Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.
стр. 36
حديث حسن صحيح. ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، ورواه الدارمي من حديث ابن عمر ﵄.
وقد قال النووي في الكلام على هذا الحديث: إن من النصيحة لله تعالى القيام بطاعته، واجتناب معصيته، ومن النصيحة للرسول ﷺ طاعته في أمره، ونهيه، وإحياء طريقته وسنته. ومن النصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، ومن النصيحة لعامة المسلمين تعليمهم ما يجهلونه من دينهم وأمرهم ونهيهم عن المنكر، انتهى المقصود من كلامه ملخصًا.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا من طريقة النبي ﷺ وسنته التي دلت عليها أقواله وأفعاله إعفاء اللحية ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها. وجاء في عدة أحاديث صحيحة أنه ﷺ أمر أمته بإعفاء اللحى ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، فتجب طاعته في ذلك واجتناب معصيته كما يجب أيضًا التأسي به وإحياء طريقته وسنته، وذلك كله من النصيحة لله تعالى ولرسوله ﷺ ؛ لأن الله تعالى قد أمر بطاعة الرسول ﷺ في مواضع كثيرة من القرآن، وقرن طاعته
стр. 37
بطاعته، وحث على اتباعه والتأسي به، وحذر من مخالفة أمره، وأخبر أن طاعة الرسول طاعة له، وعلق الهداية على طاعته فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾.
ومن النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم تعليمهم ما يجهلونه من دينهم. ومن ذلك تعليمهم وجوب إعفاء اللحى، وتحريم حلقها، وقصها، ونتفها.
فأما نصيحة الكفار بعضهم لبعض في أمور دينهم ودنياهم فليست من الدين في شيء. وكذلك نصيحة الكفار للمسلمين ليست من الدين في شيء، ولكنها حسنة ومحمودة عند العقلاء.
وأما قوله: ويتناسون أن الإسلام جملة من المحبة والمودة والفضائل - إلى أخر كلامه -.
стр. 38
فجوابه أن يقال: إن الإسلام مبني على خمسة أركان: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وقد تقدم ذكر هذه الأركان في سؤال جبريل للنبي ﷺ وفي حديث ابن عمر ﵄ المتفق على صحته، وأعظم أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والشهادة بالرسالة مبنية على أربعة أركان أحدها: طاعة أوامر الرسول ﷺ ، وثانيها: اجتناب نواهيه، وثالثها: تصديق أخباره، ورابعها: متابعته والتمسك بشريعته، فمن جاء بهذه الأركان الأربعة فقد حقق الشهادة بالرسالة، ومن ترك العمل بها فليس بمسلم، ومن أعرض عن شيء منها فهو ممن يشك في إسلامه، ومما يدخل في طاعة أمره ﷺ إعفاء اللحى، وإحفاء الشوارب، ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم ويوفرون شواربهم، ومن حلق لحيته، أو أعفى شاربه فقد عصى أمر الرسول ﷺ ، وتعرض للفتنة، والعذاب الأليم.
فأما ما ذكره الكاتب ليس فيه من أركان الإسلام شيء سوى الزكاة، وما سوى ذلك ففيه تفصيل، فأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان والصدقة، وقول المعروف وصلة الرحم، فهي من أعظم الفضائل التي يحبها الله، وليست من أركان الإسلام، وإنما
стр. 39
هي من مكملات الإيمان، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بما أمر به رسول الله ﷺ من إعفاء اللحى وإحفاء الشوارب، والنهي عن توفير الشوارب وحلق اللحى، وقصها، ونتفها.
وأما المحبة والمودة فإنما تكون لأولياء الله، ولا تكون لأعدائه، ولا لمن يتولاهم، أو يتشبه بهم لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم التشبه بأعداء الله. ويدل على ذلك أيضًا قول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وإسناده جيد، وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى»، ومن التشبه بأعداء الله تعالى حلق اللحى وتوفير الشوارب؛ لقول النبي ﷺ : «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا
стр. 40
الشوارب»، وقد تقدم هذا الحديث، وأحاديث كثيرة في معناه.
وأما الدليل على أن المحبة والمودة إنما تكون لأولياء الله، ولا تكون لأعداء الله تعالى ففي آيات كثيرة من القرآن منها قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فأخبر ﵎ أن رحمة نبيه ورأفته خاصة بالمؤمنين، وأخبر عنه، وعن أصحابه أنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وقد جاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله»، وفي هذه الأحاديث مع ما ذكر قبلها من الآيات أبلغ رد على الذين يوالون الكفار والمنافقين ويحبونهم.
стр. 41
وأما التعاون فإنما هو مشروع في أفعال الخير، ولا يجوز في أفعال الشر لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وقد ذكر الكاتب كلمة التعاون على وجه الإطلاق الذي يدخل فيه التعاون الذي أمر الله به والتعاون الذي نهى الله عنه. وهذا خطأ وجهل إذ لا بد من تقييد التعاون بما أمر الله به من التعاون على البر والتقوى.
وأما الأخلاق فإن الإسلام قد رغب في محاسنها، ونهى عن مساويها وسفسافها، وقد ذكر الكاتب كلمة الأخلاق على وجه الإطلاق الذي يدخل فيه محاسن الأخلاق ومساويها، وهذا خطأ وجهل إذ لا بد من تقييد الأخلاق بما هو مأمور به ومرغب فيه من التحلي بالأخلاق الحسنة، والبعد عن الأخلاق السيئة.
وأما قوله: لا يعرفون أن المسلم هو من سلم المسلمون من لسانه ويده.
فجوابه أن يقال: إن التحذير من إطلاق اللسان واليد على المسلمين إنما هو فيما كان من باب الظلم والعدوان. فأما الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والأخذ على أيدي المسيئين وأطرهم على الحق فهي من الأمور التي أمر الشارع بها ورغب فيها،
стр. 42
والآيات والأحاديث في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جدًا، وليس هذا موضع ذكرها.
وتغيير المنكر يكون باليد واللسان والقلب كما في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى مسلم أيضًا عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»، وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا
стр. 43
يعتدون، وكان رسول الله ﷺ متكئًا فجلس فقال: لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا»، وفي رواية أبي داود أن رسول الله ﷺ قال: «كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، أو لتقصرنه على الحق قصرًا».
وإذا علم أن تغيير المنكر واجب على حسب القدرة، فليعلم أيضًا أن من اقتصر على التغيير بلسانه، وهو قادر على التغيير بيده فقد ترك الواجب عليه، ومن اقتصر على التغيير بقلبه، وهو قادر على التغيير بلسانه، فقد ترك الواجب عليه.
وقد يظن بعض الجاهلين أن التحذير من إطلاق اللسان واليد على المسلمين يتناول إنكار المنكرات الظاهرة وتغييرها باليد أو اللسان لمن قدر على ذلك، وهذا هو الظاهر من فحوى كلام الكاتب حيث شن الحملة على الذين ينكرون حلق اللحى. وما علم الكاتب وأمثاله من ضعفاء البصيرة أن إعفاء اللحى فرض، وأن حلقها من المنكرات التي يجب تغييرها بحسب القدرة. وما علموا أيضًا أن من ترك تغيير المنكرات وهو قادر على تغييرها فقد تعرض لسخط الله ومقته وأليم عقابه.
وأما قوله: نسوا أن الإسلام ينهى عن التفريق بين المرء
стр. 44
وزوجه، والأخ وأخيه.
فجوابه أن يقال: إن الإسلام إنما ينهى عن التفريق بين المرء وزوجه، وبين الأخ وأخيه إذا كان كل منهما ملتزمًا بأحكام الإسلام، فأما من كان يتسمى بالإسلام وهو مع ذلك يترك الصلاة، أو يفعل شيئًا من نواقض الإسلام التي تبيح الدم والمال، فإنه يجب التفريق بينه وبين زوجته الملتزمة بأحكام الإسلام، ويجب تحذير إخوانه وغيرهم منه حتى يتوب ويلتزم بأحكام الإسلام.
وأما قوله: نسوا كل محاسن الإسلام وسلوك الإسلام.
فجوابه أن يقال: من محاسن الإسلام وسلوك الإسلام إعفاء اللحى، والبعد عن مشابهة المجوس وأمثالهم من المشركين الذين يحلقون لحاهم، والأدلة على أن إعفاء اللحى من محاسن الإسلام وسلوك الإسلام كثيرة جدًا، وقد تقدم ذكرها في أول الكتاب فلتراجع، وأما حلق اللحى فإنه من سلوك المجوس ومساوئ أفعالهم، والمسلم مأمور بمخالفتهم والبعد عن مشابهتهم، وعلى هذا فالذين يتشبهون بالمجوس في حلق اللحى هم الذين نسوا محاسن
стр. 45
الإسلام وسلوك الإسلام في إعفاء اللحى والتأسي برسول الله ﷺ في ذلك والتمسك بهديه وامتثال أمره.
وأما قوله: وتمسكوا باللحية، وكأن الإسلام لحية.
فجوابه أن يقال: أما إعفاء اللحية فإنه من خصال الفطرة كما جاء ذلك في حديث عائشة ﵂ الذي رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن وتقدم ذكره.
والفطرة هي السنة التي كان عليها رسول الله ﷺ ، وكان عليها الأنبياء والمرسلون من قبله، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وثبت أن رسول الله ﷺ كان كثير شعر اللحية، وأن لحيته كانت كثة ضخمة عظيمة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقد أمر النبي ﷺ أمته بإعفاء اللحى، ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ
стр. 46
عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فليحذر الكاتب وأمثاله من المتهاونين بأمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحى أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم.
وأما قوله: لا يعرفون أن اللحية تعبر عن الأمة العربية أحسن تعبير، ونسوا أن أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وكفار قريش، والهندوس، والشيوعيين يلتحون.
فالجواب عنه قد تقدم في أول الكتاب فليراجع.
وأما قوله: وكذلك البدائيون من الخلق.
فجوابه أن يقال: إذا كان الكاتب يرى أن من أعفى لحيته فهو من البدائيين، فمعناه أنه يرى أن الراقين هم الذين يحلقون لحاهم. وهذا لا يقوله إنسان يعقل ما يقول، وقد ذكرت فيما تقدم أن إعفاء اللحى من سنن الأنبياء والمرسلين وهديهم الذي أمر الله ﵎ بالاقتداء بهم فيه، وعلى هذا فهل يقول الكاتب إن رسول الله ﷺ كان من البدائيين؛ لأنه قد أعفى لحيته، وأن الأنبياء والمرسلين كانوا بدائيين لأنهم كانوا يعفون لحاهم، وأن الراقين هم الأكاسرة وقومهم المجوس، ومن يتشبه بهم ويحذو حذوهم
стр. 47
في حلق اللحى وإعفاء الشوارب. أما ماذا يجيب به عن كلامه الباطل الذي لم يتثبت فيه، ولم ينظر إلى ما يترتب عليه من اللوازم السيئة التي قد تفضي بقائلها إلى الردة والخروج من الإسلام.
стр. 48
فصل: ادعاء صاحب المقال أن النبي ﷺ لم يقل ما يفيد أن اللحية من الإسلام في شيء، وإنما عنف الذين يشوهون مناظرهم بإطلاق لحاهم
وقال صاحب المقال الباطل: النبي ﷺ لم يقل ما يفيد بأن اللحية من الإسلام في شيء، وإنما قال حديثا يزجر به الذين شوهوا مناظرهم بلحاهم الكثة التي كانوا ينتفونها بأيديهم، ويقضمون شواربهم بأسنانهم، ويشوهون منظرهم الإنساني الجميل، فقال ﷺ ما معناه: يا جماعة هذبوا لحاكم، وحفوا شواربكم بالمقص، وليس بأسنانكم، الجهلة اعتقدوا أن هذا هو الحديث الوحيد الذي يرمز إلى إسلام المرء.
ومن حقك إذا أطلقت لحيتك أن تشتم الناس، وتكفرهم، وتفرق بينهم، وتحلل دماءهم، ونساءهم.
والجواب أن يقال: إن صاحب المقال الباطل قد تقول على النبي ﷺ حيث زعم أنه لم يقل ما يفيد بأن اللحية من الإسلام في شيء. وهذا الزعم الكاذب مردود بأمر النبي ﷺ بإعفاء اللحى وتوفيرها. وقد تقدم ذكر ذلك في عدة أحاديث صحيحة فلتراجع، وتقدم أيضًا حديث عائشة ﵂ أن
стр. 49
رسول الله ﷺ قال: «عشر من الفطرة»، وذكر منها قص الشارب وإعفاء اللحية، والفطرة هي السنة التي كان عليها رسول الله ﷺ ، وكان عليها الأنبياء والمرسلون من قبله، وتقدم أيضًا ما حكاه ابن حزم من الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، وفي كل ما تقدم ذكره من الأحاديث والإجماع أبلغ رد على ما في كلام الكاتب من التقول على رسول الله ﷺ ، وما فيه أيضًا من التخبيط والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
وأما زعمه أن رسول الله ﷺ قال حديثا يزجر به الذين شوهوا مناظرهم بلحاهم الكثة، فهو أيضًا من التقول على رسول الله ﷺ ، وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
وأما زعمه أن اللحى الكثة تشوه مناظر أهلها فهو من قلب الحقيقة؛ لأن الذي يشوه وجوه الرجال على الحقيقة هو التمثيل باللحى بالحلق أو النتف، بحيث يصير وجه الشاب شبيهًا بوجه المرأة الشابة، ويصير وجه الشيخ شبيهًا بوجوه العجائز، وقد ورد الوعيد الشديد على التمثيل بالشعر، وتقدم ذكره في أثناء الكتاب
стр. 50
فليراجع، فأما إعفاء اللحى فإنه جمال للرجال، ولا ينكر ذلك إلا من أعمى الله بصيرته، وقد جعل الله اللحى فرقًا بين الرجال والنساء. وقد تقدم في صفة النبي ﷺ أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها، وكان مع ذلك أجمل الناس وأحسنهم منظرًا، وكان يشبه أباه إبراهيم خليل الرحمن، وتقدم في صفة موسى ﵊ أنه كان كث اللحية. وفي صفة هارون ﵊ أنه كان يشبه أخاه موسى، وفي بعض الروايات في حديث الإسراء أن لحية هارون تكاد تصيب سرته من طوله، وعلى هذا فهل يقول مسلم عاقل إن النبي ﷺ قد شوه منظره بلحيته الكثة الضخمة العظيمة، وأن إبراهيم، وموسى، وهارون قد شوهوا مناظرهم بلحاهم الكثة العظيمة، كلا لا يقول ذلك من له مسكة من عقل ودين.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أن أهل اللحى الكثة من المسلمين لهم أسوة بالخليلين وبغيرهما من الأنبياء والمرسلين، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو
стр. 51
اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
وأما قوله: إن النبي ﷺ قال ما معناه، يا جماعة هذبوا لحاكم، وحفوا شواربكم بالمقص، وليس بأسنانكم.
فجوابه أن يقال: هذا من الكذب على رسول الله ﷺ ، وقد كان النبي ﷺ يأمر بإعفاء اللحى وتوفيرها، وذلك ينافي الحلق والتهذيب منها.
وأما قوله: إن الجهلة اعتقدوا أن هذا هو الحديث الوحيد الذي يرمز إلى إسلام المرء.
فجوابه أن يقال: ليس الكلام الذي ذكره حديثًا مرويًا عن النبي ﷺ ، وإنما هو كذب أتى به الكاتب من كيسه، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، ولا يظن بأحد له أدنى مسكة من عقل ودين أنه يصدق بالحديث الذي وضعه الكاتب ونسبه إلى النبي ﷺ ، فضلاً عن أن يعتقد أنه يرمز إلى إسلام المرء، فكل هذا من مجازفات الكاتب وتهوره في كتابة ما يمليه عليه قرينه.
стр. 52
وأما قوله: ومن حقك إذا أطلقت لحيتك أن تشتم الناس، وتكفرهم، وتفرق بينهم، وتحلل دماءهم ونساءهم.
فجوابه أن يقال: هذا هذيان يشبه هذيان المجانين، ولا يكتبه وينشره إلا من هو مصاب في دينه وعقله.
وهذا آخر ما يتيسر إيراده، والله المسئول أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ولا يجعله ملتبسًا علينا فنضل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وقد كان الفراغ من كتابة هذه النبذة في يوم الخميس سابع شهر شوال من سنة أربع وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.