← Джавами‘

Джавами‘ · id 17392

مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع

محمد جميل زينو

Полный текст (1 375 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

القرآن سليم من الإختلاف قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، ١ - قال الطبري في تفسيرها: يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد: كتاب الله، فيعلمون حجة الله عليهم في طاعتك واتباع أمرك، وإن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتِّساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضاً بالتصديق، وشهادة بعضه بعضاً بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض. وأسند ابن جرير عن قتادة: (أي قول الله لا يختلف، وهو حق ليس فيه باطل، وإن قول الناس يختلف). وأسند عن ابن زيد: (إن القرآن لا يُكذِّب بعضه بعضاً، ما جهل الناس من أمر فإنما هو من تقصير عقولهم وجهالتهم، وقرأ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] قال فحق على المؤمن أن يقول: (كل من عند الله) ويؤمن بالمتشابه ولا يضرب بعضه ببعض، وإذا جهل أمراً ولم يعرفه أن يقول: (الذي قال الله حق، ويعرف أن الله تعالى لم يقل قولاً وينقضه، ينبغي أن يؤمن بحقيقة ما جاء من الله). [انظر تفسير الطبرى ج ٨/ ٥٦٧] ٢ - وقال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: يقول تعالى آمراً لهم بتدبر القرآن، وناهياً لهم عن الِإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة، وألفاظه البليغة، ومخبراً لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تعارض، لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو

стр. 457

حق من حق، ولهذا قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالُها﴾. [سورة محمد ٢٤] ثم قال: ﴿ولو كان من عند غير الله﴾ أي لوكان مفتعلًا مختلقاً كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم لوجدوا فيه اختلافاً أي اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي وهذا سالم من الاختلاف فهو من عند الله، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم حيث قالوا: ﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ أي مُحكَمِه (١) ومتشابهه (٢) حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح الله تعالى الراسخين، وذم الزائغين. [انظر ابن كثير ج ١/ ٥٢٩] ٣ - وقال الشاطبي وإذا ثبت أن القرآن في نفسه لا اختلاف فيه، صح أن يكون حكماً بين جميع المختلفين، لأنه إنما يقرر معنى هو الحق، والحق لا يختلف في نفسه، فكل اختلاف صدر من المكلفين فالقرآن هو المهيمن عليه، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] فهذا دليل على أن الحق فيه واضح، وأن البيان فيه شاف، ولا شيء بعده يقوم مقامه، وهكذا فعل الصحابة. [انظر الاعتصام ج ٢/ ٣٠٩]

стр. 458

أسماء القرآن وأوصافه ١ - لقد سمى الله القرآن بأسماء كثيرة منها: القرآن، والفرقان، والكتاب، والتنزيل، ولها أدلة من القرآن. ٢ - ووصف الله القرآن بأوصاف في آياته منها أنه: نور، وهُدى، وموعظة، وشفاء، ورحمة، ومبا رك، ومبين، وبشرى، وعزيز، ومجيد، وبشير، ونذير، وكريم، وأحسن الحديث. قال تعالى يصف كتابه العزيز: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الزمر: ٢٣] (أحسن الحديث: أبلغه وأصدقه وأوفاه القرآن). (كتاباً متشابهاً: في إعجاره وهدايته وخصائصه، يشبه بعضه بعضاً في الحسن). (مثاني: مكرراً فيه الأحكام والمواعظ والقصص والآداب). (تقشَعرُّ منه: تضطرب وترتعد من قوارعه). (تلين جلودهم: تسكن وتطمئن لينة غير منقبضة). [انظر كلمات القرآن لحسنين محمد مخلوف] ٣ - وقد ورد وصفه في أحاديث فيها ضعف إلا أن معناها صحيح: فروي عن الرسول ﷺ أنه قال: أ - "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا مأدبته ما استطعتم، كان هذا القرآن هو حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة من تمسك به، ونجاة من تبعه، لا يُعوَج فيُقَوَّم، ولا يزيغ فيُستعتَب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلَق عن كثرة الرد، أتلوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول

стр. 459

بـ (ألم)، ولكن بألفٍ عشراً، وباللام عشراً، وبالميم عشراً". [صححه الحاكم، وضعفه الذهبي] ب - "ألا إنها ستكون فتن، قلت وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله، كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم تَنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدَل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعا إليه هديَ إلى صراط مستقيم". [رواه الترمذي وقال محقق جامع الأصول في سنده مجهول] [ورجح الشيخ الألباني وقفه على علي بن أبي طالب]

стр. 460

معنى التأويل وأنواعه في القرآن قال الله تعالى: ﴿هُوَ الًذِي أنزلَ عَلَيكَ الكِتَاب مِنهُ ءايَاتٌ مُحكَمَات هُن اُمُّ الكِتَاب وَأُخَرُ مُتَشَابهاتٌ؛ فَأمًا الذين في قُلُويهم زَيغ فَيَتَبعُونَ مَا تَشَابَة مِنه ابتغَاءَ اَلفِتنِةَ وابتِغَاَءَ تَأويِلِه، وَمَا يَعلمُ تَأويلَه إِلا الله. وَالراسخونَ في العِلمِ يَقَولُون ءامَنَّا بهِ كُلٌ مِن عِندِ رَبنَا، وَمَا يَذَّكرُ إلَأ أولُوا الَألبَاب﴾ [آل عمران ٧] الأول: التأويل: بمَعنى التفسير، فهو الكلام الذي يفسر به اللفظ حتى يفهم معناه، وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كابن جرير الطبري وأمثاله من المفسرين. الثاني: التأويل: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فتأويل ما أخبر الله به عن ذاته وصفاته هو حقيقة ذاته المقدسة وما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به عن اليوم الآخر هو نفس ما يكون في اليوم الآخر. ١ - فالذين يقولون بالوقف على قوله تعالى: ﴿فأما الذين في قلويهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله﴾ ويجعلون ﴿والراسخون في العلم﴾ استئنافاً، إنما عَنَوا بذلك التأويل بالمعنى الثاني، أي الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، فحقيقة ذات الله وكنهها، وكيفية أسمائه وصفاته، وحقيقة الميعاد لا يعلمها إلا الله. ٢ - والذين يقولون بالوقف على قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ على أن الواو للعطف، وليست للاستئناف، إنما عَنَوا بذلك التأويل بالمعنى الأول وهو التفسير، فإذا ذكر عن مجاهد أنه يعلم تأويل المتشابه فالمراد به أنه يعرف تفسيره. وبهذا يتضح أنه لا منافاة بين القولين في النهاية، وإنما الأمر يرجع إلى الاختلاف في معنى التأويل. [علوم القرآن للقطان]

стр. 461

٣ - وقال ابن عباس ﵄: التفسير على أربعة أنواع: ١ - فتفسير لا يعذر أحد في فهمه (كمعرفة الحلال والحرام). ٢ - وتفسير تعرفه العرب من لغاتها (كمعنى الإله: وهو المعبود). ٣ - وتفسير يعلمه الراسخون في العلم (كمعنى الإستواء: العلو). ٤ - وتفسير لا يعلمه إلا الله (كمعرفة كيفية الذات والصفات). [ذكره ابن كثير] التأويل المذموم الثالث: التأويل المذموم: هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، وهو الذي عناه أكثر المتأخرين في تأويل نصوص الصفات، وإنما لجأوا إليه مبالغة منهم في تنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين في زعمهم؛ وهذا زعم باطل أوقعهم في مثل ما هربوا منه أوأشد، فهم حين يؤولون اليد بالقدرة مثلًا إنما قصدوا الفرار من أن يثبتوا للخالق يداً، لأن للمخلوقين يداً فاشتبه عليهم لفظ اليد فأولوها بالقدرة، وذلك تناقض منهم، لأنهم يلزمهم في المعنى الذي أثبتوه نظير ما زعموا أنه يلزم في المعنى الذي نفوه، لأن العباد لهم قدرة أيضاً. فإن كان ما أثبتوه من القدرة حقاً ممكناً كان إثبات اليد لله حقاً ممكناً أيضاً. وإن كان إثبات اليد باطلاً ممتنعاً لما يلزمه من التشبيه في زعمهم كان إثبات القدرة باطلاً ممتنعاً كذلك، فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ مُؤوَّل بمعنى أنه مصروف عن الإحتمال الراجح إلى الإحتمال المرجوح. وما جاء عن أئمة السلف وغيرهم من ذم للمتأولين إنما هولمثل هؤلاء الذين تأولوا ما يشتبه عليهم معناه على غير تأويله وإن كان لا يشتبه على غيرهم. [انظر علوم القرآن للقطان]

стр. 462

موقف الراسخين في العلم والزائغين من المتشابه إن موقف الرالسخين في العلم من المتشابه وموقف الزائغين منه بينه الله تعالى فقال في الزائغين: ﴿فأما الذين في قلويهم زَيغٌ فيتَّبعون ما تشابة منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويلِه﴾. [آل عمران ٧] وقال في الراسخين في العلم: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كُل من عند رَبنا﴾ [آل عمران ٧] فالزائغون يتخذون من هذه الآيات المشتبهات وسيلة للطعن في كتاب الله وفتنة الناس عنه وتأويله لغير ما أراد الله تعالى به فيَضِلون وُيضلون. وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بأن ما جاء في كتاب الله تعالى فهو حق وليس فيه اختلاف ولا تناقض لأنه من عند الله. ﴿ولو كان من عند الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾. [النساء: ٨٢] وما جاء مشتبهاً ردوه إلى المحكم ليكون الجميع مُحكَماً. ١ - ويقولون في المثال الأول: إن لله تعالى يدين حقيقتين على ما يليق بجلاله وعظمته لا تماثلان أيدي المخلوقين كما أن له ذاتاً لا تماثل ذوات الخلوقين لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيسَ كمِثله شيء وَهُوَ السَميِعُ البَصير﴾. [الشورى ١١] وكعُلُو الله على عرشه على ما يليق بجلاله لا يشبه مخلوقاته: قال الله تعالى: ﴿الرحمَن عَلَى العَرش استَوَى﴾. [طه ٥] ٢ - ويقولون في المثال الثاني: إن الحسنةَ والسيئة كلتاهما بتقدير الله لكن الحسنة سببها التفضل من الله تعالى على عباده. أما السيئة فسببها فعل العبد كما قال الله تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾. [الشورى ٣٠] فإضافة السيئة إلى العبد من إضافة الشيء إلى سببه لا من إضافته إلى مُقَدِّره، أما

стр. 463

إضافة الحسنة والسيئة إلى الله تعالى فمن باب إضافة الشيء إلى مُقَدِّره، وبهذا يزول ما يوهم الاختلاف بين الآيتين لانفكاك الجهة. ٣ - ويقولون في المثال الثالث: إن النبي ﷺ لم يقع منه شك فيما أُنزل إليه بل هو أعلم به وأقواهم يقيناً كما قال الله تعالى ﴿قل يا أيها الناس إن كنتم في شَكٍ مِن ديني فلا أعبدُ الذين تعبدون مِن دون الله﴾ الآية. [سورة يونس١٠٤] المعنى إن كنتم في شك منه فأنا على يقين منه ولهذا لا أعبد الذين تعبدون من دون الله بل أكفر بهم وأعبد الله. ولا يلزم من قوله: ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾ أن يكون الشك جائزاً على الرسول ﷺ واقعاً منه، ألا ترى قوله تعالى: ﴿قل إنْ كان للرحمن ولَدٌ فأنا أولُ العابدين﴾. [الزخرف ٨١] هل يلزم منه أن يكون الولد جائزاً على الله تعالى أو حاصلاً؟ كلا، فهِذا لم يكن حاصلاً ولا جائزاً على الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنبغِيِ لِلرَّحمن أن يَتَّخِذَ وَلَداً، إِنْ كُلُّ مَن في السَّمَوَاتِ وَالأرضِ إِلاءَاتِى الرَّحَمنِ عَبداَ﴾. [سوره مريم ٩٢ - ٩٣] ولا يلزم من قوله تعالى: ﴿فلا تكونَن من الممترين﴾ أن يكون الامتراء واقعاً من الرسول ﷺ لأن النهي عن اليء قد يوجه إلى من لم يقع منه، ألا ترى قوله تعالى: ﴿ولا يصدُنَّك عن آياتِ الله بعد إذ أنزلَتْ إليك وادعُ إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾. [القصص ٨٧] المعلوم أنهم لم يصدوا النبي ﷺ عن آيات الله وأن النبي ﷺ لم يقع منه شرك؛ والغرض من توجيه النهي إلى من لا يقع منه التنديد بمن وقع منهم والتحذير من منهاجهم، وبهذا يزول الاشتباه وظن ما لا يليق بالرسول ﷺ . [انظر كتاب أصول في علم التفسير للشيخ محمد صالح العثيمين]

стр. 464

أنواع التشابه في القرآن التشابه الواقع في القرآن نوعان: أحدهما: حقيقى وهو ما لا يمكن أن يعلمه البشر كحقائق صفات الله فإننا وإن كنا نعلم معاني هذه الصفات لكننا لا ندرك حقائقها وكيفيتها لقوله تعالى: ﴿ولا يُحيطون به علماً﴾. [طه ١١٠] وقوله تعالى: ﴿لا تُدركه الأبصار وهو يُدرِك الأبصارَ وهو اللطيف الخبير﴾. [الأنعام ١٠٣] ولهذا لما سئل الإِمام مالك رحمه الله تعالى عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كيف استوى قال: الإستواء غير مجهول والكيف غير معقول والِإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. وهذا النوع لا يُسأل عن استكشافه لتعذر الوصول إليه. يفهم من قول مالك أن كيفية الإستواء مجهولة لنا، ومعنى الإستواء معلوم وهو العلو. النوع الثاني: نسبي وهو ما يكون مشتبهاً على بعض الناس دون بعض فيكون معلوماً للراسخين في العلم دون غيرهم. وهذا النوع يسأل عن استكشافه وبيانه لِإمكان الوصول إليه إذ لا يوجد في القرآن شيء لا يتبين معناه لأحد من الناس قال الله تعالى: ﴿هذا بيانٌ للناس وهُدىً وموعظة للمتقين﴾. [آل عمران ١٣٨] وقال: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء﴾. [النحل ٨٩] وقال: ﴿فإذا قرأناه فاتَّبِع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾ [القيامة ١٧ - ١٨] وقال: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً﴾. [النساء١٧٤] وأمثلة هذا النوع كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ليس كمِثلِه شيء﴾ حيث اشتبه على أهل التعطيل ففهموا منه انتفاء الصفات عن الله تعالى وادَّعَوا أن ثبوتها يستلزم المماثلة

стр. 465

وأعرضوا عن الآيات الكثيرة الدالة على ثبوت الصفات له وأن إثبات أصل المعنى لا يستلزم المماثلة. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿ومَن يقتل مؤمناً مُتعَمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدً له عذاباً عظيماً﴾. [النساء٩٣] حيث اشتبه على الوعيد ية ففهموا منه أن قاتل المؤمن عمداً مخلد في النار واطَّردوا ذلك في جميع أصحاب الكبائر وأعرضوا عن الأيات الدالة على أن كل ذنب دون الشرك فهو تحت مشيئة الله تعالى. ومنها قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير﴾ حيث اشتبه على الجبرية ففهموا منه أن العبد مجبور على عمله وادعوا أنه ليس له إرادة ولا قدرة عليه، وأعرضوا عن الآيات الدالة على أن للعبد إرادة وقدرة وأن فعل العبد نوعان اختياري وغير اختياري. والراسخون في العلم أصحاب العقول يعرفون كيف يخرجون هذه الآيات المتشابهة إلى معنى يتلاءم مع الآيات الأخرى فيبقى القرآن محكماً كله لا متشابه فيه. [انظر كتاب أصول علم التفسير للشيخ محمد صالح العثيمين]

стр. 466

الحكمة في تنوع القرآن إلى محكم ومتشابه لو كان القرآن كله محكماً لفاتت الحكمة من الاختبار به تصديقاً وعملًا لظهور معناه وعدم المجال لتحريفه والتمسك بالمتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. ولو كان كله متشابهاً لفات كونه بياناً وهُدىً للناس، ولما أمكن العمل به وبناء العقيدة السليمة عليه، ولكن الله تعالى بحكمته جعل منه آيات محكمات يُرجع إليهن عند التشابه وأُخر متشابهات امتحاناً للعباد ليتبين صادق الإِيمان ممن في قلبه زيغ فإن صادق الإِيمان يعلم أن القرآن كله من عند الله تعالى وما كان من عند الله فهو حق ولا يمكن أن يكون فيه باطل أو تناقض لقوله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خَلفِه تنزيل من حكيمٍ حميد﴾. [فصلت٤٢] وقوله: ﴿وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَير الله لَوَجَدُوا فية اختِلاَفاً كَثيرا﴾. [النساء٨٢] وأما مَن في قلبه زيغ فيتخذ من المتشابه سبيلاً إلى تحريفَ المحكم واتباع الهوى في التشكيك في الأخبار والاستكبار عن الأحكام ولهذا تجد كثيراً من المنحرفين في العقائد والأعمال يحتجون على انحرافهم بهذه الآيات المتشابهة. [انظر كتاب أصول في التفسير للشيخ محمد بن صالح العثيمين بزيادة أمثله] وعن عائشة قالت: ﴿تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قال رسول الله ﷺ : "فإذا رأيت الذين يتَّبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سَمَّى الله فاحذرهم﴾. [متفق عليه]

стр. 467

كيف تنتفع بالقرآن الكريم ؟ قال الله تعالى: ﴿إِنَ في ذَلِكَ لَذِكرَى لِمَن كانَ لَهُ قَلبٌ أو ألقَى السمعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. [سورة ق ٣٧] إذا أردت الإنتفاع بالقرآن، فاجمع قلبك عند تلاوته، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به، فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله ﷺ . وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً على مؤثر مُقتضٍ، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد. فقوله: ﴿إن في ذلك لذكرى﴾ إشارة إلى ما تقدم من أول سورة ق إلى ههنا، وهذا هو المؤثر. وقوله: ﴿لِمَن كان له قلب﴾ فهذا هو المحل القابل، والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: ﴿إنْ هُوَ إِلا ذِكرٌ وَقرءَانٌ مُبينٌ، لِيُنذرَ مَن كَانَ حَيّاً﴾. [سورة ص ٦٩ - ٧٠] (أي حي القلب). وقوله: ﴿أو ألقى السمع﴾ أي وجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له وهذا هو شرط التأثير بالكلام. وقوله: ﴿وهو شهيد﴾ أي شاهد القلب حاضر، غير غائب. قال ابن قتيبة: استمع لكتاب الله، وأنت شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساهٍ. وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير: وهو سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله. فإذا حصل المؤثر، وهو القرآن، والمحل القابل، وهو القلب الحي، ووجد الشرط، وهو الِإصغاء، وانتفى المانع، وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه إلى شيء آخر: حصل الأثر، وهو الإنتفاع بالقرآن والتذكر. [انظر الفوائد لابن القيم ص ٣ - ٥]

стр. 468

كيف تقرأ القرآن ؟ قال الله تعالى: ﴿ورَتَل القرآن ترتيلاً﴾. [المزمل ٤] اقرأه على تمهُّل، فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبره: سُئلت، أم سلمة عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان ﷺ يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [صحيح رواه الترمذي] ويستحب الترتيل وتحسين الصوت وعدم السرعة في القراءة. قال ﷺ : "حَسّنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسناً". [صحيح رواه أبو داود وغيره] وقال ابن مسعود: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم آخر السورة. [رواه البخاري] لا يجوز أن تقول بعد النهاية من قراءة القرآن (صدق الله العظيم)، لأن قراءة القرآن عبادة لا تجوز الزيادة فيها إلا إذا ورد نص من الشارع، ولم يرد فيها شيء: سمع الرسول ﷺ القرآن من ابن مسعود، فلما وصل إلى قول الله تعالى: ﴿وجئنا بك على هؤلاء شهيداً﴾، فقال له الرسول ﷺ : (حسبك) [رواه البخاري] ولم يقل ابن مسعود (صدق الله العظيم) ولم يأمره بها. إن هذه البدعة أماتت سنة، وهي الدعاء لقول الرسول ﷺ : "من قرأ القرآن فليسأل الله به". [حسن رواه الترمذي] فعلى القارىء أن يدعو الله بما شاء بعد القراءة، ويتوسل إلى الله بما قرأه، فهو من العمل الصالح المسبب لقبول الدعاء.

стр. 469

" القرآن حجة لك أو عليك " هذا الحديث الصحيح رواه مسلم يقسم القراء إلى قسمين: ١ - القارىء الذي يقرأ القرآن ويكون حجة له يوم القيامة هو الذي يعمل بأوامره، ويبتعد عن نواهيه فيحل حلاله، ويحرم حرامه، ويحكم به، ويتحاكم إليه، ويرضى بحكمه، ويتدبر معانيه عملاً بقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب﴾ [ص: ٢٩] ويكثر من تلاوته وحِفظه وسماعه من غيره، ولا سيما محطة الإذاعة للقرآن الكريم في السعودية وغيرها، ومن الأشرطة المسجلة لمشاهير القُراء كالمنشاوي والحصري وغيرهما، فيستفيد مع عائلته مِن تلاوته وتفسيره: فإذا قرأ أو سمع قوله تعالى ﴿وأوفوا بِالعهد إن العهد كان مسئولًا﴾. [الإسراء ٣٤] بادر إلى الوفاء بالعهد والوعد مع ربه وإخوانه. ٢ - القارىء الذي يَقرأ القرآن ويكون حجة عليه هو الذي لا يعمل بأوامره، ولا يبتعد عن نواهيه، ولا يحل حلاله ولا يُحرم حرامه، ولا يحكم به، ولا يتحاكم إليه، ولا يرِضى بحُكمه، ولا يهمه فهمه وتدبره وتطبيقه .. فإذا قرأ أو سمع قوله تعالى: ﴿ثُمَ نَبتَهِل فَنَجعل لًعنَتَ الله عَلىَ الكَاذِبِين﴾. [آل عمران ٦١] فترى هذا القارىء يكذب على الناس في حديثه، ووعده، ومُعاملاته، وعقوده ومن المؤسف أن ترى مِن الكفار من يلتزم الصدق في مُعاملته وعقوده ووعوده، وحدثني ولدي أنه رأى في باريس حديقة الحيوانات، ورأى فيها حيواناً له يدان، فإذا ألقى إليه إنسان شيئاً أمسَكه بيده، وبما أن أحد المشاهدين لم يجد شيئاً معه، فأشار بيده إلى الحيوان دون أن يلقي إليه شيئاً، فرآه الفرنسي حارس الحديقة، وتقدم إلى هذا المسلم يوبخه على كذِبه على الحيوان!!

стр. 470

وهذه القصة تذكرنا بقصة جرت مع الإمام البخاري ﵀ حينما رحل إلى بلد بعيد لِيأخذ الحديث عن رجل سمع به، فلما وصل إليه بعد سَفر طويل ومشقة وجدَه يُنادي حيواناً بيده وذيله دون أن يكون معه شيء، فرجع البخاري ولم يأخذ عَنه الحديث، لأن الذي يكذب على الحيوان قد يكذب على رسول الله ﷺ . ونرى كثيراً من الناس يكذب بحجة المزح، أو يكذب على ولده، ولا يدري أن هذا مسجل عليه في أعماله وفي الحديث: "أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً". [حسنه الألباني] فعليك يا أخي المسلم أن تعمل بما تقرأ وتسمع حتى يكون القرآن حجة لك لا عليك، ولا سيما حفظة القرآن والمشتغلين بعلومه وتفسيره، فكثيراً من حفظة القرآن ومفسريه لا يتقيدون بتعاليمه وآدابه. وهناك من الرجال من يحفظ القرآن، ويشتغل بتفسيره مدة طويلة ولكنه لا يتورع عن الكذب ورمي إخوانه باقبح الخصال، والفحش من الكلام، دون سبب موجب، حتى لقد حكم على رجل مُحدِّث عالم جليل سلفي العقيدة بأنه يحترق في نارجهنم!! وهاجم أحد إخوانه في الحرم المكي وقال له: يا جاهل يا ضال أنت ترد عليَّ!!! علما بأن أخاه نصحه وبيَّن أخطاءه بلطف، ولكن أخذته العزة بالِإثم، فخاصم وفجر في بيت الله الحرام، مع أن المشرك قبل الإِسلام كان يحترم الحرم، فإذا وجد قاتل أبيه أعرض عنه احتراماً لبيت الله الحرام؛ فماذا استفاد هذا الرجل من حفظه للقرآن وتفسيره؟ لا شك أنه سيكون حجة عليه كما ورد عن الصادق المصدوق: "والقرآن حجة لك أو عليك". [رواه مسلم] وأعرف من حفظة القرآن مَن يتخذه مهنة ليقرأه على الأموات ويأخذ الأموال ويأكل الطعام على الموائد، وقد حذر رسول الله ﷺ أُمته فقال: ١ - اقرأوا القرآن واعملوا به، ولا تجفوا عنه، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به". [صحيح رواه الإمام أحمد وغيره] ٢ - "اقرأوا القرآن وسلوا الله به، قبل أن يأتي أقوام يقرؤون القرآن فيسألون به الناس". [صحيح رواه الإِمام أحمد وغيره]

стр. 471

التحذير من هجر القرآن قال الله تعالى: ﴿وقال الرسولُ يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾. [الفرقان ٣٠] يقول الله تعالى مخبراً عن رسوله ونبيه محمد ﷺ أنه قال: ﴿يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً﴾. وذلك أن المشركين كانوا لا يُصغون للقرآن ولا يستمعونه كما قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغَوْا فيه لعلكم تغلبون﴾. [فصلت ٢٦] فكانوا إذا تليَ عليهم القرآن أكثروا اللغَط والكلام في غيره حتى لا يسمعونه: فهذا مِن هجرانه، وترك الإِيمان به وترك تصديقه: مِن هجرانه، وترك تَدبُّرهِ وتفهمه: مِن هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره: مِن هجرانه، والعدول عنه إلى غيره من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام، أو طريقة مأخوذة من غيره: مِن هجرانه. فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يُخلصنا مما يُسخطه ويستعملنا فيما يرضيه من حفظ كتابه وفهمه والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يحبه ويرضاه إنه كريم وهاب. [انظر تفسير ابن كثير]

стр. 472

توجيه وبيان لفهم معاني بعض آي القرآن * - التحذير من البدع في الدين. * - علاقة الشرك بالإفساد في الأرض. * - محبة غير الله كحب الله شرك. * - الله فوق العرش على السماء. * - الخوف والرجاء. * - طريق الحق واحد وطرق الضلال كثيرة. * - المفهوم الصحيح لآية الهداية. * - أنواع الهداية في القرآن. * - القرآن يأمر بما جاء به الرسول ﷺ . * - الذكر الكثير وأنواعه. * - حكم تعدد الزوجات في الإسلام. * - خطر اختلاط الرجال بالنساء. * - عيسى ﵇ حي في السماء. * - الآيات الدالة على عدم قتل عيسى. * - الأحاديث التي تثبت نزول عيسى. * - الكافي هو الله وحده. * - ترك الحكم بكتاب الله يسبب البلاء. * - تنزيه القرآن عن دسائس الشيطان. * - الفسق وأثره في هلاك الأمة. * - كيفية الدعوة إلى الله. * - استجيبوا لله وللرسول. * - الخسارة للكافرين والفوز للمؤمنين.

стр. 473

التحذير من البدع في الدين قال الله تعالى في حق عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ..﴾ [الحديد: ٢٧] ﴿رهبانية﴾ منصوب بابتدعوها أي وابتدعوا رهبانية، فالوقف التام على قوله: ﴿ورحمة﴾ ثم يبتدىء ﴿ورهبانية ابتدعوها﴾ أي لم نشرعها لهم، ولم نكتبها عليهم، بل هم ابتدعوها من عند أنفسهم. [وهم الرهبان من النصارى]. وفي نصب قوله: ﴿إلا ابتغاء رضوان الله﴾ ثلاثة أوجه: فالصواب: أنه منصوب نصب الاستثناء المنقطع، أي: لم يفعلوها ولم يبتدعوها إلا لطلب رضوان الله ودل على هذا قوله: ﴿ابتدعوها﴾ ثم ذكر الحامل لهم والباعث على ابتداع هذه الرهبانية، وأنه طلب رضوان الله؛ ثم ذمهم بترك رعايتها. [انظر مدارج السالكين ج ٣/ ٣٢] وعلق الشيخ حامد الفقي على هذا الكلام بقوله: والظاهر من سياق الآية مع ما قبلها وما بعدها: أن الله يقصد إلى ذم الابتداع في الدين، ويبين أنه مناف للفطرة، وأن كل من ابتدع بدعة فإن مقتضى الفطرة أن يهن ويضعف عن القيام بها، لأنها مخالفة ومجافية للفطرة والعقل السليم. فأما الدين الذي شرعه الله الرب العليم الحكيم لِإتمام النعمة على عباده، فإنه لِإصلاح الإِنسانية وأخذها إلى الصراط المستقيم بفطرة الله التي فطر الناس عليها. والرهبانية: وهي حرمان الطبيعة البشرية من حقوقها الفطرية في النساء والطعام واللباس والراحة والنوم ونحوها منافية للفطرة، فمحال أن يقدر الإِنسان على الوفاء بها ورعايتها حق الرعاية. ولذلك غضب النبي ﷺ أشد الغضب على منِ حاول ذلك، وقال الله تعالى: ﴿قُل مَن حَرمَ زِينَةَ الله ائَتي أخَرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَيبَاتِ مِنَ الرزق﴾. [الأعراف ٣٢] وذكر في كثير من الآيات أنها من وحي الشيطان إلى أوليائه والله أعلم. [انظر هذا التعليق في كتاب التفسير القيم لابن القيم ص ٤٨٦] أقول: لقد تشبه بعض الصوفية بالرهبان، فلبسوا الصوف، وحرموا أنفسهم من الطيبات، مخالفين القرآن وهدي الرسول ﷺ .

стр. 474

التحذير من مخالطة المبتدعة قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] والمراد بذلك كل فرد من آحاد الأمة أن لا يجلس مع المكذبين الذين يحرفون آيات الله، ويضعونها على غير موضعها. [تفسير ابن كثير ج ٢] أقول: وكلمة الظالمين: تشمل المشركين، والمحرفين، والمبتدعين في الدين. وقد حذر ابن القيم منهم فقال: القسم الرابع: مَن مخالطته الهُلْك كله، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لآكله ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء. وما أكثر هذا الضرب في الناس- لا كثَرهم الله - وهم أهل البدع والضلالة، الصادون عن سنة الله ورسول الله ﷺ ، الداعون إلى خلافها، الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة، والمعروف منكراً، والمنكر معروفاً. ١ - إن جرَّدت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء الصالحين! ٢ - وإن جرَّدت المتابعة لرسول الله ﷺ قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين! ٣ - وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله من غير غُلُوِّ ولا تقصير قالوا: أنت من المشبهين! ٤ - وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف، ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين! ٥ - وإن اتبعت السنة وتركت ما يخالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين! ٦ - وإن انقطعت إلى الله تعالى، وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من الملَبسين!

стр. 475

٧ - وإن تركت ما أنت عليه، واتبعت أهواءهم، فانت عند الله من الخاسرين، وعندهم من المنافقين! فالحزم كل الحزم: التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل بأعتابهم، ولا باستعتابهم، ولا تبال بذمهم، ولا بغضهم، فإنه عَينُ كمالك، فإنه كما قيل: وإذا أتتك مَذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني فاضل [انظر تفسير القيم لابن القيم ص ٦٣٠] أقول: لابد من دعوة مثل هؤلاء إلى الحق بالتي هي أحسن لِإقامة الحجة عليهم امتثالًا لأمر الله تعالى مخاطباً رسوله الكريم ﷺ : ﴿وَجَادِلهم بالتي هِي أَحسَن﴾. [النحل ١٢٥] ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٧، ١٢٨]

стр. 476

علاقة الشرك بالإفساد في الأرض قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفسِدُوا في الأرض بَعدَ إِصلَاحها﴾. [الأعراف ٥٦] قال أكثر الفسرين: لاَ تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة اللة بعد إصلاح الله إياها ببعث الىسل وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيىه والشرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو الشرك به ومخالفة أمره: قال تعالى: ﴿ظهر الفسادُ في البَر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ [الروم ٤١] وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيىه، ومُطاعِ مُتَّبَع غير رسول الله ﷺ : هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيىه إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه، وبالأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك به، وبمخالفة رسوله. ومَن تدبر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر في العالم، وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو, وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله. [انظر تفسير القيم لابن القيم ص ٢٥٥]

стр. 477

محبة غير الله كحب الله شرك قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] [الأنداد: جمع نِد: وهو المثيل والنظير]. قال ابن القيم: أخبر تعالى أن من أحب من دون الله شيئاً كما يحب الله تعالى، فهوِ ممن اتخذ من دون الله أنداداً، فهذا نِد في المحبة، لا في الخَلق والربوبية، فإن أحداً من أهل الأرض لم يُثبت هذا النِد، بخلاف نِد المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أنداداً في الحب والتعظيم. وقوله: ﴿يُحبونهم كحُب الله﴾ أي يُحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة يشركون فيها معِ الله أنداداً. ثم قال: ﴿والذين آمنوا أشد حباً لله﴾. أي والذين آمنوا أشد حباً لله من أصحاب الأنداد لأندادهم، وآلهتهم التي يحبونها، ويعظمونها من دون الله. ورجح شيخ الإسلام اين تيمية هذا التفسير حين قال: إنما ذموا بأن اشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يخلصوها لله، كمحبة المؤمنين له، وهذه التسوية المذكورة في قوله تعالى: مخبراً عنهم وهم في النار: أنهم يقولون لآلهتهِم وأندادهم، وهي محضرة معهم في العذاب: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨] ومعلوم أنهم لم يُسووهم برب العالمين في الخلقَ والربوبية، وإنما سوَّوهم به في المحبة والتعظيم. [انظر مدارج السالكين لابن القيم ج ٣/ ١٣ - ١٤] أقول: إن بعض المسلمين من الصوفية يحبون مشايخهم ويعظمونهم كما يحبون الله، متشبهين بالمشركين الذي ذمهم الله في الآية الأولى، والبعض من المسلمين - مع

стр. 478

الأسف الشديد- يدعون أولياءهم كما يدعون الله، فقد ساووا بينهم وبين الله في الدعاء وهو من العبادة التي لا تجوز إلا لله، فتنطبق عليهم الآية الأخيرة، وفي الحديث: "الدعاء هو العبادة". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح] ومن الصوفية من يسوي بين الله ومخلوقاته كابن عربي المدفون بدمشق حيث يقول: الرب عبد، والعبد رَب ... ياليت شعري مَن المكلف؟ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

стр. 479

الله فوق العرش على السماء قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] كثيراً ما تسأل مسلماً: أين الله؟ فيجيبك: في كل مكان ويستشهد بهذه الآية، أو بغيرها، ولو عرف تفسير الآيات لما استشهد بها على جوابه الخطأ. قال ابن كثير: اختلف مفسرو هذه الآية على أقوال بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية (فرقة ضالة) الأول القائلين -تعالى عن قولهم علواً كبيراً- بأنه في كل مكان، حيث حملوا الآية على ذلك. ١ - فالأصح من الأقوال أنه المدعو الله في السموات وفي الأرض أي يعبده ويوحده، ويقر بالِإلهية مَن في السموات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه رغباً ورهباً إلا من كفر من الجن والانس، وهذه الآية على هذا القول كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] أي هو إله مَن في السماء وإله مَنِ في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿يعلم سِركم وجَهركم﴾ خبراً أو حالًا. ٢ - والقول الثاني أن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السموات وما في الأرض مِن سِر وجهر، فيكون قوله: ﴿يعلم﴾ متعلقاً بقوله: ﴿في السموات وفي الأرض﴾ تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض، ويعلم ما تكسبون. ٣ - الثالث: أن قوله: ﴿وهو الله في السموات﴾ وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: ﴿وفي الأرض يعلم سِركم وجهركم﴾، وهذا اختيار ابن جرير. وقوله: ﴿ويعلم ما تكسبون﴾ أي جميع أعمالكم خيرها وشرها. [انظر تفسير ابن كثير ج ٢/ ١٢٣] ٤ - وأما قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ فقد فسرها ابن كثير بما يلي: (أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم من بَرٍّ أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار، الجميع في علمه على السواء، وتحت بصره وسمعه، فيسمع كلامكم، ويرى مكانكم، ويعلم سركم ونجواكم). [ج ٤/ ٣٠٤]

стр. 480

٥ - إن القائلين بأن الله في كل مكان أي معنا يسمعنا ويرانا فهذا صحيح، وإن أرادوا ذاته في كل مكان فهذا خطأ كبير، لأن هناك أماكن نجسة وقذرة كالحمامات والمزابل، فلا يقول عاقل مسلم بأن الله فيها، تعالى الله عن ذلك. وبعض المسلمين يقول: إن الله في قلب عبده المؤمن، ويستندون إلى حديث لا أصل له: "ما وسعني سمائي ولا أرضي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن". فمن قال إن الله يحل في قلوب الناس فهو أكفر من النصارى الذين خصوا ذلك بالمسيح وحده. والصحيح أن الله تعالى على السماء وفوق العرش، والدليل ما يلي: أ - قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾. [البقرة ٢٩] حسب تفسير مجاهد وأبي العالية في البخاري: (أي علا وارتفع). ب - قول الرسول ﷺ للجارية: "أين الله؟ " فأجابت: (في السماء) قال لها: "من أنا؟ " قالت: (محمد رسول الله)، فقال لصاحبها: "أعتقها فإنها مؤمنة". [رواه مسلم] يفهم من الحديث: أن من لم يعتقد أن الله في السماء فليس بمؤمن. (ومعنى في السماء: أي على السماء). والإعتقاد بأن الله في السماء هو قول الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن سار على نهجهم.

стр. 481

الخوف والرجاء قال الله تعالى: ﴿وَادعُوهُ خَوفاً وَطَمَعاً﴾. [الأعراف ٥٦] يأمر الله عباده أن يدعوا خالقهم ومعبودهم خوفاً من ناره وعذابه، وطمعاً في جنته ونعيمه، كما قال في سورة الحجر: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] لأن الخوف من الله يحمل العبد على الابتعاد عن معاصي الله ونواهيه، والطمع في جنته ورحمته يحفزه على العمل الصالح، وكل ما يُرضي ربه. ما تهدي إليه هذه الآية ١ - أن يدعو العبد ربه الذي خلقه، وهو الذي يسمع دعاءه، ويجيبه. ٢ - عدم دعاء غير الله، ولو كان نبياً أو ولياً أو ملكاً، لأن الدعاء عبادة كالصلاة لا تجوز إلا لله. ٣ - أن يدعو العبد ربه خائفاً من ناره، راغباً في جنته. ٤ - في الآية رد على الصوفيين القائلين: بأنهم لا يعبدون الله خوفاً منه، أو رغبة فيما عنده؛ لأن الخوف والرغبة من أنواع العبادة، وقد امتدح الله الأنبياء وهم صفوة البشر فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ٥ - في الآية ردٌّ على كتاب (الأربعين النووية) عندما شرح النووي حديث: "إنما الأعمال بالنيات" حيث قال: وإذا وجد العمل وقارنته النية فله ثلاثة أحوال:

стр. 482

الأول: أن يفعل ذلك خوفاً من الله تعالى: وهذه عبادة العبيد. الثاني: أن يفعل ذلك لطلب الجنة والثواب، وهذه عبادة التجار. الثالث: أن يفعل ذلك حياء من الله وتأدية لحق العبودية وتأدية للشكر .. وهذه عبادة الأحرار. وقد علق الشيخ محمد رشيد رضا على هذا الكلام في (مجموعة الحديث النجدية) فقال: هذا التقسيم أشبه بكلام الصوفية منه بكلام فقهاء الحديث. والتحقيق أن الكمال الجمع بين الخوف الذي سماه عبادة العبيد، وكلنا عَبيد الله، والرجاء في ثواب الله وفضله الذي سماه عبادة التجار. أقول: والشيخ متولي الشعراوي يتبنى عقيدة الصوفية في كتبه، حيث ذكر هذا التقسيم السابق، بل زاد في شططه حينما فسر -بالرائى- قوله تعالى: ﴿وَلا يُشرك بعِبادَة ربه أحَدَاً﴾. [الكهف ١١٠] فقال: والجنةَ أحد. (كأنه يعني: عبادة الله تعالى طلباً لجنته شرك). قال الشعراوي في كتابه (المختار من تفسير القرآن العظيم): النوع الثالث: أنه يعبده لأنه يستحق أن يُعبد واستدل بحديث قدسي: "لو لم أخلق جنة أو ناراً أما كنت أهلاً لأن أُعبد". [ج ٢/ ٢٥] وهذا الحديث لم يذكر درجته والظاهر عليه الكذب لأنه يخالف القرآن وهذا الكلام الذي ذكره في كتابه يؤيد ما قاله في الرائي عندما فسر الآية بقوله: (والجنة أحد). فإن قال قائل: أراد الشعراوي أن من عبد الجنة فقد أشرك بالله. نقول له: لا يوجد في الدنيا من يقول: إنه يعبد الجنة، ولكن هذا التفسير من الشعراوي تدليس وإخفاء لعقيدة الصوفية التي يتبناها في كتبه. والصوفية تقول: إنما يعبدون الله لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره!

стр. 483

الله نور السمواتِ والأرض قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥] وقد فسر ابن القيم قوله تعالى: ﴿الله نَور السموات والأرض﴾: بكونه مُنوراً السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض، وهذا إنما هو فعله وإلا فالنور هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. [إعلام الموقعين لابن القيم ج ١/ ١٨٥] وضرب الله لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلاً بالمشكاة، وهي الكوة في الحائط، فهي مِثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفي الزجاج، حتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه. وهي مِثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافاً هي في قلب المؤمن، وهي الصفاء والرقة والصلابة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويَغلظ عليهم، ويَشتد في الحق، ويصلب فيه بصلابته، ولا تُبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها، بل تساعدها وتعاضدها كما قال الله تعالى في وصفهم: ﴿أشِداء على الكفار، رحماء بينهم﴾. [الفتح ٢٩] وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته، ولذلك النور مادة، وهو قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت، وأبعده عن الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح.

стр. 484

وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن: هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة، وأبعدها عن الإنحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية، ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء. فهذه مادة مصباح الإِيمان في قلب الؤمن. ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه، حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار، فاشتدت بها إضاءته، وقويت مادة ضوء النارية فيه كان ذلك نوراً على نور. وهكذا المؤمن: قلبه مضيء يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله، ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه، فازداد نوراً بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة. فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة، فقد ذكر نورَه في السموات والأرض، ونوره في قلب عباده المؤمنين: النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهور بالأبصار التي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان، وأحدهما أعظم من الآخر. وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن الحيوان إنما يكون حيث النور، ومواضع الظلمة لا يشرق عليها نور لا يعيش فيها حيوان ولا يكون البتة. فكذلك أمة فُقد فيها نورُ الوحي والِإيمان ميتة ولا بُد، وقلبٌ ضد منه هذا النور: ميت ولا بُد، لا حياة البتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه. [انظر تفسير القيم لابن الميم ٣٧٤/ والوابل الصيب ٧٣٦] وفسر الطبري قوله تعالى: ﴿يهدي الله لنوره مَن يشاء﴾. يوفق الله لاتباع نوره، وهو هذا القرآن مَن يشاء مِن عباده. وقوله تعالى: ﴿ويضربُ الله الأمثالَ للناس﴾ يقول: ويمثل الله الأمثال والأشباه للناس كما مثل لهم مَثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة وسائر ما في هذه الآية من الأمثال. ﴿والله بكل شيء عليم﴾ والله يضرب الأمثال وغيرها من الأشياء كلها، ذو علم. [انظر تفسير الطبري ١٨/ ١٤٣]

стр. 485

ما يستفاد من الآية ١ - أن الله جعل للمؤمن نوراً يهتدي به. ٢ - أن الله يهدي من يشاء من عباده إلى الإِيمان. ٣ - أن هذه الهداية هي هداية التوفيق. ٤ - أن هداية التوفيق بيد الله لا يقدر عليها أحد. ٥ - استحسان ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان والفهم. ٦ - أن اسم النور من أسماء الله تعالى. ٧ - النور نوعان: نور محسوس كضوء الشمس لا يستغني عنه إنسان ولا حيوان ولا نبات. ونور معنوي: وهو القرآن الذي سماه الله نوراً لا يستغني عنه إنسان يريد الحياة الطيبة. ٨ - إذا ظهر نور الشمس المحسوس الذي خلقه الله تعالى، لم يكن للمصابيح والشموع نور يُذكر؛ وكذلك إذا ظهر نور الإِسلام الذي أنزله الله لعباده -وهو نور معنوي- يجب أن تزول المبادىء المخالفة له: كالعلمانية، والماسونية، والرأسمالية، والشيوعية، وغيرها مما يضعه البشر، وقد زالت الشيوعية، وستزول بقية الأنظمة المخالفة للإِسلام، بإذن الله تعالى. وصدق الشاعر حين قال: الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا لا تُذكَر الكتب السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفىء القنديلا

стр. 486

المحو والإثبات في الأجل قال الله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] قال الطبري: وأولىَ الأقوال التي ذكرت فَي ذلك بتأويل الآية وأشبهها بالصواب، القول الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكره توعد المشركين الذين سألوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبة، وتهددهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] يعلمهم بذلك أن لقضَائه فيهم أجَلًا مثبتاً في كتاب، هم مؤخرون إلى وقتَ مجيء ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بما شاء ممن دنا أجله وانقطع رزقه، أو حان هلاكه أو اتضاعه من رفعة أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما شاء ممن بقي أجله ورزقه وأكله: [أي حظه من الدنيا من البقاء والرزق، فيتركه على ما هو عليه فلا يمحوه. [انظر تفسير الطبري ج ١٦/ ٤٩٠/ تحقيق محمود شاكر] وقال الطبري في تفسير ﴿وعنده أم الكتاب﴾: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: (وعنده أصل الكتاب وجملته). وذلك أنه تعالى ذكره أخبرأنه يمحوما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: (وعنده أم الكتاب)، فكان بيناً أن معناه: وعنده أصل المثبت منه، والممحو، وجملته في كتاب لديه. [تفسير الطبري ج ١٦/ ٤٩٨ تحقبق شاكر] وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير الآية: إن العلماء قالوا: إن المحو والإِثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدوله ما لم يكن عالماً به، فلا محو فيه ولا إثبات. وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات؟ على قولين، والله أعلم. [انظر الفتاوي مجلد ١٤/ ٤٩٢] أقول هذا التفسير من العلماء يرد على المبتدعين الذين يقرؤون هذه الآية في ليلة النصف من شعبان، زاعمين أن الله يمحو في هذه الليلة ما يشاء ويثبت.

стр. 487

الزيادة والنقصان في العمر قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١] قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: فقد قيل: إن المراد الجنس: أي ما يُعمر من عمر إنسان، ولا ينقص من عمر إنسان، ثم التعمير والتقصير يراد به شيئان: ١ - أحدهما أن هذا يطول عمره، وهذا يقصر من عمره، فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره، كما أن المعمر يطول عمره، وهذا يقصر عمره فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره، كما أن التعمير زيادة بالنسبة إلى آخر. ٢ - وقد يراد بالنقص من العمر المكتوب، كما يراد بالزيادة الزيادة في العمر المكتوب. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "مَن سره أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأ له في أثَره فليصِل رحمه". وقد قال بعض الناس: إن المراد به البركة في العمر، بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير، قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان. فيقال لهؤلاء: تلك البركة والزيادة في العمل، والنفع أيضاً مقدرة مكتوبة، وتتناول لجميع الأشياء. والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلاً في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب، ونظير هذا في الترمذي وغيره عن النبي ﷺ قال: "إن آدم لما طلب من الله أن يُريه صورة الأنبياء من ذريتهْ، فأراه إياهم، فرأى فيهم رجلاً له بصيص، فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة. قال: وكلم عمري، قال: ألف سنة. قال: فقد وهبتُ له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال قد بقي من عمري ستون سنة. قالوا وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب. قال النبي ﷺ : "فنسِى آدم فنسِيَت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته". [رواه الترمذي وقال حسن صحيح مع اختلاف الألفاظ] [انظر الفتاوى ج ١٤/ ٤٩٠]

стр. 488

طريق الحق واحد وطرق الضلال كثيرة ١ - قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ٢ - وقال ابن مسعود: "خَط لنا رسول الله ﷺ خطاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً وخط خطوطاً عن يمينه وشماله، ثم قال: هذه السبل، ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه﴾ الآية". [صحيح رواه أحمد والنسائي] فوحّد لفظ الصراط وسبيله، وجمع السبل المخالفة له، لأن الطريق الموصل إلى الله واحد، وهو ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إليه أحد إلا من هذه الطريق. ولو أتى الناس من كل طريق، واستفتحوا من كل باب، فالطريق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة، إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله قال الله تعالى: ﴿هذَا صرَاط علَيً مُستَقِيمٌ﴾ (أي صراط موصِل إليَّ). [الحجر ٤١] وقال مجاهد: (الحق يرجع إلى الله، وعليه طريقه، لا يعرج على شيء) وهو من أصح ما قيل في الآية. وقيل: (عليَّ) فيه للوجوب، أي عليَّ بيانه وتعريفه والدلالة عليه. والقولان نظير القولين في آية النحل وهي: ﴿وَعَلَى الله قَصدُ السّبيلِ﴾. [النحل ٩] والصحيح فيها كالصحيح في آية الحجر: أن السبيل القاصد -وهو المستقيم المعتدل- يرجع إلى الله، ويوصل إليه. [انظر التفسير القيم لابن القيم ١٤ - ١٥] ٣ - أقول: من هذه الآية الكريمة، ومن هذا الحديث الشريف يتبين للمسلم طريق الحق واحد، وهو صراط الله المستقيم الذي أمرنا الله باتباعه، والصراط: هو

стр. 489

الإسلام المتمثل في الكتاب والسُنة الصحيحة، من تمسك بهما فقد هُدي إلى صراط الله المستقيم. وتفيد الآية والحديث أن طرق الضلال كثيرة:. وهي التي ابتعدت عن الكتاب والسنة، وابتدعت لنفسها بدعاً ينكرها الإِسلام فمشت في الظلمات، وتركوا صراط الله الذي فيه النور والهداية، لذلك قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ففي هذه الآية وحَّد طريق النور، وجمع طرق الظلمات، كما جاء في الآية الأولى والحديث المتقدم، وهذا يدل على أن طريق الحق واحد، وطرق الضلال كثيرة.

стр. 490

المفهوم الصحيح لآية الهداية قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] إذا أردت أن تنصح إنساناً وتدعوه إلى الهُدى، فسرعان ما يقول لك بعضهم: دعه فإنك لا تهدي من أحببت! ولو عرف هذا المعترض معنى هذه الآية، ومعنى الهداية في الآية، وسبب نزولها، لم يقل هذا الكلام. ١ - ذكر العلامة القاسمي في تفسير هذه الآية ما نصه: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ أي لا تقدر أن تُدخل في الإسلام كل من أحببت أن يدخل فيه من قومك وغيرهم، ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾: أي أن يهديه فيدخله في الإسلام بعنايته. ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ أي: القابلين للهداية لاطلاعه على استعدادهم، وكونهم غير مطبوع على قلوبهم. [محاسن التأويل ١٣/ ١١٥] ٢ - أما سبب نزولها فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره ما نصه: وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول الله ﷺ ، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حباً شديداً طبعياً لا شرعياً، فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله ﷺ إلى الإِيمان والدخول في الإِسلام، فسبق القدر فيه، واختطفه من يده، فاستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحكمة البالغة. [٣/ ٣٩٤] ٣ - وذكر سبب النزول الإمام مسلم في كتاب الإِيمان: باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو في أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل

стр. 491

ثم ذكر السبب بطوله وخلاصته: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ فقال له: "يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله"، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك". فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] وأنزل الله تعالى في أبي طالب، فقال لرسول الله ﷺ : ﴿إِنَكَ لَا تَهدِي مَن أحببَت﴾. [القصص] قوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة" المراد قربت وفاته وحضرت دلائلها، وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإِيمان. [انظر صحيح مسلم ج ١/ ٥٤] أقول: في هذه الآية، وهذا الحديث يثبت أن أبا طالب مات كافراً، وفيه رد صريح على القائلين بنجاة أبي طالب. ولا سيما ما رواه العباس بن عبدالمطلب أنه قال: يا رسول الله هل نفعتَ أبا طالب بشيء؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: "نعم. هو في ضحضاح من نار. ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". [رواه مسلم] وفي رواية: "فيُجعل في ضَخضاح من نار، يبلغ كعبيه، يَغلي منها دماغه". [رواه مسلم] ٤ - ومعنى الهداية الواردة في الآية: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ هي هداية التوفيق الخاصة بالله، أما الهداية بمعنى دعوة الناس إلى الإِسلام فهي عامة في حق الله والرسول ﷺ ، وكل داع، وقد قام الرسول ﷺ بدعاء أبي طالب لهدايته وإسلامه، فأبى الإِسلام ومات كافراً، فنزلت الآية. ونحن نقوم بدعوة الناس إلى هدايتهم، فإذا أعرضوا ندعوا لهم بهداية التوفيق، ولا يجوز أن نترك دعوتهم، ونحتج بهذه الآية إلا في حادثة شبيهة بحادثة أبي طالب، كأن ندعوَ كافراً إلى الإِسلام فيأبى ويموت كافراً.

стр. 492

أنواع الهداية في القرآن الكريم وهداية الله تعالى للِإنسان على أربعة أوجه ذكرها الراغب الأصفهاني: ١ - الهداية التي عم بجنسها كل مكلف من العقل، والفطنة، والمعارف الضرورية التي أعم منها، كل شيء بقدر فيه حسب احتماله، كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] ٢ - الهداية التي جعل الناس بدعائه إياهم على ألسنة الأنبياء، وإنزال القرآن، ونحو ذلك، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٣] ٣ - هداية التوفيق الذي يختصَ به من اهتدى، وهو المعنى بقوله: ﴿وَالًذِينَ اهتَدَوا زَادَهُم هُدىً وَءَاتَاهُم تَقوَاهُم﴾. [محمد ١٧] ﴿وَمَن يؤمِن بالله يَهدِ قَلبه﴾. [التغابن ١١] ﴿إِن الذِينَءَامنُوا وَعَملوا الِصَالِحَاتِ يَهدِيهِم رَبهم بإِيمَانِهِم﴾. [يونس] ﴿وَالًذِينَ جَاهدوا فِينَا لَنَهدِينَهُم سبُلَنَا﴾. [العنكبوت ٦٩] ﴿وَيَزيدُ الله الًذِينَ اهتَدَوا هدى﴾. [مريم ٧٦] ﴿فهدَى الله الذِينَءَامَنُوا لِمَا اختَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِ بإِذنِهِ والله يَهدِي مَن يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ﴾. [البقرة ٢١٣] ٤ - الهداية في الآخرة إلى الجنة المعني بقوله: ﴿سَيَهديهِم وَيُصلح بَالَهُم﴾. [محمد ٥] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾. [الأعراف ٤٣] وهذه الهدايات الأربع مترتبة: أ - فإن لم تحصل له الأولى لا تحصل له الثانية، بل لا يصح تكليفه. ب - ومن لم تحصل له الثانية لا تحصل له الثالثة والرابعة.

стр. 493

ج - ومن حصل له الرابع فقد حصل له الثلاث التي قبلها. د - ومن حصل له الثالث، فقد حصل له اللذان قبله. هـ - ثم ينعكس، فقد تحصل الأولى، ولا يحصل له الثاني، ولا يحصل له الثالث. والِإنسان لا يقدر أن يهدي أحداً إلا بالدعاء وتعريف الطرق دون سائر أنواع الهدايات. ١ - وإلى الثانية (التي هي الدعاء وتعريف الطرق) أشار بقوله تعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهدِي إِلى صِرَاطٍ مُستَقِيم﴾. [الشورى ٥٢] وقوله: ﴿وَلِكُلِ قَوم هادٍ﴾ (أي داع). [الرعد ٧] ٢ - وإلىِ سائر الهدايات أشار بقوله تعالى: ﴿إِنَكَ لَا تَهدِي مَن أحبَبتَ ولكن الله يهدي من يشاء﴾. [القصص ٥٦] ٣ - وكل هداية ذكر الله أنه منع الظالمين والكافرين فهي الهداية الثالثة، وهي التوفيق الذي يختص به المهتدون. ٤ - والرابعة التي هي الثواب في الآخرة وإدخال الجنة نحو قوله : ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦] وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ١٠٧] ٥ - وكل هداية نفاها الله عن النبي ﷺ وعن البشر وذلك أنهم غير قادرين عليها - فهي ما عدا المختص من الدعاء وتعريف الطريق، وذلك كإعطاء العقل والتوفيق وإدخال الجنة كقوله عز ذكره: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُم وَلَكِنً الله يَهدِي مَن يَشَاءُ﴾. [البقرة ٢٧٢] ﴿وَلَو شَاءَ الله لَجَمَعَهُم عَلَى الهُدَى﴾. [الأنعام ٣٥] ﴿وَمَا أنتَ بهادِ العُمى عن ضَلاَلَتِهِم﴾. [الروم ٥٣] ﴿إنْ تَحرص عَلَى هُدَاهُم فَإِن الله لَا يَهدِي مَن يُضِل﴾. [النحل ٣٧] ﴿وَمَن يُضلِل الله فَما لَهُ مِن هادٍ﴾. [غافر ٣٣]

стр. 494

﴿وَمَن يَهدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍ﴾. [الزمر ٣٧] ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. [القصص: ٥٦] وإِلى هذا المعنى أشار بقوله تعالى: ﴿أفَأنتَ تُكرِهُ النًاس حَتى يَكُونُوا مُؤمِنِين﴾. [يونس ٩٩] ﴿مَن يَهدِ الله فَهُوَ المُهتَدِ ومن يُضلل فلن تجدَ له ولياً مُرشداً﴾. [الكهف ١٧] أي طالب الهدى ومُتحريه هو الذي يوفقه الله، ويهديه إلى طريق الجنة، لا من أضله فيتحرى طريق الضلال والكفر كقوله تعالى: ﴿وَالله لَا يَهدي القَومَ الكَافِرَيَن﴾. [البقرة ٢٦٤] ﴿إِن الله لَا يَهدِي منَ هُوَ كَاذبٌ كفًارٌ﴾. [سوره الزمر ٣] الكاذب الكفار: هو الذي لا يقبل هدايته، فإن ذلك راجع إلى هذا وإن لم يكن لفظه موضوعاً لذلك، ومن لم يقبل هدايته لم يهده، كقولك: من لم يقبل هديتي لم أهد له، ومن لم يقبل عطيتي لم أعطه، ومن رغب عني لم أرغب فيه. [انظر كتاب المفردات في غريب القرآن للأصفهاني ٥٣٩]

стр. 495

المحافظة على أرواح المؤمنين قال الله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥] يستفاد من الآية ما يلي: ١ - أن المشركين من أهل مكة منعوا المسلمين من دخول مكة لأداء العمرة ومعهم الهدي محبوساً لم يبلغ مكانه المخصص له ليذبح. ٢ - لا يجوز قتال الكفار المعتدين، والمؤمنون مختلطون بينهم، خشية أن تقع الخسارة بالمؤمنين والمؤمنات بغير قصد، فيقع الإِثم والعار على المؤمنين المقاتلين وهذا يبين مدى حرص الإسلام على حياة المؤمنين والمؤمنات، ولو كانوا قلة، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره: أن عدد المؤمنين والمؤمنات الموجودين في مكة تسعة نفر سبعة رجال، وامرأتان، وهذا ما يفيده قوله تعالى: ﴿ولولا رجال مؤمنون، ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم، فتُصيبكم منهم مَعَرًة بغير عِلم﴾. ٣ - تأخير عقوبة المشركين، حتى يُدخل الله منهم من شاء في الإِسلام، وهذا ما حصل فعلاً، فقد ذكر ابن كثير في تفسيره عن حبيب بن سباع قال: (قاتلت رسول الله ﷺ أول النهار كافراً، وقاتلت معه آخر النهار مؤمناً). وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ليُدخل الله في رحمته من يشاء﴾. ٤ - جواز قتال الكافرين إذا كان بينهم مؤمنون متميزون عنهم، لا يختلطون فيما بينهم وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لو تزيّلوا لعذبنا الذين كفروا منه عذاباً أليم﴾. ٥ - أقول: ليت المسلمين عامة، والمجاهدين منهم خاصة أخذوا بتطبيق هذه الآية،
следующие страницы →