الصور والتماثيل المسموح بها
١ - يسمح بصورة وتمثال الشجر والنجوم والشمس والقمر، والجبال والحجر والبحر والنهر، والمناظر الجميلة، والأماكن المقدسة كصور الكعبة والمدينة والمسجد الأقصى، وبقية المساجد إن خلت من صور إنسان أو حيوان وما له روح، ودليله قول ابن عباس ﵄:
(إنْ كُنت لا بُدُّ فاعلًا فاصنع الشجر وما لا نفْس له). "رواه البخاري"
٢ - الصور الموضوعة على الهوية والجواز للسفر، ورخصة السيارة وغيرها من الأمور الضرورية فمسموح بها للضرورة.
٣ - تصوير المجرمين من القتلة والسارقين وغيرهم لإِلقاء القبض عليهم للقصاص منهم، وكذا ما تحتاجه العلوم كالطب.
٤ - يُسمح للبنات باللعب المصنوعة في البيت من الخرق، على شكل طفلة صغيرة تلبسها الثياب وتنظفها وتنيمها، وذلك لتتعلم تربية الأولاد عندما تكون أماً، والدليل قول عائشة: (كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ ). "رواه البخاري"
ولا يجوز شراء اللُّعب الأجنبية للأطفال، ولا سيما البنات السافرات المتكشفات، فتتعلم منها وتقلدها وتفسد المجتمع بذلك، بالإِضافة إلى صرف الأموال للبلاد الأجنبية واليهودية.
стр. 912
هل الدخان حرام ؟
لم يكن الدخان موجودًا في زمن الرسول ﷺ ولقد جاء الإِسلام بأصول عامة تحرم كل ضار بالجسم، أو مؤذ للجار، أو مُتلف للمال،
وإليك الأدلة الآتية على حكم الدخان:
١ - قال الله تعالى: ﴿ويُحِلُّ لهمُ الطيبات، ويُحرِّمُ عليهم الخبائث﴾. "الأعراف ٢٥٧"
(والدخان من الخبائث الضارة، كريه الرائحة).
٢ - وقال تعالى: ﴿ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهلُكَة﴾. "سورة البقرة ١٩٦"
(والدخان يوقع في الأمراض المهلكة كالسرطان والسل وغيرهما).
٣ - وقال تعالى: ﴿ولا تقتُلوا أنفُسَكم﴾. "سورة النساء ٢٩"
(والدخان قتل بطيء للنفس).
٤ - وقال تعالى عن ضرر الخمر: ﴿وإثمُهما أكبرُ مِن نفْعهما﴾. "سورة البقرة ٢١٩" (والدخان ضرره أكبر من نفعه، بل كله ضرر".
٥ - وقال تعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذيرًا، إن المبذِّرينَ كانوا إخوانَ الشياطين﴾.
"سورة الإسراء ٢٧"
(والدخان تبذير واسراف من عمل الشيطان).
٦ - وقال ﷺ : (لا ضَرَرَ ولا ضِرار). "صحيح رواه أحمد" (والدخان يضر صاحبه، وُيؤذي جاره، ويُتلف ماله).
٧ - وقال ﷺ : (وَكَره (الله) لكم إضاعة المال). "متفق عليه" (والدخان ضياع لمال شاربه يكرهه الله ويُحرمه).
(والكراهة: تعني التحريم في الكتاب والسنة وعند السلف).
стр. 913
إعفاء اللحية واجب
١ - قال الله تعالى في حق الشيطان: (ولآمُرَنهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْق الله﴾ "سورة النساء ١١٩" (وحلق اللحية تغيير لخلق الله وطاعة للشيطان).
٢ - وقال ﷺ : ﴿جُزُّوا الشوارب وأرخو اللِّحى، خالفوا المجوس﴾. "رواه مسلم" (أي قصوا ما طال عن الشفة من الشارب، واعفوا اللحية مخالفة للكفار).
٣ - وقال ﷺ : (عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظافر الخ ..). "رواه مسلم"
(وإعفاء اللحية من خلق الله يحرم حلقها).
٤ - (لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء). "رواه البخاري"
(وحلق اللحية تشبه بالنساء، معرض للطرد من رحمة الله).
٥ - وقال ﷺ : (لكني أمرني رب أن أعفيَ لحيتي وأن أقص شاربي).
(وإعفاء اللحية أمر من الله ورسوله ﷺ وهو واجب). "حسن رواه ابن جرير"
стр. 914
بر الوالدين
إذا أردت النجاح في الدنيا والآخرة فاعمل بالوِصايا الآتية:
١ - خاطب والديك بأدب ولا تقلْ لهما أُفٍّ، ولا تَنْهرْهُما، وقل لهما قولاً كريمًا.
٢ - أطعْ والديك دائمًا في غير معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
٣ - تلطَّف بوالديك ولا تعبس بوجههِما، ولا تُحدق النظر إليهما غاضبًا.
٤ - حافظ على سمعة والديك وشرفهما ومالهما، ولا تأخذ شيئًا بدون إذنهما.
٥ - اعمل ما يسرهما ولو من غير أمرهما كالخدمة وشراء اللوازم، والإجتهاد في طلب العلم.
٦ - شاورهما في أعمالك كلها واعتذِرْ لهما إذا اضطررت للمخالفة.
٧ - أجبْ نداءهما مُسرعًا بوجهٍ مُبتسم قائلًا: نعم يا أمي ويا أبي، ولا تقل يا بابا وماما، فهي كلمات أجنبية، وهذا إبراهيم ﵇ يقول لأبيه الكافر: ﴿يا أبتِ﴾.
٨ - أكرم صديقهما وأقرباءهما في حياتهما، وبعد موتهما.
٩ - لا تجادلهما ولا تُخطِّئهما وحاول بأدب أن تبين لهما الصواب.
١٠ - لا تعاندهما، ولا ترفع صوتك عليهما، وأنصت لحديثهما، وتأدب معهما، ولا تزعج أحد إخوانك إكرامًا لوالديك.
١١ - انهض إلى والديك إذا دخلا عليك، وقبَّل رأسهما كما فعلت فاطمة مع الرسول.
١٢ - ساعدْ أُمك في البيت، ولا تتأخر عن مساعدة أبيك في عمله.
١٣ - لا تسافر إذا لم يأذنا لك ولو لأمر هام، فإن اضطُررت فاعتذر لهما، ولا تقطع رسائلك عنهما.
١٤ - لا تدخُل عليهما بدون إذن ولا سيما وقت نومهما وراحتهما.
١٥ - إذا كنت مبتلى بالتدخين فلا تدخن أمامهما، وحاول تركه فهو حرام ومُضِر.
١٦ - لا تتناول طعامًا قبلهما، وأكرمهما في الطعام والشراب.
١٧ - لا تكذبْ عليهما، ولا تلُمهما إذا عملا عملاً لا يُعجبك.
стр. 915
١٨ - لا تُفضل زوجتك، أوولدك عليهما، واطلب رضاءهما قبل كل شيء ففي الحديث: (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما).
"رواه الطبراني وصححه الألباني"
١٩ - لا تجلس في مكان أعلى منهما، ولا تمدَّ رجليك في حضرتهما متكبرًا.
٢٠ - لا تتكبر في الانتساب إلى أبيك ولو كنت موظفًا كبيرًا، واحذر أن تنكر معروفهما أو تؤذيهما ولو بكلمة.
٢١ - لا تبخل بالنفقة على والديك حتى يشكواك، فهذا عارٌ عليك، وسترى ذلك من أولادك، فكما تدين تُدان.
٢٢ - أكثر من زيارة والديك وتقديم الهدايا لهما، واشكرهما على تربيتك وتعبهما عليك، واعتبر بأولادك وما تقاسيه معهم.
٢٣ - أحقُ الناس بالِإكرام أُمك ثم أبوك واعلم أن الجنة تحتَ أقدام الأمهات.
٢٤ - احذر عقوق الوالدين وغضبهما فتشقى في الدنيا والآخرة، وسيعاملك أولادك بمثل ما تعامل به والديك.
٢٥ - إذا طلبت شيئًا من والديك فتلَطفْ بهما واشكرهما إن أعطياك، واعذرهما إن منعاك، ولا تكثر طلباتك لئلا تزعجهما.
٢٦ - إذا أصبحت قادرًا على كسب الرزق فاعمل، وساعد والديك.
٢٧ - إن لوالديك عليك حقًا، ولزوجك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه،
وحاول التوفيق بينهما إن اختلفا، وقدَّمْ الهدايا للجانبين سرًا.
٢٨ - إذا اختصم أبواك مع زوجتك فكن حكيمًا وأفهم زوجتك أنك معها إن كان الحق بجانبها وأنك مُضطر لترضيتهما.
٢٩ - إذا اختلفت مع أبويك في الزواج والطلاق فاحتكموا إلى الشرع فهو خير عون لكم.
٣٠ - دعاء الوالدين مستجاب بالخير والشر، فاحذر دعاءهما عليك بالشر.
٣١ - تأدب مع الناس فمَن سبَّ الناس سَبُّوه، قال الرسول ﷺ :
(من الكبائر شتم الرجل والديه: يَسُبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه ويَسُب أمه فيسب
أمه). "متفق عليه"
٣٢ - زُرْ والديك في حياتهما وبعد موتهما، وتصدَّق عنهما، وأكثر من الدعاء لهما قائلًا: ﴿رَبِّ اغفرْ لي ولوالدَيَّ﴾، ﴿رَبِّ ارحْمهما كما رَبَّياني صغيرًا﴾.
стр. 916
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]
[٣]
مجموعة
رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع
تأليف
محمد بن جميل زينو
المدرس في دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة
دار الصميعي
стр. 917
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حقوق الطبع غير محفوظة ولكل مسلم حق الطبع
سمحت بطبعه مديرية المطبوعات
إذا أردت أن يكون لك الأجر في حياتك وبعد موتك، فاطبع هذا الكتاب، أو ساهم في طبعه، واتصل بالمؤلف ليساعدك على الطبع بأرخص سعر ممكن ويرسل لك نسخة مزيدة ومنقحة
ص. ب: ٦٠١ مكة
هاتف البيت: ٥٥٦١٨٢٧ مكة
دار الصميعي للنشر والتوزيع
هاتف وفاكس: ٤٢٦٢٩٤٥ - ٤٢٥١٤٥٩
الرياض - السويدي - شارع السويدي العام
ص. ب: ٤٩٦٧ - الرمز البريدي: ١١٤١٢
المملكة العربية السعودية
стр. 918
مقدمة المجلد الثالث
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومَنِ يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإني أقدم للقراء الكرام المجلد الثالث من:
مجموعة رسائل التوجيهات الإسلامية لإصلاح الفرد والمجتمع.
١ - شهادة الإِسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله:
هذا الكتاب يساعد القراء على معرفة أركان الإِسلام والإِيمان، وعلى معرفة معنى: لا إله الإِ الله، ومكانتها، وفضلها، وحقيقتها، وفوائدها، وشروطها، ونواقضها، ومعنى محمد رسول الله.
٢ - كيف نفهم التوسل؟
ذكرت فيه التوسل المشروع والممنوع والأحاديث الشائعة في التوسل، وشبهات حول التوسل، وأنواع التوسل بالرسول ﷺ ، وأن التوسل والدعاء يطلب من الأحياء لا من الأموات.
٣ - أخطاء شائعة يجب تصحيحها على ضوء الكتاب والسنة:
يتحدث هذا الكتاب عن أخطاء من الكفر، والشرك الأكبر، والشرك الأصغر،
وأخطاء تتعلق في حق الله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأخطاء في حق النبي ﷺ ، وأخطاء في حق المسلم وغيره. وأخطاء في أحوال المسلمين عامة.
٤ - كيف اهتديت إلى التوحيد والصراط المستقيم:
تحدثت فيه عن سيري مع جماعة الإِخوان، والصوفية، وجماعة التبليغ، وكيف انتقلت إلى الجماعة السلفية التي تهتم بالتوحيد الذي دعت إليه جميع الرسل، وعلى رأسهم محمد ﷺ ، وأنها تقوم على الدليل من الكتاب والسنة.
стр. 919
٥ - دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بين المعارضين والمؤيدين:
ذكرت فيه نبذة عن حياته، ودعوته للتوحيد، ومحاربته للشرك والبدع، وأنه لم يبتدع مذهبًا خامسًا، بل كان مذهبه حنبليًا، يُقدم الدليل من الكتاب والسنة.
وذكرت أقوال المعارضين لدعوته، والمؤيدين المنصفين، من علماء الشرق والغرب.
٦ - نداء إلى المربين والمربيان لتوجيه البنين والبنات:
يتحدث المؤلف عن مهمة المربي الناجح وشروطه، ووظيفة المعلم وواجباته، وعن وصايا لقمان الحكيم لابنه، وذكرت آداب المعلم والمعلمة، وآداب الطالب والطالبة، وعلاقة المعلم بالطلاب، والمعلمة بالطالبات.
٧ - تكريم المرأة في الإِسلام:
هذا الكتاب يتحدث عن إهانة المرأة عند العرب قبل الإِسلام، ومكانتها المرموقة في الإِسلام، حتى بلغ من تكريمه لها أن خصص لها سورة، سماها "سورة النساء" وبالغ في تكريمها حينما أوجب عليها الحجاب.
٨ - تحفة الأبرار في الأدعية والآداب، والأذكار:
ذكرتُ فيه فضل الدعاء، وآدابه، وفوائده، وشروطه، ونماذج من الأدعية المأثورة، ثم تكلمت عن آداب الأكل والشرب، والسفر والسلام، وغيرها من الآداب.
وتحدثت عن فضل الذكر وفوائده، وأنواعه، والذكر المسنون والمبتدع.
٩ - فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ﷺ :
ذكرت في هذا الكتاب فضل الصلاة على النبي ﷺ ، ومعناها، وصفتها، وفوائدها، ومواضعها، وعدم الجهر بها، ولا سيما بعد الأذان.
ثم تكلمت عن أنواع من الصلوات المبتدعة المخالفة لهدي الرسول ﷺ .
ومن أراد التفصيل فليقرأ الكتب السابقة، أو محتوياتها آخر الكتاب.
والله أسأل أن ينفع بها المسلمين، ويجعلها خالصة لوجهه الكريم.
١/ ٨/ ١٤١٧ هـ
محمد بن جميل زينو
стр. 920
محتويات مجموعة رسائل التوجيهات الاسلامية
١ - شهادة الإِسلام لا إله إلا الله.
٢ - كيف نفهم التوسل على ضوء الكتاب والسنة؟.
٣ - أخطاء شائعة يجب تصحيحها على ضوء الكتاب والسنة.
٤ - كيف اهتديت إلى التوحيد والصراط المستقيم.
٥ - دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب بين المعارضيين والمؤيدين.
٦ - نداء إل المربين والمربيات لتوجيه البنين والبنات.
٧ - تكريم المرأة في الإِسلام على ضوء الكتاب والسنة.
٨ - تحفة الأبرار في الأدعية والآداب والأذكار.
٩ - فضائل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام ﷺ .
стр. 921
(١)
شهادة الإِسلام لا إله إلا الله محمد رسولُ الله
стр. 922
موجز شهادة الإِسلام
* أركان الإِسلام والإيمان.
* مكانة لا إله إلا الله وفضلها.
* معنى لا إله إلا الله.
* تحقيق الشهادتين.
* الأنبياء دينهم واحد.
* متى تنفع لا إله إلا الله.
* أفضل شعب الإِيمان.
* شروط لا إله إلا الله.
* حقيقة لا إله إلا الله.
* معني محمد رسول الله.
* أهمية التوحيد وفضله.
* نواقض لا إله إلا الله.
стр. 923
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا. من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن التوحيد الذي جاءت به الرسل جميعًا، وعلى رأسهم محمد ﷺ يتمثل في شهادة: "لا إله إلا الله" التي تكررت في القرآن والسنة، حيث اعتبرها الرسول ﷺ الركن
الأول للإِسلام، ومن أجل هذه الشهادة قامت المعارك، حتى دخل الكفار الإِسلام.
وقد تكلمت عنها إجمالًا في بعض كتبي، وأحببت أن أُفردها في رسالة خاصة، بعد أن توسعت في شرحها ولا سيما وقد قال البخاري في صحيحه:
[باب العلم قبل القول والعمل] لقول الله تعالى:
﴿فَاعلَم أَنَّهُ لا إله إلا الله﴾. "سورة محمد: ١٩"
فبدأ بالعلم، وأن العلماء هم ورثة الأنبياء. "فتح الباري ١/ ١٥٩"
وسأشرح لكم: مكانتها، وفضلها، وحقيقتها، ونفعها، ومعناها، وشروطها،
ونواقضها، وغيرها من الأمور المهمة والله أسال أن ينفع بها المسلمين ويجعلها خالصة لله تعالى
محمد بن جميل زينو
стр. 924
أركان الإِسلام
قال رسول الله ﷺ : بُنيَ الإِسلام على خمس:
١ - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
(لا معبود بحق إلا الله، ومحمد تجب طاعته في الدين).
٢ - وإقام الصلاة: (أداؤها بأركانها وواجباتها والخشوِع فيها).
٣ - وإيتاء الزكاة: (تجب الزكاة إذا ملك ٨٧ غرامًا ذهبًا أو ما يعادلها من النقود بدفع ٥ و ٢ في المائة منها بعد سنة، وغير النقود لكل منها مقدار معين).
٤ - وحج البيت: (مَن استطاع إليه سبيلا).
٥ - وصوم رمضان: (الإمتناع عن الطعام والشراب. وجميع المفطرات مِن الفجر حتى الغروب مع النية) "متفق عليه"
أركان الإِيمان
١ - أن تؤمن بالله: (بوجوده ووحدانيته في الصفات والعبادة).
٢ - وملائكته: (مخلوقات من نور لا نراهم لتنفيذ أوامر الله).
٣ - وكتبه: (التوراة والإِنجيل والقرآن وهو أفضلها).
٤ - ورُسُله: (أولهم نوح وآخرهم محمد).
٥ - واليوم الآخر: (يوم الحساب لمحاسبة الناس على أعمالهم).
٦ - وتؤمن بالقدَر خيره وشره: "رواه مسلم"
(الرضا بالقدر خيره وشره، مع الأخذ بالأسباب).
стр. 925
مكانة لا إله إلا الله
١ - قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. "آل عمران آية ١٨"
٢ - ﴿وما أرسَلنَا من قَبلِكَ من رسُولٍ إلا نُوحي إِليه أَنه لا إله إلا أنا فاعبُدُون﴾. [الأنبياء آية ٢٥]
٣ - وقال الرسول ﷺ : (مَن قال لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَدُ من دون الله حَرُم ماله ودمه وحسابه على الله). "رواه مسلم"
وهذه الكلمة هي التي يدخل بها الكافر الإِسلام، فمن قالها عصم ماله ودمه، ومن لم يقلها لم يعصم دمه وماله.
٤ - وهذه الكلمة الطيبة أول ما يدعو إليها المسلم، فإن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له:
(إنك تأتي قومًا مِن أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). "متفق عليه"
٥ - قال ابن القيم في زاد المعاد عن مكانة لا إله إلا الله:
إنها كلمة يعلنها المسلمون في أذانهم واقامتهم وخطبتهم وخُلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله الرسل، وبها انقسمت الخليقة إلى مؤمنين وكافرين، ولأجلها جُرِّدت سيوف الجهاد، وهي حق الله على العباد فهي كلمة الإِسلام ومفتاح دار السلام، وعنها يُسأل الأولون والآخرون، فلا تزول قدما العبد بين يدي الله حتى يُسأل عن مسألتين:
(ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتمُ المرسلين؟).
وجواب الأولى: بتحقيق لا إله إلا الله معرفة وإقرارًا وعملًا.
وجواب الثانية: بتحقيق أن محمدًا رسول الله معرفة وانقيادًا وطاعة.
٦ - وقال ﷺ : (المسلم إذا سُئِل في القبر: شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)."رواه مسلم"
فذلك قول الله تعالى:
﴿يثبتُ الله الذين آمنوا بِالقولِ الثابِتِ في الحياة الدُنيا وفي الآخِرة﴾. "سورة إبراهيم آيه ٢٧"
٧ - وقال ﷺ : (بُني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله). الحديث "متفق عليه"
стр. 926
٨ - وقال ابن عُيينة: ما أنعم الله على العباد نعمة أعظم من أن عرَّفهم: لا إله إلا الله.
٩ - وقال ابن رجب في كتابه "كلمة الإِخلاص":
إن لا إله إلا الله لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا.
١٠ - وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿مثلًا كَلِمةً طَيِّبةً﴾:
شهادة أن لا إله إلا الله. "تفسير ابن كثير ج ٢/ ٥٣٠"
١١ - الخلاصة: إن لهذه الكلمة مكانة في الدين، وأهمية في الحياة، وأنها أول واجب على العباد، لأنها الأساس الذي تُبنى عليه جميع الأعمال، فهي كلمة الإِخلاص، وشهادة الحق، ودعوة الحق، وبراءة من الشرك، ولأجلها خلق الله الخلق: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ والِإنس إلا لِيَعبُدُون﴾. "سورة الذاريات"
стр. 927
فضل لا إله إلا الله
- قال الله تعالى: ﴿فَاعلَم أنهُ لا إله إلا الله﴾. "سوره محمد ١٩"
وقد استدل البخاري -رحمه الله تعالى- من هذه الآية على تقديم العلم فقال:
[باب العلم قبل القول والعمل]
٢ - وقال رسول الله ﷺ : (الإِيمان بِضْعٌ وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) [البضع: من ثلاثة إلى تسعة] "رواه مسلم"
٣ - وقال ﷺ : (مَن تعارَّ (أي استيقظ) مِن الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلَّى قُبلت صلاته). "رواه البخاري"
- كان رسول الله ﷺ يقول عند الكرب:
(لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورَب العرش الكريم). "رواه مسلم"
٥ - سمع الرسول ﷺ رجلاً يقول:
(اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحدُ الصمدُ الذي لم يلِد ولم يولَد ولم يكن له كفوًا أحد، فقال ﷺ : والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئِل به أعطى). "صحيح رواه أحمد"
٦ - وقال ﷺ : (دعوة ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، لم يَدْعُ بهارجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له). "صحيح رواه أحمد"
٧ - وقال ﷺ : (مَن قال حين يسمع المؤذن (١) وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا وبمحمد رسولًا وبالإِسلام دينًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه). "رواه مسلم"
٨ - وقال ﷺ : (مَن قال حين يصبح أو حين يمسي: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما
стр. 928
صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة). [أبوء: أعترف] "صحيح رواه أحمد"
٩ - وقال ﷺ : (أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون مِن قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له). "حسن رواه مالك"
١٠ - وقال ﷺ : (مَن قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عَدل عَشر رقاب، وكُتبت له مائة حسنة، ومُحيَت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرزًا مِن الشيطان يومه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر مِن ذلك). "متفق عليه"
١١ - وقال ﷺ : (مَن توضأ فأحسن الوضوء، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فُتحَت له أبواب الجنة، يدخل مِن أيِّها شاء). "صحيح رواه النسائي وغيره"
١٢ - وقال ﷺ : (مَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة). "أخرجه الحاكم وغيره بسند صحيح"
الخلاصة: إن فضائل هذه الكلمة كثيرة، وحقائقها، وموقعها من الدين فوق ما يصفه الواصفون، ويعرفه العارفون فهي رأس الإِسلام مطلقًا وهي حقيقة الأمر كله.
стр. 929
لا معبود بحق إلا الله
هذا هو التفسير الصحيح لشهادة (لا إله إلا الله) وبعبارة أوضح:
(لا أحدَ يستحق العبادة في الوجود إلا الله).
والعبادة اسم جامع لما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة كالصلاة، والذبح، والنذر ولاسيما الدعاء لقول الرسول ﷺ : (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]
والدليل على تفسير "لا معبود حق إلا الله" قول الله تعالى:
١ - ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. [الحج: ٦٢]
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
أ - قال علي ﵁: (له دعوة الحق): قال: التوحيد.
ب - وقال ابن عباس وغيره: (له دعوة الحق): لا إله إلا الله.
جـ - وقال غيره: ومعنى الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضًا وإما متناولًا له من بُعد، كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلًا للشرب، فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلهًا آخر غيره لا ينتفعون بهم أبدًا في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلَالٍ﴾ "ابن كثير ٢/ ٥٠٧"
أقول: لقد حكم الله على الذين يدعون غير الله بالكفر والضلال كما صرحت الآية.
١ - وأهَم هذه المفاهيم التي يحتاج إلى تصحيحها، بل ذلك ضرورة: مفهوم "لا إله إلا الله"، وهذه الكلمة التي هي رأس الإِسلام مطلقًا كما قال الإِمام ابن تيمية في الرسالة التدمرية.
٢ - ويقول شارح العقيدة الطحاوية وهو من الأحناف:
قوله: (ولا إله غيره): هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم، كما تقدم ذكره، وإثبات التوحيد بهذه الكلمه باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر، فإن الِإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال، ولهذا -والله أعلم- لما قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
قال بعده: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. [البقرة: ١٦٣]
стр. 930
فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب إن إلهنا واحد، فلغيرنا إله غيره، فقال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. "انظر الطحاوية ١٠٩"
لا إله في الوجود إلا الله
هذا التفسير غير صحيح للأسباب الأتية:
١ - أن الآلهة المعبودة من دون الله كثيرة:
أ - الهندوس في الهند يعبدون البقر، وهىِ بمنزلة الآلهة عندهم.
ب - النصارى يعبدون عيسى، وهو بمنزلة الإِله عندهم.
جـ- بعض المسلمين يعبدون الأموات، ولا سيما الأنبياء والأولياء، حيث يدعونهم مِن دون الله، ويسغيثون بهم، لأن الرسول ﷺ يقول: (الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
د - والدليل على تعدد الألهة الموجودة قوله تعالى:
١ - ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١]
ب - ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ [الأحقاف: ٢٨]
جـ - ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]
فهذه الآيات تفيد وجود آلهة متعددة، ولكنها باطلة، والمعبود بحق هو الله وحده، والدليل قول الله تعالى:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]
فشمل ذلَك جميع الآلهة المعبودة من دون الله من البشر والملائكة والجن وسائر المخلوقات وتفيد آية الأعراف السابقة أن المسلم إذا تكلم بكلام كفر، وهو لا يدري، فنُبه على ذلك فإنه لا يكفر كما فعل بنو اسرائيل، والصحابة الذين سألوا النبي ﷺ .
стр. 931
لا خالق إلا الله
اختلف الناس في معنى "لا إله إلا الله" إلى طوائف:
الطائفة الأولى تقول: إن معناها: لا خالق ولا رازق إلا الله، فإذا اعتقد المسلم أن الله وحده هو الخالق والرازق أصبح مؤمنًا، فإذا دعا غير الله، وقال: يا رسول الله أغثني، يا جيلاني اشفني، أو نذر له، أو توجه إلى قبره وطاف به لا يضر بزعمهم، ما دام يعتقد أن الله هو الخالق والرازق، والرب وحده.
وهذا خطأ ظاهر، لأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كانوا يعتقدون أن الله وحده الرب والخالق والرازق والمدبر للأمور قال الله تعالى عن المشركين:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ "يونس آية ٣١"
وبعض المنتسبين للإِسلام يعتقدون أن هناك أقطابًا أربعة يُدَبِّرُون الكون! وهذا شرك بالله يجب أن يتوبوا منه، لأن المدبر للأُمور هو الله وحده، وغيره عاجز عن تدبير نفسه فضلًا عِن غيره.
فإن قيل: إذا كانوا يعتقدون أن الله وحده هو الرب والخالق والرازق والمدَبّرُ للكون، فكيف عبد هؤلاء المشركون غير الله؟
فالجواب: عبدوا غير الله ابتغاء التقرب إلى الله، وليكونوا شفعاءهم عند الله.
قال تعالى عنهم: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾. "سورة الزمر آية ٣"
وقال تعالى عن المشركين: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. "سورة يونس آية ١٨"
فزعموا أنهم لا يعبدون غير الله إعراضًا عنه، بل يعبدونهم ويدعونهم للإقبال على الله، فإن هؤلاء شفعاء عند الله بزعمهم يتقربون بهم إلى الله.
وبعض المسلمين -هداهم الله- لا يرون بأسًا في دعاء الأولياء الأموات، فقد سمعناهم يقولون: لا ندعوا الأولياء على اعتقاد أنهم قادرون على قضاء حوائجنا، وإنما ندعوهم على أنهم يشفعون لنا عند الله، ولهم منزلة عند الله، وزعموا أن هذا لا يناقض التوحيد، وهذا خطأ لأن الله تعالى يقول:
стр. 932
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [أي المشركين] "سورة يونس آية ١٠٦"
وقال الرسول ﷺ : "الدعاء هو العبادة". "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
فكما أن الصلاة عبادة لا تجوز لغير الله، فكذلك الدعاء عبادة لا يجوز لغير الله.
لا مطاع إلا الله
الطائفة الثانية تقول: إن معنى "لا إله إلا الله":
لا مطاع بحق إلا الله، أو لا أحد يستحق الطاعة إلا الله، فمن أطاع غير الله فقد كفر بزعمهم، ولهذه الطائفة قصة يحسن ذكرها: وذلك أنه لما كان جميع أهالي الهند متفقين على مطالبة الحرية والإستقلال، وطرد الإِنجليز من الهند، ولم يختلف في ذلك حزب من الأحزاب، ولا ملة من الملل، واستعدوا للتضحية بكل ما يملكون في هذا السبيل، قامت طائفة من المسلمين بمشاركة الناس في هذا الجهاد، محتجين بحجة هي أقوى عندهم من جميع الحجج، وذلك زعمهم أن الناس بسبب خضوعهم لقوانين الحكومة البريطانية أصبحوا مشركين لأن إطاعة القوانين عندهم عبادة بلا شك، وزعموا أنه مفهوم لا إله إلا الله زاعمين أن معناه: لا مطاع إلا الله ولهم في هذا مؤلفات كثيرة.
وعلى هذا الأساس حكموا بالكفر على المسلمين الذين أكرمهم الله بالإِيمان، وأعلن في مُحكَم كتابه أنه تقبل منهم ذلك حيث يقول الله تعالى:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. "سورة التحريم"
ولا شك أن امرأة فرعون عاشت مطيعة لأوامر زوجها (فرعون) وقوانين حكومته، ومع ذلك جعلها الله مثلًا للمؤمنين، فالله الحمد على هذا التيسير والتخفيف.
ومعروف للجميع ما ذكر الله لنا عن يوسف ﵇ من قبوله الوظيفة تحت الملك الكافر كما يعرف الجميع أن الرسول ﷺ بعث جماعة من الصحابة إلى الحبشة يطلبون الأمن، ولم يعملوا هناك انقلابًا ثوريًا ضد النجاشي، بل عاشوا مطمئنين هادئين.
وعلى هذا الأساس حرفوا معاني الآيات التي جاء فيها الأمر بعبادة الله، والنهي عن عبادة غيره، كما فسروا الطاغوت بإطاعة قوانين الحكومة غير المسلمة، رغم ما اتفق عليه المفسرون من أن المراد من عبادة الطاغوت عبادة اللآلهة الباطلة.
стр. 933
وهذه المزاعم كلها غلُو منهم، ودين الله براء منه، وهذه الطائفة صنم جماعة التكفير والهجرة التي ظهرت في مصر وغيرها من البلاد. [صنو جماعة التكفير: أي أُختها ومثيلتها] "انظر رسالة الخلاف الأساسي للشيخ عمر مليباري"
تفسير سيد قطب
ومن الخطأ ما فسر به "سيد قطب" قول الله :
١ - ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ﴾. "سورة القصص آية ٧٠"
[أي فلا شريك له في الخلق والإختيار] "في ظلال القرآن ٥/ ٢٧٠٧"
أقول: هذا معنى من معاني الربوبية التي اعترف بها المشركون كما تقدم، ضيَّع به المعنى الحقيقي لكلمة "لا إله إلا الله" كما سبق تفسيرها الصحيح: لا معبود بحق إلا الله، لأن الإِله: معناه المعبود، وليس معناه الخالق.
٢ - وقريب منه قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾. "سورة الناس"
[والإِله: هو المستعلي المستولي المتسلط] "الظلال ٦/ ٤٠١٠"
أقول: إن الإستعلاء والسلطان والحكم والملك والسيادة من صفات الرب ومثلها الخلق والرزق والإِحياء والإِماتة والتدبير التي اعترف بها المشركون، كما تقدم في سورة يونس.
والعرب كانوا يعرفون معنى الإِله: هو المعبود، ولذلك رفضوها لأنها تدعوهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة آلهتهم، كما قال الله عنهم:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ "سورة الصافات ٣٥ - ٣٦"
وقال الله تعالى يَحكي قول المشركين ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ "سورة ص آية ٥"
قال ابن كثير: [أي أزَعَمَ أن المعبود واحد لا إله إلا هو] فقد فسر ابن كثير: الإِله: المعبود.
стр. 934
تفسير ابن تيمية
قال ابن تيمية ﵀: الإِله هو المستحق للعبادة، فأما من اعتقد في الله أنه رب كل شيء وخالقه، وهو مع هذا يعبد غيره، فإنه مشرك بربه، مُتخذ من دونه إلهًا آخر فليست الإِلهية هي الخلق، أو القدرة على الخلق، أو القدم كما يفسرها هؤلاء المبتدعون في التوحيد من أهل الكلام، إذ المشركون الذين شهد الله ورسوله بأنهم مشركون من العرب وغيرهم لم يكونوا يشكون في أن الله خالق كل شيء وربه، فلو كان هذا هو الإِلهية لكانوا قائلين: إنه لا إله إلا الله.
فهذا موضع عظيم جدًا ينبغي معرفته لما قد لُبِّسَ على طوائف من الناس أصل
الإِسلام، حتى صاروا يدخلون في أمور عظيمة هي شرك ينافي الإِسلام لا يحسبونها شركًا وأدخلوا في التوحيد والإِسلام أمورًا باطلة ظنوها من التوحيد وهي تنافيه، وأخرجوا من الإِسلام والتوحيد أمورًا عظيمة لم يظنوها من التوحيد وهي أصله، فأكثر هؤلاء المتكلمين لا يجعلون التوحيد إلا ما يتعلق بالقول والرأي، واعتقاد ذلك دون ما يتعلق بالعمل والإِرادة واعتقاد ذلك.
بل التوحيد الذي لا بُد منه لا يكون إلا بتوحيد الإِرادة والقصد، وهو توحيد العبادة، وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله: أن يقصد الله بالعبادة ويريده بذلك دون ما سواه، وهذا هو الإِسلام، فإن الإِسلام يتضمن أصلين:
إحداهما: الاستسلام لله.
والثاني: أن يكون ذلك له سالمًا، فلا يشرك به أحد في الإِسلام له وهذا هو
الإستسلام لله دون سواه. "الفتاوي الكبرى ٥/ ٢٥٠"
стр. 935
لا حاكم إلا الله
وقريب من هذا التفسير: لا مطاع بحق إلا الله، وقد تبين خطأ هذا التفسير كما تقدم ما ذكره "سيد قطب في كتابه معالم في الطريق" حين قال: وأخيرًا يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات تزعم لنفسها أنها مسلمة! وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإِطار، لا لأنها تعتقد بألوهية غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضًا (١) ولكنها تدخل في هذا الإِطار لأنها تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها، فهي- وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها، وقيمها وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها (٢) ... وكل مقومات حياتها تقريباً!!
والله يقول عن الحاكمين:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. "سورة المائدة ٤٤"
كما أنه سبحانه قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دونه لمجرد أن جعلوا للأحبار والرهبان ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم أنهم مسلمون اعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركًا، كاتخاذهم عيسى ابن مريم ربًا يؤلهِّونه، ويعبدون سواه، فهذه كتلك: خروج من العبودية لله وحده، فهي خروج من دين الله، ومن شهادة أن لا إله إلا الله (٣) إلى أن يقول: وإذا تعين هذا فإن موقف الإِسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها وشرعيتها في اعتباره.
стр. 936
ملاحظات على كلام سيد قطب
١ - تكفيره للمجتمع الإِسلامي: وذلك حين قال في "معالم في الطريق" "وأخيرًا يدخل في المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة"!
أقول: لا يجوز تكفير المجتمعات الإِسلامية، بعد أن أكرمها الله تعالى بالِإسلام، وإلحاقها بالمجتمع الجاهلي الذي لم يدخل الإِسلام.
أ - قال الرسول ﷺ : (لا تزال طائفة مِن أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة، فينزل عيسى ابن مريم فيقول أميرهم: تعال صَلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمير، تكرمة لهذه الأُمة). "رواه مسلم"
ب - وقال ﷺ : (إذا قال الرجل هلك الناسُ فهو أهلَكهم). "رواه مسلم"
قال الخطابي: معناه: لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهمِ ويقول: فسد
الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم، أي أسوأ حالًا منهم بما يلحقه من الإِثم في عيبهم والوقيعة فيهم، وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه، ورؤيته أنه خير منهم. "٤/ ٢٢٤"
وقد بوب الإِمام مسلم في كتابه فقال:
(باب النهي من قول: هلك الناس)
وقال ﷺ : (أيما رجل مسلم أكفرَ رجلاً مسلمًا، فإن كان كافرًا، وإلا كان هو الكافر). "رواه البخاري"
وقال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. "سورة الحجرات"
وقال ﷺ : (إياكم والظن فإن الظن أكذبُ الحديث). "متفق عليه"
٢ - وقال (سيد قطب) في كتابه "معالم في الطريق":
وهذه المجتمعات لا تدخل في هذا الإِطار، لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله أيضًا!
أقول: إن هذا الكلام يدل على أنه لا يهتم بالشرك الموجود في أكثر البلاد وهو دعاء الأولياء من دون الله كقولهم: المدد يا سيدي الحسين! والطواف حول قبر الحسين وزينب والنذر للقبور، واعتقاد أن الأولياء يعلمون الغيب، ويتصرفون في الكون وهم الأبدال والأقطاب والأغواث وغيرها من أنواع العبادة التي لا تجوز إلا لله وحده، والتي
стр. 937
يعتبرها الإِسلام من الشرك الأكبر التي يُخلَّد صاحبها في النار، فكان الواجب عليه أن يحذر منها، لأن الرسل جميعًا حذروا منها، والقرآن الكريم يهتم بالتوحيد، ويحذر من الشرك المنتشر الآن، ولا سيما الدعاء الذي قال فيه الرسول ﷺ :
(الدعاء هو العبادة). "رواه الترمذي وقال حسن صحيح"
وقال الله تعالى:
﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. [الظالمين: المشركين]. "سورة يونس: ١٠٦"
٣ - ثم يقول "سيد قطب" في كتابه "معالم في الطريق":
ولكنها (أي المجتمعات الإِسلامية) تدخل في هذا الِإطار (أي المجتمع الجاهلي) لأنها تدين بحاكمية غير الله ... والله تعالى يقول:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. "المائدة آية٤٤"
أقول: ليت قائل هذا الكلام الذي فيه تكفير للمجتمعات الإِسلامية رجع إلى تفسير ابن كثير عند تفسير هذه الآية حيث فصَّل وأجاد وأفاد حين قال:
أ - قال السدي: ومن لم يحكم بما أنزل الله فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين.
وقال ابن عباس: مَن جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق رواه ابن جرير، ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو مَن جَحد حُكمَ المنزل في الكتاب.
ب - قال ابن طاووس: وليس كمَن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
جـ- وقال الثوري عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. "رواه ابن جرير"
د - وقال وكيع: (ومَن لم يحكم بما أنزل الله) الآية: قال: ليس بكفر ينقل عن المِلة.
هـ - وقال طاووس عن ابن عباس في قوله تعالى:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. "سوره المائدة"
قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. "ابن كثير ج ٢/ ٦١"
أقول: من هذه الأقوال عن الصحابة والتابعين يتبين خطأ تفسير سيد قطب للآية وتكفيره للمجتمع الإِسلامي، وهذه بادرة خطيرة انتشرت بين بعض الجماعات الإِسلامية مع الأسف الشديد، أسأل الله لنا ولهم الهداية.
стр. 938
تفسير محمد قطب
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. "سورة المائدة"
يقول "محمد قطب" في كتابه "لا إله إلا الله":
١ - لما قال الناس لابن عباس ﵁ إن هؤلاء يقصدون الأمويين- يحكمون بغير ما أنزل الله، فما القول فيهم؟ قال قولته الشهيرة:
إنه كفرٌ دون كفر، إنه ليس الكفر الذي تعلمون، كفرٌ لا يُخرج مِن الملة إلخ.
أ - أقول: فتحت للأخ محمد قطب هاتفًا، وسألته عن صحة هذا النقل عن الأمويين، فلم يذكر المرجع وقلت له: لم يذكر الطبري ولا ابن كثير هذا التخصيص.
ب - ثم رجعت إلى تفيسر الطبري فرأيته يرجح تخصيص الآية بأهل الكتاب حيث قال: وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال:
نزلت هذه الآيات في كفار أهل الكتاب، لأن ما قبلها وما بعدها من الآيات، ففيهم نزلت، وهم المَعنِيون بها. "ج ١٠/ ٣٥٨ تحقيق محمود شاكر"
ثم قال: إن الله تعالى عَمَّ بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون، وكذلك القول في كل من لم يحكم بم أنزل الله جاحدًا به هو بالله كافر، كما قال ابن عباس، لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه، نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي.
"ج ١٠/ ٣٥٨ تحقيق محمود شاكر"
أقول: يستفاد من تفسير الطبري هذا ما يلي:
١ - أن الآية نزلت في أهل الكتاب، وتعُم مَن جحد حكم الله وهو عالم كما قال ابن عباس، ومفهومه أن مَن حكم بغير ما أنزل، غير جاحد، أو غير عالم بالحكم لا يكفر، والدليل قوله تعالى في سورة المائدة:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾."المائدة: ٤٥"
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. "سورة المائدة"
٢ - لم يذكر الأخ "محمد قطب" أيضًا "وحدة الوجود عند الصوفية" في نواقض لا إله إلا الله، واكتفى بذكر فكرة "الفناء" التي قال عنها في بحث آخر:
"في الصوفية الهندية يسعى الإِنسان لتحقيق الخلود، ولا يتم هذا إلا بالفناء في
стр. 939
"الروح الأعظم" والإتحاد معه وهذا لا يتم إلا بتعذيب الجسد وإهانته لتنطلق الروح من أوهاقه، وترفرف في عالم النور .. " "ص ١٣٤"
أقول: إن فكرة الفناء التي عرفها الأخ "محمد قطب" تختلف عن وحدة الوجود التي ذكرها أخوه "سيد قطب" في تفسيره كما سبق.
فكان عليه أن يذكرها في نواقض الشهادة، ويذكر نصها، ومن أخذ بها كابن عربي وغيره حيث قال:
الربُّ عبد، والعبدُ رَب ... ياليت شِعري مَنِ المُكَلف؟
وقال غيره:
وما الكلب والخنزير إلا إلهنا ... وما الله إلاراهبٌ في الكنيسة
٣ - لم يُفصِّل في ذكر النواقض حينما عدها كما فصّل في الحكم بغير ما أنزل الله، علمًا بأن دعاء غير الله، والإستعانة والنذر والذبح لغير الله وقع فيه علماء أهل البدع والعوام.
٤ - لم يذكر الطواف حول القبور بنية العبادة والتقرب كالطواف حول قبر الحسين وغيره.
٥ - لم يذكر في النواقض عقيدة بعض الصوفية المعتقدين بأن هناك أقطابًا أربعة يُدَبرون أمور الكون! مع أن المشركين السابقين يسندون التدبير لله.
٦ - قال إن التفلت من التكاليف طبعِ بشري صاحب الإِنسان منذ نشأته:
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾."سورة طه آية ١١٥"
أقول: لا يجوز لأي مسلم كان إطلاق هذا التعبير لعدم صحته، ولما فيه من المس بكرامة النبي آدم الذي نسيَ أمرَ ربه ولم يتفلت؛ ولو أنه قال: إن الخطأ والنسيان مِن طبيعة الإِنسان لكان صوابًا لقول الرسول ﷺ :
(كلُّ بني آدمَ خطاء وخيرُ الخطائين التوابون) "حسن رواه أحمد"
وقال العلماء: ما سُمِّيَ الإِنسان إنسانًا إلا لِنِسيَانه.
стр. 940
من لم يستطع الحكم بالقرآن
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوي:
وكذلك الكفار: مَن بلغه دعوة النبي ﷺ في دار الكفر، وعلم أنه رسول الله فآمن به وآمن بما أُنزل عليه، واتقى الله ما استطاع كما فعل النجاشي وغيره، ولم تمكنه الهجرة إلى دار الإِسلام ولا التزام جميع شرائع الإِسلام، لكونه ممنوعًا من الهجرة وممنوعًا من إظهار دينه، وليس عنده مَن يعلمه جميع شرائع الإِسلام: فهذا مؤمن مِن أهل الجنة، كما كان مؤمن آل فرعون مع قوم فرعون وكما كانت امرِأة فرعون، بل وكما كان يوسف الصديق ﵇ مع أهل مصر، فإنهم كانوا كفارًا ولم يمكنه أن يفعل معهم كل ما يعرفه من دين الإِسلام، فإنه دعاهم إلى التوحيد والإِيمان فلم يجيبوه:
قال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون:
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾. "سورة غافر آية ٣٤"
وكذلك النجاشي هو وإن كان ملك النصارى فلم يطعه قومه في الدخول في الإِسلام، بل إنما دخل معه نفر منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك أحد يصلي عليه، فصلى عليه النبي ﷺ بالمدينة خرج بالمسلمين إلى المصلى فصفهم صفوفًا وصلى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات وقال:
(إن أخًا لكم صالحًا مِن أهل الحبشة مات) وكثير من شرائع الإِسلام أو أكثرها لم يكن دخل فيها لعجزه عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حج البيت، بل قد روي أنه لم يُصَل الصلوات الخمس ولم يَصُم شهر رمضان، ولم يُؤد الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه وهو لا يمكنه مخالفتهم، ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بالقرآن، والله قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم
بينهم إلا بما أنزل إليه؛ وحذره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه.
وهذا مِثل الحكم في الزنا للمحصَن بحد الرجم، وفي الديات بالعدل؛ والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع، والنفس بالنفس والعين بالعين، وغير ذلك.
والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإن قومه لا يقرونه على ذلك، وكثيرًا
стр. 941
ما يتولى بين المسلمين والتتار قاضيًا بل وإمامًا، وفي نفس أمور العدل يريد أن يعمل بها فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعهِا، وعمر بن عبد العزيز عودي وأوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: أنه سُمَّ على ذلك.
فالنجاشي وأمثاله سعداء في الجنة وإن لم يلتزموا من شرائع الإِسلام ما لا يقدرون على التزامه، بل كانوا يحكمون بالأحكام التي يمكنهم الحكم بها.
ولهذا جعل الله هؤلاء من أهل الكتاب، قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. "آل عمران: ١٩٩"
وهذه الآية قد قال طائفة من السلف: إنها نزلت في النجاشي، ويُروى هذا عن جابر وابن عباس وأنس، ومنهم من قال: فيه وفي أصحابه، كما قال الحسن وقتادة.
وهذا مراد الصحابة ولكن هو المطاع، فإن لفظ الآية لفظ الجمع لم يرد واحد. "انظر مجموع الفتاوي جـ ١٩/ ٢١٧"
стр. 942
تحقيق الشهادتين (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)
قال الإِمام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: قال الله تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾. "الكهف: ١١٠"
هذان الأصلان (١) هما تحقيق الشهادتين اللتين هما رأس الإِسلام:
شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدًا رسول الله.
١ - فإن الشهادة لله بأنه لا إله الا هو: تتضمن إخلاص الألوهية له، فلا يجوز أن يتألَّه القلب غيره: لا بحب، ولا خوف، ولا رجاء، ولا إجلال، ولا إكبار، ولا رغبة، ولا رهبة، بل لا بُد أن يكون الدين كله لله .. فإنْ كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسبه.
٢ - والشهادة بأن محمدًا رسول الله: تتضمن تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه. كما يجب على الخلق أن ثبتوا ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات، وينفوا عنه ما نفاه عنه من مماثلة المخلوقات وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم به، وينتهوا عما نهى عنه، ويُحلوا ما أحله ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله، ولكونهم شرعوا دينًا لم يأذن به الله .. وقد قال تعالى لنبيه:
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ "الأحزاب: ٤٦"
فأخبره بأنه أرسله داعيًا إليه بإذنه:
فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك، ومَن دعا إليه بغير إذنه فقد ابتدع، والشرك بدعة، والمبتدع يَؤول إلى الشرك.
ولم يوجد مبتدع إلا مر فيه نوع من الشرك كما قال تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. "التوبة آية: ٣١"
وكان مِن شركهم: أنهم أحَلّوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال
стр. 943
فأطاعوهم: قال تعالى:
﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. "التوبة: ٢٩"
ففرق بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر: أنهم لا يُحرِّمون ما حَرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق، والمؤمنون صدَّقوا الرسول فيما أخبر به عن الله واليوم الآخر: فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى، وحَلل وحَرم، فحَّرموا ما حَرم الله ورسوله، ودانوا دين الحق.
فإن الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويُحرم عليهم الخبائث، فأمرهم بكل معروف، ونهاهم عن كل منكر، وأحل لهم كُل طيب، وحرَّم عليهم كل خبيث. "انظر كتاب الصرط المستقيم لابن تيمية"
стр. 944
الأنبياء دينهم واحد
يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية في كتابه: اقتضاء الصراط المستقيم:
ولما كان أصل الدين الذي هو دين الإِسلام واحدًا وإن تنوعت شرائعه: قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح:
(إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة وإن أولى الناس بابن مريم لأنا، فليس بيني ويينه نبي). "معنى الحديث متفق عليه"
فدينهم واحد: وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يُعْبَد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت: وهو دين الإِسلام في ذلك الوقت فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ (١) لم يكن مسلمًا، ومن لم يدخل في شريعة محمد ﷺ بعد النسخ لم يكن مسلمًا.
ولم يشرع الله لنبي من الأنبياء أن يعبد غير الله البته:
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾. "الشورى آية ١٣"
متى تنفع لا إله إلا الله
إن المسلم ينتفع بهذه الكلمة إذا عرف معناها، وعمل بمقتضاها ولما كانت هناك أحاديث يُتوَهم منها أن مجرد التلفظ بها يكفي، وقد تعلق بهذا الوهم بعض المسلمين، فكان لابُد مِن إزالة هذا الوهم:
١ - قال رسول الله ﷺ : (إن الله حرَّم على النار مَن قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجهَه). "رواه البخاري"
٢ - وقال ﷺ : (ما مِن عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا حَرمَه الله على النار). "رواه مسلم"
٣ - وقال ﷺ : (أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاك، فيُحجَب عن الجنة). "رواه مسلم ج ١/ ٢٤٤/ شرح النووي"
٤ - وقال ﷺ : (مَن قال لا إله إلا الله مخلِصًا دخل الجنة). "صحيح رواه أحمد"
٥ - وقال ﷺ : (مَن كان آخر كلامه "لا إله إلا الله" دخل الجنة). "صحيح رواه أحمد انظر صحيح الجامع"
стр. 945
وأحسن ما قيل في معناها ما قاله شيخ الإِسلام ابن تيمية وغيره:
إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها، كما جاءت مقيدة، وقالها خالصًا مِن قلبه، مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة فيمن شهد أن لا إله إلا الله خالصًا مِن قلبه لأن الإِخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى، بأن يتوب مِن الذنوب توبة نصوحًا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك، فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج مِن النار مَن قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة.
وتواترت بأن كثيرًا مِمن يقول: لا إله إلا الله يدخل النار، ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثرَ السجود مِن ابن آدم، فهؤلاء كانوا يُصَلون ويسجدون لله، وتواترت بأنه يحرم على النار مَن قال لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، لكن جاءت مقيده بالقيود الثقال؛ وأكثر مَن يقولها لا يعرف الإِخلاص ولا اليقين، ومَن لا يعرف ذلك يخشى أن يُفتن عنها عند الموت فيحال بينه وبينها.
وأكثر من يقولها يقولها تقليدًا وعادة لم يخالط الإِيمان بشاشة قلبه، وغالب مَن يُفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث:
(سمعت الناسَ يقولون شيئًا فقلته). "رواه الترمذي وحسنه الألباني"
وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾. "سورة الزخرف آية ٢٣"
وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام لم يكن في هذه الحال مصرًا على ذنب أصلًا، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه مِن كل شيء، فإذًا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم على النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإِيمان وهذه التوبة، وهذا الإِخلاص وهذه المحبة، وهذا اليقين لا تترك له ذنبًا إلا يُمحى كما يُمحى الليل بالنهار. "انظر تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد" انتهى كلامه ﵀-
стр. 946
الرد علي بعض الشبهات
بعض الناس يقول: إن النبي ﷺ أنكر على أُسامة قتل مَن قال: "لا إله إلا الله" وقال: (أقَتلتَه بعد أن قال لا إله إلا الله) "رواه البخاري"
وأحاديث أُخرى في الكفِّ عَمن قالها، والجواب:
١ - إن أسامة قتل رجلاً ادعى الإِسلام بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه من النطق بالشهادة هو خوف على دمه وماله، فأنكر عليه الرسول الله ﷺ هذا الظن، لأنه قتل رجلاً أظهر الإِسلام، ومن أظهر الإِسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك والدليل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾. [أي فتثبتوا] "سورة النساء: ٩٤"
فالآية تدل على أنه يجب الكف عن قتله حتى يظهر منه ما يخالف الإِسلام، وكل من أظهر الإِسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يناقض الإِسلام.
٢ - الرسول ﷺ الذي أنكر على أُسامة قتل مَن قال: لا إله إلا الله: هو الذي قال:
(أُمِرتُ أن أُقاتلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله). "رواه البخاري"
٣ - قاتل الرسول ﷺ اليهود، وهم يقولون: لا إله إلا الله.
٤ - قاتل أصحاب الرسول ﷺ بني حنيفة وهم يشهدون: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ويُصَلون ويدعون الإِسلام.
٥ - وكذلك الذين حرقهم (١) علي بن أبي طالب كانوا يقولون لا إله إلا الله؛ أما الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب فقد قال الرسول ﷺ فيهم: (قوم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون مِن الدين مروق السهم مِن الرمية يقتلون أهل الإِسلام، ويَدَعون أهل الأوثان، لَئن أنا أدركتهم لأقتلَنهم قتلَ عاد). "رواه البخاري"
هؤلاء الخوارج كانوا أكثر الناس تهليلًا، فلم تنفعهم لا إله إلا الله ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإِسلام لما ظهر منهم مخالفة الشريعة ومن أخطائهم تكفير المسلم المرتكب للكبيرة والخروج على الحاكم المسلم.
فليحذر المسلمون التشبه بهم لقوله ﷺ : (مَن تشبه بقوم فهو مِنهم) "صحيح رواه أبو داود"
стр. 947
رد الحافظ ابن رجب
قال الحافظ ابن رجب في رسالته (كلمة الإِخلاص) على قوله ﷺ : (أمِرت أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله). "رواه مسلم" قال: فهِمَ عمر وجماعة مِن الصحابة: أن مَن أتى بالشهادتين امتنع مِن عقوبة الدنيا بمجرد ذلك، فتوقفوا في قتال مانعي الزكاة، وفهم الصديق أنه لا يمتنع قتاله إلا بأداء حقوقها لقوله ﷺ :
(فإذا فعلوا ذلك منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحَقها وحسابهم على الله) "رواه مسلم" وقال: (والزكاة حق المال) وهذا الذي فهمه الصديق قد رواه عن النبي ﷺ صريحًا غير واحد من الصحابة منهم ابن عمر وأنس وغيرهما وأنه قال:
(أُمِرت أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويُقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) "رواه مسلم"
وقد دل على ذلك قوله تعالى:
﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. "سوره التوبة آية ٥"
كما دل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾. "سورة التوبة آية ١١"
على أن الأُخوة في الدين لا تثبت إلا بأداء الفرائض مع التوحيد فإن التوبة مِن الشرك لا تحصل إلا بالتوحيد، فلما قرر أبو بكر هذا للصحابة رجعوا إلى قوله ورأوه صوابًا فإذا عُلِم أن عقوبة الدنيا لا ترتفع عمن أدى الشهادتين مطلقًا، بل ويعاقب بإخلاله بحق من حقوق الإِسلام فكذلك عقوبة الآخرة، وقال أيضًا: وقالت طائفة من العلماء:
المراد من هذه الأحاديث أن التلفظ بلا إله إلا الله سبب لدخول الجنة والنجاة مِن النار، ومقتضى لذلك.
ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه وانتفاء موانعه، فقد يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه أو لوجود مانع -وهذا قول الحسن ووهب بن منبه وهو الأظهر- ثم ذكر عن الحسن البصري أنه قال للفرزدق وهو يدفن امرأته: ما أعددتَ لهذا اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، قال الحسن نِعمَ العُدة، لكن. لا إله إلا الله شروط فإياك وقذف المحصنات، وقيل للحسن إن ناسًا يقولون مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: مَن قال لا إله إلا الله فأدّى حقها وفرْضها دخل الجنة.
стр. 948
وقال وهب بن مُنَبه لِمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا له أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك .. اهـ "ص ١٣ - ١٤ كلمة الإخلاص"
وأظن أن في القدر الذي نقلته من كلام أهل العلم كفاية في رَد هذه الشبهة التي تعلق بها مَن ظن أومن قال لا إله إلا الله لا يكفر، ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك الأكبر التي تمارس اليوم عند الأضرحة وقبور الصالحين مما يناقض كلمة لا إله إلا الله تمام المناقضة ويُضادها تمام المضادة، وهذه طريقة أهل الزيغ الذين يأخذون من النصوص ما يظنون أنه حجة لهم من النصوص المجملة، ويتركون ما تبينه وتوضحه النصوص المفصلة كحال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض وقد قال الله في هذا النوع من الناس:
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الْأَلْبَابِ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾. "سوره آل عمران: ٧ - ٩"
اللهم أَرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه وصل اللهم على محمد وآله وصحبه أجمعين. "انظر كتاب (حقيقة لا إله إلا الله) من كلام صالح الفوزان"
стр. 949
أفضل شعب الإِيمان
قال رسول الله ﷺ : (الإِيمان بضعٌ وسِتون شُعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق). "رواه مسلم"
وقد لخص الحافظ في الفتح ما أورده العلماء بقوله:
إن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن:
١ - فأعمال القلب: المعتقدات والنيات، وهي أربع وعشرون خصلة: الإِيمان بالله، ويدخُل فيه الإِيمان بذاته، وصفاته وتوحيده بأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. "سورة الشورى: ١١"
واعتقاد حدوث ما دونه، والإِيمان بملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره،
والإِيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه السؤال في القبر (ونعيمه وعذابه)، والبعث
والنشور، والحساب والميزان والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحبُّ والبغضُ فيه، ومحبةُ النبي ﷺ ، واعتقاد تعظيمه: ويدخُل فيه الصلاة عليه ﷺ واتباع سنته، والإِخلاص: ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق، والتوبة والخوف، والرجاء والشكر والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء والقدر والتوكل والرحمة، والتواضع:
ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكِبر والعُجْب، وترك الحسد،
والحقد، وترك الغضب.
٢ - وأعمال اللسان: وتشمل على سبع خصال:
التلفظ بالتوحيد (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء، والذكر: ويدخل فيه الإستغفار، (والتسبيح) واجتناب اللغو.
٣ - وأعمال البدن: وتشمل على ثمان وثلاثين خصلة:
أ - منها ما يتعلق بالأعيان، وهي خمسَ عشرة خصلة:
التطهُر حِسًا وحكمًا: ويدخل فيه اجتناب النجاسات، وستر العورة، والصلاة فرضًا ونفلًا، والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود: ويدخل فيه إطعام الطعام، وإكرام الضيف، والصيام فرضًا ونفلًا، والإعتكاف، والتماس ليلة القدر، والحج والعمرة، والطواف كذلك، والفرار بالدِّين: ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك إلى دار الإِيمان والوفاء بالنذر والتحرى في الأيمان:
стр. 950
(بأن يكون الحلف عند الحاجة)، وأداء الكفارات:
(مثل كفارة اليمين وكفارة الجماع في نهار رمضان).
ب - ومنها ما يتعلق بالأتباع وهي ست خصال:
التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين ويدخل فيه: اجتناب
العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة (فى غير معصية الله)،
والرفق بالعبيد.
جـ - ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي سبع عشرة خصلة:
القيام بالِإمارة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي (١) الأمر، والإِصلاح بين الناس: ويدخل فيه قتال الخوارج (٢) والبغاة، والمعاونة على البر والتقوى: ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد. ومنه المرابطة، وأداء الأمانة، ومنه أداء الخُمس، والقرض مع وفائه، وإكرام الجار، وحسن المعاملة: ويدخل فيه جمع المال من حِلّه، وإنفاقه في حقه، ويدخل فيه: ترك التبذير والِإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه ٦٩ خصلة، ويمكن عدها ٧٩ خصلة باعتبار أفراد ما ضُم بعضه إلى بعض مما ذكر والله أعلم. "انظر فتح الباري ج ١/ ٥٢"
أقول: هذا الحديث المتقدم، يدل على أن التوحيد هو كلمة لا إله إلا الله أعلى مراتب الإِيمان وأفضلها.
فعلى الدعاة أن يبدأوا بالأعلى ثم الأدنى، وبالأساس قبل البناء، وبالأهم فالمهم، لأن التوحيد هو الذي جمع الأمة العربية والأعجمية على الإِسلام، وكوّن منهم الدولة المسلمة دولة التوحيد.