← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 17405

إثبات علو الله ومباينته لخلقه والرد على من زعم أن معية الله للخلق ذاتية

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (158 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

انتهى. وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي بعد إيراده: اسمع ويْحَك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة، كما نقله في زمانه قتيبة المذكور؛ انتهى. وروى الذهبي في كتاب "العلو" بإسناده إلى عبدالرحمن بن أبي حاتم، قال: سألت أبي وأبا زرعة - رحمهما الله تعالى - عن مذهب أهل السنة في "أصول الدين"، وما أَدْرَكَا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك، فقالا: أدركنا العُلماء في جميع الأمصار، حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبِهم: أن الله ﵎ على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف، أحاط بكلِّ شيء علمًا، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير؛ انتهى، وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش المسلمة"، ثم قال: وهذان الإمامان إمامَا أهل الدين، وهما من نُظراء أحمد والبخاري - رحمهم الله تعالى. وقال عثمان بن سعيد الدَّارمي في كتاب "النقض" على بشر المريسي: قد اتفقت الكلمة من المسلمين على أنَّ الله فوق عرشه فوق سمواته، وقال أيضًا: إنَّ الله فوق عرشه يعلم ويسمع من

стр. 37

فوق العرش، ولا تَخفى عليه خافية من خلقه، ولا يحجبهم عنه شيء؛ انتهى، وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". وذكر ابن القيم أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن حرب بن إسماعيل الكرماني صاحب أحمد وإسحاق أنَّه قال: والماء فوق السماء السابعة، والعرش على الماء، والله على العرش، قال ابن القيم: هذا لفظه في مسائله، وحكاه إجماعًا لأهل السنة من سائر أهل الأمصار؛ انتهى. وقال أبو بكر محمد بن الحسين الآجُرِّي في كتاب "الشريعة"، "باب التحذير من مذاهب الحلولية"، ثم ذكر عنهم أنَّهم يحتجون لمذهبهم بقول الله - تعالى - في سورة المجادلة: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وبقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: فلبسوا على السامع بما تأولوا، وفسروا القرآنَ على ما تهوى أنفسهم، فضلوا وأضلوا. قال: والذي يذهب إليه أهل العلم أنَّ الله على عرشه فوق سمواته،

стр. 38

وعلمه محيط بكل شيء، قد أحاط علمه بجميع ما خلق في السموات العُلى، وبجميع ما في سبع أرضين وما بينهما وما تحت الثَّرى، يسمع ويرى، لا يعزب عن الله مثقال ذرة في السموات والأرضين وما بينهن إلاَّ وقد أحاط علمه به، فهو على عرشه - سبحانه العلي الأعلى - يرفع إليه أعمال العباد، وهو أعلم بها من الملائكة الذين يرفعونها بالليل والنهار. فإنْ قال قائل: فأيُّ شيء معنى قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية التي يَحتجون بها؟ قيل: علمه والله على عرشه، وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهلُ العلم، والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم؛ قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، فابتدأ الآية بالعلم، وختمها بالعلم، فعلمه مُحيط بجميع خلقه، وهو على عرشه، وهذا قول المسلمين.

стр. 39

قال: وفي كتاب الله آيات تدُلُّ على أن الله في السماء على عرشه، وعلمه مُحيط بجميع خلقه، وذكر آيات في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدم، ثم قال: "باب ذكر السنن التي دلت العقلاء على أنَّ الله على عرشه فوق سبع سمواته، وعلمه مُحيط بكل شيء، ولا يَخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء"، وذكر أحاديث كثيرة في ذلك، وقد ذكرتها فيما تقدَّم، ثم قال: فهذه السنن قد اتَّفقت معانيها، ويصدق بعضها بعضًا، وكلها تدُلُّ على ما قلنا: إنَّ الله على عرشه فوق سمواته، وقد أحاط علمه بكل شيء، وأنه سميع بصير خبير؛ انتهى المقصود من كلامه ملخصًا، وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" بعضَ كلام الآجُرِّي مختصرًا إلى قوله: وهذا قول المسلمين. وقال الإمام الزاهد أبو عبدالله بن بطة العكبري شيخ الحنابلة في كتابه "الإبانة"، "باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه مُحيط بجميع خلقه": أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين: أنَّ الله على عرشه فوق سمواته، بائن من خلقه، فأمَّا قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، فهو كما قالت العلماء: علمه، وأمَّا قوله:

стр. 40

﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، معناه: أنَّه هو الله في السموات إله، وهو الله في الأرض إله، وتصديقه في كتاب الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: إنَّ الله معنا وفينا، وقد فسر العلماء أنَّ ذلك علمه، ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]؛ انتهى، وقد نقله عنه الذهبي في كتاب "العلو"، وقال: ثم إنَّ ابن بطة سرد بأسانيده أقوال مَن قال: إنَّه علمه، وهم الضحاك، والثوري، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه. وذكر ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي محمد عبدالله بن أبي زيد القيرواني أنَّه ذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو، واستواء الرب - تعالى - على عرشه بذاته أتم تقرير، فقال: "فصل فيما عليه الأمة من أمور الديانة من السنن التي خلافها بدعة وضلالة": إنَّ الله له الأسماء الحسنى، والصفات العُلى لم يزل بجميع صفاته - ثم ذكر جملةً من الصِّفات، ومنها: أنَّه فوق سمواته على عرشه دون أرضه، وأنَّه في كلِّ مكان بعلمه - ثم ذكر سائرَ العقيدة، وقال في آخرها: وكل ما قدمنا ذكره،

стр. 41

فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث، وكله قول مالك؛ انتهى المقصود من كلامه. وذكر ابن القيم أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن أبي عبدالله محمد بن أبي زمنين أنَّه قال في كتابه الذي صنفه في أصول السنة: ومن قول أهلِ السنة: أن الله خلق العرش، واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه، قال: ومن قول أهل السنة: إنَّ الله بائن من خلقه محتجب عنهم بالحجب؛ انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى". وذكر ابن القيم أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" من إمام الشافعية في وقته سعد بن علي الزنجاني أنَّه قال: أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، وأن لله علوَّ الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو، فنثبت بذلك أنَّ لله علوَّ الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة؛ انتهى. وذكر ابن القيم أيضًا في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عن إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي أنَّه قال في كتاب "الحجة": قال علماء السنة: إنَّ الله على عرشه بائن

стр. 42

من خلقه، وقال أيضًا: أجمع المسلمون أنَّ الله - سبحانه - العلي الأعلى، قال: فنثبت أنَّ لله - تعالى - علوَّ الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة؛ انتهى. وقال أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتاب "الإبانة" ما ملخصه: فإنْ قيل: فهل تقولون: إنَّه في كل مكان، قيل: معاذ الله، بل هو مستوٍ على عرشه، كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك: ١٦]، قال: ولو كان في كل مكان، لكان يصحُّ أنْ يُرْغَبَ إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله؛ انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى"، ونقله الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" وأقروه. وقال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبدالله بن أحمد الأصبهاني مصنف "حلية الأولياء" في كتاب "الاعتقاد" له:

стр. 43

طريقتنا طريقةُ السَّلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، ومما اعتقدوه أنَّ الأحاديثَ التي ثبتت في العرش، واستواء الله عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تَمثيل، وأنَّ الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه لا يَحل فيهم، ولا يَمتزج بهم، وهو مُستوٍ على عرشه في سمائه من دون أرضه؛ انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى"، والذهبي في كتاب "العلو"، ثم قال: فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول، ولله الحمد، ونقل ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" قوله: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، قال: وساق ذكر اعتقادهم، ثم قال: ومما اعتقدوه أنَّ الله في سمائه دون أرضه؛ انتهى. وقال أبو عثمان إسماعيل بن عبدالرحمن النيسابوري الصابوني في رسالته في السنة: ويعتقد أصحاب الحديث، ويشهدون أنَّ الله فوق سبع سمواته على عرشه، كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة، وأعيان الأئمة من السَّلف، لم يختلفوا أنَّ الله على عرشه، وعرشه فوق سمواته؛ انتهى، وقد نقله شيخُ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى"، والذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش

стр. 44

الإسلامية" وأقروه. وقال أبو عمر ابن عبدالبر في كتاب "التَّمهيد": لما تكلم على حديث النُّزول في صفحة ١٢٨ وما بعدها من الجزء السابع، قال: هذا حديث ثابت من جهة النقل، صحيح الإسناد لا يختلف أهلُ الحديث في صحته، وفيه دليل على أن الله في السماء على العرش من فوق سبع سموات، كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إنَّ الله في كل مكان، وليس على العرش - إلى أنْ قال: ومن الحجة في أنه على العرش فوق السموات السبع: أنَّ الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر، أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربَّهم ﵎ وهذا أشهر وأعرف عند الخاصَّة والعامة من أنْ يُحتاجَ فيه إلى أكثرَ من حكايته؛ لأنَّه اضطرار لم يوقفهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم. قال: وأما احتجاجهم بقوله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية؛ لأنَّ علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن، قالوا في تأويل هذه الآية: هو على

стр. 45

العرش، وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله، ذكر سُنَيْدٌ عن مُقاتل بن حيان، عن الضحْاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ ...﴾ [المجادلة: ٧] الآية، قال: هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا، قال: وبلغني عن سُفيان الثوري مثله؛ انتهى، وقد نقل شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة - رحمه الله تعالى - جملة من كلامه، وتقدم ذكرها، وكذلك الذهبي، فإنَّه نقل بعض كلام ابن عبدالبر في كتاب "العلو"، ونقله أيضًا ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وأقره كلٌّ منهم. وفيما ذكره ابن عبدالبر عن الموحدين أنَّهم إذا كَرَبَهم أمر، أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم - أبلغُ ردٍّ على من زعم أنَّ مَعية الله لخلقه معية ذاتية، ولو كان الأمر على ما زعمه القائل على الله بغير علم، لكان الربُّ مع أهل الأرض بذاته، فلا يضطرون إلى رفع رؤوسهم إلى السماء عند الكرب، ونزول الشدائد، بل يوجهون وجوههم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وهذا معلوم البطلان بالضَّرورة عند كل مؤمن يعلم أنَّ الله - تعالى - فوق جميع المخلوقات، وأنه مستوٍ

стр. 46

على عرشه بائن من خلقه، ومن أبلغ الرد أيضًا على من زعم أن معية الله لخلقه معيةٌ ذاتية: ما ذكره ابن عبدالبر عن علماء الصحابة والتابعين أنَّهم قالوا في تأويل قول الله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، قال: وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله. وقال الشيخ الموفق أبو محمد عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد"، بعد أنْ ذكر قول الله - تعالى -: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقول النبي ﷺ للجارية: ((أين الله؟))، قالت: في السماء، قال: ((اعتقها فإنَّها مؤمنة))، وقوله: ((ربنا الله الذي في السماء تقدَّس اسْمُك))، وقوله لحصين بن عبيد والد عمران بن حصين: ((كم إلهًا تعبد؟))، قال: "سبعة: ستة في الأرض، وواحد في السماء"، قال: ((ومَنْ لرغبتك ورهبتك؟))، قال: الذي في السماء، قال: ((فاترك الستة، واعبد الذي في السماء، وأنا أعلمك دعوتين))، الحديث، وذكر أيضًا حديث الأَوْعَال وفي آخره:

стр. 47

((وفوق ذلك العرش، والله سبحانه فوق ذلك))، ثم قال: فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقَبوله، ولم يتعرَّضوا لردِّه ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تَمثيله؛ انتهى. وقال الموفق أيضًا في كتاب "إثبات صفة العلو": أمَّا بعد، فإنَّ الله - تعالى - وصف نفسه بالعُلُو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء ﵊ وأجمع على ذلك جميعُ العلماء من الصَّحابة الأتقياء والأئمة من الفُقهاء، وتواترت الأخبار في ذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوبَ المسلمين، وجعله مغروزًا في طبائع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكَرْب يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون عندها للدُّعاء أيديهم، وينتظرون مَجيء الفرج من ربِّهم - سبحانه - ينطقون بذلك بألسنتهم، لا ينكر ذلك إلاَّ مُبتدع غالٍ في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته؛ انتهى، وقد نقله ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وفيه أبلغ ردٍّ على من زعم أنَّ مَعية الله لخلقه معية ذاتية.

стр. 48

فصل في ذكر الأقوال المأثورة عن السَّلف الصالح من الصَّحابة والتابعين، ومن بعدهم من أكابر العلماء في إثبات العلوِّ لله - تعالى - وفي ضمنها الرد على من زعم أنَّ معيةَ الله لخلقه معية ذاتية. قال الإمام الحافظ أبو القاسم اللالكائي - واسمه هبة الله بن الحسن الطبري الشافعي، مصنف كتاب "شرح اعتقاد أهل السنة"، وهو مجلد فخم -: سياق ما روي في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأنَّ الله على عرشه؛ قال الله : ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، فدلَّت هذه الآيات أنَّه في السماء وعلمه بكلِّ مكان، روي ذلك عن عمر وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة ﵃ ومن التابعين ربيعة، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال مالك والثوري وأحمد؛ انتهى، وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، ونقل ابن القيم بعضه في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الحافظ الحجة أبو نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي السجزي في كتاب "الإبانة"، الذي ألفه في السنة، أئمتنا كسفيان الثوري، ومالك،

стр. 49

وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والفضيل، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله - سبحانه - فوق العرش بذاته، وأنَّ علمه بكل مكان؛ انتهى، وقد نقله شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "القاعدة المراكشية"، ثم قال: وكذلك ذكر شيخ الإسلام الأنصاري، وأبو العباس الطَّرْقي (١)، والشيخ عبدالقادر الجيلاني، ومن لا يُحصِي عددَه إلا اللهُ من أئمة الإسلام وشيوخه؛ انتهى. وقال الذَّهبي في كتاب "العلو" بعدما نقل كلام السجزي: هذا الذي نقله عنهم مشهور محفوظ، سوى كلمة "بذاته"، فإنَّها من كيسه نسبها إليهم بالمعنى؛ ليفرق بين العرش وبين ما عداه من الأمكنة؛ انتهى. قلت: قد تقدم ما حكاه أبو عمر الطلمنكي من الإجماع، على أن الله ﵎ فوق السموات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في "شرح حديث النزول"، وأقَرَّه على ذكر الذَّات، ونقله الذهبي

стр. 50

في كتاب "العلو" قبل كلام السجزي بصفحتين، وأقرَّه على ذكر الذات، فلا وجه إذًا لاعتراضه على السجزي، وقد ذكر هذه الكلمة عدد كثير من كبار العلماء، كما ذكر ذلك الذهبي في كتاب "العلو" بعد ذكره لكلام ابن أبي زيد المالكي، وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى. وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية عن علماء المالكية أنَّهم حكوا إجماع أهل السنة والجماعة، على أنَّ الله بذاته فوق عرشه، وفي هذا مع ما تقدم رد على اعتراض الذَّهبي على السجزي، وقد بين الذهبي مراد العلماء من ذكر هذه الكلمة، وهو التفريق بين كونه - تعالى - على العرش، وكونه معنا بالعلم، وعلى هذا فليس ذكر الذات من فضول الكلام، كما سيأتي في كلام الذهبي، الذي تعقب به كلام ابن أبي زيد القيرواني، وإنَّما هو من الإيضاح والتفريق بين عُلُوِّ الله فوق العرش بذاته، وبين معيته بالعلم مع الخلق. قول كعب الأحبار روى أبو صفوان الأموي بإسناده إلى كعب الأحبار، قال: قال الله في التوراة: "أنا الله فوق عبادي، وعرشي

стр. 51

فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، ولا يَخفى عليَّ شيء في السماء ولا في الأرض"، وقد ذكره الذَّهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي: رواتُه ثِقَات، وقال ابن القيم: رواه أبو الشيخ وابن بطة وغيرهما بإسناد صحيح عن كعب، وروى أبو الشيخ في كتاب "العظمة" بإسناد إلى كعب الأحبار، قال: إنَّ الله خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن، ثم جعل بين كل سماءين كما بين السماء الدُّنيا والأرض، وجعل كِثَفَها مثل ذلك، ثم رفع العرش فاستوى عليه، وقد ذكره الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي: الإسناد نظيف. قول مسروق بن الأجدع روى علي بن الأقمر عن مسروق، قال: حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبةُ حبيبِ الله المبَرَّأة من فوق سبع سموات، ذكره الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي: إسناده صحيح وصححه أيضًا ابن القيم.

стр. 52

قول قتادة بن دعامة روى عثمان بن سعيد الدارمي عنه أنَّه قال: قالت بنو إسرائيل: يا رب، أنت في السماء ونحن في الأرض، فكيف لنا أنْ نعرفَ رضاك وغضبَك؟ قال: إذا رضيت عنكم، استعملت عليكم خيارَكم، وإذا غضبت عليكم، استعملت عليكم شرارَكم، وقد ذكره الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية"، وقال الذهبي هذا ثابت عن قتادة أحد الحفاظ، وروى ابن جرير في تفسيره عن قتادة في قول الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، قال: يعبد في السماء، ويعبد في الأرض، وقد ذكره البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد" من دون إسناد، ورواه البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات"، ثم قال: وفي معنى هذه الآية قول الله : ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]. قول الضحاك بن مزاحم روى عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" وأبو داود في

стр. 53

كتاب "المسائل" بإسناد حسن عن الضحاك في قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قال هو على العرش، وعلمه معهم، وقد رواه ابن جرير في تفسيره، ولفظه: قال: هو فوق العرش، وعلمه معهم أينما كانوا، ورواه الآجُرِّي في كتاب "الشريعة"، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات"، والقاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة"، وقال بعد إيراده: قال أبو عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - هذه السنة، وذكره ابن عبدالبر في "التمهيد"، فقال: ذكر سُنَيْدٌ عن مقاتل بن حيان، عن الضَحَّاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، الآية قال: هو على عرشه، وعلمه معهم أينما كانوا، قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله، وقد ذكره الذهبي في كتاب "العلو"، قال: وفي لفظٍ: "هو فوق العرش وعلمه معهم أينما كانوا"؛ أخرجه أبو أحمد العسال، وأبو عبدالله بن بطة، وأبو عمر بن عبدالبر بإسناد جيد. قول مقاتل بن حيان ذكر ابن أبي حاتم في تفسيره عن مقاتل أنَّه قال في قول الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، قال: هو على العرش، وهو معهم

стр. 54

بعلمه، وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" نقلاً عن ابن أبي حاتم، ورَوى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" بإسناده إلى مقاتل بن حيان، قال: بلغنا والله أعلم في قول الله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ [الحديد: ٣] قبل كل شيء، ﴿وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] بعد كل شيء، ﴿والظَّاهِرُ﴾ [الحديد: ٣] فوق كل شيء، ﴿والْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] أقرب من كل شيء. وإنَّما يعني بالقرب بعلمه وقدرته، وهو فوق عرشه، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، ثم ذكر كلامه على الآية التي بعدها إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، يعني قدرته وسلطانه وعلمه معكم أينما كنتم، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]، وبالإسناد عن مُقاتل بن حيان، قال قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، يقول: علمه، وذلك قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، فيعلم نَجواهم، ويسمع كلامهم، ثم يُنبئهم يوم القيامة بكل شيء، هو فوق عرشه وعلمه معهم، وقد نقل الذهبي في كتاب "العلو" بعضَ ما رواه البيهقي، عن مقاتل بن حيان، ثم قال: مقاتل هذا ثقة إمام معاصر للأوزاعي، ما هو بابْنِ سليمان، ذاك مبتدع ليس بثقة. قول مالك بن دينار روى أبو نعيم في "الحلية" عنه أنَّه كان يقول: خذوا فيقرأ، ثم

стр. 55

يقول: اسمعوا إلى قول الصَّادق من فوق عرشه، قال الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": إسناده صحيح. قول الإمام أبي عمرو الأوزاعي قد تقدَّم ما رواه البيهقي عنه أنَّه قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إنَّ الله - تعالى ذكره - فوق عرشه، ونؤمن بما وردت السنة به من صفاته - جل وعلا - وقال الذهبي في كتاب "العلو": روى أبو إسحاق الثَّعلبي قال: سئل الأوزاعي عن قوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤]، قال: هو على عرشه كما وصف نفسه. قول الإمام أبي حنيفة روى البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" بإسناده إلى نُعَيْمِ بن حماد، قال: سمعت نُوحَ بْنَ أبي مريم أبا عصمة يقول: كُنَّا عند أبي حنيفة أول ما ظهر إذ جاءته امرأةٌ من تِرْمِذ كانت تجالس جهمًا، فدخلت الكوفة، فأظُنُّني أقل ما رأيت عليها عشرة آلاف من الناس تدعو إلى رأيها، فقيل لها: إنَّ ها هنا رجلاً قد نظر في المعقول

стр. 56

يقال له: أبو حنيفة، فأتته، فقالت: أنت الذي تُعلِّم الناس المسائلَ، وقد تركت دينك، أين إلهك الذي تعبُدُه؟ فسكت عنها، ثم مكث سبعة أيام لا يُجيبها، ثم خرج إليها، وقد وضع كتابًا: الله ﵎ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: هو كما تكتب إلى الرجل: إنِّي معك، وأنت غائب عنه. قال البيهقي: لقد أصاب أبو حنيفة ﵁ فيما نفى عن الله من الكون في الأرض، وفيما ذَكَر من تأويل الآية، وتَبِعَ مُطلقَ السمع في قوله: إنَّ الله في السماء، وقد رواه الذَّهبي في كتاب "العلو" من طريق البيهقي، وقال أبو مطيع البلخي في كتاب "الفقه الأكبر" المشهور، سألت أبا حنيفة عمَّن يقول: لا أعرف ربِّي في السماء أو في الأرض، قال: قد كفر؛ لأنَّ الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وعرشه فوق سبع سموات، فقلت: إنَّه يقول: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ولكن لا يدري العرش في السماء أو في الأرض، فقال: إذا أنكر أنَّه في السماء، كفر؛ لأنَّه تعالى في أعلى علِّيِّين، وأنه يُدعى من أعلى لا من أسفل؛ انتهى، وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "القاعدة

стр. 57

المراكشية"، والحافظ الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول سفيان الثوري روى عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن معدان الذي قال فيه ابن المبارك: إنْ كان بخراسان أحد من الأبدال فمعدان، قال: سألت سفيان الثوري عن قول الله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: علمه، وقد ذكره البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد"، ورواه أبو بكر الآجُرِّي في كتاب "الشريعة"، إلاَّ أنه قال في الإسناد عن خالد بن معدان: وهذا وَهْمٌ؛ لأنَّ خالدَ بن معدان من الطبقة الثالثة، وسفيان الثوري من الطبقة السابعة، فلا يصح أنْ يقالَ: إنَّ خالد بن معدان روى عن سفيان الثَّوري الذي هو أنزل منه بأربع طبقات، ولعلَّ هذا الوهم وقع من بعض النُّسَّاخ، والله أعلم، ورواه البيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" بمثله. قول الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة روى أبو داود في كتاب "المسائل" وأبو بكر الآجري في

стр. 58

كتاب "الشريعة" من طريق أبي داود، ومن طريق الفضل بن زياد، كلاهما عن الإمام أحمد بن حنبل، قال: حدثني سريج بن النعمان قال: حدثنا عبدالله بن نافع، قال: قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كلِّ مكان لا يَخلو من علمه مكان، وقد رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أبيه، وزاد بعد قوله وعلمه في كلِّ مكان لا يَخلو منه شيء، وتلا هذه الآية: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "القاعدة المراكشية": أنَّ المالكية وغير المالكية نقلوا عن مالك أنَّه قال: الله في السماء، وعلمه في كلِّ مكان، حتى ذكر ذلك مكي خطيب قرطبة في "كتاب التفسير"، الذي جمعه من كلام مالك، ونقله أبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر بن عبدالبر، وابن أبي زيد في المختصر، وغير واحد ونقله أيضًا عن مالك غير هؤلاء ممن لا يُحصى عددُهم مثل أحمد بن حنبل، وابنه عبدالله والأثرم والخلال والآجري وابن بطة، وطوائف غير هؤلاء من المصنفين في السنة - إلى أنْ قال: وكلام أئمة المالكية وقدمائهم في الإثبات كثيرٌ مَشهور حتى علماؤهم حكوا إجماعَ أهل السنة والجماعة على أنَّ الله بذاته فوق عرشه، انتهى.

стр. 59

قول أصبغ صاحب مالك ذكر ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال: إنَّ الله مستوٍ على عرشه، وبكل مكان علمُه وإحاطته؛ قال ابن القيم: وأصبغ من أَجَلِّ أصحابِ مالك وأفهمهم. قول عبدالله بن المبارك روى عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سمعت عبدالله بن المبارك يقول: نعرف ربَّنا فوق سبع سموات على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهميَّة: إنَّه ها هنا - وأشار إلى الأرض - وقد نقله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "الفتوى الحموية الكبرى"، فقال: روى عبدالله بن أحمد وغيره بأسانيد صِحاح، عن ابن المبارك فذكره بنحوه، ثم قال: وهكذا قال الإمام أحمد وغيره، وذكره شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر من الفتاوى، ثم قال: هذا مشهور عن ابن المبارك ثابت عنه من غير وجه، وهو أيضًا صحيح ثابت عن أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغير واحد من الأئمة؛ انتهى.

стр. 60

ونقله الذَّهبي في كتاب "العلو"، وقال بعده، فقيل: هذا لأحمد بن حنبل، فقال: هكذا هو عندنا، ورواه الذهبي بإسناده إلى علي بن الحسن، قال: سألت ابن المبارك: كيف ينبغي لنا أنْ نعرف ربنا ؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض، وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" ما رواه الأثرم عن محمد بن إبراهيم القيسي، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك أنَّه قيل له: كيف نعرف ربَّنا ؟ قال: في السماء السابعة على عرشه، فقال أحمد: هكذا هو عندنا، وقال البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد": وقال ابن المبارك: لا نقول كما قالت الجهمية: إنه في الأرض ها هنا، بل على العرش استوى، وقيل له: كيف نعرف ربَّنا؟ قال: فوق سمواته على عرشه. قول أبي عصمة نوح بن أبي مريم قال عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني أحمد بن سعيد الدارمي، سمعت أبا عصمة، وسأله رجل عن الله: في السماء هو؟ فحدث بحديث النبي ﷺ حين سأل الأَمَة: ((أين الله؟))، قالت: في السَّماء، قال: ((فمن أنا؟))، قالت: رسول الله،

стр. 61

قال: ((اعتقها فإنَّها مؤمنة))، قال: سماها رسول الله ﷺ مؤمنة أنْ عَرَفت أنَّ الله في السماء. قول علي بن عاصم محدث واسط وشيخ الإمام أحمد ذكر ابن أبي حاتم في كتاب "الرد على الجهمية" عن يَحيى بن علي بن عاصم، قال: كنت عند أبي، فاستأذن عليه المريسي، فقلت له: يا أبتِ، مثل هذا يدخل عليك؟! فقال: وما له؟ قلت: إنه يقول: إنَّ القرآنَ مخلوق، ويزعُم أنَّ الله معه في الأرض - وكلامًا ذكرته - فما رأيته أشد عليه مثل ما اشتد عليه قوله: إنَّ القرآن مخلوق، وقوله: إنَّ الله معه في الأرض، وقد نقله الذهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول سعيد بن عامر الضبعي عالم البصرة قال البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد"، وقال سعيد بن عامر: الجهميَّة أشر قولاً من اليهود والنَّصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهلُ الأديان أنَّ الله ﵎ على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء، وقال الذهبي في كتاب

стр. 62

"العلو" قال عبدالرحمن بن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثت عن سعيد بن عامر الضبعي أنه ذكر الجهمية، فقال: هم شر قولاً من اليهود والنَّصارى، قد أجمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أنَّ الله على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء، وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" نقلاً عن كتاب "السنة" لابن أبي حاتم. قول يزيد بن هارون قال عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة": حدثني عباس العنبري، حدثنا شاذ بن يحيى، سمعت يزيد بن هارون وقيل له: من الجهمية؟ قال: من زعم أنَّ الرحمن على العرش استوى على خلاف ما في قلوب العامَّة، فهو جهمي، وقد ذكره البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد"، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: والذي يقر في قلوب العامة هو ما فطر الله - تعالى - عليه الخليقة من توجُّهِها إلى ربِّها - تعالى - عند النَّوازل والشَّدائد، والدُّعاء والرغبات إليه - تعالى - نحو العلو لا تلتفت يَمنَةً ولا يَسْرَةً من غير موقف وقفهم عليه، ولكن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة حتى

стр. 63

يجهمه، وينقله إلى التعطيل مَن يُقيض له؛ انتهى، وقد نقله عنه ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية". قول عبدالله بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم ذكر الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال: مَن لا يوقن أنَّ الرحمن على العرش استوى، كما يقر في قلوب العامَّة، فهو جهمي، وقد تقدم عن يزيد بن هارون مثله. قول عبدالله بن أبي جعفر الرازي قال الذهبي في كتاب "العلو": قال محمد بن يَحيى الذهلي: أخبرني صالح بن الضريس قال: جعل عبدالله يضرب رأسَ قرابة له يرى رأي جهم، فرأيته يضرب بالنَّعل على رأسه، ويقول: لا حتى تقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] بائن من خلقه، وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" نقلاً عن كتاب "الرد على الجهمية" لابن أبي حاتم.

стр. 64

قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي قال الذهبي في كتاب "العلو": روى شيخ الإسلام أبو الحسن الهَكَّاري (١)، والحافظ أبو محمد المقدسي بإسنادهم إلى أبي ثور وأبي شعيب، كلاهما عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي قال: القول في السنة التي أنا عليها، ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك، وغيرهما - إقرارٌ بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنَّ الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء، وينزل إلى السماء الدُّنيا كيف شاء، وذكر سائر الاعتقاد، وقد ذكره ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" من رواية عبدالرحمن بن أبي حاتم، عن أبي شعيب وأبي ثور، عن الشافعي - رحمه الله تعالى - وذكر شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في "الفتوى الحموية الكبرى" عن الشافعي أنَّه قال: "خلافة أبي بكر الصديق حقٌّ قضاه الله في السماء، وجمع عليه قلوب عباده"؛ انتهى.

стр. 65

قول عبدالعزيز بن يحيى الكناني المكي قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "الفتاوى": ومن أصحاب الشافعي عبدالعزيز بن يحيى الكناني المكي له كتاب "الرد على الجهمية"، وقرر فيه مسألة العلو، وأنَّ الله - تعالى - فوق عرشه، والأئمة في الحديث والفقه والسنة والتصوُّف المائلون إلى الشافعي، ما من أحد منهم إلا له كلام فيما يتعلَّق بهذا الباب ما هو معروف يطول ذكره؛ انتهى. قول هشام بن عبيد الله الرازي عالم الري قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "الفتوى الحموية الكبرى": روى ابن أبى حاتم أنَّ هشام بن عبيدالله الرازي صاحب محمد بن الحسن - قاضي الري - حبس رجلاً في التجهُّم، فتاب، فجيء به إلى هشام ليطلقه، فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام، فقال: أتشهد أنَّ الله على عرشه، بائنٌ من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: رُدُّوه إلى الحبس، فإنَّه لم يَتُبْ، وقد ذكره الذَّهبي في كتاب "العلو" بنحوه.

стр. 66

قول محمد بن مصعب العابد روى عبدالله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عنه أنَّه قال: من زعم أنَّك لا تتكلم، ولا ترى في الآخرة، فهو كافر بوجهك، أشهد أنَّك فوق العرش، فوق سبع سموات، ليس كما يقول أعداء الله الزنادقة. قول سنيد بن داود المصيصي الحافظ قال الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": قال أبو حاتم الرَّازي: حدثنا أبو عمران الطرسوسي، قال: قلت لسُنَيْدِ بن داود: هو على عرشه بائن من خلقه؟ قال: نعم. قول عبدالله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري ذكر الذهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنه قال: نقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، ومن زعم غير هذا، فهو مبطل جهمي.

стр. 67

قول نعيم بن حماد الخزاعي الحافظ ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو"، وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال في قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، قال: معناه: أنَّه لا يَخفى عليه خافية بعلمه، ألا ترى إلى قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآية، أراد أنه لا يَخفى عليه خافية؟ قول بشر بن الوليد وأبي يوسف قال ابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": روى ابنُ أبي حاتم قال: جاء بِشْرُ بن الوليد إلى أبي يُوسف، فقال له: تنهاني عن كلام بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، وعليُّ الأحول وفلان، يتكلمون؟! فقال: وما يقولون؟ قال: يقولون: إنَّ الله في كل مكان، فبعث أبو يوسف، وقال: عليَّ بهم، فانتَهَوْا إليهم، وقد قام بِشْرٌ، فجيء بعَلِي الأحول، والشيخ الآخر، فنظر أبو يوسف إلى الشيخ، وقال: لو أنَّ فيك موضعَ أدبٍ، لأوجعتك، وأمر به إلى الحبس، وضرب عليًّا الأحول، وطيف به، وقد استتاب أبو يوسف بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ لما أنكر أنَّ الله فوق عرشه، وهي قصة مشهورة ذكرها عبدالرحمن بن أبي

стр. 68

حاتم وغيره، وأصحاب أبي حنيفة المتقدمون على هذا، وقد ذكر الطَّحاوي في اعتقاد أبي حنيفة وصاحبيه ما يُوافِق هذا، وأنَّهم من أبرَأ الناس من التعطيل والتجهُّم؛ انتهى باختصار. قول بشر الحافي الزاهد قال الذهبي في كتاب "العلو": له عقيدة رواها ابن بطة في كتاب "الإبانة" وغيره، فمما فيها: والإيمان بأنَّ الله على عرشه استوى كما شاء، وأنَّه عالم بكل مكان. قول أحمد بن نصر الخزاعي قال الذهبي في كتاب "العلو": قال إبراهيم الحربي فيما صحَّ عنه: قال أحمد بن نصر، وسئل عن علم الله، فقال: علم الله معنا، وهو على عرشه. قول قتيبة بن سعيد قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنَّه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، وقد نقل إجماع أهل السنة والجماعة على ذلك، فليراجع.

стр. 69

قول علي بن المديني قد ذكرت عنه فيما تقدَّم أنَّه نقل الإجماع على أنَّ الله فوق السموات على عرشه استوى، فسُئِلَ عن قوله - تعالى -: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: اقرأ ما قبله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة: ٧]. قول خالد بن سليمان أبي معاذ البلخي قال ابنُ القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية": روى ابنُ أبي حاتم عنه بإسناده أنَّه قال: إنَّ الله في السماء على العَرش كما وصف نفسه. قول الإمام أحمد بن محمد بن حنبل قد تقدَّم في أوَّل حكاية الإجماع على خلاف ما زعمه المردود عليه - ما جاء في العقيدة التي رواها أبو العباس الإصطخري (١) عن الإمام أحمد في إثبات عُلُوِّ الله - تعالى - على العرش فوق السماء

стр. 70

السابعة، وأنَّه بائن من خلقه، وأنه مع الخلق بعلمه لا يَخلو من علمه مكان، فليراجع كلامه، فإنَّه مهم جدًّا، وتقدَّم أيضًا عن عبدالله بن المبارك أنَّه قيل له: بماذا نعرف ربَّنا؟ قال: بأنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه، ولا نقول كما تقول الجهمية: إنه ها هنا في الأرض، قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة: وهكذا قال الإمام أحمد وغيره، وقال الذهبي: قيل هذا لأحمد بن حنبل، فقال: هكذا هو عندنا، وروى القاضي أبو الحسن في "طبقات الحنابلة" عن يوسف بن موسى القطان، قال: قيل لأبي عبدالله: والله - تعالى - فوق السماء السابعة على عرشه بائنٌ من خلقه، وقدرته وعلمه بكلِّ مكان؟ قال: نعم، على عَرشه، ولا يَخلو شيء من علمه، وذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" عن أبي طالب أحمد بن حميد قال: سألت أحمد بن حنبل عن رجل، قال: الله معنا وتلا: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: قد تَجهَّم هذا، يأخذون بآخر الآية، ويَدَعون أوَّلَها، هلاَّ قرأت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ [المجادلة: ٧]، فعلمه معهم، وقال في سورة ق: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، فعلمه معهم.

стр. 71

قلت: ما زعمه القائل بأنَّ مَعِيَّةَ الله لخلقه معية ذاتيَّة مُطابِق لقول الرجل الذي قال فيه الإمام أحمد: إنَّه قد تَجهَّم. وقال المروذي: قلت لأبي عبدالله: إنَّ رجلاً قال: أقول كما قال الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره، فقال أبو عبدالله: هذا كلامُ الجهميَّة، بل علمه معهم، فأول الآية يدُلُّ على أنه عِلْمُه، رواه ابن بطة في كتاب "الإبانة" عن عمر بن محمد بن رجاء عن محمد بن داود عن المروذي. قلت: ليتأملْ المبتلى بِمُخالفة أهل السنة والجماعة كلامَ الإمامِ أحمد حقَّ التأمُّل؛ حتى يعرف من كان يقول بالمعية الذاتيَّة من أهل البدع والضَّلال، وأنَّهم شرُّ أهل البدع. وقال حنبل بن إسحاق في كتاب "السنة": قلت لأبي عبدالله أحمد بن حنبل: ما معنى قوله - تعالى -: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] إلى قوله: ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؟ قال: عِلْمُهُ، عالم الغيب والشَّهادة، مُحيط بكُلِّ شيء، شاهد علاَّم الغيوب، يَعْلَمُ الغيبَ ربُّنا

стр. 72

عَلَى العَرْشِ بلا حدٍّ ولا صفة (١)، وسع كُرسِيُّه السَّموات والأرض؛ انتهى، وقد نقله شيخُ الإسلام أبو العباس ابن تيميَّة في "شرح حديث النُّزول". وقال الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي موسى في عقيدة له ذكرها القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة": سئل الإمام أحمد بن محمد بن حنبل عن قوله : ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، فقال: عِلْمُه. وذكر الإمام أحمد في كتاب "الرد على الجهمية" أنَّهم قالوا: إنَّ اللهَ تَحت الأرض السابعة، كما هو على العَرْش، فهو على العرش، وفي السموات، وفي الأرض، ولا يَخلو منه مكان، ولا يكون في مكان دون مكان، وتَلَوا آيةً من القرآن: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، فقلنا: قد عرف المسلمون أماكنَ كثيرة ليس فيها من عظمة الربِّ شيء: أجسامكم وأجوافكم وأجواف

стр. 73

الخنازير والوحوش، والأماكن القذرة ليس فيها من عظمة الرب شيء، وقد أخبرنا أنَّه في السماء، ثم ذكر أحمد الأدلة من القرآن على أنَّ الله - تعالى - في السماء، وقال بعد ذلك: وإنَّما معنى قول الله - جل ثناؤه -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، يقول: هو إله مَن في السموات، وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يَخلو من علم الله مكانٌ، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]. وقال الإمام أحمد أيضًا: "بيان ما تأولت الجهميَّة من قول الله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، قالوا: إنَّ الله معنا وفينا، فقلنا: الله - جل ثناؤه - يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، ثم قال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: الله بعلمه، ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]، يعني الله بعلمه، ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ [المجادلة: ٧]؛ يعني: بعلمه فيهم، ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ

стр. 74

الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، يفتح الخبر بعلمه، ويختم الخبر بعلمه". وقال الإمام أحمد أيضًا: "بيان ما ذكر الله في القرآن: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وهذا على وجوه: قال الله - جل ثناؤه - لموسى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]، يقول: في الدَّفع عنكما، وقال: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، يقول: في الدَّفع عنَّا، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، يقول في النصر لهم على عدوهم، وقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] في النَّصر لكم على عدوِّكم، وقال: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٨]، يقول: بعلمه فيهم، وقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢]، يقول: في العون على فرعون، ثم ذكر الإمام أحمد بعد هذا التفصيل أنَّ الحجة ظهرت على الجهمي بما ادَّعى على الله أنه مع خلقه"؛ انتهى.

стр. 75

قول إسحاق بن راهويه قد ذكرت عنه فيما أنَّه نَقَلَ الإجماع على أن الله فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة. قول المزني صاحب الشافعي ذكر الذَّهبي في كتاب "العلو" وابن القيم في كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية" عنه أنَّه قال: الحمد لله الواحد الصمد، ليس له صاحبة ولا ولد، عالٍ على عرشه، دانٍ بعلمه من خلقه، وقال أيضًا: عالٍ على عرشه، بائنٌ عن خلقه، وروى الذهبي بإسناد إلى محمد بن إسماعيل الترمذي قال: سمعت المزني يقول: لا يصحُّ لأحد توحيد، حتى يعلمَ أنَّ الله على العرش بصفاته، قلت: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم قدير. قول محمد بن يحيى الذهلي ذكر الذهبي في كتاب "العلو" عن الحاكم أنَّه قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: سئل محمد بن يَحيى عن حديث عبدالله بن
следующие страницы →