Полный текст (125 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
السماء السابعة مسنداً ظهره إلى البيت المعمور, وأخبر أيضاً أنه رأى البيت المعمور وأنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه, وأخبر أيضاً أنه رفع إلى سدرة المنتهى وأن نبقها مثل قلال هجر, وأن ورقها مثل آذان الفيلة, وأخبر أيضاً أنه رأى الجنة والنار وأنه أدخل الجنة فإذا فيها جبال اللؤلؤ وإذا ترابها المسك, وأخبر أيضاً أنه رأى مالكاً خازن النار فسلم عليه مالك, وأخبر أيضاً أنه عرج به حتى ظهر لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام - أي أقلام القدر بما هو كائن - وأخبر أيضاً أن الله تعالى فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة في كل يوم وليلة فلما نزل وانتهى إلى موسى أشار عليه أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف عنه وعن أمته, وأخبر أيضاً أنه لم يزل يتردد بين ربه وبين موسى حتى جعلها الله خمساً في العمل وخمسين في الأجر, وأخبر أيضاً أنه لما حانت الصلاة صلى بالأنبياء وأن ذلك كان في بيت المقدس فكل هذا قد أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الثابتة عنه.
وقد تلقاه من سمعه من الصحابة ﵃ بالإيمان والتسليم, وكذلك كل من بلغه ذلك من الصحابة والتابعين وأتباعهم من المؤمنين إلى زماننا فكلهم تلقوه بالإيمان والتسليم, ولم يتوقف عن قبوله إلا أهل الشذوذ والمخالفة من
стр. 72
العصريين ومنهم الشلبي وأمثال له كثير, ولا شك أن هؤلاء قد أصيبوا في دينهم وعقولهم, فأما المجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى المزعومة وهي التي يسمونها العوالم الكبرى فليس لها وجود إلا في أذهان أهل الهيئة الجديدة من الإفرنج وفي أذهان أتباعهم من جهلة العصريين الذين يصدقون مزاعم أعداء الله ويتلقون كل ما جاء عنهم من التخرصات والتوهمات بالقبول والتسليم ويقدمون أقوالهم الباطلة على ما جاء في كتاب الله تعالى وما ثبت عن رسول الله ﷺ , وما أعظم البلاء على الدين وأهل الدين من هؤلاء الذين قد ذكرت بعض أفعالهم السيئة, والله المسئول أن يطهر الأرض منهم ومن كل من عارض أقوال الرسول ﷺ وأخباره برأيه وتفكيره أو بتفكير غيره من الناس وآرائهم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي ﷺ قد ترك أمته وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لهم منه علماً, رواه الإمام أحمد والطبراني عن أبي ذر ﵁. قال الهيثمي: ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبدالله بن يزيد المقري وهو ثقة. وقد رواه الطبراني أيضاً عن أبي الدرداء ﵁ قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح, وفي هذين الحديثين أبلغ رد على من زعم أن النبي ﷺ قد رأى العوالم الكبرى ولم يتحدث عنها
стр. 73
ويلزم على هذا القول الباطل نسبة النبي ﷺ إلى الكتمان لبعض ما ينبغي التحدث عنه.
الوجه الثالث: أن يقال: إن كلام الشلبي في هذه الجملة مشتمل على الغض من الصحابة ونسبتهم إلى ضعف العقول بحيث لا يمكن أن يتقبلوا التحديث عن العوالم الكبرى. وهذا من ظن السوء بالصحابة ﵃, ويلزم على هذا الظن الكاذب ترجيح عقول أتباع الهيئة الجديدة ومقلديهم من العصريين على عقول الصحابة ﵃, وهذا لا يقوله إنسان يعقل ما يقول, والصحابة ﵃ منزهون عن ظنون الشلبي وأمثاله من متشدقة العصريين وضلالهم, وقد كان الصحابة ﵃ أعظم الناس إيماناً بأقوال الرسول ﷺ وأخباره وأشدهم مسارعة إلى تقبل ما يحدثهم به عن الأمور الغيبية فلو أنه رأى العوالم الكبرى التي زعموها وحدث الصحابة عنها لسارعوا إلى تصديقه وقبول ما يخبرهم به, وقد أخبرهم أنه رأى الجنة والنار ورأى جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق ورأى سدرة المنتهى ورأى البيت المعمور إلى غير ذلك مما رآه وما وقع له في ليلة الإسراء والمعراج وقد تقدم ذكره في الوجه الأول, وكل واحد مما رآه وما وقع له أعظم بكثير من العوالم الكبرى التي زعموها,
стр. 74
وقد قابل الصحابة ﵃ أخباره كلها بالإيمان والتسليم, فأبعد الله من عاب الصحابة ورماهم بضعف العقول.
الوجه الرابع: أن يقال: إن إثبات العوالم الكبرى والتحدث عنها مبني على التخرص واتباع الظن. والنبي ﷺ منزه عن التحدث بما يتحدث به أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم من التخرص عن العوالم الكبرى التي زعموها, والصحابة ﵃ منزهون عن تقبل التخرصات التي يهذو بها أهل الهيئة الجديدة وأتباعهم, وإنما يتقبل ذلك أهل العقول الضعيفة من العصريين الذين هم أتباع كل ناعق.
стр. 75
فصل
وفي صفحة ٣١ وصفحة ٣٢ وصفحة ٣٣ قال الشلبي: خامساً موسى وتخفيف الصلاة, تصور الرواية موسى ﵇ حياً, وتصوره في السماء السادسة أو السابعة وتصوره يسأل محمداً صلوات الله وسلامه عليه, ماذا فرض الله عليك وعلى أمتك فيقول خمسون صلاة في اليوم والليلة فيقول له موسى ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف, ويستجيب محمد ويعود مرة أخرى وثالثة ورابعة ... على ما مر ذكره, واعتقادي أن هذه القصة من الإسرائيليات التي ترمي إلى وضع موسى في موضع المعلم لمحمد وصاحب الفضل على المسلمين وكأنه أعرف بأمة محمد من محمد, وقد تسربت رائحة الإسرائيليات من الروايات المتصلة بهذا الموضوع, فقد جعلت بعض الروايات موسى في السماء السابعة وجعلته يقول عندما رأى محمداً يتخطى السماء السابعة إلى ما فوقها, رب لم أكن أظن أن ترفع علي أحداً, ثم إن الروايات تقسو في تصوير اعتراض موسى لمحمد وعبارتها هي, عندما عاد محمد احتبسه موسى وهو تعبير لا يليق بسيدنا رسول الله ﷺ .
والجواب أن يقال: أما قوله إن الرواية تصور موسى حياً.
стр. 76
فجوابه أن يقال: أن موسى وسائر الأنبياء أحياء عند ربهم حياة برزخية أعلى وأكمل من حياة الشهداء الذين قال الله فيهم: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ وقد رأى النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء عدداً من الأنبياء في السموات السبع وسلم عليهم فردوا ﵇ ورحبوا به ودعوا له بخير, وهذا يدل على أنهم أحياء عند ربهم حياة برزخية, والأحاديث الواردة في ذلك ثابتة عن النبي ﷺ بعضها في الصحيحين وبعضها في غيرهما, وفيها أبلغ رد على من أنكر الحياة البرزخية للأنبياء.
وأما قوله: وتصوره في السماء السادسة أو السابعة.
فجوابه أن يقال: قد ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ أن رسول الله ﷺ أخبر أنه رأى موسى في السماء السادسة, وجاء مثل ذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ثابت البناني عن أنس ﵁, وجاء مثل ذلك فيما رواه البيهقي في «دلائل النبوة» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁, وجاء مثل ذلك فيما رواه ابن جرير من حديث أبي هريرة ﵁,
стр. 77
والعمدة في هذا على ما ثبت في الصحيحين عن مالك بن صعصعة ﵁ وما رواه مسلم عن أنس ﵁, وما سوى ذلك فهي شواهد لما جاء في الصحيحين.
وأما قوله: وتصوره يسأل محمداً ما فرض الله عليك وعلى أمتك فيقول خمسون صلاة في اليوم والليلة فيقول له موسى ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف, ويستجيب محمد ويعود مرة أخرى وثالثة ورابعة ... على ما مر ذكره.
فجوابه أن يقال: كل ما ذكره الشلبي في هذه الجملة فهو واقع وثابت عن النبي ﷺ فمن أنكره فإنما هو في الحقيقة ينكر على النبي ﷺ ويكذب خبره الصادق, وهذا من أفعال أهل الزيغ والزندقة.
وأما قوله: واعتقادي أن هذه القصة من الإسرائيليات التي ترمي إلى وضع موسى في موضع المعلم لمحمد وصاحب الفضل على المسلمين وكأنه أعرف بأمة محمد من محمد.
فجوابه أن يقال: أما قصة الإسراء والمعراج فهي ثابتة في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ومالك بن صعصعة وأبي ذر ﵃ فمن أنكرها أو أنكر شيئاً منها أو اعتقد أنها قصة
стр. 78
إسرائيلية فلا شك أنه زائغ القلب فاسد الاعتقاد.
وليس فيما دار بين موسى ﵇ ومحمد ﷺ من المراجعة في طلب التخفيف من عدد الصلوات ما يرمى إلى وضع موسى في موضع المعلم لمحمد ﷺ كما قد توهم ذلك الشلبي, وإنما ذلك من باب المشورة على النبي ﷺ والنصيحة له ولأمته وقد قال النبي ﷺ : «الدين النصيحة» رواه مسلم وغيره من حديث تميم الداري ﵁, وقد كان الصحابة ﵃ يشيرون على النبي ﷺ في بعض الأمور فيقبل مشورتهم ويعمل بما يرى فيه مصلحة عامة أو خاصة. ولا شك أن نصيحة موسى ﵊ للنبي ﷺ ومشورته عليه بالرجوع إلى ربه وطلب التخفيف من عدد الصلوات أولى بالقبول لما يترتب على ذلك من التيسير على الأمة كلها, وقد جعل الله تعالى في نصيحته ومشورته خيراً كثيراً. فجزى الله نبينا وجزى موسى عن هذه الأمة خير الجزاء.
وأما قوله: إن القصة ترمي إلى وضع موسى صاحب الفضل على المسلمين.
فجوابه أن يقال: أما كون موسى عليه الصلاة والسلام
стр. 79
صاحب فضل على الأمة المحمدية كلها بما بذله من النصيحة والمشورة على رسول الله ﷺ أن يراجع ربه في طلب التخفيف من عدد الصلوات فهذا لا ينكره إلا مكابر جاحد للمعروف والفضل العظيم الذي قد شمل الأمة كلها, وهذه المكابرة ناشئة عن رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وتكذيب ما أخبر به عن موسى ﵊ أنه قد بذل له النصيحة والمشورة في طلب التخفيف من عدد الصلوات, وقد قال رسول الله ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁, وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وفي رواية لأحمد «من لم يشكر الناس لم يشكر الله » وروى الإمام أحمد أيضاً والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن رسول الله ﷺ مثله. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, قال وفي الباب عن الأشعث بن قيس والنعمان بن بشير: قلت قد روى الإمام أحمد حديث الأشعث بن قيس ﵁ بمثل الرواية الأولى عن أبي هريرة ﵁, وروى حديث النعمان بن بشير ﵄ بمثل الرواية الثانية عن أبي هريرة ﵁.
стр. 80
وإذا علم هذا فليعلم أيضاً أن الشلبي قد جمع في كلامه بين أمرين ذميمين أحدهما عدم الشكر لله تعالى على ما منّ به من تخفيف عدد الصلوات وجعلها خمساً في العمل وخمسين في الأجر. وذلك لأنه لم يشكر صنيع موسى ﵊ مع رسول الله ﷺ حيث بذل له النصيحة والمشورة بأن يراجع ربه ويطلب منه التخفيف لأمته من عدد الصلوات, ومن لم يشكر المعروف العظيم لموسى ﵊ فهو لم يشكر الله تعالى على فضله وامتنانه بالتخفيف.
الأمر الثاني: رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وتكذيب ما جاء فيها من الأخبار الصادقة. وهذا أمر خطير جداً, قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى, من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة. رواه القاضي أبو الحسين في «طبقات الحنابلة» من رواية الفضل بن زياد القطان عن أحمد. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» وفي هذا الحديث دليل على أن من رد شيئاً مما أخبر به رسول الله ﷺ فإنه حلال الدم
стр. 81
والمال, ومن لم يؤمن بما أخبر به رسول الله ﷺ عما رآه في ليلة الإسراء والمعراج وما دار بينه وبين موسى ﵊ من المراجعة في طلب التخفيف من عدد الصلوات فلا شك أنه داخل في عموم هذا الحديث الصحيح.
وأما قوله: وكأنه أعرف بأمة محمد من محمد.
فجوابه أن يقال: لا يخفى ما في هذه العبارة من الجفاء والبعد عن التوقير والاحترام لنبي الله موسى ﵊, وهذا إنما ينشأ عن ضعف الإيمان بالله ورسله, ويقال أيضاً: إن موسى ﵊ وغيره من أنبياء بني إسرائيل كانوا يعرفون الأمة المحمدية بما يجدونه فيما أنزل الله عليهم من الكتب. قال ابن عباس ﵄: كان الله كتب في الألواح - يعني التي أنزلت على موسى - ذكر محمد وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم, رواه ابن جرير.
وأما قوله: وقد تسربت رائحة الإسرائيليات من الروايات المتصلة بهذا الموضوع فقد جعلت بعض الروايات موسى في السماء السابعة وجعلته يقول عندما رأى محمداً يتخطى السماء السابعة إلى ما فوقها, رب لم أكن أظن أن ترفع علي أحداً.
стр. 82
فجوابه من وجوه: أحدها أن يقال: قد جاء في الإسراء والمعراج أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي ﷺ بعضها في الصحيحين وبعضها في صحيح مسلم, وهي من رواية ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁, ومن رواية أنس عن مالك بن صعصعة ﵁, ومن رواية أنس عن أبي ذر ﵁, فمن أنكر هذه الأحاديث أو أنكر شيئاً مما جاء فيها أو قال إنها أحاديث إسرائيلية أو إنها قد تسربت إليها رائحة الإسرائيليات فلا شك أنه فاسد الاعتقاد لأنه إنما ينكر على النبي ﷺ ويكذب أخباره الصادقة, ومن كان كذلك فهو ممن يشك في إسلامه لأنه لم يحقق الشهادة بالرسالة, ومن تحقيقها تصديق أخبار النبي ﷺ , وقد تقدم قريباً حديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن عصمة الدم والمال مشروطة بالتوحيد والإيمان بالنبي ﷺ وبما جاء به.
والوجه الثاني أن يقال: إن الرواة لأحاديث أنس بن مالك ومالك بن صعصعة وأبي ذر ﵃ كلهم ثقات, فمن زعم أن رائحة الإسرائيليات قد تسربت إلى رواياتهم في الإسراء والمعراج فقد افترى عليهم وعلى رواياتهم مع ما ارتكبه من تكذيب أخبار النبي ﷺ وجعلها من قبيل الإسرائيليات, وما أعظم هذا وأشد خطره.
стр. 83
الوجه الثالث أن يقال: ما جاء في بعض الروايات أن موسى ﵊ كان في السماء السابعة فهو غلط من بعض الرواة, وقد جاء في حديث ثابت البناني عن أنس ﵁ وفي حديثي أنس عن مالك بن صعصعة وأبي ذر ﵃ أن موسى ﵊ كان في السماء السادسة وأن إبراهيم ﵊ كان في السماء السابعة, والعمدة على ما جاء في هذه الأحاديث الصحيحة ولا عبرة بما خالفها من الروايات التي قد وقع فيها الغلط والتخليط.
الوجه الرابع أن يقال: ليس في غلط بعض الروايات في تعيين مكان موسى ﵊ في السموات ما يدل على أن رائحة الإسرائيليات قد تسربت إلى الروايات الصحيحة, فهذا من ظن السوء بالروايات الصحيحة وبرواتها.
وأما ما جاء في رواية شريك بن عبدالله عن أنس بن مالك ﵁ أن موسى ﵊ قال: يا رب لم أكن أظن أن ترفع علي أحداً.
فجوابه أن يقال: هذا مما اضطرب فيه شريك بن عبدالله وساء حفظه فيه ولم يضبطه, وقد جاء في الصحيحين من حديث
стр. 84
أنس بن مالك ﵁ عن مالك بن صعصعة ﵁ أن رسول الله ﷺ لما أتى السماء السادسة إذا هو بموسى ﵊ فسلم عليه فرد السلام ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح قال: «فلما تجاوزته بكى قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي» فهذا هو الثابت المعتمد لا ما جاء في حديث شريك, وأيضاً فإن إبراهيم ﵊ قد رفع إلى السماء السابعة كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها في الوجه الثالث, وفي رفع إبراهيم على موسى أبلغ رد على ما جاء في رواية شريك عن أنس ﵁.
وأما قوله ثم إن الروايات تقسو في تصوير اعتراض موسى لمحمد, وعبارتها هي: عندما عاد محمد احتبسه موسى وهو تعبير لا يليق بسيدنا رسول الله ﷺ .
فجوابه من وجهين: أحدهما أن يقال: ليس المراد بالاحتباس هنا حبس الإيذاء والإهانة كما هو الظاهر من عبارة الشلبي حيث زعم أن ذلك لا يليق بالنبي ﷺ . وإنما المراد به طلب التريث عنده قليلاً ليسأله عما فرضه الله عليه وعلى أمته, وقد كان لهذا
стр. 85
الاحتباس أثر عظيم وكان فيه خير كثير للنبي ﷺ ولجميع أمته حيث أشار موسى ﵊ على النبي ﷺ أن يراجع ربه ويطلب منه التخفيف من عدد الصلوات ففعل ذلك النبي ﷺ عدة مرات كلها بإشارة موسى ﵊ حتى جعلها الله تعالى خمس صلوات في العمل وخمسين في الأجر, فهذا من ثمرة احتباس موسى ﵊ للنبي ﷺ حين مر به, ولا ينكر فضل هذا الاحتباس وعظم ثمرته إلا من هو مصاب في دينه وعقله.
الوجه الثاني أن يقال: إن التعبير الذي لا يليق بالنبي ﷺ هو ما فعله الشلبي من رد أخباره الصادقة وتكذيبها وجعلها من قبيل الإسرائيليات, فهذه هي القسوة الرذيلة في الاعتراض على النبي ﷺ , وهي قسوة تزيل عصمة الدم والمال لقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 86
فصل
وفي صفحة ٣٢ وصفحة ٣٣ أورد الشلبي اعتراضات له على ما أشار به موسى ﵊ على رسول الله ﷺ أن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف من عدد الصلوات.
فالأول من اعتراضه قوله عن القصة: إنها تصور الله في مكان محدد يمشي له محمد ويعود لموسى ثم يرجع إليه. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
والجواب أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام الباطل من إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه فوق جميع المخلوقات, وهذا قول الجهمية الذين كفرهم علماء السلف وأخرجهم بعض العلماء من الثنتين والسبعين فرقة من فرق هذه الأمة.
وقد أبان الشلبي في هذا الموضع وفي صفحة ٣٠ وصفحة ٣١ من كتيّبه أن معتقده معتقد الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان, تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. وقد ثبت عن النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة أنه أخبر أن جبريل عرج به حتى انتهى به إلى سدرة المنتهى, وفي بعض الروايات أنه عرج به حتى ظهر
стр. 87
لمستوى يسمع فيه صريف الأقلام وأنه ﷺ لما فرض الله عليه الصلوات نزل به جبريل حتى انتهى إلى موسى ﵊ فسأله عما فرضه الله عليه وأشار عليه بالرجوع إلى ربه وسؤاله التخفيف من عدد الصلوات فعرج به جبريل إلى ربه, وفي حديث شريك بن عبدالله عن أنس بن مالك ﵁ قال: فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس, ثم لم يزل ﷺ يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ يعرج به جبريل إلى ربه ثم ينزل به حتى ينتهي إلى موسى ﵊ حتى جعلها الله خمس صلوات في العمل وخمسين في الأجر, وفي هذه الأحاديث الصحيحة أبلغ رد على الشلبي وعلى إخوانه من الجهمية الذين ينكرون علو الرب ﵎ فوق جميع المخلوقات.
стр. 88
فصل
الثاني من اعتراض الشلبي على قصة النبي ﷺ مع موسى ﵊ قوله: إنها تصور الله على غير ما هو معروف عنه من وفرة المنح ومن الكرم العظيم فهي تصوره ينقص الخمسين إلى خمس وأربعين ثم ينقصها في جولة أخرى إلى أربعين ثم إلى خمس وثلاثين, قال: ونحن نصرخ في وجه من يقول هذا القول بأن كرم الله تصوره آياته: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ و ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا فيضاعفه له أضعافاً كثيرة﴾ ولا يمكن إلا في خيال مادي أن تتم صورة المساومة التي وردت في الرواية فينقص الله خمس صلوات في كل مرة ثم ينقص خمسة أخرى أو عشرة, تعالى الله عن ذلك.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: إنه يجب على المسلم التسليم لما جاء عن الله تعالى وما ثبت عن رسول الله ﷺ ولا يجوز الاعتراض على شيء مما جاء عن الله تعالى ولا على شيء مما ثبت عن النبي ﷺ , ومن اعترض على شيء من ذلك فلا شك أنه زائغ القلب فاسد العقيدة.
стр. 89
الوجه الثاني أن يقال: إن في تردد النبي ﷺ بين ربه وبين موسى ﵊ في طلب التخفيف من عدد الصلوات أعظم تشريف وتكريم للنبي ﷺ لأنه كان في كل مرة يعرج إلى ربه ويدنو منه ويكلمه ربه ويخفف عنه, وهذا الفضيلة لم تكن لأحد من بني آدم سوى رسول الله ﷺ , ولو فرضت الصلوات خمس مرات من أول الأمر لَمَا حصل للنبي ﷺ كثرة العروج إلى ربه والدنو منه وكثرة تكليم الرب له, ولله تعالى فيما قضاه من كثرة تردد نبيه ﷺ بينه وبين موسى ﵊ حكم وأسرار لا يحيط بعلمها إلا الله تعالى, وقد قال تعالى: ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾ وفي هذه الآية الكريمة أبلغ رد على اعتراضات الشلبي على أفعال الرب ﵎ مع نبيه محمد ﷺ وكثرة ترديده له في طلب التخفيف من عدد الصلوات.
الوجه الثالث أن يقال: من منح الرب ﵎ لنبيه ﷺ وكرمه العظيم عليه ما خصه به من كثرة الصعود إليه والدنو منه وسماع كلامه ومن وفرة منح الرب ﵎ لنبيه محمد ﷺ وأمته وكرمه العظيم عليهم أنه خفف عنهم عدد الصلوات التي كان قد فرضها عليهم يوم خلق السموات والأرض خمسين فجعلها خمساً في العمل وخمسين في الأجر, وهذه نعمة عظيمة لا يعرف
стр. 90
قدرها كثير من الناس.
الوجه الرابع أن يقال: أتدري أيها الجهمي من أنت تصرخ في وجهه, إنك تصرخ في وجه النبي ﷺ لأنه هو الذي أخبر عن نفسه أنه كان يتردد بين ربه وبين موسى ﵊ ويسأل ربه التخفيف عنه وعن أمته. وأن الله تعالى كان يحط عنه في كل مرة خمساً وفي رواية عشراً حتى جعلها الله تعالى خمساً في العمل وخمسين في الأجر, ولا يخفى ما في صراخ الشلبي من سوء الأدب مع النبي ﷺ ومقابلة أخباره الصادقة بالرد والتكذيب, وهذا مما يزيل عصمة الدم والمال.
الوجه الخامس أن يقال: قد وقعت المراجعة من النبي ﷺ لربه عدة مرات في طلب التخفيف عنه وعن أمته من عدد الصلوات حتى انتهى التخفيف إلى خمس صلوات في اليوم والليلة, وقد زعم الشلبي أن هذا من صور المساومة, وهذا من سوء أدبه مع الرب ﵎ ومع الرسول ﷺ حيث شبههما بالتجار الذين يساوم بعضهم بعضاً في السلع, تعالى الله عما يقول الظالم الجاهل بالله علواً كبيراً, وتنزه رسول الله ﷺ عن قول السوء الذي أطلقه عليه الجاهل المتهور.
стр. 91
فصل
الثالث من اعتراض الشلبي على قصة النبي ﷺ مع موسى ﵊ قوله: إنها ترمي إلى وضع موسى في موضع المعلم لمحمد, ومحمد خاتم الأنبياء وأفضلهم وإمامهم ومعلم البشرية والرسول الذي أرسل للناس جميعاً.
والجواب عن هذا الاعتراض قد تقدم قريباً قبل هذا الفصل بفصلين فليراجع (١). стр. 92
فصل
الرابع من اعتراض الشلبي على قصة النبي ﷺ مع موسى ﵊ قوله: تضع هذه الرواية موسى كأنه يعرف أمة محمد أكثر من محمد.
والجواب عن هذا الاعتراض قد تقدم قريباً قبل هذا الفصل بفصلين فليراجع (١). стр. 93
فصل
الخامس من اعتراض الشلبي على قصة النبي ﷺ مع موسى ﵊ قوله: كيف يتصور العقل محمداً ﷺ ذاهباً وعائداً عدة مرات بناء على طلب موسى, والابن لا يطيع أباه إلى هذا المدى مهما كان في ذلك من خير إليه.
والجواب أن يقال: أما العقل السليم فإنه لا ينكر نصيحة موسى ﵊ لنبينا محمد ﷺ وإشارته عليه أن يراجع ربه ويطلب منه التخفيف عنه وعن أمته من عدد الصلوات, ولا ينكر أيضاً ما ثبت عن النبي ﷺ أنه تردد بين ربه وبين موسى ﵊ عدة مرات إلى أن انتهى التخفيف من عدد الصلوات, فكل هذا ثابت عن النبي ﷺ , والعقل السليم لا ينكر شيئاً مما ثبت عن النبي ﷺ بل يتلقاه بالقبول والتسليم, وأما العقل السقيم الذي قد رانت عليه ظلمات البدع والشبه والشكوك فإنه لا يقيم وزناً للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ولا يبالي بردها وإنكارها ومقابلتها بالاعتراضات والآراء الفاسدة, وهذا ما فعله الشلبي في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة من كتيّبه المملوء بالجهل والضّلال.
стр. 94
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٣٣ واعتقادي أن الصلوات فرضها الله من أول الأمر خمساً في العمل وخمسين في الأجر.
والجواب أن يقال: هذا اعتقاد فاسد لمخالفته لما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أن الله تعالى فرض الصلاة في أول الأمر خمسين وأن موسى ﵊ أشار على النبي ﷺ أن يراجع ربه ويطلب منه التخفيف عنه وعن أمته ففعل ذلك رسول الله ﷺ عدة مرات حتى جعلها الله تعالى خمساً في العمل وخمسين في الأجر.
стр. 95
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٣٣ وصفحة ٣٤: وكم عانى المفكرون المسلمون من أشياء وضعها الوضاع وتقبلها بعض المسلمين وراحوا يدافعون عنها بحماسة متصورين أن الشك في حديث واحد من أحاديث البخاري أو مسلم يسقط كل أحاديث البخاري أو أحاديث مسلم, قال وأنا أعرف أن حديث الغرانيق والسحر وغيرهما وردت في هذه الكتب المهمة. ثم قال: أقرر أن هناك أحاديث موضوعة وجدت طريقها إلى البخاري أو مسلم ولكنها قليلة جداً, والحكم بوضعها لا يمس من قريب أو بعيد باقي الأحاديث.
والجواب أن يقال: إن البلاء كل البلاء من المفكرين الذين يعتمدون على أفكارهم الخاطئة وآرائهم الفاسدة ويعارضون بها الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ثم لا يبالون بردها وتكذيبها وجعلها من قبيل الموضوعات والإسرائيليات وقد قال الله تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ وهذه الآية الكريمة مطابقة لحال الشلبي وعمله في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء
стр. 96
والمعراج ومعارضتها بأفكاره الخاطئة وآرائه الفاسدة.
وأما قوله وأنا أعرف أن حديث الغرانيق والسحر وغيرهما وردت في هذه الكتب المهمة.
فجوابه أن يقال: إن البخاري ومسلماً لم يرويا حديث الغرانيق ولم يُرْوَ في غيرهما من كتب الصحاح والسنن والمسانيد وإنما رواه بعض المؤرخين والمفسرين بأسانيد ضعيفة جداً لا يعتمد على شيء منها لأنها مرسلات ومنقطعات.
وأما حديث السحر فإن أراد به حديث عائشة ﵂ أن رجلاً من اليهود سحر النبي ﷺ حتى كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله.
فالجواب أن يقال: هذا حديث ثابت قد رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما والإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه, ولا ينكره إلا جاهل أو مكابر. قال القاضي عياض في كتابه «الشفاء» بعدما ساق حديث عائشة ﵂ من طريق البخاري: هذا الحديث صحيح متفق عليه وقد طعنت فيه الملحدة وتذرعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع وقد نزه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره
стр. 97
لبسا وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته.
وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته أو يقدح في صدقه لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا, وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر, فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان انتهى, وقد أثر السحر في بدن النبي ﷺ حتى مرض منه أياما ثم شفاه الله منه, فأما قلبه وعقله فلم يصل إليهما السحر بل صانهما الله وحماهما, وأما بدنه فهو عرضة للأسقام والآلام كسائر البشر وذلك لا يحط من قدره شيئاً بل يزيده أجراً وثواباً يوم القيامة, قال القاضي عياض: قد استبان من مضمون الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله وأنه إنما أثر في بصره وحبسه عن وطء نسائه وطعامه وأضعف جسمه وأمرضه, ويكون معنى قوله يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن, أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أخذ
стр. 98
واعتُرض, ولعله لمثل هذا أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون من السحر, ويكون قول عائشة في الرواية الأخرى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله من باب ما اختل من بصره كما ذكر في الحديث فيظن أنه رأى شخصاً من بعض أزواجه أو شاهد فعلا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره, لا لشيء طرأ عليه في ميزه, وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسا ولا يجد به الملحد المعترض أنسا انتهى.
وأما قوله: إن هناك أحاديث موضوعة وجدت طريقها إلى البخاري أو مسلم.
فجوابه أن يقال: هذا قول باطل وخطأ كبير فليس في الصحيحين شيء من الأحاديث الضعيفة فضلاً عن أن يكون فيهما شيء من الأحاديث الموضوعة, ولكن الشلبي وأمثاله من المنحرفين عن الصراط المستقيم قد جعلوا أفكارهم الخاطئة وآراءهم الفاسدة ميزاناً للأحاديث، فإذا كان الحديث مخالفاً لأفكارهم وآرائهم لم يبالوا برده والتشكيك فيه ولو كان صحيح الإسناد ثابتاً عن النبي ﷺ , وإذا كان موافقاً لأفكارهم وآرائهم بالغوا في تثبيته والاعتماد عليه ولو كان ضعيفاً أو موضوعاً وقد رأيت هذا العمل السيئ في
стр. 99
عدة كتب من كتب العصريين, ومنه ما في كتيب الشلبي من رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج لكونها كانت مخالفة لرأيه وتفكيره, وقد أجمع العلماء على صحة الصحيحين ووجوب العمل بهما, قال النووي في كتابه «تهذيب الأسماء واللغات» اتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم, وقال وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما انتهى.
وقال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في «علوم الحديث» أول من صنف الصحيح البخاري وتلاه مسلم بن الحجاج, وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز, وذكر الشيخ أبو عمرو أيضاً اتفاق الأمة على تلقي ما اتفق عليه البخاري ومسلم بالقبول, قال: وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته والعلم اليقيني النظري واقع به, وذكر أيضاً أن ما انفرد به البخاري أو مسلم مندرج في قبيل ما يقطع بصحته لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول انتهى. وقال النووي في شرح مسلم: اتفق العلماء على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول, ونقل النووي عن الشيخ أبي عمرو ابن الصلاح أنه قال: جميع ما حكم مسلم بصحته فهو مقطوع بصحته والعمل
стр. 100
النظري حاصل بصحته في نفس الأمر, وهكذا ما حكم البخاري بصحته في كتابه وذلك لأن الأمة تلقت ذلك بالقبول سوى من لا يعتد بخلافه ووفاقه في الإجماع, ونقل النووي أيضاً عن إمام الحرمين أنه قال لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في كتابي البخاري ومسلم مما حكما بصحته من قول النبي ﷺ لما ألزمته الطلاق ولا حنثته لإجماع علماء المسلمين على صحتهما انتهى. وذكر الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث» عن الحافظ أبي نصر الوائلي السجزي أنه قال: أجمع أهل العلم الفقهاء وغيرهم أن رجلاً لو حلف بالطلاق أن جميع ما في كتاب البخاري مما روي عن النبي ﷺ قد صح عنه ورسول الله قاله لا شك فيه أنه لا يحنث والمرأة بحاله في حبالته. وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» في ترجمة البخاري: كتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه وكذلك سائر أهل الإسلام انتهى.
وفيما قاله ابن الصلاح والنووي وإمام الحرمين وأبو نصر السجزي وابن كثير أبلغ رد على قول الشلبي أن هناك أحاديث موضوعة وجدت طريقها إلى البخاري أو مسلم. وهذا القول الباطل مخالف لإجماع أهل العلم على صحة الصحيحين ووجوب العمل بأحاديثهما وإذا ضم شذوذه عن أهل العلم ومخالفته لإجماعهم
стр. 101
إلى ما سبق ذكره من رده لأحاديث الإسراء والمعراج وتشكيكه فيها ومعارضتها برأيه وتفكيره فإن الأمر يكون أعظم وأشد خطراً عليه لأنه يجتمع له مشاقة الرسول ﷺ مع اتباعه لغير سبيل المؤمنين وقد قال الله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً﴾.
стр. 102
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٣٤: ومن العجيب أننا عندما نحاول أن نفند الإسرائيليات وننقي منها الفكر الإسلامي يتصدى لنا بعض المسلمين الذين وضعوا أنفسهم حماة للإسرائيليات دون أن يشعروا.
والجواب عن هذا من وجوه أحدها: أن يقال: إن الشلبي لم يفند في كتيّبه شيئاً من الإسرائيليات وإنما فند الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج, وإنما سماها الشلبي إسرائيليات لمخالفتها لرأيه الفاسد وتفكيره الخاطئ فهو في الحقيقة يفند أقوال النبي ﷺ ويكذب أخباره الصادقة ويجعلها من قبيل الإسرائيليات وهذا عنوان على زيغ قلبه وانتكاسه, ومن فند شيئا من أقوال النبي ﷺ أو كذب شيئاً من أخباره زالت عنه عصمة الدم والمال لقول النبي ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁.
الوجه الثاني: أن يقال: إن الفكر الذي اعتمد عليه الشلبي
стр. 103
وزعم أنه نقاه من الأحاديث التي زعم أنها إسرائيليات وهي أحاديث صحيحة لا مطعن فيها بوجه من الوجوه ليس فكراً إسلامياً وإنما هو من أفكار الزنادقة والجهمية, فأما ما فيه من أفكار الزنادقة فهو رده للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الإسراء والمعراج وتكذيبها ومعارضتها بالشبه والشكوك والأقوال الباطلة. وقد تقدم الرد على كل جملة من أقواله الباطلة التي عارض بها الأحاديث الصحيحة, وأما ما فيه من أفكار الجهمية الكافرة فهو زعمه أن الله في كل مكان أو أنه منزه عن المكان, وهذا القول الباطل مذكور في صفحة ٣٠ من كتيّبه المشئوم, وقد تقدم الرد عليه في أثناء الكتاب فليراجع (١).
الوجه الثالث: أن يقال إن الذين تصدوا للرد على الشلبي وعلى أمثاله من المعارضين للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ المفندين لها بالشبه والشكوك والأفكار الخاطئة والآراء الفاسدة قد أحسنوا غاية الإحسان وأصابوا فيما قاموا به من نصر السنة والرد على أعدائها والدفاع عن أحاديث رسول الله ﷺ وحمايتها من معاول الهدم والتخريب, فجزاهم الله عن جهادهم في سبيل الله أعظم الجزاء وكثر في المسلمين من أمثالهم, وليسوا من حماة الإسرائيليات стр. 104
كما زعم ذلك الشلبي وإنما هم من حماة أحاديث رسول الله ﷺ وأنصار سنته.
стр. 105
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٣٥: من الدروس المهمة المتصلة بالإسراء والمعراج أن الله أتاح للرسول ﵇ بها فرصة أن يرى العوالم الكبرى فصغرت بذلك مكة في نفسه وما بها من رجال وعتاد, وماذا تكون مكة ومن بها بالقياس إلى هذا العالم الفسيح.
والجواب عن هذا من وجوه: أحدها أن يقال: قد تقدم الرد على ما زعمه من رؤية النبي ﷺ للعوالم الكبرى في أثناء الكتاب عند قوله في صفحة ١٦ من كتيبّه وفي رحلة المعراج رأى الرسول آيات كبرى إلى آخر كلامه فليراجع الرد عليه (١).
الوجه الثاني: أن يقال من زعم أن النبي ﷺ رأى في ليلة الإسراء ما سموه بالعوالم الكبرى وهي المجموعة الشمسية والمجموعات الأخرى التي زعموها فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلاً, وقد ذكرت في الرد على ما ذكره الشلبي في صفحة ١٦ من كتيّبه أن رسول الله ﷺ «رأى رفرفاً أخضر قد سد الأفق» رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁, وروى مسلم стр. 106
عنه ﵁ أنه قال: «رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح» وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم عنه ﵁ أنه قال: «رأى رسول الله ﷺ جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض» وروى الترمذي أيضاً عن عائشة ﵂ أنها قرأت: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ ثم قالت: «إنما هو جبريل لم يره في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق» فهذا هو المروي عن الصحابة ﵃ في تفسير قوله تعالى: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ فأما العوالم الكبرى التي زعموها فلم يأت لها ذكر في القرآن ولا في السنة وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان ربك نسيا﴾ وقال تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ وقد جاء في آيات كثيرة من القرآن أن الله تعالى سخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأنه سخرهما دائبين وأن النجوم مسخرات بأمره. ولم يأت في القرآن ولا في السنة أن منها عوالم كبرى.
فهذا القول من الخرافات المبنية على التخرص واتباع الظن وقد قال الله تعالى: ﴿وما يتبع أكثرهم إلا ظناً إن الظن لا يغني من الحق شيئاً﴾ وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 107
«إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث» وحيث أنه لا دليل مع الشلبي على ما زعمه من رؤية النبي ﷺ للعوالم الكبرى فإن زعمه يكون افتراء على النبي ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين﴾ قال أبو قلابة هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة, رواه ابن جرير.
الوجه الثالث: أن يقال: من زعم أن مكة صغرت في نفس النبي ﷺ بعد الإسراء والمعراج فعليه إقامة الدليل على ذلك ولن يجد إلى الدليل سبيلاً, وقد روى الترمذي وابن حبان في صحيحه عن عبدالله بن عدي بن حمراء الزهري قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفا على الحزورة فقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح, وقد رواه ابن ماجه وقال فيه: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي» وروى الترمذي أيضاً والبزار عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحو رواية الترمذي وابن حبان عن عبدالله بن عدي بن حمراء, وفي رواية للبزار عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وقف عام الفتح بالحجون فقال: «والله إنك لأخير أرض
стр. 108
الله وأحب أرض الله إلى الله تعالى لولا أني أخرجت منك ما خرجت» وروى الترمذي أيضاً وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: «ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب وصححه الحاكم والذهبي, ورواه أبو يعلى بنحوه قال الهيثمي ورجاله ثقات, وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من زعم أن مكة صغرت في نفس النبي ﷺ بعد الإسراء والمعراج, ولا شك أن هذا من الافتراء على النبي ﷺ وقد تقدم ذكر الآية من سورة الأعراف وفيها وعيد شديد للمفترين, وثبت عن النبي ﷺ وتواتر عنه أنه قال: «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
وأما قوله وماذا تكون مكة ومن بها بالقياس إلى هذا العالم الفسيح.
فجوابه أن يقال: إن الله تعالى قد فضل مكة على سائر بقاع الأرض وجعلها حرماً آمناً وجعل فيها بيته الذي جعله قياماً للناس ومثابة وقبلة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وجعل حجه أحد أركان الإسلام الخمسة, والآيات في فضلها وتعظيمها كثيرة معلومة, وقد روى الطبراني في الأوسط عن ابن عباس
стр. 109
رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله حرم هذا البيت يوم خلق السموات والأرض وصاغه حين صاغ الشمس والقمر وما حياله من السماء حرام» ويشهد لهذا الحديث ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة» وهذه الفضائل المذكورة خاصة بمكة وليس للشمس ولا للمجموعات الأخرى المزعومة شيء منها. فمن استصغر مكة واستخف بشأنها فقد خالف ما جاء في القرآن والسنة من تعظيمها والرفع من شأنها, وماذا يكون العالم الفسيح والعوالم الكبرى التي زعموها بالقياس إلى فضل مكة وشرفها وعظم شأنها عند الله تعالى وعند المسلمين.
стр. 110
فصل
وقال الشلبي في صفحة ٢٢ وصفحة ٢٣: ومن الذين تدارسوا هذه الأحاديث ابن كثير, وقد وصف بعض ما ورد من أحاديث حول الإسراء والمعراج بالاضطراب وحدد ما ينبغي أن يعتقده المسلم في موضوع الإسراء والمعراج وما ينبغي أن يتركه. وفيما يلي كلمات ابن كثير:
وإذا حصل الوقوف على هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها يحصل مضمون ما اتفقت عليه, والحق أنه ﵇ أسري به من مكة إلى بيت المقدس وهناك صلى ركعتين ثم عرج به إلى السماء وفرض الله عليه الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفاً بعباده, وذلك القدر هو ما ينبغي أن يقنع به المسلم ويستبعد ما سواه (تفسير ابن كثير جـ٥ ص ٢٤٥) وواضح أن كلام ابن كثير يقرر ما يلي:
١ - الإسراء تم من مكة إلى بيت المقدس دون ذكر الوسيلة.
٢ - صلى الرسول ركعتين بدون ذكر أنه أمَّ الأنبياء.
٣ - عرج به إلى السماء بدون حاجة إلى دق باب ووقوف أمام الأبواب.
следующие страницы →