← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17401

السراج الوهاج لمحو أباطيل الشلبي عن الإسراء والمعراج

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السراج الوهاج لمحو أباطيل الشلبي عن الإسراء والمعراج تأليف الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين مكتبة المعارف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمة للعالمين, وحجة على أهل الزيغ والضلال أجمعين, وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيراً. أما بعد فقد رأيت نبذة صغيرة في الإسراء والمعراج, ألفها الدكتور أحمد شلبي الأستاذ بجامعة القاهرة. وزعم أنها دراسة تصحيح للقضاء على الشطحات والخيال, وهي الجزء الثالث من مائة جزء مما سماه «بالمكتبة الإسلامية المصورة لكل الأعمار» وقد نشرتها مكتبة النهضة بالقاهرة, وفيها من التخبيط والتقول على رسول الله ﷺ وإنكار ما ثبت عنه في الإسراء والمعراج ما لا مزيد عليه في الضلال والإضلال, وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». وفيها أيضاً تقرير رأي الجهمية الكافرة في إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه الذي هو فوق جميع المخلوقات. فهي في الحقيقة دراسة

стр. 3

إفساد لعقيدة أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالإسراء والمعراج وإثبات علو الله على خلقه وسأنبه على ما فيها من الشطحات والأقوال الباطلة والآراء الفاسدة إن شاء الله تعالى, وأسأل الله تعالى أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقا ويرزقنا اتباعه, ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه, ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.

стр. 4

فصل قال الشلبي في صفحة ٤: فقد أسري بالرسول من مكة إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء ثم عاد قبل أن يبرد فراشه. والجواب أن يقال: لم يأت في شيء من أحاديث الإسراء أن رسول الله ﷺ عاد إلى مكة قبل أن يبرد فراشه, ولم أر أحداً من أهل السير والتاريخ ذكر ذلك ولا شك أن هذا من توهمات الشلبي وتخرصاته فلا يلتفت إليه. وقال الشلبي في صفحة ٤: وقد التصقت بالإسراء والمعراج خرافات وأوهام نريد أن نزيلها لنعيد لهذين الحدثين جلالهما وصفاءهما. والجواب أن يقال: أما الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج فكلها حق وصدق, ومن أنكر شيئاً مما جاء فيها وزعم أنها خرافات وأوهام فهو ممن يشك في إسلامه, لأنه لم يحقق الشهادة بالرسالة. ومن تحقيقها تصديق ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب وما وقع له في ليلة الإسراء من ركوب البراق وربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء وعروجه مع جبريل إلى السموات السبع وما رآه في السموات السبع من الأنبياء, وأنه سلم

стр. 5

عليهم فردوا ﵇ ورحبوا به ودعوا له بخير, وأنه رأى البيت المعمور ورفع إلى سدرة المنتهى, وأنه رأى جبريل في صورته, وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق, وأنه رأى الجنة والنار, ورأى مالكا صاحب النار وأن مالكا سلم عليه, وأنه صلى بالنبيين في بيت المقدس. إلى غير ذلك مما أخبر النبي ﷺ أنه رآه في تلك الليلة, وما أخبر به أيضاً عن رفعه فوق السموات السبع إلى المستوى الذي كان يسمع فيه صريف الأقلام, وأن الله تعالى أوحى إليه وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة, فلم يزل يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب التخفيف لأمته حتى جعلها الله خمس صلوات وقال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة, وفي رواية هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي. فكل ذلك حق وصدق, ومن أنكر شيئاً من ذلك أو شك فيه فهو ممن يشك في إسلامه. وقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره عن الحافظ أبي الخطاب عمر بن دحية أنه قال في كتابه: «التنوير في مولد السراج المنير» وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء

стр. 6

عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وشداد بن أوس وأبيّ ابن كعب وعبدالرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين وعبدالله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين, منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد. وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾ انتهى كلامه, وما ذكره من إجماع المسلمين على حديث الإسراء يشمل كل ما أخبر النبي ﷺ أنه وقع له في السموات وفي الأرض مما تقدم ذكره قريباً وما لم يذكر ههنا, وكل ما ثبت عن النبي ﷺ من ذلك فإنه يجب الإيمان به وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة, ومن رد شيئاً مما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وزعم أنها خرافات وأوهام فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي ﷺ ويكذب أخباره الصادقة ويصفها بالصفات المستهجنة, مع مخالفته لإجماع المسلمين وسلوكه طريق

стр. 7

الزنادقة والملحدين.

стр. 8

فصل وقد أنكر الشلبي ركوب النبي ﷺ على البراق في ليلة الإسراء, وزعم أن ذلك من الانحرافات والآراء الشائعة, وزعم في صفحة ١٢ وصفحة ١٥ وصفحة ٢٧ أن انتقال النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج كان بطرق ووسائل يعلمها الله على نمط انتقال عرش بلقيس بل على هيئة أشرف وأكمل تتناسب مع خاتم الأنبياء, قال: ومن الممكن أن يطوي الله الأرض فيصبح بيت المقدس متصلاً بمكة ويخطو محمد خطوة واحدة ثم تعود الأرض إلى وضعها الطبيعي فيصبح الرسول ببيت المقدس, قال: والمهم أن وسائل الله كثيرة لنقل محمد من مكة إلى بيت المقدس في لحظة من الزمان. والجواب أن يقال: أما ركوب النبي ﷺ على البراق في ليلة الإسراء فهو ثابت في عدة أحاديث صحيحة. الأول منها عن أنس ابن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه, قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس, قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء, قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين» الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم.

стр. 9

الحديث الثاني: عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ «أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجاً ملجماً ليركبه فاستصعب عليه فقال له جبريل: ما يحملك على هذا فو الله ما ركبك أحد قط أكرم على الله منه, قال فارفض عرقاً» رواه الإمام أحمد والترمذي وقال هذا حديث حسن غريب. الحديث الثالث: عن أنس بن مالك ﵁ عن مالك ابن صعصعة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتيت بدابة أبيض يقال له البراق فوق الحمار ودون البغل يقع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه ثم انطلقنا» الحديث رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. الحديث الرابع: عن حذيفة بن اليمان ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى انتهينا إلى بيت المقدس» الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي بإسناد صحيح, وقد رواه الترمذي بنحوه وقال: هذا حديث حسن صحيح وصححه أيضا ابن حبان والحاكم والذهبي. وفي الباب عن بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ وهو

стр. 10

حديث صحيح وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى, وفيه أيضاً عن أبي سعيد الخدري وشداد بن أوس وعبدالله بن مسعود وأبي هريرة وأم هانئ ﵃, كل منهم روى أن رسول الله ﷺ ركب على البراق إلى بيت المقدس, وأسانيد أحاديثهم لا تخلو من مقال, وفي الأحاديث الأربعة التي تقدم ذكرها مع حديث بريدة ﵁ الذي سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى تأييد لرواياتهم وتقوية لها. وفيما تقدم ذكره من الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على الشلبي وعلى أمثاله من ذوي الجراءة على رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ومعارضتها بالشبه والآراء الفاسدة, وقد قال ابن كثير في تفسيره: والحق أنه ﵇ أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق, فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين انتهى. وأما زعم الشلبي أن القول بركوب النبي ﷺ على البراق ليلة الإسراء من الانحرافات والآراء الشائعة. فجوابه أن يقال: إن الانحراف في الحقيقة هو إنكار الشلبي

стр. 11

ركوب النبي ﷺ على البراق في ليلة الإسراء وزعمه أن ذلك, من الآراء الشائعة ومعارضته للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك, فهذا هو الانحراف الشديد, والضلال المبين لأنه يتضمن الرد على النبي ﷺ وتكذيب ما أخبر به عن نفسه من ركوب البراق في ليلة الإسراء, والرد على النبي ﷺ وتكذيب أخباره الصادقة وجعلها من قبيل الانحرافات والآراء الشائعة ليس بالأمر الهين, بل إن ذلك من قواطع الإسلام ومما يبيح الدم والمال. وأما زعمه أن انتقال النبي ﷺ في رحلة الإسراء والمعراج كان بطرق ووسائل يعلمها الله على نمط انتقال عرش بلقيس. فجوابه أن يقال: قد أخبر النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة أن انتقاله من مكة إلى بيت المقدس كان على البراق وأن عروجه إلى السموات السبع وما فوقها كان مع جبريل, فهذا هو الذي يعتقده أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا. ولا عبرة بمن خالفهم من أهل الزيغ والضلال الذين لا يبالون بردّ الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ومعارضتها بالشبه الباطلة والآراء الفاسدة. وأما قوله: ومن الممكن أن يطوي الله الأرض فيصبح بيت

стр. 12

المقدس متصلاً بمكة ويخطو محمد خطوة واحدة ثم تعود الأرض إلى وضعها الطبيعي فيصبح الرسول ببيت المقدس. فجوابه أن يقال: لا شك أن الله تعالى على كل شيء قدير وأنه لو شاء لطوى الأرض لرسوله ﷺ في ليلة الإسراء, ولكنه ﵎ حمله على البراق الذي لم يكن يركبه أحد من بني آدم سوى الأنبياء, وكان جبريل مصاحباً للنبي ﷺ في مسراه إلى بيت المقدس وفي عروجه إلى السموات السبع وما فوقها حتى ظهر إلى المستوى الذي كان يسمع فيه صريف الأقلام. وفي هذا من الاعتناء بالنبي ﷺ والتشريف والتكريم له ما لم يحصل مثله لأحد من البشر.

стр. 13

فصل وفي صفحة ٢٦ وصفحة ٢٧ أنكر الشلبي ثقب جبريل للصخرة بأصبعه وشد البراق بها, وزعم أن الروايات في ركوب النبي ﷺ على البراق وفي ثقب جبريل للصخرة بأصبعه وشد البراق بها موضوعة. والجواب أن يقال: قد ثبت أن رسول الله ﷺ ركب على البراق إلى بيت المقدس, وتقدم ذكر الأحاديث الصحيحة في ذلك فلتراجع (١). وثبت أيضا أن جبريل خرق الصخرة بأصبعه وشد بها البراق, والحديث بذلك رواه الترمذي والبزار وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة أسرى بي انتهيت إلى بيت المقدس فخرق جبريل الصخرة بأصبعه وشد بها البراق» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي في تلخيصه, وفي هذا الحديث الصحيح أبلغ رد على الشلبي وعلى أمثاله من المنحرفين الذي لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة ومعارضتها بالشبه والآراء الفاسدة.

стр. 14

وقد قال ابن كثير بعد سياقه للأحاديث الواردة في الإسراء: «فائدة حسنة جليلة» روى أبو نعيم الأصبهاني في كتاب «دلائل النبوة» من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمر بن عبدالله عن محمد بن كعب القرظي قال بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر. فذكر وروده عليه وقدومه إليه, وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل, ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم وجعل أبو سفيان يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده, قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولاً أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها عليّ ولا يصدقني في شيء, قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به قال: فقلت أيها الملك ألا أخبرك خبراً تعرف أنه قد كذب. قال: وما هو قال قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح, قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر فقال بطريق إيلياء قد علمت تلك الليلة. قال فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق

стр. 15

أبواب المسجد فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه بعمالي ومن بحضرتي كلهم معالجة فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلاً فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ما نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتي, قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي من زاوية المسجد مثقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة, قال: فقلت لأصحابي ما حبس الباب الليلة إلا على شيء وقد صلى الليلة في مسجدنا, وذكر تمام الحديث. قلت: وما ذكر في هذه القصة من ثقب الحجر وأثر مربط الدابة يوافق ما تقدم ذكره في حديث بريدة بن الحصيب ﵁ وهو مما يصدق به المؤمنون وينكره الزنادقة والملحدون. وأما زعمه أن الروايات في ركوب النبي ﷺ على البراق وفي ثقب جبريل للصخرة بأصبعه وشد البراق بها موضوعة. فجوابه أن يقال: لا يخلو الشلبي في هذه الدعوى من أحد أمرين: إما أن يكون له إلمام بمعرفةِ الحديث وما ذكره المصنفون في فن المصطلح بحيث يكون عنده تمييز بين الصحيح من الحديث

стр. 16

والموضوع منه, ولكنه مع ذلك لم يبال برد الأحاديث الصحيحة والحكم عليها بالوضع حيث خالفت رأيه أو رأي من يعظمهم من شيوخه وغير شيوخه, وإما أن يكون جاهلاً بالحديث بحيث لا يعرف الصحيح منه ولا يميز بينه وبين الموضوع وإنما يتكلم في نقد الأحاديث بمجرد الظن والتوهم وكل من الأمرين ذميم جداً وعظيم الخطر, فأما رد الأحاديث الصحيحة ومعارضتها بالشبه والآراء الفاسدة فهو من أفعال الزنادقة والملاحدة الذين لا يؤمنون بالله ورسوله, وأما نقد الأحاديث بمجرد الظن والتوهم فهو من أفعال أهل الحمق والتهور الذين ليس لهم دين يردعهم عن الكلام في نقد الأحاديث بغير علم. ومن اجترأ على رد الأحاديث الثابتة في الصحيحين أو في أحدهما وعارضها بالشبه والآراء الفاسدة فقد نادى على زندقته وإلحاده ومشاقته للرسول الله ﷺ واتباعه لغير سبيل المؤمنين الذين يقابلون ما ثبت عن النبي ﷺ بالقبول والتسليم وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

стр. 17

فصل وفي صفحة ١٩ أنكر الشلبي صلاة النبي ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس وزعم أن ذلك من الأمور الشائعة والتصوير المنحرف عن الإسراء والمعراج. والجواب أن يقال: قد جاء في عدة أحاديث بعضها صحيح أن رسول الله ﷺ صلى بالأنبياء في ليلة الإسراء, منها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط, قال: فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به, وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة, وإذا عيسى بن مريم ﵇ قائم يصلي أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي, وإذا إبراهيم ﵇ قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد هذا مالك صاحب النار فسلم عليه فالتفت إليه فبدأني بالسلام».

стр. 18

ومنها ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ قال: «لما دخل النبي ﷺ المسجد الأقصى قام يصلي فالتفت ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه». ومنها ما رواه النسائي في سننه عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في حديث الإسراء: «ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي الأنبياء فقدمني جبريل حتى أممتهم» وقد رواه ابن أبي حاتم وقال فيه: «ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة قال فقمنا صفوفاً ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم فلما انصرفت قال جبريل: يا محمد أتدري من صلى خلفك؟ قال: قلت: لا. قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله ». والأحاديث التي جاء فيها أن رسول الله ﷺ صلى بالأنبياء في ليلة الإسراء كثيرة ولكن أسانيد ما لم أذكره لا تخلو من مقال. وفيما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ وما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ كفاية في إثبات صلاة النبي ﷺ بالأنبياء في ليلة الإسراء. وفيهما أيضاً أبلغ رد على الشلبي, وعلى أمثاله من المنكرين لصلاة النبي ﷺ بالأنبياء في ليلة الإسراء. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى باب

стр. 19

المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ثم أتي بالمعراج فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السموات السبع فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم - إلى أن قال - ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة, ويحتمل أنها الصبح من يومئذ, ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء, والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً وهو يخبره بهم. وهذا هو اللائق لأنه كان أولاً مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى, ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك, ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس انتهى. وفي كلام ابن كثير رحمه الله تعالى رد على الشلبي وعلى أمثاله من الذين ينكرون صلاة النبي ﷺ بالأنبياء في ليلة الإسراء ويعارضون الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك ويعتمدون

стр. 20

على الشبه والآراء الفاسدة في معارضتهم الأحاديث الصحيحة.

стр. 21

فصل وقد عاد الشلبي في صفحة ٢٧ من رسالته المملوءة بالضلال فأنكر صلاة النبي ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس. ونقل عن بعض المخرفين أنه قال: المعروف إسلاميا أنه لا عبادة بعد الموت, قال وهناك حديث صحيح يقول: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم نافع أو ولد صالح يدعو له» قال والأنبياء هم من بني آدم وقد انقطع عملهم بوفاتهم إلا من هذه الأشياء الثلاثة. قال وعلى هذا فلا معنى لتصوير الأنبياء يصلون خلف الرسول, قال: وفي الحديث روايات مختلفة عن أمكنة الأنبياء في السموات, فمن منهم في السماء الأولى, ومن في الثانية؟ ... خلاف ظاهر, مع أنه لا ضرورة على الإطلاق لوجودهم في أي منها, فمن المحقق أنهم ماتوا ودفنوا. وأن أرواحهم عند الله. والروح كائن نوراني, ولا يعلم كنهها إلا الله, والجسد قد اختفى تماما في الأرض, ومع قدرة الله على إحياء الأنبياء لاستقبال الرسول, فلا داعي للقول بذلك على الإطلاق وكذلك لا داعي مطلقا لإحياء موسى ليراجع محمداً في عدد الصلوات. والجواب أن يقال: أما إنكاره لصلاة النبي ﷺ بالأنبياء في بيت المقدس فقد تقدم الجواب عنه في الفصل الذي قبل هذا

стр. 22

الفصّل فليراجع. وأما ما نقله عن بعض المخرفين أنه قال: المعروف إسلاميا أنه لا عبادة بعد الموت. فجوابه من وجهين: أحدهما أن يقال إن صلاة الأنبياء خلف النبي ﷺ ليست من باب التكليف الذي ينقطع بالموت وإنما هي من باب التلذذ بالأعمال التي كانوا يعملون بها في الدنيا, ومن هذا الباب ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره» رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك ﵁, ومن هذا الباب أيضاً ما تقدم في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ رأى إبراهيم وموسى وعيسى وهم يصلون وذلك قبل صلاته بهم وبغيرهم من الأنبياء. ومن هذا الباب أيضاً ما أخبر به رسول الله ﷺ عن أهل الجنة أنهم يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس. رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث جابر بن عبدالله ﵄, وروى الإمام أحمد أيضاً والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ أخبر عن أهل الجنة أنهم يسبحون الله بكرة وعشياً, والتسبيح قد يراد

стр. 23

به الصلاة وقد يراد به الذكر في غير الصلاة, والأدلة على كل من النوعين كثيرة في الكتاب والسنة والذكر من أفضل الأعمال في الدنيا ومع هذا لم ينقطع هذا العمل عن أهل الجنة فكذلك صلاة الأنبياء وهم في البرزخ وقد قال النبي ﷺ : «حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة» رواه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس ﵁. وإذا كانت الصلاة قرة عين النبي ﷺ في الدنيا فلا يبعد أن تكون قد جعلت قرة عين للأنبياء في البرزخ وليس ذلك من باب التكليف الذي ينقطع بالموت وإنما هو من باب التلذذ بالذكر والأعمال الصالحة والله أعلم. الوجه الثاني أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه صلى بالأنبياء في بيت المقدس وثبت أنه رأى كلاً من إبراهيم وموسى وعيسى وهم يصلون, وثبت أنه مر على موسى وهو قائم يصلي في قبره, فيجب الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ ومقابلة كل ما ثبت عنه بالقبول والتسليم سواء ظهرت لنا الحكمة في ذلك أو لم تظهر, ولا يجوز الاعتراض على أخباره ﷺ ولا مقابلتها بالرد والإنكار والتشكيك فإن هذا من أفعال الزنادقة والملحدين.

стр. 24

وأما الحديث الذي جاء فيه: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له» وقول المخرف إن الأنبياء من بني آدم وقد انقطع عملهم بوفاتهم إلا من هذه الأشياء الثلاثة. فجوابه أن أقول: قد ذكرت قريباً في الرد على المخرف أن صلاة الأنبياء في البرزخ إنما هي من باب التلذذ بالصلاة التي قد جعلت قرة عين للنبي ﷺ في الدنيا, وليس ذلك من باب التكليف الذي ينقطع بالموت. وأما قوله: وعلى هذا فلا معنى لتصوير الأنبياء يصلون خلف الرسول. فجوابه أن يقال: إن صلاة الأنبياء خلف النبي ﷺ في ليلة الإسراء من الأمور الواقعة التي يجب الإيمان بها, وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة قد تقدم ذكر بعضها والإشارة إلى ما لم يذكر منها وفيها أبلغ رد على من أنكر ذلك وزعم أنه لا معنى لصلاة الأنبياء خلف الرسول ﷺ , ومن أنكر صلاة الأنبياء خلف الرسول ﷺ , في ليلة الإسراء وزعم أنه لا معنى لذلك فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي ﷺ ويكذب خبره الصادق, وهذا مما

стр. 25

يقدح في دين القائل ويوقع الشك في إسلامه. وأما قوله: وفي الحديث روايات مختلفة عن أمكنة الأنبياء في السموات, فمن منهم في السماء الأولى, ومن في الثانية؟ ... خلاف ظاهر مع أنه لا ضرورة لوجودهم في أي منها, فمن المحقق أنهم ماتوا ودفنوا وأن أرواحهم عند الله والروح كائن نوراني ولا يعلم كنهها إلا الله, والجسد قد اختفى تماما في الأرض. فجوابه أن يقال: أما أمكنة الأنبياء في السموات فالعمدة في تعيينها على ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ وقد جاء فيه أن آدم في السماء الدنيا وأن عيسى ويحيى في السماء الثانية وأن يوسف في السماء الثلاثة وأن إدريس في السماء الرابعة وأن هارون في السماء الخامسة وأن موسى في السماء السادسة وأن إبراهيم في السماء السابعة, وقد جاء مثل ذلك في حديث أنس الذي رواه الإمام أحمد ومسلم, وما جاء على خلاف الحديث الذي اتفق عليه البخاري ومسلم فلا عبرة به. وأما زعمه أنه لا ضرورة لوجودهم في أي منها, أي السموات. فجوابه أن يقال: من أنكر وجود الأنبياء في السموات فإنما هو

стр. 26

في الحقيقة يكذب خبر النبي ﷺ عنهم, وهذا مما يقدح في دين القائل, وقد قال النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. وأما قوله: فمن المحقق أنهم ماتوا ودفنوا وأن أرواحهم عند الله. فجوابه أن يقال: إن أرواح الأنبياء هي التي رآها النبي ﷺ في السموات وفي بيت المقدس حين صلى بهم وهي رؤيا عين وليست برؤيا منام قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ قال: «هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة أسري به» رواه الإمام أحمد والبخاري, قال البغوي والعرب تقول رأيت بعيني رؤية ورؤيا انتهى, وقد رأى النبي ﷺ من رآه من الأنبياء على أشكالهم التي كانوا عليها في الدنيا وأخبر عن صفات بعضهم فقال «أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم» وفي رواية أنه قال: «ولقيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به» وفي رواية أنه قال: «ونظرت إلى إبراهيم ﵇ فلم أنظر إلى أرب منه إلا نظرت إليه مني حتى

стр. 27

كأنه صاحبكم» وفي رواية أنه قال: «إنه كأحسن الرجال» وقال: «وأما موسى فرجل آدم جعد» وفي رواية: «فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة» وفي رواية: «أنه رجل آدم طويل شعره مع أذنيه أو فوقهما» وفي رواية: «أنه أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق» وقال في هارون: «نصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها» وقال في يوسف: «إنه قد أعطي شطر الحسن» وفي رواية أنه قال فيه: «إنه قد فضل على الناس في الحسن كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب». وكل ما جاء في هذه الأحاديث فهو مما يصدق به المؤمنون وينكره الزنادقة والملحدون. ومن المعلوم عند العقلاء أن أرواح الأموات تتشكل بشكل أجسادها في الدنيا فيراهم الأحياء في المنام على وفق ما كانوا يعرفونه عنهم في الدنيا من الأشكال والصفات والألوان ويخاطب بعضهم بعضا ويخبر الأموات الأحياء بما حصل لهم بعد الموت من الراحة والمغفرة والنعيم أو التعب والتوبيخ والعذاب, وقد روى أبو عبدالله بن منده عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت

стр. 28

ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى﴾ قال بلغني أن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتساءلون بينهم فيمسك أرواح الموتى ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها. وروى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله تعالى: ﴿والتي لم تمت في منامها﴾ قال: يتوفاها في منامها فتلتقي روح الحي وروح الميت فيتذاكران ويتعارفان قال: فترجع روح الحي إلى جسده في الدنيا إلى بقية أجلها وتريد روح الميت أن ترجع إلى جسده فتحبس. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «الروح» وقد دل على التقاء أرواح الأحياء والأموات أن الحي يرى الميت في منامه فيستخبره ويخبره الميت بما لا يعلم الحي فيصادف خبره كما أخبر في الماضي والمستقبل وربما أخبره بمال دفنه الميت في مكان لم يعلم به سواه وربما أخبره بدين عليه وذكر له شواهده وأدلته, قال وأبلغ من هذا أنه يخبره بما عمله من عمل لم يطلع عليه أحد من العالمين, وأبلغ من هذا أنه يخبره أنك تأتينا إلى وقت كذا وكذا فيكون كما أخبر, وربما أخبره عن أمور يقطع الحي أنه لم يكن يعرفها غيره, ثم ذكر ابن القيم قصصاً كثيرة من رؤيا الأحياء للأموات وإخبار الأموات بما يسألهم الأحياء عنه فلتراجع في أول كتاب «الروح» في المسألة الثالثة وفي آخر المسألة الأولى. ومن أعجب

стр. 29

الأخبار في ذلك ما رواه الطبراني في الكبير عن عطاء الخراساني عن ابنة ثابت بن قيس بن شماس ﵁ أن ثابت بن قيس لما قتل يوم اليمامة أريه رجل من المسلمين في منامه فقال إني لما قتلت بالأمس مر بي رجل من المسلمين فانتزع مني درعاً نفيسة ومنزله في أقصى المعسكر وعند منزله فرس يستن في طوله وقد أكفأ على الدرع برمة وجعل فوق البرمة رحلاً فأت خالد بن الوليد فليبعث إلى درعي فليأخذها فإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأعلمه أن عليَّ من الدين كذا ولي من المال كذا وفلان من رقيقي عتيق وإياك أن تقول هذا حلم فتضيعه, قال: فأتى خالد ابن الوليد فوجه إلى الدرع فوجدها كما ذكر وقدم على أبي بكر ﵁ فأخبره فأنفذ أبو بكر ﵁ وصيته بعد موته فلا نعلم أن أحداً جازت وصيته بعد موته إلا ثابت بن قيس ابن شماس ﵁, قال الهيثمي في مجمع الزوائد بنت ثابت ابن قيس لم أعرفها وبقية رجاله رجال الصحيح والظاهر أن بنت ثابت بن قيس صحابية فإنها قالت سمعت أبي والله أعلم انتهى كلام الهيثمي, وروى الطبراني أيضا قصة ثابت بن قيس ﵁ مختصرة من حديث أنس ﵁ قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح وقد رواه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح على

стр. 30

شرط مسلم ووافقه الذهبي في تلخيصه, وروى الحاكم أيضاً ما رواه عطاء الخراساني عن ابنة ثابت بن قيس بنحو رواية الطبراني. وإذا كانت أرواح الموتى تتشكل بشكل أجسادها في الدنيا فيراهم الأحياء في المنام على وفق ما كانوا يعرفونه عنهم في الدنيا ويخاطب بعضهم بعضا فبالأولى أن تتشكل أرواح الأنبياء بشكل أجسادهم في الدنيا فيراهم النبي ﷺ رؤية عين ويخاطبهم ويسلم عليهم ويسلمون عليه ويدعون له ويرى إبراهيم وموسى وعيسى وهم يصلون ويرى موسى وهو قائم يصلي في قبره ويرى الأنبياء في بيت المقدس ويصلي بهم ويشير عليه موسى عدة مرات بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف عن أمته من عدد الصلوات حتى جعلها الله تعالى خمس صلوات في اليوم والليلة, فكل ذلك حق وصدق وقد قال النبي ﷺ : «إني أرى مالا ترون وأسمع ما لا تسمعون» رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أبي ذر ﵁ وقال الترمذي: حسن غريب وصححه الحاكم وأقره الذهبي, وقد كان النبي ﷺ يرى الملائكة والجن والشياطين, والناس لا يرونهم, وقد رأى جبريل في صورته مرتين, ومن كان بهذه المثابة فلا يمتنع أن يرى الأنبياء في ليلة الإسراء رؤية عين وأن يخاطبهم ويخاطبونه, ومن أنكر رؤيته للأنبياء في ليلة

стр. 31

الإسراء فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي ﷺ ويكذب أخباره الصادقة وذلك مما يهدم الدين ويبيح الدم والمال. وأما قوله: والروح كائن نوراني. فجوابه أن يقال: ليس على هذا القول دليل من القرآن ولا من السنة وقد قال الله تعالى: ﴿ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي﴾ ويؤخذ من نص هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز لأحد أن يقول في الروح بغير ما أمر الله نبيه ﷺ أن يقوله فيها. ومن قال بغير ما أمر الله به في الآية الكريمة فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به, ويلزم على قول المخرف المتكلف أن تكون أرواح الكفار نورانية وهذا من أبطل الباطل. وأما قوله: أنه لا داعي مطلقا لإحياء موسى ليراجع محمداً في عدد الصلوات. فجوابه أن يقال: قد ثبت في أحاديث كثيرة بعضها في الصحيحين وبعضها في صحيح مسلم وبعضها في السنن ومسند الإمام أحمد أن الله تعالى لما فرض على رسوله ﷺ وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة نزل حتى انتهى إلى موسى - وهو في السماء السادسة - فقال ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين

стр. 32

صلاة في كل يوم وليلة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب خفف عن أمتي فحط عني خمساً فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال: ما فعلت؟ فقلت: قد حط عني خمساً فقال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك, قال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمساً خمساً حتى قال: يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة» وهذا لفظ إحدى روايات مسلم. وفي رواية في الصحيحين أن الله تعالى كان يضع عنه في كل مرة عشراً وفي المرة الأخيرة أمره الله تعالى بخمس صلوات. وهذه المراجعة بين رسول الله ﷺ وبين موسى ﵊ حق وصدق, وكذلك تردد النبي ﷺ بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب التخفيف من عدد الصلوات كله حق وصدق. ومن أنكر ذلك أو شك فيه فليس بمؤمن لقول الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ ومن الإيمان بالرسول ﷺ الإيمان بجميع ما أخبر به من أمور الغيب لأنه ﷺ لا يقول إلا الحق كما أخبر الله عنه بقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا

стр. 33

وحي يوحى﴾ ومن قابل الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ بالرد والتشكيك فهو ممن يشك في إسلامه, وسواء في ذلك ما أخبر به عما وقع له في ليلة الإسراء وما أخبر به عن غير ذلك من أمور الغيب.

стр. 34

فصل الثالثة من النقاط التي أنكرها الشلبي وزعم أنها من الأمور الشائعة ومن التصوير المنحرف عن الإسراء والمعراج صعود النبي ﷺ مع جبريل إلى السموات السبع واستفتاح جبريل لأبوابها وقول الخزان له من أنت ومن معك وهل بعث إلى محمد وبعد الإجابة تفتح الأبواب لهما, وهذا الإنكار مذكور في عدة صفحات من كتيّب الشلبي, فذكره في صفحة ٢١ وصفحة ٢٨ و٢٩ ونقله في صفحة ٢٤ و٢٥ عن عبدالجليل عيسى وذكر له اعتراضات على حديث الإسراء تدل على استهانته بالحديث الثابت عن النبي ﷺ . والجواب أن يقال: كل ما أنكره الشلبي وعبدالجليل عيسى في الصفحات المشار إليها بالأرقام فهو ثابت عن النبي ﷺ وهو مخرج في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك ابن صعصعة ﵁, ورواه البخاري ومسلم أيضاً من حديث أنس ﵁ عن أبي ذر ﵁, ورواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ثابت البناني عن أنس ﵁, ورواه البخاري ومسلم من حديث شريك بن عبدالله عن

стр. 35

أنس ﵁ ولم يذكر مسلم لفظه بل قال نحو حديث ثابت البناني, وقد رواه النسائي وابن أبي حاتم من حديث أنس ﵁, ورواه عبدالله بن الإمام أحمد في زوائد المسند من حديث أنس عن أبي بن كعب ﵁, ورواه البيهقي في «دلائل النبوة» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁, ورواه ابن جرير من حديث أبي هريرة ﵁. وبالجملة فكل ما أنكره الشلبي وعبدالجليل عيسى فهو حق وصدق لا يشك في ذلك مسلم له أدنى علم ومعرفة. ومن أنكره ورده فإنما هو في الحقيقة يرد على النبي ﷺ ويكذب أخباره الصادقة ويستهين بها وذلك من أعظم القوادح في الدين.

стр. 36

فصل وقد اعترض الشلبي على استفتاح جبريل لأبواب السموات باعتراضات لا تصدر من إنسان يحترم الرسول ﷺ ويعلم أن أقواله وأخباره حق وصدق, وحاصل اعتراضاته التشكيك فيما أخبر به رسول الله ﷺ عما وقع له في ليلة الإسراء والتلبيس على ضعفاء البصيرة. ففي صفحة ٢٨ قال: إن الرواية تصور السماء سقفا كسقف البيت. والظاهر من كلامه في هذه العبارة أنه ينكر أن تكون السماء سقفاً للأرض كسقف البيت وأن تكون لها أبواب يستفتحها جبريل. والجواب أن يقال: إن كلام الشلبي في هذه العبارة مخالف لنصوص القرآن ولإجماع أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها. فأما مخالفته لنصوص القرآن فإن الله تعالى أخبر أنه جعل السماء سقفا للأرض وامتن بذلك على عباده فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء﴾ وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ وقال تعالى في سورة الطور: ﴿والسقف المرفوع﴾ وقال تعالى في سورة ق: ﴿أفلم ينظروا إلى

стр. 37

السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج﴾ فمن أنكر أن تكون السماء سقفاً للأرض كسقف البيت فقد كذّب بما أخبر الله به في كتابه وذلك كفر يبيح الدم والمال. وأما مخالفته للإجماع فقد قال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي - وهو من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد - قال: أجمعوا على أن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر مثل الكرة, قال وكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة, يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء على قدر واحد, فيدل ذلك على بعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء انتهى. وقال ابن كثير في «البداية والنهاية»: حكى ابن حزم وابن المنادي وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة. وقال أيضاً في تفسير سورة الرعد عند قوله: ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ الآية. يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن

стр. 38

الأرض بعداً لا تنال ويدرك مداها, فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها مرتفعة عليها من كل جانب على السواء, وبعدما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام, ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسمكها خمسمائة عام. وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة انتهى. وقال إياس بن معاوية الإمام المشهور قاضي البصرة من التابعين: السماء على الأرض مثل القبة, ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه.

стр. 39

فصل وفي صفحة ٢١ وصفحة ٢٩ زعم الشلبي أن جبريل وصل إلى مكان لا يستطيع أن يتقدم إليه فقال لمحمد: تقدم أنت أما أنا فليس لي أن أتقدم خطوة واحدة بعد ذلك. والجواب أن يقال: لم يرو هذا في شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وإنما أتى به الشلبي من كيسه, وقد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري قال: أخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال النبي ﷺ : «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» فهذا المستوى هو آخر ما وصل إليه النبي ﷺ في عروجه إلى ربه, ولم يذكر في هذا الحديث الصحيح ولا في غيره من الأحاديث الصحيحة أن جبريل وصل إلى مكان لا يستطيع أن يتقدم إليه ولا أنه قال للنبي ﷺ : تقدم أنت وأما أنا فليس لي أن أتقدم خطوة واحدة, فهذا من التقول على جبريل وعلى رسول الله ﷺ وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية للبخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».

стр. 40

فصل ومما اعترض به الشلبي على استفتاح جبريل لأبواب السموات قوله في صفحة ٢٩ إنه تصوير مادي محض يؤخذ عليه ما يلي: أولاً: ليست هناك أبواب صلدة تدق. ثانياً: إذا فرض وكانت هناك أبواب فإن الحواجز لا تمنع الملائكة من الرؤيا أو النفاذ, فلا معنى لقول الملاك الواقف بالباب مَن الذي يدق الباب أو مَن الذي يستفتح فإنه يستطيع أن يراه. ثالثاً: جبريل يروح ويغدو بالوحي منذ مطلع البشرية فهو بالتأكيد معروف لكل الملائكة, وهل يوقف أمام الباب كل مرة؟! رابعاً: السؤال الثاني وهو: «من معك» يفهم منه أن الملاك يرى أن شخصا مع جبريل فلماذا لم ير جبريل, وقد أخطأ واضع الحديث وكان عليه أن يقول: هل معك أحد, ولو فعل ذلك لرددناه أيضاً لأنه سؤال لا معنى له, وهل يسئل جبريل هذا السؤال كل مرة في ذهابه وإيابه.
следующие страницы →