Полный текст (125 стр.). Показаны 106–125 · переход к 111.
стр. 106
عنه ﵁ أنه قال: «رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح» وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم عنه ﵁ أنه قال: «رأى رسول الله ﷺ جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» وروى الترمذي أيضاً عن عائشة ﵂ أنها قرأت: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ثم قالت: «إنما هو جبريل لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق» فهذا هو المروي عن الصحابة ﵃ في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ فأما العوالم الكبرى التي زعموها فلم يأت لها ذكر في القرآن ولا في السنة وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ وقال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وقد جاء في آيات كثيرة من القرآن أن الله تعالى سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأنه سخرهما دائبين وأن النجوم مسخرات بأمره. ولم يأت في القرآن ولا في السنة أن منها عوالم كبرى.
فهذا القول من الخرافات المبنية على التخرص واتباع الظن وقد قال الله تعالى: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 107
«إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وحيث أنه لا دليل مع الشلبي على ما زعمه من رؤية النبي ﷺ للعوالم الكبرى فإن زعمه يكون افتراء على النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ قال أبو قلابة هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة, رواه ابن جرير.
الوجه الثالث: أن يقال: من زعم أن مكة صغرت في نفس النبي ﷺ بعد الإسراء والمعراج فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلاً, وقد روى الترمذي وابن حبان في صحيحه عن عبدالله بن عدي بن حمراء الزهري قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح, وقد رواه ابن ماجه وقال فيه: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي» وروى الترمذي أيضاً والبزار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو رواية الترمذي وابن حبان عن عبدالله بن عدي بن حمراء, وفي رواية للبزار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف عام الفتح بالحجون فقال: «والله إنك لأخير أرض
стр. 108
الله وأحب أرض الله إلى الله تعالى لولا أني أخرجت منك ما خرجت» وروى الترمذي أيضاً وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم والذهبي, ورواه أبو يعلى بنحوه قال الهيثمي ورجاله ثقات, وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من زعم أن مكة صغرت في نفس النبي ﷺ بعد الإسراء والمعراج, ولا شك أن هذا من الافتراء على النبي ﷺ وقد تقدم ذكر الآية من سورة الأعراف وفيها وعيد شديد للمفترين, وثبت عن النبي ﷺ وتواتر عنه أنه قال: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وأما قوله وماذا تكون مكة ومن بها بالقياس إلى هذا العالم الفسيح.
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قد فضل مكة على سائر بقاع الأرض وجعلها حرماً آمناً وجعل فيها بيته الذي جعله قياماً للناس ومثابة وقبلة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وجعل حجه أحد أركان الإسلام الخمسة, والآيات في فضلها وتعظيمها كثيرة معلومة, وقد روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس
стр. 109
رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حرم هذا البيت يوم خلق السموات والأرض وصاغه حين صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام» ويشهد لهذا الحديث ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» وهذه الفضائل المذكورة خاصة بمكة وليس للشمس ولا للمجموعات الأخرى المزعومة شيء منها. فمن استصغر مكة واستخف بشأنها فقد خالف ما جاء في القرآن والسنة من تعظيمها والرفع من شأنها, وماذا يكون العالم الفسيح والعوالم الكبرى التي زعموها بالقياس إلى فضل مكة وشرفها وعظم شأنها عند الله تعالى وعند المسلمين.
стр. 110
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٢٢ وصفحة ٢٣: ومن الذين تدارسوا هذه الأحاديث ابن كثير, وقد وصف بعض ما ورد من أحاديث حول الإسراء والمعراج بالاضطراب وحدد ما ينبغي أن يعتقده المسلم في موضوع الإسراء والمعراج وما ينبغي أن يتركه. وفيما يلي كلمات ابن كثير:
وإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتفقت عليه, والحق أنه ﵇ أسري به من مكة إلى بيت المقدس وهناك صلى ركعتين ثم عرج به إلى السماء وفرض الله عليه الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده, وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقنع به المسلم ويستبعد ما سواه (تفسير ابن كثير جـ٥ ص ٢٤٥) وواضح أن كلام ابن كثير يقرر ما يلي:
١ - الإسراء تم من مكة إلى بيت المقدس دون ذكر الوسيلة.
٢ - صلى الرسول ركعتين بدون ذكر أنه أمَّ الأنبياء.
٣ - عرج به إلى السماء بدون حاجة إلى دق باب ووقوف أمام الأبواب.
стр. 111
٤ - فرض الله عليه الصلاة خمسين ثم خففها إلى خمس تفضلا منه بدون وساطة موسى ﵇ وبدون تعدد للذهاب والعودة.
٥ - يقرر ابن كثير ضرورة استبعاد ما سوى ذلك وضرورة تركه تماماً وهذا هو ما نراه.
والجواب أن يقال: إن الشلبي قد نقص من كلام ابن كثير وزاد فيه جملة ليست منه ونسبها إليه. وسأذكر كلام ابن كثير وأتبعه بالرد على كلام الشلبي إن شاء الله تعالى ليعلم ما فيه من الخيانة والافتراء على ابن كثير رحمه الله تعالى.
قال ابن كثير في أول تفسيره لسورة الإسراء بعد إيراده للأحاديث الواردة في الإسراء والمعراج «فصل» وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس - إلى أن قال - والحق أنه أسري به يقظة لا مناماً من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرّقى فيها فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السموات فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم
стр. 112
على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة ثم جاوز منزلتيهما حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر بما هو كائن - ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة, ورأى هنالك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق, ورأى البيت المعمور, وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة, ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها, ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة, ويحتمل أنها الصبح من يومئذ ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء, والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه, والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحداً واحداً وهو يخبره بهم, وهذا هو اللائق لأنه كان أولاً مطلوباً إلى الجناب
стр. 113
العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به إخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة وذلك عن إشارة جبريل له في ذلك ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى, وقد ذكر فيه مضمون ما جاء في الأحاديث التي ذكرها قبل الفصل الذي نقلت بعضه, ومن مضمونها أن رسول الله ﷺ أسرى به من مكة إلى بيت المقدس راكباً البراق وفي هذا رد على الشلبي حيث زعم أن ابن كثير قد قرر أن الإسراء تم من مكة إلى بيت المقدس دون ذكر الوسيلة. ومن مضمونها أيضاً ربط الدابة عند الباب. وفي هذا رد على الشلبي حيث أنكر ثقب الصخرة وربط البراق فيها.
وأما عروج النبي ﷺ إلى السموات صحبة جبريل وأن جبريل كان يستفتح أبواب السموات ويقف عندها حتى تفتح له, وأن الله تعالى فرض الصلاة على نبيه ﷺ خمسين ثم لم يزل النبي ﷺ يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب التخفيف عنه وعن أمته حتى جعلها الله خمساً في العمل وخمسين في الأجر فقد جاء النص على ذلك كله في أحاديث كثيرة ذكرها ابن كثير في أول تفسيره لسورة الإسراء, وقد ذكر مضمونها في الفصل الذي
стр. 114
نقلت بعضه واكتفى بذكر المضمون فيه عن ذكر النصوص, فلا بد إذاً من عرض كلامه في الفصل على نصوص الأحاديث التي ذكرها قبله وتطبيقه على النصوص, فأما الاقتصار على ما ذكره في الفصل ومعارضة نصوص الأحاديث الصحيحة به فهو من أفعال الزنادقة الذين همهم التلبيس على الجهال والتشكيك في الأحاديث الصحيحة وجعلها من قبيل الموضوعات والإسرائيليات. وهذا هو ما فعله الشلبي في كتيّبه المشئوم.
وأما قوله: إن ابن كثير يقرر ضرورة استبعاد ما سوى ذلك وضرورة تركه تماماً.
فجوابه أن يقال: هذه الجملة - وهي قوله وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقنع به السلم ويستبعد ما سواه - ليست في كلام ابن كثير وقد أضافها الشلبي إلى كلامه ونسبها إليه, وهذا من الافتراء على ابن كثير, وقد جاء الوعيد الشديد على الافتراء. وتقدم ذكر ذلك في الفصل الذي قبل هذا الفصل فليراجع.
والواقع في الحقيقة أن الشلبي هو الذي قرر استبعاد ما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وقرر ضرورة ترك ذلك تماماً, وقد ملأ كتيّبه المشئوم من هذا التقرير الباطل, وما أعظم ذلك وأشد خطره لما فيه من المشاقة لله
стр. 115
ولرسوله ﷺ واتباع غير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالداً فيها ذلك الخزي العظيم﴾ وقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.
стр. 116
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٢٣ وصفحة ٢٤: ومن العلماء الثقات المعاصرين الذين تدارسوا أحاديث الإسراء والمعراج فضيلة الأستاذ الشيخ عبدالجليل عيسى عضو مجمع البحوث الإسلامية, وقد ذكر أن أحاديث الإسراء والمعراج وردت في البخاري في سبع روايات مختلفة وقرر أن اختلاف الروايات في حديث ما ينفي عنه عند علماء الحديث صفة الحديث الصحيح والحسن.
والجواب أن يقال: ما قرره عبدالجليل عيسى وتلقاه عنه الشلبي بالقبول والتسليم من أن اختلاف الروايات في الحديث ينفي عنه صفة الصحيح والحسن عند علماء الحديث فهو من التقول على علماء الحديث, وإنما يذكر الطعن في الأحاديث الصحيحة باختلاف الروايات فيها عن الزنادقة من المتقدمين والمتأخرين ولا عبرة بهم, وقولهم في رد الأحاديث الصحيحة من أجل اختلاف الروايات والألفاظ مردود لمخالفتها لما جاء عن كثير من الصحابة والتابعين وأئمة العلم والهدى من بعدهم أنهما كانوا يروون الحديث بالمعنى ولا يرون بذلك بأساً, وقد روى الخطيب في كتاب «الكفاية في علم الرواية» عن أبي سعيد ﵁ قال كنا نجلس إلى النبي ﷺ عسى أن نكون عشرة نفر نسمع
стр. 117
الحديث فما منا اثنان يؤديانه غير أن المعنى واحد, وروى أيضاً عن محمد بن سيرين قال كنت أسمع الحديث عن عشرة, المعنى واحد واللفظ مختلف, وروى أيضاً عن هشام بن عروة عن أبيه قال قالت لي عائشة ﵂: يا بني إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه فقلت لها أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره فقالت: هل تسمع في المعنى خلافاً قلت: لا. قالت: لا بأس بذلك, قال ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث» والأصح جواز ذلك - أي رواية الحديث بالمعنى - إذا كان قاطعاً بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين, وكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمر واحد بألفاظ مختلفة, وما ذاك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ انتهى.
وروى الخطيب في كتاب «الكفاية» عن أزهر بن جميل قال: كنا عند يحيى بن سعيد ومعنا رجل يتشكك فقال له يحيى: يا هذا إلى كم هذا. ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى وقد رخص فيه على سبعة أحرف, قال الشافعي: وإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف معرفة منه بأن الحفظ قد يزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه
стр. 118
ما لم يكن في اختلافهم إحالة معنى ما كان سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يحل معناه, قال السخاوي في «فتح المغيث»: وسبقه لنحوه يحيى بن سعيد القطان فإنه قال القرآن أعظم من الحديث ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف, وكذا قال أبو أويس سألنا الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال إن هذا يجوز في القرآن فكيف به في الحديث إذا أصبت معنى الحديث فلم تحل به حراما ولم تحرم به حلالاً فلا بأس به, واحتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى ﵇ وعدوه بألفاظ مختلفة في شيء واحد كقوله: ﴿بشهاب قبس﴾ و ﴿بقبس أو جذوة من النار﴾ وكذلك قصص سائر الأنبياء ﵈ في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى, وقد قال أبي بن كعب كما أخرجه أبو داود كان رسول الله ﷺ يوتر بـ ﴿سبح اسم ربك﴾ وقل للذين كفروا والله الواحد الصمد, فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى انتهى.
وكلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم في جواز رواية الحديث بالمعنى كثير, وفيما ذكرته ههنا كفاية في الرد على من تقوّل على علماء الحديث وزعم أن اختلاف الروايات في الحديث ينفي عندهم صفة الصحيح والحسن.
стр. 119
وقال الشلبي في صفحة ٣٦: أيها المسلم لم يعد هناك مجال للشطحات والخرافات التي تقلل من جلال هذا الحدث العظيم, وقد سجلت لك أدق الآراء.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: إن الشطحات والخرافات ليست في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وإنما هي في كلام الشلبي وأمثاله من دعاة الضلال الذين يعارضون الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ بآرائهم الفاسدة وأفكارهم الخاطئة ولا يبالون بردها واطراحها وإلصاق الصفات الذميمة بها كقول الشلبي في كثير من الأخبار التي جاءت في أحاديث الإسراء والمعراج إنها شطحات وخرافات وأوهام وموضوعات وإسرائيليات وانحرافات وآراء شائعة وتصوير مادي محض, هكذا زعم وافترى وضل عن سبيل الله تعالى وشاق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين, وسيحمل أوزار الذين يغترون بخداعه وشبهه وآرائه الفاسدة وسمومه التي نفثها في كتيّبه المشئوم, قال الله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾ وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي
стр. 120
هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الأخبار الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج لم تقلل من جلال الإسراء والمعراج وإنما الشلبي هو الذي بذل جهده في التقليل من جلال الإسراء والمعراج وذلك بإنكاره لكثير مما وقع للنبي ﷺ في تلك الليلة وجعله ذلك من قبيل الشطحات والخرافات, وهذا مما يوقع الشك في إسلامه لأن معارضته للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ تدل على أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة إذ لا بد في تحقيقها من تصديق أخبار النبي ﷺ ومقابلتها بالقبول والتسليم, قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما﴾ ومن لم يؤمن بكل ما ثبت عن النبي ﷺ من أنباء الغيب فليس بمعصوم الدم والمال لقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الثالث: أن يقال: إن الشلبي لم يسجل أدق الآراء في الإسراء والمعراج, وإنما سجل أخس الآراء وأبعدها عن الصواب
стр. 121
وذلك بتهجمه على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وإنكاره لكثير مما وقع للنبي ﷺ في تلك الليلة وجعله ذلك من قبيل الشطحات والخرافات وإلصاق الأوصاف الذميمة بما هو ثابت عن النبي ﷺ وهي مبثوثة في كتيبّه المشئوم, وقد تقدم ذكرها في الوجه الأول, ومن تأمل كلامه لم يشك أنه مصاب في دينه.
والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به. وأسأله أن يريني وإخواني المسلمين الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه ولا يجعله ملتبسا علينا فنضل.
стр. 122
فصل
وفي صفحة ٦ وضع الشلبي صوراً وهمية لصبيان أهل الطائف الذين آذوا رسول الله ﷺ ورموه بالحجارة حين ذهب إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله تعالى, ووضع أيضاً في صفحة ١٣ صورة وهمية لعرش بلقيس, ووضع أيضا في صفحة ٢٠ صوراً لأحد الوعاظ وبعض الحاضرين عنده.
وأقول: إن الشلبي قد ارتكب أموراً محرمة في وضعه التصاوير في كتيّبه المشئوم. أحدها: الكذب في وضع التصاوير الوهمية لصبيان أهل الطائف وعرش بلقيس لأنه لم ير الذين وضع لهم الصور. ومن صور أناساً لم يرهم أو صور شيئاً لم يره فلا شك أنه قد ارتكب الكذب والتزوير في تصويره, والكذب والتزوير من كبائر الإثم, وقد ورد الوعيد الشديد على ذلك في أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها.
الثاني: استحلال تصوير ذوات الأرواح, وتصويرها من أظلم الظلم ومن كبائر الإثم, وقد لعن رسول الله ﷺ المصورين وأخبر أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة, وأخبر عن الله تعالى أنه قال: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» والأحاديث في الوعيد
стр. 123
الشديد على التصوير كثيرة جداً, وقد ذكرتها في كتابي «إعلان النكير على المفتونين بالتصوير» فلتراجع هناك.
الثالث: مخالفة أمر النبي ﷺ بطمس الصور والاستهانة بالتشديد المروي عن النبي ﷺ في صناعتها, وقد قال الله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى أتدري ما الفتنة, الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
فأما الأمر بطمس الصور فقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي من حديث أبي الهياج الأسدي - واسمه حيان بن حصين - قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ «أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته ولا قبراً مشرفاً إلا سويته» وفي رواية لمسلم: «ولا صورة إلا طمستها» ورواه النسائي بهذا اللفظ. قال النووي في الكلام على هذا الحديث. فيه الأمر بتغيير صور ذوات الأرواح انتهى.
وأما التشديد في صناعة الصور فقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وعبدالله بن الإمام أحمد في زوائد المسند عن أبي
стр. 124
محمد الهذلي - ويقال له أيضا أبو مورع - عن علي ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ في جنازة فقال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسره ولا قبراً إلا سواه ولا صورة إلا لطخها» فقال رجل أنا يا رسول الله فانطلق فهاب أهل المدينة فرجع فقال علي ﵁ أنا أنطلق يا رسول الله قال: «فانطلق» فانطلق ثم رجع فقال يا رسول الله لم أدع بها وثنا إلا كسرته ولا قبراً إلا سويته ولا صورة إلا لطختها ثم قال رسول الله ﷺ : «من عاد لصنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ » قال الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد: إسناده حسن.
فليتأمل الشلبي وغيره من المتهاونين بتصوير ذوات الأرواح ما جاء في هذين الحديثين وليحذروا عاقبة المخالفة لأمر الرسول ﷺ والارتكاب لنهيه والاستهانة بتشديده.
وهذا آخر ما تيسر إيراده في الرد على شطحات الشلبي وخرافاته, والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال ذلك كاتبه الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبدالله بن حمود
стр. 125
التويجري, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
١٧/ ٣/ ١٤٠٥ هـ