريطانيا سابقاً-: ما دام هذا القرآن موجوداً فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق الإِسلامي.

стр. 454

القرآن كتاب جامع شامل القرآن الكريم تطرق لموضوعات شتى هامة كالأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحكم والأمثال، والوعظ والقصص، وذكر المغيبات، والعلوم الكونية، ومظاهر الخلق، ودلائل البعث والنشور، وغير ذلك من الأمور المهمة. وحين نتدبر القرآن في كل هذه المواضيع والأغراض نجدها في منتهى البلاغة والبراعة وغاية الانسجام والتوافق والالتئام، أوله يشبه آخره، ويشبه بعضه بعضاً في الحسن، ولا يمل قارؤه، ولا يسأم مجوده، ولا يشك متدبره، يزيد المتقين هدى، والمؤمنين إيماناً، وذلك أنه في غاية الترابط والتلاحم، أوله يصدق آخره. إن نظم القرآن وترتيبه على الوجه المعهود، المباين والمخالف لأنظمة الكتب المؤلفة، وهو مع ذلك متناسب الآي والسور في المعاني والمباني والموضوعات، كأنه وحدة واحدة متكاملة - دليل مادي على أنه ليس بكتاب وضعي بشرِي، يجلس إليه واضعه من الناس، فيجعل لكل طائفة من معلوماته المتناسبة فصلًا، ولكل مجموعة من فصوله المتتابعة باباً، بل هو مجموعة هدايات من الوحي الِإلهي اقتضتها الحكمة، ودعت إليها المصلحة، لا تجد فيها خللًا ولا تناقضاً، بل تأخذ برقاب بعضها كأنها موضوع واحد. [انظر رسالة موهم الاختلاف والتناقض في القرآن الكريم للشيخ ياسر أحمد علي الشمالي] يقول الشيخ الزرقاني: إن هذا المزيج الطريف الذي نجده في كل سورة، أو طائفة منه، له أثر بالغ في التذاذ قارئه، وتشويق سامعه، واستفادة المستفيد بأنواع متنوعة منه، فما أشبه كل مجموعة من القرآن بروضة يانعة، يتنقل الِإنسان بين أفيائها، متمتعاً بكل الثمرات، أو بمائدة حافلة بشتى الأطعمة، يُشبع الجائع حاجته بما فيها من جميع الألوان. [انظر مناهل العرفان ج ١/ ٨٠] ويقول الدكتور محمد عبد الله دراز: إنك لتقرأ السورة الطويلة المنسجمة، يحسبها الجاهل أضغاثاً من المعاني حشيت حشواً، وأوزاعاً من المباني جمعت عفواً، فإذا هي

стр. 455

لو تدبرت بُنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أُسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد، قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضام والإلتحام. ومن وراء ذلك كله يسرى في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضاً خاصاً، كما يأخذ الجسم قواماً واحداً، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد مع اختلاف وظائفه العضوية. [انظر كاب النبأ العظيم ١٥٥]

стр. 456

القرآن سليم من الإختلاف قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ١ - قال الطبري في تفسيرها: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد: كتاب الله، فيعلمون حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وإن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه بعضاً بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض. وأسند ابن جرير عن قتادة: (أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف). وأسند عن ابن زيد: (إن القرآن لا يُكذِّب بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمر فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم، وقرأ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] قال فحق على المؤمن أن يقول: (كل من عند الله) ويؤمن بالمتشابه ولا يضرب بعضه ببعض، وإذا جهل أمراً ولم يعرفه أن يقول: (الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولاً وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله). [انظر تفسير الطبرى ج ٨/ ٥٦٧] ٢ - وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن، وناهياً لهم عن الِإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة، وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو

стр. 457

حق من حق، ولهذا قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالُها﴾. [سورة محمد ٢٤] ثم قال: ﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي لوكان مفتعلًا مختلقاً كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً أي اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم حيث قالوا: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ أي مُحكَمِه (١) ومتشابهه (٢) حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح الله تعالى الراسخين، وذم الزائغين. [انظر ابن كثير ج ١/ ٥٢٩] ٣ - وقال الشاطبي وإذا ثبت أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه، صح أن يكون حكماً بين جميع المختلفين، لأنه إنما يقرر معنى هو الحق، والحق لا يختلف في نفسه، فكل اختلاف صدر من المكلفين فالقرآن هو المهيمن عليه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فهذا دليل على أن الحق فيه واضح، وأن البيان فيه شاف، ولا شيء بعده يقوم مقامه، وهكذا فعل الصحابة. [انظر الاعتصام ج ٢/ ٣٠٩]

стр. 458

أسماء القرآن وأوصافه ١ - لقد سمى الله القرآن بأسماء كثيرة منها: القرآن، والفرقان، والكتاب، والتنزيل، ولها أدلة من القرآن. ٢ - ووصف الله القرآن بأوصاف في آياته منها أنه: نور، وهُدى، وموعظة، وشفاء، ورحمة، ومبا رك، ومبين، وبشرى، وعزيز، ومجيد، وبشير، ونذير، وكريم، وأحسن الحديث. قال تعالى يصف كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] (أحسن الحديث: أبلغه وأصدقه وأوفاه القرآن). (كتاباً متشابهاً: في إعجاره وهدايته وخصائصه، يشبه بعضه بعضاً في الحسن). (مثاني: مكرراً فيه الأحكام والمواعظ والقصص والآداب). (تقشَعرُّ منه: تضطرب وترتعد من قوارعه). (تلين جلودهم: تسكن وتطمئن لينة غير منقبضة). [انظر كلمات القرآن لحسنين محمد مخلوف] ٣ - وقد ورد وصفه في أحاديث فيها ضعف إلا أن معناها صحيح: فروي عن الرسول ﷺ أنه قال: أ - "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا مأدبته ما استطعتم، كان هذا القرآن هو حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه، لا يُعوَج فيُقَوَّم، ولا يزيغ فيُستعتَب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلَق عن كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول

стр. 459

بـ (ألم)، ولكن بألفٍ عشراً، وباللام عشراً، وبالميم عشراً". [صححه الحاكم، وضعفه الذهبي] ب - "ألا إنها ستكون فتن، قلت وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم تَنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدَل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هديَ إلى صراط مستقيم". [رواه الترمذي وقال محقق جامع الأصول في سنده مجهول] [ورجح الشيخ الألباني وقفه على علي بن أبي طالب]

стр. 460

معنى التأويل وأنواعه في القرآن قال الله تعالى: ﴿هُوَ الًذِي أنزلَ عَلَيكَ الكِتَاب مِنهُ ءايَاتٌ مُحكَمَات هُن اُمُّ الكِتَاب وَأُخَرُ مُتَشَابهاتٌ؛ فَأمًا الذين في قُلُويهم زَيغ فَيَتَبعُونَ مَا تَشَابَة مِنه ابتغَاءَ اَلفِتنِةَ وابتِغَاَءَ تَأويِلِه، وَمَا يَعلمُ تَأويلَه إِلا الله. وَالراسخونَ في العِلمِ يَقَولُون ءامَنَّا بهِ كُلٌ مِن عِندِ رَبنَا، وَمَا يَذَّكرُ إلَأ أولُوا الَألبَاب﴾ [آل عمران ٧] الأول: التأويل: بمَعنى التفسير، فهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كابن جرير الطبري وأمثاله من المفسرين. الثاني: التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر. ١ - فالذين يقولون بالوقف على قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلويهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويجعلون ﴿والراسخون في العلم﴾ استئنافاً، إنما عَنَوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها، وكيفية أسمائه وصفاته، وحقيقة الميعاد لا يعلمها إلا الله. ٢ - والذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أن الواو للعطف، وليست للاستئناف، إنما عَنَوا بذلك التأويل بالمعنى الأول وهو التفسير، فإذا ذكر عن مجاهد أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به أنه يعرف تفسيره. وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين القولين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل. [علوم القرآن للقطان]
следующие страницы →