Полный текст (125 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فصل
وقد اعترض الشلبي على استفتاح جبريل لأبواب السموات باعتراضات لا تصدر من إنسان يحترم الرسول ﷺ ويعلم أن أقواله وأخباره حق وصدق, وحاصل اعتراضاته التشكيك فيما أخبر به رسول الله ﷺ عما وقع له في ليلة الإسراء والتلبيس على ضعفاء البصيرة. ففي صفحة ٢٨ قال: إن الرواية تصور السماء سقفا كسقف البيت. والظاهر من كلامه في هذه العبارة أنه ينكر أن تكون السماء سقفاً للأرض كسقف البيت وأن تكون لها أبواب يستفتحها جبريل.
والجواب أن يقال: إن كلام الشلبي في هذه العبارة مخالف لنصوص القرآن ولإجماع أهل العلم من سلف الأمة وأئمتها. فأما مخالفته لنصوص القرآن فإن الله تعالى أخبر أنه جعل السماء سقفا للأرض وامتن بذلك على عباده فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء﴾ وقال تعالى في سورة المؤمن: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً﴾ وقال تعالى في سورة الطور: ﴿والسقف المرفوع﴾ وقال تعالى في سورة ق: ﴿أفلم ينظروا إلى
стр. 37
السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج﴾ فمن أنكر أن تكون السماء سقفاً للأرض كسقف البيت فقد كذّب بما أخبر الله به في كتابه وذلك كفر يبيح الدم والمال.
وأما مخالفته للإجماع فقد قال الإمام أبو الحسين أحمد بن جعفر ابن المنادي - وهو من أعيان العلماء المشهورين بمعرفة الآثار والتصانيف الكبار في فنون العلوم الدينية من الطبقة الثانية من أصحاب أحمد - قال: أجمعوا على أن الأرض بجميع أجزائها من البر والبحر مثل الكرة, قال وكرة الأرض مثبتة في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة, يدل على ذلك أن جرم كل كوكب يرى في جميع نواحي السماء على قدر واحد, فيدل ذلك على بعد ما بين السماء والأرض من جميع الجهات بقدر واحد فاضطرار أن تكون الأرض وسط السماء انتهى.
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية»: حكى ابن حزم وابن المنادي وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة. وقال أيضاً في تفسير سورة الرعد عند قوله: ﴿الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ الآية. يخبر تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن
стр. 38
الأرض بعداً لا تنال ويدرك مداها, فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها مرتفعة عليها من كل جانب على السواء, وبعدما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام, ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسمكها خمسمائة عام. وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة انتهى. وقال إياس بن معاوية الإمام المشهور قاضي البصرة من التابعين: السماء على الأرض مثل القبة, ذكره عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه.
стр. 39
فصل
وفي صفحة ٢١ وصفحة ٢٩ زعم الشلبي أن جبريل وصل إلى مكان لا يستطيع أن يتقدم إليه فقال لمحمد: تقدم أنت أما أنا فليس لي أن أتقدم خطوة واحدة بعد ذلك.
والجواب أن يقال: لم يرو هذا في شيء من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وإنما أتى به الشلبي من كيسه, وقد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري قال: أخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال النبي ﷺ : «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» فهذا المستوى هو آخر ما وصل إليه النبي ﷺ في عروجه إلى ربه, ولم يذكر في هذا الحديث الصحيح ولا في غيره من الأحاديث الصحيحة أن جبريل وصل إلى مكان لا يستطيع أن يتقدم إليه ولا أنه قال للنبي ﷺ : تقدم أنت وأما أنا فليس لي أن أتقدم خطوة واحدة, فهذا من التقول على جبريل وعلى رسول الله ﷺ وقد تواتر عن النبي ﷺ أنه قال: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» وفي رواية للبخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يقل عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار».
стр. 40
فصل
ومما اعترض به الشلبي على استفتاح جبريل لأبواب السموات قوله في صفحة ٢٩ إنه تصوير مادي محض يؤخذ عليه ما يلي:
أولاً: ليست هناك أبواب صلدة تدق.
ثانياً: إذا فرض وكانت هناك أبواب فإن الحواجز لا تمنع الملائكة من الرؤيا أو النفاذ, فلا معنى لقول الملاك الواقف بالباب مَن الذي يدق الباب أو مَن الذي يستفتح فإنه يستطيع أن يراه.
ثالثاً: جبريل يروح ويغدو بالوحي منذ مطلع البشرية فهو بالتأكيد معروف لكل الملائكة, وهل يوقف أمام الباب كل مرة؟!
رابعاً: السؤال الثاني وهو: «من معك» يفهم منه أن الملاك يرى أن شخصا مع جبريل فلماذا لم ير جبريل, وقد أخطأ واضع الحديث وكان عليه أن يقول: هل معك أحد, ولو فعل ذلك لرددناه أيضاً لأنه سؤال لا معنى له, وهل يسئل جبريل هذا السؤال كل مرة في ذهابه وإيابه.
стр. 41
والجواب أن يقال: هذه الاعتراضات الفاسدة مردودة بقول الله تعالى في صفة رسوله ﷺ : ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ ومن كان مؤمنا بالله ورسوله ﷺ حق الإيمان فإنه لا يرد شيئاً من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ برأيه ولا برأي غيره ولا يقابلها بالاعتراضات والافتراضات والأسئلة التي تدور على الشك والتشكيك فيما هو ثابت عن النبي ﷺ , وإنما يقابلها بالقبول والتسليم واعتقاد أن أقوال الرسول ﷺ وأفعاله وأخباره كلها حق لا مرية فيه, وفي الأحاديث الصحيحة من أحاديث الإسراء والمعراج أبلغ رد على اعتراضات الشلبي وتشكيكاته في استفتاح جبريل لأبواب السموات.
وقد زعم في الرابع من اعتراضاته أن الحديث موضوع.
والجواب أن يقال له ما قاله الله لأمثاله من أهل المكابرة والعناد: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً﴾ وقد ثبت استفتاح جبريل لأبواب السموات في عدة أحاديث صحيحة. منها حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ وهو في الصحيحين, ومنها حديث أنس عن أبي ذر ﵁ وهو في الصحيحين,
стр. 42
ومنها حديث شريك بن عبدالله عن أنس ﵁ وهو في الصحيحين, ومنها حديث ثابت البناني عن أنس ﵁ وهو في صحيح مسلم. وقد جاء ذلك أيضاً في عدة أحاديث في غير الصحيحين. وما كان بهذه المثابة فإنه لا يقدح فيه ويجعل الأحاديث الواردة فيه من قبيل الموضوعات إلا من هو مصاب في دينه وعقله.
стр. 43
فصل
وفي صفحة ٣٠ زعم الشلبي أن الرواد الأمريكيين قد استطاعوا أن يصلوا إلى القمر ويهبطوا عليه, وقال: وإننا نتساءل هل وقفوا يستفتحون أبواب السماء, ومن الذي فتحها لهم.
والجواب أن يقال: إن البشر أضعف وأعجز من أن يصلوا إلى السماء الدنيا التي قد أخبر النبي ﷺ أن بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة, وهم عن اختراق السماء أعجز وأعجز لأن النبي ﷺ قد أخبر أن كثفها مسيرة خمسمائة سنة, فأما فتح أبواب السماء لأعداء الله فهو من المحال كما سيأتي بيان ذلك بالنص الصريح في الآية الكريمة من سورة الأعراف.
وليست السماء فضاء كما يزعمه أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج ومن يقلدهم ويحذو حذوهم من جهال المسلمين والذين ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله. وإنما هي بناء شديد كما أخبر الله عنها بذلك في قوله: ﴿وبنينا فوقكم سبعاً شداداً﴾ وقال تعالى: ﴿أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها * رفع سمكها فسواها﴾ وقال تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج﴾ وقال تعالى:
стр. 44
﴿الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء﴾ وقال تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة, وأخبر تعالى أن للسماء أبواباً فقال جل ذكره: ﴿إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ وقال تعالى: ﴿ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون﴾ وقال تعالى: ﴿وفتحت السماء فكانت أبواباً﴾ وقد تقدم قريباً حكاية الإجماع على أن كرة الأرض في وسط كرة السماء كالنقطة في الدائرة, وروى الإمام أحمد من حديث العباس بن عبدالمطلب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة» ورواه الحاكم في مستدركه وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وإنما أنكر أهل الهيئة الجديدة ومقلدوهم وجود السماء الشديدة البناء لأنهم لم يروها بالتلسكوبات المكبرة للأحجام والمقربة للبعيد, وذلك لبعدها الشاسع عن الأرض فظنوا لجهلهم وقلة عقولهم أنه ليس فوق الأرض سوى الفضاء, وكذبوا بما لم يحيطوا
стр. 45
بعلمه, وفيما ذكرته من الآيات والإجماع أبلغ رد عليهم, والآيات والأحاديث في الرد عليهم كثيرة جداً, وليس هذا موضع ذكرها وقد ذكرت طرفا منها في كتابي المسمى: بـ «الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة» فلتراجع هناك, وقد قرر أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج أن بين النجوم السيارات والنجوم الثوابت بعداً مهولاً وخلاء مجهولاً, وهذا البعد المهول هو الذي حال بينهم وبين رؤية السماء الدنيا التي قد جعل الله الكواكب زينة لها وإذا كانت قدرة البشر عاجزة عن رؤية السماء الدنيا بسبب البعد المهول فهي عن الوصول إليها بالمركبة الفضائية أعجز وأعجز.
وإذا علم هذا فمن زعم أن الرواد الأمريكيين قد وصلوا إلى السماء الدنيا فهو ذاهب العقل وإن ظن في نفسه أن له عقلاً أو ظن الناس أن له عقلاً فلا شك أنه ظن خاطئ, وأسوأ منه في ذهاب العقل من زعم أن الرواد الأمريكيين قد ارتفعوا إلى السماء الدنيا ثم دخلوها بمركبتهم فهذا لا يقوله إلا مبرسم يهذو هذيان المجانين, وقد أخبر الله تعالى أن أبواب السماء لا تفتح للكافرين الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها كما تقدم النص على ذلك في الآية من سورة الأعراف, ومعنى قوله: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء﴾ أي لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا كما أخبر بذلك
стр. 46
النبي ﷺ في حديث البراء بن عازب ﵄, وإذا كانت أبواب السماء لا تفتح لأرواح الكفار إذا ماتوا فبطريق الأولى أن لا تفتح لأجسامهم ومراكبهم في حال حياتهم, ومن المحال أن يرتفعوا عن الأرض مسيرة خمسمائة سنة فضلاً عن أن يرتفعوا عن الأرض مسيرة ألف سنة وأن يخترقوا السماء التي هي بناء شديد كثافته مسيرة خمسمائة سنة, ومن شك فيما أخبر الله به عن شدة بناء السماء وما أخبر به رسول الله ﷺ عن بعدها عن الأرض وعن غلظ سمكها وكثافته وصدق مع ذلك مزاعم أعداء الله وقابل كذبهم وتدجيلهم بالقبول والتسليم فهو ممن يشك في إسلامه, وقد توصل أعداء الله تعالى إلى تضليل المسلمين بالمزاعم الكاذبة والتدجيل والتمويه واستحوذوا بذلك على الفئام الكثيرة والجم الغفير من المسلمين والمنتسبين إلى الإسلام فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فأما القمر فإن قيل: إنه في السماء الدنيا كما ذكر ذلك بعض المفسرين فوصول الرواد الأمريكيين إليه محال كما تقدم التنبيه على ذلك, وتكون دعواهم الوصول إليه كذبا وتدجيلا وتمويها على الناس, وإن قيل إنه في فلك دون السماء كما يقول ذلك المنجمون - فقد ذكر ابن منظور في لسان العرب عنهم أنهم قالوا في الفلك
стр. 47
إنه سبعة أطواق دون السماء قد ركبت فيها النجوم السبعة في كل طوق منها نجم وبعضها أرفع من بعض يدور فيها بإذن الله تعالى - ففي الوصول إليه على هذا القول احتمال بعيد, ومما يدل على تعذر الوصول إلى القمر أن الله تعالى أخبر في عدة آيات من القرآن أنه سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى, وقال تعالى: ﴿وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون﴾ قال الراغب الأصفهاني السبح المرّ السريع في الماء وفي الهواء يقال سبح سبحاً وسباحة واستعير لمرّ النجوم في الفلك نحو: ﴿وكل في فلك يسبحون﴾ ولجري الفرس نحو ﴿فالسابحات سبحاً﴾ ولسرعة الذهاب في العمل نحو: ﴿إن لك في النهار سبحاً طويلاً﴾ انتهى, وقال تعالى: ﴿وسخر لكم الشمس والقمر دائبين﴾ قال الراغب الأصفهاني الدأب إدامة السير, وقال ابن منظور في لسان العرب الدءوب المبالغة في السير, وقال ابن كثير في قوله: ﴿دائبين﴾ أي يسيران لا يفتران ليلاً ولا نهاراً, وقال في موضع آخر أي لا يفتران ولا يقفان إلى يوم القيامة, وقال القرطبي يجريان إلى يوم القيامة لا يفتران.
قلت: إذا كان القمر يسير دائباً ولا يفتر ويمر في الفلك مراً
стр. 48
سريعاً فإنه يتعذر الوصول إليه والهبوط عليه لأن المركبة الفضائية عاجزة عن اللحوق به لسرعة سيره.
وأيضاً فإن الرواد الأمريكيين قد أتوا بأحجار سود زعموا أنها من أرض القمر وزعموا أن في أرضه تراباً وأحجاراً تشبه ما على الأرض من التراب والأحجار, وهذا يدل على كذبهم وتدجيلهم في زعمهم أنهم قد وصلوا إلى القمر وهبطوا عليه لأن الله تعالى قد أخبر أنه جعل القمر نوراً, والنور لا يكون في التراب والأحجار التي تشبه ما على الأرض لأنها لا تضيء بنفسها ولا تقبل الضوء من الأشياء المضيئة وتعكسه على ما يقابلها, وإنما يكون النور في الأشياء المضيئة بنفسها أو الأشياء التي تقبل الضوء من الأشياء المضيئة وتعكسه على ما يقابلها.
وأيضاً فإن الرواد لو كانوا صادقين في زعمهم الوصول إلى القمر لكانوا يكثرون الرحلة إليه للاستكثار من المعلومات عنه ولكان رؤساؤهم وأغنياؤهم يحاولون الوصول إليه والاطلاع عليه لأن النفوس مجبولة على حب الاطلاع على الأشياء التي لم ترها ولم تكن تعرفها, وفي توقف الرواد عن الرحلة إلى القمر وتركهم لها بالكلية دليل على أنهم لم يصلوا إليه ولم يهبطوا عليه.
стр. 49
وقد قابل الشلبي أكاذيب الرواد وتدجيلهم بالقبول والتصديق, وأما أخبار النبي ﷺ عما وقع له في ليلة الإسراء فقد قابله بالإنكار والتكذيب والمعارضة بالآراء الفاسدة والتشكيك والقدح في الأحاديث المروية في الصحيحين وغيرهما, وهذا يدل على أنه مصاب في دينه وعقله, وقد تقدم ذكر ما أنكره من النصوص الثابتة عن النبي ﷺ والجواب عن أقواله السيئة في معارضتها فليراجع ما تقدم. وقد قال الله تعالى: ﴿أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون﴾ وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال الشلبي غاية المطابقة.
стр. 50
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٣٠ وصفحة ٣١: تتجه الرواية إلى تصوير الله كأنه في مكان يسعى له محمد وجبريل, وهذا التصوير يخالف المبادئ الإسلامية التي تقرر أن الله في كل مكان, أو أنه منزه عن المكان, والآيات القرآنية التالية توضح ذلك تمام الوضوح قال تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ , ﴿إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ , ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ وعلى هذا فإن هذا التصوير مردود تماماً بنص القرآن الكريم وبحكم الفكر الإسلامي.
والجواب أن يقال: إن الرواية في صعود النبي ﷺ مع جبريل إلى المستوى الذي قرب فيه من ربه وسمع فيه صريف الأقلام وكلمه الله وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة ثم خففها الله وجعلها خمساً بعد المراجعة من النبي ﷺ في طلب التخفيف والتردد بين ربه وبين موسى ﵊. رواية ثابتة في الصحيحين وفيها دليل وتأييد لما أجمع عليه أهل السنة والجماعة من أن الله تعالى فوق جميع المخلوقات
стр. 51
مستو على عرشه بائن من خلقه والخلق بائنون منه, وفيها أيضاً أبلغ رد على الجهمية الذين ينكرون علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه, وعلى الحلولية الذين يقولون إن الله في كل مكان.
وأما قول الشلبي: إن هذا التصوير يخالف المبادئ الإسلامية التي تقرر أن الله في كل مكان.
فجوابه أن يقال: ليس هذا القول الباطل من المبادئ الإسلامية وإنما هو من أقوال الحلولية من الجهمية. وهو من شر الأقوال التي تخالف الكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى على خلقه ومباينته لهم, ومن زعم أن الله تعالى في كل مكان فقد زعم أنه يكون في الحشوش والأماكن القذرة, تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وقد أبان الشلبي في هذا الموضع عن معتقده الباطل وأنه من الحلولية من الجهمية الذين صرح كثير من أكابر العلماء بتكفيرهم وأخرجهم بعض العلماء من الثنتين وسبعين فرقة من فرق هذه الأمة, والكلام في تكفيرهم مذكور في كتاب السنة لعبدالله بن الإمام أحمد وغيره من كتب السنة, وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية:
стр. 52
ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدان
واللالكائي الإمام حكاه عنـ ... ـهم بل حكاه قبله الطبراني
فذكر أن خمسمائة من العلماء تقلدوا القول بتكفير الجهمية, والأدلة على تكفيرهم مذكورة في كتب السنة وليس هذا موضع ذكرها.
وأما قوله: أو أنه منزه عن المكان.
فجوابه أن يقال: هذه الجملة صريحة في نفي استواء الرب ﵎ على العرش وعلوه على جميع المخلوقات, وليس في هذا القول الباطل تنزيه للرب ﵎ وإنما فيه التعطيل ونفي صفات الكمال عن الله تعالى.
وأما استدلال الشلبي بالآيات الثلاث على ما ذهب إليه من القول بالحلول فهو استدلال في غير محله, فأما الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ فهي من أوضح الأدلة على علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات ومباينته لجميع خلقه لأن كرسيه الذي وسع السموات والأرض هو موضع قدميه والله تعالى فوق العرش, والعرش فوق الماء, والماء فوق الكرسي وبينه وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام, قال ابن
стр. 53
عباس ﵄: «الكرسي موضع قدميه والعرش لا يقدر أحد قدره» رواه عبدالله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وعثمان ابن سعيد الدارمي في الرد على بشر المريسي وإسناد كل منهما صحيح على شرط مسلم, ورواه الحاكم في مستدركه وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي في تلخيصه, وفي رواية لعبدالله بن الإمام أحمد عن ابن عباس ﵄ قال: «إن الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع قدميه وما يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه» وروى ابن جرير عن ابن زيد قال: قال رسول الله ﷺ : «ما السموات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال: وقال أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» وروى ابن مردويه عن أبي ذر ﵁ أنه سأل النبي ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة» , وروى عثمان بن سعيد الدارمي بإسناد صحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «ما بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام وبين كل سماء مسيرة
стр. 54
خمسمائة عام وبين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام وبين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام والعرش على الماء والله تعالى فوق العرش وهو
يعلم ما أنتم عليه» ورواه البيهقي في كتاب «الأسماء والصفات» وابن عبدالبر في «التمهيد» بنحوه, وهذا الأثر له حكم المرفوع لأن فيه إخباراً عن أمور غيبية, والأمور الغيبية لا تقال من قبل الرأي وإنما تقال عن توقيف, وقد ذكر الله تعالى استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن, والعرش فوق جميع المخلوقات, والله تعالى فوق العرش, وقال تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾ وقال تعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة﴾ وقال تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ وقال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ والآيات والأحاديث الدالة على علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات كثيرة جداً, وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على الشلبي الجهمي الذي حمل آية الكرسي على غير محملها واستدل بها على ما ذهب إليه من الحلول ونفي العلو وهو خلاف ما تدل عليه من علو الرب ﵎ ومباينته لجميع خلقه.
وأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿إني قريب أجيب
стр. 55
دعوة الداع إذا دعان﴾ فليس فيها ما يتعلق به الشلبي الجهمي حيث استدل بها على ما يوافق مذهب القائلين بأن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان, فالأول قول الحلولية من الجهمية. والثاني قول المعطلة منهم. تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً, وإنما المعنى في الآية أن الله سبحانه قريب من قلب الداعي ويكون ذلك بتقريبه قلب الداعي إليه كما يقرب إليه قلب الساجد, فالساجد يدنو قلبه من ربه وإن كان بدنه على الأرض, قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى وهذا المعنى متفق عليه بين أهل الإثبات الذين يقولون إن الله فوق العرش, وقال البغوي في الكلام على قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم إني قريب منهم بالعلم لا يخفى عليَّ شيء, وقال القرطبي قوله تعالى: ﴿فإني قريب﴾ أي بالإجابة, وقيل بالعلم, وقيل قريب من أوليائي بالأفضال والإنعام, قلت: ولا منافاة بين هذا الأقوال فإنه سبحانه قريب بالعلم وبالإجابة وبالإفضال والإنعام على أوليائه, وقال ابن كثير هذا كقوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾ وقوله لموسى وهارون: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ والمراد من
стр. 56
هذا أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ولا يشغله عنه شيء بل هو سميع الدعاء ففيه ترغيب في الدعاء وأنه لا يضيع لديه تعالى انتهى.
وأما الآية الثالثة وهي قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم﴾ فالمراد أنه تعالى معهم بعلمه وهو على العرش فوق جميع المخلوقات, وقد نقل الإجماع على هذا غير واحد من أكابر العلماء. قال الإمام أحمد بن محمد بن حنبل فيما رواه القاضي أبو الحسين في «طبقات الحنابلة» عن أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب الفارسي الإصطخري قال: قال أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بعروقها المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها, فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة, زائل عن منهج السنة وسبيل الحق - ثم ساق الإمام أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أن قال - وخلق سبع سموات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض, وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء
стр. 57
مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء العليا السابعة, وعرش الرحمن فوق الماء, والله على العرش, والكرسي موضع قدميه, وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحار ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات ومسقط كل ورقة وعدد كل كلمة وعدد الحصى والرمل والتراب ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء, لا يخفى عليه من ذلك شيء, وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به, فإن احتج مبتدع ومخالف بقول الله : ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ وبقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ وبقوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿هو معهم أينما كانوا﴾ ونحو هذا من متشابه
القرآن, فقل إنما يعني بذلك العلم لأن الله تعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا ويعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان انتهى.
وقال أبو عمر ابن عبدالبر أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل قالوا في تأويل قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ هو على العرش وعلمه في كل
стр. 58
مكان. وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله انتهى, وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في «القاعدة المراكشية» ثم قال: فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف إذ لم ينقل عنهم غير ذلك إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. وذكر شيخ الإسلام أيضاً في «شرح حديث النزول» قول الله تعالى في سورة الحديد: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ وقوله تعالى في سورة المجادلة ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ الآية, ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه, وقد ذكر ابن عبدالبر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم. ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ قال: هو على العرش وعلمه معهم, وروى أيضاً عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم، وروى أيضاً عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله ﴿أينما
стр. 59
كانوا﴾ قال هو على العرش وعلمه معهم.
وذكر أبو عمر الطلمنكي إجماع أهل السنة والجماعة على أن لله عرشاً وعلى أنه مستو على عرشه, وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه, قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء, قال: وقال أهل السنة في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز انتهى, وقال أبو عمر الطلمنكي أيضاً أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من خلقه انتهى.
وذكر الذهبي في كتاب «العلو» عن أبي طالب أحمد بن حميد قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجل قال الله معنا وتلا: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ فقال: قد تجهم هذا, يأخذون بآخر الآية ويَدَعون أولها, هلا قرأت عليه: ﴿ألم تر أن الله يعلم﴾ فعلمه معهم, وروى ابن بطة في كتاب «الإبانة» عن المروذي قال: قلِت لأبي عبدالله إن رجلاً قال أقول كما قال الله: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره فقال أبو عبدالله هذا
стр. 60
كلام الجهمية, بل علمه معهم فأول الآية يدل على أنه علمه, وقال حنبل بن إسحاق قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل ما معنى قوله تعالى: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ و ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ إلى قوله: ﴿إلا هو معهم أينما كانوا﴾ قال علمه.
وكلام أكابر العلماء بنحو هذا كثير جداً, وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على الشلبي الجهمي, وبيان مخالفته لما أجمع عليه الصحابة والتابعون وأئمة العلم والهدى من
стр. 61
بعدهم في معنى قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ الآية وأن المراد بهذه المعية معية العلم, ومن استدل بالآية على أن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان فهو من الجهمية الذين كفرهم العلماء وأخرجهم بعض الأئمة من الثنتين والسبعين فرقة من فرق هذه الأمة.
وأما قول الشلبي: وعلى هذا فإن هذا التصوير مردود تماماً بنص القرآن الكريم وبحكم الفكر الإسلامي.
فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن المردود بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم هو قول الشلبي الجهمي أن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان, فالأول قول الحلولية من الجهمية, والثاني قول المعطلة منهم, وكل من القولين باطل وضلال وكفر بالله العظيم لما فيهما من إنكار علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات واستواءه على العرش ومباينته لجميع خلقه فلا يخالطهم ولا يمتزج بهم. وقد ذكرت قريباً بعض النصوص الدالة على علو الرب ﵎ فوق جميع خلقه وأشرت إلى ما لم أذكره منها وهي كثيرة جداً في الكتاب والسنة.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفكر الإسلامي هو الذي يدور مع نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها وهو الذي يقرر علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات واستواءه على العرش ومباينته لجميع خلقه, فأما القول بأن الله تعالى في كل مكان أو أنه منزه عن المكان فهو من أفكار الجهمية وليس من أفكار المسلمين, ومن زعم أنه من الأفكار الإسلامية فقد قلب الحقيقة وافترى على الإسلام والمسلمين.
стр. 62
فصل
وزعم الشلبي في صفحة ١٦ وصفحة ١٧ وصفحة ١٨ أن الله تجلى على رسوله ﷺ في المعراج.
والجواب أن يقال: معنى التجلي في اللغة الظهور, قال الزجاج: ﴿تجلى ربه للجبل﴾ أي ظهر وبان. ذكره ابن الجوزي في تفسيره وابن منظور في لسان العرب. وقال القرطبي: في تفسيره تجلى: معناه ظهر, وإذا علم هذا فقد اختلف العلماء من الصحابة فمن بعدهم في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة الإسراء, فأثبتها طائفة ونفاها آخرون وهو الصحيح لما رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: «نورٌ أنَّى أراه» قال المازري معناه أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه انتهى. وفي رواية لمسلم قال: «رأيت نوراً» قال النووي: معناه رأيت النور فحسب ولم أر غيره انتهى, وفي حديث أبي ذر ﵁ رد لقول الشلبي: إن الله تعالى تجلي على رسوله ﷺ .
стр. 63
فصل
وفي صفحة ١٦ ذكر الشلبي أن الله تعالى فرض على رسوله وعلى أمته الصلاة خمس مرات في اليوم, أو فرضها خمسين صلاة فتضرع الرسول لربه سائلا, هل تقوى أمتي على هذا التكليف, فتفضل الله وجعلها خمساً رحمة منه وإشفاقاً, وقال نحو ذلك في صفحة ٣٣.
والجواب أن يقال: قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الله تعالى فرض الصلاة أول ما فرضها خمسين صلاة في اليوم والليلة وبعد المراجعة من النبي ﷺ في طلب التخفيف جعلها الله خمس صلوات في اليوم والليلة, ولم تكن خمساً من أول الأمر كما قد توهم ذلك الشلبي في صفحة ٣٣ معتمداً على اعتقاده المخالف لما هو ثابت عن النبي ﷺ .
وأما قوله: وإشفاقاً.
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى لا يوصف بالإشفاق, لأن الإشفاق هو الخوف وهو من صفات المخلوقين فالله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقين, وقد قال نعيم بن حماد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر. وهذا الذي قاله نعيم بن حماد هو قول أهل السنة
стр. 64
والجماعة قاطبة.
стр. 65
فصل
وقال الشلبي في صفحة ١٦: وفي رحلة المعراج رأى الرسول آيات كبرى وليست عندنا تفاصيل عن هذه الآيات, ويحتمل أنه رأى العوالم الكبرى في الكون كالمجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى ولم يتحدث عنها الرسول لأن العقل البشري آنذاك ما كان يمكنه أن يتقبلها.
والجواب أن يقال: قد ذكر ابن جرير في تفسيره قولين لأهل التأويل في المراد بالآيات الكبرى أحدهما: أنه رأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق, وهذا القول ثابت عن ابن مسعود ﵁ رواه البخاري في صحيحه وابن جرير في تفسيره من طريق علقمة عنه, والقول الثاني: أنه رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح, وهذا أيضاً ثابت عن ابن مسعود ﵁ رواه مسلم في صحيحه من طريق زر بن حبيش عنه, وروى الترمذي عن مسروق أن عائشة ﵂ قرأت: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ثم قالت: «إنما هو جبريل لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق» وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم في مستدركه عن
стр. 66
ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿ما كذب الفؤاد ما رأى﴾ قال: «رأى رسول الله ﷺ جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي تلخيصه. وفي هذه الرواية جمع بين ما في رواية علقمة ورواية زر عن ابن مسعود ﵁ وعلى هذا يكون القول في تفسير الآية واحداً والله أعلم.
وأما قول الشلبي: ويحتمل أنه رأى العوالم الكبرى في الكون كالمجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى.
فجوابه أن يقال: هذه المجموعات المزعومة اسم لا مسمى له, وإنما تدور الأقوال فيها على التخرصات والتوهمات ومعارضة الآيات والأحاديث الصحيحة الدالة على جريان الشمس في فلكها ودورانها حول الأرض ودءوبها في ذلك, وعلى التخرصات والتوهمات ومعارضة الأدلة الدالة على وقوف الأرض وسكونها ومعارضة إجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك, وقد ذكرت الأدلة الدالة على جريان الشمس وسكون الأرض في كتابي المسمى بـ «الصواعق الشديدة, على أهل الهيئة الجديدة» فلتراجع هناك, والقول بأن الشمس لها مجموعة تدور حولها وأن هناك
стр. 67
مجموعات أخرى وأن الشمس ساكنة وأن الأرض تدور حولها كله من خرافات أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج وسخافاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان وإنما هي من وحي الشيطان وتضليله, وقد قلدهم في ذلك كثير من المنتسبين إلى العلم من معلمين ومتعلمين وشيوخ وأساتذة ودكاترة فضلاً عن غيرهم, وقد بلغ الجهل بكثير منهم إلى معارضة الآيات والأحاديث الدالة على جريان الشمس ودءوبها في السير والدوران حول الأرض وحملها على ما يوافق آراء أهل الهيئة الجديدة وتخرصاتهم, وكذلك قد ردوا الأدلة الدالة على وقوف الأرض وسكونها وإجماع المسلمين وأهل الكتاب على ذلك بما تلقوه عن أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من المنتسبين إلى العلم من المسلمين.
وقد استدل بعض المنتسبين إلى العلم على سير الأرض ودورانها حول الشمس بقول الله تعالى في سورة النمل: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ وقد أخطئوا في تأويل الآية والاستدلال بها على ما زعموه من سير الأرض ودورانها حول الشمس وقالوا في القرآن بغير علم وضلوا وأضلوا كثيراً من الناس وقد ورد الوعيد الشديد لمن قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم وذلك فيما رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير والبغوي عن ابن عباس ﵄ عن
стр. 68
النبي ﷺ أنه قال: «من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية له: «من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» قال الترمذي: هذا حديث حسن, قال: وهكذا روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم شددوا في هذا في أن يفسر القرآن بغير علم انتهى.
والذين استدلوا على سير الأرض ودورانها حول الشمس بالآية المذكورة قد قالوا في القرآن بغير علم وتعرضوا للوعيد الشديد لمن فعل ذلك. وهلاّ قرءوا ما قبل الآية المذكورة وما بعدها حتى يعلموا أنهم مخطئون تائهون وأن مرور الجبال وسيرها إنما يكون يوم القيامة. قال الله تعالى: ﴿ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكُل أتوه داخرين * وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون * من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾ فالآيات كلها واردة في الخبر عما يكون في يوم القيامة من النفخ في الصور والفزع
стр. 69
ومرور الجبال وسيرها والمجازاة على الأعمال إن خيراً فخير وإن شراً فشر, وقد أخبر الله تعالى عن سير الجبال يوم القيامة في آيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً﴾ وقوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نفساً * فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتا﴾ الآيات وقوله تعالى: ﴿فإذا النجوم طمست * وإذا السماء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا الرسل أقتت * لأي يوم أجلت * ليوم الفصل * وما أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين﴾ وقوله تعالى: ﴿إن يوم الفصل كان ميقاتاً * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجاً * وفتحت السماء فكانت أبواباً * وسيرت الجبال فكانت سراباً﴾ وقوله تعالى: ﴿القارعة ما القارعة * وما أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش﴾ وقوله تعالى: ﴿إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة * إذا رجت الأرض رجاً * وبست الجبال بساً * فكانت هباء منبثاً * وكنتم أزواجاً ثلاثة﴾ فدلت هذه
стр. 70
الآيات مع الآيات من سورة النمل على أن سير الجبال ومرورها مثل مر
السحاب وذهابها بعد ذلك بالكلية إنما يكون يوم القيامة لا في الدنيا.
وأما قوله: ولم يتحدث عنها الرسول لأن العقل البشري آنذاك ما كان يمكنه أن يتقبلها.
فجوابه من وجوه أحدها: أن يقال: إن الرسول ﷺ قد أخبر بكل ما وقع له وما رآه في ليلة الإسراء والمعراج, فأخبر أنه أتي بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبه فسار به حتى أتى بيت المقدس فربطه بالحلقة التي يربط بها الأنبياء, ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين, ثم أتي بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن, وأخبر أن جبريل خرق الصخرة بأصبعه وشد بها البراق, وأخبر أيضاً أن جبريل عرج به إلى السموات السبع وأنه كان يستفتح عند كل سماء فيقال له: من أنت؟ فيقول: جبريل. فيقال له: ومن معك؟ فيقول: محمد.
فيقال له: وقد أرسل إليه؟ فيقول: نعم قد أرسل إليه فيفتح لهما, وأخبر أيضاً أنه رأى عدداً من الأنبياء في السموات السبع وأنه سلم عليهم فردوا ﵇ ورحبوا به ودعوا له بخير, وأخبر أيضاً أنه رأى إبراهيم ﵊ في
стр. 71
السماء السابعة مسنداً ظهره إلى البيت المعمور, وأخبر أيضاً أنه رأى البيت المعمور وأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه, وأخبر أيضاً أنه رفع إلى سدرة المنتهى وأن نبقها مثل قلال هجر, وأن ورقها مثل آذان الفيلة, وأخبر أيضاً أنه رأى الجنة والنار وأنه أدخل الجنة فإذا فيها جبال اللؤلؤ وإذا ترابها المسك, وأخبر أيضاً أنه رأى مالكاً خازن النار فسلم عليه مالك, وأخبر أيضاً أنه عرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر بما هو كائن - وأخبر أيضاً أن الله تعالى فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة فلما نزل وانتهى إلى موسى أشار عليه أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف عنه وعن أمته, وأخبر أيضاً أنه لم يزل يتردد بين ربه وبين موسى حتى جعلها الله خمساً في العمل وخمسين في الأجر, وأخبر أيضاً أنه لما حانت الصلاة صلى بالأنبياء وأن ذلك كان في بيت المقدس فكل هذا قد أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه.
وقد تلقاه من سمعه من الصحابة ﵃ بالإيمان والتسليم, وكذلك كل من بلغه ذلك من الصحابة والتابعين وأتباعهم من المؤمنين إلى زماننا فكلهم تلقوه بالإيمان والتسليم, ولم يتوقف عن قبوله إلا أهل الشذوذ والمخالفة من
стр. 72
العصريين ومنهم الشلبي وأمثال له كثير, ولا شك أن هؤلاء قد أصيبوا في دينهم وعقولهم, فأما المجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى المزعومة وهي التي يسمونها العوالم الكبرى فليس لها وجود إلا في أذهان أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج وفي أذهان أتباعهم من جهلة العصريين الذين يصدقون مزاعم أعداء الله ويتلقون كل ما جاء عنهم من التخرصات والتوهمات بالقبول والتسليم ويقدمون أقوالهم الباطلة على ما جاء في كتاب الله تعالى وما ثبت عن رسول الله ﷺ , وما أعظم البلاء على الدين وأهل الدين من هؤلاء الذين قد ذكرت بعض أفعالهم السيئة, والله المسئول أن يطهر الأرض منهم ومن كل من عارض أقوال الرسول ﷺ وأخباره برأيه وتفكيره أو بتفكير غيره من الناس وآرائهم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي ﷺ قد ترك أمته وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لهم منه علماً, رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي ذر ﵁. قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبدالله بن يزيد المقري وهو ثقة. وقد رواه الطبراني أيضاً عن أبي الدرداء ﵁ قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح, وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من زعم أن النبي ﷺ قد رأى العوالم الكبرى ولم يتحدث عنها
стр. 73
ويلزم على هذا القول الباطل نسبة النبي ﷺ إلى الكتمان لبعض ما ينبغي التحدث عنه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كلام الشلبي في هذه الجملة مشتمل على الغض من الصحابة ونسبتهم إلى ضعف العقول بحيث لا يمكن أن يتقبلوا التحديث عن العوالم الكبرى. وهذا من ظن السوء بالصحابة ﵃, ويلزم على هذا الظن الكاذب ترجيح عقول أتباع الهيئة الجديدة ومقلديهم من العصريين على عقول الصحابة ﵃, وهذا لا يقوله إنسان يعقل ما يقول, والصحابة ﵃ منزهون عن ظنون الشلبي وأمثاله من متشدقة العصريين وضلالهم, وقد كان الصحابة ﵃ أعظم الناس إيماناً بأقوال الرسول ﷺ وأخباره وأشدهم مسارعة إلى تقبل ما يحدثهم به عن الأمور الغيبية فلو أنه رأى العوالم الكبرى التي زعموها وحدث الصحابة عنها لسارعوا إلى تصديقه وقبول ما يخبرهم به, وقد أخبرهم أنه رأى الجنة والنار ورأى جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق ورأى سدرة المنتهى ورأى البيت المعمور إلى غير ذلك مما رآه وما وقع له في ليلة الإسراء والمعراج وقد تقدم ذكره في الوجه الأول, وكل واحد مما رآه وما وقع له أعظم بكثير من العوالم الكبرى التي زعموها,
стр. 74
وقد قابل الصحابة ﵃ أخباره كلها بالإيمان والتسليم, فأبعد الله من عاب الصحابة ورماهم بضعف العقول.
الوجه الرابع: أن يقال: إن إثبات العوالم الكبرى والتحدث عنها مبني على التخرص واتباع الظن. والنبي ﷺ منزه عن التحدث بما يتحدث به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من التخرص عن العوالم الكبرى التي زعموها, والصحابة ﵃ منزهون عن تقبل التخرصات التي يهذو بها أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم, وإنما يتقبل ذلك أهل العقول الضعيفة من العصريين الذين هم أتباع كل ناعق.
стр. 75
فصل
وفي صفحة ٣١ وصفحة ٣٢ وصفحة ٣٣ قال الشلبي: خامساً موسى وتخفيف الصلاة, تصور الرواية موسى ﵇ حياً, وتصوره في السماء السادسة أو السابعة وتصوره يسأل محمداً صلوات الله وسلامه عليه, ماذا فرض الله عليك وعلى أمتك فيقول خمسون صلاة في اليوم والليلة فيقول له موسى ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف, ويستجيب محمد ويعود مرة أخرى وثالثة ورابعة ... على ما مر ذكره, واعتقادي أن هذه القصة من الإسرائيليات التي ترمي إلى وضع موسى في موضع المعلم لمحمد وصاحب الفضل على المسلمين وكأنه أعرف بأمة محمد من محمد, وقد تسربت رائحة الإسرائيليات من الروايات المتصلة بهذا الموضوع, فقد جعلت بعض الروايات موسى في السماء السابعة وجعلته يقول عندما رأى محمداً يتخطى السماء السابعة إلى ما فوقها, رب لم أكن أظن أن ترفع علي أحداً, ثم إن الروايات تقسو في تصوير اعتراض موسى لمحمد وعبارتها هي, عندما عاد محمد احتبسه موسى وهو تعبير لا يليق بسيدنا رسول الله ﷺ .
والجواب أن يقال: أما قوله إن الرواية تصور موسى حياً.
следующие страницы →