Полный текст (105 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
إعلان النكير على المفتونين بالتصوير
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
دار الهجرة
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه.
أما بعد، فلقد اطلعت على هذه الرسالة المباركة التي ألفها أخونا وصاحبنا العلامة الشيخ: حمود بن عبدالله التويجري ﵀ في حكم تصوير ذوات الأرواح، وما ورد في ذلك من النصوص الصحيحة عن رسول الله ﷺ ومن كلام أهل العلم في معناها وشرْح مقتضاها؛ فألفيتها رسالة قيمة غزيرة الفائدة، قد اشتملت على إيضاح الحق بدليله، وكشف الشبه التي قد يتعلق بها المُعارِض، وإيضاح كثير من الحِكَم والأسرار التي من أجلها حرَّم الله التصوير، وحذَّر منه رسوله ﷺ بأنواع التحذير، وأخبر أن المصورين أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وأن مَن صَوَّر صورةً في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ.
وكل مَن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب وما أحدثه الناس اليوم من التوسُّع في التصوير وانتشاره في كل مكان والعناية بتصوير الزعماء والرؤساء والنساء الخليعات وغيرهم - علم الكثير من حكمة الشارع في النهي عن التصوير والتحذير منه، وعرف الكثير من مفاسد ذلك ومضارِّه على المجتمع في دينه وأخلاقه، وفي ديناه وسلوكه، وفي سائر أحواله وشؤونه.
ولقد غلط غلطًا فاحشًا مَن فرَّق بين التصوير الشمسي والتصوير النحتي، وبعبارة أخرى بين التصوير الذي له ظل والذي لا ظل له؛ لأن الأحاديث الصحيحة الواردة في هذه المسألة تعمُّ
стр. 3
النوعَين وتنظمها انتظامًا واحدًا، ولأن المضار والمفاسد التي في التصوير النحتي وما له ظل مثل المفاسد والأضرار التي في التصوير الشمسي، بل التصوير الشمسي أعظم ضررًا وأكثر فسادًا من وجوه كثيرة، نسأل الله أن يمنَّ علينا وعلى المسلمين بالعافية من النوعَين جميعًا، وأن يصلح أحوال الأمة وقادتها، وأن يهدي الجميع صراطه المستقيم.
وإني أنصح كلَّ مَن وقعت في يده هذه الرسالة أن يقرأها من أولها إلى آخرها، وأن يتدبر ما فيها من الأحاديث والفوائد وكلام أهل العلم؛ لعله بذلك يتضح له الحق، ويطمئن قلبه إلى ما دلت عليه النصوص من تحريم التصوير والتنفير منه؛ فينفع نفسه وينفع غيره، ويقوم بما أوجب الله عليه من الدعوة إلى الحق والتحذير من خلافه، وقد قال الله : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]، وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: ((لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَمِ))، وقال ﷺ : ((مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله))، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبة ومَن اهتدى بهداة إلى يوم الدين.
نائب رئيس الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة
عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
* * *
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولى المتقين، وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى إخوانه النبيين، ورضي الله عن أتباعهم إلى يوم الدين.
وبعد، ففي تصوير الصالحين والوجهاء والنساء الخليعات والممثلات ونحوهم ما يفسد العقيدة أو يضعفها، وما يوجب الفتنة ويثير الشر، مع ما في ذلك عمومًا من المضاهاة بخلق الله والتشبه بالمشركين وأهل الزيغ والانحلال في تصويرهم لصالحيهم وزعمائهم ونسائهم، ومساعدتهم على ما قصدوا معه غزو البلاد الإسلامية بهذه الصور الفتَّانة إفساد الأخلاق وإضعافًا للغيرة، وإغراء لنا بما فُتِنوا به؛ حتى نقلدهم في صنيعهم ونسلك مسلكهم، ونصاب في عقائدنا بما أصيبوا به من الشرك والإلحاد، ويذهب ما لدينا من عفاف وسلامة في الأخلاق ومحافظة على الأعراض، ويهون علينا انتهاك الحرمات.
من أجل هذا وغيره وردت النصوص عن الرسول ﷺ بتحريم التصوير، ولعن المصورين وتوعدهم بالعذاب الأليم يوم القيامة؛ مما يدل على أن ذلك من الكبائر وعظيم والجرائم، كما جاء النهي عن اتخاذها وتحريم تعليقها مطلقًا بالمساكن والمؤسسات الثقافية والشركات والنوادي
стр. 5
والدكاكين ونحوها، على النوافذ أو الأبواب أو الجدران، مجسمة أو غير مجسمة، تعظيمًا لها أو أحياء لذكرى صاحبها أو لغير ذلك من المقاصد والأغراض.
هذا، وقد اطلعت على ما كتبه الأخ الفاضل الشيخ: حمود بن عبدالله التويجري فوجدته - والحمد لله - وافيًا بالمطلوب مستقصيًا لأطراف الموضوع؛ فقد أتى على الأدلة التي تحرم ذلك وتحذر منه، والتي تصرح بفحش الجريمة وسوء عاقبة فاعلها، ومصير الأمة التي يفشو فيها ذلك دون نكير، مع البيان لوجه الدلالة من الأدلة والاستقصاء لما فيها من الفوائد، وذكر الطرق المتعددة للأحاديث ونسبها إلى دواوينها، وتبيين درجتها وشرح الحكمة التي رُوعِيت فيما دلت عليه النصوص من الأحكام؛ ليكون أرجى لقبول العقول، وأدعى إلى اطمئنان النفوس لما تضمنته الرسالة، وذكر آراء العلماء في المسألة؛ للاستئناس وقطعًا لأعذار مَن يتعلق بأقوال المجتهدين ويتعلل بها لهواه، وبيَّن كيف أفضت صور الصالحين قديمًا إلى الشرك وعبادة غير الله، وإلى الفتنة وانتشار الفاحشة وقضاء الوطر في غير ما أحل الله، وأيَّد ذلك بما ذكر من الآثار والوقائع التاريخية.
ولقد جاءت هذه الرسالة المباركة - إن شاء الله - في وقت افتتن الناس فيه بالتصوير وتعليق الصور في شتى الأماكن، مع الارتياح إليها وعدم المبالاة بمخالفتها نصوص الشرعية، حتى أنس الجمهور بها زعموا أنها مباحة أو هوَّنوا الأمر فيها لما شاهد، وأَمِن كثرة الصور في البلاد
стр. 6
الإسلامية على مرأى من المتعلمين وقلة المنكرين، ولو علموا سنة الله في خلقة وأن الباطل لا حياة له مع يقظة الحق وأهله وعناية الدعاة إليه بنشره وتأييده، وأن الباطل إنما يصول ويجول حينما يندرس العلم ويذهب العلماء، أو حينما يغفل رجال الدين عن واجبهم أو يداهنوا غيرهم، أو تضعف شوكتهم ولا يجدون من ورائهم مَن ينفذ مقالتهم أو ينصرهم في أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
أسأل الله أن ينفع بهذه الرسالة مَن قرأها أو سمعها، وأن يجزي مَن ألفها عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يبصر المسلمين جميعًا أئمتهم ورعيتهم علماءهم والأميين منهم بأمر دينهم، ويوفقهم للأخذ به والوقوف عند حدوده، فإنه - سبحانه - القوي العزيز الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم.
حرر في ١٩/ ١/ ١٣٨٢ هـ
عبدالرزاق عفيفي
المدرس بكلية الشريعة بالرياض
* * *
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتفرد بالخلق والتدبير، الذي أتقن كل شي خلقة وصوَّر فأحسن التصوير، تعالى عن أن يكون له شريك أو نظير، ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله وهو عن الإيجاد عاجز حقير، لا يقدر على خلق ذرة ولا بعوضة ولا حبة من شعير، وهو مع ذلك ينازع الله فيما اختص به من التصوير، فويل للمصورين من عذاب السعير، فكل مصور في النار كما أخبر بذلك البشير النذير، ومَن أمر بالتصوير أو رضي به فهو شريك لفاعل هذا الذنب الكبير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا وزير ولا ظهير، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي كسر الأصنام ومحا التصاوير، وحذر من صناعتها واتخاذها غاية التحذير.
اللهم صلِّ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه نجوم الهداية والتبصير، وعلى مَن سلك سبيلهم من كبير وصغير، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فقد قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، قال عكرمة: نزلت في المصوِّرين؛ ذكره البغوي وابن كثير ورواه أبو نعيم في "الحلية".
стр. 8
وفي هذه الآية على هذا التفسير أبلغ تحذير من التصوير، ومثل ذلك ما في الأحاديث الصحيحة كما سيأتي ذكرها - إن شاء الله تعالى - وقد عظُمت البلوى بصناعة الصور وبيعها وابتياعها، وافتتن باقتنائها واقتناء الجرائد والمجلات والكتب التي فيها ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين فضلاً عن غيرهم، وصار نصبها في المجالس والدكاكين عادة مألوفة عند كثير من الناس، ومَن أنكر ذلك عليهم أو أنكر صناعتها فأقل الأحوال أن يستهزئوا به ويهمزوه ويلمزوه، وهذا دليل على استحكام غربة الإسلام، وظهور الجهل بما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ وما أمر به من هدم الأوثان وكسر الأصنام والصلبان وطمس الصور ولطخها، فالله المستعان.
وهذا المنكر الذميم - أعني: صناعة الصور ونصبها في المجالس وغيرها - موروث عن قوم نوح ثم عن النصارى ومَن بعدهم، وكذلك عن مشركي العرب؛ فإنهم كانوا يصنعون الصور وينصبونها كما ستأتي الإشارة إلى ذلك من الأحاديث التي ستأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى.
ولكن كان عملها واتخاذها قليلاً عند مشركي العرب بالنسبة إلى النصارى، وقد صوَّر مشركو قريش في جوف الكعبة صورًا؛ منها: صورة إبراهيم، وصورة إسماعيل، وصورة مريم في حجرها عيسى - عليهم الصلاة والسلام -
стр. 9
فالمصورون من هذه الأمة متشبِّهون بقوم نوح وبالنصارى وبمشركي العرب.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((مَن تشبه بقوم فهو منهم))؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث ابن عمر ﵄ وصححه ابن حبان.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمة الله تعالى -: إسناده جيد، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: إسناده حسن، قال شيخ الإسلام: وقد احتجَّ الإمام أحمد وغيره بهذا الحديث، قال: وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم؛ كما في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، انتهى.
وفي "جامع الترمذي" عن عبدالله بن عمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((ليس منا مَن تشبه بغيرنا)).
وفي هذين الحديثين كفاية في التحذير من مشابهة قوم نوح والنصارى ومشركي العرب وطوائف الإفرنج وغيرهم من اسم الكفر والضلال في صناعة الصور واتخاذها.
ومَن أصر على مشابهتهم فلا يأمن أن يحشر معهم يوم القيامة؛ فقد قال الله - تعالى -: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢].
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: أزواجهم أشباههم، وكذا قال ابن عباس والنعمان بن بشير ﵃ يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم.
стр. 10
وقال قتادة والكلبي: كل مَن عمل مثل عملهم.
وقال الله - تعالى -: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧]، قال: ابن كثير: أي: جمع كل شكل إلى نظيره.
وروى ابن أبي حاتم عن النعمان بن بشير ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: ((الضُّرَباء كل رجل مع كل قوم كانوا يعملوا عمله)).
وروى ابن أبي حاتم أيضًا عن النعمان بن بشير ﵄ أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس فقرأ: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] فقال: تزوجها أن تؤلف كل شيعة إلى شيعتهم، وفي رواية قال: هما الرجلان يعملان العمل فيدخلان به الجنة أو النار.
وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: الأمثال من الناس جمع بينهم، قال ابن كثير: وكذا قال الربيع بن خثيم والحسن وقتادة، واختاره ابن جرير وهو الصحيح، انتهى.
وفي هذه الآية والآية قبلها وعيد شديد لِمَن تشبه بأعداء الله - تعالى - في صناعة الصور واتخاذها وفي غير ذلك من الأمور المحرمة.
* * *
стр. 11
فصل
وقد كان بدء الشرك في بني آدم بسبب الصور؛ كما قال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن موسى، عن محمد بن قيس في قوله: ﴿وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] قال: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصورهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر فعبدوهم.
وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي المطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر وهو قائم يصلي يزيد بن المهلَّب قال: فلما انتقل من صلاته قال: ذكرتم يزيد بن المهلَّب أما إنه قتل في أول أرض عُبِد فيها غير الله قال: ثم ذكروا رجلاً مسلمًا وكان محببًا في قومه، فلما مات اعتكفوا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان ثم قال: إني أرى جزعكم على هذا الرجل فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه؟ قالوا: نعم، فصوَّر لهم مثله قال: وضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل في منزل كل رجل منكم تمثالاً فيكون له في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم، قال: فمثل لكل أهل بيت تمثالاً مثله فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا
стр. 12
يرون ما يصنعون به قال وتناسلوا ودَرَسَ أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم، فكان أول ما عُبِد من دون الله ود الصنم الذي سموه ودًّا.
وقال البخاري في "صحيحه": حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج، وقال عطاء: عن ابن عباس ﵄ صارت الأوثان التي في قوم نوح في العرب بعد، أما ودُّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابًا وسموها بأسمائهم ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عُبِدت.
فهذا ما آل إليه أمر الصور في قوم نوح فمَن بعدهم من المشركين، وأما النصارى فكانوا يعبدون الصور التي لا ظل لها؛ كما في الصحيحين عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ﵄ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا ذلك للنبي ﷺ فقال: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصوَّروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
стр. 13
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": إنما فعل ذلك أوائلهم؛ ليتأنَّسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فاعبدوها، فحذَّر النبي ﷺ عن مثل ذلك؛ سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك.
وذكر الحافظ أيضًا أن النصارى كانوا يصورون صورة مريم والمسيح وغيرهما ويعبدونها، وقال أيضًا: كان غالب كفر الأمم من جهة الصور.
وذكر ابن القيم - رحمة الله تعالى - في كتاب "الإغاثة" أمثلة كثيرة من تلاعب الشيطان بالنصارى قال فيها: وتلاعَب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها، فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجس وبطرس وغيرهم من القديسين عندهم والشهداء، وأكثرهم يسجدون للصور ويدعونها من دون الله - تعالى - حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابًا يحتج فيه للسجود للصور بأن الله - تعالى - أمر موسى ﵇ أن يصور في قبة الزمان صورة الساروس، وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل، ثم قال في كتابه: وإنما مثل هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عمَّاله كتابًا فيأخذه العامل ويقبله ويضعه على عينيه ويقوم له لا تعظيمًا للقرطاس
стр. 14
والمداد بل تعظيمًا للملك، كذلك السجود للصور تعظيم لاسم ذلك المصور لا للأصباغ والألوان.
قال ابن القيم - رحمة الله تعالى -: وبهذا المثال بعينه عُبِدت الأصنام، وما ذكره هذا المشرك عن موسى وسليمان ﵉ لو صحَّ لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود أنه نقش خطيئته في كفه كي لا ينساها.
فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين يدي تلك الصور، وإنما المثل المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدمِ الملك دخل على رجل فوثب الرجل من مجلسه وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك، وكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله؛ إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي له أن يخص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل، ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك له وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه ورفع منزلته، كذلك حال مَن سجد لمخلوق أو لصورة مخلوق؛ لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ما يتوصل به العبد إلى رضا الرب، ولا يصلح الإله ففعله لصورة عبد من عبيده وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء؛ ولهذا قال - تعالى -: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، انتهى.
وقد روى الإمام أحمد في "مسنده" والترمذي في "جامعه" وابن خزيمة
стр. 15
في كتاب "التوحيد" بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطلع عليهم رب العالمين فيقول: ألا يتبع كل أناس ما كانوا يعبدون، فيمثل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصوير تصويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كان يعبدون)) الحديث؛ قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وفي "مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: ألا لتلحق كل أمة بما كانت تعبد، فلا يبقى أحدٌ كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا صورة إلا ذهبوا حتى يتساقطوا في النار ...)) الحديث، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا السياق.
والغرض من هذين الحديثين بيان أن الصور كانت من معبودات المشركين؛ فمنهم مَن كان يعبد الصور المجسمة، ومنهم مَن كان يعبد الصور التي ليس لها ظل.
وإذا عُلِم أن عبادة الأصنام في قوم نوح كان سببها تصوير الصالحين ونصب صورهم في المجالس،
стр. 16
وعُلِم أيضًا أن النصارى كانوا يصورون صور القديسين عندهم ويسجدون للصور ويدعونها من دون الله - تعالى - فما يؤمن جُهَّال المسلمين أن يكون في أولادهم وأولاد أولادهم مَن يعبد الصور التي ينصبونها في مجالسهم ودكاكينهم، ولا سيما صور الملوك والوزراء، ونحوهم من الكبراء الذين قد افتتن السفهاء بتصويرهم ونصب صورهم في المجالس والدكاكين أكثر مما افتتنوا بغيرهم.
وأعظم من ذلك أنه قد اتخذ نصب صور بعضهم رسميًّا في كثير من المجالس الرسمية في زماننا وهذا عين المحادة لله - تعالى - ولرسوله ﷺ وقد قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣].
وما يفعله هؤلاء العصاة من تصوير الكبراء ونصب صورهم في المجالس وغيرها لا يشك عاقل شمَّ أدنى رائحة من العلم النافع أنه مثل ما فعله قوم نوح من تصوير الصالحين ونصب صورهم في المجالس سواء بسواء؛ وهذا مصداق قوله ﷺ ((لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع)).
стр. 17
وما وقع من قوم نوح والنصارى وغيرهم من الشرك الأكبر بسبب الصور لا يبعد أن يقع مثله في آخر هذه الأمة؛ فالواجب على ولاة أمور المسلمين أن يمنعوا رعاياهم من صناعة التصاوير واتخاذها، وأن يطمسوا ما يوجد منها؛ عملاً بقول النبي ﷺ لعلي ﵁: ((لا تدع صورة إلا طمستها)).
وقد أخبر الله ﵎ عن خليله إبراهيم ﵊ أنه قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
فإذا كان خليل الرحمن أمام الحنفاء ووالد مَن بعده من الأنبياء قد خاف على نفسه وعلى بنيه من عبادة الأصنام، مع أنه قد كسرها بيده، مع أنه كان معصومًا عن عبادتها، فكيف لا يخاف عبادتها من ليس بمعصوم؟!
ولهذا قال: إبراهيم التيمي: ومَن يأمن البلاء بعد إبراهيم؛ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ومن أعظم أسباب البلاء نصب الصور في المجالس والدكاكين وغيرها مما قد افتتن به كثير من الناس في هذه الأزمان، و الصور داخله في مسمى الأصنام عند أهل اللغة؛ فتدخل فيما دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادتها.
стр. 18
قال ابن الأثير: قد تكرر ذكر الصنم والأصنام وهو ما اتُّخِذ إلهًا من دون الله، وقيل: هو ما كان له جسم أو صورة، فإن لم يكن له جسم أو صورة فهو وثن.
وقال أيضًا: الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة كصورة الآدمي تعمل وتنصب فتعبد، والصنم الصورة بلا جثة، ومنهم مَن لم يفرق بينهما وأطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي بن حاتم: قدمت على النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب فقال لي: ((ألقِ هذا الوثن عنك)).
قلت: هذا الحديث رواه البخاري في "التاريخ الكبير"، والترمذي وقال: حسن غريب.
ومن إطلاق الوثن على الصليب قول الأعشى:
يَطُوفُ العُفَاةُ بِأَبْوَابِهِ كَطَوْفِ النَّصَارَى بِبَيْتِ الوَثَنْ
قال الأزهري: عن شمر: أراد بالوثن الصليب، نقله عنه ابن منظور في "لسان العرب".
قال الحافظ ابن حجر: بين الوثن والصنم عموم وخصوص وجهي؛ فإن كان مصورًا فهو وثن وصنم، انتهى.
وقد جاء عن على ﵁ عن النبي ﷺ أنه سمى
стр. 19
الصورة ضمنًا، وسيأتي هذا الحديث في آخر الأحاديث التي ستأتي قريبًا - إن شاء الله تعالى.
إذا تقرر هذا فكيف يستجيز المسلم صناعة الصور ونصبها في مجلسه أو دكانه وهي من الأصنام التي تُعْبَد من دون الله - تعالى؟ وكيف يستحل المسلم بيعها وأكل ثمنها وذلك حرام عليه؛ لما في الصحيحين و"المسند" و"السنن" عن جابر بن عبدالله ﵄ أنه سمع رسول ﷺ يقول وهو بمكة عام الفتح: ((إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ...)) الحديث؛ قال الترمذي: حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم؟
وقال الخطابي: في تحريمه ثمن الأصنام دليلٌ على تحريم بيع جميع الصور المتَّخذة من الطين والخشب والحديد والذهب والفضة وما أشبه ذلك من اللعب ونحوها.
قلت: وكذلك فيه دليل على تحريم بيع الصور المرقومة والمأخوذة بالآلة الفوتوغرافية؛ لأنها من جملة الأصنام.
ومن أعظم الصور تحريمًا على البائع المبتاع والمتَّخذ ما يُصْنَع في زماننا من المطاط على صور النساء فإذا نفخت لم يفرق الرائي بينها وبين الآدميات في الصورة الظاهرة، وكثير من الكَفَرة ومَن فسَّاق المسلمين يستعملونها للجماع بدل الآدميات، وذلك حرام كالزنا، وقد فشا بيعها وابتياعها في كثير من البلدان التي ينتسب أهلها
стр. 20
إلى الإسلام من غير نكير إلا أن يكون من أفراد قليلين مستضعفين لا يؤبه لهم ولا يستمع إلى قولهم، فالله المستعان.
وبائع هذه الصور الفتانة قد جمع بين إثمين عظيمين؛ أحدهما: بيع الأصنام، والثاني: الإعانة على فعل الفاحشة، إذ قد ثبت أنها تثير شهوة الرجال كما تثيرها الحسناء من الآدميات، وتدعو ذوي القلوب المريضة إلى الفجور بها كما تدعو إلى ذلك الحسناء من الآدميات.
وقد نص العلماء على أنه لا يجوز بيع الأمرد ممَّن علم أنه يفجر به، ولا يبع الأمة ممَّن يطؤها في الدبر، وهكذا يقال في بيع صور النساء والمردان؛ لأن الغالب على مشتريها أنه إنما يشتريها لفعل الفاحشة بها.
وقد حرم الله ﵎ جماع ما عدا الزوجات والسراري؛ فقال - تعالى - في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
فدلت الآية الثانية بمفهومها على أن الجامعِين للصور المصنوعة ملومون على جماعها، ودلت الآية الثالثة بالنص على أنهم عادون - والله أعلم.
فإن قال جاهل: إن الصور المصنوعة من ملك اليمين فيجوز وطئها
стр. 21
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الصور من الأصنام كما تقدم بيان ذلك قريبًا، سواء في ذلك الجسد منها وغير الجسد، والأصنام لا تدخل في ملك اليمين أصلاً لا بصناعة ولا ابتياع، ولا اتهاب ولا إرث، ولا غير ذلك من أسباب التملك؛ لأنها محرمة من جميع الوجوه فصناعتها حرام وبيعها حرام وابتياعها حرام واتخاذها حرام، ومتى وجدت فالواجب إتلافها؛ لأنها من أعظم المنكرات.
الثاني: أن ملك اليمين الذي أباحه الله ﵎ في الآية الكريمة خاصٌّ بالآدميات فيجوز للمالك وإذا خلون من الموانع ما عداهن من ملك اليمين فهو حرام كالغلمان والبهائم، ومثل الغلمان في التحريم أدبار الإماء، كما تدل على ذلك أحاديث كثيرة ليس هذا موقع ذكرها.
* * *
فصل
و من المنكر المستهجَن تقبيل الصور المصنوعة على صور النساء والمردان الحسان كما يُذْكَر ذلك عن بعض السفهاء، وكما أن هذا مستقبح عند كل عاقل فهو أيضًا من أنواع الزنا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((والفم يزني وزناه القُبَل))؛ رواه أبو داود بإسناد جيد، وأصله في مسلم.
* * *
стр. 22
فصل
ومن أعظم المنكرات وأقبح التهوُّكات ما يُفْعَل في بعض الأقطار التي ينتسب أهلها إلى الإسلام من فتح المدارس لتعليم صناعة التصوير الملعون فاعله، ويسمون تلك المدارس الفنون الجميلة.
وكل مَن في قلبه حياة وله أدنى معرفة بما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ لا يشك أن فتح تلك المدارس والتعليم والتعلم فيها هو عين المحادة لله - تعالى - ولرسوله ﷺ وقد قال الله - تعالى -: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣].
ومن القبائح والفضائح التي ذُكِرت عن تلك المدارس المؤسسة على معصية الله - تعالى - ومعصية رسوله ﷺ أنهم يصوِّرون فيها الفاجرات الماجنات عاريات على أوضاع مختلفة؛ قائمات، وقاعدات، ومضطجعات، وهذا عين ما يفعله أهل الخلاعة من دول الإفرنج وغيرهم من أعداء الله - تعالى - ومَن تشبه بقوم فهو منهم، وفي هذه الأفعال الشنيعة من الترغيب في الفجور والدعاء إلى الإباحية ما لا يخفي على عاقل.
وقد روى البخاري في "صحيحه" وأبو داود وابن ماجه في سننيهما عن أبي مسعود عقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت))،
стр. 23
وتفسيره على أحد الأقوال: أن الذي لا يستحي يفعل ما شاء من القبائح ولا يبالي، وهكذا أهل تلك المدارس الملعونة هي وأهلها لا يبالون بفعل القبائح؛ إذ لا دين يردعهم عما حرمه الله - تعالى - ورسوله ﷺ ولا حياء ولا مروءة يمنعانهم من تعاطي الأمور القبيحة.
وقد قال الله - تعالى -: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨].
وقال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
* * *
فصل
وقد تواترت الأدلة على تحريم التصوير ومشروعية طمْس الصور، وفيها الوعيد الشديد للمصورين، والأخبار بأن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة.
وقد تقدم ما رواه أبو نعيم في "الحلية" وذكره غير واحد من المفسرين عن عكرمة في قول الله - تعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧]، قال: هم أصحاب التصاوير.
стр. 24
وأما الأحاديث: فالأول منها ما رواه الإمام أحمد والشيخان عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير قال: دخلت مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم فرأى فيها تصاوير وهي تبنى فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((بقول الله : ومَن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو فليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة))، وهذا لفظ أحمد، ولفظ مسلم ونحوه.
ولفظ البخاري قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة فرأى في أعلاها مصورًا يصور فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة)).
وروى أيضًا المرفوع منه في موضع آخر من "صحيحه" بنحو رواية أحمد ومسلم، ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال الله : ومَن أظلم ممن يخلق كخلقي، فليخلقوا بعوضة، أو ليخلقوا ذرة)).
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": قوله: ((كخلقي)) التشبيه في فعل الصورة وحدها لا من كل الوجوه، وقال أيضًا: نسب الخلق إليهم على سبيل الاستهزاء أو التشبيه في الصورة فقط.
قلت: والأخير أقرب - والله اعلم.
стр. 25
وفي هذا الحديث القدسي عدة فوائد؛ إحداها: تحريم التصوير لما فيه من المضاهاة بخلق الله - تعالى - وذلك من أعظم الظلم.
وقد روى مسلم في "صحيحه" والبخاري في "الأدب المفرد" وأبو داود الطيالسي في "مسنده" من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروى عن الله ﵎ أنه قال: يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا.
قال النووي - رحمه الله تعالى -: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم وهو من الكبائر؛ لأنه مُتَوَعَّد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها.
قال: ولا فرق في هذا كله بين ماله ظل وما لا ظل له، هذا تلخيص مذهبنا في المسألة وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.
وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصورة التي ليس لها ظل، وهذا مذهب باطل، انتهى.
وستأتي تتمة كلامه مع الكلام على حديث عائشة ﵂، إن شاء الله تعالى.
الثانية: أن التصوير من الكبائر ؛ كما يدل على ذلك قول الله - تعالى -
стр. 26
في هذا الحديث: "ومَن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي"، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة، كما سأنبه على كل منها في موضعه - إن شاء الله تعالى.
وقد ذكر بعض الفقهاء أن المصور لا تقبل شهادته؛ لأنه فاسق.
الثالثة: التنفير من التصوير.
الرابعة: الحكم على المصورين بأنهم من أظلم الظالمين؛ لأنهم عمدوا إلى ما اختصَّ به الرب ﵎ من الخلق والتصوير فصنعوا على مثاله ليضاهئوا بخلق الله، وذلك جور منهم ومجاوزة للحد، ووضع للشيء في غير موضعه وهذا هو حقيقة الظلم، كما نص على ذلك أئمة اللغة وغيرهم من العلماء.
قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: الظلم وضع الشيء في غير موضعه، زاد الراغب الأصفهاني: إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته أو مكانه، قال: والظلم في مجاوزة الحق.
وقال الهروي وابن الأثير: أصل الظلم الجور ومجاوزة الحد.
قلت: وهذا القول يرجع إلى ما قاله الجوهري؛ لأن الجور ومجاوزة الحد من وضع الشيء في غير موضعه، إذا كان المعتدي على حقوق الخلق ظالمًا جائرًا فالمصور أَوْلَى بأن يكون ظالمًا جائرًا؛ لأنه قد تعاطى ما ليس له بحقٍّ ونازع الرب ﵎ في أفعاله وخصائصه التي لا يشركه فيها أحد.
стр. 27
الخامسة: أن في وصف المصورين بالظلم العظيم إشعار بالوعيد الشديد لهم بدليل قول الله - تعالى -: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
وفي "صحيح مسلم" و"سنن أبي داود" وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((قال: الله : الكبرياء ردائي والعظمة أزاري، فمن نازعني واحدًا منها قذفته في النار))، وروى مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ نحوه.
وروى الطبراني في "الصغير" من حديث علي ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، وهكذا الأمر في المصورين لمشاركتهم للمتكبرين والمتعظمين في الملة التي اقتضت قذفهم في النار، وهي منازعتهم للرب ﵎ في خصائصه التي لا يشركه فيها أحد.
وسيأتي النص الصريح على أن كل مصور في النار وأنه يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم، وأن المصورين من أشد الناس عذابًا يوم القيامة.
السادسة: أن في قوله: ((فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة)) تبكيتًا لهم وتعجيزًا، قال النووي: معناه فليخلقوا ذرة فيها روح تتصرف بنفسها كهذه الذرة التي هي خلق الله - تعالى - وكذلك: ((فليخلقوا حبة حنطة أو
стр. 28
شعير))؛ أي: ليخلقوا حبة فيها طعم تؤكل وتزرع تنبت، ويوجد فيها ما يوجد في حبة الحنطة والشعير ونحوهما من الحب الذي يخلقه الله - تعالى - وهذا أمر تعجيز، انتهى.
السابعة: أنه لا فرق بين الصور المجسدة وغير المجسدة، فكل من النوعين صناعته حرام وظلم عظيم، وهذا هو الذي فهمه أبو هريرة ﵁ قال ابن بطال: فهم أبو هريرة أن التصوير يتناول ما له ظل وما ليس له ظل، فلهذا أنكر ما يُنْقَش في الحيطان.
قلت: والأدلة على ما فهمه أبو هريرة ﵁ كثيرة في الأحاديث الآتية وسأنبه عليها - إن شاء الله تعالى.
الثامنة: فيه الرد على صاحب الأغلال وأضرابه من الزنادقة المارقين من دين الإسلام؛ فقد زعم عدو الله أن بني آدم قد يقدرون على خلق الإنسان وغيرة من الحيوان، قال في الصفحة السابعة والستين من أغلاله: وإنا لنخشى أو نرجو وقد تحقق الأيام أي الأمرين أحسن أن يأتي الزمن الذي يقال فيه الإنسان الصناعي والحيوان الصناعي.
وهذا ما لا يزال العلم أمامه حيران عاجزًا ولكنه لم يعترف بالعجز ولم يفكر في الاستسلام للإخفاق، بل ما فتئ يهاجم ويناضل يعزم مَن يعلم أنه منتصر لا محالة، هذا لفظة بحروفه.
стр. 29
والجواب أن يقال له ما قال الله - تعالى - لأشباهه وسلفه: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥].
ويقال أيضًا: قد دلَّ الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على أن خلْق جميع الأشياء وإيجاد الحياة في كل مخلوق هي من خصائص الرب ﵎ التي لا يشاركه فيها أحد، وهذا مما لا يشك فيه مسلم، وجميع الأديان السماوية متفقة على هذا.
وقد كان المشركون الأوَّلون مقرِّين به، كما أخبر الله ﵎ بذلك عنهم في آيات كثيرة من كتابه، فهم أحسن حالاً من صاحب الأغلال وأضرابه من الزنادقة الذين يدندنون حول تشريك المخلوقين مع الخالق في خصائص الربوبية.
ويقال أيضًا لصاحب الأغلال: لا يشك مسلم أن ظنك كاذب وأن رجاءك خائب، فلن يأتي الزمن الذي توهمته بعقلك الفاسد أبدًا، ولن يقدر أعداء الله على خلق ذرة ولا بعوضة ولا حبة شعير فضلاً عن خلق الإنسان، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا ذرة واحدة أو حبة واحدة لما قدروا على ذلك ولو جمعوا جميع قواهم وأسبابهم، وقول الخبيث: وهذا ما لا يزال العلم أمامه حيران ... إلى آخره يعني بذلك علم أهل الصناعات الكيماوية، وجوابه أن يقال: ولا يزال علمهم كذلك حيران عاجزًا أبد الآبدين، ومَن شك في هذا فليس بمسلم.
وكيف يكون مسلمًا مَن يشك في تفرد الرب ﵎ بخصائص الربوبية
стр. 30
أبدًا كما كان متفردًا بذلك في الأزل؟ ولا يشك مسلم أن مهاجمة أعداء الله - تعالى - ومناضلتهم في إيجاد الحياة ستذهب سدًى، ولو فعلوا من الرسائل والأسباب ما فعلوا فمآلهم إلى العجز والإخفاق لا محالة، ومَن شك في عجزهم وإخفاقهم في هذا فقد شك في وحدانية الله - تعالى - وتفرده بخصائص الربوبية، ومَن شك في وحدانية الله - تعالى - وتفرده بالربوبية فهو ضالٌّ كافر.
وقد أقام عدو الله الظنون الكاذبة من الكفَرة الفجَرة مقام العلم المحقق الذي لا بُدَّ أن يكون معلومًا، وهذا من تهوُّره الخبيث وجراءته على الله - تعالى - وجهله بعظمته وجلاله، وكبريائه وتفرده بالخلق والأمر، فلا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته وأفعاله، ومن ظن أو رجا أن يكون لله شركاء في ربوبيته وأفعاله يخلقون أناسيَّ وحيوانات مثل مخلوقاته فما قدر الله حقَّ قدره، ومَن اغترَّ بظنون أعداء الله - تعالى - وجعلها علمًا محققًا لا بُدَّ أن تكون معلومة فهو من أحمق الناس وأقلهم عقلاً وليس وراء جهله وغروره جهل وغرور، فالحمد لله الذي عافاني وإخواني المسلمين مما ابتلى به صاحبَ الأغلال وأمثاله، ونسأله - تعالى - أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.
الحديث الثاني: عن عائشة ﵂ وله أربع طرق:
الطريق الأولى: عن القاسم بن محمد عنها ﵂ وقد روي عن القاسم من خمسة أوجه:
стр. 31
الوجه الأول: عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه أنه سمع عائشة ﵂ تقول: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلمَّا رآه هتكه وتلوَّن وجهه، وقال ﷺ : ((يا عائشة، أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله))، قالت عائشة ﵂ فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين؛ رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية النسائي: بقرام فيه تصاوير.
وفي رواية ابن ماجه: بستر فيه تصاوير.
وفي رواية لمسلم قالت: دخل النبي ﷺ عليَّ وقد سترت نمطًا فيه تصاوير فنحَّاه فاتخذت منه وسادتين.
وفي رواية له وللنسائي أنها نصبت سترًا فيه تصاوير فدخل رسول الله ﷺ فنزعه قالت: قطعته وسادتين، فقال رجل في المجلس حينئذ يقال له ربيعة بن عطاء مولى بني زهرة: أفما سمعت أبا محمد يذكر أن عائشة ﵂ قالت: فكان رسول الله ﷺ يرتفق عليهما، قال ابن القاسم: لا، قال: لكني قد سمعته، يريد القاسم بن محمد، هذا لفظ مسلم.
وفي رواية له وللنسائي قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير فجعلته إلى سهوة في البيت فكان رسول الله ﷺ يصلي إليه ثم قال: ((يا عائشة، أخريه عنِّي))، فنزعته فجعلته وسائد.
стр. 32
ورواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" بنحوه.
الوجه الثاني: عن الزهري عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا متسترة بقرام فيه صورة فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه ثم قال: ((إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله))؛ رواه مسلم والنسائي، وهذا لفظ مسلم.
الوجه الثالث: عن نافع عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها أخبرته إنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت: يا رسول الله، أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؟ قال: ((ما بال هذه النمرقة))، فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله ﷺ : ((إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم))، وقال: ((إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة))؛ رواه مالك والشيخان وأبو داود الطيالسي في "مسنده".
وروى النسائي وابن ماجه منه قوله: ((إن أصحاب الصور يعذَّبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم)).
وفي رواية للبخاري أن النبي ﷺ لما رأى التماثيل قام بين البابين وجعل يتغير وجهه.
стр. 33
وفي رواية لمسلم قالت: فأخذته فجعلته مرفقتين فكان يترفَّق بهما في البيت.
الوجه الرابع: عن سماك عن القاسم بن محمد، عن عائشة زوج النبي ﷺ ، ورضي الله عنها - أنها قالت: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يضاهون الله في خلقه؛ رواه النسائي هكذا موقوفًا وله حكم الرفع كنظائره.
الوجه الخامس: عن ربيعة بن عطاء مولى بني زهرة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ وقد تقدمت هذه الرواية مع الرواية الثالثة من روايات عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه.
الطريق الثانية: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قدم النبي ﷺ من سفر وعلقت درنوكًا فيه تماثيل فأمرني أن أنزعه فنزعته؛ متفق عليه، وهذا لفظ البخاري.
ولفظ مسلم قالت قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت على بابي درنوكًا فيه الخيل ذوات الأجنحة فأمرني فنزعته.
وقد رواه النسائي بنحو رواية مسلم.
الطريق الثالثة: عن سعد بن هشام عن عائشة ﵂ قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله،
стр. 34
فقال لي رسول الله ﷺ : ((حولي هذا؛ فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا))؛ رواه مسلم والنسائي.
ورواه الترمذي بمعناه وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
الطريق الرابعة: عن زيد بن خالد الجهني ﵁ عن عائشة ﵂.
وستأتي هذه الرواية مع حديث أبي طلحة ﵁.
وقد اشتمل حديث عائشة ﵂ على فوائد كثيرة إحداها تحريم التصوير، ويستفاد ذلك من إنكار النبي ﷺ لنصب الستر الذي فيه الصور، ومن هتْكه له، ومن تلوُّن وجهه لما رآه، ومن الوعيد الشديد للمصورين.
الثانية: أنه من الكبائر؛ لما جاء فيه من الوعيد الشديد.
الثالثة: أن علة التحريم هي المضاهاة بخلق الله - تعالى - وذلك من أعظم الظلم كما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ والمضاهاة هي المشابهة والمماثلة.
وللتحريم علة أخرى وهي أن التصوير ذريعة إلى عبادة الصور كما وقع ذلك لقوم نوح وللنصارى وغيرهم من المشركين،
стр. 35
والذرائع لها حكم الغايات كما هو مقرر عند الأصوليين.
وللتحريم أيضًا علة ثالثة وهي التشبه بالنصارى والمشركين واتباع سنتهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: ((مَن تشبه بقوم فهو منهم))، وكل واحدة من هذه العلل الثلاث تكفي وحدها في تحريم التصوير، فكيف وقد اجتمعت كلها فيه؟ فهذا مما يزيد التحريم شدة وتغليظًا، والله أعلم.
الرابعة: أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصور مجسَّدة أو غير مجسدة؛ لأن الذي أنكره النبي ﷺ في هذا الحديث كان غير مجسَّد، ففيه ردٌّ على مَن زعم أن التحريم خاصٌّ بالصور المجسَّدة كما يقول كثيرٌ من أهل الجهل المركب في زماننا، وقد قال ذلك أناس قبلهم.
قال النووي: وهو مذهب باطل؛ فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشكُّ أحد أنه مرقوم وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة.
وقال الزهري: النهي في الصورة على العموم، وكذلك استعمال ما هي فيه، ودخول البيت الذي هي فيه، سواء كانت رقمًا في ثوب أو غير رقم، وسواء كانت في حائط أو ثوب أو بساط ممتهَن أو غير ممتهَن؛ عملاً بظاهر الأحاديث لا سيما حديث النمرقة.
стр. 36
قال: وهذا مذهب قوي، انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في الكلام على حديث النمرقة: يستفاد منه أنه لا فرق في تحريم التصوير بين أن تكون الصورة لها ظل أو لا، ولا بين أن تكون مدهونة أو منقوشة أو منقورة أو منسوجة، خلافًا لِمَن استثنى النسج وادعى أنه ليس بتصوير، انتهى.
الخامسة: الغضب وتسعر الوجه عند رؤية المنكر.
السادسة: كراهة دخول البيت الذي فيه صورة.
السابعة: إنكار المنكر بحسب القدرة فمَن قدر على التغيير بيده فذلك هو الواجب عليه كما فعل النبي ﷺ في هتْك الستر بيده الكريمة ولا يكفي الإنكار باللسان لِمَن قدر على الإنكار باليد، ومَن لم يستطع بيده فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
الثامنة: هتْك الصور وطمْسها أينما وُجِدت، وسواء في ذلك الصور المجسدة وغير المجسدة.
وقد حكى الإجماعَ على منْع المجسَّدة ووجوب تغييرها غيرُ واحد من العلماء ومنهم النووي وابن العربي المالكي.
قال ابن العربي: وسواء كانت مما يمتهن أم لا.
وقرر الإمام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - تغيير الصورة المجسَّمة وغير المجسمة قال: وكل ما كان من العين أو التأليف المحرَّم فإزالته وتغييره متَّفق عليها بين المسلمين؛ مثل إراقة خمر المسلم،
стр. 37
وتفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور المصورة، وإنما تنازعوا في جواز إتلاف محلِّها تبعًا للحال، والصواب جوازه كما دلَّ عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما، انتهى كلامه - رحمه الله تعالى.
وعمومات الأحاديث التي تقدَّمت والتي ستأتي تقتضي التسوية بين المجسَّدة وغير المجسَّدة في المنْع من صناعتها، ووجوب تغييرها إذا وجدت الأماكن في بساط ونحوه مما يُدَاس بالأرجل، وكذلك ما يكون فيما يُمْتَهَن بالاستعمال كالوسائد ونحوها، فهذه وإن أمكن نقضها بدون نقض يَلحَق ما هي فيه - نقضت والدليل على ذلك فعلُ النبي ﷺ كما سيأتي في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه، وفي رواية تصاوير بدل تصاليب.
وإن لم يمكن نقضها وأمكن لطخ الرأس بخياطة أو صبغ أو غيره مما يطمسه فإنه يلطخ؛ لأن في ذلك تغييرًا للصورة؛ والدليل على ذلك أمر النبي ﷺ كما سيأتي في حديث علي ﵁: ((لا تدع صورة إلا طمستها))، وفي رواية: ((إلا لطختها))، وإن لم يمكن نقضها ولا لطخها تُرِكت بشرط أن تبتذل وتمتهن.
قال النووي: وأما اتخاذ المصوَّر فيه صورة حيوان فإن كان معلَّقًا على حائط أو ثوبًا ملبوسًا أو عمامة ونحو ذلك مما لا يُعَدُّ ممتهَنًا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام.
قلت: والدليل على ذلك رواية ربيعة بن عطاء عن القاسم بن محمد، وما رواه مسلم في حديث النمرقة وغير ذلك من الروايات التي
стр. 38
تقدمت في حديث عائشة ﵂ وما سيأتي في رواية زيد بن خالد ﵁ عن عائشة ﵂، وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ في قصة جبريل كما سيأتي - إن شاء الله تعالى.
وما ذكرته هاهنا فيه جمع بين الأحاديث، والله أعلم.
التاسعة: جواز القعود والاتِّكاء على ما فيه صورة إذا لم يمكن طمسها؛ لأن في وطء الصورة والقعود والاتكاء عليها ابتذالاً وامتهانًا لها.
العاشرة: شدة الوعيد للمصورين.
الحادية عشرة: تكليفهم بما لا يقدرون عليه من نفخ الروح فيما صوروه، والقصد من ذلك طول تعذيبهم وإظهار عجزهم.
قال النووي: وأما قوله ﷺ : ((ويقال لهم أحيوا ما خلقتم)) فهو الذي يسميه الأصوليون أمر تعجيز كقوله - تعالى -: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]، انتهى.
الثانية عشرة: فيه الرد على صاحب الأغلال وأضرابه من الزنادقة الذين يخشون أو يرجون أن يقدر المصورون على نفخ الروح في تصاويرهم.
الثالثة عشرة: قال الحافظ ابن حجر: إن في قوله ﷺ : ((إن
стр. 39
أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة)) اهتمامًا بالزجر عن اتخاذ الصور؛ لأن الوعيد إذا حصل لصانعها فهو حاصل لمستعملها؛ لأنها لا تصنع إلا لتستعمل فالصانع متسبب والمستعمل مباشر فيكون أولى بالوعيد، انتهى.
الرابعة عشرة: امتناع الملائكة من دخول البيت إذا كان فيه صورة.
ولا فرق في هذا بين أن تكون الصورة مجسَّمة أو غير مجسمة؛ لأن (أل) للاستغراق فتعم كل صورة محرمة الصنعة والاتخاذ، وكذلك النكرة في قوله: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة)) تقتضي العموم أيضًا؛ لأنها في سياق النفي فتعم كل صورة من صور ذوات الأرواح.
قال الخطابي في الكلام على هذا الحديث: وأما الصورة فهي كل صورة من ذوات الأرواح كانت لها أشخاص منتصبة أو كانت منقوشة في سقف أو جدار أو مصنوعة في نمط أو منسوجة في ثوب أو ما كان، فإن قضية العموم تأتي عليه فليجتنب، انتهى.
وقد ذكر القرطبي والنووي سبب امتناع الملائكة من دخول البيت الذي فيه الصور ة.
فأما القرطبي فقال في "المفهم": إنما لم تدخل الملائكة البيت الذي فيه الصورة؛ لأن مُتَّخِذها قد تشبَّه بالكفار؛ لأنهم يتخذون الصور
стр. 40
في بيوتهم ويعظمونها، فكرهت الملائكة ذلك فلم تدخل بيته هجرًا له لذلك، انتهى.
وأما النووي فقال في "شرح مسلم": قال العلماء: سبب امتناعهم من بيت فيه صورة كونها معصية فاحشة، وفيها مضاهاة لخلق الله - تعالى - وبعضها في صورة ما يُعْبَد من دون الله - تعالى - فعوقب مُتَّخِذها بحرمانه دخول الملائكة بيته وصلاتها فيه، واستغفارها له، وتبريكها عليه وفي بيته، ودفعها أذى الشيطان، انتهى.
الحديث الثالث: عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة ﵂ قد سترت به جانب بيتها فقال النبي ﷺ : ((أميطي عنِّي قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي))؛ رواه الإمام أحمد والبخاري.
قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة والنفوس الزكية؛ يعني: فضلاً عمن دونها.
قلت: وهذا الحديث شبيه بالرواية الأخيرة عن عبدالرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ﵂ وشبيه أيضًا برواية سعد بن هشام عنها ﵂.
وظاهر هذه الروايات أن النبي ﷺ كان قد أقرَّها على نصب القرام في أول الأمر، ثم أمرها بعد ذلك بنزعه، فعلى هذا يكون الأمر بالنزع ناسخًا للإقرار.
следующие страницы →