Полный текст (52 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
الرد على من أجاز تهذيب اللحية
تأليف
الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين
مكتبة المعارف
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فقد رأيت مقالاً لبعض ذوي الجهل والجراءة نشرته جريدة السياسة الكويتية في عددها ٥٦٣٦ الصادر في يوم الثلاثاء ١٦ رجب سنة ١٤٠٤ هـ الموافق ١٧/ ٤/ ١٩٨٤ م تحت عنوان «مبايعة الموظفين»، وقد ملأ الكاتب مقاله بالأباطيل والتقول على رسول الله ﷺ .
فمن ذلك قوله: إن اللحية رمز عربي وليست من الإسلام في شيء.
والجواب أن يقال: هذا زعم باطل مردود؛ لأن إعفاء اللحية سنة ثابتة عن النبي ﷺ من قوله وفعله. وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة.
منها ما في الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال:
стр. 3
قال رسول الله ﷺ : «أنهكوا الشوارب، واعفوا اللحى» هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «أحفوا الشوارب، واعفوا اللحى»، وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب»، وروى مالك في الموطأ، ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ «أمر بإحفاء الشوارب، وإعفاء اللحى» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «جزوا الشوارب، وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس»، ورواه الإمام أحمد مختصرًا ولفظه: «قصوا الشوارب وأعفوا اللحى»، ورواه البخاري في التاريخ الكبير ولفظه أن النبي ﷺ قال: «كانت المجوس تعفي شواربها، وتحفي لحاها، فخالفوهم فجزوا شواربكم، وأعفوا لحاكم»، وروى البزار عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «خالفوا المجوس، جزوا الشوارب، وأوفروا اللحى»، وروى البيهقي عن ابن عمر ﵄ قال ذكر رسول الله ﷺ المجوس فقال: «إنهم يوفون سبالهم، ويحلقون لحاهم، فخالفوهم» - السبال: هو الشارب -.
والأحاديث في الأمر بإعفاء اللحى، وإحفاء الشوارب كثيرة جدًا، وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن عن عائشة رضي الله
стр. 4
عنها أن رسول الله ﷺ قال: «عشر من الفطرة قص الشارب، وإعفاء اللحية» الحديث.
قال الخطابي: فسر أكثر العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة، وتأويله أن هذه الخصال من سنن الأنبياء الذين أمرنا أن نقتدي بهم لقوله سبحانه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، وفي سنن النسائي عن طلق بن حبيب قال: «عشر من السنة»، وذكر منها قص الشارب، وتوفير اللحية، وروى ابن إسحاق، وابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رجلين من المجوس دخلا على رسول الله ﷺ وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، فكره النظرة إليهما، وقال: «ويلكما، من أمركما بهذا؟» قال: أمرنا ربنا - يعنيان كسرى - فقال رسول الله ﷺ : «لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي، وقص شاربي».
وقد جاء في أحاديث كثيرة أن رسول الله ﷺ «كان كثّ اللحية»، وفي بعضها أنه «كان ضخم اللحية»، وفي بعضها أنه «كان عظيم اللحية»، وفي بعضها «أن لحيته قد ملأت نحره». وفي هذه الأحاديث، وما تقدم قبلها من الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على من زعم أن اللحية رمز عربي وليست من الإسلام في شيء. وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ
стр. 5
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وإذا علم إن إعفاء اللحية ثابت عن النبي ﷺ من قوله وفعله وأنه من هديه الذي هو خير الهدي، فليعلم أيضًا أن إعفاءها من سنن الأنبياء والمرسلين وهديهم، وقد قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾، والأمر في هذه الآية الكريمة عام لجميع الأمة؛ لأنهم تبع لنبيهم محمد ﷺ . وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أنا أشبه ولد إبراهيم به» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁، وفي الصحيحين، وغيرهما عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم»، وفي رواية لأحمد: «نظرت إلى إبراهيم، فلم أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني، حتى كأنه صاحبكم»، وهذا يدل على أن إبراهيم ﵊ كان ذا لحية عظيمة تشبه لحية رسول الله ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ
стр. 6
عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾، وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن من رغب عن إعفاء اللحية ففيه من سفه النفس بقدر ما رغب عنه من ملة إبراهيم.
وقد روى البيهقي في «دلائل النبوة» عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام - فذكر القصة بطولها وفيها أن هرقل أراهم صور الأنبياء في خرق من حرير، فذكر في صفة نوح ﵊ أنه كان حسن اللحية. وفي صفة إبراهيم ﵊ أنه كان أبيض اللحية. وفي صفحة إسحاق ﵊ أنه كان خفيف العارضين. وفي صفة يعقوب ﵊ أنه كان يشبه أباه إسحاق، وفي صفة عيسى ﵊ أنه كان شديد سواد اللحية، قال ابن كثير: إسناده لا بأس به. وقد رواه أبو نعيم الأصبهاني في «دلائل النبوة» من طريق أخرى، وقال في صفة موسى ﵊: إنه كث اللحية. وقال في صفة هارون ﵊: إنه كان يشبه موسى. وقد جاء في بعض الروايات في حديث الإسراء أن رسول الله ﷺ رأى هارون في السماء الخامسة، وقال في نعته: نصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من
стр. 7
طولها، رواه ابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيريهما والبيهقي في «دلائل النبوة» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وقد أخبر الله تعالى عن هارون أنه قال لأخيه موسى: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ فدلت الآية الكريمة على أنه كان ذا لحية طويلة يتمكن موسى من الأخذ بها. وفي هذه الآية الكريمة وما ذكر قبلها من صفات الأنبياء المتقدمين أبلغ رد على من زعم أن اللحية رمز عربي وليست من الإسلام في شيء. والأنبياء كلهم على دين الإسلام وإن اختلفت شرائعهم ومناهجهم.
وقد كان أهل الكتابين في زمن الجاهلية يعفون لحاهم متابعة لما كان عليه الأنبياء المتقدمون، وكذلك كان العرب في زمن الجاهلية، فإنهم كانوا يعفون لحاهم، وذلك مما تمسكوا به من ملة إبراهيم ﵊ مع أشياء تمسكوا بها من أفعال الحج وغيره، ولم يكن حلق اللحى معروفًا في زمن الجاهلية إلا عن المجوس، وقد أمر النبي ﷺ أمته بمخالفتهم، ونهاهم عن التشبه بهم والتزيي بزيهم.
والمقصود هنا بيان أن إعفاء اللحية ليس رمزًا عربيًا كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما هو سنة من سنن الأنبياء والمرسلين، وصفة من صفات المتمسكين بالسنة من المسلمين، وأما حلق اللحية وقصها فهو رمز للمجوس ولمن يتشبه بهم من المسلمين
стр. 8
وغير المسلمين، ولا يضر المسلمين كون الهندوس وغيرهم من الكفار يبالغون في إعفاء اللحى، فإن ذلك معدود من تشبههم بالمسلمين إما قصدًا وإما اتفاقًا، وهم في هذه الحالة أحسن من المجوس الذين يحلقون اللحى ويمثلون بها ويخالفون هدي الأنبياء المرسلين.
стр. 9
فصل: فيما حكاه ابن حزم من الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض
وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض، وفيما حكاه من الإجماع أبلغ رد على من زعم أن اللحية ليست من الإسلام في شيء، وقد قال أبو عمر بن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية: يحرم حلق اللحية، قال ابن عبد البر ولا يفعله إلا المخنثون من الرجال انتهى، والمخنثون هم المتشبهون بالنساء، وقد روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة ﵁ قال: «لعن رسول الله ﷺ مخنثي الرجال الذين يتشبهون بالنساء، والمترجلات من النساء المتشبهات بالرجال» وروى الإمام أحمد أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «ليس منا من تشبه بالرجال من النساء، ولا من تشبه بالنساء من الرجال» والأحاديث في لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال كثيرة.
стр. 10
فصل: إدعاء صاحب المقال الباطل أن النبي ﷺ لم يطلق لحيته بعد الإسلام
قال صاحب المقال الباطل: وكان للنبي ﷺ لحية، ولم يطلقها بعد الإسلام.
والجواب أن يقال: إن النبي ﷺ قد وفرّ لحيته، وكانت كثة ضخمة عظيمة كما جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها ما رواه الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ كثّ اللحية»، وقال ابن منظور في لسان العرب: لحية كثة وكثاء كثرت أصولها وشعرها، وأنها ليست بدقيقة ولا طويلة وفيها كثافة، وقال ابن دريد لحية كثة كثيرة النبات انتهى.
وروى الإمام أحمد أيضًا والحاكم في مستدركه عن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس، واللحية» قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، قال الجوهري، وابن منظور في لسان العرب: الضخم الغليظ من كل شيء. وكذا قال صاحب القاموس، والمراد بضخامة اللحية عظمها لما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند بأسانيد جيدة عن علي ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية»، وروى الإمام أحمد، ومسلم عن جابر بن سمرة ﵄ قال:
стр. 11
«كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية»، وروى النسائي عن البراء ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ كثّ اللحية»، وروى الترمذي في الشمائل، والطبراني في الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان، والآجري في كتاب الشريعة عن هند بن أبي هالة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ كثّ اللحية»، وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه نعت رسول الله ﷺ فذكر من صفته أنه كان كثّ اللحية، وروى الحاكم في مستدركه وصححه، والبيهقي، والآجري أن أم معبد الخزاعية قالت في نعت رسول الله ﷺ : وفي لحيته كثاثة.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من افترى على رسول الله ﷺ وزعم أنه لم يطلق لحيته بعد الإسلام.
стр. 12
فصل: إدعاء صاحب المقال الباطل أن اللحية لا تعني في الإسلام شيئاً مميزاً
وزعم صاحب المقال الباطل أن اللحية لا تعني في الإسلام شيئًا مميزًا للمسلم.
والجواب أن يقال: بل إن في إعفاء اللحية تمييزًا بين المسلم المطيع لأمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحية، وبين العصاة المخالفين لأمر النبي ﷺ بإعفاء اللحى، ومخالفة المجوس الذين يحلقون لحاهم، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
стр. 13
فصل: ادعاء صاحب المقال أن أمر النبي بحف الشوارب وإعفاء اللحى وإكرامها كان لمجرد أنه ﷺ يتضايق منها
وقال صاحب المقال الباطل: كل ما في الأمر أن النبي ﷺ كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها فقال: «حفوا الشوارب وأكرموا اللحى» أكرموها بمعنى هذبوها رتبوها امشطوها، وليست بمعنى أطلقوها لأنها مطلقة أصلاً.
والجواب أن يقال: أما قوله: إن النبي ﷺ كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها، فهو من الافتراء على النبي ﷺ ، وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وقد كان النبي ﷺ يأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، وينهى عن التشبه بالمجوس الذين كانوا يحلقون لحاهم، وكان ﷺ كثّ اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت نحره، وروي عنه ﷺ أنه كره النظر إلى المجوسين اللذين دخلا عليه وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما وأنه أنكر عليهما، فهل يقول عاقل بعد هذا إن النبي ﷺ كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها، كلا لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل. وما كان النبي ﷺ يأمر بإعفاء اللحية وتوفيرها، وهو مع ذلك يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها، وما كان يعفى لحيته حتى كانت كثة
стр. 14
ضخمة عظيمة، وهو مع ذلك يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها. وما كان ينهى عن التشبه بالمجوس الذين يحلقون لحاهم ويكره النظر إليهم وهو مع ذلك يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها. وعلى هذا فمن زعم أن النبي ﷺ كان يكره رؤية اللحية الكثة ويتضايق منها فقد نسبه إلى التناقض الذي يتنزه عنه آحاد العقلاء، فكيف بالنبي ﷺ الذي هو أعقل بني آدم على الإطلاق، فهو أحق بالتنزيه عن التناقض وعن كل ما لا يليق بالعقلاء. ومن ظن به شيئًا من التناقض فقد ظن به ظن السوء، وذلك من قواطع الإسلام.
وقد تقدم في القصة التي رواها أبو نعيم في «دلائل النبوة» أن موسى ﵊ كان كث اللحية وأن هارون كان يشبهه، وجاء في بعض أحاديث الإسراء أن رسول الله ﷺ رأى هارون في السماء الخامسة وقال في نعته: «نصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سرته من طولها» رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما، والبيهقي في «دلائل النبوة» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ لما مر على هارون وهو في السماء الخامسة سلم عليه فرد ﵇ وقال: مرحبًا بالأخ
стр. 15
الصالح والنبي الصالح، ثم لما مر على موسى وهو في السماء السادسة سلم عليه فرد ﵇ وقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم لما رجع من عند ربه وقد فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة، قال له موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فلم يزل يتردد بين ربه وبين موسى حتى جعلها الله تعالى خمس صلوات. ولم يذكر عنه ﷺ أنه تضايق من النظر إلى لحية موسى الكثة، ولا إلى لحية هارون الكثة الطويلة جدًا، ولا أنه كره النظر إليهما.
وأما قوله: إن النبي ﷺ قال: «أكرموا اللحى».
فجوابه أن يقال: هذا من التقول على النبي ﷺ فإنه لم يرو عنه أنه قال ذلك. وإنما الثابت عنه أنه قال: «اعفوا اللحى». وفي رواية: «وفروا اللحى»، وفي رواية: «أرخوا اللحى»، وفي رواية: «أوفوا اللحى».
وأما قوله: إن معنى أكرموا اللحى هذبوها ورتبوها وليس بمعنى أطلقوها؛ لأنها مطلقة أصلاً فجوابه أن يقال: لو كان قوله أكرموا اللحى ثابتًا عن النبي ﷺ لما كان معناه هذبوها ورتبوها وإنما معناه أعفوها ووفروها كما جاء ذلك في الأحاديث الثابتة عن
стр. 16
النبي ﷺ . فإكرام اللحية لا يكون بالأخذ منها كما زعم ذلك الكاتب، وإنما يكون بإعفائها وتوفيرها وعدم التعرض لها بالحلق أو القص أو النتف.
وأما قوله: وليست بمعنى أطلقوها؛ لأنها مطلقة أصلاً.
فجوابه أن يقال: إنما تكون اللحية مطلقة إذا أعفيت ووفرت، ولم يتعرض لها بالحلق، ولا بالقص، ولا بالنتف، ولا بالتهذيب والترتيب، ومن زعم أنها تكون مطلقة مع التهذيب والترتيب، أو مع الحلق أو القص، أو النتف، فقد جمع بين النقيضين وهذا هو ما وقع في كلام الكاتب.
стр. 17
فصل: ادعاء صاحب المقال الباطل أن النبي ﷺ كان يرتاح للوجوه المهذبة، ويكره شكل الإنسان المشوه أو كث اللحية
قال صاحب المقال الباطل: وكان ﷺ يرتاح للوجوه النضرة واللحية المهذبة ويرعبه شكل الإنسان المشوه، ولا أبلغ من قول الله لنبيه الكريم في سورة الكهف حينما بعث الله أهل الكف، وكان شكلهم مرعبًا لطول أظفارهم وكثافة لحاهم قال تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ شكلهم المخيف بسبب لحاهم التي غطت وجوههم وأظفارهم التي وصلت إلى الأرض، وليس لسبب آخر فهم بشر وطولهم متوسط، لذا بقيت صورة الرعب هذه في ذهن النبي ﷺ فكان كلما رأى من هو كث اللحية تذكر شكل أهل الكهف، ولم يستطع ﷺ صبرًا على ذلك، وقال ذلك الحديث المشهور الذي اعتقد جهلة الناس أن كثافة اللحية تعني الإسلام فقط، وتعني السلف الصالح، وتعني المسلمين الأوائل، وتعني أن من لا لحية له مارق زنديق، ولكي تثبت إسلامك عليك بإطلاق لحيتك. وهذا قشر واهٍ يتمسك به جهلة المفسرين.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها: أن يقال: إن صاحب المقال الباطل قد خبط في هذه الجملة غاية التخبيط وأتى فيها
стр. 18
بخمسة أشياء من كبائر الإثم. أحدها: الافتراء على النبي ﷺ حيث زعم أنه كان يرتاح للوجوه النضرة، واللحية المهذبة، ويرعبه شكل الإنسان المشوه، وكذلك زعمه أن صورة الرعب من أهل الكهف بقيت في ذهن النبي ﷺ ، فكان كلما رأى من هو كثّ اللحية تذكر شكل أهل الكهف. وكذلك زعمه أن النبي ﷺ لم يستطع صبرًا على ذلك - أي على رؤية من هو كث اللحية - فهذا كله من الافتراء على النبي ﷺ ، وقد تواتر عنه ﷺ أنه قال: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار».
الشيء الثاني: تنقصه للنبي ﷺ حيث وصفه بصفة الجبناء وضعاف العقول والقلوب، وذلك في زعمه أن صورة الرعب من أهل الكهف بقيت في ذهنه ﷺ ، وأنه كلما رأى من هو كث اللحية تذكر شكل أهل الكف ولم يستطع صبرًا على ذلك، ويلزم على هذا القول الباطل أن يكون كل واحد من أفراد القراء أقوى قلبًا من النبي ﷺ ؛ لأنهم يقرءون قول الله تعالى مخبرًا عن أهل الكهف: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، وتتكرر منهم قراءة هذه الآية كلما قرءوا سورة الكهف فلا يصيبهم الرعب من أهل الكهف، فضلاً عن أن تبقى صورة الرعب منهم في أذهانهم. فهل يقول الكاتب الجاهل: إن
стр. 19
القراء من هذه الأمة كانوا أقوى قلوبًا من النبي ﷺ ؛ لأنهم لم يصابوا بالرعب من أهل الكهف. أم ماذا يجيب به عن كلامه السيئ الذي لم يتثبت فيه، ولم ينظر إلى ما يلزم عليه من اللوازم السيئة التي تفضي بقائلها إلى الكفر ووجوب القتل. فقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على كفر من تنقص النبي ﷺ أو عابه وعلى وجوب قتله. ذكر ذلك عنهم القاضي عياض في كتابه «الشفاء»، وشيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في كتابه «الصارم المسلول، على شاتم الرسول»، وابن حجر المكي في كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر»، وذكره غيرهم من أكابر العلماء.
وإذا علم هذا فلا يشك مسلم له عقل ودين أن النبي ﷺ كان أقوى البشر قلبًا، وأرجهم عقلاً، وأبعدهم عن كل ما فيه نقص وعيب، فلم يلحقه الرعب من أهل الكهف لما أخبره الله عنهم فضلاً عن أن تبقى صورة الرعب منهم في ذهنه. فهذا لا يتصوره من له أدنى مسكة من عقل ودين.
وبالجملة فإنه يجب تنزيه النبي ﷺ عن النقائص التي ألصقها به الكاتب الجاهل، وعن كل ما فيه نقص وعيب، ولو بطريق التضمن واللزوم.
стр. 20
والشيء الثالث: قوله في القرآن بغير علم حيث زعم أن قول الله تعالى مخبرًا عن أهل الكهف: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أن ذلك لشكلهم المخيف بسبب لحاهم التي غطت وجوههم وأظفارهم التي وصلت إلى الأرض، هكذا قال صاحب المقال الباطل إن لحى أهل الكهف غطت وجوههم، وأن أظفارهم وصلت إلى الأرض، وليس على هذا القول دليل من كتاب ولا سنة، ولم يذكر ذلك عن أحد من الصحابة، ولا التابعين، ولا أئمة العلم والهدى من بعدهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن جرير، والبغوي من حديث ابن عباس ﵄، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي رواية له: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: هذا حديث حسن. قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم انتهى.
وقد قال ابن جرير في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ يقول: لو اطلعت عليهم في رقدتهم التي رقدوها في كهفهم لأدبرت عنهم هاربًا منهم فارًّا،
стр. 21
ولملئت منهم رعبًا. يقول: ولملئت نفسك من إطلاعك عليهم فزعًا لما كان الله ألبسهم من الهيبة؛ كي لا يصل إليهم واصل، ولا تلمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله، وتوقظهم من رقدتهم قدرته وسلطانه في الوقت الذي أراد أن يجعلهم عبرة لمن شاء من خلقه، وآية لمن أراد الاحتجاج بهم عليهم من عباده ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها انتهى.
وقال ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي فزعًا وخوفًا وذلك أن الله منعهم بالرعب؛ لئلا يدخل إليهم أحد، وقيل إنها طالت شعورهم وأظفارهم جدًا فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم هرب مرعوبًا حكاه الزجاج انتهى.
وقال الزمخشري في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة. وقيل لطول أظفارهم وشعورهم، وعظم أجرامهم، وقيل لوحشة مكانهم انتهى.
وقال البغوي في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله تعالى من
стр. 22
رقدتهم انتهى.
وقال ابن كثير في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي أنه تعالى ألقى عليهم المهابة بحيث لا يقع نظر أحد عليهم إلا هابهم؛ لما ألبسوا من المهابة والذعر لئلا يدنو منهم أحد، ولا تمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنقضي رقدتهم التي شاء ﵎ فيهم لما له في ذلك من الحكمة والحجة البالغة، والرحمة الواسعة انتهى.
فهذه أقوال أكابر المصنفين في التفسير فيما يتعلق بأصحاب الكهف، ولم يذكر أحد منهم أن لحاهم قد غطت وجوههم، وأن أظفارهم قد وصلت إلى الأرض، وإنما ذكر بعضهم قولاً ضعيفًا ذكروه بصيغة التمريض أن شعورهم وأظفارهم طالت جدًا. وهذا القول لا دليل عليه؛ ولهذا لم يذكره ابن جرير، ولا ابن كثير في تفسيريهما اللذين هما أحسن التفاسير وأبعدها عن الحشو بالأقوال الضعيفة. وإنما ذكرا القول الذي يدل عليه سياق الآية الكريمة وهو أن الله تعالى ألبسهم الهيبة حتى لا يدنو منهم أحد حتى تنقضي رقدتهم التي كتبها الله وقدرها عليهم.
стр. 23
ومما يدل على بطلان القول بأن شعورهم وأظفارهم قد طالت جدًا، أن الله تعالى منعهم بالمهابة والرعب في حال رقدتهم، فلم يطلع عليهم أحد من الناس، وعلى هذا فمن ذكر عنهم طول الشعور والأظفار، فإنما يقول ذلك عن طريق الظن والتوهم، لا عن طريق المشاهدة لهم ورؤية شعورهم وأظفارهم.
ومما يدل على ذلك أيضًا أن الله تعالى لما بعثهم من رقدتهم لم ينكر أحد منهم منظر أصحابه، وقالوا لبثنا يوما أو بعض يوم، ولو كانت شعورهم وأظفارهم قد طالت جدًا لوقع الإنكار من بعضهم لبعض، ولما لم يقع ذلك منهم دل على أنهم بعثوا على حالهم وهيئتهم التي كانوا عليها قبل رقدتهم، ولم يتغير شيء من شعورهم وأظفارهم.
ومما يدل على ذلك أيضًا أن أصحاب الكهف لما استيقظوا من رقدتهم بعثوا أحدهم إلى المدينة ليأتيهم بطعام منها فلم يستنكر أهل المدينة منظر الرجل، وإنما استنكروا الدراهم التي كانت معه وظنوا أنه أصابها من كنز قديم. ولو كانت لحيته قد غطت وجهه وكانت أظفاره قد وصلت إلى الأرض كما زعم ذلك صاحب المقال الباطل؛ لرعب أهل المدينة من منظره غاية الرعب ونفورا منه، ولما لم يقع ذلك دل على أن أصحاب الكهف قد بعثوا على حالهم
стр. 24
وهيئتهم التي كانوا عليها قبل رقدتهم، ولم يتغير شيء من شعورهم وأظفارهم والله أعلم.
الشيء الرابع: افتراؤه على المفسرين وعلى غيرهم من الناس حيث زعم أن منهم من يعتقد أن كثافة اللحية تعني الإسلام فقط وتعني أن من لا لحية له مارق زنديق، قال: ولكي تثبت إسلامك عليك بإطلاق لحيتك. وهذا كذب وبهتان ومحاولة للتشنيع على الذين يعفون اللحى ويأمرون بإعفائها، وينهون عن حلقها، والتمثيل بها. ولا يظن بمسلم له عقل ودين أنه ينفي الإسلام عن الذين يحلقون لحاهم، ولا يقول إنهم مارقون زنادقة من أجل أنهم كانوا يحلقون لحاهم، وإنما يقال إنهم عصاة لله تعالى ولرسوله ﷺ حيث لم يمتثلوا أمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحى ومخالفة المجوس الذين يحلقون لحاهم ويمثلون بها، وقد حذر الله تعالى من مخالفة أمر الرسول ﷺ ، وتوعد من خالف أمره بأشد الوعيد فقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
الشيء الخامس: استخفافه بأمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحى
стр. 25
وتسميته ذلك قشرًا واهيًا يتمسك به جهلة المفسرين، هكذا زعم الكاتب الجريء على مخالفة هدي الرسول ﷺ في اللحى، ومعارضة أمره بإعفائها ومخالفة المشركين الذين يمثلون باللحى. وإنه ليخشى على صاحب المقال أن يصاب بزيغ القلب وتقليبه من أجل مجازفته وتهوره في الكلام الباطل، فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
فأما تجهيله للمفسرين الذين يتمسكون بأمر النبي ﷺ بإعفاء اللحى فهو به أولى. ومن تأمل مقاله السيئ علم أنه من أشد الناس جهلاً وتخبيطًا، وأنه يهرف بما لا يعرف.
الوجه الثاني: أن الكاتب قال في صفة أهل الكهف: إن طولهم متوسط، وهذا القول لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وإنما هو من التخرص واتباع الظن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وفي الحديث الصحيح: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁. وقد تقدم ما ذكره الزمخشري من صفات أهل الكهف ومنها عظم أجرامهم، وهذا القول لا دليل عليه أيضًا،
стр. 26
ولكنه يعارض ما توهمه الكاتب من توسطهم في الطول.
الوجه الثالث: أن يقال: إن النبي ﷺ لم ير أهل الكهف لا في حال رقدتهم، ولا حينما بعثهم الله من رقدتهم؛ لأنهم كانوا قبل زمان النبي ﷺ بدهر طويل. وإذا كان النبي ﷺ لم يرهم فمن أكبر الخطأ وأقبح ظنون السوء بالنبي ﷺ ما ألصقه به صاحب المقال السيئ، حيث زعم أنه ﷺ أصيب بالرعب من أهل الكهف، وأن صورة الرعب منهم قد بقيت في ذهنه فكان كلما رأى من هو كثّ اللحية تذكر شكل أهل الكهف، ولم يستطع صبرًا على ذلك، ولا يخفى ما في هذا القول الوخيم من الجراءة العظيمة على سيد البشر وصفوتهم. والله المسئول أن يقيض للكاتب الجاهل ولأمثاله الذين لا يحترمون النبي ﷺ ولا يوقرونه، من ينفذ فيهم الحكم الشرعي الذي يجب اتباعه في كل من تنقص النبي ﷺ أو عابه، وقد قال ابن كثير في «البداية والنهاية» في الكلام على قول الله تعالى مخبرًا عن أهل الكهف: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي لما عليهم من المهابة والجلالة في أمرهم الذي صاروا إليه، ولعل الخطاب ههنا لجنس الإنسان المخاطب لا بخصوصية الرسول ﷺ كقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ أي أيها الإنسان، وذلك لأن طبيعة
стр. 27
البشرية تفر من رؤية الأشياء المهيبة غالبًا، ولهذا قال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، ودل على أن الخبر ليس كالمعاينة كما جاء في الحديث؛ لأن الخبر قد حصل ولم يحصل الفرار ولا الرعب انتهى. وهو كلام حسن جدًا، وفيه رد على ما ألصقه الكاتب بالنبي ﷺ من الرعب من أهل الكهف، وأن صورة الرعب منهم قد بقيت في ذهنه ﷺ .
الوجه الرابع: أن يقال: إن الكاتب قد أخطأ خطأ كبيرًا في زعمه أن الله تعالى قال لنبيه حينما بعث أهل الكهف: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، وهذا من القول في القرآن بغير العلم، وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك كما تقدم في حديث ابن عباس ﵄، وفي أول الآية التي ذكر الكاتب آخرها ما يكفي في الرد عليه، فإن الله تعالى قال: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾، فدلت الآية الكريمة على أن أصحاب الكهف إنما ألبسوا الهيبة في حال رقدتهم؛ لئلا يدنو منهم أحد، وأنه لو اطلع عليهم أحد في
стр. 28
حال رقدتهم لولى منهم فرارًا، ولملئ منهم رعبًا، فأما بعد بعثهم من رقدتهم فإن الله تعالى أعثر عليهم أي أطلع الناس عليهم، وذلك حين بعثوا أحدهم إلى المدينة ليأتيهم بطعام منها، ولم يذكر عن أهل المدينة أنهم فروا من أصحاب الكهف وأصيبوا بالرعب منهم حين اطلعوا عليهم بعد بعثهم من رقدتهم، وإذا كان أهل المدينة لم يصابوا بالرعب من أصحاب الكهف حين اطلعوا عليهم بعد بعثهم من رقدتهم، فمن باب أولى نفي الرعب عن النبي ﷺ حين أخبره الله تعالى بقصة أصحاب الكهف وتنزيهه عما ألصقه به الكاتب الجاهل بقدره ﷺ .
وقد قال ابن كثير في الكلام على قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي أطلعنا عليهم الناس ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، وقال ابن كثير أيضًا، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي كما أرقدناهم وأيقظناهم بهيآتهم أطلعنا عليهم أهل ذلك الزمان ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ وقد ذكر ابن إسحاق، وابن جرير وغيرهما من المفسرين، وأصحاب السير والآثار قصة أصحاب الكهف مطولة، وفيها أبلغ رد على تخرصات الكاتب وإساءة أدبه فيما نسبه إلى النبي ﷺ من الرعب من أصحاب الكهف، وأن صورة
стр. 29
الرعب منهم قد بقيت في ذهنه ﷺ .
الوجه الخامس: أن يقال: ليس في إعفاء اللحية وكثافتها تشويه للإنسان كما قد توهم ذلك صاحب المقال الباطل، وإنما فيه الجمال للرجال والتفريق بينهم وبين النساء. وإمام أهل اللحى وقدوتهم في إعفائها رسول الله ﷺ فقد ثبت أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها قد ملأت نحره، وكان مع ذلك أجمل البشر وأحسنهم وجهًا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾.
فأما حلق اللحى فإنه يشوه وجوه الرجال بحيث يصير وجه الشاب شبيهًا بوجه المرأة الشابة، ويصير وجه الشيخ شبيهًا بوجوه العجائز، وحلق اللحى ونتفها من التمثيل الذي ورد الوعيد الشديد عليه، كما في الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من مثّل بالشعر فليس له عند الله خلاق». قال الزمخشري: قيل معناه حلقه في الخدود، وقيل نتفه، وقيل: خضابه، وقال ابن الأثير في «النهاية» فيه أنه نهى عن المثلة، يقال: مثلت بالحيوان إذا قطعت أطرافه وشوهت به، قال ومنه الحديث: «من مثل بالشعر فليس له عند الله خلاق يوم القيامة» مثلة الشعر حلقه
стр. 30
من الخدود، وقيل: نتفقه أو تغييره بالسواد، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. وقد تقدم ما رواه ابن إسحاق، وابن جرير عن يزيد بن أبي حبيب أن رسول الله ﷺ كره النظر إلى المجوسيين اللذين دخلا عليه، وقد حلقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، وقال لهما: «ويلكما، من أمركما بهذا؟»، وإنما أنكر عليهما حلق اللحية وإعفاء الشارب؛ لأن ذلك يشوه الوجه ويجعله قبيح المنظر.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا أنه لا يستحسن حلق اللحية، وإعفاء الشارب إلا من استزله الشيطان، وزين له تشويه وجهه، وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾، وقال تعالى مخبرًا عن المخالفين لدعوة الرسل: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ومن حلق لحيته وشاربه، أو حلق لحيته وأعفى شاربه، أو حلق لحيته فقط فله نصيب من هذه الآية بقدر مخالفته لأمر الرسول ﷺ بإعفاء اللحية وإحفاء الشارب، ورغبته عن هديه الذي هو خير الهدي على الإطلاق.
الوجه السادس: أن يقال لصاحب المقال الباطل: إذا كنت ترى أن في إعفاء اللحية وكثافتها تشويهًا للإنسان، فماذا تقول في
стр. 31
لحية رسول الله ﷺ التي قد ثبت أنها كانت كثة ضخمة عظيمة، فهل تقول إنها قد شوهت وجهه، أم ماذا نجيب به عن كلامك الباطل الذين لم تتثبت فيه ولم تنظر إلى ما يترتب عليه من اللوازم السيئة التي قد تفضي بقائلها إلى الخروج من الإسلام، فاتق الله أيها الكاتب، وحاسب نفسك قبل أن تحاسب على أقوالك الباطلة، وحاول الخروج من المأزق الذي أوقعت نفسك فيه، ولا تكن من الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.
стр. 32
فصل: ادعائه أن الدين المعاملة والأخلاق لا اللحية فقط؛ ولأن القسس والأحبار والرهبان في هذا الزمان كلهم ملتحون
وقال صاحب المقال الباطل: في هذه الأيام برز جيل من الملتحين لا يعرفون أن الدين المعاملة، ويجهلون أن الدين النصيحة، ويتناسون أن الإسلام جملة من المحبة، والمودة، والفضائل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان، والزكاة، والصدقة، وقول المعروف، وصلة الرحم، والتودد، والتعاون، والأخلاق، لا يعرفون أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ونسوا أن الإسلام ينهى عن التفريق بين المرء وزوجه، والأخ وأخيه، نسوا كل محاسن الإسلام، وسلوك الإسلام، وتمسكوا باللحية وكأن الإسلام لحية. لا يعرفون أن اللحية تعبر عن الأمة العربية أحسن تعبير، ونسوا أن أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وكفار قريش، والهندوس، والشيوعيين يلتحون، وكذلك البدائيون من الخلق.
والجواب أن يقال: إن صاحب المقال الباطل قد شن الحملة على أهل اللحى وأجلب عليهم بتخليطه الذي حاصله التمويه والتلبيس على ضعفاء البصيرة.
فأما قوله: لا يعرفون أن الدين المعاملة.
فجوابه من وجوه: أحدها أن يقال: ليس الدين المعاملة كما
стр. 33
زعمه الجاهل بالدين، وإنما الدين الإسلام قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقد جاء تفسير الإسلام في سؤال جبريل للنبي ﷺ حيث قال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» قال: صدقت. رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وروى البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه نحوه من حديث أبي هريرة ﵁. وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصيام رمضان» فهذه أركان الإسلام التي بني عليها، وليست منها المعاملة التي يهذوا بها جهلة الكتاب.
الوجه الثاني أن يقال: لو كان الدين المعاملة كما زعمه الكاتب وكما يزعمه كثير من جهلة الكتاب في زماننا؛ لكان أهل الأرض كلهم
стр. 34
على الإسلام لأن المعاملة جارية بينهم في كثير من الأمور الدنيوية كالبيع، والشراء، والإجارة، والمضاربة، والمصارفة، والإيداع، والتوكيل وغير ذلك من المعاملات الجارية بينهم، ومنها المعاملات الربوبية في البنوك وغيرها، وكذلك المعاقدات بين الشركات من المسلمين، وغير المسلمين وكذلك المعاهدات بين الملوك، والرؤساء من المسلمين، وغير المسلمين، ومع وجود المعاملة بين سائر الأمم، فإن أكثرهم ليسوا على دين الإسلام، وبهذا يعلم فساد القول بأن الدين المعاملة.
الوجه الثالث أن يقال: إن المعاملة منها ما هو جائز في الإسلام، ومنها ما هو غير جائز فيه كالمعاملة الربوبية، والعقود المحرمة، ويلزم على قول من قال إن الدين المعاملة أن تكون المعاملات الربوية والعقود المحرمة كلها من الدين. وهذا لا يقوله عاقل.
فإن قال الكاتب: إنه يقصد بالمعاملة مخالقة الناس بالخلق الحسن.
فالجواب أن يقال: إن مخالقة الناس بالخلق الحسن أمر حسن جدًا، وقد أمر النبي ﷺ بذلك حيث قال لأبي ذر ﵁: «اتق الله حيثما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس
стр. 35
بخلق حسن» رواه الإمام أحمد والترمذي والدارمي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد والترمذي أيضًا من حديث معاذ بن جبل ﵁.
وليعلم أن مخالقة الناس بالخلق الحسن، وإن كانت من الخصال الحسنة التي يأمر بها الدين فليست هي الدين، ولا يكون المتصف بها مسلمًا حتى يلتزم بأركان الإسلام الخمسة. وما أكثر الذين يخالقون الناس بالأخلاق الحسنة، وهم مع ذلك ليسوا بمسلمين، وكثير من دول النصارى يجد المسلمون عندهم من المخالقة الحسنة ما لا يجدونه عند بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام. وهم مع ذلك ليسوا بمسلمين، وبهذا يعلم فساد قول من قال إن الدين المعاملة.
وأما قوله: ويجهلون أن الدين النصيحة.
فجوابه أن يقال: لا بد من تقييد النصيحة بما جاء في الأحاديث الصحيحة وهي أنها «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» رواه الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي من حديث تميم الداري ﵁، ورواه الإمام أحمد، والنسائي أيضًا والترمذي من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي:
стр. 36
حديث حسن صحيح. ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث ابن عباس ﵄، ورواه الدارمي من حديث ابن عمر ﵄.
وقد قال النووي في الكلام على هذا الحديث: إن من النصيحة لله تعالى القيام بطاعته، واجتناب معصيته، ومن النصيحة للرسول ﷺ طاعته في أمره، ونهيه، وإحياء طريقته وسنته. ومن النصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، ومن النصيحة لعامة المسلمين تعليمهم ما يجهلونه من دينهم وأمرهم ونهيهم عن المنكر، انتهى المقصود من كلامه ملخصًا.
وإذا علم هذا فليعلم أيضًا من طريقة النبي ﷺ وسنته التي دلت عليها أقواله وأفعاله إعفاء اللحية ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، وقد ثبت عنه ﷺ أنه كان كث اللحية ضخمها عظيمها. وجاء في عدة أحاديث صحيحة أنه ﷺ أمر أمته بإعفاء اللحى ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم، فتجب طاعته في ذلك واجتناب معصيته كما يجب أيضًا التأسي به وإحياء طريقته وسنته، وذلك كله من النصيحة لله تعالى ولرسوله ﷺ ؛ لأن الله تعالى قد أمر بطاعة الرسول ﷺ في مواضع كثيرة من القرآن، وقرن طاعته
стр. 37
بطاعته، وحث على اتباعه والتأسي به، وحذر من مخالفة أمره، وأخبر أن طاعة الرسول طاعة له، وعلق الهداية على طاعته فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾.
ومن النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم تعليمهم ما يجهلونه من دينهم. ومن ذلك تعليمهم وجوب إعفاء اللحى، وتحريم حلقها، وقصها، ونتفها.
فأما نصيحة الكفار بعضهم لبعض في أمور دينهم ودنياهم فليست من الدين في شيء. وكذلك نصيحة الكفار للمسلمين ليست من الدين في شيء، ولكنها حسنة ومحمودة عند العقلاء.
وأما قوله: ويتناسون أن الإسلام جملة من المحبة والمودة والفضائل - إلى أخر كلامه -.
стр. 38
فجوابه أن يقال: إن الإسلام مبني على خمسة أركان: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، وقد تقدم ذكر هذه الأركان في سؤال جبريل للنبي ﷺ وفي حديث ابن عمر ﵄ المتفق على صحته، وأعظم أركان الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والشهادة بالرسالة مبنية على أربعة أركان أحدها: طاعة أوامر الرسول ﷺ ، وثانيها: اجتناب نواهيه، وثالثها: تصديق أخباره، ورابعها: متابعته والتمسك بشريعته، فمن جاء بهذه الأركان الأربعة فقد حقق الشهادة بالرسالة، ومن ترك العمل بها فليس بمسلم، ومن أعرض عن شيء منها فهو ممن يشك في إسلامه، ومما يدخل في طاعة أمره ﷺ إعفاء اللحى، وإحفاء الشوارب، ومخالفة المشركين الذين يحلقون لحاهم ويوفرون شواربهم، ومن حلق لحيته، أو أعفى شاربه فقد عصى أمر الرسول ﷺ ، وتعرض للفتنة، والعذاب الأليم.
فأما ما ذكره الكاتب ليس فيه من أركان الإسلام شيء سوى الزكاة، وما سوى ذلك ففيه تفصيل، فأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان والصدقة، وقول المعروف وصلة الرحم، فهي من أعظم الفضائل التي يحبها الله، وليست من أركان الإسلام، وإنما
стр. 39
هي من مكملات الإيمان، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بما أمر به رسول الله ﷺ من إعفاء اللحى وإحفاء الشوارب، والنهي عن توفير الشوارب وحلق اللحى، وقصها، ونتفها.
وأما المحبة والمودة فإنما تكون لأولياء الله، ولا تكون لأعدائه، ولا لمن يتولاهم، أو يتشبه بهم لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، وهذه الآية الكريمة تدل على تحريم التشبه بأعداء الله. ويدل على ذلك أيضًا قول النبي ﷺ : «من تشبه بقوم فهو منهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ وإسناده جيد، وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود، ولا بالنصارى»، ومن التشبه بأعداء الله تعالى حلق اللحى وتوفير الشوارب؛ لقول النبي ﷺ : «خالفوا المشركين، وفروا اللحى، وأحفوا
стр. 40
الشوارب»، وقد تقدم هذا الحديث، وأحاديث كثيرة في معناه.
وأما الدليل على أن المحبة والمودة إنما تكون لأولياء الله، ولا تكون لأعداء الله تعالى ففي آيات كثيرة من القرآن منها قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فأخبر ﵎ أن رحمة نبيه ورأفته خاصة بالمؤمنين، وأخبر عنه، وعن أصحابه أنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وقد جاء في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه قال: «أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله»، وفي هذه الأحاديث مع ما ذكر قبلها من الآيات أبلغ رد على الذين يوالون الكفار والمنافقين ويحبونهم.
следующие страницы →