← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17405

إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (158 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية تأليف الفقير إلى الله تعالى حمود بن عبد الله بن حمود التويجري غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين مكتبة المعارف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله، والصَّلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فقد اطَّلعت على ما كتبه أخونا العلامة الشيخ حمود بن عبد الله التويجري في بيان الأدلة الشرعيَّة والعقليَّة على إثبات عُلُوِّ الله - سبحانه - فوق عرشه، واستوائه عليه استواءً يليق بجلاله لا يُشابه فيه خلقه. وفي إثبات مَعِيَّته لعباده بعلمه واطلاعه وحفظه، وكلاءَته لأوليائه، والردِّ على مَن زعم أنَّ معية الله لعباده ذاتيَّة، بل قد سمعته جميعَه بقراءة مُؤلفه - حفظه الله - فألفَيْتُه كتابًا عظيمَ الفائدة مؤيدًا بالأدلة الشرعيَّة والعقليَّة، كما ألفيتُه ردًّا عظيمًا على أهل البدع القائلين بالحلول والاتِّحاد وردًّا كافيًا شافيًا على من قال: إنَّ معيةَ الله للخلق ذاتية، فجزاه الله خيرًا وزاده علمًا وهدى وتوفيقًا، ونفع به وبمؤلفاته المسلمين.

стр. 3

وبالجملة، فهذا الكتابُ عظيمُ القَدر، كثير الفائدة، مشتمل على أدلة كثيرة من الكتاب والسنة على إثبات أسماء الله وصفاته وعُلوه - سبحانه - فوق خلقه، والرَّد على جميعِ أهل البدع، كما أنَّه مُشتمل على نُقُولٍ كثيرة مُفيدة من كلام عُلماء السنة المتقدِّمين والمتأخرين، ومن كلام الصَّحابة والتابعين، رضي الله عن الجميع، ورحمهم رحمة واسعة. فنسألُ الله بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى أنْ ينفعَ به المسلمين، وأنْ يُقيم به الحجة، ويقطع به المعذرة، وأن يُضاعف المثوبة لمؤلفه، ويَجعلنا وإياه وسائر إخواننا من أئمة الهدى وأنصار الحق، وأنْ يثبتنا جميعًا على دينه حتى نلقاه - سبحانه - إنه ولي ذلك والقادر عليه. قاله الفقير إلى عفو ربِّه: عبد العزيز بن عبد الله بن باز، سامحه الله وعفا عنه. وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وآله وصحبه. الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ٢٧/ ٧/ ١٤٠٤ هـ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله نحمدُه ونستعينه ونستهديه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله، فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وَحْده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، المبعوث رحمة للعالمين، وحجة على الخلق أجمعين. صلَّى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن تَبِعَهم بإحسان إلى يومِ الدِّين، وسلم تسليمًا كثيرًا. أمَّا بعد: فقد رأيتُ مقالاً سيئًا لبعضِ المعاصرين، زعم في أوَّله أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية تليق بجلاله وعظمته، وأنَّها لا تقتضي اختلاطًا بالخلق، ولا حلولاً في أماكنهم. وقال في آخر مقاله: وهكذا نقول في المعية: نثبت لربِّنا معية ذاتية تليق بعظمته وجلاله، ولا تشبه معيَّة المخلوق للمخلوق، ونثبت مع ذلك عُلُوه على خلقه، واستواءه على عرشه، على الوجه اللاَّئق بجلاله، ونرى أنَّ مَن زعم أنَّ الله - تعالى - بذاتِه في كل

стр. 5

مكان، فهو كافر أو ضالٌّ إن اعتقده، وكاذب إنْ نسبه إلى غيره من سلف الأُمَّة أو أئمتها. فعقيدتنا أنَّ لله - تعالى - معية ذاتية تليقُ به، وتقتضي إحاطته بكل شيء علمًا وقدرة، وسمعًا وبصرًا وسلطانًا وتدبيرًا، وأنه - سبحانه - مُنَزَّه أن يكون مختلطًا بالخلق، أو حالاًّ في أمكنتهم، بل هو العَلِيُّ بذاته وصفاته، وعلوه من صفاته الذاتيَّة التي لا ينفك عنها، وأنه مستوٍ على عرشه كما يليق بجلاله، وأنَّ ذلك لا ينافي مَعيَّته، ثم صرح أنه قال ذلك مُقررًا له، ومعتقدًا له، ومنشرحًا له صدره. وأقول: لا يَخفى على من له علم وفهم ما في كلام الكاتب من التناقُض، والجمع بين النقيضين، ومُوافقة من يقول بالحلوليَّة: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وما فيه أيضًا من مُخالفة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها. فأمَّا التناقض، ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه مع زعمه أنَّ هذه المعية الذاتية لا تقتضي الاختلاطَ بالخلق، ولا الحلول في أماكنهم، ولا يَخفى على عاقلٍ أنَّ المعية الذاتية للخلق تستلزم مُخالطتَهم والحلول في أماكنهم، وعلى هذا فمن أثبت المعية الذاتيةَ

стр. 6

للخلق ونفى مخالطتهم، والحلول في أماكنهم، فقد تناقضَ، شاء أم أبى. وأمَّا الجمعُ بين النقيضين، ففي تقريره لمعية الله الذاتية لخلقه، مع تقريره أنَّ الله مستوٍ على عرشه، وأنَّه العليُّ بذاته وصفاته، وأن عُلُوه من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها، فقد جمع في هذا التقرير بين إثبات صفة العلو لله - تعالى - وإثبات ضدها، وهي صفة السُّفل الذي تستلزمه المعية الذاتية للخلق، وعلى هذا فمن أثبت المعية الذاتية للخلق، وأثبت مع ذلك أنَّ علو الرب من صفاته الذاتية التي لا ينفكُّ عنها، فقد جَمَع بين النقيضين، شاء أم أبى. وأمَّا الموافقة لبعض القائلين بالحلول، فإنَّه لازم لمن زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية؛ لأنَّه يلزم على هذا القول الباطل أن يكون الله مع الخلق في الأرض، وأن يكون مخالطًا لهم، وحالاًّ معهم في أماكنهم. وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في صفحة ٢٩٧ من المجلد الثاني من "مجموع الفتاوى" وصفحتين بعدها ما ملخصه:

стр. 7

ولما ظهرت الجهميَّة المُنكِرَة لمباينة الله وعلوه على خلقه، افترق الناسُ في هذا الباب على أربعة أقوال: فالسَّلف والأئمة يقولون: إنَّ اللهَ فوق سمواته مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. والقول الثاني قول مُعطلة الجهمية ونُفاتهم، وهم الذين يقولون: لا هو داخلَ العالم ولا خارجَه، ولا مباينٌ له، ولا مُحايثٌ له، فينفون الوصفين المتقابلين اللَّذين لا يَخلو موجودٌ عن أحدهما، كما يقول ذلك أكثرُ المعتزلة ومَن وَافقهم من غيرهم. والقول الثالث قولُ حلولية الجهمية الذين يقولون: إنَّه بذاته في كل مكان، كما يقول ذلك أتباعُ حسين النجار وغيرهم من الجهمية. والقول الرابع قول من يَقول: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان، وهذا قول طوائف من أهل الكلام والتصوُّف كأبي معاذ وأمثاله. وقد ذَكَر الأشعريُّ في المقالات هذا عن طوائفَ، ويوجد في

стр. 8

كلام السالمية كأبي طالب المكي وأتباعه كأبي الحكم بن برجان وأمثاله، ما يشير إلى نحوٍ من هذا. وفي الجملة فالقول بالحلول أو ما يناسبه وقع فيه كثيرٌ من متأخري الصوفية، ولهذا كان أئمة القوم يحذرون منه؛ انتهى المقصود من كلامه. وما ذكره شيخُ الإسلام - رحمه الله تعالى - عن الذين يقولون: إنَّ الله بذاته فوق العالم، وهو بذاته في كل مكان هو بعينه قولُ المردودِ عليه؛ حيث زعم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، وهو مع ذلك مستوٍ على العرش.

стр. 9

فصل وأمَّا مُخالفة صاحب المقال لكتاب الله - تعالى - فإن الله ﵎ ذكر استواءه على العرش في سبعة مواضع من القرآن: الموضع الأول قوله - تعالى - في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. الموضع الثاني قوله - تعالى - في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]. الموضع الثالث قوله - تعالى - في سورة الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: ٢]. الموضع الرابع قوله - تعالى - في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. الموضع الخامس قوله - تعالى - في سورة الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩].

стр. 10

الموضع السادس قوله - تعالى - في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤]. الموضع السابع قوله - تعالى - في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]. والنَّص على استواء الرب ﵎ على العرش، الذي هو فوق جميع المخلوقات يُنافي كونَه مع سكان الأرض بذاته، وفي كلٍّ من هذه الآيات السَّبع أبلغُ رد على مَن زعم أنَّ مَعِيَّةَ الله لخلقه مَعية ذاتية. ومما يُرَدُّ به أيضًا على مَن زعم أنَّ معية الله لخلقه مَعية ذاتية: قول الله - تعالى - مُخبرًا عن الملائكة: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وإذا كان الرب ﵎ فوق الملائكة الذين هم سُكَّان السموات، ولم يكن معهم بذاته، فكيف يقال: إنَّ معيته لخلقه -أي: الذين في الأرض - مَعية ذاتية؟! هذا قول ظاهر البطلان. ومما يرد به عليه أيضًا قولُ الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ

стр. 11

عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١]، وقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩ - ٢٠]، وقوله - تعالى -: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩]، وقوله - تعالى -: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، وقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله - تعالى -: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، وقوله - تعالى -: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤]، وقوله - تعالى -: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، وقوله - تعالى -: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، ومثلها الآية التي في سورة لقمان، وقوله - تعالى -: ﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢]. فقد وصف الرب ﵎ نفسَه في هذه الآيات بصفة

стр. 12

العُلوِّ المطلق، وهو يشمل عُلُوَّ القدر، وعلو القهر، وعلو الذَّات، ولا يَخفى على من له عقل وعلم أنَّ صفة علو الذات تنافي المعية الذاتية للخلق أعظم المنافع. ومما يُرَدُّ به عليه أيضًا قول الله - تعالى -: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]؛ قال البيهقي في كتاب "الأسماء والصِّفات" في الكلام على قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]: "أراد من فوق السَّماء، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، بمعنى: على جذوع النخل، وقال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ أي: على الأرض، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السموات، فمعنى الآية: أأمنتم من على العرش، كما صرَّح به في سائر الآيات. قال: وفيما كتبنا من الآيات دلالةٌ على إبطال قول من زَعَم من الجهميَّة أنَّ الله بذاته في كلِّ مكان، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، إنَّما أراد بعلمه، لا بذاته انتهى. وقد نقله عنه شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في القاعدة

стр. 13

المركشية، وأَقَرَّه وهو في صفحة ١٩٢ - ١٩٣ من المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى". وقال القُرطبي في تفسيره في الكلام على قوله - تعالى -: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، قال المحقِّقون: أأمنتم من فوق السماء، كقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة: ٢]؛ أي: فوقها؛ انتهى. ومن الآيات التي يُرَدُّ بها على مَن زعم أنَّ مَعِيَّة الله لخلقه معية ذاتية قول الله - تعالى -: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقوله - تعالى -: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، وقوله - تعالى -: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقوله - تعالى -: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، وقوله - تعالى -: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله - تعالى -: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا

стр. 14

مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ [الأنعام: ٩١]، وقوله - تعالى -: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: ٣ - ٤]. والآيات في إنزال القُرآن من الله - تعالى - كثيرة جدًّا، وفيها مع ما ذكرته ها هنا من الآيات دليلٌ على علوِّ الرب ﵎ فوق خلقه، وفيها أبلغُ ردٍّ على من زَعَمَ أن معية الله لخلقه معية ذاتية.

стр. 15

فصل: وأمَّا مُخالفة صاحب المقال لسنة رسول الله ﷺ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنَّه لَمَّا أسري به إلى بيت المقدس، عَرَجَ به جبريلُ حتى علا به فوقَ السموات السبع، وظهر به لمستوًى يسمع به صرير الأقلام، ودنا من الربِّ ﷻ فكلَّمه الله، وفرض عليه وعلى أمته خمسين صلاةً في كلِّ يومٍ وليلة، فلم يزلْ يتردَّد بين ربِّه وبين موسى في طلب التخفيف عنه وعن أمَّته، وحتى جعلها الله خمسَ صلوات، وقد جاء في هذا أحاديث صحيحة: الأول منها رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث شريك بن عبدالله عن أنس بن مالك ﵁ والثاني رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث ثابت البناني عن أنس ﵁ والثالث رواه النَّسائي من حديث يزيد بن أبي مالك عن أنس ﵁ والرابع رواه الإمام أحمد والبُخاري ومُسلم من حديث قتادة عن أنس بن مالك عن صعصعة ﵁ والخامس رواه البخاري ومسلم من حديث ابن شهاب عن أنس بن مالك عن أبي ذر ﵁. وقال الزهري في هذا الحديث: أخبرني ابنُ حزم أنَّ ابن عباس

стр. 16

وأبا حَبَّةَ الأنصاري ﵄ كانا يقولان: قال النبي ﷺ : ((ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوًى أسمع فيه صريفَ الأقلام))، قال ابنُ حزم وأنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ : ((فرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مَرَرْتُ على موسى ﵇ فقال: ما فرض اللهُ على أُمَّتِك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربِّك، فإنَّ أمتك لا تطيقُ ذلك، فرجعت فوضع شطرَها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرَها، فقال: راجعْ ربَّك فإن أمَّتك لا تُطيق، فراجعت فوضع شطرَها، فرجعت إليه فقال: ارجعْ إلى ربِّك، فإنَّ أمَّتَك لا تُطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمسٌ وهي خمسون لا يبدل القول لدي))؛ الحديث. وفي عروج النبي ﷺ من الأرض إلى ما فوق السموات السبع، وما أكرمه الله به من الدُّنُو منه أبلغ رد على مَن زَعَم أنَّ معيةَ الله لخلقه مَعيَّة ذاتية، وكذلك في تردُّده ﷺ بين ربِّه وبين مُوسى ﵊ عِدَّة مرات حين كان موسى يقول له: ارجع إلى ربِّك، فاسأله التخفيف لأمتك، فيعرج به جبريلُ إلى الله فيسأله التخفيف لأمته حتى صارت إلى خمسِ صلوات، كلُّ ذلك يدُلُّ على إثبات العلوِّ لله - تعالى - وأنه بائن من خلقه، وفيه أبلغ رَدٍّ

стр. 17

على من زَعَم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. ومِمَّا يرد على صاحب المقال أيضًا قولُ النبي ﷺ للجارية: ((أين الله؟))، فقالت: في السماء، قال: ((من أنا؟))، قالت: أنت رسولُ الله، قال: ((أعتقها، فإنَّها مؤمنة))؛ رواه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث معاوية بن الْحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال أبو عثمان الصابوني: حكم بإيمانِها لَمَّا أقرت أنَّ ربَّها في السماء، وعرفت ربَّها بصفة العُلُو والفوقية. ومما يرد به عليه أيضًا قول النبي ﷺ : ((ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟!))؛ رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. ومما يرد به عليه أيضًا قول النبي ﷺ : ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))؛ رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والبخاري في "الكُنَى"، والحاكم في "مستدركه" من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي. ومما يرد به عليه أيضًا ما جاء في حديث أبي الدرداء - رضي الله

стр. 18

عنه - أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: ((من اشتكى شيئًا، فليقل: ربُّنا الله الذي في السماء تقدس اسمك))؛ الحديث رواه أبو داود. قال البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات": معنى قوله في هذه الأخبار: "من في السماء"؛ أي: فوق السماء على العَرش كما نطق به الكتاب والسنة؛ انتهى. ومما يرد به عليه أيضًا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: "أنَّ رسول الله ﷺ ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يَمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟! "؛ رواه الإمام أحمد وسلم والترمذي، وقال: حديث حسن غريب. وفي كون الدَّاعي يَمدُّ يديه إلى السماء خاصَّة دون سائر الجهات أبلغ رد على مَن زعم أن معية الله لخلقه معية ذاتية، ولو كان الأمر على ما زعم القائل على الله بغير علم، لكان الدَّاعي يَمد يديه إلى سائر الجهات من فوقه، ومن أمامه، ومن خلفه، وعن يَمينه، وعن شماله، ولا يَخص جهة السماء التي فوقها الله - تعالى. ومما يرد به عليه أيضًا ما جاء في الحديثِ الطَّويل عن جابر بن عبدالله ﵄ في ذكر حجة الوَداع، ففيه: أنَّ رسول

стр. 19

الله ﷺ خطب النَّاس في بطن الوادي، وقال في آخر خطبته: ((وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟))، قالوا: نَشهد أنَّك قد بلَّغت، وأدَّيت، ونَصَحت، فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكبها إلى الناس: ((اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد))؛ رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه. وفي رفع النبيِّ ﷺ أصبعه إلى السماء دون سائر الجهات أبلغُ ردٍّ على من زَعَمَ أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. ومِمَّا يُرَدُّ به عليه أيضًا ما جاء في حديث الأَوْعَال: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال بعد أنْ ذكر سبعَ سَموات، بين كل سماءَيْن مسيرةُ خمسمائة عام، وكِثَفُ كُلِّ سماء مسيرةُ خمسمائة عام، قال: ((وفوق السماء السابعة بَحر بين أسفله وأعلاه، كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله ﵎ فوق ذلك، وليس يَخفى عليه من أعمال بني آدم شيء))؛ رواه الإمام أحمد والحاكم من حديث العَبَّاس بن عبدالمطلب ﵁ وصَحَّحه الحاكم والذَّهبي، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم والبيهقي في كتاب: "الأسماء

стр. 20

والصِّفات" بلفظ آخر، وقال الترمذي: حسن غريب. ومما يرد به عليه أيضًا ما رواه النَّسائي والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" من طريق الحاكم، عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أنَّ سعد بن معاذ ﵁ حكم على بني قريظة أنْ يُقتل منهم كلُّ مَن جرت عليه الموسى، وأن تقسم أموالهم وذراريهم، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ((لقد حكم اليوم فيهم بحكم الله، الذي حكم به من فوق سبع سموات))، لم يتكلم عليه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيصه: صحيح، وذكره الذهبي أيضًا في كتاب "العلو"، وقال: هذا حديث صحيح. وقد رواه الإمام أحمد والبُخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ وقال فيه: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله، ورُبَّما قال: بحكم الملك))، ورواه أحمد ومسلم أيضًا من حديث عائشة ﵂ وفيه: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله )، زاد أحمد: ((وحكم رسوله))، ورواه الترمذي من حديث جابر ﵁ ولفظه: ((أصبت حكم الله فيهم)). ومِمَّا يرد به عليه أيضًا ما جاء في حديث أبي هريرة - رضي الله

стр. 21

عنه -: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العَرش: إنَّ رحمتي غلبت غضبي))؛ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. ومِمَّا يُرد به عليه أيضًا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يدعو عند النَّوم، فذكر الحديث، وفيه: ((اللهم أنت الأول، فليس قبلك شيء، وأنت الآخر، فليس بَعْدَك شيء، وأنتَ الظَّاهر، فليس فوقك شيء، وأنت الباطن، فليس دونك شيء))؛ الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ومما يرد به عليه أيضًا ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنَّهار، ويَجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم - كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّون، وأتيناهم وهم يصلون))؛ رواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم والنَّسائي. ومما يرد به عليه أيضًا حديث أبي موسى ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ((إنَّ اللهَ لا ينام، ولا ينبغي له أنْ ينامَ،

стр. 22

يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل))؛ الحديث رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه. وكما أنَّ هذه الأحاديث دالة على علوِّ الربِّ ﵎ فوق جميع المخلوقات، وأنَّه بائن من خلقه، ففيها أيضًا أبلغ رد على من زَعَم أنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية. والأحاديث في الردِّ على مَن قال بهذا القول الباطل كثيرة جدًّا، وفيما ذكرته كفاية إنْ شاء الله.

стр. 23

فصل ومن المأثور عن الصَّحابة ﵃ في إثبات العُلُو لله - تعالى - ما رواه ابنُ أبي حاتم والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات"، عن جرير بن حازم قال: سمعت أبا يزيد يُحدث قال: لقيتْ امرأةٌ عُمَرَ ﵁ يقال لها: خولة بنت ثعلبة، وهو يسير مع الناس، فاستوقفته، فوقف لها، ودنا منها، وأصغى إليها رأسه، حتى قضت حاجتها وانصرفت، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز، قال: "ويْحك أَوَتدري مَن هذه؟ قال: لا، قال: هذه امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، هذه خولة بنت ثعلبة، والله لو لم تنصرف عني إلى الليل ما انصرفت عنها، حتى تقضي حاجتها إلاَّ أن تحضر صلاةٌ فأصليها، ثم أرجع إليها حتى تقضي حاجتها"، وقد ذكر هذا الأثر أبو عمر ابن عبدالبر في "الاستيعاب"، وقال: رويناه من وجوه. ومن ذلك ما رواه الإمامُ أحمد والبخاري والترمذي والنَّسائي، عن أنس ﵁ قال: كانت زينب تفخر على أزواج النَّبي ﷺ تقول: "زوجكن أهاليكن، وزوجني الله - تعالى - من فوق سبع

стр. 24

سموات"، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عباس ﵄ أنه قال لعائشة ﵂: "كنتِ أحبَّ نساء رسول الله ﷺ إلى رسول الله ﷺ ولم يكن رسول الله ﷺ يحب إلا طيبًا، وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، جاء بها الرُّوح الأمين"، ورواه ابن سعد في الطبقات، وإسناده صحيح على شرط مسلم. ومن ذلك ما رواه سُنَيْدُ بن داود، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن ابن مسعود ﵁ قال: "الله فوق العرش لا يَخفى عليه شيء من أعمالكم"، إسناده صحيح، وقد رواه عثمان بن سعيد الدَّارمي عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود ﵁ قال: "ما بين السماء الدُّنيا، والتي تليها خمسمائة عام، وبين كُلِّ سماء مَسيرةُ خمسمائة عام، وبين السَّماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وبين الكُرسي وبين الماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله - تعالى - فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه"؛ إسناده صحيح، ورواه البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" من طريق

стр. 25

عبدالرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة فذكره بنحوه، ورواه ابن عبدالبر في التَّمهيد من طريق يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن زر، عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: "ما بين السماء والأرض مَسيرةُ خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى الأخرى مَسيرة خمسمائة عام، وما بين السَّماء السابعة إلى الكرسي مَسيرة خمسمائة عام، والعَرش على الماء، والله ﵎ على العرش يعلم أعمالكم"، ورَواه البيهقي أيضًا من طريق عبدالرحمن بن عبدالله بن عتبة - وهو المسعودي - عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل - واسمه شقيق بن سلمة - عن عبدالله بن مسعود ﵁ فذكره بنحوه. ومن ذلك ما رواه إسحاق بن راهويه، عن عكرمة في قوله - تعالى - مخبرًا عن إبليس أنَّه قال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، قال ابن عباس ﵄: "لم يستطع أنْ يقول: مِن فوقهم علم أنَّ الله مِن فَوقهم". ومن ذلك قول ابن مسعود ﵁: "من قال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إلهَ إلا الله، واللهُ أكبر، تلقَّاهن مَلَك، فعرج

стр. 26

بهن إلى الله، فلا يَمر بملأ من الملائكة إلاَّ استغفروا لقائلهن حتى يَجيء بهن وجه الرحمن"، قال ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": أخرجه العسال في كتاب "المعرفة" بإسنادٍ كلُّهم ثقات. ومن ذلك قصة عبد الله بن رواحة ﵁ مع امرأته حين وقع على أمته، وهي مشهورة، وقد ذكرها ابن عبد البر في "الاستيعاب"، وقال: رويناها من وجوه صحاح، وذلك أنه مشى ليلة إلى أَمَةٍ له فنالها، وفطنت له امرأته، فلامته فجحدها، وكانت قد رأت جِمَاعَه لها، فقالت له: إن كنت صادقًا، فاقرأ القرآن، فإنَّ الجنب لا يقرأ القرآن، فقال: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ حَقٌّ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ ... مَلاَئِكَةُ الْإِلَهِ مُسَوِّمِينَا فقالت امرأته: صدق الله، وكذبت عيني، وكانت لا تَحفظ القرآن ولا تقرؤه، وقد رواها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" بإسناده إلى عبدالعزيز بن أخي الماجشون، وفيه أنَّ امرأةَ عبدالله بن رواحة قالت له لما جحد خلوته بجاريته: إن كنت

стр. 27

صادقًا فاقرأ آية من القرآن، فقال: شَهِدْتُ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ... وَأَنَّ النَّارَ مَثْوَى الْكَافِرِينَا قالت فزدني آية فقال: وَأَنَّ الْعَرْشَ فَوْقَ الْمَاءِ طَافٍ ... وَفَوْقَ الْعَرْشِ رَبُّ الْعَالَمِينَا وَتَحْمِلُهُ مَلاَئِكَةٌ كِرَامٌ ... مَلاَئِكَةُ الْإِلَهِ مُقَرَّبِينَا فقالت: آمنتُ بالله، وكَذَّبْتُ البَصَر، فأتى رسولَ الله ﷺ فحدثه، فضَحِكَ، ولم يغير عليه. ومن ذلك ما رواه ابنُ سعد: أنبأنا مالك بن إسماعيل النهدي، أنبأنا عمر بن زياد، عن عبدالملك بن عمير، قال: جاء حسان بن ثابت إلى النبي ﷺ فقال: أُسَمِّكَ يا رسول الله، قال: "قل حقًّا" فقال: شَهِدْتُ بِإِذْنِ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ... رَسُولُ الَّذِي فَوْقَ السَّمَوَاتِ مِنْ عَلُ فقال رسول الله ﷺ : ((وأنا أشهد))، فقال: وَأَنَّ الَّذِي عَادَى الْيَهُودَ ابْنُ مَرْيَمٍ ... لَهُ عَمَلٌ مِنْ رَبِّهِ مُتَقَبَّلُ فقال: ((وأنا أشهد)). وقد ذكره الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وقال في البيت الأخير:

стр. 28

وَأَنَّ الَّذِي عَادَى الْيَهُودَ ابْنُ مَرْيَمٍ ... نَبِيٌّ أَتَى مِنْ عِنْدِ ذِي الْعَرْشِ مُرْسَلُ وهكذا هو في "ديوان حسان بن ثابت" ﵁. ومن ذلك ما رواه عثمان بن سعيد الدَّارمي في كتاب "النقض" على المريسي، بإسناد جيد عن أبي هريرة ﵁ قال: "لَمَّا ألقي إبراهيم في النار، قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك". وكما أنَّ هذه الآثار المروية عن الصحابة ﵃ تدُلُّ على إثبات العلو لله - تعالى - ففيها أبلغ رَدٍّ على من زعم أنَّ معية الله لخلقه مَعِيَّة ذاتية.

стр. 29

فصل وأمَّا إجماعُ أهل السنة والجماعة على خلاف ما زعمه القائل بأنَّ معية الله لخلقه معية ذاتية، فقد حكاه غيرُ واحد من أكابر العُلماء، من أجلهم إمامُ أهل السنة أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - فقد روى القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناد إلى أبي العباس أحمد بن جعفر بن يعقوب بن عبدالله الفارسي الإصطخري، قال: قال أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل: هذه مذاهبُ أهل العلم وأصحابُ الأثر، وأهل السنة المتمسِّكين بعروقها، العارفين بها، المقتدى بهم فيها من لدُن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من علماء أهلِ الحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها أو عاب قائلها، فهو مُبتدع خارجٌ من الجماعة، زائل عن منهج السنة وسبيل الحق. ثم ساق الإمامُ أحمد أقوالهم في هذه العقيدة إلى أنْ قال: وخلق سبع سمواتٍ بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العُليا والسماء الدُّنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء مَسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء العُليا

стр. 30

السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله على العرش، والكرسي موضع قدميه، وهو يعلم ما في السموات والأرضين السبع وما بينهما، وما تحت الثَّرى، وما في قعر البحار، ومنبت كل شعرة وشجرة، وكل زرع وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الحصى والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم، ويعلم كل شيء، لا يَخفى عليه من ذلك شيء، وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نور ونار وظلمة وما هو أعلم به. فإن احتجَّ مُبتدع ومخالف بقول الله : ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وبقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، ونحو هذا من مُتشابه القرآن، فقل: إنَّما يعنى بذلك العلم؛ لأنَّ الله - تعالى - على العرش فوق السماء السابعة العُليا، ويعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان؛ انتهى. فليتأمله المبتلى بِمُخالفة أهل السنة والجماعة حَقَّ التأمُّل، وليتق

стр. 31

الله، ولا يكن من دُعاة البدع والضلالة، فقد قال الله - تعالى - فيهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]، وفي الحديث الصحيح أنَّ رسول الله ﷺ قال: ((ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تَبِعَه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا))؛ رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁ وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال أبو عمر ابن عبدالبر: أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وما خلفهم في ذلك أحد يحتج بقوله؛ انتهى. وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في "القاعدة المركشية"، وأقره وهو مذكور في صفحة ١٩٣ من المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى"، ثم قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: فهذا ما تلقاه الخلفُ عن السَّلف؛ إذ لم ينقل عنهم غير ذلك؛ إذ هو الحق الظاهر الذي دلَّت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية؛ انتهى. وقد نقل الذهبي كلام ابن عبدالبر في كتاب "العلو"،

стр. 32

ونقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقره. وذكر شيخ الإسلام أيضًا في "شرح حديث النزول" قول الله - تعالى - في سورة الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله - تعالى - في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] الآية، ثم قال: وقد ثبت عن السلف أنَّهم قالوا: هو معهم بعلمه، وقد ذكر ابن عبدالبر وغيره أنَّ هذا إجماع من الصَّحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يُخالفهم فيه أحد يُعتدُّ بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: هو على العرش وعلمه معهم، وروى أيضًا عن سفيان الثَّوري أنه قال: علمه معهم، وروى أيضًا عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قال: هو على العرش وعلمه معهم. وقال أبو عمر الطلمنكي: وأجمعوا - يعني أهل السنة

стр. 33

والجماعة - على أنَّ لله عرشًا، وعلى أنه مستوٍ على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه، قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أنَّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ ونحو ذلك في القرآن أنَّ ذلك علمه، وأنَّ الله فوق السموات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء. قال: وقال أهل السنة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة، لا على المجاز؛ انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في شرح حديث النُّزول وهو في صفحة ٥١٩ من المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى"، ونقل بعضه الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". ونقل شيخُ الإسلام أيضًا عن أبي عمر الطلمنكي أنَّه قال: وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أنَّ الله على عرشه بائن من جميع خلقه، وتعالى الله عن قولِ أهل الزَّيغ، وعما يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا؛ انتهى، وهو المذكور في صفحة ٥٠١ من المجلد الخامس من "مجموع الفتاوى". وروى البيهقي في كتاب "الأسماء والصِّفات" بإسناد صحيح

стр. 34

عن الأوزاعي، قال: كنَّا والتابعون مُتوافرون نقول: إنَّ الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته - جل وعلا - وقد ذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - قول الأوزاعي في "الفتوى الحموية الكبرى"، ثم قال: وقد حكى الأوزاعي وهو أحد الأئمة الأربعة في عصر تابع التَّابعين الذين هم: مالك إمام أهل الحجاز، والأوزاعي إمام أهل الشام، والليث إمام أهل مصر، والثوري إمام أهل العراق، حكى شهرة القول في زمن التابعين بالإيمان بأن الله فوق العَرش وبصفاته السمعية، وإنَّما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مَذهب جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنَّافي لصفاته؛ ليعرفَ الناس أنَّ مذهب السلف خلاف ذلك؛ انتهى، وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - كلام الأوزاعي في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية"، ثم قال: هذا الأثر يدخل في حكاية مذهبه ومذهب التابعين؛ انتهى. وقال الذَّهبي في كتاب "العلو": قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقَّاش المفسر، واللفظ له: حدثنا أبو العباس السراج، قال: سمعت قتيبة بن سعيد يقول: هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة، نعرف ربنا أنه في السماء السابعة على عرشه؛ كما قال

стр. 35

- ﷻ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وكذا نقل موسى بن هارون، عن قتيبة أنَّه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، قال الذهبي: فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة؛ انتهى، وقد نقل ابن القيم كلام قتيبة في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" بمثل ما ذكره الذهبي. وروى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي بإسناده إلى الحسن بن محمد بن الحارث، قال: سُئل علي بن المديني وأنا أسمع: ما قولُ أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرُّؤية وبالكلام، وأن الله فوق السموات على عرشه استوى، فسئل عن قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾؛ انتهى، وقد نقله الذَّهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أخبرنا أبو بكر المروذي، حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري، حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود، قال: قال إسحاق بن راهويه: قال الله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إجماعُ أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كلَّ شيء في أسفل الأرض السابعة؛

стр. 36

انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي بعد إيراده: اسمع ويْحَك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة، كما نقله في زمانه قتيبة المذكور؛ انتهى. وروى الذهبي في كتاب "العلو" بإسناده إلى عبدالرحمن بن أبي حاتم، قال: سألت أبي وأبا زرعة - رحمهما الله تعالى - عن مذهب أهل السنة في "أصول الدين"، وما أَدْرَكَا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العُلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبِهم: أن الله ﵎ على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكلِّ شيء علمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ انتهى، وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش المسلمة"، ثم قال: وهذان الإمامان إمامَا أهل الدين، وهما من نُظراء أحمد والبخاري - رحمهم الله تعالى. وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي في كتاب "النقض" على بشر المريسي: قد اتفقت الكلمة من المسلمين على أنَّ الله فوق عرشه فوق سمواته، وقال أيضًا: إنَّ الله فوق عرشه يعلم ويسمع من

стр. 37

فوق العرش، ولا تَخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء؛ انتهى، وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". وذكر ابن القيم أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق أنَّه قال: والماء فوق السماء السابعة، والعرش على الماء، والله على العرش، قال ابن القيم: هذا لفظه في مسائله، وحكاه إجماعًا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار؛ انتهى. وقال أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرِّي في كتاب "الشريعة"، "باب التحذير من مذاهب الحلولية"، ثم ذكر عنهم أنَّهم يحتجون لمذهبهم بقول الله - تعالى - في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وبقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: فلبسوا على السامع بما تأولوا، وفسروا القرآنَ على ما تهوى أنفسهم، فضلوا وأضلوا. قال: والذي يذهب إليه أهل العلم أنَّ الله على عرشه فوق سمواته،

стр. 38

وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السموات العُلى، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثَّرى، يسمع ويرى، لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السموات والأرضين وما بينهن إلاَّ وقد أحاط علمه به، فهو على عرشه - سبحانه العلي الأعلى - يرفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار. فإنْ قال قائل: فأيُّ شيء معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية التي يَحتجون بها؟ قيل: علمه والله على عرشه، وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهلُ العلم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم؛ قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، فابتدأ الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فعلمه مُحيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين.

стр. 39

قال: وفي كتاب الله آيات تدُلُّ على أن الله في السماء على عرشه، وعلمه مُحيط بجميع خلقه، وذكر آيات في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدم، ثم قال: "باب ذكر السنن التي دلت العقلاء على أنَّ الله على عرشه فوق سبع سمواته، وعلمه مُحيط بكل شيء، ولا يَخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء"، وذكر أحاديث كثيرة في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدَّم، ثم قال: فهذه السنن قد اتَّفقت معانيها، ويصدق بعضها بعضًا، وكلها تدُلُّ على ما قلنا: إنَّ الله على عرشه فوق سمواته، وقد أحاط علمه بكل شيء، وأنه سميع بصير خبير؛ انتهى المقصود من كلامه ملخصًا، وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بعضَ كلام الآجُرِّي مختصرًا إلى قوله: وهذا قول المسلمين. وقال الإمام الزاهد أبو عبدالله بن بطة العكبري شيخ الحنابلة في كتابه "الإبانة"، "باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه مُحيط بجميع خلقه": أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين: أنَّ الله على عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فأمَّا قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، فهو كما قالت العلماء: علمه، وأمَّا قوله:

стр. 40

﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، معناه: أنَّه هو الله في السموات إله، وهو الله في الأرض إله، وتصديقه في كتاب الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: إنَّ الله معنا وفينا، وقد فسر العلماء أنَّ ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]؛ انتهى، وقد نقله عنه الذهبي في كتاب "العلو"، وقال: ثم إنَّ ابن بطة سرد بأسانيده أقوال مَن قال: إنَّه علمه، وهم الضحاك، والثوري، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وذكر ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي محمد عبدالله بن أبي زيد القيرواني أنَّه ذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو، واستواء الرب - تعالى - على عرشه بذاته أتم تقرير، فقال: "فصل فيما عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة": إنَّ الله له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى لم يزل بجميع صفاته - ثم ذكر جملةً من الصِّفات، ومنها: أنَّه فوق سمواته على عرشه دون أرضه، وأنَّه في كلِّ مكان بعلمه - ثم ذكر سائرَ العقيدة، وقال في آخرها: وكل ما قدمنا ذكره،
следующие страницы →